بنيتُ قلعتى وشيدتّها جيداً لكي لا أقعُ في شباكِ أحدهم. وبرغم كثرة أعدائي، إلا أني كنتُ واثقةً من نفسي ومن حصوني. تسللتُ أنت إلى جدار قلبي، لا أعلمُ كيف! وحين كدتٌ أن أكتب معاهدة السلام بين قلوبنا، وجدتُ نفسي داخل ساحة الحرب وأصبحتُ رهينة قلبك، وكنتَ أنتَ أقوى الأعداء. فأخرجتك من صميم قلبي إلى جداره، فباتَ "على القلب سلطان". فلماذا إذاً يدّعون أنه ليس على القلب سلطان؟
على ضفة نهر النيل وتحديداً على كورنيشه، ذلك المكان الذي يجمع القلوب ببعضها في نزهة شيقة. منها العاشق ومنها المبتلي ومنها المعتاد، ولكل قلبٍ حكايته. يجلس سلطان بجانب خطيبته لمياء يأكلان من أكواب حمص الشام الذي ابتاعه لها من إحدى العربات التي تصطف على الكورنيش. "أيوه يعني آخرة ده إيه يا سلطان؟ أردفت بضجر لمياء وهي تأكل بشراهة. "بقالي سنتين مخطوبين يا أخويا ومشوفتش منك لا أبيض ولا أسود. هنقضيها خطوبة كده!
الله يسامحك، كان جايلي ابن بنت خالة أمي راجع من الخليج على قلبه قد كده، بس أنا اللي بحبك وصممت عليك. وهما دلوقتي بيذلوا فيا وبيقطموني. شوفلك حل يا سلطان، أنا مبقتش متحملة." ترك سلطان الكوب الذي بيده وأردف بضيق:
"استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم يا رب. كل مرة نخرج يا لمياء لازم تحرقي دمي بالكلمتين دول. مانا قلتلك تعالي نسكن مع أمي في البيت وهوضبلك المكان. مانتي شايفة كل حاجة أهو، شغل الحراسة ده مش جايب همه. أعمل إيه يعني يا بنت الناس؟ أقطع نفسي؟ أردفت محاولة إقناعه والتحدث ببعض اللين: "طيب وأهل أبوك يا سلطان... هتسيب لهم ورثك كده؟ دانت ابنه الوحيد. وهما صعيدة وعندهم الولد يقش. جرب كده وشوف يمكن ترجع المية لمجاريها."
نظر لها بعيون قاتمة وبرزت عروق فكه من شدة الغضب عند ذكرها لتلك السيرة، مردفاً بفحيح: "لو اتكلمتي في الموضوع ده تاني اعتبري اللي بينا منهي. انتي فاهمة." كاد أن يقف ليغادر، فأمسكت بكف يده مردفة بندم تلملم شتات تسرعها قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه: "خلاص حقك عليا يا سلطان. متتمشيش. اقعد بس كده. هتزعلني منك. خلاص بقى."
نظر لها مطولاً يصارع أفكاره في تحملها، ثم قرر الجلوس ثانياً وهو يلف وجهه عنها بضيق. فذكراها لسيرة أهل والده تفقد صوابه. نعم، له عائلة عريقة في المحافظة الصعيدية سوهاج، ولكنهم تبرؤوا منه منذ أن مات والده، وهذا فقط بسبب أن والدته قاهرية وأنهم يظنون أنها المتسببة في موت والده، لذلك تخلوا عنه بعدما أرادوه أن يتركها بمفردها، ولكنه رفض وبشدة، لذلك تبرؤوا منه.
ظل شارداً وباءت محاولاتها لإرضائه بالفشل، فقررت الصمت بغيظ وأكملت تناولها لما يحتويه الكوب. بعد نصف ساعة، عادا إلى الحارة الذي يقطن بها سلطان وتقطن بها هي أيضاً. أوصلها إلى منزلها بوجه عابس دون أن يصعد وغادر عائداً إلى منزله.
دلف هذا البيت العشوائي الذي يتكون من طابق واحد. منزل قديم متآكل ورثته والدته أبًا عن جد. جلس على الأريكة التي تحتل عرض الجدار ويوجد في منتصفه شباك يطل على الشارع العمومي. لم يجد والدته في البيت، فجلس يفكر كيف له أن يزيد دخله وينتشل والدته من هذا البيت ومن هذا الفقر. كيف يمكن أن يحصل على منزل في أحد الأماكن المرموقة، ليس كالتي يعمل بها. بالطبع لا. يكفي أن يصلح للاستخدام الآدمي. يكفي أن يثبت لنفسه ولأمه ولعائلته العريقة أنه ليس قلة كما نعتوه. فما يراه من حوله الآن ما هو إلا مستوى معيشي كمن دُفن حياً.
أتت والدته من الخارج تحمل أكياساً قد ابتاعتها من السوق المجاور للحارة. دلفت المنزل تلتقط أنفاسها بعدما وضعت ما في يدها على تلك الطاولة وهي ترى ابنها يجلس بشرود. اقتربت تجلس بجواره مردفة بقلق: "سلطان! جيت إمتى؟ لم ينتبه عليها بل ظل يتطلع لنقطةٍ ما بشرود، فأردفت بقلق: "مالك يابني سرحان في إيه؟ أفاق على صوتها فتطلع إليها مطولاً ثم أردف بتساؤل متجاهلاً سؤالها: "إيه يا ماما، انتي كنتي فين كل ده؟ أردفت منيرة
وهي تشير إلى تلك الأكياس: "كنت بجيب شوية خضار من السوق. قول بس إنت مالك سرحان في إيه؟ أرجع رأسه للخلف يغمض عينيه يتحدث إليها كأنه يتحدث مع ذاته، فهي أغلى ممتلكاته: "تعبت يا أما... تعبت أوي. نفسي أرتاح وأريحك من الفقر ده. ليه هما يتمتعوا واحنا نعيش عيشتنا دي؟ مش أبويا ده يبقى ابنهم؟ ليه يعيشوا أسياد واحنا عبيد؟ دا حتى البنت اللي خطبتها بقالي سنتين مش عارف أتقدم خطوة وأتجوزها. حرام اللي بيحصل لينا ده، حراااام."
نظرت منيرة لابنها بحزن. هو دائماً ينظر لما لا يملكه ويترك ما يملكه. دائماً يعترض على وضعه. أردفت منيرة بنبرة ذات معزى وحكمة: "ارضى يا ابن الحاج إبراهيم. ارضى باللي ربنا قسمه لينا واحمد ربنا إن ليك بيت وليك وظيفة وصحتك بخير، لا إنت مريض ولا عاجز. إنت اللي دايماً باصص لفوق. وكل ما تتعين في مكان ميعجبكش الشغل وتسيبه. مناخيرك لفوق يا ابن السوهاجي. هترتاح إزاي وتتجوز إزاي وإنت يا دوب شهر واحد في أي شغلانة وتسيبها!
يعلم ربنا إني مقصرتش معاك. ربيتك وعلمتك أحسن علام. ولو كان في إيدي زيادة كنت عملت. احمد ربنا واشتغل وكافح وامسك في شغلك ده بإيديك وأسنانك لحد ما تحوش قرش ووقتها اتجوز واصرف على نفسك وعلى مراتك وكفي بيتك وملكش دعوة بيا." نظر لوالدته بخزى. أردف بانكسار: "ياما كفاية بالله عليكي أنا مش ناقص. متزوديهاش عليا انتي كمان. انتي عارفة إني مستحيل أسيبك وأبعد عنك. أنا بس اللي مقهور من اللي أهل أبويا واللي عملوه معانا."
تنهدت منيرة مردفة وهي تربت على كتفه بحنو: "معلش...
معلش يا سلطان. يكرموا يا ابني علشان خاطر الحاج إبراهيم. هييجي يوم والحقيقة هتبان وربك مبينساش عباده. اثبت انت بس في شغلك في البرج ده. دي شغلانة مجتش بالساهل. دانا بحمد ربنا عليها وأنا بصلي. وإن شاء الله هدخلك في كذا جمعية مع نسوان الحارة وتقبضهم الأول وأجوزك. ومن حظك إن عمك منصور البقال بيأجر الشقة اللي عنده في الدور التاني. هأجرهالك واتهنى انت والبت لمياء ومتشلش هم حاجة طول ما أمك عايشة."
مسح على وجهه مردفاً بتنهيدة وقبول وجمود اعتاد عليه من قسوة الحياة: "ماشي يا أمي... ربنا يصلح الحال. فيه غدا ولا أقوم أنام عشان وردية بليل؟ ربتت منيرة على كتفه بحب مردفة: "لأ اتغدى الأول وبعدين نام. أنا هسخنلك الأكل اللي في التلاجة." ********************************** على الضفة الثانية من نهر النيل... حيث تصطف الفلل والقصور الشاهقة لأصحاب الطبقات المخملية.
في ذلك القصر الأبيض الناصع، من يراه يظنه البيت الأبيض. ولكن ما يحدث بداخله الآن هو أشد الكره بعينه. حيث تنزل من أعلى الدرج سيلين ترتدي الملابس السوداء التي اعتادتها مؤخراً بعدما توفيا والداها في حادث سير غامض أثناء ذهابهما إلى مؤتمر رجال الأعمال المقام في مدينة السلام شرم الشيخ.
ترتدي قناع الجمود والقلب المتصلب. لا أحد يعلم أن وراء هذا القناع قلباً ممزقاً حزيناً وحيداً بدون حماية. يريد دفء واحتواء، ولكنها تعلم جيداً أن تلك الأشياء لا توجد عند أفراد عائلتها. لذلك ترتدي قناع القسوة والعنفوان حتى تستطيع العيش وسطهم. فكل تحذيرات والداها كانت من هؤلاء الذين يجلسون في الأسفل. حيث سيتم اليوم فتح وصية والداها، لذلك تجدهم أول الناس حاضرين، ولكن إذا كانت بحاجة إليهم أو بحاجة إلى عطفهم، فتجدنهم أكثر الناس نفوراً وهرباً.
نزلت لأسفل حيث يجتمع الكل في غرفة واسعة بها مقاعد كثيرة ووثيرة. يجلسون بأريحية، يتهيأ لهم أنهم استطاعوا تنفيذ ما يحلمون به منذ سنوات، وأخيراً سوف يحصلون على تلك الثروة العملاقة. فهي فتاة وحيدة ومؤكد أنهم سيتقاسمون معها التركة. دَلفت الغرفة تلقي عليهم نظرة واثقة بلا مبالاة واتجهت تجلس بجانب محامي والدها ومحامي الشركة أيضاً السيد ممدوح، مردفة تتعمد تجاهلهم: "إزيك يا أستاذ ممدوح... تقدر تبدأ."
أومأ المحامي بصمت وبدأ بفتح تلك الأوراق التي أمامه على طاولة ذهبية. نظر للجميع بحذر والكل متأهب لما سيقال. توتر ونظر إلى سيلين التي أومأت له تحثه على الحديث، مردفة: "اتكلم يا أستاذ ممدوح." أومأ مردفاً يقرأ وصية والدها: "أحم... بسم الله الرحمن الرحيم... هذه وصيتي أنا سمير الحلواني... عندما يتم فتحها سأكون في رحاب الله... سأترك لكِ محبتي الدائمة يا ابنتي الغالية سيلين... في حفظ الله يا ابنتي وحمايته ترعاكِ...
أعلم أنني تركتكِ وحيدة ولكني متأكد من كوني أنجبت ابنة قوية تستطيع مواجهة الصعاب وتخطيها... اعلمي جيداً أن لا أحد يستطيع هزيمتك ما دام عقلكِ الذهبي يعمل... لقد طلبت من السيد ممدوح تعيين حراسة لكِ من أكبر شركات الحراسة وأهمها في مصر... وبالفعل بدأوا في حراستك متخفيين نظراً لرفضكِ القاطع لأي حراسة، ولكن الآن لي رجاء عندكِ واعتبريه جزءاً من وصيتي... عليكي بالالتزام بالحراسة... لا ترفضي حراستهم لكِ...
والآن سأترك لكِ أملاكي كلها... لقد سجلت كل أملاكي على اسمكِ... ٦٠% من أسهم الشركة سيتحولون بعد موتي لكِ... والباقي سيتم تقسيمهم على أفراد عائلة الحلواني... أما عن القصور والأرصدة البنكية فجميعها مسجلة باسمكِ... ولا أحد يحق له التصرف بها غيركِ... عليكِ أخذ الحذر جيداً فأنتِ تدركين مقصدي... انتبهي جيداً لحالك يا غاليتي... وتذكري دائماً الحراسة ولا تثقي في أحداً يظهر لكِ حبه."
كانت تستمع إلى تلك الكلمات بوجه بارد خالٍ من أي مشاعر. برغم حاجتها الملحة في البكاء والانهيار، ولكن لاااا ليس في حضورهم. أما البقية فهاجوا وماجوا مردفين بغضب: "لاااا... لا يمكن ده يحصل... إنت محامي كداب وحرامي."
أردف بهذا آدم ابن عمها نبيل الذي يجلس بهدوء عكس نيرانه المتدفقة بداخله. لقد خالف أخيه كل توقعاته. هو يعلم أن أخيه يدرك أمرهم وكرههم له ولابنته، ولكن ظن أن يتم تقسيم التركة حسب الشرع ولم يكن يعلم عن الوصية وما تحتويه. رد المحامي بغضب ودفاع: "عيب أوي كده يا أستاذ آدم... وبعدين دي وصية عمك أنا مش مستفاد منها بأي شئ." أردف آدم وقد أعمى الغضب والطمع عينه: "بردو كداب والوصية دي مزورة... يعني إيه طلعنا من المولد بلا حمص!
أردف نبيل بحدة يسكت ابنه: "آدم... اخرس خالص. ميصحش تشكك في وصية عمك الله يرحمه. الأحسن إننا نمشي. يلا يا بدور. يلا يا شمس. يلا يا وليد." نطقها بخبث وهدوء. فالثوران ليس من مصلحته الآن. عليه التفكير في حلاً أكثر خبثاً من الغضب والصياح. فهو على عكس ابنه آدم، يخطط من وراء الأقنعة ثم ينفذ في صمت كالثعبان.
نظر آدم إلى والده بزهول. كيف له أن يكون هادئاً هكذا بينما وقفت تلك الفتاتان بدور وشمس ينظران بحقد وكره إلى سيلين التي تتابع ما يحدث بلا مبالاة وبرود. أما وليد فكان ينظر لها باختلاف. دائماً يراها بطريقة أخرى غيرهم. ينبض قلبه لها منذ زمن، ولكن تسلط عمه عليه يضعفه. فهو لا يقوى على مواجهتهم. نعم يحبها على عكسهم، ولكنه ليس قوياً كفاية للاعتراف بذلك. ليس قوياً كفاية لحمايتها من مخططاتهم.
وقف الجميع يستعد للمغادرة، ولكن قبل أن يخطو أحداً للخارج، أردفت سيلين بثبات وهي تضع ساقاً على الأخرى: "ثانية واحدة يا... عيلة الحلواني." وقف الجميع ينظر لها بتأهب منتظرين حديثها. أردفت وهي تنظر داخل عين عمها نبيل بقوة:
"أنا بلغت البوليس. أي حد هيتعرضلي أو أي سوء هيحصلي هيكون إنتو أول الناس المتهمة في اغتيالي. وبردو أملاك بابا هتتوزع على الجمعيات الخيرية. يعني محدش هياخد من تعبه مليم. معلش يا عمي بس بابا علمني إن الاحتياط واجب. وزي ما إنت دايماً بتقول الواحد مش لازم يثق في أخوه. شرفتوا."
قالتها بثبات ونبرة ساخرة تدل على العكس أمام نظرات الجميع المصدومة، حتى نبيل الذي لم يتوقعها بكل هذا الدهاء. لقد ظنها صيداً سهلاً وسيتخلص منها بسهولة مثلما تخلص من أخيه وزوجته للحصول على الثروة. ولكن يبدو أن الأمر معقد ويحتاج إلى خطة بديلة. غادروا جميعاً يجرون خلفهم أذيال الخيبة والحسرة، بينما جلس المحامي ليتابع معها باقي الحديث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!