أحضرت رجوه جميع أغراضها بالفعل لخيمة عوالي وبدأت رحلتها في حياة جديدة. رمت على أعتابها كل ما مضى ودخلتها مجردة من كل شيء، إلا سالم الساكن في يسارها، ذاك الحلم الذي لم يكتمل. بدأت تقضي وقتها مابين أغنامها بالوادي وخيمة الشيخة عوالي بعد عودتها، تخلط الأعشاب وتطحن منها ما يراد له طحن، وتجهز مع عوالي وصفات الأعشاب البرية التي تبيعها في الحضر للعطارين.
عرفت رجوه من ترددها مع عمتها عوالي أن هناك أنواعًا من العشب نادرة وثمنها باهظ والحصول عليها فيه صعوبة كبيرة. هذه الأعشاب تصادفها أحيانًا بالوديان وتأكلها أغنامها، فقررت جمعها وبيعها. ومن هنا بدأت أول مشوارها في طب الأعشاب ومعرفة كل أسراره. أما سالم فكان مستغربًا جدًا لحالة الاستسلام والهدوء التي أصبحت عليها رجوه. لم تعد تسرح وتمرح بالقبيلة، وكلما رفّت عيناه يراها أمامه.
رؤيته لها أصبحت نادرة، وبعد أن كانت على مرأى دائم منه أصبح يبحث عنها بحثًا ويتحرى مكانها. ينتظر عودتها من الوديان عند الغروب ليسترق النظر لها ويطمئن على أنها بخير. يتبعها للمدينة ويراقب ماذا تفعل. أصبحت تشتري الحلويات لنفسها وتختار على ذوقها كل ما تشتهي، ولم تعد تحتاج له في شيء. وحينما يشتد الاشتياق عليه، يذهب خلسة للوادي ويتفقدها من الأعلى وهي ترعى أغنامها وتقوم بجمع الأعشاب.
تقوم بالصيد أحيانًا ويرقبها بمتعة وهي تقوم بالقبض على الأفاعي السامة وتعود بها وتستخرج منها السم كما تعلمت من عوالي وتبيعه. والأفاعي أيضًا تبيعها بعد أن تشعر بأنها استنزفتها. كانت طريقتها في التقاط الأفاعي مميزة، خليط بين طريقته وطريقة عقاب ورابح. شعر بأنها نضجت كثيرًا، حتى في طريقة كلامها حين تجمعهم الصدفة وتكون عند معزوزه وهو يذهب لرابح. تغيرت نظرتها له وهدأت لهفتها على الأشياء.
لا ينكر بأنه سعيد جدًا لما هي عليه الآن، ولكن اقتصار حياتها على الرعي والمداواة والبيع والشراء يؤلمه. يريدها أن تعيش الحياة وتستمتع بها. وخاصة وهو يعرف أن متعة كبيرة تفوتها وهو يعيشها مع مزيونه. ولكنه في نفس الوقت لا يتحمل مجرد التفكير في كونها مع رجل آخر ويفعل معها ما يفعله هو مع مزيونه وتعطيه الحب الذي طالما تمناه هو منها.
عالق بين شقي رحى، أحدهم شعور بالرغبة في امتلاكها والآخر تصميم على رأيه وقراره حفاظًا على كرامته. وهو في المنتصف يُطحن. أما مزيونه فأصبحت على مشارف الولادة، وحانت ساعتها. ذهب سالم لجنديته القابلة فلم يجدها. اندارت به الدنيا، فذهب لعمته عوالي. فأم مزيونه لا تعرف عن الولادة شيء. وحضر كل من عوالي ومايزه، ورجوه أيضًا. رجوه التي حينما سمعت بإن سالم سيصبح أبًا تحرك شيء بداخلها وأصرت على حضور لحظات ولادة طفل سالم.
كأنه حدث لا تستطيع تفويته، وكأن لها بهذا الطفل مثل ما لسالم. ودخلت الخيمة بعد أن تبسمت لسالم مطمئنة وهي تراه وقد جف الدم في عروقه لرؤيتها. ظنًا منه بأن غيرتها هي من أتت بها وبأنها أتت لتفتعل المشكلات. ولكنه تفاجأ بمساعدتها لمزيونه وخروجها له بطفلة بين يديها. اقتربت منه وهمست بصوت يختنق: مبارك ما جاك ياسالم، وليد مثل البدر صورة منك، يربى بعزك ودلالك وحنان أمه يارب. حمل منها الطفل ورف قلبه وهو ينظر إليه.
ضحك وقبله وكبر في أذنيه ورفع عينيه يشكرها فلم يجدها. استدار فوجدها ابتعدت بخطوات واسعة وكأنها تهرب من الموقف برمته. فعاود النظر لطفلته وأخذه ودخل به لمزيونه. فهذا وقتها هي وابنه وليس وقت رجوه والقلق بشأنها وشأن مشاعرها أبدًا. تبسمت مزيونه وهي تراه يحتضن طفلها كأسد يحتضن رضيعًا. اقترب وجلس بجوارها، قبل جبينها وهمس لها وهو ينظر للطفل بتعمق: الحمد لله على سلامتك وسلامة صهيب يا أم صهيب. قطبت مزيونه
حاجبيها وسألته باستغراب: مو أنت كنت تريد تسمي ولدك رفيق والكل ينادوك بأبو رفيق؟ -لا يامزيونه، هذاك الاسم مو أنا اللي كنت مختاره وراح مع أصحابه. راح رفيق والحين جاء صهيب يا أم صهيب. إيش ما عاجبك الاسم؟ -لا لا، اسم زين والأحلى إن أنت المختاره. الله ينبته نبات حسن ويجعله بار بك وبي وعلى وجهه تشوف كل الخير يارب. تبسم لها سالم وأعطى حلوان مايزه. وباركت له عوالي وأم مزيونه، ومعزوزه أيضًا.
وغادر الجميع الخيمة وتركوا سالم مع عصفوره الصغير، فرح بقدومه ويشبع منه. أما في الخارج، من بين كل القبيلة كانت هناك مراقبة تتابع في صمت. يغل قلبها من فرحة الجميع بطفل مزيونه، وخاصة حين بدأت الاستعدادات للاحتفال به. كباش أتت من كل صوب في القبيلة مجاملة ومساهمة في ليلة صهيب. قطع ذهبية من رابح وآدم وقصير وكل من استطاع. وحين خرج سالم بالولد أصبحت ثيابه تتدلى منها الجنيهات الذهبية المعلقة فيها بلا عدد. وتمتمت في نفسها:
والله هذا كثير عليك يامزيونه، كثير واجد، إيش تزيدين أنت عني، وليش أنا ما رحت لخيمة عوالي وصرحت لها بمحبتي لسالم حتى لو بالكذب، ليش ما لحقت الفرصة وقت كانت أمامي ليش؟ كانت (خيره) حالها حال الكثير من فتيات القبيلة اللواتي يرون مزيونه فازت باليانصيب ونصفها الحظ أيما إنصاف. وكما جرت العادة أينما وجدت نعمة وجد حاقد عليها. (خيره) كانت أكبر الحاقدين، فهذا طبع معظم البشر بأي مكان وزمان. أما في القاهرة...
جالس أمام التلفاز، ينظر ولكنه ليس منتبه لأي شيء. هي نشرة الأخبار فماذا يهمه منها؟ إن العالم كله مات في عينيه بموت زوجته وأولاده ولم يعد يأبه لكل ما يحدث فيه. لا يصبره الآن إلا ابنه السجين. نعم قد لا يعيش لوقت خروجه، وسيخرج ابنه من السجن في سنوات عمره الأخيرة تقريبًا. ولكن يكفي أنه على قيد الحياة، أيًا كانت الحياة لا يهم. هو يتنفس ويأكل ويشرب. وربما بعد أعوام طويلة يخرج ويتزوج ويرزق بطفل يخلد اسمه وذكراه ويستمر نسله.
أما هو فسيكتفي بزيارته من وقت لآخر. وسيبذل قصارى جهده كي يعاود الوقوف على قدميه والعمل من جديد. عمل حلال بعيد كل البعد عن نقود أخيه. عمل يكفيه هو ويكفي مصروفات ابنه في السجن ويستطيع أن يدخر له ما يجده حين خروجه. ياسين هو الخيط الوحيد الذي يربطه بالحياة الآن. ولولاه للحاق بهم وغادر الدنيا. نعم هو نادم أشد الندم ويتمنى لو عاد به الزمن لما فعل أيًا من كل هذا.
لكان حافظ على أولاده حوله وعلمهم أن الطمع مهلك، وأن ما ليس لنا لا نحاول أخذه لأنه لن يعود علينا سوى بالخراب. لساند أخيه واحتضن أخته وأعطاها فرصة أخرى وزوجها ممن أرادت وعشقت. لجنب أخيه كل هذا الحزن على طفله الذي غدره ظلمًا وبهتانًا. لإمتنع عن فعل أشياء كثيرة لم يكتشف مدى بشاعتها إلا حين عاشها بنفسه. ولكن بكل أسف الحياة لا تعطي هكذا فرص. فهناك أشياء تشبه الموت والولادة لا تعاش إلا مرة واحدة.
أشار لجليسه أن يعيده لغرفته. فقام الرجل إليه ونفذ. وضعه في فراشه وأعطاه دوائه وأطفأ عليه الضوء وغادر. أطفأ التلفاز ودخل هو الآخر لغرفته لينام. هكذا أصبحت حياة يحيي والوحيد الذي يقاسمه فيها هو خادمه مؤمن. ذلك الشاب المكلف من قبل أخيه محمود بخدمته. -منهمك في عمله، فسمع دقات على باب مكتبه تلتها فتحة الباب. ودلف الساعي خالد من الباب يحمل كوب قهوته المعتاد. وضعه على المكتب أمامه ولم يغادر.
فانتبه له آدم ورفع رأسه له متسائلاً: في شيء يا عم خالد.. ليش بعدك واقف؟ فقدم إليه خالد بعض الأوراق وهو يقول له: دي أوراق بنتي يا آدم يا ابني، النهارده جات بيهم عشان تقدمهم للحصول على وظيفة وهي بره طالبة تقابلك عشان تشكرك بنفسها على كل اللي عملته معانا. تبسم آدم ونزع نظارته ووضعها على المكتب ومد يده أخذ من خالد الأوراق ونظر فيهم وهو يقول: خلها تتفضل، ليش مبقيها بالخارج دخلها. فنادى عليها خالد ودعاها للدخول.
فقضب آدم حاجبيه وهو يقرأ الاسم ورفع رأسه لخالد وسأله: بتك اسمها... وقبل أن يجيب ردت عليه هي بنفسها وهي تدلف من الباب: حياة خالد طه. نظر لها وإذ بفتاة تقف أمامه حسنة المظهر مقبولة الطلعة، سمراء ذات ملامح هادئة. فتمتم لنفسه: إيش هي الصدفة هذه، أنا أهرب من الاسم وسيرته وحنيني له ولصاحبته، والحين راح ينذكر أمامي طول الوقت ولساني راح يعاود ذكره. أدري الحظ يعاند بس مو بهالشكل! -وقف وصافحها ورحب بها ودعاها للجلوس.
وقدمت له علبة مستديرة بها قالب من الكيك من صنع يدها. معه أطباق بلاستيكية وشوك، كنوع من رد الجميل. وغادر خالد لعمله وتركهم يتحدثون ويختبر آدم قدراتها في مجال التجارة. كانت المقابلة ممتعة بالنسبة له، يسأل هو وتجيب هي لحظيًا. مثقفة ودراستها في صميم عمله، تعرف جيدًا أصول التجارة ومتطلبات السوق وتستطيع التعامل مع الأرقام بسلاسة وسهولة. هذا غير أسلوبها الآخاذ في الرد وجذب الانتباه بثباتها.
cقام آدم بتعيينها على الفور متجاهلاً الاسم، متمنيًا أن تستطيع هذه الحياة أن تصرف نظره بشخصيتها المختلفة عن تلك الحياة وتثبت له أن التشابه في الاسم لا يشكل أي عقبات، وأن الشخصية تطغى على اسم صاحبها. ولكن ما حدث لاحقًا كان العكس تمامًا، فقد وجد فيها نفس الهدوء، نفس الرزانة وتقريبًا نفس أسلوب الرد، وكأن القدر أرسل له نسخة من حياة بالاسم والطباع.
ومحبتها لوالدها واحترامها له ولشخصه ولعمله وعدم الاستكبار عليه أمام زملائها من موظفي الشركة جعلها تضع نفسها أعلى قائمة آدم الموضوعة لاختيار عروس. وبدأ يفكر في الموضوع بجدية. ولما أخذ رأي والديه ساندوه، فقصتهم مشابهة جدًا، وتزوجت عايدة من العامل البسيط ووجدت فيه كل ما تمنت. فقرر آدم دراسة الفكرة بشكل أعمق، وبدأ في التقرب لحياة الجديدة، والتي لم تكن قادرة على استيعاب ما يحدث.
وتكاد تجن من إعجاب آدم بها وهي فقيرة الجمال وفقيرة المال وفقيرة المستوى الاجتماعي! وقد بدا لها كالأمير الذي قرر الزواج من عامة الشعب ووقع اختياره على ابنة خادم قصره. تم الموضوع سريعًا، خطبة جعلت خالد الساعي يكاد أن يفقد عقله من الفرحة، وابنته كذلك. كانت يتيمة الأم فاحتضنتها عايدة وقامت معها بدور الأم كاملًا. أما آدم فكان الأمر عنده أشبه بمهمة يؤديها، لا فرحة شعر بها ولا حماس لأي شيء.
راسلها وأخبرها، لا يعرف لماذا فعل ذلك. أكان يظن بأن شيئًا سيتغير مثلاً أم أنها ستمنعه؟ أم أراد أن يعرف ردة فعلها حيال الأمر؟ عامة أيًا كان ما دفعه لفعل ذلك فرد فعلها كان غريبًا عليه. فقد التمس الفرحة في صوتها وهي تبارك له. تمنت له أيامًا جميلة وأوصته بمن اختارها زوجة له خيرًا، وأن يحاول إسعادها بكافة الطرق. وأنهت مكالمتها بعبارة هزت قلبه شوقًا وحنينًا لها قبل أن تغلق، وتركته يلوب في مكانه بلوعة.
(مع إنك مش محتاج تعمل حاجة يا آدم عشان تسعدها، كفاية إنك تكون من نصيبها وهي هتكون أسعد ست في العالم، كفاية إنك تقرب منها القرب اللي غيرها ما طاله) كانت كلماتها مليئة بالحسرة مما جعله يشعر بالاختناق، فما تعود أن تكون سعادة أحدهم بيده ويمنعها. كان يوم زفافه يومًا أسطوريًا، أقامه في أكبر القاعات ودعا له القبيلة بأسرها. فهو ليس له أقارب سوى هم وعمال شركته، وكانوا هم أهله بعد أمه وأبيه.
أما حياة زوجته فدعت جميع صديقاتها وأصدقاءها في الجامعة، جيرانها وأقاربها البعيدون. كان الأمر بالنسبة لها تباهيًا أكثر من مشاركتهم لها فرحتها. كانت ترى الهمسات من الجميع والغيرة بادية على أغلب الوجوه فتزداد غبطة وسعادة. فحتى فتيات القبيلة لم تخلُ نظراتهم لها من الغيرة. وبعد انتهاء الزفاف في القاعة ذهب ليكمل احتفاله في القبيلة، الاحتفال التقليدي الذي اعتاد عليه وتمنّاه.
كل هذا وحياة زوجته تشعر وسط الجميع كما لو نبت لها جناحان وتحلق بهما. ماهذا الذي يحدث معها؟! ماهذا الحلم الجميل؟ أنهى حفله في القبيلة على مشارف الفجر وأخذها وذهب بها للفندق الذي حجز به جناحًا لتمضية ليلتهما. وظل أبواه في القبيلة فرحين مع المحبين. وبدأ آدم في اكتشاف حياة جديدة عليه، حياة بالاسم وبالفعل. لا ينكر أن في الأمر متعة ويفهم الآن صبر سالم على جفاء رجوه، إنه الونس.
أما رجوه فكانت الوحيدة تقريبًا التي لم تحضر الزفاف ولم تهتم، ولم تعد تلك الأشياء تستهويها. وعند طلوع الفجر قامت لأغنامها أخذتهم وغادرت للوادي تفعل ما اعتادت على فعله. أما العنود فكانت تراقب رجوه طوال تلك الفترة وقد تأكدت من أنها الآن باتت طبيعية تمامًا. نعم هذا هو الهدوء الذي يلي الإعصار. كل شيء مدمر ومع الوقت سيعاد ترميمه رويدًا رويدًا وتعود الحياة لطبيعتها.
قد تتخطى رجوه وتتراجع عن قرارها بالانعزال وربما لا، ولكن في كلتا الحالتين هي الآن في استراحة محارب. أخذت العنود أمها واختيها وعادتا لليبيا، حيث قابلت هناك خطيبها وبدأت معه رحلة التعرف. وبالنسبة لنوف وهلال فكان الاستسلام للأمر الواقع هو الشيء الوحيد الذي تملكه نوف.
قررت أن تحاول التأقلم وخاصة أن اعتراضها ليس على هلال كشخص، وإنما على عيشته، وهذا الأمر ستحتال عليه وأمامها سنوات عدة كي تجد فيهم أكثر من حل وتأخذ من بينهم المناسب. أما عفراء فقررت العودة للقبيلة في كل مناسبة متاحة. لقد أحبتها وأحبت الحياة فيها، ولا يشترط الزواج كي تنعم بمميزاتها وتعيش أجواءها. ستعيشها كرحلة ترفيهية إلى أن ترى ماذا يخبئ لها القدر.
وحتى وإن جاء نصيبها حضري من أصل بدوي ستزرع لها جذورًا في القبيلة وبدأت بمشاركة رجوه على بضعة رؤوس من الأغنام. مشروعها الصغير، وكأنهم مسمار جحا الذي ستضمن عودتها للقبيلة من حين لآخر بسببه. أما مكاسب وسدينه، فلا زال الصراع قائم على قصير والمحاولات مستمرة لاستقطابه. ولكن دائمًا مكاسب هي الرابحة، فهي أم هلال، ولأجل عيون هلال تُكرم أمه، بالقرب والدلال والاستجابة للطلب فور طلبه.
أما سدينه فكانت ابنتها الوحيدة هي نصيبها من الدنيا. وكأنها جدار ولد من أحشائها ليحجب عنها كل شيء ويقطع عليها كل سبل الدلال. ولكنها لم تعاقبها على ذلك كما فعلت مكاسب مع رجوه. فهي تعلم أن لا ذنب لها في ذلك، بل احتضنتها، أحبتها وكأنها كل الدنيا، أعطتها كل الحنان الذي لديها وأغدقتها بالاهتمام. حتى أصبحت مسك أكثر بنات قصير عقلاً وتعقلاً، وأكثر من تمتلك نفسًا سوية من بينهم.
وبدأت ترد هذا كله لأمها رعاية ومودة ومحبة، فالود لا يُجازى إلا بالود. وهذه النقطة ما كانت تثير غيرة مكاسب منها. فبرغم كل الدلال الذي تنعم به من قصير إلا أن بناتها قساة القلب عليها كثيرًا، حتى من احتضنتهم في صغرهم، كبروا ولم يجدوا منها سوى إهمال يقابله احتواء عظيم لهلال. هي فقط معزوزه من أخذت النصيب الأكبر من الرعاية من بين شقيقاتها. والآن هي في بيتها منشغلة بزوجها وطفلها.
لا تذهب لأمها سوى زائرة حتى وإن كانت مريضة وبحاجتها. برغم أن الخيام متجاورة، ولكن كل على بيتها ومصالحها تسعى. حالة من الهدوء أصبحت تغلف القبيلة من بعد ولادة مزيونه وزواج آدم وسفر بنات قياتي. وهكذا بدأت الأيام تمر، هادئة وكأن الجميع أخذ هدنة لقلبه بعد كل هذه الحروب الطويلة. قصص من الحب مختلفة معظمها، لم تكتمل إلا واحدة فقط من بينهم التي حالفها الحظ، وهي قصة (معزوزه ورابح)
أما البقية فلعبت الظروف والأقدار لعبتها معهم، وأخبرتهم بأن قصص الحب لا تكلل جميعها بالنجاح والإكتمال، وليست الأمنيات كلها محققة. وأكبر وأعظم درس تعطيه الحياة في الاستسلام والرضى بالنصيب ذلك الذي يؤخذ من قصة حب لم تكتمل، فثمن الدرس يُدفع وجعًا وألمًا، شوقًا وضياعًا، شعورًا بالاختناق وكأن الروح تغادر. أشياء لا تحتمل، مشاعر لا توصف. وبالنهاية تمر مع الأيام وتنتهي.
ولكن أثرها يبقى قابع هناك في ركن صغير داخل أبعد نقطة بالقلب، يشبه لغم، آمن طالما لم يقربه أحد ويحاول اكتشافه. ولكن العبث به ولو صدفة يفجره، فتنفجر معه جميع الأحاسيس المنسية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!