الفصل 17 | من 30 فصل

رواية على القلب سلطان الفصل السابع عشر 17 - بقلم آية العربي

المشاهدات
27
كلمة
5,698
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

فى الصباح استيقظت سيلين بتكاسل. فهي منذ أن ابتعدت عن سلطان، جفاها النوم. بالأمس فقط نامت بعمق. فتحت عيناها وجدت نفسها ملتفة في الغطاء بالكامل، فتعجبت. مالت قليلاً تنظر أرضاً، فلم تجد سلطان، يبدو أنه استيقظ منذ قليل.

قامت بعدما تنهدت، ونزلت من على الفراش تتجه لخزانة الملابس. فتحتها بهدوء، فوجدت داخلها بعض قطع الملابس التي أرضت ذوقها الراقي. ابتسمت ساخرة على أفعاله. هو يؤدي دوره على أكمل وجه. اختارت إحدى الأطقم المحتشمة ووضعته على الفراش، ودلفت المرحاض. في الأسفل، يقف سلطان مع عمه محمود يتناجيان سويًا. فخرجت روايح من المطبخ تنظر لهما بحقد، مردفة بصوت عالٍ: "بدل الحديت الخبيث دي، جدموا ع الوكل." نظر لها سلطان نظرة قوية،

بينما أردف محمود بحدة: "عيب يا روايح، ميصحش إكدة." خرج توفيق من غرفته، يردف بهيبة وتساؤل: "خير ع الصبح، انتو لسة عيال ولا إيه؟ أردفت روايح بحدة وهي تتطلع على سلطان: "أسأل حفيدك يا بوي، من وجت ما نزل وهو وعمه حديثهم مخفي، كنهم بيدبروا مصيبة." صمت سلطان احترامًا لجده، بينما أردف توفيق برتابة وهدوء: "ملكيش صالح بيهم، نادى ع البجية ويالا ع الفطار." ثم نظر لسلطان واسترسل: "وانت يا سلطان، نادى على مرتك يا ولدي."

أومأ سلطان وخطى ليصعد، ولكن سيلين أردفت وهي تنزل الدرج بهدوء: "أنا جيت يا جدي." نظر لها الجد بحنو، مردفًا: "صباح الخير يابتي، يالا تعالي." نزلت أمام أنظار ذلك الذي ينظر لها بشرود. ها هي عادت قوية كما رآها أول مرة، جميلة وناعمة تسحب أنفاسه مع خطواتها. أفاق على صريخ زوجة أبيه التي أردفت بغضب: "وه وه وه يا مري، هي مرتك متبرجة! إزاي يا بوي ده يحصل إهنا في بيت الحج توفيق السوهاجي؟ الناس تجول عننا إيه؟

نظر لها توفيق بصمت، بينما تتطلع على سيلين التي توقفت مكانها بصدمة. أردف: "في دي معاها حج يا بنتي، المفروض إنك تتحجبي. إنتي مرت حفيد عيلتنا الوحيد ولازم تكوني زي حريمنا كلهم." نظرت له بتيه وصدمة، بينما لفت نظرها إلى سلطان الذي أردف بقوة وثبات وهو يتجه إليها:

"محدش معاه حق هنا يا جدي. الوحيد المسؤول عن سيلين هنا هو أنا. وبعد إذنك، أنا مراتي تلبس اللي يريحها طول ما هو محتشم وواسع. طبعًا الحجاب فرض ومافيش جدال على كدة. بس مقدرش أغصبها على حاجة. وقت ما تحب تتحجب هتتحجب عن طيب خاطر مش غصب. وياريت يا ست روايح بدل ما تهتمي بأموري، تروحي تشوفي سهيلة اللي محتاجة وقفتك جنبها اليومين دول."

اتسعت عين روايح تنتظر غضب توفيق الذي طال. فتطلعت عليه وجدته ينظر لسلطان بصمت، ثم غادر إلى حيث مائدة الإفطار. أما سلطان، فأمسك كف سيلين وغادر خلف جده، كذلك تبعه محمود، بينما وقفت هي تغلي حقداً وغلاً. أما سيلين، فتعجبت من دفاعه عنها أمام عائلته وصلابته أمام جده، بالرغم من احترامه الشديد له. هل هذا جزء من اللعبة المتفق عليها أم ماذا؟ لا تعلم، ولكنها أحبت قوته تلك.

بدأ الإفطار بعدما حضرت منيرة وسهيلة وبدرية، ورحبن جميعهن بسيلين التي بادلتهن الترحيب بود. بعد الانتهاء من الطعام، أردفت سيلين باحترام وهي تتطلع للجد توفيق، متجاهلة سلطان الذي يجلس بجانبها تمامًا: "جدي لو سمحت، أنا محتاجة أتكلم معاك." نظر لها توفيق بصمت، ثم نظر لحفيده الذي ينظر أرضًا بانزعاج من تجاهلها له أمام الجميع، وأردف بصلابة: "خير يابنتي؟ أردفت وهي تتطلع على الجميع بحرج: "ياريت يبقى لوحدنا لو سمحت."

أومأ توفيق ووقف، مردفًا وهو يغادر: "تعالى ورايا." وقفت سيلين تسرع خلفه حيث غادروا إلى غرفة أخرى ليتسنى لهم الحديث. أما سلطان، فرفع نظره يفكر بشرود، ماذا يمكن أن يكون عندها لتخبره لجده. داخل الغرفة، أردف توفيق بترقب: "خير يا بنتي، جولي اللي عندك." تحمحمت سيلين وأردفت بتوتر: "احم...

كنت عايزة أعرف منك تكلفة المحصول اللي حضرتك بعثته لمصنعى. وكنت عايزة أشكرك على وقفتك جنبي في مشكلتي اللي كنت فعلاً ممكن أتسجن بسببها. أنا مديونة ليك دين كبير أوي." أومأ توفيق مردفًا بتعقل وحكمة:

"اسمعي يابتي، إنتي مرت حفيدي الوحيد. حفيدي اللي إني ظلمته وسبته يعيش لحاله هو وأمه، وبعدته عن حجه سنين بسبب خوفي على مشاعر بت أخوي. إني اللي مديون لسلطان دين كبير جوي جدام ربنا. وعشان كنت أخلي حفيدي يسامحني، كنت لازم أدخله من نقطة ضعفه، اللي هو إنتي يابتي. سلطان بيحبك وده اللي إني متأكد منه، ولما تبصي في عيونه هتفهمي ده كويس جوي. يعني دينك مش ليا إني. لو حابة تسددي دينك يبجى دي حاجة بينك وبين جوزك. ده جزء من حجه عليا."

نظرت له بتعجب وصمت طال، قطعه رنين هاتفها برقم محاميها الأستاذ ممدوح. فأردفت مستأذنة: "أسفة يا جدي، مضطرة أرد على التليفون ده. بعد إذنك." خرجت بعدما أذن لها، واتجهت لخارج المنزل تقف في مندرته. تردف بتساؤل: "أستاذ ممدوح، خير؟ تنهد ممدوح مردفًا بضيق: "للأسف يا سيلين هانم مش خير. الشركة الصينية اللي كنا بنورد لها منتجات باعتة فاكس وعايزة تلغي التعاقد معانا لأن اتسرب لها معلومات عن اللي حصل." انصدمت سيلين وأردفت بزهول:

"اتسرب لها معلومات إزاي! دي مشكلة واتحلت. يعني إيه تلغي التعاقد والشحنة أصلاً باقي عليها يومين وتتشحن لهم. دي فيها خسارة جامدة للشركة." أردف ممدوح بعجز: "للأسف حاولت أتواصل معاهم ونطلب هدنة، بس هما مصممين على قرارهم." وضعت كفها على جبينها، تردف بعجز وعقل تائه: "يعني إيه مصممين؟ هو لعب عيال! يعني خلاص كده، شركة الحلواني وقعت! أردف ممدوح بترقب:

"سيلين هانم، هو ممكن إنتي تسافري تتكلمي معاهم بطريقة مباشرة وتحاولي تقنعيهم؟ أردفت سيلين بتعجب متسائلة: "أسافر الصين؟ أردف ممدوح بعجز: "للأسف ده الحل الوحيد اللي متاح قدامنا." شردت قليلاً تفكر في عواقب قرارها، ولكن يبقى اسم والدها مسئولية على عاتقها وعليها الحفاظ عليه. أردفت تحسم أمرها: "هسافر يا أستاذ ممدوح. أنا هتكلم مع وداد وهسافر في أقرب وقت. جهز لي لو سمحت أوراق السفر وبلغني." أردف ممدوح باقتناع:

"تمام يا سيلين هانم. وأرجو إن حضرتك تاخدي حذرك كويس أوي، لأن طبعًا فيه فيروس جديد ظهر في الصين، أكيد سمعتي عنه." أومأت مردفة بيأس: "تمام يا أستاذ ممدوح." أغلقت معه وهاتفت وداد التي أجابت متسائلة: "سيلين! أستاذ ممدوح كلمك؟ تنهدت مردفة بحزن: "أيوه يا وداد. كلمني وهسافر الصين في أقرب وقت. ياريت تبعتي فاكس للشركة الصينية إني هسافر لهم." اتسعت عين وداد وأردفت معنفة: "تسافري الصين إزاي يا سيلين!

إنتي مش سمعتي عن فيروس كورونا اللي ظهر عندهم جديد؟ مينفعش تسافري خالص." أردفت سيلين بعجز وقوة ونبرة لا تحمل النقاش: "مافيش قدامي بديل يا وداد. هسافر الصين في أقرب وقت. ولو سلطان عرف يا وداد هيكون ده آخر ما بيني وبينك." صمتت وداد قليلاً، ثم أردفت مستسلمة بحزن: "اللي تشوفيه يا سيلين. بس أنا خايفة عليكي. الصين دلوقتي مكان خطر، ويمكن الرحلات بينا وبينهم تتلغي في أقرب وقت." أردفت سيلين بحزن:

"يبقى أتكلمي مع أستاذ ممدوح وخلصوا الموضوع في أسرع وقت وبلغيني. أنا هقفل معاكي. سلام." أغلقت معها عندما لاحظت خروج أحدهم إليها، وكانت هذه سهيلة شقيقة سلطان، التي تطلعت عليها بحب وترقب مردفة: "كيفك يا مرت أخوي؟ نظرت لها سيلين بهدوء وأردفت بابتسامة هادئة: "كويسة جدًا. ميرسي." أردفت سهيلة بهدوء وترقب:

"إني بجى أخت سلطان الصغيرة، بس إني أكبر منه بسنتين. وعندي بنت وولد. بس متجوزة في قنا. وبحب سلطان جوي. وبحبك جوي إنتي كمان." ابتسمت سيلين مردفة بتعجب: "بتحبيني! أومأت سهيلة مردفة بصدق وحماس: "جدااا. حبيتك من حديت أخوي عنك. وكان نفسي أشوفك جوي." تعجبت سيلين واعتدلت في وقفتها، مردفة بتساؤل: "وسلطان كان بيقول إيه عني؟ ضحكت سهيلة وأردفت بحب:

"أول حاجة كانت عينه بتلمع لما سيرتك بتيجي. طول الشهر اللي فات كنت كل يوم إني وهو نجعد نتحدت عنك. كان بيجول إنك طيبة وحنينة جوي. ده كمان جال... قاطع حديثها خروج سلطان إليهما، مردفًا بحذر وهو يلكز سهيلة في ذراعها: "احم... سهيلة! جدي عايزك." فهمت سهيلة مردفة بحرج وهي تغادر: "آه... طيب عن إذنكم. نبجى نتكلم وقت تاني يا مرت أخوي." غادرت هي ووقف سلطان قبالة سيلين، يردف وهو يطالعها بعيون عاشقة تخفي لمعتها

وراء ملامح وجهه الصلبة: "كنتي عايزة جدي في إيه؟ نظرت له بعمق وأردفت صادقة بهدوء: "كنت بسأله عن ديني. وقال إن التعامل هيكون بينا أنا وانت. تنهدت تسترسل بترقب: سلطان! تطلع عليها متسائلاً، فتابعت: "أنا لازم أروح القاهرة في أسرع وقت. فيه عقود لازم أوقعها وكمان الشركة مينفعش تفضل من غيري مدة طويلة." تطلع عليها قليلاً، ثم أردف بترقب:

"تمام. يومين كمان وهرجعك. بس حاليًا فيه شوشرة حوالى الشركة بسبب عمايل عمك. الأحسن تكوني بعيدة اليومين دول."

تنهدت تفكر. هي بالأساس أمامها بضعة أيام لتحصل على أوراق سفرها إلى الصين. فلما لا تقضيهم هنا وسط هذه العائلة المترابطة. هي تعلم أن بعد تلك السفرة مؤكد أن سلطان لم يعد يقبل بها زوجة، فهي ستغادر البلاد دون علمه وبهذا فهي تسقط حق قوامته عليها ولن يقبل هو بذلك. تعلم أنها يمكن أن تخسره. فلتستمتع بقربه قليلاً. لتستمتع بقرب عائلته التي أحبتها ليومان، وبعدها لتغادر بلا عودة ولتعود لوحدتها مجددًا كما اعتادت. أردفت

بمعالم وجه حزينة ضائعة: "تمام. موافقة. بس مافيش داعي تيجي معايا القاهرة. بعد يومين أنا هسافر لوحدي. وياريت متعترضش لأنني مصممة." نظر لها بغموض، ثم أومأ مردفًا بقبول: "تمام." استرسل بحنو وهو يكاد يغادر: "أنا رايح شغلي. ياريت تطلعي فوق لأن الجو هنا برد. وأنا هحاول أرجع بسرعة."

أومأت وهي تنظر أرضًا، وبالفعل غادرت مسرعة للداخل، ومنه للأعلى حيث غرفتها لتبكي دون أن يراها أحد. فداخلها يتمزق إلى قطع صغيرة. تريده ولا تريده، وهذا الإحساس يهلكها بقوة. أما هو، فغادر مجبرًا إلى عمله، ولكنه سيعود في أسرع وقت. ***

عصرًا، في غرفة سيلين، تجلس تتصفح هاتفها. كانت ترى آخر المستجدات حول ذلك الفيروس الذي يهاجم الصين. كذلك تشاهد الفيديوهات التي شاركها عمال مصنع شرم الشيخ وهم يتحدثون عنها بفخر وامتنان، وذلك الصبي ابن العامل المتوفي الذي نشر فيديو أبكى متابعين كثر وشاهده الملايين من رواد التواصل الاجتماعي. طرقات على الباب جعلتها تنتبه، مردفة بترقب: "اتفضل! دلفت منيرة تنظر لها بحذر، مردفة بتساؤل: "ممكن أدخل؟ أعدلت سيلين في جلستها

وأردفت بهدوء واحترام: "آه طبعًا اتفضلي." دلفت منيرة وأغلقت الباب خلفها، واتجهت تجلس جوارها، مردفة بحنو وتساؤل من هيأتها: "إنتي كنتي بتعيطي! ضحكت سيلين بوجع تهرب من نظارتها، مردفة: "لا ابدااا. أنا بس عيوني بتدمع لما بتابع الفون لوقت طويل." أردفت منيرة بحنو:

"أنا جايه أعتذر لك على اللي ابني عمله. عارفة إن اعتذاري مش هيداوى جرحك، وعارفة إنك بتحبي ابني علشان كده مجروحة منه أوي. بس أنا عايزة أقولك إنه هو كمان بيحبك أوي أوي. يمكن أضعاف حبك ليه كمان." ابتسمت سيلين تردف بتهكم وعدم تصديق:

"حضرتك مش محتاجة تخففي عني بالكلام ده. أنا تقبلت حقيقة إني متحبش. عرفت إني إنسانة بتستغل وبس. أنا كنت خطة ابنك وعمي رسموها سوا. مقدرش ألوم على سلطان وعمي هو المخطط. أنا بس موجوعة لأني كنت ساذجة أوي. موجوعة أوي لأني... صمتت تبكي لا إراديًا، فأكملت منيرة بحزن لحالها: "لأني حبيته صح؟ أومأت معترفة وقد زادت دموعها، مما جعل منيرة تلف ذراعيها حول جسدها بتملك وتحتضنها بحنو وتشدد من عناقها بحماية، وتردف على مسامعها:

"أوعي تعيطي، متزعليش يا عمري. ربنا ليه حكمة من كل ده. ابني اتعلم درسه كويس. صحيح جرح قلب عصفورة زيك، بس هو اتجرح أكتر منك بكتير. واتعاقب على اللي عمله صدقيني. ابني غلط في حقك أوي ودفع غلطته دي بعذابه في بعدك عنه." كانت سيلين ساكنة في أحضانها تستمع. فاسترسلت منيرة بصدق وحنو وهي تربت على ظهرها:

"ابني كان مستحيل يغفر لحد الكلام اللي إنتي قولتيه في الشركة عندك. برغم الاتفاق اللي حصل، بس سلطان مكنش ناوي أبداً إنه يعمل كده. سلطان اتجوزك علشان يحميكي ولأنه لقى إنك طيبة وبريئة من اللي عمك قاله. ابني حبك بجد." تنهدت سيلين وهي داخل عناقها، ثم ابتعدت قليلاً تردف بندم: "أنا آسفة إني اتهمتك زيه، وقلت عنك إنك ممثلة. وقتها أنا كنت موجوعة أوي. سامحيني." مسحت منيرة دموعها، مردفة بحنو وحزن لأجلها:

"لا يا عمري، متتأسفيش. أنا اللي آسفة عن الوجع اللي جواكي. واللي أنا متأكدة إن سلطان هيداويه." أومأت سيلين بصمت وشرود، وحاولت لملم شتاتها، مردفة بهدوء: "محدش عارف بكرة مخبي إيه. يمكن محتاجين وقت علشان نداوي جراحنا لأنها لسة بتنزف." طرقات على الباب أنبهتهما، تبعها دخول سلطان يتطلع عليهما بترقب. وقفت منيرة تردف بتخفٍ كي لا يلاحظ أمرهما: "أهلاً يا سلطان. إنت جيت بدري يعني."

نظر سلطان للتي تختبئ خلف جسدها وتخفض وجهها عنه، مردفًا بتساؤل: "فيه حاجة ولا إيه؟ أردفت منيرة وهي تنظر إلى سيلين بهدوء: "لا أبداً. أنا وسيلين كنا بنتكلم شوية. يالا أنا هسيبكم مع بعض." غادرت منيرة وأغلقت الباب خلفها، فتقدم هو بضع خطوات، مردفًا بترقب وهو يطالعها: "إنتي كنتي بتعيطي؟

هزت رأسها بلا وهي تخفضها كالأطفال. وقف قليلاً يتطلع إليها، ثم تقدم وجلس على الفراش أمامها، يرفع وجهها بيده بحنو، مردفًا بنبرة لينة حنونة من هيأتها التي هدمت حصون قوته: "أومال العيون دي حمرا ليه؟

نظرت له بصمت وقد تجمعت غيمة جديدة داخل عينيها. حاولت إبعاد نظرها عنه وإبعاد يده، ولكنه فاجأها بابعاد يده مع أسفل ذقنها ووضعها على مؤخرة رأسها، يدفعها لعنده بقوة، آخذًا إياها داخل ضلوعه، يشدد عليها بذراعيه الاثنان، مردفًا بحنو ضاربًا بقسوته المزعومة عرض الحائط: "خلاص اهدى. أنا آآآسف."

رفعت ذراعيها لا إراديًا تلفهما حول جسده بضعف، وقد خارت قواها أيضًا أمام فيضان حنانه، وبدأت تبكي وتجهش في بكاء شديد، تخرج به مرارة أخفتها عن الجميع. كان يشدد من عناقه، تاركًا إياها تخرج كل تلك الآلام والأوجاع في عناقه الحنون هذا. يضع رأسها داخل صدره بتملك، ويتنهد بعمق رائحتها المحببة. يتنهد بحزن بسبب شهقاتها العالية التي تحرق روحه. يحبها بقوة، ولا ولن يحب غيرها. لا ولن يتحمل دمعة واحدة من عينيها. لتسقط قوته وصلابته التي تمنعه عن مواساة حبيبة قلبه. إن كان حبها بحرًا، فهو الغريق. وإن كان حبها نارًا، فهو المشتعل. وإن كان حبها سحرًا، فهو المسحور بها.

ظلا هكذا إلى أكثر من حوالي ربع ساعة في بكاء مستمر، وهي تخرج ما بداخلها حتى هدأت قليلاً واستكانت على صدره. نظر لها فوجد أن قميصه قد أُغرق بدموعها، فأردف مشاكساً حتى يخفف عنها ويهدئ حالتها: "اسكتي بقى يا ليني، مش معايا مناديل المرة دي. والقميص غرق." حاولت الابتعاد قليلاً، فسحبها مجددًا يردف بصدق: "متبعديش يا سيلين، متبعديش عني تاني." تنهدت بعمق، تردف بعدما توقفت دموعها بصوت واهن: "ياريتني عارفة." أردف هو بحب بعدما سقطت

أقنعة الجمود والصلابة:

"سيلين، أنا مش هقدر أعيش من غيرك ومش هعرف. تعالي نفتح صفحة جديدة. تعالي نتعرف على بعض من أول وجديد. ننسى كل اللي حصل. ننسى جرحنا لبعض ونبدأ من الليلة دي. عارف إني خزلتك وخونت ثقتك، بس ربي وحده يعلم إني مكنتش ناوي أكمل. بالعكس، أنا حبيتك أوي. حبيت سيلين الملاك ولقيت نفسي مسئول عنك وعن حمايتك. صدقيني أنا لو كنت كملت، كنت خونت نفسي أكتر منك. أنا عرفت ذنبي واتعاقبت على غلطتي لما بعدت عنك. خلينا نبدأ كأننا لسه بنتعرف على بعض. أنا آسف يا حبيبتي."

كانت ساكنة في حضنه تستمع له بشرود. هل يمكن أن يحدث هذا! هل يمكن أن تعطيه ولنفسها فرصة جديدة! هل تنسى كل ما مر بها. ولكنه حماها. حل لها مشكلة كانت ستتسبب في سجنها. سافر ليثبت براءتها ويرصد أحداثًا وأقوالًا تمدحها وتزين جبهتها. ردها لعصمته برغم استعادة ماله وعائلته! وماذا عن قرار سفرها هذا؟ تسائل بقلق عندما وجدها شاردة: "سيلين! قولتي إيه؟ ابتعدت عنه قليلاً تتطلع عليه بعيون عاشقة، تردف بصدق وتشتت:

"مش عارفة. خايفة من اللي جاي." تنهدت تطالعه بضعف، مردفة في لحظة اعتراف ربما لن تتكرر، وقد قررت البوح بما في داخلها:

"أنا وجودي من غيرك معريني قدام الناس. أنا حتى بعد كل اللي حصلي منك مش عارفة أكمل من غيرك. أنا محتاجة ليك جدًا في حياتي. لقوتك. لحضنك. لحنيتك. لحمايتك. كل حاجة أنا مفتقداها لقيتها عندك. بغض النظر عن عمي وعن اللي حصل بينك وبينه، بس أنا مش عارفة أعيش حياتي بشكل طبيعي من غيرك. حتى بعد كل اللي حصل قلبي بيقولي إني ممكن أثق فيك تاني، وإن اللي حصل فتنة منهم علشان يفرقوا بينا. معرفش آخر ده إيه. ولا أعرف الأيام اللي جايه هتكون شكلها إيه. كل اللي أعرفه إنك شيء أساسي في حياتي."

نظر لها بعيون راقصة، مردفًا بسعادة ورضا: "يبقى منفكرش في اللي جاي. ولا نفكر في اللي راح. خلينا في لحظتنا دي. خليني أعوضك وأثبت لك حبي وأحميكي منهم."

نظرت له بقلق، ثم أومأت بهدوء، فاحتضنها بسعادة مجددًا وكأنه حصل على جائزة عالمية. دُفن رأسه في تجويف عنقها، وبدأ يستنشق رائحة اللافندر التي يعشقها وهو مغمض العينين، يستمتع باستردادها إليه، بينما تملكته مشاعر غريزية خاصة بها وحدها، أُحييت بعودتها، وقد بدأت تتحكم في جسده، مما جعله يشدد من احتضانه ويزمجر بأنفاس ساخنة تستهدف بشرتها الناعمة، فانتابتها قشعريرة بين يديه، مما زاد رغبته بها، وبدأ يقبل عنقها باشتياق، مما أثار داخلها مشاعر نائمة خاصة به وحده من بين رجال الكون. هو زوجها وحلالها.

بدأت تتململ بين يديه، فابعد وجهه عن عنقها ونظر لها بعيون مشتاقة، ثم مال على وجنتها يقبلها بحب وشوق، يسحب شفتيه بهدوء حتى وصل لشفتيها، فبدأ يقبلها بنعومة واشتياق، مستمتعًا بلحظته وزوجته التي يعشقها، والتي تتعامل مع مشاعره بخجل لذيذ زاد من متعته. بعد دقائق، ابتعد يخلع جاكيته، ثم بدأ يفك أزرار قميصه الأبيض. فنظرت له بخجل وأردفت بضعف: "سلطان! أردف مشاكساً بنبرة راغبة: "إيه يا روحي! دموعك غرقت القميص وممكن آخد برد كده."

انسجما الاثنان سويًا، وقد تفوق حبهما على عنادهما، وأصبح كل منهما قطعة أساسية من الآخر. *** في الأسفل، تجمعت العائلة حول مائدة الطعام، فأردف الجد متسائلاً: "هو سلطان ومرته مش نازلين ولا إيه؟ أردفت منيرة باحترام وحرج تداري خلفهما: "بعد إذنك يا با الحج، هما قالوا هيتغدوا سوا فوق." ابتسم توفيق مردفًا برتابة: "ومالوا، حجهم. لسه عرسان بردك."

نظرت لها روايح بكره، بينما ابتسم البقية بخبث، أما منيرة فتجاهلت نظرات روايح لها وأكملت طعامها وسط سعادة الجميع بعودة ثنائي الحب مجددًا. *** مساءًا، استيقظ سلطان يشعر بالراحة والسعادة والكمال في حضورها. تنام بين يديه بعمق وطمأنينة. يضمها بتملك ويطالعها بعشق. مال على جبينها يقبله عدة قبلات بطيئة وهو يعيد خصلاتها الحريرية إلى الوراء. أردف بهدوء وحنو بجانب أذنها: "ليني." تمتمت بنعومة بين يديه وهو ما زالت مغمضة: "امم."

ابتسم عليها وأردف بمرح وسعادة: "فوق يا بطل علشان حبيبك وقع من الجوع." فتحت عيناها تطالعه بخجل، وأردفت بنعومة وهي تتململ من بين يده وتداري أنظارها: "أنا كمان جوعت أوي." ضحك عليها وشدد من احتضانه، يردف بحنو: "لاء كده عيبة في حقي لما مرات سلطان السوهاجي تجوع. لازم البطل يتغذى كويس مقابل مجهوده." خجلت من كلماته الجريئة، وأردفت محذرة: "سلطان، احترم نفسك بقى." ضحك عليها بقوة وأردف بجدية:

"حاضر. أنا هقوم آخد شاور وأنزل أجيب الأكل ناكل هنا سوا." أومأت بسعادة، وبالفعل قام مضطرًا من جانبها بصعوبة واتجه للمرحاض، وشردت هي تفكر في استسلام مشاعرها له. تلك المشاعر الرائعة التي تختبرها معه فقط دون غيره. فكرت في ضعفها تجاهه، وهل ستنتهي معاناتها وتكمل معه باقي حياتها وتنعم بأمانه وحمايته، أم أن هناك أمورًا سوف تعكر حياتهما، وأحدها هو أمر تلك السفرية التي لا تعلم ماذا عليها أن تفعل بشأنها. ***

مر يومان على الزوجين العاشقين. كانا بالنسبة لهما الراحة والسعادة التي لم يتذوقاها طوال حياتهما. استعادت سيلين كامل قوتها في قربه وحنانه الذي غمرها بهما، فلم يسمح حتى لنسمات الهواء أن تحزنها. عوضها الكثير من الحب والحنان التي محت من ذاكرتها ما فعله في السابق.

أخذها في رحلة معه إلى أراضي عائلته، وكم استمتعت بالمناظر الطبيعية الرائعة، وأحبت هيبته وقوته في العمل ووسط العمال، حتى أنها شعرت بالكمال والرضا والفخر كونه زوجها. اقتربت من شقيقاته ووالدته التي أحبتهن جدًا، كذلك الجد توفيق الذي ظهرت ملامح السعادة على وجهه في تجمع عائلته حوله.

قررت أن تخبره بسفريتها إلى الصين، حيث ستحاول إقناعه ثم الذهاب والعودة في أسرع وقت. تعلم أن الأمر سيكون مجهدًا في إقناعه، ربما شبه مستحيل، ولكن إن اضطر الأمر ستنتظره حتى ينهي أوراقه ويذهب معها.

كما قررت مفاجأته بشيءٍ آخر اليوم. خرج من المرحاض بعدما أخذ حمامًا دافئًا، ينظر لجسدها الملتف حول الغطاء الدافئ بنعومة. ارتدى ثيابه التي عبارة عن جلباب صعيدي اعتاده مؤخرًا، فجعله هالة من الهيبة والرجولة، وأكمل هيأته بلفة الرأس الخاصة بالصعيد (عمة) ثم نظر لهيأته بفخر. اتجه إليها ودنى يقبل جبينها بحب، مردفًا بهدوء: "إيه يا ليني، مش كفاية نوم بقى؟ يالا قومي علشان ننزل. الجماعة تحت أكيد مستنيينا على الفطار." تمتمت

بنعومة وهي تدعي النوم: "حاضر يا سلطان. شوية كمان وهنزل." تحسس جبينها مردفًا بقلق وتساؤل: "إنتي تعبانة! هزت رأسها تردف باطمئنان: "لاء يا حبيبي. أنا كويسة جدًا. انزل إنت وأنا هاخد شاور وأحصلك." تعجب يضيق عيناه، ثم لوى فمه مردفًا: "تمام. على راحتك." وقف يغادر خارج الغرفة، فانتظرت إلى أن أغلق الباب، وقامت من فراشها بحماس، ثم اتجهت للمرحاض وأخذت حمامًا سريعًا، ثم خرجت ترتدي ملابسها التي أوصت سهيلة أمس بشرائها.

ارتدت الزي الذي عبارة عن دريس طويل لونه أوف وايت، وأخرجت تلك القطعة التي نظرت لها بحماس، مردفة وهي تضعها على رأسها بعدما جففت خصلاتها: "الله عليكي يا سهيلة. لونه تحفة." ارتدت الحجاب بلون الكشمير الهادئ، وبرغم الصعوبة التي واجهتها في لفه، إلا أنها في النهاية ظهرت بشكل جميل وملامح ناعمة بريئة ووجه أشرق بجمال الهي.

تطلعت لهيأتها في المرآة بسعادة، واستعدت للنزول بحماس، ولكن أوقفها رنين هاتفها، فتطلعت عليه وجدتها وداد. جلست على طرف الفراش تردف بترقب: "وداد! وحشتيني." أردفت وداد بحنو: "وإنتي كمان يا سيلين. ناوية تيجي إمتى؟ أستاذ ممدوح بيقول يومين والتأشيرة تكون جاهزة." توترت قليلاً وأردفت بهدوء: "تمام يا وداد. بس أنا نويت أقول لسلطان." فرحت وداد مردفة بسعادة:

"عين العقل يا سيلين. كده أحسن. ده غير إن عمك عرف بحكاية الصين دي وإنتي عارفة إنه شراني. الأحسن سلطان يكون عنده علم، ويا ريت لو جه معاكي." تنهدت سيلين تردف بشرود: "أنا فعلًا فكرت في كده. أنا وسلطان قررنا نعطي لعلاقتنا فرصة تانية يا وداد، وعلشان كده مينفعش أخبي عنه حاجة زي دي." أردفت وداد مؤيدة: "أيوه بقي يا سولي، خلينا نفرح. برافو عليكي، إنتي كده ماشية صح. اتكلمي معاه وعرفيني عملتي إيه. تمام! أردفت سيلين براحة وسعادة:

"حاضر. متشكرة أوي يا وداد. متشكرة إنك فهماني." أردفت وداد معاتبة: "إنتي غالية أوي عندي يا سيلين. بلاش تشكريني على واجبي تجاهك." أغلقت معها بعدما ودعتها، ووقفت تستعد للنزول بحماس. بينما في الأسفل، تجمعت العائلة حول مائدة الإفطار، بينما أردف الجد توفيق يسأل حفيده: "مرتك فين يا ولدي؟ أردف سلطان بترقب: "نازلة حالا يا جدي." تنهد الجد فهو لا يحب خلف مواعيد الطعام، بينما استغلت روايح هذا واردفت بحدة: "كيف ده يا بوي؟

عيب جوي لما كبير العيلة يجعد يستنى الست هانم مرت حفيده لما تنزل." أردفت سلطان مدافعاً بقوة متجاهلاً لها: "حقك عليا يا جدي، دي غلطتي أنا. أنا اللي صحيت سيلين متأخر وهي بتجهز ونازلة حالاً." أومأ توفيق، بينما قاطع حديثهم دخول سيلين تردف بحرج، متحمحمة: "احم... أنا بعتذر لتأخيري، بس مكنتش عارفة ألف الحجاب." التفت سلطان يتطلع إليها بزهول وهو يراها ترتدي حجابًا جعل منها ملكة متوجة على عرش قلبه. أما الحاج توفيق،

فابتسم بسعادة وأردف: "الله ينور عليكي يابتي، زي الجمر." بينما أردفت سهيلة بسعادة: "والله معاك حق يا جدي." أما منيرة وبدرية، فابتسمتا تباركان لها، بينما محمود نظر لسلطان الذي يطالعها بحب وفخر وقد عقد لسانه. اقتربت سيلين منه ببطء حتى وقفت أمامه، وأردفت بخجل من نظراته: "إيه رأيك يا سلطان؟ أفاق على حاله وأردف بسعادة وابتسامة واسعة متسائلاً: "مقتنعة بيه؟ أردفت بتأكيد وسعادة: "جدااا." أردف بحب: "يبقى روووعة."

ابتسمت برضا وجلست بجواره تتناول الفطور وسط العائلة بسعادة، بينما عيناه لم تكف عن النظر إليها كل ثانية، فلم يشبع من ملامحها الجميلة بعد. انتهى الفطور، ووقفا سلطان ليغادر إلى عمله، يردف وهو يتطلع إليها بحب: "أنا هروح شغلي. وإنتي لو احتجتي حاجة كلميني." أومأت له بخجل، بينما تطلع إلى والدته يردف بحنو: "محتاجة حاجة يا ست الناس."

ابتسمت منيرة برضا داعية له بصلاح الحال، ثم انطلق مع عمه بعدما ودع جده أيضًا. وقف ليفتح باب المنزل، ثم ما لبث أن فتحه، فوجد آخر شخصين يود رؤيتهما أمامه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...