وقفت تتطلع عليه ببلاهة لا تستوعب ما قاله، حتى تلك العلبة التي يمسكها بكفه لا تستوعبها. هزت رأسها علها تفيق، واردفت بتساؤل: _انت بتتكلم بجد! اردف بترقب بعدما زال توتره بعد اعترافه: _جداً... الا اذا انتي غيرتي رأيك. هزت رأسها بنفي، واردفت بعيون لامعة وصوت متحشرج: _بس ده ما كانش رأيك يومها! اردف مبتسماً بثقة:
_أنا آسف إني اتأخرت عليكي أو رد فعلي كان عكس ما توقعتي. أنا كنت المفروض آخد الخطوة دي، أنا بس كنت خايف. لو كان الوضع مختلف وإنتي مكاني، كان ممكن يتقبله الناس. لكن أنا كرجل معنديش ممتلكات ولا مصانع ولا شركات، وإنتي كبنت عندك كل ده، يبقى تلقائي الناس هتقول إني طمعان فيكي. وأي حد هيشوفها كده... علشان كده كان صعب أوي إني أبادر وأطلب إيدك للجواز. تنهد مردفاً بصدق واقتناع:
_قلتيلي إنك بتثقي فيا، أنا هكون قد ثقتك فيا. هعمل أي حاجة عشانك، المهم تكوني بخير. هقف في وش أي حد يتعرضلك بأذى. مش هيهمني نفسي، كل أولوياتي هتكون أمي وإنتي. إنتوا أغلى اتنين في حياتي. بس أنا طالب منك طلب. تسائلت بصوت هادئ ودموع وهي تناظره: _إيه هو؟ اردف متنهداً بضيق:
_محدش في الشركة يعرف. مش حابب النظرة اللي هيشوفوني بيها. على الأقل نأجل الخبر شوية لحد ما أثبت حسن نيتي. وكمان أنا مش هعيش هنا. أنا هاجر شقة هتكون خاصة بيا أنا وإنتي. عارف إن كل ده تغيير صعب أوي عليكي، بس أنا هتنازل عن أي حاجة ليكي إلا كرامتي. أومأت مردفة بتقبل وعيون لامعة:
_مش هسمح لأي حد مين ما كان يجرح كرامتك يا سلطان. يكفي إنك تكون معايا في حياتي. تطمني بليل وأنام وأنا مرتاحة. تحمي ظهري اللي من وقت موت بابا وأنا حاسة إنه مكشوف. تحافظ عليا وعلى حياتي يا سلطان. صدقني أنا مش عايزة حاجة غير كده. اقترب قليلاً يردف بتساؤل: _يعني موافقة! طب لو كده يبقى ممكن نكتب كتابنا إمتى؟ تعجبت من سرعته وشردت قليلاً تفكر، ثم اردفت بهدوء وسعادة وراحة أخيراً شعرت بها:
_بما إن مافيش حد من الشركة هيعرف، يبقى نخليه خاص بينا ويكون موجود بس وداد وجوزها ودادا عليا، وطبعاً مامتك ورأفت السواق. أنا بثق فيه. اردف متوتراً: _سيلين... خلي أمي بعد ما نكتب كتابنا هعرفك عليها. أمي مش هتفهم ارتباطنا. لو قولتلها قبلها هترفض، ووقتها هيكون صعب إني أعصي أمرها. خليني آخدك ونروح لها بعد كتب الكتاب. نظرت له بترقب واردفت بخوف: _قصدك إنها معترضة عليا؟ اردف بتفهم:
_لأ طبعاً. أمي لو عرفتك أنا متأكد إنك هتملكي قلبها. بس هي مش هتحب إني أكون زوج المدير العام بتاعي. افهمني لو سمحتي. أومأت له بتفهم واردفت مقتنعة: _تمام يا سلطان. سلطان، أنا هتنازل عن فرحتي زي أي بنت ومش هعمل خطوبة ولا حفلة ولا كل ده، لأني مستهدفة من أقرب الناس ليا. محتاجة لوجود الإنسان اللي أطمن على حياتي معاه. والإنسان ده إنت. علشان كده أنا معنديش مانع لأي حاجة، المهم مامتك متزعلش مني بعد كده.
نظر لها بغموض. شرد قليلاً يفكر، ثم اردف بهدوء وصدق: _سيلين... صديقي، مش مهم اللي فات. كل اللي فات مالوش أي قيمة، تجاهليه تماماً. أنا من هنا ورايح أهم حاجة عندي إنتي. وسرعة ارتباطنا دي لأني عايز أحميكي ومش هقدر أعمل كده وأنا بعيد عنك. لو كنا في ظروف غير كده كنت عملتلك أحلى حفلة وجبتلك نجوم السما بين إيديكي. بس للأسف وضعنا حكم علينا بكده. نظرت له بعيون لامعة واردفت بإعجاب: _وأنا مش عايزة حاجة غيرك.
نظر لها بحب ظاهر في عيونه وملامح لينة، ثم اردف متسائلاً بترقب: _طيب إيه رأيك لو كتبنا الكتاب بعد أسبوع؟ ونحتفل وسط حبايبك. وأنا هحاول أأجر الشقة وأخلصها في أسرع وقت. توترت قليلاً وأومأت مردفة: _معنديش مانع. بينما هو ابتسم واردف بحنو: _طب يلا؟ أومأت وخطت أمامه بروح جديدة، وكأن الهواء تغير من حولها وتتنفس راحة وسلاماً. في الحارة، في منزل لمياء، يجلس والدها على طاولة الفطور مردفاً وهو يلوّي الطعام في فمه بتساؤل:
_المحروس بتاعك عمل إيه؟ الشهر الأول خلص أهو ولا حس ولا خبر. اردفت لمياء بضجر: _يوووه يابا... هو أنا ناقصة تقطيم؟ ما بكفاية هو كمان مبقاش يسأل فيا زي الأول. اردف يضيق عينيه متسائلاً: _إزاي يا بت؟ لتكون شاف له شوفة تانية. اردفت لمياء بغضب واستنكار: _نعم! شوفة تانية يعني إيه؟ لهو أنا أتحمل كل ده وأصبر وأقول هانت يا بت وتتجوزوا، وبعدها أقنعه يجيب ورثه من أهله ونتنغنغ بقى... لأ ده أنا فيها يا أخفيها بقى. ضحك نعمان مردفاً
بفخر: _جدعة يابت. أيوه كده. خليكي وراه لحد ما ياخد حقوقه كلها. دانا سمعت إن ليه شئ وشويات وفلوس ياما. وطبعاً خير بنتي هيعم على أهلها... ولا إيه؟ وضعت الخبز من يدها مردفة بغضب: _إيه ياااابا. وصلت سيارة سيلين أمام الشركة. اردفت سيلين لسلطان قبل أن تنزل: _سلطان...
أكيد عمي عرف إننا كنا في شرم الشيخ. عيونه كتير أوي. المهم أنا هقول في الشركة إن حصل حالة وفاة بسبب آلة معينة وتم تغييرها وخلاص. غير كده مش هنتكلم يا سلطان، تمام! أومأ موافقاً ونزل أولاً يفتح لها باب السيارة كعادته، ولكن هذه المرة نظرت له مبتسمة فبادلها بحب. نزلت بعد ذلك ودلفا سوياً إلى الشركة تحت نظرات الجميع النمامة. صعدا في المصعد سوياً، وأثناء ذلك اردف سلطان:
_سيلين، أنا هوصلك وأرجع أقف تحت عشان محدش يتكلم. وقت ما تحتاجيني ابعتيلي رسالة. تمام! أومأت له وخرجا من المصعد ومنه إلى مكتبها. أوصلها أمام أنظار وداد المتعجبة، ثم غمز لها في الخفاء وغادر هو عائداً للأسفل، ولكن قاطعه طريقه نبيل ينظر له بغل وغضب مردفاً بفحيح: _ورايا ع المكتب. نظر له بلا مبالاة وتتبع خطواته حتى دلفا سوياً مكتب نبيل الخاص. أغلق نبيل باب المكتب واردف معنّفاً: _انت مش بترد على اتصالاتي ليه يا بن آدم؟
وضع سلطان يديه في جيب بنطاله واردف وهو يحرك منكبيه بثبات: _أرد عليك إزاي يا نبيل باشا وسيلين هانم جنبي! أنا توقعت سعادتك تفهم. ضيق نبيل عينيه يطالعه بتحقق، ثم اردف بترقب: _كنتوا فين؟ اردف سلطان وهو يطالعه بقوة: _بنت أخوك قررت فجأة نروح شرم. حصل حالة وفاة بسبب آلة هناك والعمال طلبوها. اردف نبيل بتساؤل وترقب: _يعني سيرتي جت قدامك؟ ولا لأ! اردف سلطان بتخابث: _وسيرتك تيجي ليه باشا، هو انت اللي قتلته!
نظر نبيل لسلطان بتوتر، فاسترسل سلطان وهو يخرج يداً واحدة ويشير بها إليه: _بالمناسبة يا باشا، مصلحتك قربت تخلص. جهز أنت الأوراق اللي انت عايزها تمضي عليها وأنا هخلصهالك. نظر له نبيل بصدمة مردفاً بعدم تصديق: _معقول... بسهولة كده؟ ضحك سلطان مردفاً بمراوغة: _قلتلك يا باشا، انت يهمك النتيجة. وأنا بحب أنجز شغلي بسرعة. المهم يا باشا حضر أنت الأوراق وسيب الباقي عليا. التفت ليغادر، ولكنه عاد ثانياً يردف وكأنه تذكر الآن:
_آه، من حق يا باشا. أنا محتاج نص اتعابي. زي ما أنت عارف أنا داخل على جواز، وبحضر شقة وعفش. يعني يا ريت تحضر لي مليون جنيه نقدي في أقرب وقت. ويا ريت يكون بكرة، لأن فيه شقة رايح أتفرج عليها أنا وخطيبتي. نظر له نبيل بترقب، ثم أومأ بقبول مردفاً بسعادة داخلية: _تمام. بكرة تيجي عندي البيت تاخد الفلوس. أومأ سلطان بصمت، ثم غادر بعدها يبتسم بمكر ودهاء ويردف بفحيح وهو يخطو في الرواق الذي يؤدي إلى المصعد:
_خلينا نسحب منك مليون قبل ما تتجنن. دلف المصعد ونزل لأسفل. بينما في مكتب سيلين تجلس تتابع عملها، فدَلفت وداد بعدما استأذنت تحمل فنجان القهوة مردفة بهدوء: _القهوة يا سيلين هانم. وضعتها أمامها، فأردفت سيلين بامتنان: _شكراً يا ود. طمنيني أخبارك إيه؟ وابنك عامل إيه؟ أومأت وداد مردفة بابتسامة هادئة: _بخير يا سيلين هانم. عملتي إيه في سفرتك؟ كله تمام؟ أومأت سيلين مردفة بحزن:
_الحمد لله يا ود. قدرت أعالج المشكلة. عمي كان مبوظ الدنيا خالص يا وداد. لولا لحقت المصنع كان زمان الدنيا اتقلبت فعلاً. وللأسف مضطرة أسكت ومحاسبوش على عملته لأنه ممكن يأذيهم. أومأت وداد مردفة بحنو: _بجد يا سيلين هانم، أفعال نبيل بيه وآدم بيه بقت تخوف وأنا قلقانة عليكي منهم. نظرت لها سيلين بترقب، ثم اردفت بخجل: _أنا لقيت حل يا وداد. ضيقت وداد عينيها مردفة بتساؤل: _حل إيه يا هانم؟ اردفت سيلين بترقب وصوت هادئ بطيء:
_أنا وسلطان هنتجوز. اتسعت عين وداد واردفت باستنكار: _آآآآه! تتجوزوا! إزاي؟ تعجبت سيلين واردفت بقناعة: _نتجوز زي الناس يا وداد، إيه اللي إزاي؟ تحمحمت وداد واردفت بتعجب: _أيوه بس إمتى؟ يعني يا سيلين هانم سلطان هو الحارس الشخصي بتاعك. مش شايفة إن الموضوع غريب شوية! لأ ده غريب أوي! تنهد سيلين ثم اردفت بهدوء: _وداد... إحنا نكمل شغلنا دلوقتي. وبعد ما نخلص تيجي معايا القصر ونتكلم. اردفت وداد بحيرة: _طيب بس آسر ومصطفى!
طب ما تيجي عندي إنتي؟ اردفت سيلين بقبول: _تمام يا وداد. مع إن كده سلطان هيتأخر في الرجوع، بس أنا هكلمه. يلا نشوف اللي ورانا. أومأت وداد تتطلع عليها بتعجب من حالتها. أتخشى عليه من العودة متأخراً، متى! في صعيد مصر. يجلس الحاج توفيق في غرفة المضيفة يرتشف من كوب الشاي الذي أحضرته له روايح، وها هي تجلس بجواره تترقب ذلك الحديث الذي أخبرها بأهميته. اردف توفيق بترقب: _اسمعي يا روايح يا بتي...
أنا كنت عايز أجيب سلطان يعيش ويانا إهنه. إني حاسس إن ابني زعلان مني وضميري واجعني أوي. هجيبه يعيش معانا ويكون سند لإخواته. جولتي إيه يا روايح؟ غلى الدم في عروقها واردفت بترقب: _وأمه؟ نظر لها توفيق بترقب ثم نظر أرضاً يردف بهدوء: _هتيجي معاه يا بتي، مهو ماهوش هيوافق ييجي من غيرها. وإنتي خابرة عاد إني حاولت قبل سابق مدخلهاش الصعيد أصل، بس هو مصمم تيجي معاه. وبصراحة إني مش غلطانة، هي أمه بردك.
امتلأت عيناها بالدموع واردفت وهي تلوّي طرحتها في يدها نادبة: _يا مرك يا رواااايح... عايز تجيب اللي قهرت جلبي تعيش معايا يا بوي! عايز تجيب اللي جَتلت ابنك وحرمت بناته منه تعيش وسطنا؟ دم ابنك رخيص جوي عندك أكده يا حاج توفيق! ضرب توفيق بقبضة يده على اليد الخشبية للمقعد مردفاً بصرامة وقوة:
_روايح اجفلي جاشمك عاد. دم ابني غالي جوي جوي. ولو هي اللي كانت السبب في موته يبقى هيتحاسب على يدي. وإني مش هعرف ده إلا لما تيجي وتعيش وسطنا إهنه. يبقى اعجلي يا روايح وفكري زين. أنا جادر أجيبه من الصبح وأحطك جدام الأمر الواقع، بس إني عامل حساب زعلك وشارى خاطرك. يبقى فكري زين وقرري. نظرت له روايح بتوتر وقد جفت دموع التماسيح سريعاً عندما رأت تصميمه ووقفت تغادر مردفة: _عن إذنك يا بوي.
انتهى الدوام في شركة الحلواني واستعدت سيلين لتغادر كما أخبرت وداد أن تستعد أيضاً حتى تذهبا سوياً. نزلت سيلين ومعها وداد إلى مخرج الشركة. رآها سلطان فاتجه إليها يأمنها إلى أن ركبت سيارتها ووداد التي ركبت بجانبها. اردفت سيلين لسلطان وهو يغلق بابه: _سلطان... أنا هروح عند وداد شوية. ممكن توصلني وتروح؟ وأنا لما أخلص هكلمك أو ممكن أروح مع رأفت عادي، كدة كدة الحراسة التانية ورانا. اردف سلطان بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
_هستناكي. نظرت وداد لسيلين تغمز بعينيها، بينما خجلت سيلين تلزها في قدمها مردفة بنعومة: _تمام. غادرت السيارة إلى منزل وداد، وبعد قليل، ولكن أولاً ستمر على الروضة الخاصة بآسر ابن وداد كي تحضره. بعد حوالي ربع ساعة توقفت السيارة أمام إحدى الروضات الخاصة، ونزلت وداد تحضر طفلها الذي عاد معها بحماس مردفاً عندما رأى السيارة: _عايز أركب جنب عمو. قالها وهو يشير على سلطان، فأردفت وداد بحرج:
_طب سلم على طنط سيلين الأول يا آسر. خليك شطور. أطاعها الطفل ودلف السيارة يسلم على سيلين التي فرحت كثيراً وتناولت يده، ففاجأها بقبلة يطبعها على خدها مردفاً بطفولة: _ريحتك حلوة أوي. ابتسمت له واردفت بحنو: _ميرسي يا آسر. ابتعد يقفز من بين المقعدين الأماميين ويجلس بجانب سلطان مردفاً بحماس: _يلا يا عمو سوق. أومأ رأفت، بينما لف الطفل رأسه ينظر إلى سلطان مردفاً ببراءة: _ازيك يا عمو. انت جوز طنط صح؟
ضيق سلطان عينيه يطالعه، ثم ابتسم بجاذبية مردفاً بقبول: _خلينا نقول صح. وانت آسر صح! أومأ الطفل بسعادة، بينما ظل يتابع ما يحدث حوله بإعجاب. نظرت وداد إلى سيلين مبتسمة، بينما سيلين ظلت صامتة بسعادة وراحة أخيراً حصلت عليها. بعد قليل توقفت السيارة أمام منزل وداد. نزلت وداد ونزل رأفت يناولها آسر، بينما نزل سلطان يفتح باب السيارة حتى تنزل سيلين. ابتسمت له واردفت وهي تنزل من سيارتها بصوت لا يسمعه سواه: _ميرسي يا سلطاني.
نظر لعيناها بشرود، ثم ابتسم بحب وإعجاب للقبّه الجديد على مسامعه. اردفت وهي تغادر للأعلى مع صديقتها: _مش هتأخر. اردف بتيه وحنو: _براحتك. غادرت للأعلى مع وداد، بينما هو ظل يتطلع لأثرها إلى أن غابت وأخذت قلبه معها. نعم، هي شقت ضلوعه وسحبت قلبه معها للأعلى. لا يعلم متى وكيف فعلت ذلك، ولكنه يقف ينتظر قلبه باستسلام تام لها. بعد قليل في شقة وداد، تجلس سيلين بحرج، بينما وداد تعد وجبة طفلها مردفة باعتذار:
_أنا آسفة جداً يا سيلين... بس ده معاد غداه وإلا هيفضل يبكي ويزن. ثواني وهجيلك. أومأت سيلين مبتسمة تردف بحرج: _وداد، أنا اللي آسفة. واضح إني لخبطت الدنيا عندك. وجوزك أكيد جاي دلوقتي. أنا همشي. قالتها وهي تقف تستعد للذهاب، فأردفت وداد تمنعها: _استني بس راحة فين! إنتي مش ماشية من هنا غير لما أعرف إيه اللي حصل بالظبط وإيه حكاية الجواز المفاجئ ده! وبعدين متقلقيش مصطفى عند مامته ومش جاي دلوقتي. يالا بقى احكي.
تنهدت سيلين بترقب، ثم اردفت بهدوء وخجل: _أنا يمكن حبيت سلطان يا وداد. وقبل ما تتعجبي، يمكن مش حب بس ارتحت معاه. يعني تلقائي بحس بالأمان لما بيكون جنبي، معرفش ليه! ضيقت وداد عينيها ثم اردفت بتعجب: _أيوه يا سيلين، بس إنتي متعرفيش عنه حاجة! ده غير إن هو يعني من الطبقة المتوسطة أو أقل كمان من كده! يعني إنك تحبيه ده صعب شوية. ده غير إن المدة اللي تعرفوا بعض فيها قليلة جداً. يبقى ده كله حصل إمتى وإزاي؟ اردفت سيلين بتفهم:
_بصي، كل اللي إنتي بتقوليه صح. أنا فاهماكي جداً. بس أنا مش عايزة أعيش قصة حب وعذاب، لأني جربت قبل كده ده مع آدم واتخدعت للأسف، أو كنت غبية ومعرفتهوش. وبردو مش عايزة أحب حد من المجتمع الراقي بتاعي ياخدني كاستثمار لصفقاته ويكون وقته كله للشغل وأنا آخر اهتماماته. ولا عايزة أعيش سنين لحد ما أكتشف إني بحب الإنسان ده أو بميزه. أنا عايزة حد أنام جنبه وأنا مطمنة. مش خايفة من بكرة ولا من لحظة غدر ممكن أحسها.
عايزة بيت صغير وراجل يحبني ويحتويني وأبعد عن كل ده. بسبب الفلوس والشركات والمصانع أنا اتحرمت من أهلي يا وداد وأنا في عز احتياجي ليهم. ولولا اسم بابا وتعبه، أنا كنت اتنازلت لعمي عن كل ده وريحت دماغي. لكن أنا فعلاً مبقتش محتاجة غير إني أعيش في هدوووء وبس. تنهدت تسترسل:
_وده أنا لقيته مع سلطان. مش مجرد حارس شخصي. لأ، هو بيتعامل بطريقة بتدخل جوة قلبي وبحس بيها. بيقدر يلفت نظري لأقل حاجة بيعملها. يعني أنا محمد كان حارس شخصي بس كان بيتعامل برسمية معايا. بيعاملني على إني شغل. لكن سلطان عيونه كلها خوف بجد. اهتمام. حنون جداً معايا. يمكن محدش يفهمني، بس أنا محتاجة تعويض عن أهلي يا وداد. محتاجة حد يحتويني ويعاملني بلين. والحد ده هو سلطان. تساءلت وداد بترقب وخوف:
_طيب هو مش ممكن يكون طمعان يعني في فلوسك؟ نظرت لها سيلين بتفكير، ثم اردفت: _قلة الأصل مش موجودة في عيونه يا وداد. أنا شفت نظراته كويس. ملقتش فيهم غدر ولا قلة أصل. تنهدت وداد تردف بتساؤل: _طيب يا سيلين. أنا يهمني راحتك طبعاً. بس بردو فكري. بلاش تستعجلي. نظرت لها سيلين بترقب ثم اردفت مبتسمة بهدوء:
_إحنا اتفقنا إن كتب كتابنا هيكون الأسبوع الجاي. ولعلمك سلطان رفض إنه يعيش معايا في القصر. هيأجر شقة لينا. وأنا وافقت فوراً. أنا نفسي عايزة أبعد شوية عن كل ده. وكمان هو طلب إن مافيش حد في الشركة يعرف بجوازنا ولا حتى عمي. لأنه مش هيتحمل نظراتهم ليه. وأنا وافقت وقلتله إن إنتي وجوزك ودادا عليا ورأفت السواق بس اللي هتكونوا موجودين وقتها، لأني مش بثق في حد غيركم. أتمنى تقفي جنبي يا وداد وتدعميني. أنا بجد محتاجة ده.
نظرت لها وداد بحنو، ثم تنهدت وهي تلتقط كفها بين يديها مردفة بطمأنينة: _أنا معاكي يا سيلين. معاكي وهدعمك في أي حاجة مادام فيها راحتك. ابتسمت سيلين بعيون لامعة، ثم بادلتها عناق أخوي، ثم وقفت تردف باستئذان: _همشي أنا بقى. يلا سلام. أومأت وداد مردفة بقبول: _مش همسك فيكي للغدا، لأني عارفة إن طول ما سلطان واقف تحت مش هتكوني مرتاحة. ضحكت سيلين مردفة بمرح: _بدأتي تفهميني.
أومأت لها وهي توصلها عند باب المنزل وغادرت سيلين إلى الأسفل حيث يقف سلطان ينتظرها أمام الباب الرئيسي، إلا أن نزلت واردفت مبتسمة: _نمشي؟ نظر لها ببريق ظهر فجأة في عينيه حين رآها واردف برتابة: _نمشي. في اليوم التالي، انقضى النهار سريعاً بدون أحداث تذكر، عدا تقرب سيلين من سلطان الذي يزيد يوماً بعد يوم. عادت سيلين إلى القصر وغادر سلطان ينوي الذهاب لنبيل حتى يأخذ المبلغ المطلوب.
وصل سلطان لمكان حراسته القديم والذي يحتوي على أبراج شاهقة لأفراد المجتمع المرفهين والطبقات العالية. اتجه إلى البرج السكني الموجود فيه شقة نبيل. قابل صديق عمله بدر الذي تعجب واردف بتفاجؤ: _سلطان! إزيك يا صاحبي. بقى كده تمشي من غير ما تسلم عليا؟ وأعرف من نبيل بيه إنك اشتغلت في الشركة عنده. ربت سلطان على كتفه واردف معتذراً: _معلش يا بدر، حقك عليا. إنت أخبارك إيه؟ اردف بدر مبتسماً برضا:
_الحمد لله عال. المهم إنت طمني عليك. وعملت إيه مع خطيبتك؟ نظر له سلطان بشرود، ثم اردف بذكاء: _هانت. هتجوز قريب. هبقى أعزمك. أومأ بدر مردفاً بفرحة: _ألف مبروك يا سلطان. فرحتلك يا أخي. اردف سلطان وهو ينظر لأعلى المبنى: _تسلم يا صاحبي. نبيل بيه فوق. هو عارف إني جايله. أومأ بدر مردفاً: _أيوه فوق، اطلع له. غادر سلطان مستعملاً المصعد، ثم وصل إلى شقة نبيل وطرق الباب، ففتح له نبيل مبتسماً يردف: _أهلاً يا سلطان، اتفضل.
دلف سلطان وتوقف في نصف الصالة يردف بترقب: _جهزت الأوراق والفلوس يا نبيل بيه؟ أومأ نبيل واردف وهو يخرج حقيبة من إحدى الغرف: _الفلوس أهي يا سلطان. ودي الأوراق. أربع أوراق أهميتهم تساوي حياتك. فاهمني. نظر له سلطان بغموض، ثم اردف بصلابة: _حياتي في إيد اللي خلقها يا نبيل باشا. بلاش تستعمل معايا التهديد، لأنك أكيد عارف إن الطريقة دي مش سكتي. الورق هيتمضي عليه في أقرب وقت. تساءل نبيل بقلق: _أيوه يعني إمتى وإزاي؟!
اردف سلطان بثبات: _إمتى قريب. لكن إزاي دي بتاعتي أنا. عن إذنك. غادر سلطان يبتسم بسخرية. أما نبيل فنظر لأثره بغضب واردف: _ماشي يا ****. تسلمني بس الورق ده وأخلص من سيلين، ووقتها هفعصك برجلي. بدأ سلطان من خلال عمله السابق ومعرفته بأصدقاء حراسة للمباني المرفهة في البحث عن شقة مناسبة لوضع سيلين، وقد كان.
فقط وجد إحدى الشقق في مكان مرموق وبعيد نسبياً. كان يجهز كل شيء بسعادة. حماسه جعله ينتهي من تحضيرات المنزل في أسرع وقت. كان يخبر سيلين بما يحدث معه أولاً بأول ويجعلها تختار ما تريده عبر الهاتف، وهي دائماً كانت تختار ما يناسب وضعه.
أخبرت سيلين السيدة علية بزواجها، وبرغم تفاجئها وخوفها، إلا أن سيلين أقنعتها بسلطان وأخبرتها أنها ستبتعد فترة عن القصر وعليها الاعتناء به. كما أخبرت هي وسلطان رأفت السائق الذي سعد كثيراً وهنأهما برغم تعجبه. اليوم هو موعد كتب كتاب سلطان وسيلين. ولكي لا يلاحظ أحد ذلك، انقضى يوم العمل كغيره تماماً من الأيام. حتى أن سلطان أخبر والدته أن لا تنتظره ليلاً، وذلك بعدما أقنعها بذهابه في رحلة عمل.
بعد ذلك عادت سيلين إلى القصر وقد تم تجهيزه لكتب الكتاب. ذهب معها سلطان كعادته، ولكنه اليوم لن يعود إلى منزله مع والدته، بل سيعود هو وزوجته إلى الشقة التي استأجرها.
جاء المأذون والذي أحضره رأفت السائق وجلس على يمينه سلطان ينظر إلى نقطة ما في الأرض بشرود. بعد قليل ستكون هي على اسمه. يعلم أنه مستغل لاحتياجها له وقد أخفى عنها أموراً كثيرة، ولكنه سيخبرها بها واحدة تلو الأخرى بعد ذلك. سيصارحها بكل شيء. أما عن لمياء، فهي لم تكن المرأة المناسبة له. سينهي معها الخطبة، ولكن عليه أولاً أن يضمن بقاء سيلين بجانبه، لأنه لا يضمن رد فعل لمياء إن علمت بالأمر. يخشى على سيلين، لذلك سينتظر قليلاً. أمور عدة تشتت رأسه وتقلقه من القادم، ولكن الأهم من كل هذا، أنه سيكون مع من تستحق حبه واهتمامه وحمايته. سيكون مع من نبض قلبه لأجلها.
كان مصطفى زوج وداد يجلس يتحدث مع رأفت في أمور عامة، بينما وداد وعلية في الأعلى مع سيلين الذي كانت ترتدي فستاناً أبيض ناعماً وهادئاً جداً بدون أي إضافات تذكر. تجملت ببعض الحمرة والحكل العربي وأطلقت شعرها للعنان مع وضع شال رقيق عليه.
نزلت لأسفل معهم ودلفت للغرفة بقدم متوترة. شعر بها تأتي من وسط زحام أفكاره، فرفع نظره يطالعها بعيون عاشقة وقد لمعت ببريقها الخاص. كانت جميلة ككل يوم. كانت في عينه أجمل نساء الدنيا. وقف على حاله يتقدم منها، بينما ابتعدتا عنها وداد وعلية وأردف هو بحنو وإعجاب: _قمر. ابتسمت بخجل واردفت: _ميرسي. اتجه اثناهما يجلسان حول المأذون، وتم فتح دفتره وقد بدأ في تلك الزيجة التي ستغير حياتهما تماماً.
بعد دقائق معدودة انتهى المأذون مردفاً جملته الشهيرة: _بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. وقف سلطان ينظر لها كالحلم البعيد الذي تحقق. اقترب منها وتناول كفها يوقفها مردفاً بلين وحنو: _مبروك يا حبيبتي. ابتسمت بخجل وتوتر واردفت: _ميرسي. ابتسم عليها ورفع كفها يقبله بحنو وبطء، أثار قشعريرة أسفل معدتها، وهي التي لأول مرة تجرب هذا الإحساس. لم تسمح أبداً لأحدهم بهذا القرب، ولكنه... زوجها! يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!