الفصل 7 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل السابع 7 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
28
كلمة
5,112
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

في القصر، غرفة الاجتماعات المغلقة. اجتمع يحيى وزوجته ومديحة لوضع مزيد من الإضافات لخطتهم حتى يتوصلوا لنتيجة أسرع. فردفت مديحة: "وبعدين كده الموضوع هيطول أكتر من اللازم، وإحنا مش فاضيين. زودي الجرعة يافريال خلينا نخلص ونشوف مصالحنا وحياتنا." فريال: "أعمل إيه يعني يامديحة؟ مانا بعمل اللي بقدر عليه، ومن البداية قلتلكم الموضوع هياخد وقت. وبعدين ما إحنا شغالين أهو، إنتي مستعجلة على إيه؟ مديحة:

"مستعجلة على الحياة، مستعجلة إني آخد الفلوس وأعيش بيها وأنبسط. مستنية أحقق أحلامي اللي اتأخرت كتير." يحيى: "معلش، اجلي أحلامك شوية كمان. مش هيجرالهم حاجة، مش هيبوظوا من الركنة متقلقيش." إمتعضت ملامح مديحة ولم يعجبها ما تفوه به شقيقها. وفي هذه اللحظات، كانت فريال تتفحصها بشك وريبة من تعجلها الغير مبرر. فهمي منعمة تاكل وتشرب وتخرج. عن أي أحلام تتحدث؟ *** أما في البادية.

عادت الشيخة عوالي من الحج بصحبة أخيها. وما أن وصلت حتى استقبلها أهل الصحراء بإطلاق وابل من الأعيرة النارية، وفرقة إنشاد بدوي بالدف تعتلي الخيول. وقاموا بإعداد وليمة كبيرة أتى إليها كبار القبائل من شتى بلاد البادية، وبعض الشخصيات المرموقة من الحضر أصدقاء الشيخ منصور. وتقدم الشيخ منصور يستقبل أخته وأخيه: "يامرحبا يامية مراحب ياغوالي، حج مبرور وذنب مغفور إن شاء الله."

صافح أخيه وأخذ أخته الشيخة عوالي تحت جناحه، فهي أخته الصغيرة الحكيمة ووصية أبيه الشيخ هلال. فقد كانت الأخت الوحيدة لأربعة إخوة من الذكور وهي أصغرهم. وكانت أمنية أبيها الشيخ هلال، والذي لم يكن يشبه أهل البادية في كره إنجاب البنات. فقد كان رجلاً تقياً حافظاً لكلام الله ولسنة رسوله.

ففرح فرحاً شديداً عندما رزقه الله بعوالي، فكانت ترافقه طوال النهار ولا تتركه إلا وقت نومه بسبب والدتها التي تنهرها ليلاً من المبيت بجانب أبيها. ولولا هذا لما فارقته ليلاً أو نهاراً. وتربت عوالي مع إخوتها الذكور وأخذت طبعهم، وتعلمت معهم كل شيء يتعلمه الذكور بالإضافة لعملها كبنت بدوية. تغزل الصوف وتصنع السجاد والملابس، وتعلمها للصغيرات من بنات قبيلتها. الشيخة عوالي:

"مرحبا بيك ياشقيقي، استاحشتك واجد ياخوي. إن شاء الله أموركم طيبة وحالكم هاني؟ الشيخ منصور: "نحمدوا الله يا خيتي، لكن إنتي تعرفي زين في غيبتك وضع صبايا القبيلة يتكدر ويتفرعنن." وحكى لها عن ما حدث مع قصير وزوجتيه، وغيرهم من مشاكل نساء البادية وأنهى حديثه بـ "الله يعينك يا خيتي، ياما مواويل ترجا فيكِ". الشيخة عوالي: "ماتعول هم، ربي يقدرني ونعدل ميزانهن." نادت على إحدى نساء القبيلة والتي تقوم بخدمتها واسمها مايزة.

الشيخة عوالي: "مايزة، اجمعيلي كل الصبايا والبنيات لياخدن هدياتهن، معاد الكلبتين سدينة ومكاسب. خليهن يجين بعد ما الصبايا يمشين." أما سدينة، بعد ما سمعت بأن الشيخة عوالي عادت، دب الرعب في أوصالها. فكل نساء القبيلة يخافن منها أكثر من أهاليهم. سدينة: "حيييه على أمك يا سدينة!

جاتك عوالي يا سود الليالي. واااك عليا واااك، نذر علي ندبح تيس إن ربي نجاني من يدها. لا لا ندبح تيس وحولي. ماهي الشريطة لابد تكون على قدر المصيبة ونا مصيبتي تقيلة الحيل. تو نمشي لرفيقتي فالمصيبة السودة هذي." سدينة أمام خيمة مكاسب: "مكاسب يا غاليتي، يابنت عمي، ياضرتي، ياحبيبتي." مكاسب: "ادخلي، دخل عليكِ ملف بقرنين يا وجه البوم. إن شاء الله تريحتِ بعد دذتلنا الشيخة عوالي وحرمتنا من مجايبها السمحة من الحج." سدينة:

"يعني إنتي مش خايفة منها وبس، همك المجايب؟ مكاسب مثلت القوة ولكن بداخلها كانت ترتعد من الخوف: "ماياخد الروح إلا اللي خالقها. وأنا ماعاد يهمني. اشقي بروحك إنتي." ذهبتا إلى الشيخة عوالي. مكاسب: "مرحبا ياعمتي." سدينة: "استاحشت ياعميمة." الشيخة عوالي: "صكرن أفواهكن واقعدنتو. نريد نعرف منكن قصير راجل ولا عويل." أجاباها في صوت واحد: "راجل وسيد الرجال." عوالي: "وبوكن وخوتكم رجال ولا عويل؟ مكاسب: "ويش هالسؤال؟

هلنا أسياد القبائل ياعمتي." الشيخة عوالي:

"بس أفعالكن متبينش إن وراكن رجالة، ولا إنكن ترباية رجالة. إنتن خذيتن كل القبيلة مو بس راجلكن اللي واطيتن رأسه وقللتن قيمته. إنتِ يا مكاسب، بوك تزوج ثلاثة وإنتي بنت أمك الوحيدة. ومن تزوج جاب لكِ خوت اتباهي بيهم بين الصبايا. وإنتِ يا سدينة، بوك كان متزوج اثنين لكن أراد الله إن مرته الكبيرة يتوفاها الله وقعد بأمك بس. ولولا إنه كان جبير بالسن وما فيه صحة كان تزوج الثانية والثالثة. وغيرهم واجد وهذا شرع الله وكل شيء قدر

ونصيب واختبار وابتلاء سوا. لكن ولا لراجلكن، هاتصبرن ولا تكفرن وتقطعن بعضكن وتصقطي بنت عمك وتقتلي أخو أو أخت بناتك يا كبيرة ياقليلة العقل. وإنتِ ماقصرتي ياصغيرة وحطيتي راسك براس بنت عمك الكبيرة وأم بنات راجلك وطمعتي فيه وتريديه لروحك، وصغرتن برواحكن وبرجالتكن. صح كلامي ولا لا؟

سدينة ومكاسب: "صح ياشيخة، لكن... الشيخة هدرت بهم بصوت مرعب: "مافي لكن، وتو وقت العقاب. اللي درتنه كبيرة في حق الكل وتستاهلن عليه قطع لسانكن. لكن أنا هنرحمكن وعقباكن. أول شيء ملي المي من البير على روسكن للقبيلة كلها لحين يرضى عليكن راجلكن. ولا تقعدن مع وحدة من الصبايا، ولا لسانكن يخاطب لسان حدا. أما حق الشيخ منصور وحقي." ونادت الشيخة على من تقوم بخدمتها: "مايزة، جيبي المجلم (المقص) مكاسب وسدينة في صرخة واحدة:

"لا بالله ياشيختنا! انحبوا على أقدامك، موتِينا وما اتديريها. ياعمتي حرمنا وتربينا ياعمتي." وبدأن في النحيب. الشيخة عوالي: "آخرصن. اشلحي ردا راسك إنتِ وهي." وأمرت مايزة أن تقيد أيديهن وقامت بقص شعرهن الطويل، وجعلته لا يتجاوز رقبتهن. وكان هذا أشد عقاب لهم. فعند بنات البدو شعرهن أغلى شيء عندهم بعد شرفهن. وكان أهون عليهن القتل من قص شعرهن. فجمال المرأة عندهم يقاس بجمال شعرها وطوله.

عوالي بعد أن قصت شعرهن جلست أمامهن لا يهمها نحيبهم ولا يرف لها جفن لحالهم وسألت بحزم: "والحين أبي أعرف سبب العركة، ويش اللي هبلكم ومين اللي بدت؟ سدينة: "ياشيخة... عوالي: "صكري. ما أمرتكِ بالكلام. وهى من ضمن أفاعيل عدم الترباية. مكاسب، احكي إنتِ." مكاسب: "يا شيختي وعمتي، أحلف لكِ بالله العظيم إني ما علت بيها. إني جالسة بخيمتي لا شلت ولا شيلت. ومرة وحدة ريت سدينة داخلة عليا ووقفت اقبالي

وتضحك بكل قلة حيا وتقولي: 'ماعاد ترجي من قصير ود، قصير خلاص تم خاص لسدينة بحلاها وصغرها والوليد اللي ببطنها. اشقي بحالك وببناتك وبعدي عن زوجي.' كانت تحكي وتتماوع وهي تعرف إن قلبي قايد نار لأن قصير وعدني بالمبيت وهي خلته يرقد بفرشتها ويلحس كلمته. كانت تكيدني وأنا ماتحملت، قمت وما حسيت بحالي إلا وهي تحتي وأضرب فيها بكل قهري. نسيت إنها حبلى ونسيت كل شيء وما فكرت إلا بقهر قلبي منها. أنا راضية بزواج قصير منها وقلت سدينة أقرب لي من الكل، بنت عمي اللزم ونخاف على بعضنا ونشد حالنا ببعض. لكن تيجي الضربة منها والله صعيبة ياشيخة وماتحملتها."

نظرت عوالي إلى سدينة بغضب. وقبل أن تتفوه بكلمة، خرت سدينة أسفل أقدامها وأخذت تتوسلها: "بربك ياشيخة، أنا غلطت ومعترفة وإنتي عاقبتيني. والله ماراح نعيدها، والله." عوالي:

"لا يابعد روحي. العقاب اللي أخذتيه كان لاجل إنك مديتي يدك على ضرتك وبت عمك. لكن عيلتك بيها وهي ما عملت لكِ شيء. هي لحالها الها عقاب ثاني. إنتي ذراعك اللي انكسر بيطيب، ووليدك اللي طاح بيتعوض. لكن مكاسب عينها اللي احتمال تنطفى مابتتعوض. والسنة اللي قصير حلف إنه ما يقربها فيها ماتتعوض. وعقابهم يزيد." أنهت حديثها وأمسكت المقص مرة أخرى واقتربت من سدينة. سدينة:

"لا ياعمتي، اقتليني. اقتليني ولا تجلميني كي النعجة. مارح نقدر نرفع عيني في حرمة من القبيلة. واااااااك عليا واااااك." أزاحتها الشيخة عوالي وقامت بتقصير شعرها أكثر حتى أصبحت تشبه الصبية، وغير آبهة بصراخها. وبعد أن انتهت، نظرت لمايزة. وأمرتها أن تحضر لها قصير. وعادت مايزة بقصير معها. وفور أن سمعت سدينة صوته، حتى أخذت تغطي رأسها بشالها وهي تكاد تموت خجلاً. أما مكاسب، فاكتفت بتنكيس رأسها أرضاً. وحين دخوله،

أمرته عوالي قائلة: "يا قصير، ترد سدينة لخيمتك لحين تحمل، هاد بعد ما تطيب ويشفى كسرها. وبعد حبلها بتعتزلها كيف ما اعتزلت مكاسب وما ترد لها إلا ترد لمكاسب." قصير: "بس ياشيخة... عوالي: "مافي بس. هاد أمر. سدينة العايبة والغلط منها وما يصير مكاسب تتحاسب على ذنب غيرها." قصير: "موافق، بس بشرط." عوالي: "صاير تتشرط على شيختك ياقصير؟ قصير: "لا ياشيخة، حشاكِ. اعتبريه طلب. ودي تحكي لي مع الشيخ منصور أتزوج الثالثة." عوالي:

"مافي ثالثة ولا رابعة. إذا ودك مرة وما قادر تعيش بدون مرة، رد يمينك من مكاسب وعاود لها. بس اللي حكمته على سدينة مافي رجعة ولا راح أقبل منك مخالفته. وأنا رديت ياقصير وبراقب وراح أعرف كل اللي بينعمل وأوامري راح تتنفذ ولا لا." غادر قصير الخيمة بعد أن حدج الاثنتين مكاسب وسدينة بنظرة غضب وتوعد. ولكن كل شيء بأوانه. أما في الخلاء أمام الخيام في مجلس الرجال المعتاد.

الشيخ منصور كان في مجلسه ولكن عيناه يراقبان ذلك الصغير الذي يلعب مع الأولاد لعبة النشان ويتفوق فيها في كل مرة. وأردف بفخر لقصير الذي اقترب منه: "أحسنت ياقصير، الوليد صار قناص ومايخيبلا نشان. الوليد صاير عقاب." قصير:

"الحق ينقال ياشيخ، الوليد عيونه عيون صقر ويده قوية رغم صغرها ماترجف، وقلبه قوي مايهاب شيء. واللي يشوفه بأول جيته وخوفه وجبنه مايشوفه اليوم. صار قوي مقدام، والأهم من كل هاد عزيز النفس وعنده صبر وجلد ماشفته غير بأولادنا، سكان البوادي." منصور: "من اليوم، الوليد صار لقبه بين الوليدات 'عقاب'. خلي الاسم يرتبط فيه حتى يتميز وسط البادية. ويلا اجمع لي الصغار كلهم، اليوم فيه درس دين وتحفيظ قرآن وتسميع." قصير: "أبشر ياشيخ."

ونظر لآدم ونادى عليه بكل صوته: "آدم يا ولد، تعا لهون إنت وباقي الوليدات. تعو الشيخ منصور راح يبدأ درس قرآن، هاتوا كتبكم واجمعوا الباقيين وتعو." اقترب منه آدم الذي خصه بالنداء أولاً ووقف أمامه في انتظار أية أوامر. فأشار إليه الشيخ أن يقترب. فأقترب آدم فأجلسه الشيخ منصور بجانبه وقال له متبسماً:

"تعرف يا آدم، أنا بعمري ماشكرت ولد ولا شدت بشطارته. بس هاد لأن كل ولد بالبادية هاي حياته واللي يسويه من تعاليمنا وعاداتنا. وعيشتنا تحتم عليه يتعلم كل شيء. بس إنت اليوم أنا أحكيهالك قدام الجميع، إني فخور بيك يا وليدي، لأنك غريب وتعلمت اللي الكل كان مفكر إنك ماراح تتعلمه بعمرك. بس إني راهنت عليك من أول يوم وقلت هالوليد راح يكون له شأن عظيم. ذو الشأن ينعرف من نظرة عينه يا آدم، وإنت عيونك تنطق إصرار وعزيمة وتحدي. بوك قالي إنك ماراح تقدر على عيشة البوادي، بس أنا قلت له هاتوه وما عليك بيه. واليوم أشوفك متل ما ظنيت بيك، قوي وماتهاب شيء وصرت عقاب عزيز النفس قوي المخالب شديد البأس. ومن هالحين صار لقبك بين الصبية 'عقاب'."

تبسم آدم للإسم وردده هامساً: "عُقاب! رد عليه عمران موضحاً: "أي يا وليدي عقاب. العقاب أقوى من حلق بالسما، أقوى من الصقر والنسر وكل الطيور. العقاب طير ماينذكر طاريه إلا وقت يكون الحديث عن عزة النفس والشموخ والقوة. العقاب رمز القوة وإنت صرت وراح تصير من أقوياء البوادي. متل ما قال الشيخ، عيونك تحكي قوة."

اجتمع الأولاد جميعاً واصطفوا حول الشيخ منصور لأخذ الدرس الأسبوعي في القرآن. وحينما أخبرهم آدم بلقبه الجديد، هلل الأولاد فرحاً. فلكل منهم اسم يعرف ويتميز به. صقر، فهد، خفاش، جمل. ولكل اسم يطلق على طفل يحمل الطفل صفة من صفات هذا الحيوان. السرعة أو الذكاء، أو التنبه والقدرة على الاستيقاظ طوال الليل، حدة البصر، الصبر وغيرها من الصفات والأسماء. ولكن آدم حظي بأقواهم وأفخمهم. بعد عدة أسابيع. آدم:

"عم قصير، جبت لك حية كوبرا. شوف قديش طولها وحجمها." قصير: "والنعم والنعم ياعقاب. جيبها واحترس منها حتى لا تفرغ كامل سمها بجسدك بتمرضك. مبين عليها حاوية سم كثير." آدم: "لا ماتخاف، أنا بعرف كيف أسيطر عليها. بس عضتني عضة وحدة وما خليتها تتمالك فيا وخرتها عني قوام." قصير: "زين زين، أعطيني. وكثر من هي الحيات المسمومات بينباعو بقروش حلوه. وعلى كل راس حية وحنش بعطيك قروش ليك." آدم: "ويش أعمل بالقروش ياعمي؟

القروش هيني مالها قيمة." قصير:

"القروش ليها قيمة بكل مكان. والقرش اللي تحصله شيله للزمن. القروش بتجيب كل شيء. وإنت لا تفكر إنك عايش معانا بدون قروش أو إننا مانصرف. إحنا حالنا حال الكل يا وليدي، كل احتياجاتنا نجيبها بالقروش. الكسوة والخضار والبقول والأواني، لخيم والفراش، أشياء تخص الحريمات ماتيجي غير من الحضر وبقروش كثير. كل هالشي بيحتاج قروش. وإنت بوك تارك لك قروش كثيره وهي اللي تصرف منها. طعام وشراب وملبس. واليوم اللي تخلص فيه قروش أبوك من عندنا راح تحتاج قروش. وقتها تفك صرتك وتطلع وتصرف وما تعتاز لحد. مع إنّي بعرفك يا لعقاب ماراح تاخذ من حدا شيء لو تموت جوع وبرد."

أنهى حديثه ومد يده في جيبه وأخرج نقوداً مدها لآدم. وآدم التقطهم منه ووضعهم في جيبه دون نقاش. فهذا درس من دروس عمه قصير. وهو تعلم أن الدروس هنا تفهم جيداً وكلام الكبار يطاع دون نقاش. وترك المكان وذهب للبحث عن حيات وثعابين أخرى، مادام بحثه عنهم واصطيادهم سيأتي له بالنقود.

وأول شيء فعله هو أنه حكى لسالم كل ما دار بينه وبين قصير وأراه النقود. وكالعادة شجعه سالم على كسب المزيد. بل وكان يدله على جحور الثعابين ويدعه هو يلتقطهم بالطريقة التي علمهم إياها قصير. وفي نهاية اليوم كان آدم قد ملأ جعبته بالثعابين من كافة الأجناس والأشكال التي تسكن الصحراء.

وفي هذا اليوم لم يعد سالم بأي شيء، وترك الظفر وكامل الغنائم لصديقه حتى يشعره ببعض السعادة. فهو منذ قدومه دائم الحزن قليل الابتسام إلا في المواقف الطريفة التي يسقط فيها الأولاد قتلى من الضحك تظهر ابتسامته. أخذ قصير من آدم الثعابين وأعطاه ثمنهم. وعاد آدم لخيمته كي يستريح قليلاً بعد هذا اليوم المتعب. أخفى نقوده.

وبمجرد أن وضع رأسه على وسادته لاح له طيف أبيه وأمه. وتمنى لو أنهم بجانبه الآن. يرى أبيه ما تعلمه، يشاهده وهو يلتقط الأفاعي ببراعة، وهو يقوم بالتصويب والقنص، وهو يسبح في قاع المياه مقيد ويفك قيده ويخرج من الماء قبل الجميع. وهو يحلب الماعز ويصنع الخبز، وهو يمتطي الحصان وينطلق به كالريح لا يهاب السقوط، وهو يتدرب على ركوب الجمال كي يشارك في سباقات الهجين التي ستقام قريباً على مستوى القبائل. ليته هو وأمه يشاهدون ما أضحى عليه الآن. ولكن للأسف يبدو أنه أصبح آخر اهتماماتهم.

في القصر. فريال بصوت متقطع: "الحيوان أخوك ومراته بيعملوا إيه في العزبة كل دا يايحيى؟ كده مفعول التركيبة ممكن يقل من جسمه وصحته ترد له ونحتاج نبدأ من الصفر مرة ثانية." يحيى: "وأنا هعمل إيه يعني يافوفا؟ ماهو اللي أصر يسافر لوحده هو ومراته بحجة إنه عايز يريح أعصابه. وبعدين سايب لي مسئولية الشركة، هسيبها إزاي؟ وحتى الشغل كله معطله وموقفه وهيوقع الشركة بغباءه ونشوفية دماغه الحيوان ده." فريال:

"اتصرف يايحيى، سافر. وأدي فلوس للجنايني وخليه يتصرف ويحط التركيبة في الأكل. حتى لو هتاكل منها عايدة معاه، خلينا نخلص من الاثنين سوا." قاطعتهم مديحة التي خرجت من غرفتها تتقدم نحوهم بخطوات بطيئة: "مفيش داعي. يحيى جاي بعد يومين هو ومراته. أنا لسه مكلمة عايدة وهي قالت لي الكلام ده." نظر إليها يحيى وهي تهندم ملابسها استعداداً للخروج وسألها: "وإنتي متشيكة كده ورايحة على فين؟ وبعدين خروجاتك كثرت ليه اليومين دول؟ بتروحي فين؟

أجابته مديحة بثبات: "هكون بروح فين يعني؟ بروح النادي أو عند وحدة من صاحباتي." يحيى: "طيب خفي خروج شوية ومتنسيش إنك مطلقة والمطلقة ملهاش خروج من البيت لوحدها. أو ملهاش خروج من الأساس." مديحة: "ياسلاام. ودا في شرع مين دا إن شاء الله؟ يحيى: "دا في شرع العادات والتقاليد والمجتمع اللي عايشين فيه ولازم نمشي على تقاليده." أجابته مديحة وهي تغادر جواره: "حاضر، نبقى نمشي. بس بعد إذنك، أنا متأخرة دلوقتي."

أخذ ينظر إليها بغضب وهي تغادر. وانتبه على صوت عايدة زوجته وهي تحادثه: "مديحة وضعها بقى مريب يايحيى وأمرها مش خالي. دور وراها عشان شكلها مخبية حاجة. أنا لولا تعبي كنت أنا اللي دورت ودعبست، بس للأسف الزفت الحمل دا كتفتني وشل حركتي." يحيى: "صحيح، الدكتور قالك إيه النهارده؟ "لسه دلوقتي. بس فاكر تسأل؟

قالي ياسيدي إنّي بدأت في الشهر الرابع وإن نبض الجنين تمام وحالة قلبي مستقرة لحد دلوقتي وربنا يستر فاللي جاي. قالي أهم حاجة ابعد عن التوتر والعصبية، وطبعاً دا شيء مستحيل في الفترة دي. فقولت له حاضر وخلاص." يحيى: "خلاص، متفكريش في أي حاجة اليومين دول واهتمي بصحتك ونفسك وسيبي كل حاجة لغاية ما تقومي بالسلامة. اهو محمود قاعد وإحنا موجودين، واللي ميتمش النهارده يتم بكرة." زفرت فريال وتمتمت بغيظ:

"اهو أنا مكنتش متعصبة قبل كلامك ده. روح يايحيى من قدامي، روح البس هدومك وشوف أختك بتروح فين وبتعمل إيه. إحنا مش حمل مفاجآت وكوارث. إحنا مش فاضيين نحل مشاكل." انصاع يحيى لأمرها وذهب إلى الغرفة كي يرتدي ملابسه، ويرى شقيقته ماذا وراءها هي الأخرى وماذا تخفي بجعبتها. *** عند مديحة. اقتربت منه وهي تتغنج في مشيتها وصعدت على السرير بجانبه وهمست له بدلال: "وحشتني ياشوشو أوييي." ليرد عليها هو بغضب:

"لو كنت وحشتك بصحيح كنتي سألتِ وجيتي. لو باجي على بالك ياست هانم وبتشتاقي لي كان شوقك جابك ومتحملتيش تغيبي عني ٤ أيام بحالهم، وحتى تليفونك أغلب الوقت مقفول. لكن مين أنا عشان مديحة هانم تشتاق لي وتهتم بيا؟ أنا حتتة واحد فقير ابن ساعي شركة أخوكي؟ "إنت حبيبي وجوزي واحلى حاجة فدنيتي." همست بها.

وإقتربت منه أكثر لتحاول السيطرة عليه بقربها الذي تعلم جيداً أنه يضعف مقاومته كلياً، ويهدم كل حصونه، ويطرد الغضب من داخله على الفور. وبالفعل أتى القرب بثماره، فنظر إليها شريف بنظرة شوق وإشتهاء وبدأ في استغلال اللحظات القليلة الثمينة التي يراها فيها قبل أن ينتهي الوقت وتغادر وتتركه. وحينها سيأكله الندم كعادته إن لم يستغل الفرص التي باتت قليلة وشحيحة ويجب اغتنامها لأقصى درجة. *** أما في العزبة. عايدة:

"هاه يامحمود، لسه النتيجة مظهرتش؟ المعمل مردش عليك؟ مش المفروض النهاردة هتظهر النتيجة ويبعتوهالك بالفاكس؟ ليه موصلتش لحد دلوقتي؟ نظر إليها طويلاً ثم ترقرقت عيناه بالدمع وهو يخرج من جيبه مظروفاً مدها لها وهو يهمس:

"لا ردوا. وللأسف شكوكك طلعت حقيقة ياعايدة. العينة أظهرت إن دمي فيه نوع سموم غريب بيشتغل على الأعضاء الداخلية للجسم يضعفها، ويضعف الدورة الدموية، ويسد الأوردة والشرايين، ويسبب جلطات بسيطة متتالية، وبعدها جلطات كبيرة، وفي النهاية الوفاة. بس دي على المدى البعيد. معهد البحوث الأمريكي قال إن دي وسيلة قتل بالبطيء." شهقت عايدة وهي تضرب على صدرها وسألته بفزع: "يا خبر أسود ومهبب! بيسمموك يامحمود؟ أجابها محمود بأسف:

"أيوه ياعايدة. تخيلي إخواتي بيسمموني. هاه، لسه برضو عايزة ترجعي آدم وسطهم ومقتنعة إننا ممكن نحرسه؟ تفتكري هنقدر نحرسه وإحنا مش قادرين نحرس نفسنا؟ عايدة: "لا لا خلاص. خلى ابني بعيد. خليه عايش. بس قول لي دلوقتي اللي في جسمك ده له علاج ولا ملوش؟ محمود: "في المعهد بيحللوا المكونات عشان يصنعوا له ترياق يبطل مفعوله، بس دا هيتكلف ثروة ياعايدة." عايدة:

"يتكلف زي ما يتكلف. إن شاء الله ندفع فيه كل اللي حيلتنا. أصلاً ياريت كل الفلوس اللي عندنا دي تغور في داهية لأنها هي سبب كل مشاكلنا. ماتيجي ندي لإخواتك كل حاجة يامحمود ونرتاح. بص أنا هاتنازل لأخوك عن الشركة والقصر والعزبة والفلوس وخليهم يبعدوا عننا. أنا عايزة أعيش معاك ومع ابني بسلام، مش عايزة نعيش في خوف ورعب بسبب الفلوس. أنا كرهت الفلوس خلاص." محمود:

"لا محدش هياخد مليم أحمر من الفلوس. دي فلوس ابني. حقه اللي هييجي يطالب بيه ويسألنا عليه. محدش هياخد حاجة من حقه. وبعدين إنتي فاكرة إنك لو اديتهم الفلوس هيسيبونا في حالنا؟ دول مش بعيد يقتلونا قتل جماعي عشان متبقاش فيه حاجة تفكرهم بأفعالهم الدنيئة، ويضمنوا إن محدش في يوم من الأيام يقول لهم إنه له عندهم حاجة. اسكتي ياعايدة، إنتي متعرفيهمش. أنا عارف إخواتي وعارف تفكيرهم."

صمتت عايدة وأغمضت عيناها وهي تحاول استيعاب كل ما يحدث معها بسبب لعنة الأموال التي عجزت عن إيجاد أي حل لها أو التخلص منها، وتمنت الفقر من قلبها، أو أن يهدي الله إخوة محمود ويكفيها وعائلتها شرورهم. *** في البادية. عوالي: "مكاسب.. يامكاسب." أتت إليها مكاسب مسرعة، فدعتها للجلوس بجوارها، وقامت بنزع الرباط عن عينها ونظرت فيها وسألتها: "فتحي خلني أشوف لوين واصل الضرر بعوينتك."

حاولت مكاسب فتح عينها ولكنها أغلقتها سريعاً وتألمت، فقالت لها عوالي: "زين، مادام الضوء أذاها معناها مازال بيها خير. ميلي خليني أنقط لكِ فيها بمي زمزم يغسلها وبعدها أنقط لكِ من محلول الشبه الزفرة والجنزارة، وإن شاء الله بتطيب سريع." مكاسب بفزع: "لا ياشيخة بربك لا تحطي لي شبه. ماراح أتحملها. إذا أنا وعيني ما مابيها شيء ما أتحملها، شلون إذا العين مجروحة؟ عوالي: "ميلي يامكاسب وكفي عن الهوسة. ميلي."

انصاعت مكاسب لأمر الشيخة عوالي وتلقت في عينها المجروحة قطرات شعرت بأنها قطرات من حميم، فصرخت بكل قوتها متألمة، فالأمر يشبه كي العين بسيخ محمى. *** في خيمة الشيخ منصور. قصير: "يا شيخ، ودي أرد يميني عن مكاسب وأرجع بكلمتي وخايف على هيبتي قدام أهل البادية ويقولون قصير ماله كلمة." منصور: "ارجع بكلمتك ورد يمينك وخلي يقولوا اللي يقولوه. كلام الناس أهون من غضب ربك. والهجران يغضب الله ياقصير." "ردها ورد سدينة بعد." قصير:

"لا، سدينة تبقى عند أبوها شوي. لسه دراعها مكسور ومريضة. خليها لمن تسترد عافيتها زين. مكاسب زينة وصحتها مليحة." منصور: "خلص اخرج قول للكل إني أمرتك تعاود لمكاسب. وسدينة تعاود لك بعد ما تطيب وقول إن كلام الشيخ ماينرد. جيبها فيا وتعلم بعدها ماتتعجل." قصير بفرحة: "حاضر ياشيخي. وعد أول وآخر مرة. وبعدين عمتي عوالي أدبتهم وما قصرت فيهم." خرج من خيمة الشيخ متوجهاً لخيمة مكاسب. وفي طريقه أخبر الجميع بحكم الشيخ منصور.

وفور دخوله لخيمة مكاسب، نظر إليها وقال: "أبشري، الليلة المبيت بخيمتك يامكاسب. خلي الصبايا يبيتون بخيمتي الثانية اليوم." نظرت إليه مكاسب ولم تبدِ أي ردة فعل لدقائق، ولكنها ردت عليه بعد برهة: "لا، البنيات ماينفع يبيتون بخيمتك الثانية. الحنشان فيها والبنت الصغيرة ما انحوت. وإذا قرصها حنش بتموت في الحال. خليهم هون وأنا بروح أبيت معك بالخيمة الثانية."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...