الفصل 57 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
18
كلمة
2,761
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

جالسة في السجن، لأول مرة تطلب سجادة الصلاة وتتوضأ وتقف فوقها. رفعت يديها مكبرة ولكنها توقفت خجلاً وحياءً من ربها ومن توبتها المتأخرة. فخرت على الأرض باكية وهي تقول لنفسها بصوتٍ هامس: -أكيد مش هيقبل توبتي ولا يقبلني، أكيد هو عارف إني قررت أتوب خوف من مقابلته، وإن حتى ندمي خوف ومش ندم ومش من نفسي قررت التوبة. فاقتربت منها إحدى السجينات وجلست بجوارها وهمست لها مواسية:

-لو بينك وبين الموت ساعة وحدة توبي واستغفري من قلبك وربك غفور رحيم ورحمته وسعت كل شيء، متيأسيش من رحمته ولا تقنطي. قومي واسجديله وقوليله إنك راضية بقضائه واطلبي منه إن كل اللي حصل لولادك يكون تكفير لشوية من الذنوب اللي عملتيها. باب التوبة عمره ما بيتقفل ولا رحمة ربنا بتنتهي.

فوقفت وعاودت التكبير. وهذه المرة صلت وسجدت وطالت سجدتها حتى ظن الجميع بأنها فارقت الحياة، لدرجة أن فاطمة أختها ذهبت وجلست بجوارها تتأكد من أنها لم تفارق الحياة. فوجدتها تتنفس، فعلمت أنها اندمجت في مناجاة الله لدرجة أنها أفقدتها الشعور بالدنيا. فدبت في نفسها الغيرة، وذهبت للوضوء وآتت لتفعل مثل أختها وتحاول، لعل الله يتقبل التوبة ولعل الأوان لم يفت بعد. أما في القبيلة..

استيقظت رجوة في الصباح الباكر حسب أوامر آدم وذهبت لبرقي المسئول عن بيع وشراء الأغنام وكافة الحيوانات في القبيلة. وطلبت منه أن يعطيها المائة رأس غنم، ووقفت تعدهم ولم تستلم الضعيفة منهم أو المريضة. وأعادت له عشرون رأس، وطلبت منه إبدالهم. فغضب منها برقي وأخذ يتمتم بالشتائم، فهي الآن خسرت كثيراً. وذهب ليشتكيها لآدم وأحضره بما أنه المالك الأصلي. ولما رأى آدم حال الأغنام قال لبرقي:

-وقت جيتني ثاير ومعترض فكرتها تجاكرك وعاودتلك نعاج سليمة، بس هاد اللي تشوفه عيني ماله عندي غير معنى واحد يا برقي وانت بسن أبوي وما أريد أغلط وأتطاول عليك. فامامك حل من اتنين، يا إما تبدل الأغنام المريضة، يا إما تاخذ باقي أغنامك وبلاها البيعة من الأساس وأنا أعرف أروح قبيلة ثانية وأجيب منها أحسن أغنام.

فوافق برقي أن يستبدل له الأغنام وفعلها فوراً، وأخرج له أغنام سليمة معافاة. فوقف يراقب رجوة وهي تفحصهم. وبعد أن انتهت وقبلتهم وانصرف برقي قال لها آدم: -والله وطلعتي واعية يا شجرة الحنظل. -من زمان ما اسمح لحد يضحك علي وانت تدري. -أي أدري.. ماشية للوادي الحين؟ -أي تريد مني شي؟ -صراحة أريد.. أريدك لا تديري بالك على حالك، وإذا هجم عليك ذيب ما تقاومي، وأحمي الغنمات بروحي، هنن يردوا وانت مو مشكلة إذا ما رديتي.

-نظرت إليه رجوة شرزاً وبدأت تهش في الأغنام بعصاها، فأكمل هو: -أقول أخذتي وكلك معك؟ -لا ما أخذت إلا قربة المي ما أريد وكل، بروح عند أشجار التين الشوكي اليوم وآكل منها لا تشيل همي. -أي بس ديري بالك ما في سالم معك حتى إذا مسكك صاحب الأشجار تحطي التين بسرواله.

تذكرت الموقف وضحكت، وضحك آدم أيضاً حين تذكر الموقف. ثم ابتعدت وتبدلت ملامحها من الضحك للحزن. فقد اشتاقت لتلك الأيام واشتاقت لسالم كثيراً، اشتاقت لصحبه فقد ترك لها فراغاً كبيراً حين ابتعد عنها، وهي لم تكن تود هذا البعد أبداً، كانت تريده أن يظل معها بأي صفة غير صفة الحبيب. فما أصعب أن يُنتزع الخل من خليله ويبتعد عنه وقد كانوا مثل الجسد والظل لا يفترقان إلا في أوقات قليلة. غادرت وقد رأى آدم تأثرها، فأردف هامساً

وهو يراقبها تبتعد: -أدري قلبك يغص كل ما تذكرتي هديك الأيام، اللي شفتيه من سويلم يخلي الحجر يحن ويشتاق، أيامك طوال يا رجوة والحنين يعرف كيف يداعب القلوب ويخليها تبكي حسرة. استدار ليعود لخيمته ويكمل نومه الذي قطعه بسببها خاصة وأنه لم ينم إلا بعد صلاة الفجر، فوجد العنود أمامه وتفاجأ حين قالت له: -صبحك الله بالخير يا آدم، أريد أحكي معك كم كلمة إذا ما عندك مانع.

-الله يصبحك بكل خير.. تفضلي ما عندي موانع وكلي أذان صاغية، وأصلاً ليش أمانع يعني؟ -زين.. أنا اليوم أريد أتكلم معك بخصوص رجوة.. أنا عرفت قصتها وحكت لي عمتي عوايل كل شيء وحتى اتفاقك مع جدي منصور وعمي قياتي عرفته. -أي؟ -أنا ما أدري إذا كنت تعرف إن شهادتي بالطب النفسي أو لا، وكنت أبحث عن مشروع للتخرج وأريد حالة نادرة وبيها واجد عقد نفسية وبيئتها غير سوية، وما لقيت إلا رجوة مناسبة لهيك شيء.

-أي معك حق، رجوة يتعمل من حالتها مجلدات بالأمراض النفسية تدرس بالجامعات.. بس أريد أتأكد، هي لها عندك علاج أكيد وتوفر علي تعب ومجهود أنا ما عندي وقت له، ولا بس تريدين تكتبين عن الحالة بدون حلول وعلاجات؟ -لا أكيد عندي علاج لحالتها، والعنصر الأول في علاج رجوة والأكبر والفعال بنسبة ٩٠٪ هو انت يا أستاذ آدم. -أنا.. كيف يعني؟ انت قلتي إنك تعرفين كل شيء، فبالتالي تعرفين أنها لعبة وزواجي من رجوة استحالة.

-ما تحكم عليها الحين ولا على شخصيتها بشيء، ساعدني بالأول وبعدها لكل مقام مقال. -بيش أساعدك يا دكتورة.. قولي وإذا المساعدة بيدي ما أتأخر. -أول شيء وبداية كل شيء التسوية مع رجوة غلط بغلط.. أنت تعالج مشكلة بمجموعة مشكلات، وللأسف حالك حال جميع أهل القبيلة معالجتك للمواضيع بدائية، حتى وانت واصل لهدرجة من التعليم والتطور اللي سمعت الكل يحكي بها.

-لا مو بدائية ولا شيء، كل المسألة إنك ما تعرفين شي عن شخصية رجوة أو إيش اللي ينفع معها وإيش اللي ما ينفع، رجوة كبرت قبال عيني وأنا أكثر حد يعرف كيف يتعامل مع شخصيتها العنيدة. -حتى لو عنيدة من حقها ما تنخدع أو تنأذي، من أبسط حقوقها اللي هي تسويه الحين، هي ما أذنبت بشيء، هي حبت والحب ما بيد أحد، مثله مثل الحياة والموت قدر مكتوب. -يا دكتورة أشوفك جاية تطالبين بحقوق المرأة بالمكان الغلط!

شوفي أنا أدري أن الحب حق مكفول للجميع، بس الواحد ما ينسى وقت يدق الحب بابه هو بأي بيئة عايش وهل هاد الحب مناسب له لو لا، وإذا فتح أبواب قلبه له إيش راح يجني من وراه؟ -كلامك مو صح، وما في أحد يكون عنده الإدراك الكامل أنه يحط كل هذي الاعتبارات بباله قبل ما يستجيب قلبه للحب، كلامك مو منطقي أبداً.

-أقول يا دكتورة أنا ما أريد أحبط عزيمتك، بس بتفكيرك هادي ما راح تفلحين قيد أنملة مع رجوة. انت إذا تريدين ترجعينها إنسانة سوية وجب عليك تقنعينها تمشي حسب عادات وتقاليد القبيلة وتطلع العند من راسها، لكن تحاولين تشجعينها على حقوق المرأة والحرية، هدول أصلاً اللي خربوا حياتها فبعدي عنها واتركيها لي وأنا عندي علاجها. -هساعدها تبعد عنك.

-أنا أعرف أبعدها عني وبلا رجعة.. ومن رخصتك روحي دوري حالات بالحضر أقل تعقيد، وإذا فشل علاجها وجاب نتيجة عكسية أقوى شيء تسويه ثورة أو تمرد. أما اللي تريدين تخاطري وتحطيها فار تجارب هي ما فيها ربع عقل.. وإذا غضبت تحرق القبيلة كلها باللي فيها وما يرف لها جفن، فيا ريت تبعدي عنها. -بس أنا خلاص قررت أن رجوة حالتي. -لا ما تقرري ومو بيدك هالقرار، وبعد إذنك أنا لازم أمشي لخيمتي الحين.

غادر آدم بعد مناقشة عقيمة أدرك بها أن العنود تريد أن تعالج ثور هائج بجعله يستمع لبعض الموسيقى، ولا تعلم أن الثور سيزداد هياجه وسيهجم على كل من بطريقه إن فعلت ذلك والخسائر ستكون فادحة. أما في غرفة آدم المحتلة.. عفراء: -أقول يا نوف انت ليش ما راضية تعطين فرصة لهلال وتقربي منه، والله الشاب لطيف وشاريك، قوي وذكي وشخصية، وشكله مقبول وبه كل شيء تتمناه أي بنت. نوف:

-أي بنت غيري، أنا ما شايفه به ولا شيء من اللي تقولينه، أنا ما شايفاه غير راعي غنم عايش بالصحرا ويريد يجيبني معه وما أشوف من الدنيا شيء إلا الرمال الصفراء والجبال والخيام للموت. -ما أعرف صراحة انت كيف تفكرين، مكبرة الأمور واجد وعاطية الموضوع أكبر من حجمه بكثير.. هي عيشة يعني والكل عايش ومبسوط وماناقص عليهم شيء. -أي بس ما تناسبني.

-سبحان من يهب الأرزاق، والله إنك بومة ماتعرفين قيمة القبيلة وماتستحقين إلا عيشة الحضر والضوضاء والتلوث. -أي أنا أعشق التلوث. قاطعتهم أمهم قائلة: -أنا ما أشوف داعي لهالمناقشة من الأساس، نوف منهي عليها من هلال وأبوها عطى، سواء اعترضت أو وافقت ما راح يتغير في الأمر شيء. عفراء: -أنا بس أريدها تتقبل الأمر وما أريد تكون مغصوبة وحاسة بالظلم. -تحس ولا ما تحس، هاد قدرها ولزم تتقبله وتتحمله وترضى به. نوف:

-والله أنا كرهت كل حياتي بسبب جذوري البدوية، كرهت حتى حظي اللي ما خلى أمامي اختيارات مثل العنود وجاني من ضمن الاختيارات واحد عايش بالحضر كان سهل علي كل شيء، ولا حتى كان مثل حظ عفراء اللي ما جا لها حد وتركوها بحالها. عفراء: -ياريت الحظوظ تتبدل والله ما كنت عزيزت عنك حظي يا خيتي. قاطعتهم العنود وهي تدلف من باب الغرفة: -عن أي حظوظ تتكلمون، إذا ذكرتوا حظي ما تقولون إلا الحظ الأعوج. صاحت أمهم بهم:

-أيش هالفال من الصبح الله لا صبح وجوهكن يا بوم. وانت يا عنود اليوم أبوك يريد كلمتك الأخيرة لحتى يرد على الناس ويقطع اللي رامي الأمل. نوف: -ما أحتاجها رأي، الحضري أكيد. العنود: -وهي نوف قالتها لك، قوليله العنود استخارت الله ورضت برسولان. الأم: -زين. أما في الوادي.. جالسة تراقب الأغنام وقد بلغ بها الجوع مبلغه فقامت لأشجار التين وأخذت تقطف الناضج منها. وإستدارت متفاجئة من الصوت الغليظ من خلفها:

-أيش تسوين يا سارقة التين؟ كادت قضمة التين أن تقف في بلعومها ولكنها بلعتها بصعوبة حين رأته سالم وقالت له: -قطعت نسلي الله يقطع عمرك. ضحك وهو ينزل من فوق حصانه ويمد لها يده بكيس بلاستيكي كبير مملوء: -خذِ.. عرفتك راح تظلين بدون أكل قلت أجيب أكسب من وراك ثواب إطعام مسكين.. هاك فيه شيء حلو ما يستحقه فمك اللي ينقط حنظل. نظرت رجوة للكيس ورفعت عيناها على سالم وأردفت:

-أي وتذلني وكل ما شفت وجهي تقول ما طمر فيك معروفي والعطية اللي لك. -ليش يعني انت إذا ما أخذتي مني هدول يكون راح معروفي؟ والله لصرفته عليك أذلك به حتى آخر العمر، وأخلي وليداتي يذلوا به وليداتك بعد.. خذي واطفحي هيك أو هيك مذلولة وعلى راسك وجمايلي مغطياك يا نكارة الخير.

تبسمت ومدت يدها واخذت الكيس منه ووضعته على الأرض وتلفتت حواليها ثم ذهبت لشجرة التين الشوكي وقطفت بعض الثمار بطرف وشاحها وعادت إليه. ظن أنها أحضرتهم له كنوع من رد الجميل. ولكنها فاجأته وهي تقترب منه وتلك النظرة الخبيثة في عينيها والابتسامة التي تسبق مشاكساتها اعتلت وجهها ثم قالت له: -أقول يا سلومتي ايش رأيك لو أخبي هدول التينات بنفس مكان زمان وتاخذهم لي معك عالقبيلة، أظن ما عاد يأثر بك الشوك وتعودت عليه.

قالت جملتها واقتربت منه سريعاً فأبتعد عنها مهرولاً وهو يرد عليها ضاحكاً: -يا بقرة كبرنا وما عدنا وليدات صغار أيش تريدين تسوين، والله أفضحك بكل القبيلة إذا سويتيها.. لعنة الله عليك جسمي كله توجع بس تذكرت هديك اليوم. ظل يجري وهي تجري خلفه، يضحك وتضحك، حتى قفز فوق حصانه وانطلق به مبتعداً عنها، لأنه لو ظل قليلاً لأحتضنها وأدخلها بين ضلوعه وأطفأ نيران الحنين التي أشعلت فتيلها للتو.

أما هي فوقفت تراقبه ضاحكة وهو يبتعد وكم شعرت بالسعادة حين استعادت بعضاً من مرح الطفولة وذكريات الأيام الجميلة التي لا تُنسى، هكذا تريده.. صديقاً وخليلاً وقلباً حنوناً تلجأ إليه وتعلم أنه لن يخذلها. وجلست بعدها وفتحت الكيس، وكم غص قلبها ودمعت عيناها وهي ترى به كل ما تحبه واشتاقت إليه. لم تهون عليه وشغله أمرها وأتى لها بالطعام بينما آدم أخذ يوصيها بألا تعود ولم يفكر حتى أن يطل عليها.

نعم سيظل سالم هو الأحنى عليها من بين كل البشر مهما فعلت به، وهي من ظنت أن بعد ما قالته له بالأمس قد قطعت أي خيط قد يعيده إليها، ولكن ها هو قلبه الكبير يعيده إليها مسامحاً وممازحاً وضاحكاً، ومحملاً بكل ما تحب تماماً كما عهدته.

أما هو فكان يقف بعيداً ورأى كل شيء وفقد علم بأن سالم آتٍ لها حين فقدها في القبيلة وسأل عنها ولم يجدها، وتأكد حين أرسل مع أحد شباب القبيلة في طلب الحلويات وبعض الأشياء من الحضر، وقسمهم على كيسين، أرسل أحدهم لخيمته والآخر أخذه وركب حصانه وانطلق به نحوا الوادي. فأتى بآدم الفضول خلفه ليرى ما سيحدث. فتمتم لنفسه بعد أن غادر سالم وجلست رجوة تأكل بنهم:

-ما في فايدة، تيس رجوة ما راح يتغير حتى لو ذبحته بيدي ألف مرة، صدق العاشق ما يتوب إلا وينتكس ألف مرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...