غادر أفراد عائلة الحلواني وظل المحامي فقط يجلس أمامها ليسترسل باقي حديثه عن الإرث الذي تُرك لها. نظرت لأثرهم بحزن داخلي. تمتلك من الثبات الانفعالي ما يجعلها تبدو كالجليد، ولكنها حقًا الآن بداخلها يغلي كالبركان. يا لبجاحتهم، يأتون لاستلام ميراثهم في شقيقهم! بأي حق يفعلونها! رحمة الله عليك أبي الغالي، لم يكن لك أشقاء بل كانوا ثعابين تحتضنك لتقتلك. تنهدت بقوة تستجمع ثباتها أمام المحامي الذي أردف: _نكمل يا آنسة سيلين؟
أومأت له بصمت فاسترسل:
_أحم، كدة أنتِ سمعتي وصية الوالد. وطبعًا سمير بيه كان متفق مع شركة الحراسة ومؤكد عليهم أن حراستك تكون مكثفة، بس ده ميمنعش إني أحييكي على الخطوة القانونية اللي اتخذتيها ضد عمك وأولاد عمك، لأن سمير بيه الله يرحمه كان دايما على حذر منهم. دي هتخليهم يعيدوا حساباتهم مليون مرة لو لا قدر الله فكروا يأذوكي. ولازم أبلغك أن فيه بكرة اجتماع لأعضاء مجلس الإدارة في الشركة علشان تتولي منصب المدير العام بعد وفاة الوالد.
أغلق الملف الذي أمامه مستكملاً: _كدة خلصنا جزء الوالد، نتكلم بقى عن ميراث الوالدة. تنهد وهو يقوم بفتح ملفًا جديدًا ينظر له بتمعن مستكملاً:
_طبعًا والدتك يا آنسة سيلين ملهاش وصايا، بس كل أملاكها هتتقسم شرعًا عليكي وعلى أولاد خيلانك وخالاتك اللي عايشين في سويسرا وهيتم التواصل معاهم في أقرب وقت علشان يستلموا ميراثهم. وأنا حابب أضيف أنه في أي وقت تحتاجي أي مساعدة أو دعم أتمنى تعتبريني شخص يؤتمن وتشاركيني عثراتك. ودلوقتي عن إذنك لازم أوثق شوية أوراق بخصوص التركة، ولو تحبي طبعًا إحنا ممكن ندور على شريك يشتري الأسهم الخاصة بيهم ونخرجهم من الشركة خالص. أردفت
بثبات وثقة ونبرة ذات مغزى: _لأ يا أستاذ ممدوح، لسة بدري أوي على الخطوة دي. سيب كل حاجة لوقتها. المهم دلوقتي لازم نشوف خط سير الإنتاج واصل لفين. أنا بعيدة عن الشركة من فترة ومش عايزة يحصل أي خلل في إنتاجنا علشان سمعة الشركة تفضل زي ما هي، ده طبعًا إن ما ارتفعتش لفوق. أومأ الأستاذ ممدوح مؤيدًا بحماس:
_برافو عليكي يا آنسة سيلين، هو ده فعلًا اللي لازم يحصل. عايزة تحاربي أي عدو يبقى لازم تثبتي نجاحك في الشركة وتعلي من شأنها. أستاذ فريد الله يرحمه كان دايماً حريص على أي شيء قانوني يصب في مصلحة الشركة. أومأت مردفة بعزيمة وثبات: _إن شاء الله. تقدر تتفضل يا أستاذ ممدوح، متشكرة لحضرتك. جمع المحامي أوراقه وغادر مودعًا. وظلت هي بمفردها.
نظرت من حولها، تطلعت لذلك الحائط المعلق عليه صورة كبيرة لوالديها. نظرت إليهما جيدًا، كأنها تعبئ عيناها وتملؤها بهما. اشتاقت لوجودهما، ويا ليت الاشتياق يعيدهما. تنهدت باختناق فقد أصبح حتى الهواء الداخل لرئتيها يخنقها. خرجت من باب هذه الغرفة إلى بهو القصر تنادي على تلك السيدة المسنة التي تخفف من على عاتقها عبء الأيام مردفة: _دادا علية. حضرت تلك السيدة ذات الوجه البشوش تنظر لها بحب وابتسامة صغيرة تشق ثغرها مردفة بحنان:
_نعم يا حبيبتي. أحضرلك الغدا؟ هزت سيلين رأسها مردفة بامتنان وهدوء: _لأ يا دادا مش جعانة. أنا هطلع أنام شوية لأن بكرة عندي شغل كتير ومهم جدًا. عن إذنك.
أومأت لها وبالفعل صعدت سيلين حيث غرفتها في الأعلى. ولجت إليها وأغلقت الباب خلفها. سحبت نفسًا عميقًا وهي ترفع وجهها لسقف الغرفة وقد لمعت عيناها بالدموع الحارقة. تنهدت تخرج مرارة الفقد وألم الوحدة. انسابت دموع الألم والخزلان حتى من أقرب المقربين إليها. هي أضعف الأقوياء حقًا.
جلست على كرسي وثير وبدأت تخلع حذاءها بإهمال وتفك أزرار فستانها الأولى لتعطي لنفسها الشعور بالراحة ولو قليلًا. كانت تبكي وتفكر في نفس الوقت. يشغلها القادم والحالي. رفعت رأسها عاليًا وأردفت بشهقات: _ياااارب، وكلتكُ أمري. قامت متجهة إلى المرحاض الخاص بها كي تخفي تلك الآثار الضعيفة وتعود بوجهٍ أكثر قوة وصلابة حتى لا تُكسر على يدِ أحدهم مثلما علمها والدها.
ليلًا في حارة سلطان تجلس لمياء بجانب عائلتها حول التلفاز. والدها ووالدتها وشقيقها الصغير. أردف نعمان والد لمياء بتساؤل وترقب وسخرية: _اتكلمتي مع خطيبك في موضوع الورث بتاعه يا بنت نعمان ولا لسه خايفة؟ لوت لمياء فمها مردفة بحنق وضجر: _آه يابا اتكلمت وياريتني ما سمعت كلامك ولا كلمته. هب فيا زي الغول، ولولا إني جريت معاه ناعم كان زمانه سايبني. قلتلك هو مش بيحب السيرة دي بردو صممت إني أكلمه. أردف نعمان بغضب ولوم:
_يعني إيه هب فيكي! أومال إنتي لسه عايزة تعدي هنا كتير! أنا خلاص مبقاش عندي حاجة ليكي. يعني كلميه يسهل كدة ويتجوزوا بسرعة، يا أما بقى أنا أكلمه بطريقتي. ترقبت لمياء واعتدلت في جلستها مردفة بتساؤل: _تكلمه بطريقتك إزاي يعني! أوعى يابا تفتح معاه السيرة دي كدة فعلًا ممكن نسيب بعض وأنا بقى بحب سلطان وأنت عارف. أردف نعمان بسخرية على ابنته:
_حبك برص يا بنت حكمت، بتحبيه على إيه نفسي أفهم. ده شكل على الفاضي، شايف نفسه على إيه أنا مش عارف! أردفت لمياء بتنهيدة وهيام: _هيييح، بس قمر يابا. شخصية تلاقي، وسامة تلاقي، حاجة كدة زي اللي بيطلعوا في الأفلام. قول بس هو اللي راسه ناشفة ومش راضي يروح الصعيد يتكلم مع جده. يابا ده ليه ورث أدة كده. أردفت حكمت والدة لمياء وهي تفص بأسنانها بذور اللب: _كلمه يا نعمان، سيبِ أبوكي يكلمه يابت يا لميا خليه يسهل. أردف نعمان
بإصرار بعد كلام زوجته: _خلاص أنا هتكلم معاه. هقوله إن يشوف حل في أسرع وقت لأن مينفعش معايا الكلام ده. وقفت لمياء مردفة بنبرة ذات مغزى: _اعمل اللي انت عايزه يابا، المهم سلطان ما يبعدش عني. أنت فاهمني طبعًا. اتجهت إلى شرفة المنزل التي تطل على الشارع الذي يقطن في آخره سلطان، تقف تنتظره لحين يخرج فهي تعلم موعده في الذهاب لعمله الحديث.
أما عند سلطان الذي استيقظ ليذهب لوردية عمله الليلة في حراسة أحد الأبراج السكنية المرموقة التي تحتوي على شخصيات من الطبقات المرفهة في المجتمع. جهز أمتعته وارتدى بذلة العمل الخاصة وأخذ سلاحه المرخص. وقبل أن يغادر دلف إلى غرفة والدته يوقظها بهدوء مردفًا بحنو: _أما... أما. تململت منيرة في نومها وبدأت تستيقظ وتتطلع عليه بنعاس مردفة: _أيوه يا سلطان. هتمشي يا حبيبي؟ أومأ لها سلطان مردفًا بحب واهتمام:
_أيوه يا أما همشي، بس قومي معلش اقفلي الباب ورايا بالترباس علشان أبقى مطمن عليكي. ربتت على يده التي كانت توقظها وأومأت وبالفعل أزاحت الغطاء ووقفت بهدوء وهي تمشي خلفه تملي عليه بعض التعليمات كي ينتبه على حاله وتختم كلامها بباقة رائعة من الدعوات بصلاح الحال له. غادر هو وأغلقت منيرة الباب خلفها واتجهت تكمل نومها. بينما رأت لمياء سلطان يأتي من البعيد فأشارت له من شرفتها بحماس مبتسمة فبادلها بإيماءة بسيطة. مردفة بلغة
آمرة بعدما اقترب منها: _ادخلي جوه يلا. أومأت بسعادة وكادت أن تدلف ولكنها ارتطمت بجسد والدها الذي تجاهلها وخطى واقفًا على إطار الشرفة مردفًا بصوت عالٍ نسبيًا: _سلطان... استنى أنا عايزك. خليك وأنا نازلك أهو. نظرت له ابنته بلوم مردفة وهو يمر من جانبها كي يلحقه: _محبكتش الوقتي يابا. لزومه إيه العكننة يعني.
مر متجاهلًا لها واتجه خارج منزله ومنه لأسفل. أما سلطان فوقف يتأفف بضجر لقد تأخر على عمله وأصحاب البرج السكني من أولئك القوم الذين لا يرحمون ولا يقبلون أعذار. نزل نعمان ووقف أمام سلطان. رفع نظره إليه، إنه حقًا طويل ذو جسد رياضي عريض المنكبين. تحمحم نعمان مردفًا: _أحم، تعالى نعد على القهوة نتكلم. اعترض سلطان مردفًا: _لأ معلش أنا متأخر على شغلي. قول اللي عندك يا عم نعمان وأنا سامعك. أومأ نعمان مسترسلاً:
_بص يا بني، إنت بقالك سنتين خاطب بنتي. داخل خارج قدام الحارة وأقول معلش بكرة يتجوزوا ونسكت اللي يتكلم. لكن الوضع ده مينفعش خالص. ده حتى الشغل مش بتثبت فيه، ودي بنت وأنت ميرضكش كده بردو ولا إيه؟ شوفلك حل يابني. يعني يا دوب قدامك شهرين تكون دبرت نفسك كده وتلموا حالكم وتتجوزوا، يا أما بقى كل شيء قسمة ونصيب. فيه الكلام ده زعل؟ نظر له سلطان مطولًا. أردف بعد صمت أربك نعمان:
_ماشي يا عم نعمان. أنا هتصرف وهعمل اللازم. فيه حاجة تاني حابب تقولها ولا خلصت؟ أردف نعمان بهدوء: _لأ تمام كده. يلا اتكل أنت على الله. أومأ له سلطان وغادر إلى عمله بعدما عكر هذا النعمان مزاجه وأخره على موعد عمله. في صعيد مصر. في محافظة ومدينة سوهاج بلد المواويل. تلك المدينة الخضراء التي تتميز بالطبيعة الساحرة حيث الهواء والخضرة والوجوه الحسنة.
في قطعة خضراء يحتل منتصفها منزل سوهاجي عريق تقطن به عائلة السوهاجي. تلك العائلة العريقة المعروفة بقوتها وسلطتها على المنطقة. يجلس الجد الأكبر توفيق برتابة أمام حفيدته سهيلة التي تبكي وتتوسل إليه مردفة بألم: _والنبي يا جدي بلاش ترجعني ليه. إني لو رجعت له هيسوي عيشتي مرار. ده بني آدم مافيش في جلبه رحمة. خليني هنا وسطيكوا. أردفت والدتها معنفة إياها:
_قومي يابت ادخلي عن جدك عاد. بلاها دلع ماسخ إكدة. ده جوزك يعمل فيكي اللي هو عايزه. إنتي اللي مدللة يابنت بطني. نظرت سهيلة إلى والدتها بقهر وهي تقف وتردف بقوة واصرار: _لا ياما. إني مش مدللة. بس إنتي اللي بسبب غضبك من أبوي دسيتِ فينا غضبك وكرهك. كنا عايزين ننجى منك واختارنا أي حد خبط بابنا من غير ما نفكر. اعترض الجد توفيق قائلاً بغضب:
_اخرسي يابت. صوتك ما يعلاش واصل وأنا قاعد. وأوعاكي تقولي الحديث الماسخ ده تاني. إني سألت زين على راجلك أو رجالة أخواتك. وكل الناس في قنا شكروا فيه. قولي بس إنتي اللي فرعونة. ارجعي لجوزك وربي عيالك يا سهيلة وإني هتكلم معاه ميزعلك تاني. نظرت له سهيلة بعدم تصديق. كانت نظراتها محاصرة بين والدتها وجدها. أومأت بقهر وأردفت بقوة وهي تحمل حقيبتها لتغادر وتعود من حيث أتت بعد أن خذلها المقربون:
_تمام يا جدي. أنا هعاود بيتي ولزوجي! بس ذنبي في رقبتكم ليوم الدين. وكلت ربي حسبي. قالتها وغادرت تحت نظرات جدها المصدوم من دعوتها عليه ووالدتها روايح التي لا تبالي بل تظن بطريقتها أنها تنتصر بصلاح بيت ابنتها والضغط عليها وجعلها خاضعة لهذا الزوج. أما بدرية زوجة عمها، تلك السيدة الحنونة، أردفت بتعقل:
_ياريتك يابوي سبتها يومين تريح حالها وبعدين شيعتها. أو على الأقل كنت اتكلمت معاه ميزعلهاش عاد. إنت خابر زين إن أهل جوزها طباعهم صعبة وممكن يزعلوها. نظر لها توفيق مردفًا بصرامة وحدة: _من مِتة وأنا باخد رأي حرمة يا بدرية! محدش إهنا يقرر غيري. والكلام ليكي إنتي كمان يا روايح. إني سكت بس علشان مجومهاش عليكي بس صوتك ما يعلاش إهنا. إنتي سامعة؟ أومأت روايح تردف بنبرة مستعطفة:
_حاضر يابوي. إني بس مش عايزة الناس تقول روايح بناتها عفشة ومعرفتش تربيهم لحالها بعد ما جوزها سابها وفضل واحدة قاهرية عليها. أردف توفيق بحدة وغضب: _إيه الحديث ده يا روايح!
بنات السوهاجي ما يتجالش عليهم كده أصل. ابني إبراهيم الله يرحمه مقصرش معاهم أصل ولو حتى كان مقصر لا إني ولا عمهم كنا هنقصر في يوم. واللي يجول حرف على بنات السوهاجي يندفن مكانه. إني بس خابر إن جوزها زين ومش عايزها تخرب بيتها. وإن كان على المعاملة، فأني هتكلم معاه. ارتبكت روايح وأردفت مسترسلة بترقب: _عارفة يابوي كل ده على راسي والحاج إبراهيم الله يرحمه كان سيد الرجالة. أنا بس بقول على اللي ممكن يتقال من ورا ضهرنا.
نظر لها توفيق بحدة. أما بدرية فا التزمت الصمت بينما في داخلها ترفق لتلك المسكينة التي غادرت مكسورة الخاطر وعزمت على إخبار زوجها محمود كي يجد حلاً لوالده أمام جبروت تلك الروايح. وصل سلطان إلى محل عمله. رآه زميله بدر الذي يتبادل معه وردية الحراسة لهذا البرج السكني. أردف بدر بغضب وتساؤل: _إيه يا سلطان هو إنت كل يوم هتتأخر كده! أنت عارف إن اختي لوحدها في البيت ولازم أروح لها بدري. أردف سلطان وهو يتجه
لمكان عمله بثبات وهدوء: _معلش يا بدر. يالا امشي أنت. ضيق بدر عيناه من هيأة صديق عمله مردفًا بتساؤل: _خير يا سلطان. حصل حاجة؟ نظر له سلطان بترقب ثم أردف بثبات وهو ينظر للبعيد: _أبو لمياء شافني وأنا جاي ووقفني وقالي أدبر نفسي في خلال الشهرين دول وأدبر شقة وعفش علشان نتجوز أنا وبنته. ومعاه حق. بقالي سنتين خاطبها وزي ما أنا محلك سر ومش عارف أعمل إيه. ربت بدر على كتفه بطيبة مردفًا:
_معلش يا صاحبي. هتبقى عال. شركة الحراسة اللي إحنا شغالين تبعها دي بتدي مرتب حلو ده غير الحوافز والمكافآت لو سكان المنطقة انبسطوا مننا. حاول أنت بس تثبت نفسك فيها وأنت الفترة الجاية هتعرف تدبر أمورك. أردف سلطان بضيق وتأفف:
_أنا مبقتش طايق نفسي يا بدر. حاسس إني عاجز وأنا شايف أمي متبهدلة كده ومش قادر أعملها حاجة. لو عليا هصبر وأتحمل بس هي تعبت وكبرت وعايز أريحها. ده غير لمياء اللي حبتني ووثقت فيا. أنا حاسس إن في جبل على ظهري معجزني. نظر بدر له بحزن. فدائمًا ما يعترض سلطان على وضعه المفروض عليه. يريد الصعود للأعلى متخطيًا درجات السلم في خطوة واحدة. بل يريد الركض بأقصى سرعته للوصول إلى كل ما يريده.
كان كل هذا يستمع إليه نبيل الذي نزل منذ قليل عبر المصعد قاصدًا الخروج ولكنه وقف يستمع إلى حديث الحرس وقد لمعت في رأسه فكرة لم تخطر على بال الشياطين كان يدبرها له منذ الصباح. مر من جانبهم ينظر لسلطان نظرات متفحصة من رأسه إلى أخمص قدميه حتى إن سلطان تعجب وأردف بجرأة: _خير يا نبيل بيه تؤمر بحاجة؟ ابتسم نبيل وأردف بخبث: _إنت اسمك سلطان صح؟ أومأ له سلطان بقوة وثبات فاسترسل نبيل:
_امم. واضح إن شخصيتك زي اسمك. على العموم ياريت تلتزم بمواعيد شغلك. وبلاش التأخير. أردف بدر مسرعًا ظنًا منه أن نبيل غضب من سلطان: _معلش يا سعادة البيه. أول وآخر مرة إن شاء الله. نظر نبيل إلى بدر بغرور ولم يتكلم. بينما أعاد نظره إلى سلطان للمرة الأخيرة وغادر بعدها فتعجب سلطان متسائلاً لبدر: _ماله ده! أردف بدر وهو ينظر لأثره بعدم فهم: _مش عارف. ده أول مرة يتكلم مع حد. ربنا يستر.
وقف سلطان ينظر للبعيد بشرود يفكر في أمر هذا الرجل الذي يطالعه بنظرات إن دلت فهي مؤكد تدل على مغزى بداخله. في اليوم التالي. استيقظت سيلين مبكرًا كعادتها. أدت روتينها اليومي وصلت فرضها. فبرغم عدم ارتدائها للحجاب التي تتمنى ارتداءه ولكن لم يحن الوقت بعد. إلا أنها لا تترك فرضًا مثلما علمها والداها. بالإضافة إلى صوت تلاوتها الرائع في القرآن فهي تتقن تلاوته بصوتٍ عذب رائع يخطف الأنفاس.
نزلت للأسفل بعدما ارتدت بذلة نسائية منمقة سوداء تحتها قميص أبيض تتلائم مع جسدها برقة ومشطت شعرها على هيئة ذيل حصان للأعلى. ألقت تحية الصباح على السيدة علية التي تحمل أطباق الفطور مردفة بهدوء: _صباح الخير يا دادا. ابتسمت عليا بسعادة مردفة: _صباح النور يا ست البنات. يالا تعالي افطري. عملتلك فطار من اللي قلبك يحبه. كان الإفطار ليس من مخططاتها ولكنها أومأت لأجل خاطر تلك السيدة مردفة بترقب: _تمام هفطر بس تعدي تفطري معايا.
نظرت لها علية بتردد ثم ما لبث أن أومأت بقبول فهي على يقين أنه في حال رفضت ذهبت تلك المسكينة إلى عملها دون فطور. جلست سيلين وبجوارها علية تمد لها الطعام بحنان وهي تردف بشفقة: _كولي يا حبيبتي. كولي يا سيلين وشك بقى أدة كده بسبب قلة الأكل. نظرت لها سيلين بعيون ملتمعة مردفة وهي تحاول الثبات: _مش قوي كده يا دادا. أنا أصلًا مش بحب أدبها على الفطار علشان حركتي تبقى خفيفة. وبعدين إنتي هتفضلي تأكليني ومش هتاكلي ولا إيه!
أومأت لها علية وبالفعل تناولت معها وجبة الإفطار القليلة ووقفت سيلين لتغادر بعدما ودعت علية. انتقلت إلى الحديقة فوجدت شخصًا ما يسرع إليها يرتدي نظارة سوداء وبذلة رسمية ذو جسد رياضي وعضلات بارزة وهو يقف خلفها مردفًا بجمود: _اتفضلي يا سيلين هانم. أنا محمد الحرس الخاص المسؤول عن حراستك. وتحت أمرك في أي شيء.
نظرت له قليلًا ثم أومأت بصمت وهي تمر وهو خلفها. وصلت لسيارتها ففتح لها الباب الخلفي. دلفت وركب هو بجانب السائق وخلفهما سيارة أخرى معبأة بالحراسة أيضًا. من يراها يظنها لوزيرة ما. ولكن لماذا لا وهي التي تمتلك أكبر مجموعة شركات ومصانع عائلة الحلواني لتصنيع العصائر والحلوى والمغلفات في الشرق الأوسط. ولديها من الأعداء الكثير الذين يريدون النيل منها خصوصًا بعد موت والديها ظنًا منهم أنها أصبحت صيد سهل جميل وثمين في آن واحد.
انتهت حراسة سلطان مع طلوع النهار وكاد أن يغادر بعدما تسلم منه صديقه نور الحراسة ولكن استوقفه نبيل الذي كان ينتظره مردفًا ينادي: _سلـطااان. توقف سلطان يلتفت متعجبًا بتساؤل: _اتفضل يا نبيل بيه خير؟ اقترب منه نبيل وأردف بصوت لا يسمعه سوى سلطان: _عايزك في موضوع مهم. ياريت تيجي ورايا على فوق. التفت سلطان إلى صديقه نور ينظر له بتعجب من أمر هذا الرجل. بينما أردف نبيل عندما لاحظ تردده:
_متقلقش يا سلطان. الموضوع اللي أنا عايزك فيه في مصلحة حلوة ليك. نظر له سلطان بقوة مردفًا بصوت رخيم: _المهم متهانش يا باشا. كرامتي تفضل محفوظة. نظر له نبيل بقلق مردفًا ببعض الغموض: _اسمع وقرر بنفسك. تصارعت الأفكار في عقل سلطان وأصبح مشوشًا ولكنه قرر الصعود مع هذا النبيل على عكس اسمه وليرى ماذا يريد. أثناء ذلك أخرج نبيل هاتفه وتحدث مع ابنه آدم مردفًا وهو يدلف المصعد:
_أيوه يا آدم. أحضر أنت الاجتماع بدالي. ورايا حاجة مهمة هخلصها وأجي. أغلق معه مع إغلاق باب المصعد عليه هو وسلطان وصعوده إلى شقته. بعد عدة دقائق يجلس سلطان ينتظر حديث نبيل الذي من المتوقع أنه لأمر هام. أردف نبيل بترقب ومكر يحاول استعطاف سلطان: _اسمع يابني. بصراحة أنا سمعت كلامك مع صاحبك عن ظروفك وجوازك. تنهد يدعي الاهتمام ثم أكمل مسترسلاً: _وأنا حابب أساعدك. يعني اللي إنت شايفه حلم ممكن أنا أحققهولك وبسهولة كمان.
نظر له سلطان بقوة مردفًا بذكاء: _والمقابل إيه يا نبيل باشا! أكيد كل ده مش محبة يعني! نظر له نبيل مردفًا بابتسامة ماكرة: _أكيد فيه مقابل. بس مش زي ما إنت فاهم. اسمع الأول اللي عندي وبعدها فكر كويس وقرر. ضيق سلطان عيناه ينظر له بتمعن وينتظر حديثه فأكمل نبيل مردفًا:
_أنا نبيل الحلواني. عيلتنا هي المالكة لشركات الحلواني للأغذية والعصائر والمعلبات. يعني أغنى عن التعريف. بس كل اللي إنت شايفه ده كان مكتوب باسم أخويا الصغير سمير. لأن والدي حب يضمن حق أخويا الصغير بسبب أنه كان مريض كانسر فكتب له كل حاجة قبل ما يموت، + أنه كان صغير جدًا وخصوصًا إن أمي اتوفت وهي بتولده.
بعدها أبوي مات وكل حاجة كانت لأخويا وكنا بنشتغل معاه بإيدينا وأسناننا وكبرنا المصنع وبدل المصنع بقوا ٦ مصانع والشركة كبرت والأسهم زادت وسمعت في البورصة والسوق كله. بس للأسف أخويا اتوفى قريب هو ومراته ولما فتحنا وصيته اكتشفنا أنه كاتب كل حاجة باسم بنته الوحيدة. مسبلناش أي حاجة من ورثنا. وللأسف كل حاجة قانونية ١٠٠% يعني مينفعش نطعن بالتزوير. وبنته طبعًا عمرها ما هتديلنا مليم من حقوقنا لأنها بتكرهنا جدًا. يدوب كل اللي اتحصلنا عليه ٤٠% من أسهم الشركة. وكل حاجة راحت لبنته وأنا وأولادي وأولاد أخويا الله يرحمه طلعنا من غير ولا مليم.
اعتدل سلطان في مجلسه مردفًا باستفسار: _أيوه بردو مش فاهم أنا مطلوب مني إيه يا باشا. وليه بنت أخوك بتكرهكم جدًا. جربوا تتكلموا معاها يمكن توافق تديلكم حقوقكم وتخلصوا من كل ده. تنهد نبيل يدعي الحزن مسترسلاً: _فكـرك إننا محاولناش؟
ياما كنا بنحاول نقرب منها أنا وولادي لأنها في النهاية لحمنا. بس هي كانت دايما بتبعد وقدرت تكره أخويا فينا. هي وأمها كانوا شايفين إننا أقل منهم دايما. أنا مش عايز حاجة غير إني أرجع حقي وحق ولادي وولاد أخويا التاني. ومحدش هيقدر يساعدني في ده غيرك. ظهر التعجب على ملامح سلطان مستكملاً وهو يضيق عيناه: _إزاي يا باشا مش فاهم! تحمحم نبيل وأردف بحذر:
_أنا زي ما قلتلك ليا أسهم في الشركة. وهقدر أعينك حارس أمني عندنا. كل اللي عليك إنك تحاول تلفت نظر بنت أخويا بأي شكل. تقرب منها ويا سلام لو كنت أنت الحارس الخاص بيها. مرة × مرة هتثق فيك وبسهولة هتخليها تمضي لنا على شوية أوراق ووقتها نكون ضمننا حقوقنا. وقف سلطان فجأة كمن كان ينام بعمق واستيقظ على صراخ مردفًا بحدة واستفهام: _إزاي يعني أقرب منها وبصفتي إيه وازاي إنت تعمل حاجة زي دي أصلًا!
وقف نبيل أيضًا يلتف حوله كالـأفعى يردف بفحيح ونبرة مغرية: _اهدى بس واسمعني. ده حقنا في الأول والآخر وهي واكلـاه. يعني إنت هترد الحق لأصحابه. وده ميمنعش إنك تمثل عليها خصوصًا إنك مناسب جدًا سواء في الشكل أو الشخصية. وقبل ما ترفض فكر كويس. لأن في المقابل هتاخد نص مليون جنيه. مبلغ يستحق المجازفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!