الفصل 15 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
24
كلمة
2,746
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

أغلقت مديحة الهاتف ونظرت لأخيها وزوجته وأردفت بارتياح: "ودلوقتي محمود وعايدة خلاص بح، ومبقاش معانا غير حتة ولد صغير أمره أسهل منه مفيش. أخوكم الصايع موديه البدو ومخبيه هناك طول السنين اللي فاتت ومستغفلنا هو ومراته وملبسينا العمة. وسايبنا ناكل في بعضنا، والواحد صبر كتير ومبقاش عنده ذرة صبر زيادة." فتح يحيي عيناه على وسعهما وهو يعقب على كلامها غير مصدق لما سمعه للتو: "قتلتي أخوكي يا مديحة؟ قدرتي تعمليها إزاي؟

"قدرت يا يحيي زي ما أنت قدرت تشوف أخوك بيتعذب ويتسمم قدامك وكان عادي عندك. أوعى تيجي دلوقتي تعمل إنه صعبان عليك، أو إنك مش مؤيد اللي عملتيه بس عشان تريح ضميرك شوية." ردت عليها فريال التي كانت تنظر إليها ولا تعلم لم رأتها في هذه اللحظة وقد تحولت ملامحها لملامح ذئب مسعور مستعد لنهش الجميع، فحاولت الانضمام لجبهتها حتى تكون في مأمن منها:

"لأ طبعاً يا مديحة اللي عملتيه ده هو أسلم وأسرع حل، لأن فعلاً إحنا انتظرنا كتير وكل خططنا فشلت، وأنا بعترف بفشلي وإن الجولة دي انتي الفايزة فيها. ودلوقتي أنا ويحيي في انتظار قرارك اللي جاي وهننفذه، مع إني أتوقع إنه قتل آدم." "فسيبلي أنا المهمة دي."

"مديحة: لأ آدم مينفعش يموت دلوقتي، آدم لازم ييجي هنا حي، لازم يفضل تحت وصاية عمه وتحت عيونا لغاية ما يوصل السن القانوني، وبعد السن القانوني هناخد منه كل حاجة ونخليه يحصل أبوه وأمه. ودلوقتي محتاجين نعرف مكان الولد بالظبط عشان نروح نجيبه." فالتقط يحيي الصورة من يدها ونظر إليها بإمعان وتهللت أساريره وهو يردف بسعادة: "استنوا.. أنا تقريباً عرفت المكان اللي فيه الولد.. آدم عند الشيخ منصور." تهمست فريال مرددة من بعده:

"الشيخ منصور! "أيوه يا فريال الشيخ منصور.. ومين غيره يقدر على العملة دي، يابن اللعيبة يا محمود. هاتي الصورة دي يا مديحة وأنا رايح أجيب الولد، وبالمرة كلمي الراجل اللي خلص اعرفيلي منه المكان اللي محمود وعايدة عملوا فيه الحادثة.. عشان أجيبهم معايا بالمرة وندفنهم، ونلم لحمنا المتنطور في كل مكان ده." أنهى كلماته وذهب لغرفته وبدأ في تبديل ملابسه ثم لحقته فريال التي همست له:

"خلي بالك من نفسك وانت رايح، واتلفت حواليك كويس وخد المسدس بتاعك معاك." "ليه دا كله؟ "احتياط يا حبيبي، وتنساش إن اللي موتت أخ تقدر تموت التاني من غير ما يرفلها جفن.. وخصوصاً لما يكون قلبها محروق منهم عشان مخلوهاش تمشي على حل شعرها." توقف يحيي عن ارتداء ملابسه ونظر للفراغ وأردف وكأنه أدرك شيئاً ما: "تصدقي عندك حق.. دي كده مديحة الواحد يحطها تحت الميكروسكوب من هنا ورايح."

"متقلقش من الناحية دي أنا مش هغفل عنها لغاية مانفوقلها، ماهو إحنا مش هنخلي حية تسكن بيتنا ونربيها واحنا عارفين إنها مليانة سم وهتلدغنا في أي وقت وتموتنا.. إحنا مش أغبيا ومش هنغلط غلطة محمود." غادر يحيي وقد امتلأ قلبه بالقلق من ناحية أخته، وأصبحت الآن هي التالية في قائمة التخلص، فمن يخون مرة يخون ألف مرة، ومن يضحي بأخ يضحي بالآخر كما قالت فريال. أما في البادية، في خيمة. الشيخ منصور..

دَلَفَت عوالي ووجدت أخيها يئن ويسعل كما أخبرتها مايزة، فاقتربت منه وهي تقول له: "الف لا بأس عليك خوي مايزة قالتلي إنك بعافية شوي، ريت الوجع بيا ولا بيك.. ويش جاك يا شيخنا كنت بعافيتك امس وكامل حيلك." -نحمدو الله يا خيتي هالشتوية صقيعها واعر والعظام باد." "عوالي: -وماراح تسلم من الصقيع إلا إذا نشوفلك عروس تدفيك بأنفاسها وتطرد برد الشتا.." -لا تلحين علي بهذلة أخوك بآخر أيامه يا مايزة." "مايزة:

-ويش فيها بهذلة يا شيخ، والله انت أصوب من وليدك قيات.. انت بس تخزي العين والله.. اللي كيفك ياخد اللي مازالت في بطن أمها.. غير انت اسمع كلام خيتك ونا نزوزك خيرة بنات القبايل غير انت قول تم وشوف عوالي إيش تسوي." الشيخ منصور بضحك: "اتريديني ننقلب يا عوالي والصبايا يصغرن بي بين القبايل، ويدهشن فالي ويبدلن أحوالي؟

، أنا تو مرتاح البال، أم مفتاح الله يرحمها سدت عليا كل الطرق لحرمة من بعدها.. كانت حرمة بكل صبايا القبيلة.. تحملت مني اللي ما حدا يتحمله قولولي يا عوالي من تقدر تملا مكانها." "عوالي:

-والله يا أخوي انت ورثت بوك في هالموضوع وما تزوجت غير مرة.. حتى بعد ماتت أم مفتاح وسيبتلك "عريفة" قطعة لحم حمرة رفضت إنك تجيبلها مرت أب، والحين اللي ربيتها وكبرتها لكبرتك تركتك وراحت مع زوزها وعبرت الحدود، ومو بس هيك خذت خوها بعد.. بس لتعرف إن الوليدات ينفعن في الكبر، شوف حالك وليد استشهد ووليد سافر، لو كنت جايب خمسة ولا عشرة ما كان الباقي حولك الحين."

-ما يلزم يا عوالي، أنا كل القبيلة حوالي وكلهم وليداتي وبنياتي.. وعريفة الله يسعدها مع راجلها، ويرحم وليدي الشهيد مفتاح، ويحنن قياتي علي يجيبلي وليداته ويرد لا أشوفهم الشوق لاعب بالقليب لعب، الله يكون بعون محمود على وليده وفراقه سنين." "عوالي: -وايش منتظر بعد دذله يجي، ولا خلاص تبع راجل أخته وقعد في ليبيا ونسي قبيلته، فرض عليه يجي وعويلاته يتربوا هانا."

-ما ظني راح يعاود يا عوالي، قياتي الغربة خداته وغير هواء القبيلة وتعود ينام تحت أسْطاح، واللي يتعود ينام تحت أسْطاح ما يعاود للعرا والخلا مرة ثانية، أنا راح أسلم المشيخة لقصير من بعدي، هو أحق بها من أي حدا غيره، هو اللي يعرف الأصول ومحافظ عالـ عادات وما غير جلده، أخاف يجي قياتي يلبس رجال القبيلة وحريما وعيالها متل الحضر، ويعلمهم ياكلون متل الحضر ويعلمهم على الراحة والنوم للضهر.. وتضيع القبيلة وتنطمس أعوايدها على يده، خليه بعيد بس نشوفه نرد الشوق ويعاود لدنيته الجديدة."

"عوالي: -ااااخ من الحضر اااخ.. متل النداهة يلالي ويغري ويغوي ويسحب ليه.. وما يلاقي الشخص حاله إلا متربط فيه، ما قادر يفلته ويعاود للقبايل.. واجِد ناس قالت نسافرو شغل ووكل عيش ونردو، وراحو ماردو وهجروا قبايلهم وبواديهم ونسيو عيشة الصحاري والكد." -الله يوفق الجميع وين ما راح ووين ما حل.. والحين قومي سويلي شي دافي أشربه حاسس حلقي متشقق من كثر السعلة." "من هالعينين يا شيخ."

ونهضت كي تأتي له بشيء يخفف عنه وطأة المرض.. وهي في طريقها وجدت سدينة تلعب مع ابنتيها أمام خيمتها وتضحك معهم وكأنها طفلة مثلهم، تحتضنهم وتقبلهم، فتبسمت براحة على أمومة سدينة التي غلبت محبتها لقصير وشوقها للصبي، ولم تلفظ بناتها من أجل أن تأتي بولي العهد كما فعلت مكاسب.. صحيح أن مكاسب كسبت الولد وكسبت عقل وقلب قصير، ولكنها خسرت ابنتها ومحبتها، وصنعت لها عدوة لن تنسى أن أمها حرمتها من أبسط حقوقها عليها، ولن تغفر لها أنها تربت على حنان أختها معزوزة وحليب الماعز وشفقة البقية.

أما قصير فكان في خيمة مكاسب يستريح قليلاً قبل أن يعود للكد مرة أخرى، فوجد هلال يلعب بدمية أخته رجوة، ولاحظ عليه أنه أصبح يتحدث مثل أخواته البنات، وحتى أفعاله بدأت تكون أنثوية، وكأنه تأثر بجلسته مع أمه وإخوته البنات ليلاً نهاراً.. فقرر أن هلال لابد وأن ينفصل عن أمه وإخوته ويكفيه هذا القدر من الدلال، فنادى عليه وأوقفه أمامه وقال له بنبرة جدية خالية من الحنان واللين لأول مرة:

"هلاال.. من غدوه الصبح أريدك مع عقاب كيف ظله.. إذا بتريد تكون كيفه وجدك منصور يجيبلك سيارة، ويديرلك حلال لحالك اسمع كلام عقاب من غير ما تناقش، ولا تعترض، انت ولد قصير أريدك خير من كل الصغار اللي بعمرك، واللي أكبر منك بعد وتغلبهم بكل شي ولو هادا صار ياما لك من الخير لكن اسمع الرجال ما يسمعون حكي الصبايا حتى لو كانت أمهم فهمت علي يا هلالهيا يا بطل أريد عقاب يعطيك لقب يرفع راس بوك فيك.. ومن الليلة يا هلال المبيت بخيمة الوليدات، ولخيمة أمك ماتفوت إلا تسلم وتسألهن إذا محتاجين شيء، وترد على خيمتك وسط الصغار، من اليوم مافي دلال انت رجال بدي أفاعيلك تصير أفاعيل رجال."

صاحت به مكاسب معترضة: "حيييه علينا، وليش ودك تفرقني عن وليدي، ولك والله ما يهنا لي لا عيش ولا ماء من دون ما يقاسمني فيه وليدي، ولا النوم يزور جفوني إذا ما كان هلال آخر شي عيوني تشوفه، وأغنيلا ليغفى." "ومن هيك أنا بعدته، لاجل لا يفسده دلالك ويصير ابني الوحيد مخنث لا ينعرف ولد ولا صبية."

أخذ قصير هلال ابنه وخرج به من الخيمة بعد أن أمر أخته معزوزة بأن تجمع له جميع ملابسه وأغراضه وتنقلهم لخيمة الصغار، وذهب به حيث كان عقاب عند الخيل يدرب فرسه الجديد هو ورابح وسالم، وأشار له بيده، فترك عقاب ما بيده وحضر لقصير على الفور.. قصير: "عقاب أريدك أقرب جاي.." "أمرني يا عم وأني خدام."

"ما يؤمر عليك ظالم يا وليدي.. اسمعني زين يا عقاب .. أنا صحيح قسيت عليك واجد، وتعبت معاي كتير وتحملت ياما هوايل مني.. لكن إيش النتيجة؟ درت منك عقاب يحلق في السما يخاف عدوك اللي بالوطا كان حمت فوقه. ويهج عدوك اللي بالسما كان لمح هبابك. صرت لا تنكسر ولا تنبطن ولا تغرق إلا لو كان أمر الله." "ونا نفخر إنك كنت قايدي يا عمي، ونشهد الله إن لك فيا أكثر ما لي في نفسي.. ولو طلبت الروح ما تغلى عليك.. أمر وأنا علي التنفيذ."

"قصير: -صقر من يومك وتفهمني باللمحة.. وأنا بالفعل أريد منك رد كل ما سويت بيك في وليدي هلال الدقة بالدقة." آدم: "أطال الله بعمرك يا عمي، وليش أنت ما تعلمه إيش بيك مسافر ولا في شي غايب عني؟

رد قصير مراعياً مشاعر آدم، ولم يريد أن يشعره بأن ما يمنعه من تدريب ابنه وإعداده ليكون رجل بيديه هو خوفه الشديد عليه، ورقة قلبه.. فهو عند ابنه أجبن ما يكون، وخوفه لن يمكنه من القسوة عليه، وخاصة بعد أن حواه ورآه يتألم فتقطعت نياط قلبه وتمنى لو أنه يستطيع أخذ الألم منه.. قصير: "هادا آخر اختبار لك يا عقاب أشوفك بتصير قائد ولا ما تقدر وبقدر ثقتي فيك عطيتك هلال ابني تختبر فيه، مو حدا تاني.. هو من اليوم هلال معك كي آدم."

"لقصير: -ما تفارقه إلا عند المبيت.." "أبشر يا عمي، من الحين هلال بعهدتي وعهد مني ماتستلمه مني إلا طير رخ اللي يسمع اسمه يرجف بدنه من الخوف منا." "قصير: -بعرفك الها يا عقاب وما حدا يقدر يديرها سواك، بنتظر منك طير الرخ." أما عند مكاسب في خيمتها، دلفت سدينة إليها تجلس بجوارها قليلاً وتدع الفتيات يلعبن بألعاب بنات مكاسب ويتلفون قدر المستطاع ثم تحملهن وتعود إلى خيمتها.. سدينة: "ايش بيك متكدرة يا مكاسب."

"مكاسب: هلال من اليوم راح يبيت مع الصغار في خيمتهم ونا مو متعودة يبات بعيد عني، هاد وليدي الوحيد اللي شديت فيه ضهري.. وما صدقت ربي نصفني بيه وقوى عيني وبرد قلبي." "سدينه: -والله يا مكاسب الولد متله متل البنية ما يفرق غير بجيب القروش، واللي عندها قروش ما تعتاز الولد." "مكاسب:

-ويش تقولين انت يا سدينة.. الوحدة فينا لو ما عندها ولد تقعد دارها خالية حتى لو عندها عشر بنات، بيتزوجن وتقعد لحالها حتى إن ماتت ما حد يحس عليها لكن أم الولد تقعد مرت ولدها تخدمها، وعيال ولدها يونسوها وما تعول هم لقمتها ولا خيمتها، وأنا بعد جبت هلال شفت السعد كله ربي يحفظه لي ولأبوه." "سدينة: هلال هلال اتقولي ما حدا خلف وجاب صبي غيرك؟ "مكاسب: -وأنا إيش عندي غير هلال نشقى بيه هادا ذخيرتي لكبرتي."

شعرت سدينة بغصة في حلقها وبأن الكلام لامس نقطة وجعها، وكأن مكاسب متقصدة أن تضع يدها على موضع الجرح وتؤلمها، فنهضت على الفور: "بالإذن أنا ماشية لخيمتي.. مسك، عنبر يلا قومن رادين لخيمتنا." "مكاسب: -ارجي انتي زعلتي؟ والله مانقصد انجاكرك أنا زعلانة عشان وليدي، بعده عني قصير، وهو دنيتي وحياتي كلها اللي ماتعودت على بعده." "سدينة:

-الله يحفظه من كل شر هو كمان أخو بناتي وأنا أحبه وما نتحمل فيه الشوكة، ونتمنى أحسن واحد فالقبيلة.. هادا راجل بناتي وسندهن، حتى أنا بعد عنبر ما عاد حملت ما أعرف إيش سوت فيا جندية الفقرية بومبة الجبال يجيها مهمال.. لا والله صرت أعرف إيش سوت، والله لأروح لها وأخلي نهارها أكحل من الفحم.. مسك خدي عنبر وردن للخيمة وأنا شوي وبجي وراكن." كانت جندية جالسة خارج خيمتها تغزل بالمغزل، ورأت سدينة مقبلة عليها ووجهها لا

يبشر بالخير فاردفت لنفسها: "عليك يوم أسود من الكحل يا جندية، إيش رماها علي هاللي جاية دايرة تغبارة وتعفر فالتراب اتقول ناقة اتبطبط، لا جاك جود أقدامك سود يا سدينة." "سدينة -جندية انتي يا مبلية.. إيش سويتي لي حتى ما حملت للحين قولي.. قري واعترفي يا نقلع عيونك ونوكلهن لك، ومو بس هيكي، بأخذك وأربطك وأرميك للصقور تنهش لحمك وانتي حية لين تموتي.."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...