وصل إلى مكتبه وجمع جميع أغراضه ورتبهم للرحيل. وما أن وصل عمه وياسين ومدحت حتى خرج على الجميع، وذلك بالتزامن مع وصول عمال من محل حلويات يحملون تورتة عملاقة جعلت الجميع يقف مشدوها يتساءلون عن صاحبها وعن المناسبة.
وما أن قام العمال بوضعها على طاولة، وقام من معهم بوضع الأطباق البلاستيكية والشوك وزجاجات المشروبات الغازية والمياه وغادروا المكان، حتى تقدم آدم وهو ينظر مباشرة لعيني ياسين الذي خرج هو وأبيه من خلف مكاتبهم ذات الحوائط الزجاجية ليروا ماذا يحدث بالخارج. فصاح آدم في الجميع بنبرة فرحه:
-ياشباب، ياصبايا، ياموظفي الشركة المبجلين من عاملين النظافة وحتي المدراء، اليوم حبيت نحتفل معكم بنجاح اول صفقة لشركتي الجديدة.. شركة "العقاب لإستيراد وتصدير كافة المواد الغذائية المصنعة طبيعياً بطريقة صحية بدون اي كيماويات". وأول صفقة للشركة وكانت شرارة البدء تمت مع شركة "انتر ميديكال برو" اللبنانية للإستيراد والتصدير وحبيت تشاركوني فرحتي.
وأحب أقول للجميع أن الشركة على استعداد لاستقبال أي موظف من الشركة هيني حابب ينضم لشركة العقاب، مع مرتبات أفضل ومعاملة تليق بذوي الخبرات منكم والتقدير والاحترام اللي تستحقونه، مافي رفع صوت على أحد ولا توبيخ من أي نوع، راح نكون عيلة واحدة والتعامل بكل محبة. وأكيد معظمكم كان بشركة أبوي محمود ويعرف كيف كان يعاملكم، شركتكم الأم اللي ترحلتوا منها لهون وحان الوقت تعاودوا لقواعدكم الأصلية.
سمع ياسين كلامه للنهاية ولا يعلم كيف تحمل سماعه. وفي النهاية هجم عليه وأمسكه من تلابيبه، فقد وصل غضبه لذروته. فها هو يعرف من وراء كل ما يحدث للشركة في الفترة الأخيرة، وأيضاً تعطيل مشروعه وإيقافه، وبعد كل هذا يقف يحتفل في مقر شركتهم بسرقة لهم وفوقها يريد سرقة الموظفين مثلما سرق منه حياة. تركه آدم لجزء من الثانية يعتقد أنه المسيطر وسيد الموقف.
وفي الجزء الآخر من الثانية قلب الأدوار بحركة سريعة منه جعلت من ياسين فريسة بعد أن كان أسدًا ضاريًا، وأخذ يسدد له العديد من الضربات الموجعة، أمام أبيه وأخيه وامام جميع موظفي الشركة، ومثل به تمثيلاً. استطاع يحيي أخيرًا تخليص ابنه من يد آدم بمساعدة مدحت وبعض الموظفين. ووقف أمام آدم ينتفض ويصيح به:
-طيب ياابن محمود اديك عملت اللي عايزه وحققت انتقامك وخسرت الشركة وسرقت مشروع ابن عمك اللي تعب عليه، يلا بقا اتفضل من الشركة من غير مطرود مستني إيه تاني. فتحت لك شركتي وأمنتك على مالي ومال أولادي وادي النتيجة، صحيح صدق اللي قال اتقي شر من أحسنت إليه. أنهى كلماته الموجهة لآدم ونظر للموظفين وأردف لهم بغضب:
-ودلوقتي اللي عايز يروح يشتغل مع الخسيس دا يتفضل، وأنا ميشرفنيش يفضل في شركتي لا هو ولا اللي حابب يكون معاه، يلا اللي هيفارق يفارق دلوقتي واللي هيستنى يتفضل على مكتبه. وأه التورته دي هناكلها، كلنا هناكل منها ونحتفل، بس هنحتفل بنجاح الخسة وانتصار قلة الأصل. ضحك آدم كثيرًا وهو ينظر لعمه الذي يحاول قلب الأدوار بتمثيل متقن لا يصدقه إلا حديث عهد به.
ولكن بما أن المعظم يعرف ما حدث تمامًا، فآدم متيقن أن محاولات عمه بائت بالفشل قبل أن تبدأ. فتقدم آدم نحو التورتة وهو مستمر بالضحك وأخذ منها قطعة وقام بأكلها أمام الجميع. ثم توجه إلى مكتبه وأخذ جميع متعلقاته وترك الشركة وغادر. تركها لعمه وابنه يظنان بأنها لازالت كما هي، ولا يعلمون أن آدم خبأ لهم العديد من المفاجآت ستظهر لهم مع الأيام، والتي ستنتهي بخسارتهم لكل شيء.
وسيجدون شركتهم خاوية على حوائطها، تمامًا كما عاد هو وأبيه ووجدوا شركتهم على هذا الحال. وأول المفاجآت كانت اتصال هاتفي بيحيي عقب مغادرة آدم للشركة يخبره بأن جميع آلات المصنع تعطلت في آن واحد. تعطلت الأعطال التي لم يستطع المهندس اكتشاف سببها، بل صنفها بأنها دمار شامل بفعل فاعل.
فأنهى يحيي المكالمة وارتمى على الكرسي يحاول فك ربطة عنقه ليستطيع التنفس جيدًا، فقد شعر بأن الهواء يختفي وأنه قريبًا سيموت بالاختناق إثر ما يحدث. توجه آدم إلى شركته الجديدة فوجد أبيه ينتظره هناك. قص عليه ما حدث وظن بهذا أنه يزف إليه بشرى سترفعه فوق السحاب.
ولكن ما حدث أوه رأى القلق والخوف قد نالا من أبيه دفعة واحدة وهو يرمقه بنظرات تخبره بأن ما حدث هو الجزء السهل والأصعب قادم، فالآتي رد فعل، وردود الفعل دائمًا تكون أقوى من الأفعال. حاول آدم طمأنته ولكن قلقه كان أكبر من أي كلام. فغير مجرى الحديث ورأى أنه وقت مناسب ليحاول إقناع أبيه بالمهمة الأصعب، ألا وهي مسألة زواجه من حياة وجعل أمه تتقبل الفكرة، وأيضًا طمأنتهم بخصوص هذا الأمر، وأن حياة مختلفة كليًا عن الجميع.
فاستمع له أبيه جيدًا إلى أن انتهى مما يريد قوله. وفور انتهائه اعتدل محمود في جلسته وتطلع لآدم ورد عليه بكل هدوء: -بص ياآدم يابني، أنا وأمك مطلعناش من الدنيا دي غير بيك. وقسمًا بالله كل الفلوس والحاجات اللي أخذها عمك مني ما كانت تعنيني ولا تهز شعرة مني وكنت أقول كله فدا آدم.
وأنا لما بعدت وتحملنا أنا وأمك بعدك عننا كان بغرض أنك ترجع كبير وقوي وتقدر تدافع عن حياتك وتكون بخير، تتجوز ونفرح بيك ونشوف أولادك وتعوضنا عن موت مروان أخوك. بعدناك عشان ترجع تعيش وتفرحنا مش عشان ترجع ترجع الفلوس. يعني ياآدم سلامتك عندنا في المقام الأول.
وبعد دا كله رايح تحب بنت فاطمة وعايز تتجوزها، فاطمة اللي بأيديها عملت السم اللي موت أخوك، فاطمة اللي عادي عندها القتل وأسهل من شربة ميه، عايز تتجوز من اللي ما يعرفوش الحرام ولا بيخافوا ربنا؟ -حياة مو زيهم، ماتشبههم ولا تمثلهم بصلة، حياة غير يا أبوي غير، والله شايلة بقلبها طيبة ومحبة ما وردت علي، والله حياة وسط أهلها تشبه زهرة من زهور الجنة نبتت بالغلط وسط الجحيم.
هي مالها ذنب بأي مكان إنحطت وبأي بيئة إنولدت، بس هي مختلفة، مختلفة ومن حقها تلاقي اللي يقدر اختلافها ويقلعها من جذورها من هالمستنقع ويبعدها عنه. -مش هتقدر تبعدها ولا تقدر تقطع صلتها بأهلها، وأولادك تلتينهم هيطلعوا على خوالهم وأهل أمهم، يعني هيطلعوا خاينين بالفطرة، هياكلوا فبعض، هتكون الفلوس عندهم أهم من إخوتهم. فايبني هتتحمل تشوف أولادك وهما بيسموا بعض ويموتوا بعض عشان الفلوس؟
هتتحمل تشوف حتة منك بتحارب في حتة منك ومش قادر توقف الحرب ولا عارف تعمل إيه عشان تنهيها؟ "تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس" مجاتش من فراغ يابني، الرسول قال تخير لنطفك ماقالش تخير لقلبك، الكلام واضح والعاقل اللي يفهم. ودلوقتي أنا قلت لك اللي عندي وإنت حر ياآدم يابني. وصدقني لو صممت تاخد القرار الغلط محدش هيندم على المدى البعيد غيرك. أنهى كلماته وترك المكتب والشركة وعاد إلى القصر.
عاد إلى زوجته التي لا يأمن وجودها في القصر بمفردها معهم، فكيف لآدم أن يجلب لها من تخالط أنفاسها وتقترب منها القرب الذي يلغي المسافات ويعطيها الكثير من الحقوق والحرية الكاملة معها؟! وصل إلى القصر وقص لعايدة ما فعله آدم وما تحدث هو معه فيه. وتأكدت عايدة بأن ابنها لن يثنيه عن قرار ارتباطه بحياة كل جنود الأرض وإن اجتمعوا.
فهو ابنها وتعلم إلى أي مدى يصل عنده وعناده، فقررت أن تطرق الباب الأخير الذي ربما يكون خلفه الحل لهذه المعضلة. فنهضت على الفور وتوجهت لغرفة حياة، وهناك فعلت ما تفعله كل أم في مثل موقفها. جلست معها وتحدثت بروية وناشدتها أن تبتعد عن آدم إن كانت تحبه ولا تريد له الأذى. لعبت على وتر الحب الذي لا يفشل من يلعب عليه، وكم شعرت بالانتصار وهي ترى دموع حياة وضعفها.
كم فرحت وهي تسمع منها أنها ستبتعد عن آدم ولن توافق على الارتباط به. ولكنها طلبت منها أن تعطيها بعض الوقت لتتمكن من فعل ذلك، فقرار مثل هذا الآن لن يوافق به آدم ولن تنطلي عليه كل خدع الأرض وحججه إن فعلتها، وأن الفراق سيحدث لا محالة مادامت وعدتها بذلك. ولكن لكل شيء وقته المناسب وخطواته المدروسة. غادرت عايدة غرفة حياة وهي مطمئنة نسبيًا وترجو أن تكون حياة بالفعل مختلفة عنهم، فهذا ما لمسته فيها بعد حديثها معها.
ولكن حتى وإن كانت كذلك فهي لا تصلح لآدم نهائيًا. جالس في مكتبه يباشر عمله الجديد بتركيز واهتمام وإذ بهاتفه يعلن عن اتصال من حبيبه الغائب الحاضر، شيخه ومعلمه وقدوته ومثله الأعلى. أجابه بتنهيدة خرجت من قلبه واستقرت في روح الشيخ منصور: -والله اجيت بوقتك ياشيخي. فسأله منصور بقلق: -وليدي ويش فيك، ليش التناهيد تسابق حروفك ومقترنه بأنفاسك؟
-متعووب ياشيخي وداقت بيا الحلول واتصكرت الدنيا بوجهي، عشقاااان ومالاقي لعشقي سبيل والكل معارضني وكل ما أكسر حاجز يبنولي ألف بداله. -اوعك تكون عشقان بنت عمك ياعقاب، اوعك تكون غرزت مخالبك بجيفة وبدك تاكل منها، وأنت اللي معروف بأنك ماتحط إلا عالطيب. -لا مو بنت عمي ياشيخي.. لكن بنت خالتها، حياة بنت الدكتورة فاطمة.
-نفس الجيافة، كلهن طعام خبيث المفروض تحرمه على روحك حرمة الميتة والدم على المؤمن، مو لأن الله حرمه بس لأنه مايجوز يختلط الخبيث بالطيب، وهادول الخبث يجري بعروقهم وأنت أصلك طيب ومايصير الاختلاط، وإذا محمود وعايدة معارضين قيراط أنا معارضك وسع صحاري العالم وبعدد حبات رمالها. -ياشيخي اسمعني أمنتك بالله.. -صكر فمك ياعقاب وماتمشي ورا قلبك هاد مو علامي فيك ولا علام قصير ولا من صفات الرجال اللي تعلمتها على أدينا.
ارمي هاد اللي تسميه عشق لبنت عدوينك وطهر قلبك منه كما يتطهر الثوب الأبيض من الدنس. -حتى انت ياشيخي؟! -حكيت لك أني أنا أكثر منهم رفض ومعارضة ياعقاب. تحرر من هي اللعنة اللي صابت سالم قبلك وشوف لوين وصلته وماتخليها تصيبك وتضعفك وتخلي العقاب يصير دجاجه ماتبارح عشتها. والحين أنا أعرف إنك مشغول لفوق راسك وما ناقصني، بس ودي منك شيء ماحدا يعرف يسويه غيرك.
عندي أنا عمارتين ملك مكانهم يعرفا قصير زين، بتروح عالقبيلة وتاخد أوراقهن من عمتك عوالي، قياتي راح يرسلك توكيل ممضي مني وجاهز على أمضتك. تبيع العمارتين وترسلي حقهن على حساب قياتي اللي راح أرسله لك مع التوكيل، وبدي هالشي يتم بأسرع وقت ممكن ياعقاب لأن مافي وقت ياوليدي، خوك قياتي داخل بمشروع ضخم ووده سيولة.
-حاضر ياشيخي اعتبره تم، بس بعد إذنك العمارتين راح أعرضهم على عمي قصير بالأول بعد ما أفصلهم، وإذا ما اشتراهم راح أشتريهم أنا، لأنك علمتني أن العقار والأرض ماينباعون إلا للشدايد، وإن اللي تصح له فرصة شرا وما يشتري بيكون غلط من ساسه لراسه. -أي أي ياوليدي هاد كلامي واللي راح تعمله عين العقل. ولهيك أنا وكلتك أنت بالذات لأنك راح تتصرف كما لو كنت أنا.
بيع ياآدم وأرسل القروش، ومع القروش ارسلي تطمني إنك رجعت عن دروب الضياع اللي ودك تمشي فيها. أنهى منصور مكالمته مع آدم وإذ بهاتفه يضيء باسم سالم. فرد عليه وأغمض عينيه وهو يسمع ذات التنهيدة تخرج من جوف سالم. فزمجر منصور بغضب: -ويش فيكم يا رجالي ورجال قبيلتي، ويش فيكم يا حزام الظهر ياللي كنت مفكر إني مربي وحوش تنشد بهم السواعد. هيك العشق يبهدل الرجال ويسكن التناهيد صدورهم؟
شو حكيت لك أنا ياسالم قبل لا أغادر، بعدك متذكر كلامي ولا ما متذكر؟ -متذكر يا عمي متذكر بس... -لا بس ولا شيء، ما تستاهلك مادام قلبها رف لغيرك، والرجال الحر ما يسكن قلب فيه حدا سكنه قبله ولا حدا مشاركه فيه، لقلوب متل البيوت ماتنسكن إلا إذا كانت خالصة مخلصة ومملوكة من بابها ياسويلم. -من وين دريت يا عمي بإن صار لي شريك ببيتي؟
-أدري من قبل لا أروح، وأدري مين الشريك بعد، وأنصحك ياسالم اتركها وطالعها من قلبك، حكيت لك قبل سابق اقلعها من جذورها بس أنت ما رديت علي، ولا عملت لكلامي حساب، والحين ياسالم أنت وآدم ودي ما أسمع تنهيدة تخرج من جوف واحد منكم. روح ياسالم وتخلص من هم قلبك وريحه وريح بالك، روح لعمتك عوالي تخطب لك زينة بنات القبيلة ووري رجوه الفانص أن سالم بنات القبيلة وصبايا كل القبايل يتمنونه وينتظرون بس إشارة منه.
عرفها مين هو سالم ويش ضيعت من يدها. إثأر لقلبك إللي غدرته بنت مكاسب وخدت خيره وقطفت محبته وبعدها ولت تدور على قلب جديد. أغلق منصور هاتفه بعد أن أنهى حديثه مع سالم وتحدث بعدها مع عوالي وأوصاها على آدم وسالم وولاها مهمة تخليصهم مما يعانون، فهو يعلم جيدًا أنها أهل لهذه المهمة، وهي فقط من ستنهيها بالشكل اللائق. وفي اليوم الثاني كان آدم على مشارف البادية بسيارته وسالم ورابح في انتظاره.
وما أن ترجل من سيارته ورأته رجوة من بعيد حتى هرولت إليه يحملها شوقها له على جناح الريح. وسبقت أقدامها خطوات سالم ورابح إليه. وما أن وقفت أمامه حتى همست له بصوت متعب: -اشتقت لك واجد يا عقاب ليش طولت هالغيبة، ماتعرف إني انتظرك وإني أتعذب ببعادك يا نبض قلبي؟ أنهت كلماتها وكادت أن تتحدث أكثر، ولكن ضربة قوية من آدم بكفه هوى بها على وجهها أخرستها وجعلتها تسقط وكادت تسقط على الأرض لولا يدي سالم حالت دون سقوطها.
فأزاحها خلفه ونظر لآدم بغضب وزمجر له كأسد غاضب: -ويش سويت أنت ويش سويت، وكيف يدك تنمد على رجوة، ولك رجوة هي رجوة يا آدم وما تنهان طول ما سالم راسه يشم الهوا. يتتبع. عقاب ابن الباديه الفصل السادس والثلاثون نظر آدم لسالم بنظرة غاضبة ممزوجة بالسخط والشفقة معًا. فسخطه على رأفة قلبه بها حتى بعد أن ألقته للتوا من أعلى سفح الجبال دون رحمة!
والشفقة لأجل قلبه الذي لا يقوى على كرهها أو النفور منها واقتلاعها من داخله، حتى بعد كل هذا الكم الهائل من الجروح الذي تسببت له بها ومازالت. فهم سالم نظرته وأبعد يده عن ذراع رجوة، ونظر إليه ثم إليها يحثه على الاعتذار منها وتطييب خاطرها. ولكن آدم أبى ذلك، وابتعد بخطوات تضرب الأرض نفورًا من رجوة ومخالطتها وقربها، وحتى عيناه سبقت خطواته هربًا؛ حتى لا تنظران لمن تسببت لرفيقه في كل هذه المعاناة وهذا الكم من الأذى.
وصل آدم إلى خيمة عوالي، فنادى عليها بصوته الرخيم. وما إن سمعت عوالي صوته حتى خرجت مهللة ومرحبة، فاستقبلته داخل خيمتها. وهناك أخذ منها الأوراق وباح لها بكل ما يؤرق قلبه؛ فل طالما كانت الشيخة عوالي ملاذ قلبه التائه وطمأنينته، وها هي تنصحه هذه المرة بما لم يتوقع منها، وأتت نصيحتها مطابقة لرأي الجميع. فقرر آدم أن يعيد النظر في الأمر، وأن يراجع قلبه في محبته لحياة، وأن يجرب الابتعاد عنها قليلاً لعله يستطيع.
بدأ عقله يدرك أن ما اجتمع الكل على رفضه لن يأتي من ورائه سوى المزيد من التعب. قضى بقية اليوم مع رابح وباقي شباب القبيلة بعد أن أخبر عمه قصير بما يريده الشيخ منصور. وقرر قصير شراء إحدى المبنيين، والآخر تركه لآدم ليشتريه هو. أما سالم فقد توارى عن أنظار الجميع وجلس بمفرده فوق الربوة يتدبر أمره.
فمن كان مجيئه للبادية بمثابة عيده، أصبح مجيئه بمثابة خنجر مسموم يندس في قلبه في كل مرة فيضعفه، فلا هو السم المميت، ولا عاد يقوى سالم على تحمل ألمه. فقرر هو الآخر الاستماع لنصيحة الشيخ منصور والبحث عن أخرى لعلها تستطيع أن تنتشله من عالم الضياع الذي هو فيه الآن. ولعله صدقًا لا يفل الحبيب إلا الحبيب، وأن دخول شخص جديد في حياته يأخذ حيزًا ولو صغيراً في قلبه، ويكبر مع الوقت حتى يطرد سكانه القدامى، ويستوطنه هو.
أمنية بعيدة المنال وسالم يعلم ذلك جيدًا، ولكنه يجب أن يحاول. فذهب إلى عمته عوالي واستأذن بالدخول. جلس بجانبها صامتًا لبرهة من الوقت وهي تراقب سكوته ثم أردف بشرود: -عمتي أريدك تختاري لي عروس على ذوقك ونقاوة عينك، وأعرف الشيخة عوالي ايش تختار. عوالي بفرحة: -هااا نويت تترك الدروب اللي ما عادت تليق لك ياسويلم؟
والله إنك فرحت قلبي وبردت نارا عليك، تم يا وليدي وما يصير خاطرك إلا طيب، وراح تشوف شلون عمتك راح تجيب لك اللي مو بس ينسيك رجوة، لا اللي ينسيك أمك وأبوك والقبيلة كلها واسمك بعد. روح يا وليدي وبقي الأمر بيني وبينك واتركني أختار لك وأفاضل بين بنات القبيلة بنية بنية لحين أجد اللي تلوق لك. -معك كل الوقت اللي تحتاجينه يا عمتي، بس بالله عليكي ما تجيبي لي اللي تزيد أوجاعي وتزود وجيعة الراس، أنا ودي أرتاح يا عمتي ارتااااح.
-راحتك عندي ياسويلم، قوم امشي لرفاقك وتسامر معهم وجالس حبيبك اللي ما يهون عليه زعلك وضرب الفانص لأجلك وهو يده ماتنمد على حرمة ولا بنية، بس لأجلك هانت مبادئ العقاب وخان عهد الرجال. أومأ لها برأسه ونهض مغادرًا، ومسح المكان بعينيه باحثًا عن عقابه، ولكنه لم يجده، فتتبع صوت الهرج والمرج واقترب من الشباب فوجده جالسًا معهم، يشاركهم الحديث ولكن عقله شارد وعيناه زائغة.
فاقترب منه سالم وجلس بجواره وأخذ من يده العصا وبدأ هو بالرسم على الرمال بدلاً عنه. فتبسم آدم وهو ينظر لما يفعله وهمس له: -من يومك تكملني وتكمل حتى خطوط يدي، بس شايفك قفلت كل الدوائر وما خليتها تتداخلون! -من الحين كل الدوائر بدها تنقفل ومافي دوائر تتداخل، خلص يا خوي مابقى فيه مجال نلف بالدوائر لنبحث عن المخرج، خلي نعرف أن ما في مخارج ونبقى داخل الدائرة وهي مغلقة.
-حكيك يحمل معاني كثيرة يا خوي، ويا هل ترى حددت مين اللي راح تبقيه جوات دائرتك ولا طلعت الكل وقفلت على حالك وبس هيك؟ -لا.. طلعت ناس وبقيت ناس، لأن البعض ما ينفع يغادر والبعض ما ينفع يضل. نظر إليه آدم وتلألأ السؤال في عينيه ورفت شفتاه تريد أن تسأل ولكن خوفه من الجواب منعه، فأجابه سالم دون أن يسأل:
-أنت بقلب الدائرة وبقلب صاحب الدائرة يا عقاب، أنت ما أذنبت ولا سويت شيء، ومو سالم اللي يشيل ذنب حدا لحدا ثاني، أنت لك مكانة ما يؤثر عليها غياب حدا أو حضوره، بعده أو قربه. تبسم آدم وزفر بارتياح، فما قاله سالم للتو هو مبلغ همه وشغل عقله الشاغل. أما الآن فلا خوف ولا خجل من ذنب لم يقترفه والتصق به بفضل تلك المجنونة.
انتهت السهرة وعاد الجميع إلى الخيام، أما آدم فقرر اليوم أن ينام في غرفته، مع ذكرياته وأشيائه التي تذكره بعشر سنوات من عمره قضاهم هنا واكتسب فيهم كل شيء، وليس لديه استعداد أن يخسر مما اكتسبه أي شيء، لا محبة ولا صداقة ولا أخوة. وفي سكتة الليل والوقت الذي يسبق أذان الفجر، لم يستطع آدم النوم وهو يفكر في كل ما يحدث معه، فأمسك بهاتفه وهاتف من ستشاركه قلقه وحيرته، ومن أول مرة أتاه صوتها مجيبًا وكأنه الغيث لقلبه الظمآن.
فقاوم حنينه وكتم تنهيدة وجع لا تخرج من جوفه إلا على أثر صوتها الحنون، وتحدث معها بجدية على غير عادته، فأخبرها بما يجول في خلده. -حياة.. ياحياة، أنا قررت قرار وابغيك تدعميني فيه، بعرف عقلك كبير وقلبك أكبر وووو. -أنا معاك يا آدم.. وموافقة وبأيد قرارك كمان، فعلاً علاقتنا مستحيلة وكل الظروف معاندها، إحنا لازم نبعد حتى عشان خاطر الناس المتعلقة برقابنا دي ومينفعش نخذلها.
كانت الكلمات تخرج من جوفها هادئة ولكنها مغلفة بنيران يكاد يشعر بحرارتها في كامل بدنه، وصوتها المهزوز ونبرتها المهزومة شرحت ما تشعر به في هذه اللحظة. فرد عليها هامسًا: -حقك علي يا حياة الروح والله مو بيدي، بس وعد مني إذا الأمور تحسنت وإذا صار مجال وزواجنا أصبح شيء عادي ماراح أتردد لحظة بأني أخطفك من براثن الدنيا وأخبئك بروحي وأدير بالي عليكي لآخر العمر.
-وأنا يا آدم مش هوعد ومش هقولك أني هستناك لآخر العمر عشان أخاف أوعد وما أوفيش، كل اللي هقولهولك أني هفضل أحبك لآخر العمر، وغلاوتك في قلبي هتزيد مع الأيام متقلش، جايز هبقى على اسم واحد غيرك، وجايز أولادي متكونش أنت أبوهم ولا حياتي هتكون زي ما خططتلها معاك، بس الأكيد إن قلبي هيفضل ملكك بلا منازع. -لا تراهني عالقلوب يا حياة فسبحانه يقلبها كما يشاء، واللي اليوم غالي بالغد وارد كثير تتغير مكانته.
-مش هراهن على حاجة يا آدم.. اعتبرهم كلمتين فارغين اتقالوا فلحظة وداع واللحظات دي المشاعر هي اللي بتتكلم ومشاعرنا ملهاش عقل تفكر بيه. بعد دقائق من الصمت نطق الاثنان في آن واحد: -ودلوقتي هنعمل إيه؟ -والحين ويش راح نسوي؟ ضحك الاثنان معًا واختلطت دموع حياة بضحكتها وأردفت بحزن بالغ:
-وجودك كان مكملني ومش عارفة من بعد ما حسيت إني لقيت نصي التاني هعيش إزاي من غيره، صعبة لما ترجع لنقطة الوحدة من بعد ما لقيت رفيق وخليل وحبيب وصاحب يحلي أيامك. -بترجاكي يا حياة لاتزيدي أوجاعي بهالحكي، والله إذا تفتحين قلبي هالحين راح تشوفي محرقة وبيها روحي عم تحترق. سلام يا منية الروح وديري بالك على حالك وماتنسين إن عقاب راح يضل يحوم بسماكي وحولك وإذا فكر حدا مجرد تفكير أنو يأذيكي ماراح تشوفي منه غير بقايا.
كوني هانية أنا دووم بجوارك. -ربنا ما يحرمني من وجودك جنبي ولا حواليا. طيب نقول باي ونتمنى لبعض حياة سعيدة. -ليش ليش، وين بدك تروحي. يعني أذا مو أحباب ما يصير نضل أصحاب، ما يصير نحكي لبعضنا إيش متعبنا ونرمي حمولنا ع بعض، عندك العلاقات كلها مرتبطة ما يصير نلغي علاقة وتستمر الأخرى؟ -هكذب عليك لو قلت لك ينفع.
لا يا آدم مينفعش، مينفعش أكون مجرد صديقة بعد ما كنت حبيبه، مينفعش تفضل تحكي لي مشاكلك وهمومك وأنا أحلهالك وأشاركك فيها لحد ما يجي اليوم اللي ألاقيك فيه جاي تكلمني عن وحدة ثانية دخلت حياتك، مينفعش يا آدم صدقني. وسامحني.
-ما أظن الدنيا راح تهاديني بغيرك وحدة تسكن روحي وتفهمني وتستولي على عباراتي وتكون محور أحاديثي، اللي حدث معك يا حياة الروح متل الموت والولادة ما يجرا مرتين، حُبي لك ماراح يتكرر ولو أتي بعده ألف حب ماراح يكون متله. إنت تباشير هالروووح وأول حصاد القلب يا دقة القلب. تنهدت حياة بعد أن ابتلعت غصة كادت تختنق بها.
فمن بعده سيسمعها هذا الكلام، ومع من سوف تشعر بهذا الشعور اللذيذ، وكم تمنت في هذه اللحظة أن يكون حلمًا وتفيق منه. حلم جميل ليس إلا وتستيقظ لتجد كل شيء كما كان وقلبها على سيرته الأولى، خالي ولم يسكنه أحد. أقسمت وقتها أن تأخذه وتفر هاربة من خوف أن تعيش هذا الألم مجددًا. -ويش فيك يا حياة ليش هاد الصمت؟ -أقول إيه يا آدم، لحظات الوداع مبيتقالش فيها كلام كتير.
-كافي لا تذكرين كلمة الوداع مرة ثانية بالله عليكِ، هي الكلمة بتسكن روحي الأوجاع. -سلامة روحك من الأوجاع. طيب يا آدم أنا هقفل معلش عشان مش قادرة أتحمل أكتر من كده. -ابقي معي شوي بالله عليك. -لا معلش صدقني مش قادرة. -أنا معاود بعد يومين أو ثلاثة عالأكثر. رتح تكوني بإنتظاري وأشوف اللهفة بعيونك متل ما تعودت ولا خلاص من الحين راح تروح اللهفة والشوق؟ -تعال بالسلامة ولكل مقام شعور وإحساس متسبقش الأحداث. -إي والله معك حق.
لكل مقام شعور. أغلقت المكالمة وألقت الهاتف من يدها لتستسلم لموجة عاتية من البكاء والنحيب. نحيب أتت على إثره أمها مهرولة تتساءل عما حدث، ولكنها لم تجد من ابنتها الجواب الشافي. فعادت كما أتت، ولكنها على يقين بأنه حتمًا آدم من تسبب لابنتها في هذا كله، ولكن ماذا حدث بينهم يا ترى؟ أما في غرفة ياسين.. -يبني إهدأ واقعد وفكر إنت وقاعد زاولتني والروح والجي في الأوضة مش هيخليك تفكر أحسن. -أفكر إيه هو أنا عاد فيا مخ أفكر بيه؟
أفكر فأيه ولا إيه وإبن أخوك خربها من كل حتة، عامل زي الطوفان جه وأخد كل حاجة في وشي وبلع كل اللي بقالي سنين بتعب عشان أحققه. الحيوان الهمجي تربية المعيز والجمال ده. لترد عليه أمه فريال: -لا وإنت الصادق دا تربية دماغ سم، تربية منصور الكلب اللي سقاه من حوضه وخلّاه غول زيه محدش يعرف ولا يقدر يواجهه. لعبها صح عمك وغلبنا. بس على مين الفرصة لسه موجودة.
-فرصة إيه وهو أخد كل حاجة وعمال يبرطع وكان الدنيا كلها بتاعته ومحدش عايش فيها غيره. -وأنا أقول لسه الفرصة قاعدة واللي أخده كله نقدر نرجعه. الفصل الثاني والثلاثون مرحبا بك مليون سنة في البيت في صباح اليوم التالي في مقر شركة يحيى. دلف ياسين لمكتب أبيه كالأعصار وهو يمسك في يده بعض الأوراق وقام برميها على المكتب أمامه بغضب وقال له وهو يزمجر: -اتفضل شوف لما بتتطربق بتتطربق من جميع النواحي إزاي.
الصفقة اللي مصدرينها وقابضين نص ثمنها والنص بعد الاستلام هتقعد أسبوع في عرض البحر بسبب عطل مفاجئ في السفينة، والصفقة المستوردينها الشركة المصدرة رجعت في اتفاقها ورفضت تبعتها بحجة أن ماعندهاش اللي يغطي الطلبية وهتدفع الشرط الجزائي. يعني بكده اتخرب بيتنا رسمي وانضربنا في السوق وخلاص كل الأوتيلات والمستشفيات الخاصة والمنتجعات اللي بنتعامل معاها هتشوف بديل وهتلغي التعامل معانا.
أمسك يحيي الأوراق وكانت عبارة عن فاكسات وتأكد من كلام ابنه، ثم ألقاهم من يده بعيدًا وهو يقول: -دي لو مترتبة من شياطين الأرض متجيش كده أبدًا، يعني إيه لا وارد ولا صادر؟ -ومين قالك أنها مش مترتبة من شياطين، أو خلينا نقول شيطان متبعدش عليه حاجة، بيعرف كل حاجة وبيتكلم كل اللغات وعنده السلطة اللي تخليه يعرف يعمل كده. -تفتكر يكون هو؟ -مش افتكر دا أنا متأكد.
-إذاً عليك به يا ياسين، اعمل اللي كنت مانعك منه، بس متبقاش غشيم وتحط نفسك في موضع شك، خليك بعيد وخد حذرك. -متقلقش أنا عامل حسابي ومخطط لليوم ده من مدة ومستني إشارة التنفيذ بفارغ الصبر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!