الفصل 68 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن والستون 68 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
21
كلمة
2,698
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 99%
حجم الخط: 18

عاد صياح لخيمته وأخبر أمه بما حدث من قصير، وجلس طوال الليل يفكر. في النهاية استقر على السفر وبدء تجارته بعيداً عن القبيلة، وقرر أن يفاجئ الجميع بشيء غير متوقع خلاف سفره. استيقظت أمه في اليوم التالي ولم تجده لا هو ولا ملابسه ولا نقودها المخبأة، وكانت تظن أن لا أحد يعلم مكانها. وحتى نقود إخوته لم يجدوها. واستيقظت كامل القبيلة على أصوات الصياح المنبعثة من خيمتهم، وتجمع الكل أمام خيمتهم. وحين عُرف السبب انفض الجميع.

لم تبقى معهم سوى خوله التي كانت تراقبهم وهم يتخبطون، ثم قالت لأمها بشماتة واضحة:

-قليل عليك ياصالحه، هذا ولدك اللي كنتي تدلليه وحاطاه فوق الكل. وظلمتيني لأجله وجيتِ علي. كنتي تخليني أرعى له أغنامه، تشتريها له بقروشك أنتِ وتقولين هذه حق صياح، هذه لصياح. صياحي اللي راح يرفعني فوق النجوم ويخليني ست القبيلة كلها. هاك صياحك صدق يطير بين النجوم، بس يطير هارب بقروشك وقروش إخوانه. راهنتي على الحصان الأعرج ياصالحة وخسرتي الرهان. -ياخوله أنتِ جاية تواسين ولا تتشمتين؟

قومي ردي لخيمتك ولرجالك واتركينا بحالنا. -قايمة وماشية وماراح أرد لهنا مرة ثانية. تستاهلين ياصالحة وأكثر بعد تستاهلين. والحين راح تستجدين وماتلقين. لو كنتي سويتي خير بخوله كنتِ حصدتيه الحين. بس البنيات ما منهن نفع. هذا تفكيرك وقولك وهذا اللي راح يصير. من رخصتك يا المسروقة.

غادرت خوله الخيمة وهي تشعر بأن جميع حقوقها تُرد لها تِباعاً، كرامتها، مكانتها، سعادتها. بدأت النقود تعرف لطريقها وتتدفق بكثرة بعد عمر من الشقاء. ولن تعامل السيئة بالحسنة ولن تعفو، هذا قرارها وهذا ما نوته. فالأذى النفسي الذي تعرضت له من التفرقة بين الولد والبنت، والجور الذي رأته جعل قلبها يتحجر. نعم تريد امتلاك الأفضل وأن تكون الأفضل، ولكن بجدها وتعبها، بعقلها وتفكيرها، بخطواتها المدروسة التي ستأخذها في طريق تحقيق أحلامها دون عثرات. وهذا ما سيحدث.

عادت لخيمتها ووجدت سعود وأمه جالسين يتناولان بعض الفاكهة. فنظرت لهما خوله ولم تتحدث، وذهبت لصندوقها فتحته وقلبت به وأغلقت. فقالت لها أم زوجها: -على إيش تدورين ياخوله؟ -وأنتِ إيش خصك؟ -كنت أريد أعرض عليكِ مساعدتي وأدور معكِ لو تريدين شيء. -وأنتِ ليش تدورين معي وليش تفتشين أغراضي؟ -إيش فيها أغراضك يعني وإذا فتشتِ؟ اللي يشوفك يقول داسه بينهم قروش، وهما حفنة ثياب ما منهن نفع.

-ثياب ما منهن نفع، يعني فتشتِ وعرفتي إيش عندي! -وإيش فيها؟ خيمة ولدي وكل اللي فيها لي وأفتشه براحتي. -خيمة ولدك قلتي؟ زين.. من الحين خيمة ولدك كلها لك، وأنا راح أنصب خيمة لي وأنقل بها كل أغراضي. وإذا رجالك داستها أقطعها لك من عند الفخذ وأعلقها لك على باب الخيمة. وحتى ولدك خليه لك واشبعي به ما أريده. سعود: -ياخوله وأنا إيش ذنبي وبيش زاعلتك؟

هي أمي تحبك ومن عشمها فيك تتحدث. هي ما تقصد شيء. خلص هدي حالك وهي ماراح تقرب يم أغراضك مرة ثانية. والآن هي راجعة لخيمتها وما راح تيجي إلا وأنتِ موجودة. جحظت عينا أم سعود من صدمتها لكلمات ابنها وهدرت به قائلة: -تبيعني ياكلب لأجل مرتك؟ ياحسافة تعبي عليك، ولك تف عليك وعلى البطن اللي شالتك. أنا الحين بمشي وخيمتك ما عدت أدخلها ياسعود لو على قص راسي، وأنت لا ولدي ولا نعرفك. خوله:

-ما حد منعك من ولدك ولا خيمته، بس في أصول تطبقينها. مرحبا بك ولكن زياراتك بأوقات محددة. أغراضي ما تتلفّتين لهم. تجلسي بمكانك واللي تريديه اطلبيه ويجيك. قصة أنكِ تقومي تنبشي خيمتي وأغراضي، أنبش عليها مصارينك ومصارين ولدك. نظرت حماتها لمسعود فأخفض أنظاره أرضاً ولم يتحدث. فهبت أمه واقفة وغادرت الخيمة مسرعة تتمتم في غضب. فجلست خوله وأخذت تنزع ملابسها حتى وصلت لحزام حول خصرها. نزعته وإذ بكل النقود بداخله!

نظر لها سعود بدهشة وأردف: -يخزي شيطانك ياخوله، تحومين بالقروش؟ -مو أحسن ما أتركهم بالخيمة وأمك أو غيرها ينهبوهم وما آخذ منهم غير الحسرة؟ هذا الزمان ياسعود ما به أمان واللي يأمن للبشر مهبول. خوي سرق أمه وإخوانه وهرب. أستبعد أني أنك تسويها أنت أو أمك؟ صمت سعود وهو يطالعها بغرابة، فكيف لها أن تكون بكل هذا الحرص؟ كيف لمن كان الجميع يصفها بالغباء وقلة العقل أن تمتلك هذه النظرة الثاقبة للدنيا والناس؟ انتهت من عد

النقود ونظرت لسعود وأردفت: -ليش قاعد تناظرني؟ فز روح جيب ماء من البير وتحمم. البس ملابس من الجديدات وإكشخ على الأخير وتطيب بالعطر اللي جايباه لك من الحضر اللي يشبه عطور رابح وسالم وعقاب. واطلع مر بين الشباب واجلس بمجالس الشيوخ وتكلم وقول رأيك بأي موضوع حتى لو ما حد طلب رأيك. واعمل حسابك اليوم ماشيين للحضر نجيب أغراض ونتونس شوي. -تم ياخوله، الحين بقوم. -سعود انتظر. -إيش في؟

-أريد أقول لك شيء. أنا حبلى. اليوم مشيت للقابلة جنديه وأكدت لي الخبر. ضحك سعود وقفز بجوارها وبفرحة سألها: -تحكي الصدق ياخوله؟ يعني أنا راح نصير أب وأنتِ أم؟ -أي ياسعود، ومن اليوم أريد وليدي يجي عالدنيا ملك، ما ناقصه شيء. يفتخر بأبوه وأمه. أريد اللي يشوفه ما يصدق إن هذا ولد سعود الأجرب وخوله المهبولة. أريد وقت حد يجيب طاري أمه وأبوه يقول زمان كانوا شيء والآن صاروا شيء ثاني. فاهم علي ياسعود؟

-أي ياخوله فاهم عليك، وما تشيلي هم. أنا من اليوم اللي تزوجنا فيه تغيرت وحياتي كلها تغيرت بفضلك. صدق بالبداية كنت ناقم على حظي، بس بعد عشرتك وشوفتي للي تسوينه عرفت إن امتلكت من الحظوظ أوفرها وأجملها. أنتِ أجمل هدية جاد بها زماني علي ياخوله.

أنهى كلماته وخرج مسرعاً ينفذ ما طلبته منه، وظلت هي تراقب اختفاءه مبتسمة. فهذا هو جل ما أرادته يوماً. شخص يراها كبيرة ومهمة وينظر إلى ما تفعله بعين الامتنان. شخص يعطيها المجال كي تفعل ما تريد بالطريقة التي تريدها ويساندها دون شروط أو قيود. وهذا الشخص هو سعود، الذي أقسمت بأنها سوف ترفعه لأعلى المنازل ما دامت حية ترزق. أما عند رجوه، ذهبت لخيمة عوالي بعد أن هدأت قليلاً لترى ماذا تريد منها هي الأخرى. -عمتي أنا رجوه.

-فوتي يارجوه.. تعي اجلسي هين حدي. تلفتت رجوه حولها ووجدت مايزه جالسة تغزل بهدوء فسألتها عوالي: -على إيش تدورين؟ -أدور وين السكين والجمر. -لا ماتخافي مافي كي اليوم. أنا بس كنت حابة أحكي معك كم كلمة. جلست رجوه وهي تعلم تقريباً ما هو نوع الكلام الذي ستقوله. -يا رجوه أنا أريدك أسألك أنتِ إيش تريدين من سالم الحين؟ -ما أريد منه شيء ياعمتي. -ومطاردتك له وعدوانك على مرته؟

-كل شيء من اليوم كف، وسالم ما عدت أعترض له طريق لا هو ولا مرته. نظرت لها عوالي بغرابة، فمن هذه التي تتحدث بكل هذا العقل والهدوء، وسألتها مستوضحة: -إيش بيك يارجوه؟ تحاولين تضحكين على عقلي بالمهاودة ولا إيش؟

-حاشاك ياعمتي، أنا ما أضحك ولا شيء. أنا كل القصة إني عرفت سالم ما عاد يريده وانه مرتاح بحياته وباله هاني. وأنا تعبت. تعبت من المطاردات وإني أدور المحبة دوارة وأستجديها. سالم ضاع مني وأنا ما عاد بي حيل أدور ضايعين. من اليوم ياعمتي هو له حياته وأنا لي الله. -يعني إذا جاك عريس راح توافقين؟ -لا ماراح أوافق، وماراح أتزوج من الأساس. أنا ما أريد أظلم رجل معي وأعذبه وأنا قلبي مع سالم وراح يضل. وهنا خرجت مايزه عن صمتها

وأردفت وهي تنظر للمغزل: -ماراح تقدري وما أبشع الوحدة وما أطول ليل العازب بدون ونيس. أنتِ الحين صغيرة ماتدرين شيء. الاحتياج قتال يابنيتي وأنين الروح بنص الليل طنان. -بس أنتِ تحملتي وعمتي عوالي بعد تحملت وليكم باقيين بدون زواج ما أحلاكم. وأنا أريد أكمل عمري متلكم على نهجكم. بلا محبة بلا وجيع راس، عقلي خالي وروحي هانية وحياتي لي. تنهدت عوالي وردت عليها: -ومن قال لك إن قلوبنا خالية وراسنا ما فيها وجيع؟

أنتِ إيش تعرفينه عني يارجوه وعن ماضي؟ -أعرف أنكِ ما تزوجتي ورفضتي كل اللي طلبك للزواج.

-نص كلامك صحيح والنص مغلوط. أنا صدق كنت أرفض كل اللي يطلبني، بس أنا تزوجت يارجوه. انعقد عقدي على ولد عمي. مهيوب. هذا يكون عم أبوك وأخو جد سالم. كان زينة شباب القبيلة ويشبه سالم صورة وصوت. ولهيك سويلم له بقلبي مخزون محبة ماينتهي. لأني كل ما أشوفه أتذكر الغايب. يشبهه حتى بالطباع وشايل نفس الحِن وكان يحبني بنفس الطريقة اللي يحبك بها سالم.

بس الفرق بيني وبينك إنّي عشقته وعشت معه مشاعر وااااجد جميلة. كل القبيلة كانت تعرف إن عوالي لمهيوب ومهيوب لعوالي. ويوم عقدنا كانه العيد بذاته. فرحتنا لو اتوزعت عالقبائل تكفيها. لكن للأسف ثاني يوم من العقد طلع مع وليدات عمه ومن ضمنهم منصور خوي يوزعون شحنة سلاح، وتم عليهم سطو وهجوم وراح بيه مهيوب وكم واحد من شباب القبيلة معاه. ومن ضمنهم ماهر زوج مايزه اللي فاتها حبلى وبحشاها ولد تيتم قبل ما يكتمل.

شهرين ومن الحزن طاح الوليد وخسرته مثل ما خسرت زوجها. ومن يومها جمعنا الحظ العاثر ولمنا عليها النصيب. أنا عاهدت روحي إن ما في رجال بعد مهيوب يلمسني ويذوق اللي شوقي ما ذاقه ومات محرومة. وهي حلفت من بعد زوجها ما عاد تتزوج، وباعت مايزه خيمتها وجت عاشت معي ومن يومها للحين أنا وهي والزمان يكرب علينا.

لهيك يارجوه كنت أكويك بالنار وأنا أشوف أفعالك بسالم اللي ما يستاهلها. يوم حطيتيله التين بسرواله حسّيته وليدي الجاي من حشاي وأنتِ سويتي به هيك، وغيرها من أفعالك الشينة أعرفها ويفور قلبي منك. كنت أريد أفيقك وأصحيك قبل ما يفوت الأوان وتخسرين سالم، بس حسافة ما نفع فيك لا كي ولا تقطيع واللي براسك تم، وضاع منك سالم. -إيش أسوي بروحي يعني؟

هذا حظي وهذا اللي يسويه. أنا ماشية ياعمتي لخيمتي، بجيب أغراضي وأجي أعيش هين معكم. أخدمكم وأتعلم منكم الصبر. -وغير الصبر راح أعلمك واجد أشياء مادامك اخترتي طريقك وقافلة عليه. من اليوم راح أعرفك على كل الأعشاب وأعلمك كل وصفة وأيش مقدارها وأيش تداوي. أنتِ اخترتي تتركي العالم ولزوم تلهي روحك بشيء ذات نفع.

والغزل مايزه راح تعلمه لك، والحضر بأخذك معي بكل روحه وأعرفك كل شيء من وين ينجاب واللي عندنا من صوف مغزول واجبان وألبان لمن ينباع. ابتسمت رجوه وغادرت الخيمة وهي عازمة على ما قررته، فلا سالم بعد الآن ولا محبة ولن تجعل لقلبها أية سطوة على عقلها من اليوم. فنظرت مزيونه للشيخة عوالي وقالت لها معاتبة: -راح تتركيها تتخبط زايد ياشيخة وفوق خساراتها تخسر عمرها وأحلى سنينه؟ راح تخليها تصير متلي ومتلك وتجرب الحرمان؟

-أشوف اعتراضك ندم على قرارك بالوفا يامايزه؟ -إيه ندم ياشيخة وكل الندم والله. كنت غالطة وقت ربطت الوفا بالوحدة. إيش كان صار لو إني تزوجت وجبت وليدات أفرح بهم وأفرح لهم ومعهم؟ إيش كان صار لو تزوجت رجال يشيل همي ويخفف عني طول الأيام، والبقلب كان ضل بالقلب، مكانه مصان وطيفه كل ما يزورني أدعيله وأترحم عليه. حاسس بي هو الحين إذا أنا باقية على ذكراه ولا لا، ولا لاهي بحاله وبخوفه من يوم الحساب؟

-لا يامايزه غلطة الميت يحس. يحس ويفرح ويزعل مع أحبابه. قولي إنك راجعتي روحك وعرفتي إنه ما كان يستاهل الوفا وبس هيك. و للأسف راجعتي روحك بعد فوات الأوان. -أدري فات الأوان، ومن هيك ما أريد رجوه تندم ندمي بعد ما يفوت الأوان عليها. ما أريد أوان فرحتها يفوت وتجلس تتحسر عليه وهي تغزل صوف.

رجوه غير عنك. رجوه لو بيوم حست إنها بحاجة زواج راح تعلنها وتطلبها وما تبالي. بس مشكلتها الحين إنها رهنت كل سعادتها بسالم وسالم تخلى وزهد. ووقت سالم يحن ويتراجع رجوه راح تعيش. غير هيك رجوه دمها من دمي، وبالشوق يابلا. صمتت مايزه وعادت للغزل وهي تسترجع سنواتها الضائعة. وكلما زاد الندم زادت حركة يديها وأسرعت بالغزل حتى نبهتها عوالي قائلة:

-يامعودة المغزل راح يشقق أصابعك هوني على روحك شوي. كان قدامك منصور خوي ولمحت لك واااجد بس أنتِ ما تحركتي. إيش نسوي الحين؟ أنتِ كبرتي وما عدتي تصلحين للزواج. اصبري أدز لك على كل شيخات القبائل أسألهم إذا شايب ماتت مرته ويريد يعرس فوقها وأجيبه لك.

-ولا تجيبي ولا تدزي. إذا ما سويتها بشبابي أسويها الحين. أنا ما أريد زواج ولا هم. أنا بس ما حابة المسكينة رجوه تشرب من إبريقي أنا وأنتِ وتترك العالم وتيجي تعيش بخيمة العوانس هي. -والله يامايزه هذا قدر ومكتوب، والمكتوب لها راح تشوفه غصب عني وعنك وعنها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...