انتفضت مديحة وقد شعرت أن وقت تحقيق الأمنيات قد حان، وتقدمت نحو أخيها وسألته بعبارات تقطر لهفة: -بجد يايحيى لقيته؟ لقيته فين وإزاي؟ انطق.
-فيه جواب جه لمحمود النهارده من فرنسا، وبمجرد ما استلمه خباه، بس اللي مكلفه بالمراقبة قدر يعرف العنوان اللي عالظرف ويحفظه. آدم في فرنسا يامديحة، هنسافر وكأننا رايحين البلد نقعد يومين ونخلص مهمتنا هناك. وهتكون سهلة ومتيسرة مادام الولد لوحده. الغبي محمود سهلها لنا وهو مش حاسس. صحيح هيفضل طول عمره راس فجلة على رأي المرحوم أبونا.
غادر الغرفة تاركاً المجال لشقيقته كي تجهز ما تحتاجه في الرحلة بعد أن اتفقا على الخطة التي سينفذونها هذه المرة، وذهب لزوجته ليأخذ منها باقي التعليمات. فهي الرأس المدبر وهم السواعد المنفذة، وهي من يبدأ من عندها كل شيء. بعد حوالي ساعتين.. نظر محمود بطرف عينه من وراء الصحيفة التي تواري وجهه، وتبسم وهو يرى أخاه وزوجته وأولادهم وشقيقته يهبطون الدرج وهم يحملون حقائبهم، وفرحة الظفر بادية على وجوههم. وفور أن وقفوا
أمامه تحدث يحيى بهدوء: -محمود، إحنا مسافرين البلد هنقضي هناك يومين، الولاد زهقانين ومحتاجين يغيروا جو وإحنا معاهم. تحدث محمود بجدية: -روحوا يايحيى، وأنا احتمال ابعت وراكم نادية على بكرة الصبح عشان النهارده حاجزلها عند الدكتور. هي كمان أعصابها تعبانة ومحتاجة تغير جو. ازدرد يحيى لعابه وأخذ يتبادل النظرات مع الجميع، وقد شعر بأن مخططهم على وشك أن يتلف بواسطة هذا الغبي. فنظر لزوجته مستجدياً منها حلاً سريعاً، فردت بهدوء:
-أكيد طبعاً هتكون فرصة حلوة إنها تخرج من حالتها دي، وكمان أنا هاخدها معايا أنا والولاد لبيت أهلي تسلم عليهم وتقضي معانا الإجازة وسط اللمة الحلوة. أصل نسيت أقولكم السبب الحقيقي ورا سفرنا إن أختي الدكتورة هدى اتخطبت وهتعمل حفلة ولازم نكون موجودين. تبسم كل من يحيى ومديحة، فهم يعلمون جيداً أن نادية لا تذهب إلى بيت أهل فريال ولا تطيق منهم أحداً. فردت نادية سريعاً:
-لأ، أنا مش هروح مكان ومش هسافر، مش عايزة ومش قادرة. سافروا انتوا واتهناوا برحلتكم. أنهت حديثها ونهضت بتثاقل ودلفت للمطبخ تعد لها قدحاً من القهوة يهدئ الضجيج الذي يعتمل رأسها. وأما يحيى والبقية، فغادروا على الفور وكأنهم يتسابقون هرباً خوفاً أن تتراجع في قرارها. وبعد أن غادر الجميع، عادت عايدة إلى زوجها محمود وأردفت له بسعادة عارمة: -خلاص يا محمود، هنقدر نشوف ابننا آدم. خلاص هشوف ابني وأطمن عليه. معقولة هاخده في حضني؟
هشم ريحته؟ هسمع أنفاسه؟ أنا مش مصدقة. أنا مش مصدقة بعد الوقت اللي عدى ده كله إن أنا هرجع أشوف آدم من تاني. ده وحشني قوي قوي.
-اهدي يا عايدة، اللي بتقوليه ده مش هيحصل. أنا سبق وقلت لك إننا حتى لو شفناه هنشوفه من بعيد لبعيد، مش هنقرب. مش هنخليه يحس بوجودنا ولا يشوفنا. لأنه لو شافنا وحضناه زي ما بتقولي ورجعنا سبناه مرة ثانية هيفتكر إننا تخلينا عنه للمرة الثانية. ووقتها مش هيحط لنا أي أعذار للبعد، مش هيلاقي لنا أي مبررات، ولا أي حاجة في الدنيا هتغفر لنا عنده إننا خذلناه مرتين. دي فرصة وجات لنا واحتمال ما تتكررش مرة ثانية، فمش عايزينها بدل ما
تكون فرصة جميلة لينا تتقلب لكارثة ونخسر ابننا للأبد، ونخسر فرصة رجوعه لينا وهو في قلبه شوية محبة. أنا مشتاق لآدم أكتر منك ونفسي أخده في حضني أكتر منك. نفسي أطمنه وأقول له إننا جنبك ما سبناكش ما بعدناش عنك ولا تخلينا عنك. بس المشكلة إننا فعلاً مش هنقدر نعمل كده. فنهدى يا عايدة ونكمل اللي بداناه للنهاية، ما ينفعش دلوقتي نهد كل اللي بنيناه. يا إما بلاش نروح من الأساس وخلينا زي ما إحنا، نطمن عليه من بعيد لبعيد وهو فاكر
إننا مسافرين وفترة وهنرجع.
-لا لا خلاص، أنا مش هطلب إن أنا أقرب، مش عايزة أحضنه. كفاية إني أشوفه من بعيد. خلاص يا محمود، خدني أشوف ابني ووعد مش هخليه يشوفني. -خلاص يا عايدة، جهزي نفسك علشان بعد ما أتأكد إن يحيى ومديحة سافروا بره البلد هاخدك ونروح نشوف آدم زي ما اتفقت مع الشيخ منصور.
وبالفعل في اليوم الثاني تأكد محمود أن أشقاءه غادروا البلد متجهين إلى حيث أوهمهم، وأنها فرصته التي خطط لها طويلاً قد حانت، فاخذ زوجته واتجه إلى حيث يقطن صغيره. وطوال الطريق قلوبهم تسابق دواليب السيارة حتى تراه قبل أعينهم.
وصلا أخيراً، وترجلا من السيارة. وكادت نادية أن تفقد رباطة جأشها وتتهور بقلب أم مشتاق لطفلها، وتهرول باحثة عنه وتختطفه لأحضانها وتباً لكل شيء. ولكنها تراجعت ما أن تذكرت لحظة وداعها لابنها مروان وهم يأخذونه من أحضانها للأبد ليدفن تحت الثرى وتحرم منه. وقررت ألا تسمح لهذه اللحظة أن تعاد أبداً مادامت تستطيع أن تمنعها.
توقفت وهي تمسح عبراتها، واقترب منها محمود وأخذها تحت جناحه مهدئاً لنوبة الحنين والاشتياق التي ضربت أوصالها فأضعفتها، وهو يعلم كم تجاهد الآن للمقاومة، فهو مثلها تماماً، ويشعر بما تشعر به. اقترب منهم قُصير مهرولاً ومرحباً. وبعد السلام والاستقبال الحار المعتاد دعاهم للتقدم، وطمأنهم بأنه أبعد الصبي حتى يختبئا منه في خيمة الشيخ منصور قبل عودته.
وبعد السلام على الشيخ منصور جلس الاثنين وهم على وشك الموت توتراً. ووصلت القلوب الحناجر حين أردف قُصير الذي صنع فتحة صغيرة في بدن الخيمة وكان يختلس النظر منها: -أبشروا، عاد الوليد. عندها هبت عايدة وسابقت زوجها كي تنظر إلى طفلها، وكم آلمها رؤيته وهو يهش على الأغنام مع سائر الصبية، وقد تبدلت أحواله كلياً. فلا هذا ابنها ولا هذه هيئته، لا هذا وجهه. مهلاً، وأين ذهب شعره الحريري الذي كان يصل حتى منكبيه؟ إنه شبه أصلع!
فنظرت لقُصير وسألته: -انتوا قصيتوله شعره؟ -أي، زيناله رأسه. الوليد صغير وما يعرف يعتني بروحه، حتى لا يصير برأسه قمل. أغمضت عايدة عيناها بألم على ما أصاب فلذة كبدها، ثم فتحتهما سريعاً كي تعاود إشباعهم منه قدر المستطاع، وتخزن من ملامحه في عقلها ألف مشاهد حتى تتذكرهم لاحقاً. أما محمود،
فكان يختبر شعورين مختلفين: شعور الراحة والاطمئنان على قطعة من روحه يدرك أنه اختار لها المأوى المناسب، وشعور الاشتياق الذي يكاد يمزقه. ومثل أمه يود أن يحتضنه ويحترق العالم بعدها ولا يأبه. اختفى آدم مع الصبية وعاد كلا منهما يجلسان مقابل الشيخ منصور. وقص عليهم قُصير ما حدث في الأيام الماضية مع الصبي، ولكنه لم يخبرهم بلدغة الثعبان، فهو متأكد أنه لو فعل ذلك لخرا الاثنان أرضاً يصارعان ذبحة صدرية في الحال.
كان قُصير يتحدث وعينا محمود تلمعان فرحاً وفخراً، أما عيون عايدة فكانتا تنزفان دمعاً وحسرة. وفي نهاية المطاف أشفق منصور عليها فأردف لقُصير آمراً: -قم وخذ آدم، خله يركب فرسه ويتسابق مع الصبية. خلي بوه يكحل عينه بشوفته وهو يسابق الريح. خليه يشوف كيف بكم يوم الولد أصبح فرق السما من الأرض عن أول نهار جانا فيه.
امتثل قُصير للأمر وخرج من الخيمة واستدعى الأطفال لسباق خيل مفاجئ. وكان آدم في مقدمة الجميع، فامتطى حصانه وأمسك بلجامه، واستعد حاله كحال البقية، وانطلق كالريح متخطيًا للجميع وهو يضرب الحصان بكلتا قدميه الصغيرتين ويزأر كفارس صغير، وهو لا يعلم أن هناك من يختلس النظر إليه وقلوبهم تحوطه ويطيرون فرحاً. وكم ود لو يأخذانه في أحضانهم ويخمدون براكين الشوق التي تحترق الآن وهو قريب منهم وبعيد في ذات الوقت. ولكن للظروف أحكام واجبة التنفيذ.
وبعد أن غاب آدم عن مرمى أبصارهم عادوا لجلستهم، وبدأ محمود يشكو قساوة أخيه، ولولاه لما تكبد أحد منهم كل هذا العناء. فرد عليه قُصير غاضباً: -وليش انت تستسلم لأفاعيله وتنتظر الشين منه؟ ليش ما تسبق وتصون ولدك وتمد لخوك يد الغدر اللي دوم طايلك بيها؟
ايش رأيك لو أجيب لك خبره وما يعاود لبيتك مرة ثانية، وتعتق مرته بره دارك وتربي عياله، وأختك تزوجها وتفتك منها، وتعيش مع ولدك وتاخده تحت جناحك. ليش تعيش بخوف وتتحمل الفراق وانت المظلوم؟ -انت بتقول إيه يا قُصير؟ إنت عايزني أقتل أخويا وأيتم أولاده منه؟ إنت عايزني أبقى مجرم؟ -لا، دي تاخد بتار ولدك وتحافظ على الثاني من الموت. ما ودي تقتل لغرض القتل أو تصير مجرم. القصاص حق الله والمقتص موش مجرم. نهره منصور قائلاً:
-ولا حرف تنطقه يا قُصير، إلا زهق الأرواح ما تسعى فيه. وأكمل وهو ينظر لمحمود وزوجته: -أدري عيبة كبيرة في حق شيخ القبيلة إنه يطلب من ضيفه الرحيل يا محمود من غير ما ياخذ واجب ضيافته على أكمل وجه، لكن انت أكيد تعرف إنه ما يصير بحالتك أجالسكم وأضيفكم، لأن الولد إذا شافكم ماراح يصير خير. يلا خذ مرتك وتوكل على الله قبل لا يعاود الولد.
أطاعه محمود وسحب عايدة وتركا المكان. ولكن بعد أن تركت للشيخ منصور حقيبتان أمنته أن يعطيهم لآدم. وضعت فيهم معظم ألعابه وبعضاً من ملابسه الثقيلة، منامته المفضلة، والكثير من الشوكولاتة التي يعشقها ووجبة من الدجاج المقرمش التي أعدتها له بيديها وهي تعلم أنه حتماً يشتاقه الآن، فهي وجبته المفضلة التي لا يمل منها أبداً.
وكما غادرا بالسيارة تاركين روحهم هنا، أول مرة انعاد كل شيء من أول وجديد، نفس لحظات الوداع القاتلة ونفس الشعور، حتى الدموع نفسها. ولكن الفرق أن هذه المرة قد اطمأنوا أن طفلهم أصبح بإمكانه العيش في هذه البيئة التي ظنوا أنه سيهلك بها ولن يتحمل، بل وبدأ يتأقلم وهذا ما جعل بعضاً من الاطمئنان يتسرب إلى داخل نفوسهم.
وفي هذا الوقت كان آدم عائداً مع بقية الصبية على حصانه، ومن بعيد لمح ما جعل قلبه يخفق بشدة، سيارة تقف بعيداً تشبه سيارتهم، ورجل وامرأة يشبهان أمه وأبيه يقتربان منها! نعم، المسافة طويلة ولكن الاحتمال مع الشعور بقربهم منه لا يسمحان له بالتجاهل. فترجل عن حصانه وأسرع نحوا السيارة، وكان هذا خطأه الذي ندم عليه. فهو لا يعلم لمَ لم يكمل المسافة بحصانه وكان سيصل أسرع! ولكن هذا ما حدث.
وفي منتصف الطريق كانت السيارة تترك المكان وتغادر مبتعدة. لم ينادِ هذه المرة ولم يبكِ، بل ظل ينظر للسيارة المبتعدة بأنفاس متلاحقة وغضب مكتوم. فحتى لو كانا أمه وأبيه لن يستجدي منهم محبة، وأنهم لو كانوا يريدانه لانتظرا.
فعاد إلى حيث يقف بقية الأطفال، ووقف معهم شارداً. وفور رجوعه معهم لخيمته رأى الحقيبتين. فأسرع يفتحهم دون أن يخبره أحد أنهما له، فهو يعرفهم جيداً. وتأكد من ظنونه حين رأى ما بداخلهم، فالتف حوله الأولاد بفضول حتى يروا ما بداخل الحقائب! وكم أذهلتهم الألعاب الغريبة التي كان يخرجها، فهو شيء جديد عليهم، فهم لا يعرفون الألعاب!
وأخيراً أخرج وجبة الدجاج التي عرف على الفور أنها من صنع يد أمه، والتي رائحتها جعلت لعاب الأولاد جميعهم يسيل. ففتحها وأعطاها لهم بكاملها، وأبى أن يتذوق ما صنع باليد التي أفلتت قبضتها منه وتركته غارقاً في رمال الصحراء يعاني بلا رحمة منها ولا رأفة. وترك الخيمة وغادر للهواء الطلق كي يبكي بعيداً عن الجميع، فهو بات يعرف جيداً أن دموع الذكور إذا نزلت تحط من شأن صاحبها ويصير أضحوكة الجميع. اقترب منه قُصير ولما
رآه يمسح عبراته أردف له: -ويش فيك يا ولد؟ عمرك شفت رجال يبكي؟ انهض وامسح عيونك قبل لا حد يشوف الدمع فيهم. دمعة الزلم تموت في أرحام محاجر العين ما تنزل، حتى ولو الشوق مزق القلوب وتلفها تلف. بوك وأمك هيعاودون قريب، شد حيلك وتعلم كل شيء وانتظرهم. هم بعثوا لك سلامهم هاد مع مرسول ويبلغوك سلامهم واشواقهم. وبوك يقولك صير رجال خلي يفرح فيك ويشد ضهره بيك وتكون له رفعة راس وتعاود له قريب.
-أنا مش مشتاق لحد ومش ببكي على حد ومش عايز حد. أنهى كلماته وغادر المكان مبتعداً، فتأكد قُصير أن شدة شوقه وغضبه مع خذلانه بدآ يصيبا قلبه بالقساوة، وهذا شيء جيد وخطير في ذات الوقت. وسيجاهد قُصير أن يحول هذه القسوة لصالح آدم ولن يتركها تدمره كما تفعل قسوة القلوب في أصحابها، فالقسوة إن توجهت بطريقة صحيحة تخدم أصحابها. أما في فرنسا.. -وبعدين يايحيى، إزاي بقالنا 3 أيام مش عارفين نوصل للعنوان اللي مكتوب عالظرف؟
إنت متأكد إنه عنوان حقيقي وله وجود أو حتى متأكد إنه العنوان اللي فيه آدم؟ -يعني بالعقل كده، محمود ملوش أي مصالح في فرنسا ولا معارف، وأول مرة في حياته جواب من فرنسا يوصله لأني أنا اللي طول عمري بستلم البوستة والجوابات وأي مراسلات. يبقى العنوان هيكون عنوان مين؟ وكمان السرية والخوف اللي كان بيتعامل بيها مع الظرف كانت بتدل إنه جواه حاجة خاصة بابنه. -طيب مفتحتوش ليه وقريت اللي جواه مادام إيد حد من اللي تبعك طالته؟
-الجواب كان مسوّر ومكنش ينفع يتفتح، وبعدين اللي شافه يدوب لحق يلمح العنوان. -يحيى، يلا بينا نرجع مصر. أنا حاسة إن المشوار ده فشنك. -إزاي؟
-إحنا اتضحك علينا يايحيى. محمود عرف يخدعنا، ومتأكدة إنه فتش ورانا واتأكد إننا سافرنا. وأصلاً دي خطته عشان يتأكد إننا فعلاً بنسعى ورا ابنه، وغير كده أخذ فرصة إنه يطمن عليه. ده إن ما كانش راحله كمان وقضى معاه اليومين اللي فاتوا هو وأمه، وإحنا زي الحمير بنركب طيارات ونسافر ونجري في البلاد ندور على سراب. -قصدك إيه يا مديحة؟ -آدم في مصر يايحيى، ما خرجش منها. آدم قريب على محمود وأراهن على الكلام ده بعمري كله.
نظر بعيداً وقد تملك منه الغضب وهو يستوعب ما قالته شقيقته للتو. فلو كان هذا صحيحاً، فهذه هي المرة الأولى التي يتسم فيها بالغباء ويتفوق عليه أخوه محمود دهاءً ومكراً، وهذه ليست من عاداته أو من عادات الآخر، وكأن الأدوار قد تبدلت.
أرتدى معطفه سريعاً وخرج ليحاول محاولة أخيرة في العثور على العنوان المطلوب. وبعد عدة ساعات عاد محمل بالخيبة وبيده تذكرتان للعودة إلى مصر وهو يتوعد لأخيه في سره بأنه سيجعله يدفع ثمن خيبته هذه غالياً. وصلا أخيراً إلى مصر بعد ساعات من السفر ونزلا عند أهل فريال. ومن ثم انتقلا إلى عزبة محمود. وهناك انعقد الاجتماع المغلق. -يعني جايين إنت وأختك شايلين خيبتكم. -وإحنا هنعمل إيه يعني يافريال؟
ما أخوكي ضحك علينا وخدعنا وبقى يعرف يلعب بينا وابتدا يشغل علينا دماغه بدال ما كانش يعرف يشغلها غير في الشغل وبس. -المشكلة إننا دلوقتي انكشفنا قدامه والانكار والمقاوحة مبقالهمش قيمة، ومحمود اتأكد إننا إحنا. -ومادام دا حصل يبقى اللعب على المكشوف من هنا ورايح وهنغير الأهداف. وبدل ما هدفنا إننا نقطع الفرع هنضرب في الجذور ونضعفها والفرع هيموت لوحده. -لا يافريال، مش هموت أخويا.
-مش لازم يموت يايحيى، بالعكس دا لو مات كده هنخسر القضية. أخوك لازم ينتهي وهو عايش، ميحرفش يمينه من شماله، ويسلم ويسيبلك كل حاجة وإحنا نسرسبها منه بالراحة. مراته هتنشغل بيه وابنه أهو غايب واحنا الأيام قدامنا طويلة والفرصة متاحة. أخوك وقت ما هيوقع مش هيلاقي قدامه حل غير إنه يسيبلك كل حاجة ومش بمزاجه. ساعتها نمضيه على كل حاجة ويبقى ابنه بقى يطالب باللي ليه وياخده. -والوصية؟
-الوصية على الورث وهو لو مات مش هنكون سبناله حاجة. -عجبني التخطيط. ودلوقتي التنفيذ هيكون إزاي؟ -سيبوها عليا. انتوا ناسيين إن أختي دكتورة صيدلانية ولا إيه؟ ولا نسيتوا تركيبة السم اياها اللي محدش قدر يتوصل لمكوناتها وحيرت الدكاترة كلهم. صمتت لتأخذ نفساً عميقاً، فاقترب منها يحيى ووضع كلتا يديه على كتفيها وأخذ يمسد عليهما في حنان وهمس لها:
-اهدي بس انتي وكل حاجة هتكون تمام. إحنا هنعمل كل اللي هتقولي عليه. ومادام الموضوع مفهوش موت لياحيى أنا معاكي. أصلي مش هقدر أواجه أبويا بعد ما أموت وأنا قاتل ابنه اللي كان روحه فيه. أردفت مديحة بسخرية: -بر الوالدين اللي جواك يايحيى بيقشعر جسمي وبيخليني أحس قد إيه قلبك كبير.
أنهت جملتها وعقبتها بضحكة رنانة وتركتهم ودلفت لغرفة وأغلقت الباب خلفها لتحادث من هي أكيدة أنه يحترق الآن غضباً لغيابها المفاجئ، وكم يكره عندما تفعل ذلك ولطالما نبهها لئلا تعاود هذا الفعل، ولكنها ضرورات وعليه تقبلها شاء أم أبى. في هذا الوقت في البادية.. -آدم، تعالي العنزة البلجة تجيب. تعال اتفرج وشوف الصغار لمن ينزلون من بطنها كيف يكون شكلهم وكيف تجيب. -مش عايز أشوف حاجة ياسالم.
-ويش فيك يارفيقي من الصبح وانت شايل الهم. انهض انهض، ما تزعل. مافي شي يستاهل. تعال عشان لو العنزة جابت وليدات كتار أطلب واحد من الشيخ منصور ليك. بيعطيك. يكبر تبيعه وتاخد قروشه. كلنا عندنا شواهي صغيرة ومعز. مافي ولد فينا ما عنده راسين وتلاتة. وبس يكبروا نبيعهم للشيخ منصور وناخد قروشهم. قوم بس انت اللي ما عندك حلال وفقير بيناتنا.
نهض آدم معه متثاقلاً، وحضر ولادة العنزة وهو يتعجب، فقد كان شيئاً غريباً عليه، ولكن ما هو الشيء الذي ليس بغريب هنا، فكل الأشياء غريبة وعليه الاعتياد. أخذ سالم آدم من يده وذهب به إلى الشيخ منصور الذي كان يجلس مع بعض رجال البادية وألقى السلام ونظر إليه وقال: -شيخي، اليوم عنزة جابت وآدم وده يستأذنك في صخل ياخده يكبره وسط الحلال ويكون له. تبسم منصور وسأل سالم: -كم جابت؟ -جابت ثلاثة. نظر إلى آدم وأردف:
-الثلاثة إلك يا آدم، حلال عليك. قفز سالم من الفرحة ونظر لآدم وقال: -وووه، صار معك مثلي ثلاث رؤوس يالمحظوظ. ظن أن آدم سيقفز مثله من الفرحة، ولكن آدم تحرك تاركاً المكان بلا أية ردة فعل، فقد كانت صغار الماعز أو امتلاك أي شيء آخر همه اليوم بالذات. نظر منصور لقُصير بعد أن راقب آدم وهو يبتعد: -الوليد هذا بدأ قلبه يموت والفرحة ماتزوره يا قُصير، خايف عليه من الجفا.
-ما تخاف ياشيخ، لساه صغير وبنطوع قلبه كيف مانريد ونعلمو اللي نبيه. -خلصت فيه حوي ولا مازال؟ -هو إني بس عطيته جرعة وما عدتها، الليلة بعطيه ثاني جرعة. بس يا شيخ أنا ودي أقول شيء. -أبشر بعرفه. مد يدك واشبك يد عمك عمران وردوا وراي. وأنا موافقة. سدينة اخذتها وانت بالرحلة وخيمتك جاهزة. اليوم انت معرس. تبسم قُصير وقفز بفرحة وأمسك بيد عمران وبدأ منصور يلقنهم وهم يرددون خلفه، وفور انتهائه صرخ قُصير على إحدى الغلمان:
-يا ولد، روح قول لسدينة روحي على خيمتك وانتظري زوجك، تم الزواج. -يا قُصير، انتظر لغدوة نزفها لك ونعملكم عرس مليح ونفرحوا البنية. -أنا فرحتها يا عمي والفرحة ما بالطبل والغناوي. وبعدين ودي أراعي أم عيالي وما أزيد عليها القهر. -معك حق يا قُصير، خلاص يا عمران، ما يلزم عرس. قوم اذبح خروف لزوج بتك وطيبه بالحفرة خلي بس يفيق من النوم يتريق بيه. -حاضر ياشيخنا، تأمر أمر.
نهض عمران ونهض خلفه قُصير وذهب إلى خيمة مكاسب يزف إليه الخبر، وياخذ من عندها ملابسه، فمن اليوم سينتقل للعيش كلياً في مسكنه الجديد، وسيترك الخيمة لها ويأتيها في مواعيد محددة. دلف إلى خيمته بعد أن أطلق رصاصاته في قلب مكاسب، ووجد سدينة في انتظاره بهيئة عروس، فأقترب منها وأمسك بيدها يتأكد من وجودها، وأخذ نفساً عميقاً وزفره بارتياح وهو يردف: -نورتي خيمتك يا أم الوليدات، الله يجعلك ولادة للذكور ومنك تجي عزوتي وحزام ظهري.
-الله يسمع منك يا ابن عمي. ترك قُصير يدها وذهب إلى سلة من خوص رفع غطاءها وأخرج منها ثعبان متوسط الحجم وأمسكه من رأسه فسألته سدينة باستغراب: -ويش هتسوي يا قُصير؟ -ودي أروح أحوي الولد الصغير وأعاود لك. راح أخلي رابح يسهر، هو ما راح أبقى هناك. بس مسافة قرصة الحنش وأعاود لك. نظرت سدينة ليد قُصير التي أطبق عليها الثعبان ينفث سمه وأردفت: -بربك، هاد وقت حوي يا قُصير، يعني ماينتظر الحوي لغدوه؟
-الحوي له مواعيد يا بنت عمران، وياويلك لو أسمعك تعترضي على شي يسويه قُصير. وإلا وحق من خلقك أخلي ذكراكِ ما تضل بالبادية إلا أربعين يوم، وبعدها الكل ينسى إن كان فيه وحدة بالبادية اسمها سدينة. والحين سوي الفراش واطلعي حمي الوكل. أعاود ألقى العشا حاضر. سمعتي؟ -نعم نعم. السماح منك يا ولد العم ماراح تنعاد أول وآخر نوبة.
غادر قُصير الخيمة ودلف إلى خيمة الأولاد، وذهب إلى آدم واقترب منه، وكان سالم مستيقظاً فأغمض عينيه ألماً وهو يعلم ما ينتظر صديقه، فقد مر بكل هذا قبلاً.
أما آدم، ففتح عينيه حين شعر بقُصير فوق رأسه، فرأى نفس المشهد السابق يعاد، الثعبان أمامه وقُصير فوق رأسه وعذاب بانتظاره. فأغمض عينيه مستسلماً، فهو بات يعلم أن ما يقرر بشأنه سيُنفذ حتى وإن اعترض. وتحمل لدغة الثعبان مرة أخرى وكتم ألمه وقرر ألا يصرخ أو يتألم بأي شكل من الأشكال، فحجة أبويه أنهم أتوا به إلى هنا ليتعلم الرجولة، والرجولة من وجهة نظر الجميع ومن الذي فهمه حتى الآن هي تحمل الألم وكتمانه. وهو سيصبح مثلما يريده الجميع أن يكون.
انتهى قُصير ووقف ينظر لآدم وهو قاطب حاجبيه متعجباً من ردة فعل آدم، أو من عدم ردة فعله بالمعنى الأدق، وزاد استغرابه حين فتح الصغير عينيه ونظر له بقوة وأردف: -خلصت ولا لسه فيه تعابين ثانية هتجيبها تعضني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!