الفصل 14 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
23
كلمة
4,826
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

نظر آدم للمرأة الجالسة ثم نظر إلى الشيخة عوالي مرة أخرى وقبل أن يعيد عليها ما سمع تداركت خطأها وصححته سريعاً: -سلم على أمك أم سعيد ونادي على سالم وباقي الشبان يسلمون عليها هي رفيجتي وفي مقام أختي ولما حكيت لها عنك قالت ودي أنسلم عليه وأشوف بعيني اللي خطف قلب أختي ورفيجتي ومحبته واصلة عندها للغيم. تبسم آدم ومد لها يده مصافحاً وهو يقول: -مرحبتين هلا وغلا برفيقة الغالية..

أما عايدة فمدت إليه يد ترتعش من فرط ما تشعر به من إحاسيس ومشاعر تتلاطم داخلها تلاطم الأمواج.. نظر هو بغرابة ليدها المرتعشة قبل أن يضع يده فيها، فقد كان ارتعاشها ظاهراً، وبمجرد أن تلامست أيديهم شهقت المرأة وسريعاً أسرت يده بين يديها وأخذت تقبلها مرة بعد مرة، سريعاً وبلهفة، وكم تمنت ألا يكون هناك حاجز بين فمها ويده فتشعر شفاهها بملمس يده وحرارة جسده.

أما هو فكان ينظر إليها بغرابة غير مدرك لماذا تفعل معه هذه الأفعال، فنظر للشيخة عوالي يطلب منها تفسيراً، فردت عليه سريعاً: -اعذرها يا وليدي أمك مريضة وكمان عندها وليد وحيد غايب سافر بره لبلاد يدرس فتلاقي قلبها رجيج عالوليدات. تبسم آدم بتفهم وبدأ بعدها يسحب يده من بين يدي المرأة وهو ينظر لعينيها أكثر، ولا يعرف لم هذا الشعور الغريب الذي إنتابه فور رؤيتهما يفيضان بالدمع، لم أشفق عليها جداً ومم؟

ولم اجتاحته هذه الرغبة العارمة في احتضانها الآن والتخفيف عنها.. لم كل هذه المشاعر الغريبة تجاه هذه المرأة الغريبة؟ تنهد وهو لا زال واقفاً لا يعرف لماذا لا يرغب في الرحيل من جوارها، وبنفس الوقت لا يستطيع المكوث معها أكثر وترك ضيوفه وعدم القيام بمضايفتهم بنفسه..

فغادر بعد أن استأذن منهم، وذهب للقيام بواجب الضيافة وأرسل لها سالم ورابح وبعضاً من الأولاد لتسلم عليهم، ووقف يراقب من بعيد هل ستفعل معهم مثلما فعلت معه أم لا، ولكنها لم تفعل، وكان سلامها عليهم عادياً عابراً خالياً من أي مشاعر! فزاده هذا عجباً فوق عجبه، فإن كانت تشتاق لابنها وتراه في كل الأولاد لماذا تكيل بمكيالين إذاً؟

ظل طوال السهرة يختلس النظر إليها، وكلما فعل وجدها تنظر إليه، ويكاد يقسم أن عيناها لم تبارحاه لحظة واحدة، فقرر أن يزيل العجب بالاستفسار والتوضيح من لسانها، ولكن ليس الآن، فالآن سمرة وحفلة وفرحته التي يجب اغتنام كل لحظة فيها، فقام يشارك الصبية في الغناء والرقص البدوي، وعلى وقع خطواته كانت تتراقص القلوب، ليس كل القلوب ولكن القلوب المحبة فقط.

انتهى الحفل تقريباً.. أكل الجميع من وليمته حتى شبعوا وبدأوا في الإنصراف، لم يتبق سوى القليلين وأهل البادية.. والغريبين.. الرجل وزوجته. استغل أن الشيخة عوالي ابتعدت عن المرأة فتسلل إليها خلسة وهو يحاول عدم لفت الأنظار، أما هي فوقفت حين رأته يقترب منها وانتفض قلبها.. هل عرفها؟ هل شعر بها.. هل قلبه حدثه بأنها أمه؟ أم ما الذي أتى به إليها مرة أخرى؟

وقف على مقربة منها، ونظر لعينيها المثبتتين عليه ونظر ليديها اللتين تحاولان الاختباء في بعضهما من فرط التوتر، فسألها دون تردد: -منو أنتِ، ويش فيكِ، أحسك عندك شي، أحس أمورك غريبة، ما عرف ليش هكي حسيت، بس اعذري فضولي وجاوبيني، ليش عيونك ما فارقوني ومحاوطاتني طول الليل، وليش أحس بيهم حكي كتير؟ وليش أحس أني أعرفك وريتك من قبل مرات وأجدة.. وين وامتى ما أدري بس هاد شعوري!

حاولت عايدة التحكم في الصوت الذي يصرخ بداخلها ويخبرها بأن تلتهمه الآن داخل أحضانها وتخبره أنها أمه وأن هذا الحضن هو بيته، وأن هاتان العينان هما من سهرا يحرسانه ليالٍ طوال ومنذ افترق عنهم فارقتهم الحياة وهذا سبب الحزن الذي يراه فيهما.. همت أن تخبره بأنها طفلها الذي فرقها القدر عنه.. ضعفت وهي تنظر لعينيه المترقبتين لما سيخرج من فمها، ضعفت وهي ترى الهواء يداعب خصلات شعره الطويلة ويأتي بها على عينيه وأرادت أن تزيحها

بيدها كما كانت تفعل وهو صغير حتى لا يضايقه شعره، شعرت بأنها لا تقوى على المقاومة ولا تستطيع الوقوف أكثر وأن قدميها باتتا رخوتين لا يستطيعان حملها أكثر وأرادت الاستناد عليه وأن تشعر بأنه عكازها القوي الذي أدخرته للزمن كما تفعل جميع الأمهات..

رفعت يدها التي ترتعش وأمسكت بطرف نقابها كي ترفعه وتخبره بأنها أمه وتهد جميع المعابد الآن وليحترق ما يحترق، ستأخذه وتذهب به بعيداً الآن.. لن تعود للقصر ولا تريد من الدنيا شيئ سواه. وما أن شرعت في رفع النقاب حتى وجدت يداً تمنعها عن ذلك، فنظرت إليها وإذ بها عوالي تنظر لها بحدة وقالت لها بتحذير: -إيش فيكِ -ما يجوز يا خيه ما يجوز، الوليد ما نه صغير.. لوليد بالغ الحلم.. ثم أكملت وهي تشعر بأن عايدة تنهار:

-لسه ما آن الآوان لا تخربينها.. بس هانت ووليدك راح يرد لك عن قريب وراح يطفي شوقك.. وأنت يا عقاب امشي بعيد عنها، بس شافتك تذكرت وليدها فيك منا ملامحك تشبهه وأجدة، صحيت بيها الحنين لضناها، عدي يا وليدي. هم أن ينصرف وهو لا يزال غير مقتنع بكل ما قالته الشيخة عوالي، فأوقفته السيدة بأن أطبقت يدها على معصمه ودون أن تتفوه بكلمة واحدة وأخرجت من بين طيات ملابسها علبة صغيرة باللون الأزرق ومدتها إليه.. نظر للعلبة ونظر لها،

وبصوت يرتجف قالت له: -هدية نجاحك.. مبروك وعقبال شهادة الجامعة. نثر يده منها سريعاً بمجرد أن سمع صوتها وكان برقاً ضرب أوصاله.. ما هذا الصوت المألوف، ما هذه النبرة التي جعلت القشعريرة تسري في قلبه، ما قصة هذه المرأة، هذه المرة هو من سيكشف عن وجهها ويعرف من هي، لن ينتظر، فهم بفعل هذا ولكن هذه المرة يداً أخرى هي ما أوقفته، كانت يد قصير الذي أتاه مهرولاً حينما انتبه للموقف، ومن بعده أتى الشيخ منصور مع محمود..

واستمع الجميع لقصير وهو يقول لآدم موبخاً: -الله يخذيك يا عقاب ويش تفعل.. تكشف ستر حرمه؟ .. هكي تعلمت وهي الأصول اللي تربيت عليها؟ آدم: -بس أنا أريد نعرف منو هي، أريد أشوف ملامحها حاسس أني نعرفها. قصير: -اغرب عن وجهي يا آدم وبلا حكي فاضي وين شفتها وهي غريبة ما من ديارنا ولا من قبيلتنا ومن الكنت صغير ما جاتنا؟

نكس آدم عينيه للأرض خجلاً فقد تدارك حجم خطأه والآن هو واثق بأن لما فعله عقاب شديد، فهو ارتكب خطأ في حق الشيخ منصور وفي حق ضيوفه وفي حق القبيلة أجمع وهو يحاول كشف ستر إمرأة غريبة، هو يعرف الأصول ويعرف التقاليد، ولكن لم كسرهم وتعدى عليهم بهذه الطريقة للمرة الأولى لا يعلم؟ تحدث الشيخ منصور وهو ينظر لآدم بحدة:

-روح يم خواتك ولينا حديث طويل يا عقاب.. ما تظن هي الغلطة بتمر مرور الكرام.. والحين يا أبا يزيد خد حرمتك وتوكل على الله طريقك طويل ودوبك تلحق توصل.. قالها له وهو يأمره بالتحرك فوراً وإلا ضاع كل شيء، فأنصاع محمود للأمر، وأمسك يد عايدة وتحرك على الفور، ولكنها قاومته وتنصلت من قبضته وعادت لآدم ومدت له العلبة قائلة: -اشتريتهالك مخصوص أرجوك اقبلها مني.

لم يتحرك لآدم ساكن وظل ينظر إليها وكأنه لا يريد أخذها منها حتى تبقى أطول ويشبع عيناه من عينيها وصوتها، ولكن يد عوالي هي من أخذت منها العلبة وشكرتها، وكل هذا كي تغادر، فقد أصبح الأمر خطيراً وبدأت القلوب تتعرف على بعضها، وإن بقيت الأم مع ابنها أكثر سينفضح كل شيء.

وغادر محمود وعايدة البادية، وصعدا في سيارة قصير القديمة وتركا السيارة التي أتوا بها، وكانت هذه المرة الثالثة التي تختبر فيها عايدة الوداع، ونفس الشعور يعود إليها مرة أخرى وهاهي نفس الدموع تذرف ونفس الوجع يعود، وكأنه كتب عليها خوض هذه المشاعر بالتفصيل كل فترة من الزمن..

ولكن رغم ذلك كانت هناك بعضاً من السعادة تجابه الشعور بالألم وتحاول هزمه، فما رأت عليه ابنها ليس بالقليل، بل يشرح القلب ويثلج الروح، ولكن للفراق ألم لا بد أن يُخاض. عادا للفندق الذي نزلا فيه، فقد كانت خطتهم أنهم سيسافران لمدة أسبوع في إجازة مسروقة من الزمن، يستريح فيها محمود من عناء العمل، وكانت سهرات السمر من ضمن برنامجهم الترفيهي، وكأن الأمر حدث بتخطيط من إدارة الرحلة حتى لا يشك أحد بشيء.

وأمضوا ليلة من أسوأ لياليهم، يحتضنان بعضهم وحديثهم عن ابنهم لا ينقطع، لا الوصف فيه ولا التغزل ولا السعادة التي يشعر بها كل منهما، وأخيراً استكانت أرواحهم وهدأت واطمأنت على طفلهم. أما في البادية في نفس ليلة الحفل وبعد أن غادر الجميع، أرسل الشيخ منصور لآدم، فأتى له وهو مستعد لأي عقاب سيفرض عليه، فهو أخطأ ولا يملك تفسيراً لما فعله مع المرأة سوى أنه ضربة من الجنون انتابه.

دلف إلى خيمة الشيخ منصور فوجد وجهه هادئاً عكس توقعه، فحياه واقترب حتى وقف أمامه فقال له منصور آمراً: -اجلس يا عقاب ودي أحكي معك بشي. جلس آدم وهو يرد على الشيخ منصور: -عيبتي كبيرة يا شيخ ونا عارفها ونادم عليها ومستعد لأي شي تحكم بيه. أنا اللحم وأنت السكين. الشيخ منصور: -مقدر قد أيش أنت غالط يا عقاب؟ -أي يا شيخ، حل عليا عقابك.

-تعرف لو ما كان اليوم يوم أسعدك وأنت محتفل وفرحان.. كان تمى لي كلام تاني غير، وتاني شي أنت معترف بخطاك ودرت عليه عِلْم، معناها ما عاد تتعثر فيه مرة ثانية، صح كلامي ولا أنا غالط؟ آدم: -صح كلامك يا شيخي، الله لا يحرمنا من حن قلبك وأطال الله بعمرك يا شيخنا. ووطى على رأسه وقبلها. الشيخ منصور: -اسمعني زين.. عندي لك حاجة سمحه بلحيل راح يطير عقلك فيها. آدم: -إيش هالحاجة يا شيخ؟ الشيخ:

-ريت السيارة رباعية الدفع اللي جوار الخيمة، هادي ملك لك بصكو ملكية. آدم بفرحة عارمة: -والله واجد عليا يا شيخ بيكفيني الكباش اللي عطيتهن لي وتكاليف الحفل. الشيخ: -أنت مو فاهم علي.. هادي مو مني، هادي هدية من واحد يحبك ويعزك وأجدة وهو كمان غالي عليك. آدم: -من من؟ الشيخ: -هالعطية من بوك. انتفض آدم وهب واقفاً وهو يرد عليه بعصبية: -أنا مو عندي أب، ولا أريد منه شي.. إيش خطرني عليه؟ تو غير تذكر أن عنده ولد! الشيخ منصور:

-اجلس وأنا أنفهمك كل شي. آدم: -ما نريد نفهم شي، الشي الوحيد اللي فاهمه أنه رماني رميته شينة، وتو جايبلي سيارة! باي وجه قدر يسوي هيك وإيش مناسبتها؟ أنا مو محتاج سياراته ولا أي شي من ريحته.. أنا عنده مييييت ولموات لا يتهادون ولا يسوقون سيارات يا شيخ. الشيخ منصور: -يا وليدي سمعني.. أنت تو صرت راجل ما لي توبك، وأنا قررت الحين أنفهمك كل شي، وليش أبوك سوا هكي.. آدم:

-لا ما أريد أفهم شي، ولا أريد طاريهم لا أبوي ولا أمي، أنا بالأول كنت أريد أرجع وأسألهم ليش تركوني وكيف هنت عليهم.. ، لكن تو أنا ما نريد نرجع وما نريد نسأل ولا أي شيء.. خلاص شلتهم من حساباتي نهائياً، أني ما عاد ليا أهل غيركم، ولا ودي شي من حدا، فبالله صكر على هالسيارة يا شيخ، وهم ذاهباً تاركاً الشيخ بدون استئذان فهدر به الشيخ منصور بعصبية:

-صبي مكانك.. هادي تاني غلطة اليوم يا عقاب تطلع منك، أغلاطك صارت كثيرة وكبيرة.. تسيبني وأنا ما خلصت كلامي معاك، وتغادرني من دون ما تستأذن مني؟ عاد آدم وهو مطأطئ رأسه وقد تدارك خطأه: -اعذرني يا شيخ أنا مو عارف إيش بي اليوم! بس نرجوك ما تفتح سيرة هلي مرة أخرى بستأذنك ودي أروح أرقد راسي حييل يوجعني.

أنهى حديثه وذهب من أمام الشيخ منصور سريعاً وهو يحاول كتم غضبه حتى لا يخطئ مرة ثالثة، فتكون الغلطة التي تقسم ظهر البعير وتجمع عقاب جميع ما سبقها.. فأردف الشيخ منصور في نفسه: -الباين أني غالط لما حسبتك كبرت وعقلك نضج يا عقاب.. لك غرني بنيان جسمك وشطارتك، لكن قلبك ما زال قلب وليد صغير، ولا يمكن الجرح كبير وما فيه يبرا بسهولة.. الله يعين قلبك يا وليدي ويعين قلب بوك وأمك.

خرج آدم وهو في قمة غضبه وذهب لسالم ورابح الذين كانوا يجلسون عند البئر يضحكون بمرح، وفور أن رأوه يقترب منهم والعبوس على وجهه، سأله سالم وهو يتعجب من تغير حاله: -إيش فيك؟ رحت فرحان رديت متكدر ومهموم، ويش حكى معك الشيخ يا خوي؟ حكى لهم آدم كل شيء عن السيارة وعن كل ما دار بينه وبين الشيخ، فتجاهل الاثنان كل ما حدث ووقفا عند خبر السيارة، فقال له سالم بدهشة: -بالله تحكي صدق؟

يعني أنت تقصد هالسيارة رباعية الدفع المقنعرة قدام خيمة جدي منصور تخصك أنت؟ آدم: -أي تخصني، لكن ما أريده، رابح: -نشهد بالله انك بهيم. سالم: -بهيم ومليون بهيم وما تفهم شي. آدم: -انا ما اريد شي من بنتهم. رابح: -ياقليل العقل اعتبرها من بنة اي حد اخرا غيرهم، وتو ما تمت تخصهم، تمت لك انت. ولك ياعالم هادي سيارة سيارة. عارف يعني ايش؟

يعني انطلاق وهياجه، ومشاوير الحضر تبقى اسهل وامتع من غير مانكونو تحت رحمة عمي قصير، يتحكم في كل تحركاتنا ونرحموا اقدامنا اللي بتنشوي من الحصا ورمال الصحرا القايدة واحنا نروح هناك ونرد هيني. سالم:

-وبعدين سوا اخذتها ولا تركتها انحسبت عليك، اللي اعرفا ان هلك مانهم قريبين ليردلهم عمنا قصير خبر بانك رفضت عطيتهم.. الا راح تبقى وراح تحل لقصير يركن سيارته الخرفه وياخدها يتمشور بيها وراحت عليك يابهيم. صمت آدم ونظر بعيداً بتفكير في كلامهما، وبعد أن اقتنع بوجهة نظرهم رد عليهم بقلة حيله:

-بس انا خلاص بريت زمتي منها قدام الشيخ منصور، رفضتها وما اريد ارجع بكلمتي معو، الراجال ما يلحسون كلمتهم وانا كلمتي انطلقت كيف الرصاصه ما تعاود مره تانيه. سالم: -انت ما عليك، انا نمشي نقبلها منه ونجيبلك مفتاحها واقولا اني ورابح ردينا عقلك براسك. آدم: -سوو اللي بدكم يا ه، اني رايح ارقد تعبت حيييل اليوم، تصبحون على خيرات الله. سالم:

-نصبح علي مفاتيح السياره وطلعه ووناسه من بكرة الصبح. تبسم لهم وتركهم وذهب إلى غرفته، فخلع عنه ثيابه وارتمى على فراشه وحاول أن يريح بدنه وعقله بعد هذا اليوم المتعب ذات الأحداث الغريبه، واخذه التفكير رغماً عنه لتلك المرأة الغريبة المألوفة ذات التصرفات المريبه، ومن بعدها لموضوع السيارة، واخذ يتسائل ترى مالذي ذكر أباه به وجعله يرسل له تلك السيارة، ومن أين علم بخبر نجاحه، هل معنى ذلك أنه لازال يشغل حيزاً من تفكيره؟

هل لا يزال يتذكر أن لديه إبناً، وهل ياترى اصبح لديه اخوة الآن، هو لا يتذكر سوى انه كان عنده أولاد عم، فهل انجبت أمه ما انساهم إياه وجعلهم ينسون أمره؟ هل لم يكن إبنهم يوماً وكان دخيل عليهم او طفل مُتبنى وفور أن رزقهم الله بطفل من لحمهم ودمهم تخلصوا منه؟ أم انهم رأو أنهم بتربيتهم لغير إبنهم يزرعون في أرض لا يملكونها، فأقتلعوا الزرع ورموه قبل ان يكبر وتتفرع اغصانه؟

كم هائل من الأسئلة عادت لتعصف بعقله بعد أن قرر تجاهل كل شيء في الفترة الأخيره، وكم تمنى لو أنه استمع للشيخ منصور وتفسيره للأمر، ولكنه فر هارباً خوفاً من أن تصدمه الحقيقة، ففضل البقاء في عالم الإحتمالات بدلاً من تلقي صدمة تقضى عليه. نهض من فراشه بعد أن هجره النوم من كثرة التفكير، فقام لحاسوبه، فتح نافذة على العالم الخارجي وبدأ يتصفح، ومن ثم بدأ يطبق في اخر دروس اخدها في تهكير المواقع حتى اجادها، وأصبح اي موقع او حساب

شخصي لا يأخذ في يده اكثر من دقائق ويُفتح أمامه، وبعد أن نجح في الأمر تماماً اعاد كل شيئ كما كان وخرج من كل شيئ، وقرر الا يستغل علمه في اذى من أي نوع.. بل هو شيئ من باب المعرفة ليس إلا، مع أنه لا يرى له أهمية، ولا يعتقد أنه سيأتي اليوم الذي يحتاج لفعل شيئ مثل هذا كما يخبره معلمه دوماً بأنه سيحتاجه حتماً. اقبل الفجر ولاح الخيط الابيض من الأسود في كبد السماء، فقام آدم للصلاة، ثم ارتدى ملابسه وذهب يوقظ من قالا أنهم

سيقفون على بابه في الصباح الباكر، ومازالوا نائمين على غير العادة، فذهب لخيمتهم ولكن اوقفه

صوت مايزه وهي تنادي عليه: -ياعقاب.. عقاااب.. أقبل الشيخه تريدك. ذهب اليها آدم وهو يتنهد، فهو يعلم سبب استدعائها له في الصباح الباكر، وحتماً ستوبخه على فعلته مع ضيفتها، ولكن لا يهم سيتحمل التوبيخ، فهو اخطأ والمخطئ يتحمل. دلف إلى الخيمة بعد الإستئذان فوجد الشيخة تجلس فوق مصلاها وبيدها مسبحتها فردت عليه تحية الصباح ودعته للجلوس بجوارها وقالت له: -تعرف ليش دذيتلك بدري هكي ياعقاب؟ آدم:

-اي اعرف ياشيختي.. وان كان تقصدي باللي صدر مني امس، انا مشيت للشيخ منصور واعتذرت منه وهو سامحني، ونعتذر منك انتى كمان فياريت تسامحيني ما كان قصدي. عوالي: -هو انا كنت راح اعلمك غلطك اذا ما اعترفت بيه، بس دامك قريت بغلطك مسامح يا وليدي، والحين عندي سبب ثاني جبتك لاجله. انهت حديثها واخرجت العلبة القاطيفة من صندوق خشبي كان بجوارها وهي تقول له:

-مد يدك واقبل الهدية، والحرمة قدراتك وجابتك هديه وانت واجب عليك تقبلها والنبي عليه الصلاة والسلام قبل الهديه ياعيوني. آدم فتح الهديه واندهش: -هادي ساعة رولكس اصلييه واااجد غالية.. انا شفتها عالانترنت سعرها معدي حق خمس اجمال، وبلكي اكثر! كيف هالحرمه ما تعرفني وتهاديني هيك هديه ثمينة؟ والله غريب امرها! عوالي:

-يا وليدي، هالناس كتير عندهم من الخير والرزق اللي ماله حد ولا عد، وما يقدمو الا قيمتهم، وهالساعه عندهم شي قليييل فانت ما تستخسرها في روحك، واذا ما تريد تلبسها شيلها لوقت عازة، ومو كل شي تعمل منه حكايه وليش ومن من؟ كل شي بوقته حلو. صمت آدم واخذ الساعه واستأذن منها وذهب لخيمة المجلس اللي تخص الشباب.. فوجد رابح قد استيقظ وسالم يتململ في نومته وعلى وشك الاستيقاظ، ففتح الساعة واخذ يتأملها مرة أخرى بحيرة. رابح:

-الله الله ويش هالساعات والحركات، من أمس وانت تتساقط عليك العطايا الثمينة.. خلينا تحت جناحك يا كبير المقام. إشرأب سالم برقبته يرى ما يتحدثون عنه واردف وهو يرى الساعة: -ياعقاب احنا خوت وحاجتك حاجتي مووو، يعني وين ما تجيني طلعة ناخدها منك. رابح:

-وانا ناخدها وين ما يكون عندي مشوار للحضر. وباقي الشباب كل واحد بدوره عايزها في اي مناسبه عنده. يعلم آدم لم شعر بأن هذه الساعة بالذات لا يود مشاركتها أحد، لا يعلم لم يشعر بأنها شيئ خاص به هو فقط لا يتشارك، بالرغم من أنه لا يعز على رفاقه اي غرض من اغراضه، ولم يرفض لهم يوماً رجاء.. فأجابهم معترضاً: -هادي مو ملكي، هادي ملك صحبتها وانا هنرجعها لها وقت تعاود، انا ما اقبل هدايا من اغراب، وفكوني من وجيجكم. رابح:

-يييي تو عاد بهيم. سالم: -هي طبيعته وين يهروب منها، بينا بينا اليوم عندنا مناسبه غيير وعقاب عازمنا على يوم بالحضر وكل وشرب ووونااااسه. ونهض الاثنين يستعدان، أما آدم فذهب لغرفته وفتح خزانته واخرج الحقيبة التي يحتفظ فيها بألعابه، وقام بوضع الساعة معهم، ولا يعلم لم شعر بأن هذا مكانها الطبيعي، برغم أن هذه الاشياء ذكريات من طفولته!

أما في خيمة الشيخه عوالي، فظلت على نفس جلستها بعد أن غادر آدم، وظلت تسبح على مسبحتها وقد تأثرت ملامحها ويبدوا أنها شاردة تفكر في شيئ ما، فسألتها مايزه: -ليش سامرة ياشيخه فيك شي اتحسي بشي؟ عوالي:

-والله مو عارفه ايش اقولك يامايزه، بس اللي صار واجد بلحيل على ام آدم.. انا الليل ما نمته بسبب اللي صار واللي شفته بعيوني وقلبي قضى الليل ينزف عليها وجع.. انا اي ما ما عندي ضنا ولا ضنيت.. بس حسيت بكل شي هي مرت بيه وحسته.. حسيت بروحي مكانها ووليدي قدام عويناتي ومحرومه من ضمته لقلبي.. والله مزقت روحي، ولا الصبي اللي قلبه حس بامه.. ياربي لو شفتيه يامايزة كيف يدقق النضر فيها، وكيف هي كانت تطلع فيه، ملعونه كل الظروف اللي

تفرق الام من جنين كبدها وما تقدر اتضمه على صدرها.. والله لو بيدي لنمشي نقتل عمه ومرته العقربة وعمته الحيه وناكل اكبودهم ونجمع آدم بابوه وامه المسكينة. قبل كنت نشفق عليه درجه.. تو نشفق عليه درجات ونشفق على امه اكثر واكثر.. الله يعدي ما بقى على خير ويرد الغايب لاحبابو.

مايزه: -هانت ياشيخه عدا الكثير ما تبقى الا القليل. عوالي: -انت تشوفيها هينة، لكن ام آدم من اليوم راح تعدي عليها الساعات سنوات، الله يقوي عزمها.. هي شافت وليدها وصارت كيف العطشان ومربطه كل اوصاله وقدامه خرير المي ومو قادر يمد يده ويروي عطشه.. ملعونه القيود اللي يحطها البشر علي حق مكفول. أما في القصر.. كانت مديحة تجلس في غرفة محمود وتنظر لصورة آدم بسعادة وظفر، وامسكت الهاتف واتصلت برقم وبعد أن أتاها الرد قالت:

-هاه عملت إيه عرفت توصل؟ طيب تمام.. أول ما تلاقي الوقت المناسب نفذ فوراً. وبعد أن أنهت المكالمة اغلقت الهاتف واخذت تنظر لصورة آدم وقلبها يتراقص فرحاً، وبعدها خرجت بها من الغرفة وذهبت حيث تجلس فريال ويحيي بجوارها، وأخذت تلوح أمامهم بصورة آدم قبل إن تقول:

-عرفت مكان آدم.. وكلها ساعات وأول جزء في الخطه يتنفذ.. عشان بس تعرفوا إنكم خلاص راحت عليكم، وانتي يا فريال المفروض تعتزلي الملاعب وتسيبيها لغيرك وتسلمي بالهزيمه. نهض الاثنان سريعاً وأختطف يحيي الصورة من يدها ونظر اليها بدهشة، ثم اختطفتها منه فريال ونظرت اليها وقد تملكتها الدهشة هي الأخرى، وهتفت دون الإكتراث لمن يقفون بجوارها: -يا بن الصايعه!

انا قلت من البدايه الولد مخرجش بره مصر، وكالعاده كلامي ما بينزلش الأرض. جلس ثلاثتهم ينتظرون ما ستفعله مديحة، والذي رفضت الإفصاح عنه لهم، وكأنها صارت هي الربان وهم الركاب ولا يحق لهم أن يعرفون أي الاتجاهات ستسلك المركب، بل مهمتهم هي الجلوس والإنتظار فقط. وبعد ساعات رن جرس الهاتف، فأسرعت إليه مديحة وفور أن اجابت أتاها الرد: -تم يا ست هانم.. العربيه قدامنا اهي بتتشقلب من فوق الجبل واللي فيها بقوا سلطه.. أي أوامر تانيه؟

-لا ميرسي.. ابقى عدي عليا خد باقي فلوسك.. تسلم الأيادي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...