الفصل 8 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن 8 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
22
كلمة
5,486
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

بعد ان سمعت سدينه ماسمعت من زوجها وضرتها وتأكدت انهم في خيمتها وعلى فراشها، خلعت نعليها ووضعتهما تحت ابطها وأخذت تجري كالمجذوبة. دخلت خيمة الشيخة عوالي دون استئذان، وبنبرة غاضبة ممزوجة بعبراتها صرخت عليها: -عمتااااااااااي ياعمتااااااي قومي شوفي ايش سوى في صقر الصحاري ومرتة خساااير قوووومي. انتفضت عوالي وهي تلتفت حولها عن صاحبة الصوت، وما أن وقعت عينها على سدينه، وضعت يدها على قلبها الذي كاد أن ينفجر من الرعب وهمست:

-الله لا يربحك، الله يقلبك أكثر ما أنتِ مقلوبة، فجعتيني يفجع درازك يا وطواط الليل.. يبعت لك حية بقرنين تلوشك ونفتك منك. مايزة جيبي لي مي ريقي جف وتشقق الله يشق هالسايبة نصفين. قامت مايزة التي استيقظت فزعة على صوت سدينه هي الأخرى، وأحضرت الماء لعوالي بعد أن شربت هي أولاً. وبعد أن شربت عوالي وهدأت، وسدينه كل هذا تبكي بصوتها العالي، صرخت بها: -أنطمري وقولي ايش جابك تو؟ ووين كنتي ياسايبة في هالليل؟

ارتعبت سدينة وتلعثمت في الكلام وهي تحاول إيجاد سبب قوي لخروجها في مثل هذا الوقت: -كنت شور خيمتي.. وانفجرت في البكاء أكثر. عوالي: -عليك ليلة سوداء يانا يا مصايبي ونوايبي.. يابنيتي هدي وقولي، حتى ماينفذ صبري ونقطع راسك اللي تقول راس ثور. سدينه مسحت دموعها وأكملت: -وين قربت من خيمتي سمعت صوت قصير وخساير في خيمتي وعلى فراشي وهنن..

يبوووو انريد حقاااااي ياشيخة، انحس بجمرة في تصهد في صدري وما راح تنطفي غير بعد اتجيبي لي حقي، بردي نار قلبي ياعميمتي، أنتِ عاقبتيني عقاب واعر وأنا تقبلته لأني غالطة، وتو وريني كيف تعاقبيهم. الشيخة عوالي: -ياعيبتك الكبيرة يابنت خوي الله ياخذك، والله مانك صغيرة يالمعتوهة. حصلت بيك تتسمعي على راجل ومرته؟ حتى لو كان راجلك، وحتى لو كان مع غير حليلته.. ماتعرفي إنه عيب وقلة حيا؟ وين تربيتي انت؟ بين الكلاب ولا بين الركاب؟

فهميني؟ كنك مو من أهل البدو وتعرفي عاداتنا وتقاليدنا وما تعرفي ايش خطاكِ من صوابك، فقدتي عقلك عالاخير. سدينة: -لا والله ماني قاصدة ياعمتي. أنا كنت ماشية شور خيمتي ناخد باقي ملابسي، وقبل نطلع من خيمة بوي خديت الإذن، ونا عارفة أن قصير اليوم بايت عند مكاسب في خيمتها وخيمتي فاضية مافيها والي. وأكملت ببكاء: -وياريتني مامشيت ياريت اقدامي تكسرن واذاني انصمن ولا مريت بهالوجيعة. عوالي:

-طيب روقي حالك وسلمي الأمر لله واتركيها علي وروحي ارقدي وغدوه لها حل. سدينه: -من وين يجي الرواااق من وين وييين. عوالي بغضب: -قلت لك انقلعي على خيمة أبوك وغدوه بحل كل شيء، غوري من وجهي الله ياخذك ماناقصني هبالك بنصاص الليالي.. تنقلعين ولا أقوم أقلع عيونك من محاجرهم؟ غادرت سدينه الخيمة وهي تزمجر بغضب، وعادت إلى خيمة أبوها وأمها، وبمجرد دخولها صرخت بصوتها العالي جعلت أباها وأمها وأخواتها، الجميع استيقظ وهو فزع.

وحين رأتهم ينظرون إليها رمت نعليها على الأرض وصرخت بهم: -قوموا ما حد راح ينام الليلة، الليلة كله يجلس أعلى حيله أحداد على روح كرامتي اللي دهستها خساير بنت مهدي أم عين واحدة.. قومن الطمن معي أعلى حالي.. خساير وقصير بايتين بخيمتي ونايمين بفرشتي.. قومن ولولوا معي وقولوا واااا. انهرها أبوها عمران قائلاً:

-واااك عليكِ وعلى أمك بساعة واحدة.. تعرفين.. من غدوه راح أعمل لك خيمة لحالك بعيد عني، تاخذي أمك وتبيتي فيها.. ولا أقولك.. راح أعمل خيمة وأتزوج فيها وأترك لكم الخيمة وأرتاح من أهبالك وأهبال أمك. صرخت زوجة عمران بعد أن سمعت كلماته: -ويش عملت أنا ويش ذنبي، حيّيه عليك يا غنيمة وعلى حظك الطايح.. والله إذا عملها أبوكِ وتزوج لأربطك بحجر ياسدينه وأرميكي بالبير القديم بجوف الليل واللي يسألني عنك أقول ماريتها.

أما في خيمة الشيخة عوالي بعد أن غادرت سدينه.. مايزة: -الله يكون بعونك ياشيختنا، بس أنا أقول إن سدينه كانت رايحة تتسمع على راجلها وضرتها ما كانت رايحة تاخذ ملابسها؛ ليش ما عندها ملابس في خيمة أبوها ولا مو قادرة تصبر للصبح؟ الشيخة عوالي: -بعرفها كذابة وكانت رايحة تتسمع ومو قصة ملابس أنا مو هبلة يامايزة، بس البنت ما زالت صغيرة ومطيورة والغيرة طيحت حظها.. بس كمان اللي سوته الكبيرة وزوجها أبو ربع عقل واعر يامايزة واعر.

في الصباح وبعد أن تأكدت الشيخة عوالي من أن كل فرد في القبيلة قام باشغاله وعاد إلى خيمته، أرسلت مايزة لكي تحضر لها مكاسب وترسل أحد الصبية لقصير يحضره لها قبل أن يهيم في الصحراء مع الأطفال وهي تعلم أنه لن يعود إلا في نهاية اليوم. جاء الاثنين إلى خيمتها، وبمجرد أن التقيا أمام الخيمة ازدرد كل منهما لعابه، وخاصة مكاسب التي تعلم مدى جرم فعلتها وأن عمتها عوالي إن اكتشفتها لن تمررها مرور الكرام.

ودخل الاثنين لا يعلمان السبب الحقيقي وراء الاستدعاء، ولكن الخوف حليفهم. قصير: -يسعد صباحك ياعمتي. عوالي: -الله لا صبحك ولا ربحك أنت وصباياك قليتوا راحتي وكدرتم تفكيري. تقدر تقول لي ليش سويت اللي سويته أمس، ماتعرف أنها عيبة كبيرة في حقك وفي حق بنت عمك؟ كيف تاخذ مرتك الأولى وتختلي بها في خيمة الثانية وترقد في فرشتها وتشوف ملابسها وتتعدى على كل شيء يخصها.. والله ما صارت من قبل!

لكن أنت نستعوض الله فيك الصبي كلن عقلك وتمكنن، وتميت كالجيعان اللي وين يلمح الأكل يطيح فيه حتى لو كان مسمم.. ونسيت الأصول وما عاد عندك فهم. قصير وهو منكث الرأس: -صح لسانك ياشيخة أنا مو عارف ليش هكي سويت وكيف عدت على عقلي. عوالي: -عارف ليش.. لأنك بعد تشوف الحرمة يصير عقلك في سروالك مو براسك ياسيد الرجال. ولجل الحقوق تعاود لأصحابها أنا حكمت أرد سدينة لخيمتك وهن الزوز يقعدن بخيمة وحدة.. اللي هي خيمة مكاسب مع البنات.

وبعد يتم شفاء سدينه تختلي بها في خيمة مكاسب وأعلى فراشها. ردت مكاسب معترضة: -لا ياعمتي.. عوالي: -عما يعميكِ صكري فمك ولا حرف يا كبيرة يا اللي ماتعرفي العيبة، ليش ماراضية بها لأنها واعرة وتوجع مو؟ اللي يوجع ينوجع يالكيادة. هذا حكمي وما نسمعش من حد أي اعتراض. ومن اليوم تباشري أنتِ وياها ملي المي من البير. قصير: -بس سدينه ما طاب دراعها ياشيخة؟! عوالي:

-تملا بذراع واحد، كل ما زاد الوجع زاد الخوف من الرجوع للأغلاط.. والحين خذ مرتك واغربوا عن وجهي الله لا وفقكم. غادرت مكاسب وهي تشعر بنيران تأججت في قلبها، فكيف لسدينه أن تنام في خيمتها وفي فراشها، ظنت أنها قد كسرت أنفها بفعلتها هذه ولم تضع في حسبانها قصاص عوالي منها وانقلاب السحر على الساحر.

أما قصير فذهب لخيمة سدينه وأخبرها من الخارج أن تذهب للشيخة عوالي لتخبرها بما تريد منها، وتركها وذهب قبل أن تخرج له، فهو يعلم أن سيل من نواح وعويل في انتظاره منها وهو لا ينقصه هذا. ذهبت سدينه للشيخة عوالي وأخبرتها بحكمها، وبرغم اعتراض سدينه على جزء من الحكم إلا أن باقي الحكم قد أثلج صدرها.. وغادرت الخيمة في اتجاه البئر تملأ الماء وهي لا تدري كيف ستسحب الماء وترفعه بيد واحدة؟!

وعند البئر اجتمعت مع سدينه، وتبادلا النظرات النارية دون أي كلام. ومكاسب كانت الأولى في سحب الماء وحملته وهمت بالمغادرة، ولكنها توقفت حين رأت محاولات سدينه الكثيرة المضنية في سحب الماء من البئر، فحدثت نفسها: -ايش بيك يا مكاسب هاذي بنت عمك ومكسورة.. رق قلبها وعادت لتعينها، فأنزلت دلوها، وسحبت الماء لسدينه ورفعت لها الدلو فوق رأسها وحملت خاصتها وغادرت سدينه دون أن تتفوه بكلمة شكر لمكاسب نظير مساعدتها. مايزة:

-يا حليله ياشيخة شوفي كيف الضراير صيرات يساعدن بعضهن، والله مكاسب قلبها خضر رجيج وحنونه. عوالي: -وسدينه بعد.. لكن صغر سنها وطيشها وغيرتها متحكمين بأفعالها، بس راح ياخدن على بعضهن ويسلمن بأنهن لازم يصيروا خوات، ما في مفر من أخوتهن. ما في بكل البادية ضراير صارت بينهم مجاتل وعرايك غير بالبدايه، وبعدها بتخمد النيران وتبرد القلوب وتبرا الجروح.. بس أنتِ خلي لي عينك عليهن واللي تبدأ بالغلط قولي لي عليها وأنا أقُص لسانها.

والحين قومي اجمعي لي كل الصبايا قول لهم الشيخة نازلة الحضر واللي ودها شيء تجي تقوله، واللي تنسى شيء ماتلوم غير روحها لأن النزلة الجاية بعد شهرين. مايزة: -بالله عليكِ ياشيخة تجيبي لي شالين وملابس داخلية ملابسي ذابن والبرد عم ينخر عظامي نخر. عوالي: -أبشري.. أنتِ جاية معي وكل اللي تريدينه جيبيه. وبعد أن جمعت مايزة طلبات جميع نساء البادية وأخبرت بها الشيخة.. عوالي: -يارب ما تكوني نسيت حد يامايزة. مايزة:

-لا ياشيخة ما غفلت عن فرد بالقبيلة إلا وأخذت طلباته.. وصمتت قليلاً تفكر ثم قالت: -أنقولك ياشيخة.. هالوليد الضيف مو واجب نسأله، بلكي خاطره في شيء؟ الحريم كل وحدة طلبت حاجيات عيالها لكن هو قليبي أمه غايبة عنه. عوالي: -الباين فيك خرفتي.. ضيف الشيخ منصور ما ينهمل ولا يحتاج شيء في حضرة الشيخ واكيد طلباته مجابة قبل ما يفكر فيها.. لكن من ياللي ضروري أنه يحس أن هنا فيه حِن كيف ما في قسوة. ابعتي جيبيه لي.

خرجت مايزة تبحث عن الصغير، فرأت سالم يحمل صحن به لبن رايب ورغيفين من الخبز. فسألته عن آدم فأخبرها بأنه يجلس بجوار الشواهي وأنه ذاهب ليأكل معه، فقالت له: -بعد ما تأكلون أحضره وتعال لخيمة الشيخة عوالي. فرح سالم فهو يحب جدته عوالي كثيراً. فذهب وتنادل الطعام مع آدم وبعدها أحضره لخيمة الجدة عوالي. وما أن رأته حتى حن قلبها له وكأنه من دمها!

فتقدم سالم وقبل يدها ورأسها وهي قبلت رأسه، وسألته عن حاله وأخبرته ماذا يريد من الحضر، فقال لها أنه يجمع النقود ليشتري حصاناً خاصاً به. وأقبلت على آدم: -كيف حالك يا وليدي تعال سلم علي.. أقبل آدم وهو متردد ولكن سالم حثه على أن يقبل يدها ورأسها. ولكن الشيخة عوالي احتضنته وقالت له: -اطمئن يا وليدي مانك لحالك هنا، ووين ما تكون دير أهل وإخوان.. والخير معاك خليك خير منه والطيب معاك خليك أطيب منه،

واللي يقسى عليك اعفس عليه بأقدامك.. الحن بالحن والقسوة بالقسوة.. وأنا هيني متل أمك فيك تخبرني اللي تخشى تخبر به أي حدا ولا تخاف سرك ببير وما حدا بيعرفه واللي تاتمني عليه يندفن جوات صدري لحين أندفن به تحت الأرض. نظر لها آدم وأومأ برأسه أنه فهم. وبعدها سألته: -تريد شيء من الحضر؟

فأجاب برأسه لا، فانهت حديثها معهم وأعطتهم حلوى من التي تخبئها دائماً لتكافئ بها الأطفال المطيعين، ففرحا بها وذهبا، وأخذ سالم يريها لسائر الأولاد وهو متباهي، فهذه الحلوى في نظر الجميع كالنيشان الذي يأخذه الأبطال ولا يتحصل عليها أي كان.

مر شهر على هذا الحال، سدينه ومكاسب بخيمة واحدة، وآدم من تدريب لتدريب حتى شعر قصير بأنه ما عاد يحتاج شيئاً آخر، وأنه الآن أصبح جاهزاً لمواجهة أي أذى والتغلب عليه.. ولكن يبقى الجانب الآخر لثقله، والذي أجله قصير لبعد أن يعلمه فنون البقاء، وحان الآن وقت تفتيح عقله لحياة الحضر وتجهيزه لإدارة شركته، وهذا له خطة أخرى قد حان وقتها.

أما سدينه فقد طابت كلياً، ومن إقامتها مع سدينه في خيمتها بدأت نار الغيرة تهدأ قليلاً بالتعود، ولكنها تتأجج قليلاً حين يختلي قصير بمكاسب ويطلب منها المغادرة. واليوم هو يومها الذي طال انتظاره.. اليوم هو يومها مع قصير.. في خيمة مكاسب وعلى فراشها.. اليوم هو يوم استرجاع الحقوق.

فتزينت واستعدت وأخبرت قصير الذي طلب من مكاسب وبناتها إخلاء الخيمة، وظنت سدينه أنه يوم حظها، ولكن فرحتها لم تكتمل وهي تستمع في الصباح لمكاسب وهي تزف إليها وإلى قصير خبراً أفسدت به فرحة سدينه ونشوة الانتصار نهائياً. أما في القصر.. الجميع واقفون في استقبال محمود وزوجته فريال. وفور أن رأوه يدخل من باب القصر وقد تحسن حاله وتورد وجهه قليلاً حتى هوت قلوبهم، فها هو يعيدهم لنقطة الصفر.

فنظرت فريال ليحيى بغضب ولوم، وهو نكس رأسه أرضاً فليس بيده حيلة على الأمر. سلم محمود عليهم وسلموا عليه، وتركهم وذهب لغرفته سريعاً بحجة أنه يود أن يستريح من عناء السفر، ولكنه في الواقع لا يحتمل رؤيتهم أمامه ولا يقوى على تمثيل الغباء أمامهم أكثر من ذلك.

وكم ود لو يطردهم خارج القصر وخارج حياته شر طردة، ولكنه يعلم جيداً أن فعل كهذا قد يكلفه حياته أو حياة زوجته في لمح البصر، ويحرمه من المحاولات المستترة التي تعطي فرصاً للنجاة. أما الهجوم الصريح فلا نجاة منه. عايدة: -هاه يامحمود هنعمل إيه دلوقتي أنا خايفة أوووي.. أنا صحيح ناوية أعمل كل احتياطاتي وناخد كامل حذرنا، بس القاصد غالب زي ما بيقولوا. محمود: -ربك هو الحارس ياعايدة.. ارمي تكالك على الله وهو خير حافظ.

صمتت عايدة قليلاً ثم نظرت إليه وأردفت بقلة حيلة: -تعرف يامحمود أنا شايفاك إزاي دلوقتي.. أنا شايفاك راس فجلة فعلاً زي ما كان عمي الله يرحمه مسميك. قهقه محمود ونظر إليها وأمسك يديها وسألها: -وياترى تقصدي المعنى اللي كان يقصده أبويا ولا المعنى اللي الناس كلها فاكراه؟ تنقلت بعينيها على جميع ملامحه وهمست له:

-الاثنين.. أقصد أنك طيب وبراك زي جواك أبيض زي ما كان يقصد والدك، ودا بجانب أن فيك حتة سذاجة وغباء زي ما الناس فاكرة. أردف محمود ضاحكاً: -يعني أنا الأبيض الغبي.. طب والله لقب حلو وعجبني. لترد عليه عايدة ساخرة: -ماشي يا فجلة.. هقوم أنا أحضر لك حاجة تأكلها.. قالتها وتوجهت للحقيبة التي أحضرتها معها من العزبة وبدأت في إخراج بعض المكونات، فسألها محمود بغرابة: -إيه دا ياعايدة؟ فأجابته وهي تحمل كل شيء بين ذراعيها:

-دا الأكل اللي هتاكل منه، منا مش هستخدم مكونات من اللي في البيت واللي ما ضمنش حاطين فيها إيه، أنا من النهارده الخضار عالحلة على بوقك وبوقي والباقي يترمى ومش هغفل عن الحاجة ثانية واحدة.. بصراحة هيكون موضوع مرهق وصعب بس مفيش قدامي حل غير كده، وخصوصاً أنك عامل بيتنا وكر للتعابين ومش راضي تتخلص منهم، وبرضه مش فاهمه وجهة نظرك في كده ولا مقتنعة بها. أنهت حديثها دفعة واحدة وتركته وذهبت لإعداد الطعام له، أما هو

فهتف لنفسه بعد مغادرتها: -مش هتفهمي ولا عمرك هتفهمي غرضي ياعايدة.. أنا بس اللي فاهم وعارف بعمل إيه. دلفت عايدة إلى المطبخ وبدأت في تجهيز الطعام، ولحقتها فريال وبدأت في الحوم حولها لإيجاد الفرصة كي تضع التركيبة في طعام محمود، ولكن عايدة كانت مثل النمرة التي تحرس صغيرها، لم تعطها الفرصة أبداً. وحينما شعرت فريال بتنبه عايدة الزائد سألتها بخبث: -أمال إيه الحكاية ياعايدة جايبة أكلك معاكي هي الفيلا مفهاش أكل ولا إيه؟

فأجابتها عايدة وهي تقلب في الطعام وتنقل في باقي المكونات أمامها:

-لا مش كده بس الدكاترة اللي شافوا محمود في البلد قالوا إنه عنده بكتيريا في معدته من الأكل الملوث والمليان كيماويات وعشان يتخلص منها لازم يأكل أكل صحي بمكونات عضوية وطبيعية مش مغشوشة، وعشان كده جبت كل حاجة من البلد وأنا متأكدة من اللي جبتها منهم إنها خالية من أي سموم.. وكمان جبت له عسل طبيعي وسمن بلدي وكل حاجة من حاجة البلد.. وعملت حسابكم أنتوا كمان وحاجتكم في العربية.

تبسمت فريال وهي تشعر بالإنهزام، وأدركت أنه ليس السبب الحقيقي وراء تصرفات عايدة، فبالطبع عرفت شيئاً أو شكت في شيء، فغادرت المطبخ وهي تهتف لنفسها: -حسناً إن لم يكن في الطعام فهناك ألف طريقة، المهم أنه أصبح بجانبي وأنا لن يغلب لي فكر في إيجاد طريقة أخرى. أما في غرفة مديحة، فكانت تتحدث عبر الهاتف وفجأة فتح باب الغرفة ودخلت عليها فريال وتقدمت منها وهي تنظر لها بتفحص. وحين اقتربت منها أغلقت مديحة الهاتف وسألتها: -فريال!

عايزة حاجة؟ -سلامتك.. كنتي بتتكلمي مع مين؟ -واحدة صاحبتي ليه. -وليه قفلتي أول ما شفتيني؟ -عادي يعني خلصنا كلام وكنت هقفل على أي حال. اقتربت منها فريال أكثر وجلست بجانبها وسألتها وهي تطالعها: -مديحة لو فيه عندك سر مخبياه عني افتكري أني صاحبتك قبل ما أكون مرات أخوكي، وسرك هيكون في بير.. احكي لي لو فيه أي حاجة ولو محتاجة نصيحة أنا خير من ينصحك وأنتِ عارفة أكيد أنا بحبك قد إيه.

تبسمت مديحة وهي تدرك محاولة زوجة أخيها في استجوابها ومعرفة ما تخفي، ولم تنطلي عليها حيلتها، فالثعابين لا تلدغ من بعضها. وجاوبتها بنبرة هادئة:

-أكيد ياحبيبتي لو فيه حاجة أنتِ أول واحدة هتعرفيها، بس يعني هيكون فيه إيه وأنتِ عارفة أني رافضة فكرة الجواز والأرتباط نهائي وعارفة أسبابي، أنا قررت أعيش لنفسي وأستمتع بالحياة وملذاتها والجواز والرجال طلعتهم من حساباتي خالص.. ومش كل المتعة أساسها راجل.. أني أفسح أني البس أني أسافر أقضي الوقت مع صديقاتي دي كلها متع تغني عن الحب والجواز والكلام الفارغ ده.. فاطمئني ياحبيبتي مفيش حاجة.

أخذت فريال نفساً طويلاً وزفرته، فها هي محاولتها مع مديحة تفشل هي الأخرى، وكأنه يوم الفشل، وكان الجميع ازداد وعيه ومكره، وكأنهم باتوا يقرأون أفكارها. ولم تعد تعلم ما سبب كل هذا الخبث الذي أصبح يحيطها، والذي سيتطلب منها جهداً أكبر في التفكير والتخطيط وهي في حال لا يسمح لها ببذل المزيد من الجهود.

فحملها وتعب قلبها كفيلين بأن تترك كل شيء وتنتبه لصحتها، ولكن للأسف ليس هناك من يستلم منها زمام الأمور إن تركتها، وسينهار كل شيء إن تراخت قبضتها في هذا الوقت. أما في البادية.. بعد صلاة العشاء ابتعد الشيخ منصور عن الرجال وبحث بعينيه عن قصير حتى وجده وأشار له بيده وهو يقول له: -يا قصير.. أقبل.. بروحك. تقدم منه قصير فأخذه الشيخ تحت جناحه وتمشى به بعيداً عن الجميع وهمس بعد أن تلفت حوله ولم يجد أحد في الجوار:

-الليلة جاية الحموله، تاخذ سواعدك من رجال البادية وتروح للممر وتطلعون السلاح من الخندق تحت ستار الليل، ودير بالك الحموله كبيرة. تأفف قصير ورد عليه معترضاً: -والله ياشيخ إحنا نتعب رجالتنا بدون فايدة، وأصلاً المكسب اللي ناخده منهم قليل وما يجازي التعب، نحن حفرنا الخندق لجل نكسبوا من السلاح مو لاجل نفتحوا خندق سبيل لعبور السلاح للحكومة! رد عليه منصور بغضب:

-صكر فمك.. ومن متى ونحن نرجو مكاسب من حكومة بلادنا ياعويل.. الله يخزيك أعلى هاد الكلام يا قصير الكلب.. ولو على المكسب القليل أنا لو تحتم الأمر راح أجيب السلاح على حسابي وأعطيه لهم ليدافعوا به عن أرضنا وعرضنا وصحارينا، ولاجل ننام قريرين العين ما عيالين هم. حذاري تجادلني بخصوص السلاح اللي يروح للحكومة مرة ثانية أنت أو أي واحد من رجال القبيلة.. والله ياقصير خيبت أملي فيك. قصير: -يا شيخ هي كلمة ما كفرت لاجل كل هالحكي!

منصور: -وتستهون بالكلمة ياقصير؟ نحن الرجال عايشين بالكلمة وحياتنا كلها كلمة، لسانك حصانك صونه لاجل تصون عرضك وبلدك وشرفك وكرامتك.. والحين روح أعطي خبر للرجال خليهم يستعدون ولا تنسى كل شيء يتم دون علم حدا غيركم. تطلعون السلاح وتستلمونه من الموردين وتعاطوهم القروش وتسكرون الخندق متل ما كان، وتغطون الحموله وتجلسون جوارها والصبح بيجو العسكر يستلموهن..

لا تطالبونهم بقروش.. قروشي بأخذهم من الكبير.. واللي عند الكبير ما يضيع ولا ينطالب عليه.. وإذا ما أخذناه قروش ناخده خدمات، ويكفينا أن سياراتنا ما تنوقف بأي مكان، وبس يقولون هي ملك الشيخ منصور بتمر السيارة ولو محملة أجساد ميتة. قصير: -تأمر ياشيخ.. الحين بروح أخبر الرجال بالموعد ونستعد.. بالله لا تزعل مني ياشيخ واصفح عني السماح منك. منصور: -القصة ما قصة زعل بس نحنا والحكومة ظهر بظهر لو حدا منا اتلفت ينصاب بضهره.

اعقل كلامي زين وما تخيب ظني فيك مرة ثانية ياقصير وخليك متل عهدي بيك. قصير: -أبشر ياشيخ من اليوم ما يكون خاطرك إلا طيب. ذهب قصير وعاد الشيخ منصور لخيمته واستوى على فراشه وأخذ يفكر في أحوال القبيلة وأهلها ويتدبر كافة أمورهم. وأيضاً بدأ يعيد النظر في مسألة تولي قصير المشيخة من بعده، فقصير له ذلات، والشيوخ إذا ذلت انتهت وانتهت معها كافة القبيلة.

وفي النهاية استسلم للنوم وقد أجل بعضاً من التفكير والتدبير لوقت لاحق، فلا التفكير سينتهي ولا ليلة واحدة تكفي لحل جميع المشكلات. أما في ساعات الفجر الأولى، خرجت مكاسب من خيمة سدينه بعد أن استيقظوا بناتها وغادروا الخيمة كل واحدة على أعمالها. ومعزوزة أخذت أختها رجوة معها وذهبت إلى مكان الماعز، فهي الآن علمتها أن ترضع من ضرع الماعز مباشرة دون أن تحلب لها أو تجلب، وهكذا صار أمر إطعام الصغيرة أسهل.

فكلما بكت جوعاً ذهبت بها للماعز أرضعتها وعادت بها، وفي الليل تجر واحدة من الماعز وتربطها أمام الخيمة، كلما بكت الصغيرة أرضعتها، وفي الصباح يكون حليب الماعز قد نفذ فتعيدها وترضعها من غيرها. وهكذا أصبحت رجوة تتغذى. وقفت مكاسب أمام خيمة ونادت بصوت منخفض: -يا خالة.. خالة جنديه يا خالة. ردت عليها المقصودة بالنداء وقد كانت القابلة "الداية": -أي أي جيت بس تكه. أزاحت ستار الخيمة وحين وجدت مكاسب هي من بالخارج أردفت: -مكاسب!

فكرتك مرة ولادة ما تنتظر للصباح.. ويش فيك جاية قبل لا يفيق الزرزور؟ مكاسب: -لا تؤاخذيني بس ودي تفحصيني وتتأكدين مني حبلى ولا لا، ومارضيت أجى بعد فيقة الكل بلكي يقولون مكاسب انكلبت من الغيرة وبتموت عالخلفة.. هكي إذا ما طلعت حبلى بعاود ويا عين ما نظرتي شيء. أدخلتها القابلة وبدأت في فحصها وحين انتهت نظرت إليها وقالت: -يا مكاسب ودي بشارتي من الحين.. أنتِ حبلى بصبي هالمرة واقطع ذراعي وأقص شعري إذا ما جالك الصبي.

مكاسب بفرحة: -حتى أنا يا عمتي بقول هيك لأن حبلي هالمرة مختلف ومو متل كل مرة.. أنا ليا كم يوم بستفرغ أول ما أفيق وهاد موش من عوايد حبلي. القابلة: -وحتى أنا بعد شفت علامة. مكاسب: -ويش هي عليكِ الله. القابلة: -هي سر صنعتي يابنت عمران، ولا ودك أعطيكي السر وتنافسي خالتك جنديه وتصيرين قابلة.. أنتِ ما عليكِ أنا بشرتك وودي البشارة وبس. مكاسب:

-بشارتك محفوظة يا خالة.. راح أبعث لك إياها مع معزوزة، وبس يجي الصبي البشارة الكبيرة وكل شيء حلو الك يا وجه الخير. وعادت مكاسب من حيث أتت وهي تكاد تحلق من السعادة، فاهو الله يطيب خاطرها ويخبرها بألا تحزن، وها هي الحقوق سترد لأصحابها. وقفت أمام سدينه التي انتقلت في الصباح الباكر لخيمتها وكانها كانت في سجن وأخيراً تحررت.. نظرت إليها مكاسب ملياً وهي تفكر هل تخبرها بخبر حملها أم تخبئه قليلاً. سدينة:

-ايش بيك تبحلقي فيا وصامته، مو فرحانة لرجوعي لخيمتي وزوجي؟ بعرف أن الغيرة صعبة واني أصغر وأحلى متل ما قصير يقولي طول الليل، بس والله ماراح أمنعه يجيلك وراح أذكره بنفسي بيومك لا تخافين. مكاسب ابتسمت وردت عليها بهدوء:

-والله فيك الخير يابنت عمي، وطول عمرك تحبين لي الخير، وعشان هيك قررت تكوني أول من يعلم بخبر حبلي.. أنا حبلى واليوم فرحتي فرحتين.. فرحة بمغادرتك خيمتي وفرحة بحبلي وراح أدعي ربي ليل نهار يطعمني بالصبي اللي يرد لي قصير.. تمتعي به شوي وحطي ببالك راح يعاود الطير لعشه الأول مهما طال بعده والباب يرسى على أعقابه.

ومن اليوم ما في بقلبي أي كره لك إحنا خوات وبنات عم والدم ما يبقى مي، وأنا من قبل سلمت بوجودك وشاركتك رجلي، لكن الجاي عليك أنتِ.. لابد من أن تسلمي بأنك واخدة رجل متزوج وعنده بنات مو لك لحالك.. ومتل ما راح تزرعي معي راح تحصدي مني ياسدينه.. المغزل بيدك واللي راح تغزلينه راح تلبسينه، سواء خير سواء شر. إحتقنت ملامح سدينه بالغضب وأردفت محاولة دفع جزء من الغضب نحو ضرتها:

-ماتعشمي حالك بالوليد.. راح تجيبين بنية متل ما تجيبين كل مرة.. الصبي راح يكون من سدينه وبس فهمي زين. قالتها ودخلت لخيمتها بغضب وتركت مكاسب تشعر بعدالة السماء، فها هي سدينه تفر من أمامها غاضبة بعد أن كانت تنتظرها لتشعل النار فيها وتكيد لقلبها المكائد. أما في القصر.. اجتمع الجميع على طاولة الطعام.. يحيى وفريال وأطفالهما ومديحة ومحمود وعايدة، وكل يأكل من طعامه.

وطوال الوقت كان محمود ينظر لعايدة بتفحص وهو يشعر أنها على غير طبيعتها ولا يعلم ما السبب، فصمت وترك الأمر للوقت ليبين كل شيء. وبعد ساعة واحدة من تناولهم الطعام انتفض يحيى وأسرع نحو المرحاض يفرغ جميع ما في معدته، فلحقته فريال تسأله بقلق عما أصابه فجأة. أما محمود فنظر لعايدة ووجدها تبتسم وهي تراقب ما يحدث، حينها شك في شيء فهمس لها متسائلاً: -عايدة أنتِ عملتي إيه؟ فهمست له بإنتشاء: -ولا حاجة.. بس خليت طباخ السم يدوقه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...