الفصل 18 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
20
كلمة
2,717
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

أما في الباديه.. -وين وديتوه؟ -سالم، ودي سالم. الله لا يوفقكم. من ساعة اللي راح ما عاد حد جاب لي شي. ونفسي في الحلا الأسود. وين وديتوه؟ الولد يا نايم. كاسب: -صكري فمك يا أم كرش. ايش تريدين؟ يضل سالم تحت رجولك يجيب ويودي؟ لتكوني اشتريتيه من سوق العبيد، سالم ونحن ما ندري؟ -أنت مالك علاقة ولا تعترضي. أنت اشقي بهلالك واتركيني أنوح على النافع. ما كل حدا ينوح على مصالحه. -ولك قص هاللسان إن شاء الله.

-ولا راح يتقص ولا شيء. وكل يوم يطول زايد. وبعدين ليش زعلانه؟ ما حتى أنت انحرمتي من قرمشة نص الليل مثلي. شوفي وشك اللي رد من وكل سالم وحلاه كيف صار أصفر بس انقطعت المجايب يومين. -الله يقطع أوصالك يا سليطة اللسان يا فانص. -أي إني فانص.. إني فانص فانص.. إني فاااانص ياهووو.

قالتها وهي تخرج خارج الخيمة وتفرد ذراعيها بحرية، وكأنها تخبر الجميع بحقيقتها التي لا تخجل منها ولا يهمها اللقب. إذ كان سيطلق عليها وهي تدافع عن نفسها. فخرجت عليها أمها بالعصى، فجرت منها وهي لازالت تصرخ: "إني فاااانص وما يهمني.. فانص القبيلة إني." وهنا آتاها صوت عوالي: -مايزه.. جيبي لي هالفانص اللي تلالي لخيمتي هالحين.

وهنا انطلقت رجوه مبتعدة بأسرع سرعة لديها، وكأنها قد أخرجت جناحين كانا مخبئين تحت ملابسها وضربت بهما الهواء فحلقت. فتعالت صيحات عوالي عليها: -لوين ودك تهربين؟ مرجوعك لعندي. مايززه قولي لوليدات وبنيات البادية اللي يجيب لي رجوه الفانص ليه مني حلا وفلوس وأي شيء يطلبه. يا أنا يا الفانص اليوم بالقبيلة، إلا ما أبيتها مسكوعة سكع. ابتعدت رجوه القدر الكافي ثم جلست تلتقط أنفاسها وهي تردف:

-الله لا يوفقك يا مكاسب. طلعتي العفريت اللي جوايا. وتو عوالي الجنية ايش بتقص مني. والله ما في شيء ينقص. يارب أعاود ألاقي ملك الموت قابضها قبل لا تقص ولا تلصع. صعدت رجوه بعد ساعتين تقريباً، وبنفسها وكامل إرادتها ذهبت لخيمة الشيخة عوالي ودخلتها وهي تحدث نفسها بأن العقاب سيؤخذ سيؤخذ. وحدوثه أهون من خوف انتظاره. فوقفت وهي تفرك يديها ببعضهما وترسم دوائر بأصابع قدمها الصغير في الرمال وهمست لعوالي:

-جيتك بروحي يا شيخة. ما راح أستنى حدا يجيبني. يلا قصي اللي تقصينا وخلصيني. بس يكون بمعلومك الله ماراح يسامحك. وكل شيء قصيتيه مني بالدنيا راح ينقص قدا مرتين بالآخرة. وشوفي إنت قص الله كيف يكون وقديش يوجع. والله ليكتفونك الملائكة وما يخلونك تفلفصين. نظرت إليها عوالي وهي تحاول كتم ضحكتها. أما مايزه فغطت وجهها بشالها وضحكت من خلفه، وأخذ جسدها يهتز ولكن دون صوت. عوالي: -اقربي يارجوه واجلسي هانا أحذاي.

اقتربت رجوه وجلست على ركبتيها أمام الشيخة في وضع استعداد لما ستفعله بها. فسألتها عوالي بنبرة حانية وهي تنظر إليها من رأسها لأخمص قدمها: -قولي لي يارجوه، ليش تسوين هكي؟ يعني ليش لسانك طويل وما تحترمين حدا ولا تخافين؟ ليش يابنيتي بايعه المستحى وتخليتي عن الحيا اللي يزين البنية ويزيد جمالها وزينها؟ ليش صرتي فانص وفرحانة بروحك بعد وتحكيها كأنها مدح؟ وليش تكرهين أمك وتريدينها تكرهك من أفعالك؟

أجابتها رجوه وقد تجمعت الدموع بعينيها وبدأت بالهطول على الفور:

-أمي بالأساس ما تحبني لتكرهني. أمي ما تحب إلا هلال. وهي أصلاً ما إنها أمي. هي وحدة ولدتني ورمتني. أنا أمي معزوزة خيتي والماعز مرضعاتي. تدرين أنا وقت تنذبح معزة أزعل عليها أكثر ما تنذبح مكاسب. هادول عطوني حليبهم وهي منعته عني. وقت أشوف الحلال كيف حناين على صغارهن أحس بالغيرة لأن أمي ما حصلت حتى عنز. ولا قلبها فيه حن علي. لا وتجيني ودها تقولي سوي هيك وهيك ونسمع ونطيع. وغير هيك هي وزوجها بعدوا سالم عني. سالم اللي كان يشتري لي الحلا الأكحل ويجيب لي كل شيء حلو ويحن علي ويحاديني. كيف ما يكونوا استكتروه على رجوه!

قولي لي يا شيخة ليش يبعدون عني أحبابي؟

ليش ما أنا ساكتة وأنا شايفة محبتهم لهلال ومحادثتهم ليه ليل نهار والكلام الحلو والقروش والحبيبات. تعرفين ياشيخة أمي تحب هلال خوي أكثر ما تتنفس. كل ما يسوي شيء، كل ما يقول شيء، هو صاحي، هو راقد تميل عليه وتحبه. في الشتاء تقضي الليل بطوله تلفلف فيه وأني أنزاح الغطا من فوقي لتيجي تغطيني والله تبص علي بعيونها وما تغطيني، وتتركني لين أنموت من الصقيع وأشد الغطا على روحي مرة ثانية. ولا أبوي اللي بس هلال يقول شيء يفسخ ضبه من الفرحة وبس يشوفه جاي علي كأنه شاف هلال العيد مو هلال وليدها.

شفقت عليها عوالي وهي ترى ما فعلته بها مكاسب نتيجة قسوتها عليها، ومن كم الوجع الذي تنطق وتشعر به البنت برغم صغر سنها، تتحدث وكأنها شخص بالغ عانى من الخذلان حتى تأثرت شخصيته وتغيرت. فأجابتها بصوت حنون: -بس رغم كل شيء يحبونك يارجوه وما يتحملون فيك الهوا. الأب والأم ما يكرهون وليدهم مهما قسو عليه. -لا ما يحبوني، ولا حدا بكل هالقبيلة يحبني غير سالم ومعزوزة ومن بعدهم رابح وعقاب. غير هادول أنا ما عندي أحباب.

-طيب ولو قلت لك أنا ودي أصير من ضمن أحبابك وتصيرين أحبيبة قلبي ويش تقولين؟ -وتبطلين قصقصة فيا؟ -أي وأبطل قصقصة فيك، لأنك راح تكونين حبيبتي، وغيرها أخاف من قصقصة الله. قالتها وضحكت. ثم فردت ذراعيها لرجوه وحثتها بعينيها للإقتراب والدخول بين أحضانها. وما إن فعلت هذا حتى ارمت رجوه في حضنها وعانقتها بيديها الصغيرتين، وهمست بجانب أذنها:

-الحين بس أصلي بقول لربي خلاص ماتقبض روحها صارت حنونه، وما راح أقول عليكِ عوالي العفريتة مرة ثانية. فتحت عوالي عينيها على وسعهما ورفعت حاجبيها وردت عليها: -كنتي تدعين علي؟ -لكن ويش أسويلك وأنت كل ماشفتي وجهي الفانص والفانص وبس ودك علي فرصة تطالعين مقصك وتقصين مني؟!

ضحكت عوالي وضمتها إليها أكثر، أما رجوه فاغمضت عينيها وهي تشعر للمرة الأولى بحضن الكبار كيف يكون، ودفئ حضن الأم كيف يبث الاطمئنان، بالرغم من إن عوالي ليست أمها، ولكن المرء يستطيع منح الشعور الذي يريد لمن يريد وقتما يريد، وعوالي أرادت أن تعطيها حضن وغمرة أم، ونجحت في توصيل الشعور.

أما عند آدم، فأخذه قصير إلى أبيه وأمه، أخذه وهو مشفق عليه من صعوبة اللقاء وشدة الألم. أما سالم فرفض تركه وتشبث به فقد كان يعلم ما سيحدث له والضعف الذي سيصيبه حين يرى أبواه لأول مرة. وصلوا إلى المشفى وتقدمهم قصير ولحقه آدم الذي كاد قلبه ينفجر من هول الموقف، إنها سنوات طوال يا إلهي، سنوات طوال افترض فيهم آلاف الافتراضات لإبعادهم له، ولم يخطر بباله السبب الذي سمعه بتاتاً.

دلف إلى غرفة أمه أولاً فقد كانت هي الأقرب، أمسك سالم يده وحاول الدخول معه ولكن قصير منعه وهو يقول له: -اتركه بهاللحظات بروحه مع أمه، يمكن يحب يحكي شيء ما يريد حدا يسمعه. وبالفعل انتظر سالم على الباب وتقدم آدم وحيداً. وقف بجانبها يتأملها وهي مستسلمة لنومة فرضت عليها، مغمضة العينين. فتأمل ملامحها وقد بدأت ومضات من الماضي تظهر أمامه، فخر على ركبتيه بجانب سريرها وامسك يدها ومال عليها يقبلها بشوق وهو يهمس لها:

-لو تعرفين قديش اشتقت لك وحلمت فيكي، لو تعرفيش اشقد طلبت منك أحضان بأحلامي، لو تعرفين كم ألف مرة فقت من نومي وأنا أقول وينك يا أمي. لو تعرفين القلب كيف تعذب ببعادك. ااااخ يا حبيبة الروح والله حسيت فيكي وقت لمست يدك يدي وتشبثتي فيها، والله حسيت إني منك وإنتي قريبة لروحي وكأن فيه شيء يقول لي ماتبعد عنها. والله يومها ما زار عيني نوم وضليت للصبح أقول مين هي وليش هيكي إحساسي بيها. واتاريكم أمي ونور عيني ونبض هالقلب.

شعر بيدها تقبض على يده وكأنها سمعت كل ما قاله، رآها تقطب حاجبيها قبل أن تئن وتنطق اسمه. وهنا ارتمى على صدرها وضمه بكلتا يديه يخبرها بأنه قريب منها. كم أراد البكاء في هذه اللحظة، كم ود تحرير براكين الدموع التي تجمعت في مقلتيه، ولكنه تعلم وتربى على أن الرجال لا يبكون أبداً، فابتلع غصته وكتم دموعه، وهمس بجانب أذنها:

-آدم هانا جوارك وإنتي بين أحضانه. أنا هانا يا أمي فتحي عيونك بتشوفيني. فتحي وخليني أشوف روحي بعيونك. بالله عليكي فتحي.

وكأنها كانت تنتظر كلماته حتى فتحت عينيها ببطء تنظر إليه، تبسم لها فشهقت وهي تستوعب أنه بالفعل أمام عينيها، جاثم فوق صدرها، ذراعاه تطوقانها، ويتبسم لها. رفعت يد ترتعش موصول إصبعها السبابة بجهاز قياس الأوكسجين وتلمست وجهه، وحينها استجمعت كل قواها كمن أصابها مس واحتضنته وشددت عليه ذراعيها وكأنها تختطفه من الدنيا لتدفنه في صدرها. أما هو فشهق لهذه الضمة القوية المفاجئة، وكأن أمه كانت تنتظر حضنه لتدب فيها الحياة من جديد.

أما سالم فكان يجاهد هو الآخر كي يمنع دموعه من السقوط، ولكن ما كتمه في مقلتيه سال من أنفه، فرفع كمه مرة بعد مرة يمسح أنفه وقد احتقنت عيناه. أما قصير والشيخ منصور فلم تقل عنهم حالتهم. فبرغم القوة والهيبة إلا أن هذا الموقف أكبر من أي ثبات. ابتعد آدم عنها بعد أن حدثه الشيخ منصور بصوت مختنق: -كافي يا وليدي اتركها. أمك مريضة والاطباء مانعين عنها الزيارة. والحين تعال لتشوف بوك.

حاول آدم الخروج من بين ذراعيها ولكنها كانت متشبثة به كمن وجد غايته بعد عمر من العناء، فأمسك بيدها سحبها من حوله بهدوء وقبل باطنها وأخبرها: -بشوف بوي وأعاود لك، وعد مني ما أتركك من بعد اليوم، وعد من وليدك ماراح تفارقي أحضاني، وهو بعد ما ذاق حِن حضنك ما عاد فيه يرجع ينحرم منا. شوي وأرد لك يا ناظر عيني.

أفلتت قبضتها من حوله وتركته، وأخذت تراقبه وهو يبتعد، غير مصدقة لكل ما حدث، أحقاً ابنها كان في أحضانها تواً، قابع فوق قلبها وتشعر بنبضات قلبه المرتجفة. أغمضت عينيها بعد أن غادر الغرفة وهي تحاول الحفاظ على صورته في عينيها أكبر قدر من الوقت، وضمت يديها على صدرها وكأنه لازال فوقه، واستنشقت الهواء الذي لا يزال يحمل رائحته، وأردفت لنفسها إن كان حادثها وألمها ثمنًا لاحتضانه وهذا الشعور الجميل فوالله لأنه ثمن بخس، وهي على استعداد أن تدفعه بنفس الطريقة آلاف المرات وتتحمل الألم مرة بعد مرة إن كانت ستحظى باحتضانه في نهاية المطاف.

وقف آدم أمام غرفة العناية المشددة يراقب أباه الحي ولكن روحه تطوف في عالم الأموات تائهة لا تعلم إن كانت ستسكنه أم ستعود منه. وسمع الشيخ منصور يقول له بحزم وهو يمسك كتفيه ويهزه بعنف:

-شوف حال أبوك وملي عيونك زين. أبوك راقد بأحضان الموت بسبب عمك. عمك اللي موت أخوك وسندك وموت خوه ووده يموتك بأي طريقة. ما كنت أنا وقصير نعدوك عقاب لتطارد أحناش الصحاري وذيابها. كنا نعدوك عقاب لتفترس الحنش اللي خرب عليك حياتك وسكن أخوك المقابر وبعت أبوك وأمك رحلة لجوف الموت. فيه ثلاث شياطين ونسلهم ساكنين بيتك واكلين من خيرك وكل أهدافهم موتك أنت وأهلك وسرقتهم. والحين أبوك إني راح أخذه وأسافر فيه لإيران وراح أعود به معافى بإذن الله، وأمك من الحين بحمايتك وحماية قصير. وأنت وقصير مكاني بالقبيلة. ودي أرجع ما أشوف عليها نقصان ولا فيها تغيير. غير للأفضل واللي يسأل عني قولوا راح لوليده بليبيا زيارة.

والحين يا قصير تروح لراجلنا بالجوازات وتطلع جواز بغير اسم لمحمود وتدفع له اللي يقولك عليه ما تجادل ولا تفاضل. وصورة بتلاقيها من ضمن أغراضي وأوراقي بالصندوق الصغير بخيمتي. يلا اترك آدم وروح الحين سوي اللي طلبته منك. وانت يا سالم روح معه وما تتركون معي غير عقاب. سالم: -لا والله ما أترك أخوي ورفيقي ولو عقص هالرقبة. أنا جيت مع عقاب وما أرد غير مع عقاب، ولو ضل ألف سنة ما أتركه وأروح. يا شيخ ماشايف حالته؟

-ويش راح يسويله وجودك يعني؟ -كثير يا شيخ كثير. بس أنت اتركني الله يرضى عليك وماترغمني عالرجعة، إني وين ما يكون عقاب إني معه. -خلص يا شيخ خليه معه، وأنا ما ودي شيء من سالم، حتى خليه إذا احتجتو شي من الخارج يطلع يجيبه ويراقب الجو ويقف على باب الغرفة، ليرد الخسيس يحيى. وقتها سالم ينبهه وياخذ حذره. يلا أنا تو هنروح.

فذهب قصير والشيخ منصور أخذ سالم تحت جناحه وابتعد به متجهاً للطبيب يسأله أن يسمح لآدم بالدخول لأبيه لعل صوته يعيده من عالمه البعيد مثلما فعل مع أمه، وتركا آدم يعاود الكرة مع أمه ويعود لاحتضانها، فهذا الحضن فعل ما لم يفعله الطب والدواء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...