دلف سلطان بهدوء شديد، ولو أن أحداً وضعه على جهاز رسم القلب لوجد نبضاته عبارة عن اسمها فقط. كانت هي جالسة القرفصاء على الفراش، وواضعة رأسها بين أرجلها، تحاوط نفسها وتحتمي بذراعيها. رق قلبه لهيئتها، أين قوتها التي كانت تظهرها؟ أين كبرياؤها المزعوم؟ أين تلك التي أهانته وحطمت قلبه أمام شركتها.
لم تلاحظ وجوده، فتحمحم بهدوء جعلها ترفع رأسها تنظر له بعمق، وكأنها كانت تتوقعه وتعلم أنه الفاعل. سكون تام في الغرفة، أغلق هو بابها، بينما النظرات في عتاب يصيب القلوب مباشرة. "اشتقت له بشدة... هل ما زال حضنك بيتي كما أخبرتني؟ أولم تقل أنت هذا؟ " عيناها متألمة ضائعة. كان سيتحدث، ولكن يبدو أن لسانه يثقل في حضورها، عيناها تصمته لا إرادياً. تحركت هي ببطء من على الفراش ونزلت تتجه إليه بهدوء وترقب، وقفت أمامه تناظره بعمق.
بدأت تظهر غيمة دموع لعينة، حاولت إخفاءها عندما أردفت بصوت متألم حزين: "لسه كتير! نظر لها بتعجب، أولم تصرخ وتثور؟ عن ماذا تتحدث هكذا بكل هدوء؟ لم يفهم مقصدها، فاسترسلت بقلب متألم محترق: "أنا فكرت أن الحكاية انتهت لما عرفت الحقيقة! بس واضح إنكم مخططين لبعيد عن كده... صح؟ بدأ يفهم مغزى حديثها، بدأ يحترق هو الآخر، أنها لم تعد تلك القوية تماماً، بل هي هشة ضائعة مشتتة. صمت لتكمل، فاسترسلت بعدما أخذت نفساً عميقاً
تحرر به صدرها المختنق: "ناوي على إيه المرة دي يا سلطان؟ واااه من اسمه الذي يعشق أحرفه من بين شفتيها، حتى برغم نبرتها المتألمة، حتى في تلك الحالة يظل نطق اسمه من بين أحرفها مميزاً وله مذاق خاص. أبعد نظره عنها، ثم تقدم خطوتين حتى توقف خلفها، لا يقوى على التحدث أمام عينيها، ثم أردف بقوة وثبات حاول جاهداً الحصول عليهما:
"الخطة اللي بتتكلمي عنها خلصت من وقت ما قولتي إنك بتثقي فيا، وأنا جايبك هنا النهاردة عشان أقول اللي عندي." لفت تنظر لظهره مردفة بهدوء وروح متألمة: "اللي هو إيه؟ لف نظره إليها يدعي الثبات مردفاً:
"أنا فعلاً اتفقت مع عمك إني أوقعك، وأخليكي تثقي فيا. خالفت ضميري وخالفت اللي زرعته أمي جوايا وخالفت اللي علمهولي أبويا وقبلت بعرضه عشان كنت ضعيف أوي وقتها وسمعت شيطاني، وخصوصاً إنه قالي إن انتي اللي آخدة حقوقهم وبتكرهيهم. ده كمان عرف إني بجهز لجوازى وكنت محتاج أي فلوس عشان أتجوز البنت اللي خاطبها بقالي سنتين وضغط عليا بالحتة دي." تنهد يلف نظره مجدداً، فالحديث أمام عينيها مجهد جداً. استعاد طاقته
والتفت يكمل بصدق وصلابة: "دخلت في الحكاية دي متردد، وحاسس إني بخالف كل حاجة جوايا بس مضطر أكمل. لما شفتك على باب الشركة أول مرة كنت عايز أهرب ومكملش، لأني لقيت إن انتي البنت اللي قابلتها صدفة على النيل وكانت بتبكي على فراق أهلها. حسيت إنك غير ما عمك قال عنك." تطلع عليها بقوة يكمل بصدق:
"كنت كل لحظة بأنب نفسي وعايز أتراجع، بس لقيت حاجات بتربطني بيكي أكتر. حاولت أفهم الحكاية وأعيد ترتيب الصورة ولقيت إن انتي أبر وأطهر من إنك تاخدي حق غيرك. لقيتك محتاجة حماية وظهير قوي تستندي عليه، خصوصاً بعد سفرية شرم الشيخ اللي حسمت أمري وأكدتلي إن عمك نبيل هو الواطي والحقير في الحكاية دي كلها. لما قولتيلي يومها إنك بتثقي فيا مفرحتش، بالعكس، أنا استحقرت نفسي أوي. ولما طلبتي نتجوز!
كنت عايز أهرب من الصوت اللي جوايا، بس لقيت إن مسؤوليتك وحمايتك فرض عليا بعد ثقتك. أنا فكرت كويس وطلبت اتجوزك لأني كنت وقتها قادر أحميكي من عمك واللي حواليه. برغم خطوبتي من واحدة تانية بس اخترت أبقى معاكي انتي عشان أحميكي. مضحكتش عليكي وكنت هحكيلك الحقيقة كلها بس خوفي عليكي من رد فعلك منعني." تنهد يكمل بثبات:
"يعني يا بنت الناس أنا مديون ليكي بس بأني خبيت عنك الخطة دي، لكن غير كده لأ، لأني مكنتش ناوي لا أمضيكي على أوراق ولا آخد منك مليم واحد. الحاجة الوحيدة اللي اعتبرتها دين في رقبتي هي الفلوس اللي أخدتها من عمك وقت جوازنا." أردف بقوة وصلابة وهو يوالي ظهره:
"والدين ده سديته النهاردة. المشكلة اللي كانت عندك اتحلت، الفاكهة التالفة اتبدلت ومبقاش ليها وجود، والكلام اللي طلع على الفيس بوك اتكذب واعتبارك اتردلك. وبكده أكون سديت ديني ودفعت حق الذنب اللي ارتكبته." كانت ساكنة تماماً تستمع له بعجز، كان ينتظر حديثها، ولكن حين طال انتظاره لف يطالعها، فوجدها تنظر له بعيون متألمة أصابت قلبه فوراً. أردفت بعد صمت طويل وبصوت معذب ضائع تساءلت: "طب وقلبي!
سيسقط، ستسقط قوته إن ظل يتطلع إليها. لف نظره سريعاً قبل أن تخونه ذراعيه فيحتضنها شوقاً ويضرب بكل شيء عرض الحائط، فليسقط قانون أي شيء وكل شيء ولتبقى هي داخل ضلوعه. ولكن كرامته تمنعه، كلماتها المؤلمة لم ينساها بعد. اتجهت تقف قبالته على الناحية الأخرى مردفة وقد احتد صوتها: "دين إيه اللي أنت بتتكلم عنه!
أنا حقي هيفضل متعلق في رقبتك ليوم الدين، أنت مهما عملت ومهما حاولت مش هتقدر تسدد اللي عليك. أنت لعبت بمشاعري، وجعت قلبي. الحكاية كانت بالنسبالك شوية فلوس وبعدين قلبت بضمير صحي." نظرت لعينيه وأردفت بصدق وضعف مستكملة:
"بس كانت بالنسبالي قصة حب، أمان، ثقة، حماية. كانت بالنسبالي حاجات كتير أوي. وأنا مش مسامحة ولا عمري هسامحك مهما عملت. معرفش حليت مشكلتي إزاي بس أنا عندي أتسجن ولا إن واحد زيك يحاول يريح ضميره على حساب وجع قلبي." كان يعلم أنها عنيدة، ويبدو أن حديثه القوي لن يجدي معها نفعاً، لذا عليه أن يكون ليناً قليلاً دون أن يتخلى عن جديته. أردف بنبرة أكثر هدوءاً ولكن نبرته تحمل عتاباً: "اسمعي يا بنت الناس...
حقك وصل لما هنتيني قدام موظفينك وشركتك. حقك رجع لما قللتي مني قدام أمي وقولتي عليها ممثلة وهي ملهاش في الحوار ده كله." تنهد يكمل بحنو: "أنتي لسه على ذمتي، يعني أنا ليا حقوق عليكي. الموضوع انتهى، وعلشان يكون عندك علم مش أنا اللي حليت مشكلتك، اللي حلها هو جدي، الحاج توفيق السوهاجي." نظرت له بصدمة مردفة بتساؤل وتجاهل لبقية حديثه: "على ذمتك إزاي! مش أنت طلقتني! ابتسم ساخراً يردف:
"طلقة واحدة يا سيلين هانم ورديتك تاني، يعني انتي لسه مراتي، وأنا مش ناوي أطلقك. وخطوبتي فسختها يومها، يعني فضيت لك. عشان كده اعقلي وابعدي فكرة الطلاق دي عن دماغك." استعادت قوتها واتجهت تقف قباله مردفة بغضب: "يعني إيه مش ناوي تطلقني! هو بمزاجك! أنت هتطلقني غصب عنك." تملكته الصلابة والطباع الرجولية مردفاً بهدوء ووعيد: "يابنتي ماتختبريش صبري." أردفت بغضب وحدة وقوة مزعومة: "هو إيه ده! هو بالعافية!
خلاص أنت خدعتني وكدبت عليا وأنا وجعتك بالكلام، انتهينا." تطلع إليها بقوة مردفاً بثبات ظاهر: "لو عليا كان الأمر اتحل من يومها، بس المشكلة في جدي، عشان كده للأسف مش هينفع نطلق." ضيقت عينيها مردفة بتساؤل: "نعم! المشكلة في جدك! وأنا مالي بمشاكلك بقى إن شاء الله؟ أردف باستفزاز وخبث:
"مالك إنك مراتي، وأنا جدي راجل كبير ومريض وما صدقت إنه رضى عني. هو كان بيراقبني وعرف إني اتجوزتك عشان كده مش هينفع أطلقك دلوقتي. خصوصاً إن هو اللي حلالك مشكلتك وبعتلك المحصول كله من أراضي السوهاجي وكل ده عشان انتي مرات حفيده. يعني الموضوع خارج عن إرادتي." كانت تتطلع عليه ببلاهة لا تستوعب حديثه، فاسترسل: "جهزي نفسك عشان هاخدك أعرفك على جدي. وبالمرة تشكريه على وقفته معاكي." ضحكت ساخرة لا إرادياً تردف بزهول:
"لا ده جنان رسمي. أنا عايزة موبايلي حالاً ولازم أمشي من هنا. والمحصول بتاع جدك أنا هرجعه وأتسجن عادي مبقاش يهمني." مسح على وجه مستغفراً يردف بضجر: "استغفر الله العظيم. يابنتي قلتلك متختبريش صبري عليكي. زمان البوليس رايح يعاين المصنع ومش هتلحقي أصلاً ترجعي المحصول. يبقى تعقلي كده وتيجي معايا على إنك مراتي والأمور بينا تمام، وإلا يا سيلين هوريكي وشي التاني اللي انتي متتمنيش تشوفيه." هل أنا سعيدة؟
هل أشعر ببعض الراحة التي لا أعلم مصدرها؟ هل هذا ما أتمناه؟ نعم، ولكن سأنكر. أردفت بعد تفكير عميق بكبرياء أنثى: "تمام... هاجي معاك لجدك... وهشكره على وقفته معايا... وهمثل إني مراتك وإنه إد إيه مبسوطين سوا... بس عندي طلب." كان يعلم أنها آخر الأشخاص ليونة. أردف متسائلاً بقلق وملامح ثابتة: "إيه هو؟
تقدمت أمامه مباشرة حتى كادت تلتصق به، مما جعل جسده يهتز من قربها. ذراعيه تريد التحرر من حكمه وأخذها لعنده بقوة. أنفه الشامخة تريد الغوص في منحنى رقبتها الشامخ هذا لتشم رائحتها الرائعة التي يعشقها. يريد تجربة مشاعره معها مجدداً والاستمتاع بحلاله للمرة الثانية. تبدلت نظرته القوية ونظر لها باشتياق، فأردفت وهي تطالعه بترقب: "وقت ما أقولك طلقني هتطلقني فوراً من غير أي شوشرة. وتاني مرة متهددنيش بوشك التاني لأن شفته خلاص."
نظر لها بعمق مردفاً بثقة وهو يبتعد قليلاً حتى يتحكم في صوته: "موافق... نمشي؟ ابتعدت قليلاً تمد يدها مردفة: "موبايلي الأول." مد يده داخل جيب جاكيته وأخرج هاتفها يناولها إياه مردفاً بهدوء: "اتفضلي." أخذته منه بقوة ثم تخطته وفتحت الباب متجهة للخارج، فقابلت فاطمة شقيقته التي أردفت بسعادة متسائلة: "ها... اتصالحوا؟ نظرت لها بتعجب ثم نظرت للذي خرج خلفها يبتسم ويمد ذراعه يضعها على كتفها مردفاً يغمز لها:
"أيوه يا فاطمة كله تمام... أنا وسيلين بقينا زي السمنة ع العسل." أردفت فاطمة بسعادة: "كنت حاسة... باين عليها بت حلال وبتحبك يا خوي... بس متزعلهاش تاني واصل." اتجهت تحتضنها فجأة مردفة بحنو: "كان نفسي تجعدي معايا شوية بس إني خابرة إن أخوي مش هيوافق... ده كان متوحشك جوي. يلا يا عمري روحي وياه وأنا هاجيلكم الصبح أطمن عليكي." كانت سيلين في حالة زهول من هذه السيدة الحنونة، ولكنها أحبتها حقاً. أردفت سيلين بهدوء ونعومة:
"أنا متشكرة على ضيافتك... واتشرفت بمعرفتك." أردفت فاطمة بإعجاب: "ياختي عسل... دانتي في عيني وعلى راسي يا مرت الغالي. بس جوليلي... انتي كنتي عارفة إني أخت سلطان؟ نظرت سيلين إلى سلطان بحرج، ثم أعادت نظرها إلى فاطمة تومئ بهدوء وصمت، بينما أردف سلطان وهو يشدد من احتضان رأسها إلى صدره بحب مستغلاً وجود شقيقته: "أكيد عرفتك من الشبه يا فاطمة... أنا وإنتي فينا شبه كبير من بعض... ولا إيه يا سولي؟
نظرت له بغيظ وحاولت التحرر من قبضته، ولكنه ثبتها فأردفت تضغط على أسنانها بتوعد: "آه طبعا." ابتسم بخبث ونظر لشقيقته يردف مودعاً: "يلا يا فطوم نمشي إحنا بقى... الوقت اتأخر." أومأت فاطمة وهي تتجه معهما لعند الباب: "ماشي يا خوي مع الف سلامة."
خرج سلطان الذي ما زال يحتفظ بجسد سيلين واتجه لسيارته التي اشتراها مؤخراً بناءً على تعليمات جده. أركبها في الأمام ولف يصعد خلف طارة القيادة وبدأ يسوق متجهاً إلى منزل عائلته التي تنتظره هو وزوجته. عاد نبيل إلى منزله بعدما خرج بصعوبة من الشركة. يجلس يتحسس جبهته المجروحة وحوله ابنته بدور تردف بغضب: "يعني إيه محدش يعرف مكانها! أومال هتكون راحت فين دي؟ أردف نبيل بوعيد: "هتخرج... ملهاش حد يسندها ومش هتقدر تتحمى في حد."
أردفت شمس بغرور وهي تضع ساق فوق الأخرى: "تستاهل كل اللي يحصلها... عشان تبقى تتنكي علينا أوي... كأننا بنشحت منها." أردفت بدور بتهكم ساخرة: "حرام يا شمس... ابقي تعالي نزورها في السجن وناخدلها bread and sweet ههههههه." ضحكتا الاثنتان ونظر لهما نبيل بملل، بينما رن جرس الباب فأتجهت بدور تفتح بتأفف. دلفت وتبعها آدم ووليد. تقدم آدم وجلس قرب والده مردفاً بترقب: "شفت الفيديوهات اللي نازلة ع النت؟
تطلع نبيل له مردفاً بتساؤل مبتسماً: "فيديوهات إيه تاني! قالوا عنها حاجة تانية؟ أردف آدم ساخراً: "لااا وانت الصادق قالوا عنك انت... فيه فيديوهات متصورة من مصنع شرم الشيخ والعمال كلهم بيشكروا في سيلين وإنها غيرتلهم الآلات وحافظت على حياتهم اللي أنت مهتمتش بيها... وكمان فيديوهات من بيت العامل اللي اتوفى وهما بيمدحوا فيها وأد إيه هي ملاك في وسط شياطين." أردف وليد بشرود: "هي فعلاً سيلين طيبة أوي." نظر له
نبيل بغضب وأردف بحقد وكره: "انت تخرس خالص... انت وأختك وبنتي حطين إيديكم في مية باردة ولا سائلين عن أي حاجة... عايشين بتاكلوا وتشربوا وتلبسوا وتركبوا أحسن عربيات وتمسكوا أحدث موبايلات وتسهروا في أفخم الأماكن... حيكم إيه بقى من كل ده...
سيلين اللي انت بتقول عليها طيبة دي ناهبة كل حاجة على قدها. هي وأمها كانوا شايفين إننا شحاتين وطمعانين في سمير. سمير اللي كان ع الحجر وأنا وأبوكم أولاد كلب. سمير اللي مبيغلطش واللي بيسمع الكلام. سمير اللي اشتغل وكبر الشغل وأنا وأبوكم اللي ضيعناه. أنتو متعرفوش أي حاجة يبقى تخرسوا خالص. البت دي أنا بكرهها وبكره المكان اللي بتمشي فيه. والخير اللي هي عايشة فيه ده حقي أنا...
حقي دفعته في مقارنة وتفضيل واحتقار من أمي وأبويا ليا. وأنا هاخد حقي من نن عينها ومش هسيب لها مليم واحد تعيش منه حتى." وقف ينظر لابنه مردفاً بغضب: "شوف حل في الفيديوهات اللي طلعت دي... احذفها كذبها ولع فيها بس شوف حل. عرفت تستعطف الناس بس هنشوف هتعمل إيه لما البوليس يروح المصنع. ده غير الأسهم اللي وقعت... سيلين وقعت ومش بسهولة كده هتقدر تقوم."
دلف غرفته وأغلق الباب بعنف، أما البقية فتطلعوا على بعضهم بصمت وترقب من حديث نبيل الذي ينم عن كره عظيم وأحداث قادمة لا تبشر بخير. توقفت سيارة سلطان أمام منزل عائلة السوهاجي. نظر لها واردف بترقب قبل أن ينزل: "سيلين! ابتلعت لعابها بتوتر واردفت وهي تتطلع للأمام مدعية الثبات: "أفندم؟ تنهد يردف بمكر وكذب: "زي ما قولتلك...
جدي راجل كبير وتعبان ومش هيتحمل زعل. حاولي تعدي اليومين دول على خير وبعدها أنا هقنعه إن عندك شغل ولازم تسافري. يعني زي ما قولتلك إحنا قدام الكل مفيش بينا أي حاجة... تمام! نظرت له بغضب مردفة: "قولنا تمام." ثم اندفعت تفتح باب السيارة وتقف خارجها تنتظره، بينما هو نزل يستغفر ويهز رأسه بقلة حيلة منها، ثم أردف وهو يشير لها بيده: "اتفضلي."
تقدمت منه وصعدا الاثنان درجات السلم القليلة، ثم طرق الباب ففتح له محمود يبتسم بترحاب مردفاً: "يا أهلاً وسهلاً اتفضلوا... الدار نورت." ابتسم سلطان لعمه مردفاً وهو يسحب سيلين للداخل: "بنورك يا عمي." أردف محمود مرحباً: "يا أهلاً بمرت الغالي... كلنا هنا مستنيينك من بدري... تعالي اتفضلي الحاج توفيق مستنيكي جوه."
ابتسمت له بهدوء وانساقت مع سلطان حيث المضيفة التي يجلس توفيق على رأسها. دلف سلطان وهو يتمسك بكفها لعند جده، ثم تركها قليلاً واتجه يقبل يد جده باحترام مردفاً: "عامل إيه يا جدي." أردف توفيق بصلابة: "زين يا ولدي طول مانت زين." ثم نظر لسيلين التي تقف تطالعه برهبة مردفاً بوجه مبتسم: "أهلاً بعروستنا... نورتي دارك يا بنتي... تعالي واقفة بعيد ليه! انتي خايفة مني ولا إيه!
اقتربت بحذر لعنده، ثم فعلت مثل سلطان وتناولت كفه وقبلته مردفة باحترام وتواضع: "إزي حضرتك." ربت على يدها مردفاً بحنو: "زين يا بنتي زين... اتفضلي." جلست بجانبه ببعض الراحة، بينما كاد سلطان أن يجلس فاعترض جده يردف معنفاً: "استنى عندك انت هتجعد حدانا ولا إيه! إني رايد أجعد مع سيلين لحالنا. يلا خد عمك محمود واجعدوا برا." توتر سلطان ونظر لسيلين بحذر، بينما الأخرى ابتسمت بخبث وتجاهلته مردفة بحماس:
"فعلاً يا جدي أنا كمان عايزة أتكلم معاك." ابتسم توفيق كالاطفال وأردف بعجلة: "يلا يا سلطان خد عمك واخرج عاد." استسلم سلطان لأمر جده وخطى للخارج هو وعمه الذي أردف ليطمئنه: "متجلجش... جدك ذكي وعارف هيجول إيه." أومأ سلطان وجلس ينظر للغرفة بترقب، بينما غادر محمود متجهاً إلى غرفته ليستريح قليلاً. في الداخل أردف توفيق بتساؤل وترقب: "جوليلي يا بنتي... انتي بتحبي حفيدي بصحيح؟ نظرت له سيلين بعمق واردفت بعد تفكير بصدق:
"بحبه أوي." ابتسم توفيق يردف بفخر: "كنت واثق من أكده. تعرفي يابنتي... سلطان كل طباعه لابوه. ابني إبراهيم الله يرحمه كان جدع وشهم وحنين جوي. كان مطيع وييجي على نفسه علشاني. إني ظلمته وجبرته يتجوز بنت أخوي وهو رضي لجل خاطري. المدة الجليلة اللي سلطان جعدها هنا عرفتني إني كنت غلطان إني حرمته من حقه وأهله وناسه. إني اكتشفت إني محتاج سلطان أكتر ماهو محتاجني." تنهد يسترسل:
"إني عارف إن انتي ليكي حق عليا وليكي مصالحك وشركتك في القاهرة. بس حاولي متبعديش حفيدي عني. وكمان أو إوعي تبعدي عني واصل. لأنه بيحبك جوي." كانت تستمع له وداخلها يريد الصراخ. تتحدث داخلياً مردفة
(آه يا جدي، ليتني أستطيع إخبارَك ماذا فعل بي حفيدك. تخلى عن شهامته وحنانه وكسر خاطري وقلبي وكياني وحطم قوتي المزعومة فبت لا أستطيع حتى التظاهر بها. لقد طُعنت من أقاربي واستطعت أن أعالج حرجي وأتعافى، ولكن طعنة حفيدك أودت بي إلى الهاوية. يظنني سأسامحه! يظنني سأنسى ما جعلني أعيشه بتلك المبررات التي قالها! مستحيل... ولكن هذه المرة سأفعل مثله يا جدي...
سأستغل ما فعله لصالحي وأخرج من مأزقي هذا وبعدها سأقود مسرعة ولن ألتفت خلفي. نعم أحبه ولن أحب غيره ولكن طعنة الحبيب أقوى وأقسى من طعنة العدو. نعم أعشق حتى رائحته ولكن أعشق كرامتي أكثر. ولدت سيلين كوجه القمر ولن أنطفئ ما دمت أتنفس) كان هذا الحديث مع نفسها، بينما في الظاهر تومئ للجد بابتسامة تداري بها ما تنوي فعله.
أما في الخارج فعندما طال انتظار سلطان قرر الذهاب لغرفة والدته والاطمئنان عليها. اتجه لعندها وطرق الباب ففتحت له بعد قليل تردف بحنو: "تعالى يا حبيبي." دلف سلطان يقبل رأس والدته ويردف بعتاب وهو يرى حالتها: "برضه ياما هتفضلي حابسة نفسك في الأوضة هنا ومش هتخرجي! أردفت منيرة بهدوء: "كده أحسن يا سلطان... منعاً للمشاكل يابني... أنا مش عايزة جدك يضايق من وجودي أو أكون سبب كلام يحصل هنا... أنا كده مرتاحة يا سلطان...
المهم إنك رجعت لأهلك وحقك رجعلك... متشغلش دماغك بيا." أردف معارضاً: "لأ طبعاً يا ست الناس... راحتك قبل راحتي ولو انتي مش هترتاحي هنا أنا هاخدك ونرجع القاهرة. وبعدين جدي أكيد شاف بنفسه وفهم مين الصادق ومين اللي خدعه طول السنين اللي فاتت دي. أنا عايزك تخرجي ودايماً تكوني قريبة من جدي وتحاولي تشغلي نفسك بدل قاعدتك لوحدك معظم الوقت دي. وبعدين الست بدرية مرات عمك بتحبك أوي وعايزاكي معاها طول الوقت." أومأت تردف بهدوء:
"ربنا يسهل يابني... ويقدم اللي فيه الخير. طمني.. عملت إيه مع مراتك؟ ابتسم بحب مردفاً وهو يميل على أذنها: "جبتها معايا... هي قاعدة مع جدي دلوقتي بيتكلموا." اتسعت عين منيرة تردف بخوف: "ياني يا سلطان... لتقوله على الحكاية ديا يابني." أومأ مهدئاً يردف برتابة: "متقلقيش خالص ياست الناس... أنا وسيلين عملنا اتفاق سوا وهي وافقت عليه... وحكاية الطلاق دي هنأجلها شوية." أردفت منيرة بفرحة: "صحيح يا سلطان! كويس أوي....
ياريت يابني تصرفوا نظر عنها خالص..... أنا كنت خايفة عليها وقلقانة من عمها ده ليأذيها... خليك جنبها يا سلطان ومتسبهاش يابني... ده ضعيفة ووحيدة ولجأت لك... رجع ثقتها فيك يابني وخليك راجلها وسندها بس أوعى تقبل منها مليم يا سلطان... الراجل يابني يقوى ويكبر في عين مراته طول ماهو مكفيها وبيحترمها واعمى عن قرشها." حاول رأس والدته بكفيه يميل عليها يقبل جبينها مردفة بحب وفخر: "هيحصل يا ست الناس... هيحصل كل اللي قولتي عليه."
خرج الجد توفيق ومعه سيلين يردف بصلابة: "سلطااااان." خرج سلطان من غرفة والدته واتجه إليهما يردف بترقب: "نعم يا جدي! نظر الجد إلى سيلين بحنو مردفاً: "خد مراتك يا ولدي واطلع أوضتكوا يالا ارتاحوا." أومأ سلطان يتطلع إلى سيلين التي تنظر له بغموض واردف: "حاضر يا جدي... عن إذنك." تناول كفها وسحبها معه بحنو وصعد الدرج ومنه إلى غرفته. دلفا الغرفة وأغلق سلطان بابها ثم ترك يد سيلين واردف بثبات ولا مبالاة ظاهرة:
"ادخلي غيري هدومك جوة... هتلاقي هدوم تنفعك في الدولاب." ابتسمت ساخرة واردفت بترقب: "ده أنت مرتب لكل حاجة بقى." نظر لها قليلاً ثم أردف وهو يبعد ناظره بقوة ظاهرة: "أكيد مش هسيب فرصة لحد من البيت هنا يسألوا." تقدمت تقف أمامه حتى أصبح بينهما ممر هوائي ضيق وتتطلعت عليه تردف بغموض وتبتسم بخبث: "متقلقش... محدش هيسأل وراك... لأنك ممثل بارع."
تركته واتجهت إلى باب جانبي يبدو أنه المرحاض وأغلقت خلفها بقوة، فتنهد يسحب شهيقاً طويلاً ثم أردف يعنف نفسه بصوت هادئ متعجب من حالته: "مالك يا سلطان مش على بعضك ليه! مش قلت هتعاقبها؟ مش كنت ناوي تقسى عليها وتتعامل معاها ببرود! إيه الحاجات اللي بتحصلك دي؟ فوق كده واضبط اتجاهك عيب عليك." أما في الداخل فاستندت هي على الباب تفتح هاتفها الذي أغلقه سلطان ثم قامت بالاتصال على وداد التي أجابت على الفور مردفة بلهفة: "سيلين!
أردفت سيلين بهدوء متسائلة: "أنا كويسة يا وداد... طمنيني حصل جديد؟ أردفت وداد بسعادة وحماس: "أيوه يا سيلين... الموضوع يعتبر اتحل... الشرطة وفريق الصحة كانوا في المصنع دلوقتي واستاذ ممدوح قال إنهم كشفوا عن الآلات وحالة المصنع والثلاجات والمحصول وكل حاجة وكانوا مبسوطين أوي من الوضع وخصوصاً المحصول... يعني أكيد التقرير هيطلع لصالحنا...
ده غير الكلام اللي العمال قالينه عنك واللي غير رأي الناس وبعد ما كانوا بيشتموكي بقوا دلوقتي بيشتموا عمك... هههههه ده غير اللي حصل قدام الشركة." كانت تستمع لها بسعادة وراحة استحوذت عليها بعدما حُلت أزمتها واردفت متسائلة: "حصله إيه؟ أردفت وداد ضاحكة: "ههههه واحد حدفه بالشوز راحت راشقة في راسه هههههههه." تعجبت سيلين واردفت: "معقول الأمور وصلت لكده! أردفت وداد ممتنة: "بصراحة...
كويس جداً إن سلطان قدر يبعدك عن الدوشة دي كلها... وكمان عرف يتصرف وحل موضوع الفاكهة ده... بصراحة يا سيلين شكلي هغير رأيي فيه... لأنه واضح إنه بيحبك." ابتسمت سيلين مردفة بحزن وقلب متألم: "لأ يا وداد اطمني... هو بس حاول يريح ضميره بسبب الخطة العظيمة اللي رسموها عليا... لكن حب وكلام من ده مستحيل." تابعت بألم وانكسار تردف: "أنا اللي زيي يا وداد مش بيتحب... أنا بينضحك عليا بس." تنهدت تستجمع ثباتها مردفة:
"بكرة إن شاء الله هتكلم مع جد سلطان وأشوف هسددله حساب المحصول ده إزاي وبعدها هرجع ع القاهرة." أغلقت معها بعد قليل واغتسلت، ثم خرجت تنظر بترقب فوجدته يفرش أرضاً وينام مربعاً ذراعيه على رأسه. وقفت تتطلع عليه بشرود. قلبها يحبه جداً، عقلها مستاء منه جداً. صراع داخلها يهلك روحها التي تريد الاختباء في أحضانه الدافئة. اتجهت تتمدد على الفراش ثم شرعت في فرد الغطاء على جسدها نظراً لبرودة الجو، ثم فكرت (ولكنه ينام دون غطاء!
يمكن أن يمرض فالجو حقاً بارد... ويبدو أن لا يوجد غيره هنا) . انتظرت قليلاً ثم حركتها مشاعرها العاشقة إلى طرف الفراش من الجهة الأخرى التي ينام هو أسفلها، ثم قامت بطرح نصف الفراش عليه والنصف الآخر عليها فأصبح مشتركاً بينهما، مما جعلها تشعر بالدفء وتنام بعد قليل.
أما هو ففتح عينه التي كان يغلقها متظاهراً بالنوم ورفع نظره لأعلى قليلاً يتطلع إلى وجهها بعشق وعذاب وجسد حاول بصعوبة التحكم فيه حتى لا يتجه لعندها ولتعلم أنه بحاجتها أكثر منها بكثير. أردف بصوت داخلي قبل أن تغلق عيناه: "بعد هذا اليوم! محرمٌ عليّ النوم... إلا أمام وجهكِ... حبيبتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!