الفصل 35 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
23
كلمة
4,581
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

آدم جالس على مكتبه يطالع بعض الأوراق، فدلف عمه يحيي من الباب دون استئذان. نظر إليه آدم بطرف عينه وعاد إلى مطالعة الأوراق وهو يحدثه: -الأبواب انعملت لتنطرق ويستأذن الداخل، وهاد اللي يفرق المكاتب والبيوت عن السوق ياعمي. جلس يحيي ولم يأبه لحديثه ومد له يده ببعض الأوراق. فالتقطها آدم في صمت وتفحصها، فإذ بها عقود لتوليه الإدارة المالية للشركة كاملة. فتبسم آدم وهو يضع الأوراق أمام عمه ويردف بسخرية:

-ويش هاد الكرم كلا، ودك تسويني مدير مالي للشركه! ليش بدك تلبسني قضية اختلاس ولا ايش ياعمي؟ يحيي: -حقك تظن فيا السوء لأن اللي حصل واللي شفته وسمعته عني مش قليل، بس صدقني ياآدم يابني انا فتحت صفحه جديدة معاك وخلاص نسيت الماضي كله وعرفت اني مليش غيره اخ واحد وابن اخ واحد، والدنيا زايله ومش هتفضل غير المحبه والأخوة، وعشان كده بقولك إنسى ياابن اخويا وتعالى نفتح صفحة جديدة.. صفحه نبدأها بحسن النيه والتوكل على الله.

نظر له آدم ملياً وهو يتفحص وجه الحمل الذي ظهر على وجه عمه من العدم، وقدرته الرهيبة على التلون من حال لحال، للدرجة التي تجعل من لا يعرفه يصدقه على الفور ويتعاطف معه! ولأن آدم لا تنطلي عليه مثل هذه الخدع، ولأن كشف الاقنعة المزيفة لعبته، كان يعلم جيداً ما ينتظره إن وافق عمه وأعطاه مراده. فتبسم وهو يردف بهدوء راداً عليه:

-ماراح أمضي ياعمي، انا راح أدير الشركة هيك بدون مناصب ولا شي، وبعدين تعا لهون، انت جاي تحكيلي ان الدنيا مو مستاهله شي بعد مااخدت كل شي؟! ايش فتت بالدنيا انت واستغنيت عنه لتحكي هيك، جاي تفتح صفحة جديدة وأنت ماسبت مكان بالكتاب القديم إلا وخطيت بيه اوجاع؟

خد هاي الاوراق ياعمي وروح من هون مو آدم اللي تنطلي عليه الاعيبك والاعيب ابنك، واي بدي احكيلك شي توصلهوله راح يسعده واااجد.. كلها يومين وراح يشوف حلم عمره متحقق، بس للأسف مو هو اللي حققه، لا.. الحلم تحقق على يد غيره، خلي يذوق طعم ان الواحد يضل يتعب ويتعب ويجي حد ياخد تعبه عالجاهز، خلي يجرب الشعور اللي حس بيه خوك وكوى روحه، صحيح مو ياسين اللي لازم يجرب هاد الشعور وانت اللي لازم تشرب من الكاس، بس ماعلينا وجع ابنك راح يوجعك اكيد.. عزائي الكم مقدماً وارجوا عند سماع الخبر تتذكر إن الحياة لا تعطي الفرص للمغفلين.

يحيي: -تقصد ايه بكلامك دا ياآدم؟ آدم: -ما اقصد شي، بس على رأي اهل السلف والحكمة.. مايحط يده بجحر الثعبان مرتين غير المهبول، وأنا شبعان من جحرك لدغات ياشقيق ابوي، ولهيك بعتذرلك ماراح اقبل تولي مناصب بشركتك بشكل رسمي، وأصلاً ليش اعملها وانا عاطي لروحي كل الصلاحيات؟

وازيدك من الشعر بيت.. أنا الحين المتحكم الوحيد بالشركة كلها، وصارت كل كبيرة وصغيرة بيدي، وبكلمة مني أوقف كل شي. بس انا للحين ماسويت هيك لأن الشركة فاتحة بيوت ناس وبشر، فخليها دايره لحين إشعار آخر. يحيي: -يعني آخر كلام مش هتمضي؟ آدم: -اخر كلام مابمضي على شي، وماراح تقدر تورطني بشي، ولا راح اترك الشركة مهما حاولت.. ماراح اتركها الا بحالة وحدة بس.

نظر له عمه يحيي وقطب حاجبيه منتظراً منه أن يفصح عن الحالة الوحيدة التي سيترك فيها شركته، وأقسم أن يفعل ما بإستطاعته كي يخلق له هذه الحالة، ولكن ابتسامة آدم جعلته ييقن بأن هذه الحالة هي خراب الشركة، وأنه لن يتركها إلا وهي منتهية كلياً. فأمسك أوراقه ونهض متثاقلاً وهم بالمغادرة، فأوقفته جملة آدم:

-عمي لا تتعب روحك بالتخطيط ولا تستنذف قوتك بالمحاولات الفاشلة، أنا مو محمود اخوك المسكين اللي تاكل عشاه القطط، أنا عقاب ياعمي،، عقاااب اللي ماينقدرله.. أنا عقاب ابن القبايل والبوادي، أنا عقاب ابن الصحاري اللي تربي وسط الهوايش والحلال وسل عني الخيل والليل والبيداء كلهن يعرفوني. زفر يحيي بحنق وغادر المكتب على الفور وهو يجرجر اذيال خيبة أخرى، فالتقى بإبنه ياسين وهو يخرج من مكتبه.

وبمجرد النظر اليه وإلى الاوراق التي بيديه، أغمض ياسين عينيه وزفر بحنق وهو يقول لأبيه: -قولتلك مليون مره متتعبش نفسك دا مش بني آدم، دا تعبان ومش هتنفع معاه الحيل الخايبه بتاعتكم دي، مش هينفع معاه غير اننا نخلص عليه بطريقة سريعة ومضمونة ومفيش غير طريقتين بس اللي هيجيبوا معانا من الآخر.. حادثه او رصاصة ترشق في قلبه أو دماغه غير كده كلها محاولات عبث.

صمت ابيه ولم يعقب على ماقاله وتحرك من أمامه مبتعداً، وهو لا يجد سبيلاً لهزيمة ثعلب الصحراء هذا الذي اتاه ليدمر كل مابناه وخطط له طوال سنوات عمره. ومن سوء حظه أن آدم اكتسب سلطة لم يرى غيره يتمتع بها من قبل، فحتى في مقرات الشرطة له مقام يدب الرعب في الأوصال!

أما ياسين، فوقف ينظر لآدم من خلف زجاج مكتبه ويراقبه وهو منكب فوق الأوراق يقلبها أمام عينيه ويطالعها بتركيز تام بعد ان يدون بعض الأشياء وكأنه يُحيك مؤامرة ويخطط لها بعناية.. وبعد مدة لا يعلمها من المراقبة وأحاديث نفسه التي لم تنقطع حول ما يراه أمامه من هيبة وهالة تحيط آدم، وحضور أمام الآخرين وتميز وتفرد، ولا يعلم من أين اكتسب كل هذه الأشياء في الصحراء الموحشة!

وغير هذا.. من أين له كل هذه الخبرة في عالم التكنولوجيا وكيف له أن يعلم مقرات كبرى الشركات العالمية ويجيد التعامل معهم بلغات مختلفة؟! باختصار، سؤال اخذ يتردد في عقله حتى كاد يفقده إياه.. من أين له كل هذا؟! رفت عينا ياسين اخيراً على صوت مدحت أخيه الذي نكزه كي يلتفت له بعد أن تحدث معه كثيراً:

-ايه ياياسين رحت فين.. بقولك فين اوراق الطلبية الأخيرة اللي هنمضيها مع الشركة المستوردة، عايزين نبدأ وندي أوامر لعمال المصنع بالكمية ومواصفاتها، الصفقة دي صفقة العام ومش عايزين لخبطه مع شركة كبيرة زي دي بتتعامل معانا لأول مرة. تركه ياسين ودلف إلى مكتبه لإحضار الأوراق المطلوبة. وهم بمغادرة المكتب، ولكن إشعار قفز على شاشة الحاسوب جعله يعود للجلوس مرة أخرى.

فقد كانت رسالة من الشركة المستوردة، ومحتوى الرسالة الصادم كان بمثابة ضربة له فوق رأسه، فقد كانت عبارة عن اعتذار وإلغاء للصفقة وإلغاء للعقود التي تم إرسالها لهم، والسبب أنهم وجدوا شركة ستوفر لهم كامل الطلبية بسعر أقل ومواصفات وجودة أعلى. كاد أن يجن وأخذ يتخبط ويضرب بقبضته كل شيء في طريقه وهو ذاهب لمكتب أبيه، فقد بنى آمال كبيرة على هذه الصفقة وأهمها إنهاء مشروعه المتعطل.

دخل على أبيه كالإعصار وبغضب عارم رمى الأوراق على المكتب أمامه وأردف بصوت غاضب: -الشركة لغت الصفقة معانا، والسبب انها لقت شركة بأسعار ومواصفات احسن، أنا مش عارف ازاي ده وإحنا مقدمين اقل عطى وهامش ربحنا يعتبر نص هوامش ربح الشركات التانيه، معقولة يكون فيه شركة داخلة صفقة عشان تخسر وصاحبها يدفع من جيبه، أو عالأقل تدخل مشروع بدون ربح.. طيب ليه؟

أمسك يحيي بالأوراق ونظر إليهم ثم نظر لابنه ولم يعرف بما يجيبه. ولكن نظراً لحالته اضطر لتهدئته، فقد كان على وشك الانفجار، او انفجر بالفعل. حالة هرج ومرج أحدثها ياسين في الشركة في هذا اليوم، غضب انصب على كل الموظفين. أما آدم، فقد كان يراقب في صمت ويرى صدى ضربته الأولى، أما القاضية فمتعتها ستكون أضعاف.

عاد الجميع بعد يوم عصيب إلى القصر، وهناك كانت راحة آدم التي ينالها بعد يوم عصيب، أولها بين ذراعي أمه، وآخرها في عيون حياة التي أصبحت مقترنة بابتسامته وراحته النفسية ودقات قلبه. أما هي، فكانت تنتظره متلهفة كالعادة، مشتاقة لكل ما فيه، أحاديثه ونظراته وجلسته وحتى سكوته، فقد احتلتها هذا الدخيل للدرجة التي جعلتها تهجر العالم كله وتسكن عالمه فقط.

أنهى أحاديثه مع امه وذهبت إلى غرفتها وحان وقت أحاديث القلب، الحديث الذي يزيل عن صدر آدم كل هموم الدنيا، الكلمات التي تخرج من فم زهرة اللوتس التي أنبتها الله في وسط هذا المستنقع البغيض ولكنها حافظت على نقائها وجمال روحها وقلبها صافي بريء. خرج من القصر وبعد دقائق تسللت هي خلفه فألتقيا بالحديقة الخلفية، وما أن التقت العيون حتى تعانقت القلوب وباحت الأفواه بكل جميل. -اشتقتلك واااجد يابعد هالروح والقلب والعين.

-وانا كمان اشتقتلك يا آدم، انت متعرفش الساعات اللي بتكون فيها بعيد عني انا بيكون شعوري ايه، انا بكون تايهة ومتلخبطة ومخنوقة وحاسة ان الهوا اللي حواليا اختفى.. قلبي دقاته مبتكونش منتظمة من كتر الاشتياق ليك. -ياروح الروح انتي والله ياحياتي كانك توصفيني، توصفي مشاعري وتوصفي احساس هالقلب. -طيب ايه؟ -ايش؟

-انا شايفه إننا هنفضل عالحال دا كتير اوووي، أو يمكن للأبد، نشتاق ونتعذب ونتلاقى في السر وحبنا منقدرش نبوح بيه لحد لأنه شبه محرم.. وعارفه إن كل الأطراف مش هيوافقوا على ارتباطنا ببعض. تبسم لها ليبث الاطمئنان في نفسها واردف هامساً:

-اوعاكي تحملي هم شي وانا موجود، عقاب إذا اراد يسوي شي ماتقف قباله الدنيا ومن فيها، بس الحين مو وقته وانا عندي اشيا اهم اسويها، اشيا تترتب عليها حياتي القادمة، مستقبلي وراحة قلبي، وماتنفع تتأجل للأسف وإلا كان اسمك الحين مقرون بإسمي. -الانتقام ياآدم مش كده؟ -الانتقام وترتيب مستقبلي ياحياة. -لسه مصمم تنتقم؟ -تعتقدي إن من العدل اسامح واسكت واصكر فمي وعقلي عن كل اللي صار واللي مازال عم يصير؟ ودك اكون جبان ياحياة؟!

هاد تفكيرك بآدم يعني؟ صمتت ولم تجبه وأخفضت عيناها للأرض وكسى الحزن ملامحها. فأردف آدم مواصلاً: -اعلم انهم أهلك، بس الباغي يابنت الناس لابد تدور عليه الدواير.

-انا قولتلك قبل كده ياآدم انا مش هدافع عنهم ومش هطلب منك تعفوا عنهم لان دا حقك.. انا كل الحكاية إني خايفة عليك انت، خايفة وانت ماشي في سكة الانتقام توصل لنقطة مينفعش فيها رجوع ومفيش بعدها سلامة، خايفة من انك وانت بتاخد قصاصك تأذي نفسك او هما يأذوك، انا كل خوفي عليك انت والله. تنهد وهو ينظر لعينيها مجدداً فيأخذ منهما الكثير من العزم والقوة ورد عليها بصوت متعب:

-ماتخافي علي ياحياة الروح، ربك الحارس وكله قدر ومكتوب، والحين تعي واحكيلي ويش سويتي بيومك، ايش اكلتي وشربتي، مع مين تكلمتي ويش قلتي، تبسمتي كم مرة اليوم وشاف الضو سنونك اللولي وصفن فيهم وتأمل وانا المحروم، كم مرة داعب النسيم خصلات شعرك وما منعتيه وتعرفين حبيبك يغار عليك من النسيم إذا لمسك.

تبسمت وهي تنظر إليه واختلفت وتيرة نبضات قلبها فور سماعها لهذه العبارات التي تذيب قلبها ولم تجبه واكتفت بالتمني، ولا تعلم لم منذ بعض الوقت بدأ خوف يتسلل إلى قلبها، ونبضة خائفة تقتحم النبضات الحالمة، أهو خوف طبيعي أم إنذار بشيء ما؟ لا تعلم. ولكنها مطمئنة له ومطمئنة بقربه وتشعر بأنها تمتلك العالم بأسره.

لم يكونا وحيدين في الحديقة كما ظنا، فقد كانت هناك أربعة عيون متربصة تراقب، عينا أم آدم وعينا ياسين الذي كان بالقرب الكافي خلفهم ليستمع إلى كل ما تفوهوا به. وقد نزل الكلام على قلبه كالجمر، فها هي فتاته التي يخبئها لنفسه كجائزة يحصل عليها بعد أن ينتهي من ترتيب حياته ومستقبله سرقها منه ذلك اللص الذي أتى ليسلبه كل شيء دفعة واحدة.

تقدم نحوهم كالريح ووقف أمامهم وأخذ ينظر لحياة بنظرات نارية قبل أن يجذبها من ذراعها ويهوي على وجهها بكفه يفقدها توازنها فتسقط على المقعد متألمة. وما أن رأى آدم هذا حتى انقض عليه كما ينقض العقاب على فريسته، فأخذ يضربه بعنف وعشوائية غير مبالٍ لما سيحدث له، أو لأنه ربما ينهي حياته إثر إحدى ضرباته القاسية، والتي يعلم جيداً أين يسددها.

رأت أمه عايدة كل هذا فهرولت إليه صارخة مستنجدة، وعلى صوت صراخها أتى الجميع، وقاموا بفض القتال الذي لم يكن متكامل الأركان نهائياً. وركع يحيي بجانب ياسين ابنه وأخذ يتفحص جروحه ونظرات قاتلة يوجهها لآدم وهو يسأله ماذا فعل له ابنه ليفعل به هكذا؟

لم يتحدث آدم واكتفى بالنظر بعيداً. ولكن ما يحاول حجبه عن الجميع لم يكن بالشيء الخفي، فكلهم يعلمون بأن ياسين يريد حياة، والجميع أيضاً لاحظ تقرب آدم منها في الآونة الأخيرة وانجذابها إليه، فالمحبة لا تخبأ كثيراً وكل الدلالات عليها تظهر للعيان. نظرت عايدة لحياة بلوم ثم نظرت لابنها وطلبت منه مرافقتها على الفور، وطلبت من زوجها محمود الحضور أيضاً. وما أن أغلقت باب الغرفة عليهم حتى رفعت إصبعها أمام آدم محذرة:

-آدم تنسى اللي بتفكر فيه دا واللي عايز تعمله وتبعد عن بنت فاطمة فوراً.. يابني أنت ناقص عداوات جديدة مع الناس دي، إحنا كل يوم بيعدي علينا وانت عايش بنحمد ربنا فيه ألف مرة، وبعدين انت ملقتش غير حياة دي، أنا حطيت ايدي على قلبي لما شفت النظرات اللي بينك وبين كارمن وقلبي ما ارتحش غير لما بعدت عنها، وافتكرت إنك قربت منها مصلحة، وأفتكرت أن قربك من حياة لنفس الغرض، لكن اللي اتبينلي بعد كده إن اللي بيحصل بينكم شيئ خطير وميتسكتش عليه، وادي اول بشايره بانت.. حب وارتباط مع بنت فاطمة لأ وألف لأ ياآدم.

محمود: -على فكرة مامتك بتتكلم صح ياآدم، فيه حاجات يابني وقرارات متنفعش، مش لأنها غلط لأ، لكن عشان هتتسببلنا في الأذى ومش هتكون لصالحنا حتى لو كانت صحيحة ومن حقنا. تنهد آدم وفتح فمه كي يرد على ابويه ولكن يد أمه التي لجمت فمه منعته من الحديث وهمست له راجية:

-أرجوك ياآدم متتكلمش ومتجادلش وفكر، فكر واسأل واستشير وانا متأكدة إن كل اللي هتعرض عليه الموضوع هيرفض اللي انت ناوي تعمله.. ارجع يابني لعمك قصير، ارجع لصاحبك سالم ارجع لرابح للشيخ منصور كلهم هيقولولك لأ ومينفعش ابداً.

رفعت يدها من على فمه وحررت شفتاه وتمنت من كل قلبها ألا يجادل هذه المرة، تمنت لمرتها الأولى أن يصمت ذات الكلمات العذبة التي لا تريد انقطاعها عن مسامعها، تمنت ألا يتحدث لأول مرة لأنها تعلم أن ما سيقوله لن يكون لصالحه أو لصالح أحد، سيكون عناد والعناد يولد الضياع.

ولكنها حمدت الله حين غادر ابنها دون التفوه بكلمة، تعلم جيداً أنها أوجعته وحطمت كل أحلامه وأمنياته، ولكن الوجع وضياع الأمنيات أفضل بكثير من ضياع الروح، فكل شيء قابل للتعويض إلا الحياة. أخذ آدم سيارته وأخذ يحوم بها في الطرقات وهو يفكر، لم يرغب بالحديث مع أحد فهو يعرف رأي الجميع بخصوص حياة وارتباطه بها، فقرر أن يستفتي عقله، يستفتي المنطق ويسكت صوت قلبه المعارض على مجرد التفكير في الأمر.

أما عن حياة، فبمجرد دخولها لغرفتها فوجئت بفريال خالتها تقتحم عليها الغرفة وتقف أمامها مثل أسد غاضب وأخذت تزمجر بصوت مخيف: -بصي بقا يابت فاطمة، أنا مش هسمحلك تكوني سبب في إن ابني يتعرض لأذى من أي نوع، انتي عارفه إن ياسين عايزك ولمحتلك بكده بدال المرة عشرة، واصلا من غير تلميح المفروض انتي عارفه وحاسة، تقومي تتجاهلي كل ده وتروحي توالسي مع ابن عايدة ومحمود ألد أعدائي؟

اسمعيني كويس ياحياة، انتي هتتجوزي ياسين، ياكده يا أما ملكيش قعاد هنا في القصر، ولو صممتي واتجوزتي آدم أنا بأكدلك إنك هتترملي قبل حتى ما تلحقي تستوعبي إنك اتجوزتي، دا غير عداوة معايا هتستمر العمر كله، فيا بنت الناس عقلك في راسك تعرفي خلاصك، أنا عرفتك العواقب وانتي قرري.

أنهت كلماتها وغادرت الغرفة تحت صمت حياة المطبق، فها هي خالتها كانت أولى الموبخين، ومن بعدها لاحت أمها في الممر آتية إليها، فما كان من حياة إلا أن أغمضت عينيها وزفرت بقلة حيلة وهي مضطرة لسماع المزيد من التوبيخ من أمها، وبدأت تستعد لذلك. ولكن المفاجأة أتتها على هيئة ابتسامة واسعة تشكلت على فم أمها ونبرة حنونة تحدثت بها معها وهي تقترب منها وقالت:

-برافو عليكي ياحياة، أنا بجد فخورة بيكي لانك طلعتي بتفكري صح وعندك طموح بالظبط زيي، وعرفتي لوحدك إن آدم هو العملة الرابحة اكتر من ياسين. كادت حياة أن ترد عليها ولكن أمها قاطعتها:

-عارفه انك بتحبيه ياحياة، وعارفه إن حبك ليه دا هو طاقة السعادة اللي اتفتحتلك وبتطل عالجنة ومش بس انتي اللي هتدخليها لوحدك، لا داحنا كلنا هندخلها معانا.. وأخيراً القصر وكل الأملاك دي هيكونوا بتوعنا إحنا، ملكنا، وبدال ما فريال هي اللي بتتحكم فيا وذلاني على قعدنا هنا أنا اللي هطردها من القصر هي وأولادها طردة الكلاب.. أوراق ملكية القصر من ساعة ما عرفت إن آدم عينه منك وبيحبك وهما معايا، سرقتهم من اللي فاكرة نفسها مخبياهم

مطرح ما القرد مخبي ابنه ومفيش حد هيقدر يوصلهم.. دول من النهارده حقك انتي، ملكنا ياحياة، إحنا اللي هنبقى أصحاب القصر وإحنا اللي هنقف عالبساط اللي آدم بيسحبه من تحت رجلين فريال وولادها وحده وحده.. متعرفيش ياحياة أنا فخورة بيكي ازاي وحاسة إني مخلفتش غير فيكي، زي أمك دايماً محدده اهدافك وبتسعي ليها.

أغمضت حياة عيونها مرة أخرى وتجرعت الألم، فقد ظنت للحظة بأن أمها ستوبخها خوفاً عليها من مستقبل مظلم على يد ياسين ومواجهات لن تنتهي إلا بإيذائها، ظنت أن خوفها هو ما أتى بها، ولكن للأسف ما أتى بها هو طمعها وليس خوفها عليها. غادرت فاطمة الغرفة بعد أن قبلت جبين ابنتها وتمنت لها التوفيق فيما هو قادم، وتركتها لحيرتها وحزنها، وقلبها الذي كاد يجن وهو لا يعلم مامصيره بعد أن أصبح عشقه لآدم مشاع على الملأ.

أما كارمن، فكانت تجلس بغرفتها على فراشها مبتسمة بسعادة، فها هو آدم يختبر شعور الضعف والعجز الذي جعلها تتذوقه يوماً ما، نعم تخطت ولم يكن بالأمر الجلل، وإنتهت قصتها معه قبل أن تصل لمرحلة موجعة، وأن قلبها الآن يدق لغيره، ولكن يظل الرفض والإقصاء إهانة لا تتقبلها أي أنثى، وخاصة لو فضل عليها أخرى وابتعد عنها من أجلها.

هنا يلح الانتقام لأنوثتها المهانة، ومن لا يستطيع الانتقام ينتظر أن تأتيه لحظات الشماتة حاملة للنشوة والمتعة، فقط يؤمن بقدومها وستأتي، تماماً مثلما يحدث معها الآن. أما آدم، فقد عاد إلى القصر أخيراً بعد منتصف الليل، ظن أن الجميع نائمون، ولكنه وجدها تنتظره في شرفتها، عينيها تلمع في الظلام وكأنهم قناديل يضيئون له دربه.

تقدم ووقف أسفل شرفتها وأخذ ينظر إليها وهو يواصل التفكير في كلام أمه، ولكن ابتسامتها بخرت جميع القرارات التي يحاول اتخاذها، وجعلت قلبه ينتفض دفاعاً عن ذلك الشعور الجميل الذي يشعر به في حضرتها، ويريدون حرمانه منها ومنه.

تحرك من أمامها ودلف للقصر فوجد أمه بانتظاره هي الأخرى وتبدو وكأنها مستعدة لجولة أخرى من المجادلة والإقناع، ولكنه ألقى عليها السلام وقبل يدها ورأسها ودلف إلى غرفته بعد أن أخبرها بأنه متعب وذاهب للنوم، وبهذا قطع كل سبل النقاش فلا طاقة له للمزيد من الأحاديث حول هذا الموضوع. وبات ليله وهو يفكر، فلا نوم يجرؤ على زيارته الليلة ولا قلب سيهدأ مادام أمره لم يحسم بعد.

عادت عايدة إلى غرفتها وارتمت بين أحضان محمود تلتمس منه الطمأنينة لقلبها، بكلماته التي تبث السكينة في روحها، ولكن هذه المرة لم تجد منه إلا الصمت، فقد كان غارقاً في نفس محيط التفكير والقلق الغارقة هي فيه، ولا سبيل لإنقاذهم سوى عناية إلهية تتدخل في الوقت المناسب. انقضى الليل وحل صباح جديد يحمل في طياته الكثير من المفاجآت، والكثير من القرارات الحاسمة بغض النظر عن عواقبها.

قرار آدم بعد طول تفكير بمواصلة نضاله من أجل حياة قلبه التي لن يخسرها مهما كلفه الأمر، وقراره بمفاجئة ياسين اليوم بالشركة الجديدة وتوجيه القاضية له في منتصف قلبه، أما القرار الأخير فهو بطرد عمه وأولاده وزوجته من القصر اليوم دون تردد، فقد حان وقت اتخاذ هذه الخطوة التي تأخرت كثيراً.

نزل آدم الدرج وكان الجميع ملتفين حول طاولة الطعام، تركهم جميعاً وتفحص بلهفة من بينهم ذات العيون الذابلة التي من الواضح أن النوم خاصمها بالأمس مثله تماماً. ومن بعدها نظر للجميع وكان التجهم ربيع الوجوه، حتى أمه وأبيه لم تخلوا وجوههم ونظراتهم إليه من الغضب. ولكنه غضب من نوع آخر ممزوج بخوف وحب لا يقبل الجدال.

كل هذا متوقع بالنسبة لآدم، ولكن الشيء الغريب الوحيد هو ابتسامة الرضى التي رآها على وجه فاطمة ونظرات القبول لأول مرة، وكأنها وقعت بالأمس على معاهدة سلام معه! جلس وحاول تناول طعام الإفطار، ولكن لم يستطع تذوق شيء، فامسك بكوب الشاي وأخذ يرتشف منه وهو يطالع ياسين ويراقب نظراته لحياة، وأقسم لو أنه نظر لها بتمني سينهي ما بدأه بالأمس وليحدث ما يحدث.

ولكن ما حدث أن ياسين كان طوال الوقت ينظر للفراغ أمامه، وكأنه يدبر لشيء ما، لم يلتفت لأحد ولا يرف له جفن، فقط يرفع يده ويتحسس بأطراف أصابعه الكدمات التي بوجهه من حين لآخر وكأنها يستمد منهم الدافع للانتقام. أنهى آدم كوب شايه ووقف مستأذناً أباه في الخروج، وغادر وهو ينوي على تفجير القنبلة اليوم في مقر شركة عمه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...