في صباح يوم جديد يحمل في طياته الكثير من البهجة لمن تم وصالهم بالأمس. لاحت خطوط الصباح الأولى وتلونت ظلمة الليل التي لم يشعر بها لا رابح ولا معزوزة وهم غارقون في بحور السعادة، ذائبين كمعدنين انصهرا وإمتزجا ليتحدا في قالب واحد. فتح رابح عيناه المغلقة دون نعاس على حركتها وضمها إليه كطفل يخاف إبتعاد لعبته الجديدة عن أحضانه. سألها بهمس وهو يقترب من وجهها أكثر: "وين رايحة؟ ليش تتسربين من أحذاي؟ ودك تتركيني؟
تبسمت وهي تحبس خصلة شعرها المتمردة خلف أذنها وردت عليه هامسة بخجل: "صباح الخير يا كل خيري. ودي نقوم نتحمم ونجهز لك فطور يليق بحبيب الروح وفرحة القلب."
"يا صباح السعادة يا نبض قلبي وشمس نهاري وقمر ليلي. يا حبيبي إذا على الحمام أنا بروحي أساعدك، لكن إذا على الأكل فأنت اليوم عريس ويدك ما تنحط بأكل ولا شي لمدة أسبوع من اليوم. ولليوم السابع دلال وراحة يا معزوزتي ما بعدها دلال. إياكي تطلعين من الخيمة لأي سبب من الأسباب ولا حتى تسوي لي أنا شي. أمي وخواتي هن اللي راح يسون كل شي وأنا وأنتي ما علينا غير نبقى بأحضان بعض."
تبسمت معزوزة وهي تعود للتمدد بجواره وتنظر إليه بسعادة، وتتجول في ملامحه بعيونها وهي تحمد الله على كل هذه النعم التي تغمرها، بدءًا من رابح ومحبته وما يفعله لأجلها، والذي لم يفعله رجل في جميع القبائل على مر العصور سوى عنترة وما فعله لأجل عبلة. وها هو رابح يعيد الأفاعيل مع اختلاف الأسلوب ولكن بنفس مقدار الحب.
أما عقاب فقد حظي بليلة مليئة بالأحداث، تنقل فيها من مجلس الشباب لمجلس الشيوخ. وبعدها حظي بفرصة أخرى للجلوس مع حيتة ومحادثتها، تلك الطفلة الناضجة التي تمتلك قلبًا صغيرًا وعقلًا يعادل الكون، ومع كل حديث معها يكتشف مدى نضجه.
أما كارمن فكان يوليها بعض الاهتمام من وقت لآخر، ويخصها بسؤال أو بشرح شيء عابر وتعريفها عليه. وكان هذا كافيًا منه بالنسبة لها، فقد كانت تقفز هنا وهناك في القبيلة وبين الخيام وعند منطقة الحيوانات والبئر لتكتشف كل شيء بنفسها. أما رجوة فقد كانت تراقب من بعيد، وتأكدت من أن آدم نظرته للحياة ليست خالية بالمرة وأن هناك شيء ولد وسيخلق في قلبه لها. وأقسمت أن تبذل قصارى جهدها لتجهضه قبل اكتماله.
وكما كانت تراقب، كانت تراقب وبنفس التركيز. ومن يراقبها خرج بنفس الاستنتاج عنها وعن آدم. ولم يكن سوى سالم، ذلك الذي طعنته نظراتها لرفيقه وأخيه كطعنة السيف حين يغمد في القلب على حين غرة. فقد تأكد من أنها عاشقة لآدم للدرجة التي جعلتها تقف محترقة وهي تراه يحادث الفتيات، وما الغيرة إلا دليل الحب الأكبر والأوضح والذي لا يقبل الجدال أو التشكيك.
كانت ليلة حافلة بالمشاعر الجياشة من حب وغيره، وظفر بعد طول انتظار وراحة بعد تعب طويل، وأيضًا جرح غائر في قلب أحدهم. انتهت وتبدل الظلام بنور الصباح، وقام الجميع على أعمالهم. عوالي ذهبت مع مكاسب لخيمة رابح كي يتقصوا الأمور، أما البقية فعادوا لأعمالهم اليومية. ومايزه أخذت تتنقل من خيمة لخيمة ومن جوار امرأة لأخرى كي تتفقد أحوال القبيلة وأهلها وتلم بكل ما فاتها طوال فترة غيابها.
انطلقت الهلاهل من فم مكاسب وتبعتها العشرات من أفواه باقي نساء القبيلة معلنين عن اكتمال فرحة رابح ومعزوزة. أما قصير فأطلق أول عيار ناري في الهواء معلنًا عن رفعة رأسه، ومن بعده انطلق وابل الأعيرة يجامل ويشارك. وهكذا صمتت القبيلة كلها بالفرحة لمعزوزة ورابحها.
وبعد إعداد طعام الإفطار، انطلق آدم مع حياة وكارمن وسالم ومدحت بسيارة آدم ليأخذ الفتيات ومدحت في جولة بالصحراء ويريهم الحياة في البرية كيف تكون. وأخبرهم بأن يومهم سيكون مختلفًا عن أي يوم قضوه في أي مكان. وذهب معه الجميع يملأهم الحماس وقلوبهم تشعر بالإثارة.
وقد كانت رحلة فريدة من نوعها بالنسبة لهم. رأوا آدم وهو يصطاد وسالم يشاركه الصيد وإعداد الغنائم للشوي. ولكن ليس هذا ما أثار دهشتهم، ولكن تلك النمرة التي تبدو كمحاربة أتت من عصر الأساطير، حيث كانت تقنص وتصوب وتسدد وتردي من أول تصويبة. وتمكنها من ذلك وهي على ظهر الخيل جعل منظرها شهيًا لذلك الذي كان يراقبها مشدودًا بما يراه للمرة الأولى طوال حياته. وكيف لفتاة أن تكون بهذه القوة والمهارة والثبات. ولكن كحال الجميع، لم يخفَ عليه اختلاسها النظرات لآدم بين الحين والآخر، وفهم أن هناك شيئًا ما بداخلها له. فاكتفى بشعور الانبهار والإعجاب، وإلا لكان رف قلبه على هذا النوع الجديد من الفتيات.
أما آدم فكانت عيناه طوال الوقت يراقبان تلك الهادئة الجميلة المتحكمة في كل ردة فعل وفي كل التفاتة، وكأنها تلتفت وتبتسم وتتحدث بمقدار معلوم لا تزيد عليه. بعكس كارمن التي لم تكف عن الثرثرة لحظة واحدة وتتنقل هنا وهناك، كانت مفعمة بالحيوية والنشاط بشكل مفرط أصاب آدم بالضجر، فهو هادئ يعشق الهدوء. وكم رآها تشبه رجوة حتى في حديثها المنقطع، وهذا ما جعله ينفر منها ويحاول الفرار بعيدًا عنها.
أما سالم فقد كان يراقب الوضع من بعيد. وحين انقشعت الغمامة عن عينيه بالكامل، رأى كم أن رجوته مولعة بآدم، وكيف تنظر له بتمني واشتهاء، ويتوقف بها الزمن وأبصارها شاخصة عليه، وكأنه أمنية بعيدة تناجي الله بقلبها في كل لحظة أن تتحقق.
انقضى النهار وعاد الجميع إلى البادية. آدم مشغول الفكر بتلك التي تغزوه شيئًا فشيئًا، وأيضًا بالتخطيط لانتقامه الأكبر ولضربته القاضية. من أين يبدأها وكيف سيسددها، وغير ذلك كيف يستغل كارمن في تحقيق غايته. وبالرغم من أن قلبه يخبره بأن لا ذنب لها فيما اقترفه والداها وأن جرمهم لا ناقة لها فيه ولا بعير، إلا أن عقله يهب معارضًا ويذكره بأنه هو أيضًا لم يكن له يد في أحقاد عمه ولا ذنب وأخيه الذي توارى جسده تحت التراب واندثر اسمه من الدنيا. لم يكن له أي ذنب، وأن الأبناء هي من تدفع ضريبة أفعال والديها، كما يدفع البعض ضريبة أن يكون لوالده أعداء.
قرر هذه الليلة أن يتقرب من كارمن أكثر ويحاول أن يعرف منها بطريقته كل ما خفي عنه من والديها وأخواتها، فهم بالطبع لن يتوخوا الحذر في الحديث أمامها. هو يريد أن يمسك طرفًا لخيط الانتقام فقط، وهذا الخيط مع كارمن ابنة عمه لا غيرها. وبالفعل حين أتى الليل تسلل آدم لخلف الخيام وراسل كارمن لتلحقه، وهي فعلت على الفور وأخذها بعيدًا تحت أشجار النخيل وجلس معها ليستجوبها بطريقة تشبه الغزل واختلاق أحاديث عابثة حين ينفذ الكلام.
واستطاع بالفعل بفراسته أن يأخذ منها ما أراد. فقد عرف خطط عمه وأبنائه المستقبلية، وعرف المشروع الجديد الذي سيدخله ياسين برأس مال ضخم، تقريبًا بكل ما يمتلكه هو وأبيه، والذي ستبدأ منه أولى ضربات العقاب وتقبض مخالبه على رقاب الجميع. وكالعادة كانت تقف بعيدًا تلك النسرة الغاضبة تراقبه وتتعجب من حاله. فهو كل يوم يغازل فتاة مختلفة وينفرد بها، وهذه الصفة لم تكن يومًا طباعه ولا أخلاقه. فما الذي غيره؟
وإن كان بدأ يلاطف الفتيات، فأين هي من ذلك؟ وهي لا ينقصها شيء، بل أنها تزيد عنهم جمالًا وأصلًا طيبًا. فلم لم ينتبه لها العقاب وحلق فوق أرض غير أرضها.
انتهت أحاديث آدم الظافرة وطلب من كارمن المغادرة خلسة حتى لا يراهم أحد ويبدأ الشك في سكن القلوب. فأطاعته كارمن وغادرت وهي تشعر بأن الفراشات تحوم أمام عينيها. وهذة سابقة لم تحدث لخروج الفراشات ليلاً، ولكن فراشات الحب ليس لها مواعيد ثابتة، فهي تحضر عند حضور الحبيب وترفرف بأجنحتها مع أحاديثه.
وفور مغادرتها هم آدم بالمغادرة هو أيضًا. ولكن بعد خطوتين ابتعادهما توقف حين فوجئ بمن يعترض طريقه. فرفع عينيه ليراها تقف أمامه والڠضب يملأ عينيها المتلألأة تحت ضوء القمر المنعكس من خلالهم. فسألها بعد أن قطب حاجبيه: "رجوة! ويش فيك؟ ليش جاية هنا بهالوقت؟ وليش هكي شكلك كيف اللي أخذ الهوا خيمتها وطير أغراضها؟ لترد عليه بنبرة ڠضب: "عقاب بص لي وقولي بصراحة أنا سمحة ولا مو سمحة؟ زاد استغرابه وقطب حاجبيه أكثر وهو يرد عليها:
"ويش هاد السؤال يا رجوة؟ جنيتي انتي ولا محمومة؟ "ما عليك اعتبرني قليلة عقل وخذني ع قد عقلي وجاوبني بس ع هاد السؤال." زفر بقلة حيلة ورد عليها بنفاذ صبر: "أي سمحة يا رجوة وسماحتك حيل كثيرة وواجد كبيرة.. والحين جاوبتك يلا احكي لي ويش ورا سؤالك هادا؟ "سؤالي هادا وراه سؤال ثاني إنو إذا أنا سمحة واجد متل ما تقول، ليش ما شايفني بعيونك يا عقاب؟ ليش تعمل حالك غشيم ما تفهم؟
وأنت اللي تلمح الكلمة بس تجول بالعقل وما تنتظر لتطلع على اللسان وتخرج للعالم. عارفك حاسس باللي فيا ومتأكد إن القلب مايل لك وما في غيرك تمكن منه." إحتقنت ملامحه ليقاطعها پغضب: "وقفي وقفي يا رجوة! أنت مريضة ولا إيش بيكي؟ أكيد أنت مريضة لأنك تهزين أي قلب هاد الميال إليك؟ ليش أنت ماتعرفين إن قلبك وكل ما فيك مملوك لسالم؟ نسيتي إنك مرهونة ولا إيش؟
"لا مانسيت. وما راح نتمم شي انعمل رغم عني وبلا شوري. ما راح نتزوج واحد من وأنا طفلة ما تعرف للدنيا شكل ولا لون. رهني وما همه أنا رايدته ولا لأ. ما راح نتزوج سالم يا عقاب." "تعرفي يا رجوة والله إذا سالم ما يزعل عليكي كنت ربطتك بحجر ورميتك بالبير القديم وما عرفت حدا طريقك. بس اللي منعني نسويها سالم. سالم اللي من يوم يومه يمنع عنك كل شر وما شفتي منه غير كل محبة وخير."
"عقاب لا تذكرني باللي قدمه لي سالم لأنه كان يسويه ليتزوجني مو لاجل سواد عيني ولا محبة بيا. كان يسويه طمع بيا. كان يدفع ليملك." "وهو إذا ما يحبك ليش ليريد يتزوجك؟ يعني إذا على الجمال فيه الأجمل منك. وإذا على العقل أنت بسوق العاقلين بضاعة بايرة. وإذا على الدلال أنت ماتعرفين غير النق والمشاكل. فيكي تحكي لي ليش هو متمسك فيك إذا ما يحبك؟ ليش يتحمل منك كل اللي تسوينه فيه إذا ما ساكنه بقلبه؟
بس يا خسارة يا رجوة طلعتي نكارة محبة ونكارة خير." "أنا ما أنكرت خير يا عقاب، بس أنا ودي أرد له الخير بخير والزين بزين متله. ما أرد له زينه بأني أصير أسيرته لآخر العمر. أنا ودي نتحرر من سالم لأن قلبي هواك، والقلب ما عليه سلطان. وأنت إذا تحب سالم ما تخليه يتزوجني لأن حياته قبل حياتي راح تدمر."
طأطأ رأسه ونفضها ليحاول استيعاب ما تتفوه به تلك الحمقاء. ثم رفع رأسه ونظر إليها بعينين يشعان ڠضب ورد عليها بكلمات مختصرة قبل أن يترك لها المكان مغادرًا: "يا خسارتك يا سالم يا أخوي وخسارة عمرك اللي فنيته وأنت تزرع محبة بأرض بور مالحة ما تطرح. غير المر. يا خسارة عشقك لناس مثل ذرات التراب تطير من أقل هبة هوا وتغادر لأرض ثانية." راقبته وهو يبتعد عنها. وأغمضت عينيها وهي تحاول أن تبتلع الغصة التي تركها لها قبل أن يغادر.
أما الذي تبعها خلسة واختبئ خلف شجرة النخيل القريبة وتمكن من سماع كل شيء، فلم يستطع ابتلاع غصته. فقد كانت أكبر من أن يبتلعها. بل وقف مكانه مختنقًا بها وهو يحاول إدراك أن كل شيء انتهى وأن شكوكه كلها قد تأكدت الآن وأن ابنة قلبه عاشقة لأخيه. وبدأت كلمات جده منصور تعاد على مسامعه الآن وكأنه قالها ردًا على هذا الموقف وهذه اللحظة، وكأنه حين أخبره بتلك الكلمات كان عائدًا للتوا من هنا من هذه اللحظة ومن خلف شجرة النخيل وسمع كل شيء وعرف ما يحدث.
فعاد إلى خيمته وهو يجرجر أذيال خيبة قلبه ويتحسر على سنوات عمره التي ضاعت وهو يبني قصرًا في الهواء وأسكن فيه طيفًا. ومع هبوب الرياح تلاشى القصر واختفى الطيف. انقضى الليل والبعض ينعم بالسعادة والبعض الآخر يتقلب على نار الجمر. إعادة للحسابات تتم وقرارات تؤخذ وصراعات داخلية تتم. بين الممكن واللاممكن، بين الواقع والخيال الذي تدمر كليًا، بين حب وشعور بالانكسار يهزم الروح ألف هزيمة في الثانية الواحدة.
وفي صباح اليوم التالي كانت جميع القرارات محسومة. استعداد آدم وأهله للمغادرة وقهر رجوة التي سيغيب العقاب عن عينيها ويغادر مع بومتين على حد وصفها. وبين قرار سالم بالابتعاد والاحتفاظ بما تبقى لديه من كرامة. وبين قرار آدم بأنه سيبتعد عن طريق كارمن ابنة عمه ويتركها وشأنها ويجهض محبتها له قبل أن تكتمل. وهذا القرار أخذه بعد ليلة طويلة من الأحلام كانت حياة بطلتهم جميعًا.
وفور أن نظر إليها في الصباح رف قلبه بطريقة لم يختبرها من قبل قط. فوضع يده على قلبه الذي خانه وتعلق بمن لا تصلح له زوجة بأي شكل من الأشكال. ليس لعيب فيها، إنما العيب كل العيب في أمها. وأحيانًا لا نستطيع الوصول للزهور ما دامت تنمو في المستنقعات خوفًا على أنفسنا من أذى محيط بالزهور. ولكن حتمًا للأقدار دائمًا رأي آخر وتدابير أخرى.
بدأت الأيام تمر يومًا تلو الآخر. رابح ومعزوزة في أوج سعادتهما بعد أن توج صبرهم بالجمعة التي روت القلوب. آدم عاد يباشر عمله ويخطط لافتتاح شركة جديدة في نفس مجال الشركة التي يخطط ياسين لإنشائها، بعد أن عطل له جميع الإجراءات بنفوذه وأجل له كل شيء ليأخذ هو الأسبقية في كل شيء. وخاصة أنه مشروع مربح ودراسة جدواه تضمن له ربح مائه بالمائه.
وفي ظل انشغاله بالعمل لم ينسَ أن يهدئ قلبه الذي بات يفتعل الثورات ليليًا ولا يكف عن المظاهرات إلا بعد أن يستمع لصوتها وتدور بينهم أحاديث طويلة تجعله يتعلق بها في كل مرة أكثر من السابق.
أما يحيي وفريال زوجته فبات التخطيط للتخلص من آدم هو شغلهم الشاغل ووضع الخطط هي لعبتهم اليومية. ولكن اعتراضات ياسين المستمرة على الطريقة والأساليب هو من كان يمنعهم. أما مدحت فقد كان يعترض هو أيضًا، ولكن اعتراضه كان على أذى آدم من الأساس. فهو يرى أنه لم يفعل شيئًا يستحق عليه الموت. ولا عمه وزوجته فعلوا. وبدأ يرى أبواه مسخين تجردا من آدميتهم كليًا، وخاصة وهو يرى معاملة زوجة عمه وعمه له ولأخته بكل لين وحب، وهم من تليق بهم القسوة بعد كل ما رأوه. ولكنهم أعطوه درسًا بأن القلوب النقية لا تتغير حتى وإن تعرضت لأبشع الصدمات.
وبناء عليه ابتعد عن كل هذا وأخلى مسؤولية ضميره عن كل ما سيحدث بعد أن جاهد مع أبويه كثيرًا وحذرهم بأنه سيقف لهم بنفسه ويسلمهم لعدالة الأرض قبل عدالة السماء إن قاموا بإيذاء ابن عمه.
اختطف آدم يومًا من براثن الانشغال بعد أن فاض بقلبه الحنين للبادية ولأهله هناك لأصحابه ورفاق سنوات عمره. وذهب إليهم ليطمئن ويتمم صفقات الأسلحة التي طلبها منه قصير ويلتقي بسالم على وجه الخصوص. ذلك الذي تغير معه في الفترة الأخيرة وابتعد عنه بشكل مفاجئ وغير مسبوق. ولكن آدم يعلم السر جيدًا وقرر وضع جميع النقاط على الحروف. فهذا أخوه الذي خرج من الدنيا به وليس له سواه.
وفور وصوله للقبيلة وبعد السلام والاطمئنان على الجميع، أخبر سالم ورجوة بأنه يريدهم في الوادي لرحلة صيد. ورافقه رابح الذي قرر قطع شهر عسله خصيصًا ليشاركهم الجمعة.
وهناك تحدث آدم أمام الجميع بأنه بدأ يحب حياة وأن الزواج بها هي خطته المستقبلية. وإن لم تكن حياة فلا سواها امرأة ستدخل حياته. كانت كلماته قاطعة وماضية كالسيف. ولم يخفَ على سالم بأنه يقول هذا من أجل أن يقطع طريق المحبة على قلب رجوة له. وحتى رابح الذي أسرته معزوزة بما يحدث مع أختها فهموا هذا الشيء. والجميع نظر لرجوة ليروا ردة فعلها على كلام عقاب. فما كان منها إلا أن رفعت يدها بالقوس وعمرتها بسهم وصوبت نحو قلب آدم.
وملامحها تحولت كليًا. وما أن فعلت ذلك حتى فزع سالم ورابح. ولكن آدم حافظ على ثباته ولم يرف له جفن وركز على عينيها بعينين تنطق تحديًا وإصرارًا على كل حرف قاله. وبعد دقائق على هذا الوضع أطلقت رجوة السهم، ولكن بعد أن انحرفت في أقل من ثانية لتسدد السهم لرأس أرنب مسكين كل ذنبه أنه أطل من جحره برأسه ليكتشف ماذا يحدث بالخارج.
نظر الجميع نحو موضع استقرار السهم ومن ثم نظروا إليها وراقبوا امتناطها للحصان ومغادرتها سريعًا كمن يفر من سهام العدو بعد أن استقر أحدها في قلبه ويحاول النجاة بحياته.
نظر سالم لآدم وتبسم له كي يخبره بأنه يعلم ما هو عليه وليؤكد له ثقته فيه. وحتى رابح تبسم له واقترب الاثنان منه وطوقا عنقه بذراعيهم وأخذوا يتمشون في الوادي ويتجاذبون أطراف الحديث عما يفعله آدم مع عمه في بلدته الجديدة، متجاهلين كل شيء وكأن رجوة ومحبتها آخر همومهم.
انقضى النهار وعاد الثلاثة وحل الليل. وبمجرد أن تلونت الصحراء بالظلام وأنتصف الليل خرجت رجوة باحثة عنه ذلك الذي ألقى عليها قنبلة فتتت قلبه وجعلته يتناثر. وما أن رأته جالسًا عند البئر ممسكًا بجواله ويتصفح فيه فأقتربت منه وأردفت بصوت يختنق من الحزن: "قلت لي صرت غاوي وتحب ها؟ أغلق هاتفه وأعاده لجيبه وجاوبها دون النظر إليها: "أي قلت، وراح أقول مرة ثانية وعاشرة حتى تفهمي وتعقلي. أي أحب يا رجوة، أحب."
"رجوة طيب وأنا ويش أسوي بحالي؟ ما فكرت فيا وفي قلبي اللي هايم بيك؟ "عقاب بس أنا ما وعدتك بشي لتعاتبيني عليه. وغير هكي أنت مرهونة من صغرك. كيف قدرتي تتمعشقي وتحبي؟ وفوقها تعرضي روحك على راجل مرة واثنين وثلاث. أنت ليش ماتستحي؟ ولا على رأي من قال اللي إختشوا ماتوا! "أي إني مانستحي."
"خلاص قلعت توب الحيا لأن اللي تستحي ماتطول ولا تربح. وأنا ودي أربحك. وشاهد علي ربي إذا صرت مرتك لنحطك بين عيوني وبأعماق قلبي. وإذا عالزواج تزوج، ماراح نمنعك تزوجها وأنا خليني زوجة ثانية. ما طارت الدنيا. هنتظرك لحتى تشبع منها وتمل وتريد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!