الفصل 5 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس 5 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
35
كلمة
2,846
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

غادر قصير الخيمة تاركاً الصبي يكتم ألمه من السم الذي يجتاح جسده الصغير، والكفيل بـ جعله يصرخ حتى يصل صراخه عنان السماء. ولكن يا للعجب، إنه صامت تماماً. نعم، قد واجه قصير هذه الحالة من الاستسلام للألم كثيراً قبل ذلك، وهذه مرحلة متقدمة من القوة والجلد والصبر. ولكن في مثل هذا السن الصغير لم تحدث قط، فهذا سن الفزع والاستنجاد لا سن هذا النضج الجسدي الغريب.

وصل إلى خيمته فتناسى أمر آدم تماماً، ودلف وهو يشعر بأنه لامس السماء فرحاً. فها هي حياة جديدة بانتظاره، وللعروس فرحة لا تضاهيها أي أفراح. أعاد الثعبان لسـلته وتقدم إليها ورمقها بنظرات جعلتها تذوب خجلاً، ثم أمرها قائلاً: "تعالي صبي لي المي أغسل يدي لناكل أول لقمة سوا، أخاف أطعميكي بيدي يكون عالق فيها سم من الحنش تموتين قبل لا أدوقك ولا أتهنى فيكي."

نفذت سدينه أمره واقتربت منه بإناء فارغ وأبريق به ماء، وأخذت تسكب له الماء. بدأ يفرك يداه بالصابون جيداً وهو ينظر إليها متفحصاً، وهي تتبسم له بخجل أذاب وحطم كل دفاعاته، مما جعله أجل العشاء لوقت لاحق. وقرر أن ينهي مهمته الأهم أولاً ويجعل من سدينة زوجة له. في الصباح، فاق قصير عند الفجر على صوت عمه عمران خارج الخيمة ينادي عليه. فأطل له برأسه وأردف له وهو يتثائب: "أبشر ياعمي راسك مرفوع."

تهللت أسارير عمران ورفع سلاحه وأطلق عدة طلقات في الهواء معلناً عن أن ابنته صانت عرضه، ولو حدث غير هذا لكان قلبها مستقراً لهذه الطلقات الآن. وبهذا الفعل علمت البادية كلها ما يود عمران إخبارهم به، وصدحت أصوات الهلاهل من أفواه النساء المتوارية خلف الخيام. ووحدها مكاسب هي من تشعر بأن هذه الأصوات هي غارات تعلن عن حربها القادم مع سدينة، وانتهاء الحرب لصالحها باحتلالها لقصير بالكامل إن أنجبت له الذكور التي يرجوها.

أما آدم، فلم ينم ليستيقظ، بل أمضى ليلته بكاملها يتقلب من ألم السم في جسده، مما جعله يختبر شعور الموت للمرة الثانية. ومع كل هذا، لم يكن ألمه من السم، بل كان ألمه الأعظم من تخلي أبواه عنه، والوجع كل الوجع من الشعور بالخذلان من القريب، أما البعيد فلا لوم على أفعاله ولا عتب. انفض الأولاد من حوله، كل على عمله اليومي، أما هو فبقي وحيداً ينتظر نوعاً جديداً من عذاب لا يعلمه، ولكنه يعتقد أن قصير يتفنن له فيه. أما في القصر...

ابتسم محمود وهو يرى إخوته يهلون من بوابة القصر وملامحهم يشوبها القهر. فأخفى مابداخله من شماتة ممزوجة بوجع لا يشعر به سواه. فكم هو شعور مقيت أن من يفترض بهم أن يكونوا لك أماناً ووطناً ومسكناً ودفئاً تقضي معظم وقتك في التفكير ماذا ستفعل لتنجو من براثنهم. ألقى يحيى التحية قائلاً: "السلام عليكم.. ازيك يامحمود ياخويا عامل ايه، وحشتني." ليرد عليه محمود بهدوئه المعتاد:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حمد الله ع السلامة يايحيى، حمد الله ع السلامة يامديحة انتي وفريال، ازيكم ياحبايب عموا عاملين إيه.. قربوا ياحبايبي سلموا عليا واقفين بعيد ليه؟ لينطلق نحوه الولدان فور أن قال ذلك، ويرتميا في حضنه الحنون. أما هو فكاد قلبه ينفجر بين ضلوعه وهو يشعر بعاطفة الأبوة نحو أولاد أخيه، وفي المقابل تُقتل أطفاله هو على يد أخيه. وأخذ يتساءل أي قلب يقطن بين ضلوعه ليطاوعه على هذا الفعل!

والذي لا تفعله الحيوانات مع من يجري في عروقهم نفس الدم وتربطهم بهم صلة قرابة! اقتربت فريال وألقت التحية، وكذلك مديحة. وخرجت عليهم عايدة من المطبخ، ويال العجب فقد تبدلت أحوالها كلياً منذ أن تركوها! فهي تبدو أكثر ارتياحاً وملامحها تبدو أكثر إشراقاً. وهذا ما أكد شكوك فريال وجعل الظنون تتحول لحقائق، وتعلم أن ما خمنه عقلها هو الحقيقة بلا ريب. أبعد محمود الطفلين عن حضنه وتوجه بالحديث لأخيه يحيى قائلاً:

"اه صحيح يا يحيى نسيت أديك الظرف ده قبل ما تسافر. ده جواب جانا من عميل في فرنسا كان اشترى منا بضاعة وعجبته وقرر أنه ياخذ منا كمية كبيرة، وبعت لنا كل التفاصيل والعنوان اللي هنبعت عليه الشحنة. وطلب منا رقم حساب بنكي عشان يحول لنا عليه الفلوس."

نظره يحيى إلى الظرف الذي بيد أخيه وهو لا يعلم إن كان حديث أخيه صحيح أم أن هذه محاولة منه لتضليله، وصرف نظره عن أنه عرف بمخططاتهم، وأنهم سافروا للبحث عن ابنه. فالتقط الظرف من يد أخيه وفتحه وبدأ بقراءة محتوى الرسالة التي بداخله. والعجب كل العجب أن ما أخبره به أخيه هو بالضبط ما جاء في الرسالة. فطوى الرسالة مرة أخرى وأعادها داخل الظرف وأعطاه لمحمود، وقال له بهدوء:

"وماله نبعث له اللي هو عايزه. بعد إذنك يا أبو آدم أنا طالع أوضتي آخذ شاور وأرتاح شوية، المشوار طويل زي ما أنت عارف والسفر متعب." وتبعته زوجته فريال واختهم مديحة أيضاً، دلفت إلى غرفتها لتستريح. اقترب يحيى من فريال وسألها بحيرة: "ايه رايك يا فريال في الكلام اللي قاله محمود، أنا شفت الرسالة وفعلاً كل اللي قاله حقيقي، إحنا شكلنا اتسرعنا لما سافرنا ندور على الولد من قبل ما نتأكد." ضحكت فريال بسخرية

على سذاجة زوجها وهمست له: "انت بجد عقلك صغير يايحيى وبينضحك عليك بسهولة، وفعلاً محمود بقى يعرف يلاعبك كويس.. طيب محطتش ليه في حسبانك السرية اللي كان بيتعامل بيها مع الظرف وإنه خباه؟ طيب بلاش دي ملاحظتش الهدوء والراحة والفرحة اللي في عيون عايدة وعلى وشها، ولا السلام النفسي اللي حاسس بيه أخوك، كل الحاجات دي ملفتتش نظرك لحاجة؟

ما أكدتلكش إنهم نجحوا في خطتهم وإنه بعدونا وشافوا ابنهم واطمنوا عليه، وإن الولد فعلاً في مصر يايحيى ومخرجش منها." نظر يحيى بعيداً وهو يحاول ربط جميع الخيوط التي أعطته زوجته أطرافها ببعضهم. وفي النهاية أدرك أنها على صواب، فكم هو غبي إذ لم يلاحظ ذلك الشيء.

مر يومان وبدأ آدم في التحسن من أثر السم. وهذه المرة لم تكن كالمرة السابقة بالنسبة له، فقد كان الألم أقل بقليل عن سابقتها. وعاد لممارسة كافة نشاطاته مع الأولاد، وتلقي الأوامر من قصير والتنفيذ دون أي اعتراض. بدأ يحب الجلوس بجانب الحيوانات ويرتاح بجوارهم، أصبح يشعر بأنهم أكثر حناناً من البشر، وخاصة وهو يرى الأمهات منهم وهي ترضع صغارها، وتحن عليهم إن ابتعدوا عنها، وتنادي وتصيح حتى يعودوا إليها صغارها. فتصمت وهي تتلمسهم بأنفها وفمها بحنان، وكأنها تخبرهم أنها اشتاقت لهم وتطلب منهم عدم الابتعاد مرة أخرى. بعكس أمه التي تركته هنا ولم تحاول أن تعود لأخذه، وكأنها انتزعت من قلبها الرحمة ونست الأمومة.

لم يكن يقطع عليه خلوته إلا سالم صديقه المقرب، والذي أصبح لا يفارقه إلا نادراً أو للضرورة القصوى، فقد وجد كلاهما الراحة في شخص الآخر، وكأن الله أرسلهم بعضهم لبعض مستقراً ومستودعاً. فكان سالم هو من يأخذ بحمى آدم ويخاف عليه من كل شيء ويساعده إن احتاج للمساعدة، ويعطيه من خبراته كل ما يعينه على التعلم بسرعة، حتى يتخلص من هذا الشعور المقيت الذي يسيطر عليه دائماً بأنه عبد مأمور. وهو لا يزال لم يدرك أن هذا شيء طبيعي عند

أطفال البوادي، وأن ما يفعله معه قصير هو العادي، فمن هم في سنه أو أكبر منه قليلاً يكون بإمكانهم العيش بمفردهم تماماً، وتحمل مسؤولية أنفسهم. هذا هو قانون القبائل وسكان الصحاري، ولكن آدم لا يعلم هذا. وسالم يحاول أن يعينه بشتى الطرق على الفهم.

مرت الأيام وتوالت. كف آدم عن السؤال عن والديه أو موعد رجوعهم، فهو بات يعلم الآن أنهم لم يبتعدا، وأنهم في الجوار، وعدم مجيئهم إليه هو بكامل إرادتهم. وأصبح يجتهد من تلقاء نفسه ليتعلم كل شيء، ويتفوق حتى على أطفال البادية أنفسهم، دون انتظار كلمة شكر من أحد، أو عبارات تشجيع. فقد قرر أن يتعلم لنفسه أولاً، فهو على الأرجح سيقضي بقية عمره في هذه الصحراء ووسط رمالها، ولن يعود إلى المكان الذي لفظه وتخلى عنه سكانه. فانخرط مع الأطفال يتسابق معهم في إنجاز المهمات، غير آبه لنظرات الفخر به في عيون قصير والشيخ منصور، وكأنهم لا يخصونه بهذه النظرات. وكان هذا يزيد من عجب قصير والشيخ منصور!

ومن ضمن الأيام التي لن تُنسى في حياة آدم، ذلك اليوم الذي تعرض فيه لأصعب اختبار مر عليه، اختبار التمسك بالحياة. الاختبار الذي واجه فيه آدم الموت للمرة الثالثة، وهذه المرة كانت المواجهة بالغرق وليس بالسم كسابقتيها. فقد استدعاه قصير وقام بربطه، وطلب منه أن يقوم بحل قيده. وجعل أحد الأطفال يريه الطريقة، فقام أمامه بحل قيود يديه بفمه، ثم يقوم بحل قيود قدميه بيديه. وجعل آدم يفعلها عدة مرات، وظن آدم أن هذا كل شيء. وأن درس

اليوم هو تعلم فك القيود. ولم يكن يعلم أن الدرس أصعب من ذلك بكثير، فقد أخذه قصير هو ومجموعة من الأطفال في سنه إلى بحيرة، وقام بربط جميع الأطفال وتقييد أيديهم وأرجلهم، وألقاهم في المياه واحداً تلو الآخر. وكان آدم الأخير فيهم جالساً ينتظر دوره غير مصدق بما تراه عينه، وكأنه ضرب من الجنون أصاب قصير. فهذا في نظره قتل لا محالة.

وحين أتى الدور عليه وحمله قصير ليلقي به في الماء، رأى آدم الطفل الأول الذي ألقاه قصير أول شيء يخرج من الماء وهو متحرراً من قيوده. ثم خرج وراءه الثاني والثالث. وقبل أن يفكر آدم في احتمال نجاته من هذا الاختبار أم لا، كان يغوص في قاع المياه. فما كان منه إلا أن يحاول بكل جهده، ولكن المحاولة الأولى أخذت منه وقتاً أكثر من اللازم. كاد أن يختنق تحت الماء ويغرق، ولكن تدريبات كتم النفس التي كان يعلمها له قصير أفادته كثيراً. وفي النهاية نجح وخرج من الماء وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، وارتمى على الأرض ونظر إلى السماء طالباً الرحمة من ربه. فقد تأكد أن من حوله من البشر لا يوجد في قلوبهم أي ذرة من رحمة.

اقترب منه سالم وقام بتفحصه وطلب منه وضع إصبعه في حلقه والتقيؤ، فمن الواضح أنه شرب ماء كثيراً، فأنفاسه أصبحت ثقيلة. فنفذ آدم تعليمات سالم، وفعل مثل ما قال له. وبالفعل شعر ببعض الراحة حين تقيأ ما في بطنه من مياه. وأعاد يومها قصير هذه الفعلة مرة واثنان وثلاث وعشرة، حتى أصبح آدم أول من يفك قيده ويخرج من المياه من بين كل الأطفال. فتبسم قصير وعاد به وهو معجب مجدداً بمهارته وسرعته في التعلم، فهو الطفل الأول الذي مر عليه يتعلم الدروس بهذه السرعة!

بعد عدة أسابيع، كانت عايدة تجلس مع محمود زوجها في غرفتهم وقد بدت مهمومة. فاقترب منها وجلس بجوارها وسألها: "مالك يا عايدة لسه برضو قلقانة على ادم حتى بعد ما طمنتك عليه، وبعد ما مرسال الشيخ منصور جاب لنا صورة وهو زي الفل.. عايش وبيأكل ويشرب ويجري ويلعب مع الأطفال، واتعلم السباحة والغطس وركوب الخيل والرماية والنشان، وبشهادة الشيخ منصور بقى أشطر وأمهر من ولاد البادية نفسهم.. لسه برده خايفة عليه؟

"وهفضل خايفة عليه طول الوقت يا محمود، ده ابني وطول ما هو بعيد عن عيني قلبي مش مرتاح، وغير الخوف عليه الولد وحشني جدا، ونفسي أشوفه بعيني مش أشوفه في الصور وبس.. نفسي ألمسه، نفسي أحضنه، نفسي أطبطب عليه وأطمنه وأقول له أنا ما سبتكش يا حبيبي.. نفسي أبصله لحد ما أشبع منه، نفسي أشوفه بيجري ويلعب قدامي، نفسي أعمل له الأكل اللي بيحبه وأكله بإيدي، نفسي أطمن عليه بالليل وهو نايم.. أنا عايزة ابني يا محمود أنا مش قادرة أعيش وهو بعيد عني، ومتاكدة إنه هو كمان محتاجني ومفتقدني، ووحشني زي ما هو واحشني."

كلماتها جعلت محمود يستسلم للحنين الذي يشعر به هو الآخر، ويحاول كتمانه، وتمتعض ملامحه ويغمض عينيه، ويتخيل كل ما قالته زوجته وهو يفعله مع ابنه الوحيد، يتلمسه يحتضنه يقبله يجلس بجواره، يقص عليه القصص كما تعود وعوده، يتحدث معه في كل شيء يخصه، يعطيه من خبراته ويستمع إلى حكاياته ومغامراته التي يعود محملاً بها من مدرسته، وكأنه السندباد وقد كان في رحلة أتى منها بكل ما هو جديد وعجيب، وليس مجرد يوم عادي في مدرسته.

نغزات توالت على قلبه، فهو لم يعد يقوى على الفراق، فتباً للمسافات وتباً للبعد، وتباً للفراق بشتى أنواعه. وكم تمنى لو لم يرزق بأطفال فما كان اختبر كل هذا الألم. أما في البادية..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...