مرت الليلة على آدم في المشفى، لم يبارح فيها جوار أمه إلا حين يذهب للاطمئنان على أبيه ثم يعود إليها مرة أخرى. يجلس بجوارها ويحتضن كفها بين كفيه تارة، ويقبله تارة أخرى. قاوم البكاء كثيراً، ولكنه تلفت حوله وحين وجد أمه غافية، ووجد نفسه وحيداً لا يراه أحد، حرر دموعه لأول مرة منذ وقت طويل، منذ سنوات عديدة، وتحديداً منذ أخبره قصير أن الدموع لم تخلق للرجال. لم يعد يفهم بعد أن تساقطت دموعه، لِم حُرمت الدموع على الرجال وهي تريح بهذا القدر؟
لِم صنفت من ضمن صفات الضعف وهي تغسل الروح مما يضعفها وتعنيها على استعادة قوتها؟ تباً لقوانين البشر الظالمة، فالله لم يخلق الدموع عبثاً، وإن كانت للنساء فقط، فلم وضعها داخل الرجال؟ نهض عند حلول الفجر، توضأ وصلى، ورفع يديه يدعو الله بأن يعيدهم له سالمين وألا يكتب عليه اليتم منهم لبقية حياته، ويكفي حرمان السنوات الماضية، وألا يفقد حضن أمه الدافئ بعد أن وجده وعاد إليه معه كل الأمان.
عاد إليها متبسماً فقد كانت مستيقظة تنظر إليه ودموعها تسيل من عينيها. اقترب منها وقبل يدها وجبينها ودفن وجهه في رقبتها وهي ضمته إليها بكل حنان. وأخيراً همست له للمرة الأولى بما أذاب قلبه: "والله يا آدم أنا ما ردتلي روحي غير من إمبارح، من ساعة ما حضنتني وضميتك، أنا رجعتلي الحياة بسبب الحادثة دي." "وأنا تو اللي حسيت بحلا ونعيم الدنيا ودفوها بعد ما ذقت حلا أحضانك يا أمي." "أبوك يا آدم.. طمني على أبوك يا بني." صمت قليلاً
وحاول طمأنتها: "أبوي بخير لا تخافي، عمي الشيخ منصور بياخذه ويسافر به ويعالجه ويصير زين وما به إلا العافية." سألته بقلق وقد تملك منها الخوف: "ليه يسافر فيه إيه أبوك، خدني ليه يا آدم بسرعة، وديني لأبوك يا بني." أجابها وهو يحاول أن يثنيها عن قرار النهوض بتثبيتها بكلتا يديه بحنان: "والله زين يا أمي زين بس الشيخ يريد يسافر زيادة إطمئنان." "طيب عايزة أشوفه."
"ما فيكي تتحركين الطبيب قال ما تبرحي سريرك لحين يصرح الطبيب وأنا بعيوني باخدك لعنده، هاويديني ولا تجادلين بالله أعليكي." "طيب عايزة أشوفه دلوقتي أعمل إيه؟ "يعني انت ما توثقين فيا؟ إذا أنا بخبرك إنه بخير ليش ما تصدقين؟ "طيب خلاص مصدقاك بس متزعلش نفسك.. بس ارجوك يا آدم لو باباك فيه حاجة تقولي، أوعى تخاف عليا من زعل أو صدمة، أنا قلبي مش مطمن عليه وخايفة وبعد كلامك عن سفر الشيخ به أنا خفت أكتر."
"لا ماتخافين، أبي راح يردلنا سليم معافى، ونتجمع ثلاثتنا ونعيش سوا وما راح نضيع يومبعاد عن بعضنا مرة ثانية." صمتت عايدة فقد أنهكها الحديث والجدل وبدأت أنفاسها تثقل، وشعرت وهي تفكر بزوجها، وأن هناك احتمال ألا يتم شفاءه بأن جاثوم قد جلس فوق قلبها وبدنها وشل جميع حواسها. أما في القبيلة.. الشيخة عوالي لوحت بيدها لقصير، وما أن أتى لها حتى قالت له: "يا قصير خدني معاك لو كنت معدي لعقاب وأمه."
"أي ياعمتي إني رايح لهم الحين هيا،، وأيش اللي معاك هادا؟ "هادي خبزة تنور وربع كبش مدفون لعويلتي عقاب وسالم مو متعودين على أُكَال المشافي." "زين ياعمتي اللي سويتي لهم أُكَال والله ما تذكرتها وقلت نشتري لهم من هناك." "لا لا تشتري وتعذب حالك أوكال الشوارع ما يمري ولا تطيب ليه النفس." "رجوه -خذوني معاكم إذا رايحين لسالم بالله عليكم استاحيشته واجد وودي أوديله... مثرودة هو يحبها واجد."
"اقعدي يارجوه مارايحين نلاعبوا صغار إحنا، والطريق يتعبك وانتي مو متعودة على الخرجة." "يابوي أنا مو صغيرة ولا راح تحملني فوق أكتافك أنا نمشي بروحي." "قلت لا وغوري على خيمة أمك جاك غاير." نظرت إلى عوالي مترجية لها بعينيها اللامعتين بالدمع، فقالت عوالي لقصير: "خليها تيجي معنا ياقصير حتى أجيب لها كم لبسة من الحضر بمقاسها، كان ودي من بدري أجيب لها بس ما كنت أعرف أقياسها، خليها مشوار واحد."
"أمرك ياعمتي.. فوتي عالسيارة يا أم لسان." "الله يخليك يا جتي عوالي ويطول بعمرك يارب.. أي هيكي الحناين تكون." أنهت جملتها وهرولت نحو السيارة، فنظرت عوالي لقصير وقالت له معاتبة: "لا تقسى عالبنية ياقصير بيكفيها قساوة أمها عليها وكيدها من خوها اللي جا وخد مكانها، وانفطمت وانرمت رمية ضنا الحرام.. الخزي عليكم، لا تكون انت وأمها والزمن عليها."
"عمتي إحنا ماندلل بنيات، دلالنا بالهدايا والعطايا مو بالحن والطبطبة وانت تعرفين، ليش ودك أغير أطباعنا اللي عايشين بيها من جد الجد؟ .. ويش فيها أمها قست عليها، القسوة تعلم القوة.. واللي ما يشوف قسوة ما يعرف يعيش." "انت متل مرتك مابيكم خير ولا بقلبكم حن غير لهلال على قول رجوه.. يلا فوت قدامي وخد هالقشمة وجيب معك قروش واجدات ودي أجيب حوايج للصبايا بالمرة."
"ياريت كل الهموم قروش ياعمتي لا تشيلي هم بس يلا ياعمتي بالله عليك تأخرنا، لسه وراي مشوار للمطار وشغلة طويلة." "لكن مع مين أنا ودي نتسوق من للسوق ونجيب حاجاتنا؟ "ناخدو معنا حدا من الشباب.. يابرق.. برق اقبل.." جاءه الشاب يهرول، فقال له آمراً: "شيل لغراض وديهم عالسيارة وتعال معنا لترافق شيختك للسوق وتساعدها بحمل لغراض وترجعها.. روح انت بسيارتي وأنا بروح بسيارة عقاب، إحنا الروحة سوا بس الرده كل واحد بروحه."
"تأمر أمر ياشيخ." وصلوا المشفى وهناك ترجل الجميع، ووصلت رجوة وكانت هي الأسبق بينهم، خطواتها تسابق الريح وعيناها تبحث في الوجوه عن سالم. وبمجرد أن رأته جالساً في الطرقة بجوار جده منصور حتى صرخت وهرولت نحوه وهي تقول: "واااك اعليك وعلى أمك جالس ومرتاح ومستانس انت وما شايل هم شي وتاركني لحالي بالقبيلة وتعرفني ما فيني بلاك يا تيس التيوس انت."
وقف سالم بمجرد أن سمع صوتها وتبسم وهو يراها آتية إليه مسرعة، وكاد أن يفرد لها ذراعيه كي ترتمي في أحضانه، ولكن هيهات أن يفعلها في وجود أبيها والشيخ والشيخة. فاردف لها مرحباً: "ي هلا برجوه، تو نورت المشفى." "ولا هلا ولا قطران على راسك، كيف غادي يجيك نوم وتارك رجوه بلا حلا ولا شي تاكله بالليل يا تيس.. والله لأقص رجولك بمقص عمتي عوالي بس نعاودوا لديارنا."
كان سالم يتبسم فقط دون أن يعقب على كلامها، هي فقط أمامه وهو مشتاق لها ولا تهمه كل شتائمها. فجلست على الكرسي المجاور له وأشارت له بالجلوس وهي تقول له: "اجلس اجلس يا تيس انريد نسألك عن واااجد حاجات شفتها بطريقي وما سألت.. لَن بو ي وقت نحكي يبحلق في يرعبني ويخلي فمي يتصكر لحاله." جلس سالم بجوارها بعد أن سلم على الشيخة عوالي وعمه قصير، وسمع قصير يسأله بغرابة: "وانت تقولك اقعد يا تيس وتقعد؟
"اييي يلا غيروا عليا الحنين واقلبوا قلبه وقسوة وخلوه يكرهني متلكم، أنا أقولا يا تيس هاد دلال ومناغشة وهو كمان يقولي يا نعجة يا عنز وأنا مانزعل منا، بس لو تطلعون انتم منها وتتركو التياس والنعاج يتفاهمن. كان نربحو.." "هملا و قولي يا سالم ويش هاد اللي لابسينا الحريم بالحضر؟ ،، واااك اعلينا رجولهم باينة وما عندهن سراويل يلبسونها.. والرجال ويش هاد اللي يلبسونا؟
والله خلص لقماش قبل لا يكملون ثيابهم للأرض مسوينها قصيرة.. والله أهل الحضر يضحكون واااجد هههه" كانت تتحدث وتسأل عن كل شيء بسرعة ودفعة واحدة حتى أن سالم لا يجد الفرصة للرد! أما قصير فاقترب من عمه وقال له: "كيف صارت صحتهم اليوم، وكيفا عقاب؟ أجابه منصور: "والله أحوالهم تصعب عالكفار يا وليدي الحرمة متحطم أعضامها، والراجل ربنا أيتولاه وعقاب الله يصبر قليبه.. طمني ويش سويت انت بلاوراق؟
"جبت صورة محمود وتو هنعدي لراجلنا انخليه يسويله جواز بساعتين ويجيبله ويجيب لك تأشيرة بعد." "طيب هيا يا وليدي خلينا نكسبو الوقت. ويتم مانوينا." "تم ياشيخ."
أنهى حديثه وخرج من المشفى، وانطلق بالسيارة ليتمم أوراق محمود ويقوم بالحجز له هو وللشيخ منصور في أسرع وقت. وترك عوالي مع الشيخ منصور، أخرجت له الطعام ليأكل هو وسالم، ثم أخذت نصيب عقاب من الطعام وذهبت للغرفة التي بها أمه والتي دلها عليها سالم. طرقت الباب بهدوء ودخلت.. وآدم فور رؤيته لها وقف وذهب إليها مرحباً بصوت منخفض حتى لا يزعج أمه التي غفت للتو. سألته عوالي بنبرة منخفضة أيضاً عن حال أمه وعن حاله الذي لا يخفى عليها،
فأسفل عينيه اكتسحته الهالات ووجهه شاحب. فالتُمس لحاله العذر فما يمر به ليس بقليل. أجلسته وبدأت تكشف أمامه الطعام وتطعمه بيدها وهي تخفف عنه وتطمئنه بأن والديه سيكونان بخير. وفي هذه الأثناء فتحت عايدة عينيها على صوت عوالي وهي تهمس لآدم، فوجدتها تطعمه بيدها وتنظر إليه بحنان أم. وعلى قدر ارتياحها لأن ابنها لم يُحرم من الحنان كلياً، على قدر غيرتها فقد كانت تود ألا يطعمه امرأة سواها، ولا يأخذ دورها أحد.
انتبهت عوالي لعايدة وأنها استيقظت، فمسحت يديها وذهبت إليها، جلست بجوارها وأخذت تطمئنها وتخبرها بأن الشفاء قريب، وأن رب ضرة نافعة، فها هي تنعم برؤية ابنها وهذا الخير الذي إنولد من من قلب الشر. أمضت معهم ما يقارب الساعة ثم استأذنتهم في الذهاب لشراء بعض الأغراض للقبيلة، وسألت آدم وأمه لو يحتاجان لشيء وكان الرد (لا) وشكرها آدم على المجيء والطعام وكل شيء. وانصرفت وتركته مع أمه.
أما خارج الغرفة، نظرت عوالي حول منصور تبحث عن رجوة وسالم، فلم تجدهما، وبدأت تلفتت حولها عليهم، وقبل أن تسأله عن رجوة وجدتها تظهر من آخر الرواق وهي جالسة القرفصاء ويسحبها سالم من ذراعيها فتنزلق على بلاط أرضية المشفى وتحدث أصواتاً وكأنها سيارة إسعاف تمر وتطلب من الجميع إخلاء الطريق! ويبتعد الكل من أمامها.. هذا ممنوع حتماً في المشفى، ولكن لإجل الشيخ منصور لم يتجرأ أحد ويبدي اعتراضاً على ما تفعله هذه المجنونة الصغيرة!
نظرت عوالي لمنصور الذي قال لها: "تاخذينها من هون بنت مكاسب ولا انخلي الطبيب يعطيها إبرة سم ويموتها ويريحنا، والله من ساعة اللي جات جابت لي وجابت لكل المشفى وجيج الراس، لا وتقول للأطباء ليش لابسين لجامات حديد وصرايم حول رقابكم.. خذتني خذي بت الكلب هي." "من وين جايبته يعني، ماتتذكر بوها قصير وقت اللي كان صغير وتجيبا الحضر معانا ويخذينا متلها.. والله هي البنية ما عدت أعرف كيف راح تصير بس تكبر."
"راح تصير نسرة تهجم وتخطف وتجرح بمخالبها، وما راح ينفع معها أي حدا إلا نسر متلها، لحتى إذا علت بالسما علا عنها وحط فوق راسها بمخالبا ونزلها للأرض.. رجوه ودها خييال ياعوالي." "خيالها موجود شاقي بيها وعم يجرجر فيها." "تقصدين تيسها."
"هي تقوله اليوم تيس ويسكت لها غدوه يعطيها على نافوخها بس يكبر وما تقدر تفتح فمها، دم البداوا حامي وما يقبل رجالهم حرمة تتطاول عليه، وكل سن يعطي أحكاماً.. والحين اني رايحة أتسوق لحريمات البادية ودك شي ياخوي أجيبه لك معي؟ "مع مين رايحة وقصير راح؟ "برق ناطرني بالخارج قصير جابا بسيارته وهو جا بسيارة آدم، قصير يفكر بكل شي خلي بالك هاني." "زين زين.. روحي وديري بالك على روحك."
ذهبت عوالي إلى السوق، واشترت كل ما يلزم، وتركته بالسيارة وعادت للمشفى مرة أخرى، ودخلت تتفقد حال عقاب وأهله للمرة الأخيرة، فجلست بجانبه وقد كان يضم أمه بين الدقيقة والأخرى ويقبلها، فقالت له ممازحة: "هااا اللي لقا حبيبة نسى صاحيبة يا عقاب." "والله يا شيختي حضن لحباب ينسي الواحد روحه مو بس أصحابه.. بس انتي محسوبة من لحباب يا غالية مو من لصحاب."
"يا ضي عيوني ألف لا بأس علي أمك يالغالي جاب نجاوتها ربي، نحمدوا الله على سلامتك ألف مرة ومرة يا أم آدم، ربي عالم بحال هالمسكين اللي ما ذاق حِنك ولا تونس برفقه بوه." "الحمد لله على كل حال يا شيخة، كل شيئ مكتوب وكله تبع إرادة الله."
"ونعم بالله يا بنيتي.. تعرفين شي.. والله والله عقاب وين ما شفته خد قلبي وعقلي حسيتُه من دمي وليدي اللي ما حبلت فيه.. انتي تعرفين إني قليلة أولاد والله ما أعطاني.. ولهيك أعتبر كل أولاد القبيلة أولادي، بس عقاب وليدك صارت غلاوته عندي متل غلاوة الوليد البكري اللي ما يجي أغلى منا."
تبسمت عايدة على محبة ابنها التي زرعها الله في كل القلوب وخلق له فيها منازل لم يصلها غيره، وشكرته لأن هذه دعواتها التي كانت تدعو له بها ليلاً نهاراً بأن يحفه برحمات لا تنقطع. أما عند الشيخ منصور، أتى إليه صديقه صاحب المشفى وجلس بجواره وسأله وهو ينظر لرجوة وسالم بغيظ شديد، فهذه مشفى استثماري ولا يجوز ما يفعله هذان القردان فيها: "ويش لحوال يا منصور كيفك وكيف صارت الأمور طمني؟
"والله الخبر والاطمئنان منك انت يجي.. قصير راح يخلص أوراق السفر ويحجزلنا طيران بأقرب وقت." "وليش يحجز لك طيران، المشفى بيها طيارة مجهزة مخصوص لنقل الحالات الخطيرة لغير لبلاد، ما راح ينفع بحالة صديقك غيرها، خلص أوراقك وأنا بعطي أمر للطيار يطير بيكم لإيران، وقروش السفر عليا مني ليك محبة لا تشيل هم.. حبايب شيخ قلوبنا حبايبنا وربي ييسر سفركم ويرزقكم البشرى." "أمين يارب الله يسمع منك يا غالي."
نظر إليه منصور فوجده ينظر للرجوة غير مصدق لما تفعله وتقوله فقد قلبت المكان لسيرك قومي وهي تصيح: "افسحووون الطريق لسيارة الإسعاف عوا عوا عوا.. بيها مرة حبلى ولاده وبيها وليد مطاهرينا وبيها رجال مرتو ضربتو بالنعال طيحت راسو وبيها بنية ختنوها وتصرخ وتقول وااااااااااك.. افسحووووو." فقال له منصور معتذراً: "الحين بتغادر مع جدتها والله ما عندي خبر بجيتها كان منعتها الله يخذيها هي واللي جابها لهون."
"لا ما عليك طفلة هي.. بس لو تخفض صوتها شوي." "انتي يارجوه يا كلبة كفى عن الصراخ وتعالى لهون." "لا ما أقدر أترك سيارة الإسعاف يا جد اللي بيها يموتون، بوصلهم للمشفى وارد لعندك.. عوا عوا عوااااا." "يعوي عليكي ذيب وياكلك بليلة كحلة ما حد يشوف فيها كف يدو ان شاء الله، والله لاقص لسانك قص يا فانس القبيلة وأأدب هالتيس معك اللي طايعك بكل شي وماشي وراك وصدقتي من لما سميتيه تيس وهو تيس."
عاد قصير من مأموريته، وأعطى الأوراق لعمه الذي أرخى عن كاهله حمل الحجز والطيران والانتقال من مكان لمكان بمحمود وقرر أن يسافر بطائرة المشفى، ثم توجه إلى غرفة أم آدم ووجه كلامه لآدم بعد أن ألقى التحية عليهم جميعاً وسأل عن صحة عايدة:
"هااا يا عقاب توك أطمنك على الوالدة ونحمدو الله وتو ورانا واجد أشغال.. أنا عارف إنك بظرف ما ولي يتحمله لكن انت مو أي حدا انت عقاب اللي ما يغلبه غلاب، وعارف يا وليدي إنك تو غير تلميت على أهلك، ولا انت تريد تسيبهم ولا وهم ما صدقوا طالوك، وأنا والله ما كان ودي آخذك منهم لكن انت بتعرف إن ورانا ياما أشغال ما أتحمل تأجيل، ومن غيرك ما راح يتم شي، وأكيد أصحاب مصلحتنا اللي راسلناهم دذو الرد ونريدو نعرفو ايش صار فيه؟
عايدة قبضت على يد ابنها ونظرت إليه راجية إياه بألا يفارقها.. وهو أيضاً تشبث بيدها ونظر لقصير وقال له: "السموح منك يا عمي أنا ما نقدر نسيب أمي وبوي ونعدي لاي مكان، حاول اتدبر حالك من غيري." "ويش هالحكي يا عقاب؟ أنا رفيقة مينتك ليومين كون هاني البال والخاطر يا وليدي." "تريد أمك أتقول عليك رقيق عزم ولا ايش من يوم أصبيت وانت سباق بكل شي! ووجهت كلامها لعايدة التي كانت تنظر إليه بحزن وهي تراهم يرغمونه على الرحيل:
"قولي لوليدك يروح يشوف حاله واشغاله يا أم عقاب وطمنيه عليكي واطمئني عليه، هاد عقابنا اللي قبيلتنا وكل القبايل أيتمون عويلتهم يكونوا كيف وليدك فارس مغوار ويوم الغار ما تنطفيله نار، قايد ما كيفه قايد عليه أنقول غير الله واحد شدي ضهرك وارفعي راسك وقولي أنا أم لعقاب وخلى لعقاب يحلق بسماه." تبسمت عايدة ونظرت لآدم وهزت له رأسها بموافقتها على رحيله وهمست له بتعب:
"روح يا آدم واطمن عليا أنا بخير.. روح خلص اللي وراك وتعالا وأنا مستنياك يا حبيبي، بس متغيبش عليا يا ابني." اقترب منها وقبل جبينها ووجنتيها وهمس لها: "أنا من ساعة اللي ذقت حضنك وحسيت الدفوا اللي محروم منا عبا روحي وأنا ما عاد نقدر نغيب عنك.. بس أخلص أشغالي بعاود لك على جناح الشوق يا يمه." تنهدت وهي تراه يبتعد عنها آخذاً قلبها وروحها معه، وحين اختفى عن ناظريها نظرت لعوالي وسألتها بفضول واشتياق ولهفة أم:
"احكيلي يا شيخة كل حاجة عن آدم.. بيحب إيه بيكره إيه، بيحب أكل إيه، بيقضي وقته إزاي بينام فين ومع مين، كل دي حاجات كنت هموت وأعرفها وطول الوقت أجاوب عليها من خيالي.. احكيلي عن ابني وعرفيني عليه." وهنا بدأت عوالي تحكي لعايدة كل شيء بخصوص آدم، أعادت عليها كل شريط حياته من بداية الحوي والتدريبات وبكاءه عليها هي وأبيه وحتى اليوم. أما عند يحيي..
فقد عاد إلى الشركة.. ولاول مرة يجلس على كرسي الإدارة ويشعر بأنه ملكه، بأن الشركة أصبحت تحت سيطرته وفي قبضته ولن يأتي من ينهض له من فوق الكرسي ليجلس. الآن فقط تحقق حلمه الذي طالما حلم به في صحوه ونومه.. الآن فقط استراح قلبه، حتى وإن لم يجد ابن أخيه بعد، فها هو يخطو آخر خطواته في الألف ميل الذي عاش عمره كله يقطعهم.
جلس يفكر من أين يبدأ في تصفية الشركة وأخذ كل ما تطاله يده، فلاحت له فكرة شرع في تنفيذها على الفور.. فأمسك بالهاتف وطلب رقماً وبمجرد أن جاءه الرد قال: "الوووو.. أيوه يا مختار.. فلوس الشحنة اللي معاك متوديهاش البنك، هاتها وتعالا بيها عالشركة.. لما تيجي هفهمك على كل حاجة." أغلق الخط وعاود الاتصال برقم آخر:
"أيوه يا فهمي بيه.. أنا كنت عايز منك خدمة.. عايز أشتري مصنع يكون بيتصفى أو محجوز عليه.. عايز المبنى من غير آلات.. أنا عندي الآلات." "عارف إنها خطوة متأخرة جداً لكن كل شيئ بأوان، واديني سمعت كلامك يا سيدي أخيراً وابتدي أعمل شغلي الخاص ومصنعي وشركتي الخاصة."
وانهى مكالمته وبدأ في الترتيب لأخذ ما يمكن أخذه من سيولة، فقرر أولاً وقبل كل شيء إبلاغ الجميع بسفر محمود إلى الخارج وترك الشركة له، ثانياً تغيير كل طاقم العمل القديم.. ثالثاً أن يرهن الأراضي الزراعية للفلاحين.. ويحاول التحايل ورهن العزبة وهذا سيدر له مبلغاً لا بأس به من السيولة.. وأيضاً البضائع الموجودة في المصانع سيأخذ هو كل ثمنها.. ومن هنا سينشئ مصنعه الخاص وشركته التي ستقوم كلها على الطلبيات الواردة لشركة محمود وتنفذها هي، وكذلك الآلات مصنع محمود سينقلها جمعاً لمصنعه، وبهذا سيترك المصنع لآدم حوائط خاوية لا آلات فيها ولا حياة، فليأتي ويبحث عن أملاكه إذا ويرى على ماذا سيحصل.
أما الأرض فلن يهنأ له بال إلا إذا وجد لها حلاً وباعها.. حتى وإن اضطر لبيعها بنصف الثمن للمختصين في وضع اليد على الأراضي والامتلاك بالاقتدار، فهذا أفضل من لا شيء، وليتنازع معهم آدم عليها.. هذا إن تركه حياً لكل هذا ولم يتخلص منه قبل أن تصل الأمور لهذا الحد.. ولكن للاحتياط سيفعل هذا ويفترض الأسوأ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!