فى الغرفة التى خصصها الجد لنعمان وابنته لمياء .. تجلس على فراش صغير تردف بترقب : تفتكر سلطان هيوافق بسهولة كده يابا ؟ اردف نعمان بضجر وهو يجلس على فراش آخر : مافيش قدامه حل تاني ... ده حكم جده ... وبيتهيألي مش هيسيب العز ده كله ويرجع تاني للفقر ... دي تمثيلية بيعملها علشان يخلع من الجوازة . شردت لمياء تردف بغل : أيوه يابا بس شكله حب البت الغنية دي أوي ... انت مشوفتوش بيقول إيه ! اردف نعمان بحدة ساخراً : سلطان يحب !
... هو حب فلوسها وبس ... وانتي علشان عبيطة خدعك وسابك ... هيعوز منك إيه ... هو إحنا حيلتنا حاجة ! ... بس لازم يدفع تمن طمعه ويتجوزك .. اردفت بترقب متسائلة : طب لو عرض علينا مبلغ يعني رأيك إيه ؟ نظر لابنته بغضب واردف : مبلغ إيه يا غبية ... هو يتجوزك ويكتبلك مهر ومؤخر علشان لو حب يطلق يبقى بالسلامة وحقك مضمون ... بس تاخدي مبلغ ونمشي كده شكلنا وحش أوي قدامهم وهيبقى معاهم حق ....
إنما بقى لو بقيتي مراته حتى لو اطلقتي نعرف بعدها ناخد منه أي مبلغ نحتاجه ... اسمعي كلامي هتكسبي . أومأت تفكر فى الأحداث التي تنسجها في عقلها لمستقبلها مع سلطان التي تمنته زوجاً لها منذ زمن . فى الثانية صباحاً . تململت سيلين التي لم تغفو ببطءٍ شديد من بين يدي سلطان الذي ينام بعمق وراحة وقد نجحت في الابتعاد عنه . نزلت من على الفراش بهدوء وتطلعت عليه بأسف واشتياق لملامحه التي تعشقها . دلت المرحاض وأغلقت خلفها بهدوء....
بعد ربع ساعة خرجت ترتدي ملابس أخرى وحجاب يغطي رأسها وتناولت حقيبتها ثم أخرجت منها جواب كانت أعدته مسبقاً ووضعته على الطاولة تغطي طرفه بتلك المزهرية ثم تطلعت عليه نظرة أخيرة وكأنها تغادر روحها . ثم تسللت بهدوء تخرج من الغرفة التي أغلقت بابها دون إصدار أي صوت .. نزلت لأسفل بهدوء حيث الجميع نيام ... استمرت إلى أن وصلت للخارج ومنه إلى الطريق الذي ينتظرها في آخره رأفت .
كان هناك غفير يحرس المكان ولكن بسبب البرد الشديد غلبه النوم ولم يشعر بتسحبها هذا . وصلت لعند رأفت الذي يقف لها أمام السيارة ينظر لها بشفقة بسبب هيئتها وملامحها الحزينة . ركبت السيارة وغادرت تاركة خلفها وجع وجرح فتحته ربما لم يلتئم بسهولة . انطلقت السيارة في طريق طويل وأسندت هي رأسها للخلف تظن بذلك أنها حابسة لتلك الدموع الحارقة ولكن هيهات فهي تتساقط كالشلالات على بعدها عنه مجبرة ... أمامها خياران وكلاهما مميتان ...
إما أن تبقى وترى وهو يُخير بين الزواج أو عائلته ... أو أن تغادر وتسافر دون علمه وقد قررت الأسهل بينهما ... أما عن سلطان ... فسلطان النوم يسحبه ... ينام بعمق وهو يراها أمامه في أحلامه ... يستمتع بكلماتها التي خدرت عقله وأعضاؤه فلم يشعر بشيء من حوله ... وكيف يشعر وهو الذي حصل على نصيبه من السعادة لأيام وأيام ... بعد سفر دام لساعات حل الصباح . ووصلت السيارة إلى قصر سيلين . فأردف رأفت بترقب : سيلين هانم ! ... وصلنا .
كانت هي مستيقظة تستند برأسها على النافذة وتتطلع بعيون زابلة تماماً دون أي صوت . أغمضت عينيها تتنهد بعمق ثم ابتعدت عن الزجاج وفتحت الباب وترجلت بهدوء ودلفت إلى القصر تجر قدماها بصعوبة وكأنها فقدت النطق والروح أيضاً .. كانت لا تزال علية نائمة فصعدت إلى أن وصلت إلى غرفتها التي دلفتها وأغلقت خلفها واتجهت تلقي بجسدها على الفراش مستسلمة للنوم تماماً ... تظن بذلك أنها هاربة !
في نفس اللحظة استيقظ سلطان للتو بتكاسل يبتسم بسعادة من أثر ليلته وكلماتها التي ما زالت تتردد على مسامعه .. ما زالت عيناه مغمضة ولكنه فتحهما عندما لم يشعر بثقلها على ذراعه ... وعندما لم يشم رائحتها . نظر جانبه فوجد الفراش خالياً ... تعجب لذلك فهو الذي يستيقظ أولاً منذ أن تصالحا وأردف متسائلاً ينادي بحب : سيلين ! لم يأتيه رد فقام من مكانه متجهاً إلى المرحاض يطرق بابه ويردف بترقب : سيلين أنتي جوه !
لا رد أيضاً ففتح الباب ينظر للداخل فلم يجدها ... شرد يفكر هل يمكن أن تكون في الأسفل ! ... لا .... لا يمكن نزولها بدونه . تصنم جسده وضيق عينه حينما رأى ذلك المظروف الأبيض الموضوع على الطاولة ... هل ذهبت ! خطى ناحيته ببطء وخوف وكأنه لغم سينفجر ... تناوله بيد متصلبة وفتحه ينظر لمحتواه .. قرأ عقله وفمه صامت يترقب كباقي أعضائه حينما خطت : ( سلطان ... سلطاني ... سلطان قلبي وزماني ... ربيع قلبي ووجداني ...
تعلم أني أحبك ولن أحب سواك وأعجز عن وصف مشاعري الآن وأنا في تلك الحالة ولكن هناك شيئاً واحداً أود أن تعلمه . أنني اتسمت بصفات عدة إلا الأنانية ... لم أعرف لها طريقاً يوماً إلا عندما وقعت في حبالك ... بتُ أنانية بشدة في حبي لك ... أريدك لي وحدي ... أريدك غطائي وعالمي دون غيري ... لذلك سأرحل الآن وأعود حين تنتهي من هذا العقد ... لا أتحمل البقاء .... لقد جربت جميع أنواع العذاب وتحملتها إلا أن أراك مع غيري ...
لن أتحملها ... لذا سأرحل ... إن أخبرتك بأمري فلن تتزوج ... ووقتها ستفقد فخر عائلتك وخصوصاً جدك الذي يراك دائماً كوالدك ... لن أسمح بأن تبتعد مجدداً عن عائلتك ... لقد رأيت السعادة في عينك حينما رددت إليهم ... أعلم أنهم مصدر قوتك وصلابتك ... لذا عليك بتنفيذ مهمتك والانتهاء في أسرع وقت ... حينها ستجدني في انتظارك ... لا تأتي خلفي ... لا تحاول ... أحبك ... سأنتظرك ... سأفتقدك ... إمضاء : طفلتك )
طبق المكتوب بين قبضته واردف بزهول وعدم استيعاب يحدث حاله بقلب متألم : ليييه ... لييه عملتي كده ليييه ؟ دخل المرحاض مسرعاً ثم خرج بعد دقائق يبدل ثيابه ثم أسرع إلى الأسفل حيث استيقظ الجميع . رآه جده الذي ناداه متسائلاً عندما رأى حالته وهو يسرع للخارج: سلطان ... رايح فين يا ولدي . أردف وهو يغادر دون أن يعير أي أحد اهتمام: هجيب سيلين وراجع يا جدي . خرج وترك خلفه تساؤلات الجميع .
ركب سيارته التي تصطف أمام المنزل وبدأ يقود بسرعة ويتمنى بداخله لو أن المسافة بين سوهاج والقاهرة كتلك المسافة التي كانت بينهما أمس .. كتلك الليلة التي لن يمحوها من ذاكرته شيء أو قوة ... الليلة التي رأى وشعر بعشقها له ... هل كانت تودعه ! ... أهكذا يا روح فؤادي ! ... كيف هان عليكِ قلبي ! ... هل ظننتِ أن بعد كلماتكِ سأحيا بدونكِ ! ... ف حرامٌ عليا العيش إلا في حُضنكِ ... وحرامٌ عليا النوم إلا في ثنايا عنقكِ ...
وحرامٌ عليا الراحة إلا برؤية وجهكِ ... فأنا اليتيم بدونكِ . أما عند منزل عائلته فأردف جده متسائلاً بتعجب : وه ... وهي مرته وين عاد ! ... اردفت منيرة بقلق وحزن : معرفش يا عمي ... محدش شافها من امبارح .. أما سهيلة فنظرت بشرود واردفت : جيب العواجب سليمة يارب . أما عن لمياء ووالدها اللذان سمعا الخبر تطلعا لبعضهما بخبث يبتسمان بمكر وتشفي بينما روايح تتابعهما بترقب وصمت خبيث .
عند سيلين التي استيقظت على رنين هاتف وداد تسحبت تلتقطه مردفة بحزن واستسلام : أيوه يا وداد ... الأوراق جاهزة ! اردفت وداد بحزن وقلة حيلة: جاهزة يا سيلين ... والطيارة قدامها ساعتين . أومأت سيلين بهدوء وهي تقف مردفة: تمام يا وداد ... أنا تقريباً جاهزة ... ابعتيلي الأوراق مع رأفت . أغلقت معها واتجهت تبدل ثيابها ولكن طرقات الباب أوقفتها فاتجهت تفتح الباب بترقب فإذا بعلية تردف بحنو : سيلين يا حبيبتي ... جيتي إمتى ! ...
أنتي كويسة ؟ أومأت سيلين بهدوء : كويسة يا دادا ... جيت من شوية صغيرين ... لإنني مسافرة الصين كمان شوية . تعجبت علية مردفة بترقب : الصين ! ... خير يا بنتي ؟ ... وسلطان فين ؟ تنهدت سيلين بعذاب حين سمعت اسمه واردفت بعجز: ما يعرفش يا دادا ... أنا هسافر لوحدي وهرجع كمان أسبوع بالكتير ... الموضوع خاص بالشغل . تنهدت علية بقلة حيلة واردفت : طيب يا بنتي ... آدم ابن عمك تحت وعرف إنك جيتي وعايزك .
تعجبت مردفة بتساؤل وقلق : آدم ! ... جاي ليه ده يا دادا ! ... هما الحرس تحت صح ؟ أومأت علية فتابعت سيلين بقلق وخوف : طيب يا دادا ... قوليله إني نازلة ... بس خلي الحرس قريبين مني . دلت تبدل ثيابها وبعد دقائق كانت تنزل من أعلى الدرج تحمل حقيبة صغيرة بها بعض الملابس والمتعلقات . نزلت لأسفل فوجدت آدم يجلس مطأطأ الرأس ينتظرها ... نظرت له بقلق واردفت بترقب وهي على مسافة مناسبة منه كي تؤمن نفسها : خير يا آدم ... جاي ليه !
وعرفت إن أنا هنا إزاي ؟ رفع آدم نظره يتطلع عليها فوجدت عيناه دامعة فتعجبت بصمت ... وقف هو واردف وهو يطالعها : كنت في الشركة وكنت رايح أسأل وداد عنك سمعتها وهي بتكلمك وعرفت إنك جاية في الطريق ع القصر .... أنتي مسافرة الصين فعلاً ! نظرت له بقلق وأومأت بصمت فتابع وهو يمد لها بعض الأوراق : أنا كمان كنت مسافر من غير ما أعرف إنك هتسافري ... كنت رايح أتكلم مع الشركة الصينية وأقنعهم ما يلغوش التعاقد .
نظرت له بشك ثم تناولت منه الأوراق ونظرت بها فوجدتها تذكرة سفرة والجواز الخاص به . هزت رأسها بعدم تصديق واردفت ساخرة : تسافر تقنعهم ما يلغوش العقود إزاي ! ... أنت يا آدم ! ... إيه اللي يخليك تعمل حاجة زي دي ؟ ... دي حاجة هتخسرني أنا مش انتوا ... يعني متقلقش ومافيش داعي تتصرف ... أنا هسافر وأتكلم معاهم . تنهد آدم يردف بألم وإرهاق ظاهر على معالمه : لنفس السبب أنا كنت هسافر ...
يعني بحاول أكفر عن ذنوبي اللي ارتكبتها في حقك .. وقف يطالعها ويتابع بندم وصدق : صدقيني يا سيلين أنا بحاول أعمل حاجة صح في حياتي ... أنا عارف إني غلطت في حقك كتير أوي ... أنا وأبويا وكلنا غلطتنا معاكي كتير أوي ... أبويا اللي للأسف رباني ع الطمع والغدر ... أبويا اللي ظلمك وظلمني وظلم كل اللي حواليه بطمعه وجشعه .. تطلع إليها يتابع بأسف : كنت قلتلك إن سلطان عمل كده عشان ما كشفوش على حقيقته ... أنا كذبت عليكي ...
سلطان ما كانش يعرف ... هو ضربني لأنه كان خايف عليكي مني ... لأنه كان بيحميكي فعلاً . نظرت له بتعجب ... شبكت يديها أمام صدرها متسائلة بتهكم : عايز تقنعني إن فجأة كده ضميرك صحي ! ... ولا دي خطة جديدة عاملها أنت وأبوك عليا ! أومأ ودنى من مقعده يلتقط إحدى الملفات ثم ناولها إياه مردفاً بنبرة متألمة نادمة : شوفي ده وانتِ هتعرفي .
تطلعت عليه لدقيقة ثم تناولت منه الملف بتعجب وفتحته تتطلع على محتواه بترقب ثم ما لبثت أن اتسعت عيناها مردفة وهي تهز رأسها بعدم تصديق : مش معقووول ! .... آدم ؟ ... إزاي ومن إمتى ؟ اردف آدم بحزن شديد : من كام يوم بس ... أنا قبلها تعبت وصحيت من النوم لقيت بقع دم ع المخدة ... روحت عملت تحاليل وأشعة وطلع اللي كنت خايف منه ... أنا عندي كانسر ع الرئة وفي مرحلة تانية ... وده بسبب المشروب ... يعني أنا بعيش آخر أيامي ...
عرفتي ليه عايز أعمل حاجة كويسة ! ... يمكن وقتها تخفف عذابي شوية . أدمعت عيناها تطالعه بحزن وشفقة وهي تهز رأسها مردفة: لا أكيد في حل ... أكيد في علاج ... طيب عمي رأيه إيه ؟ هز رأسه بعنف يردف : محدش يعرف غيرك ... ومحدش هيعرف يا سيلين ... أنا بس قلتلك لإنك أكتر حد أنا ظلمته ... عشان تتأكدي إن ربنا عادل ... هو ده جزائي ... أما عن أبويا بيتهيألي مش هيهمه أموت أو أعيش ... هو كل همه الفلوس وبس ...
كانت تبكي حزناً وشفقةً عليه ثم اردفت زاهلة لا تصدق أن آدم الجبروت هو هذا الذي أمامها : ما تقولش كده يا آدم ... عمي بيحبك أنت وأختك ... عمي مهما كان قاسي فده معايا أنا .... لازم يعرف ولازم يكون جنبك في الوقت ده .... أنت محتاجه . هز رأسه يردف معترضاً : لأ ... مش هيعرف عني أي حاجة ... مش محتاج منه أي عطف أو شفقة ... أقولك حاجة ... مش اللي معروف في العيلة إن أمي انتحرت بسبب تعبها النفسي ... لأ ...
الحقيقة إن أمي ولعت في نفسها بسبب أبويا ... أنا شفت كل حاجة وقتها ... فضل يضرب فيها ويعذبها وما كانش راضي يطلقها وبيتهمها إنها خاينة ... هي للأسف متحملتش وفضلت تموت ربنا غضبان عليها عن إنها تعيش معاه ... ماتت محروقة قدام عيني وبتصرخ وأنا مش قادر أعملها حاجة .... عمري ما هسامحه أبداً ... أبداًاا .. عشان كده محدش هيعرف غيرك ... كانت تطالعه بعجز وحزن وزهول من هذا العم ... هل يوجد بشر هكذا ! ...
استرسل ليخرجها من حزنها الذي رآه فيها ولم يراه في غيرها : يلا عشان نلحق الطيارة ... أنا هاجي معاكي . نظرت له تطالعه بقلق وتفكر بحيرة ... كيف لها أن تسافر معه !!!! بعد ساعة ونصف تجلس سيلين في المقعد على متن الطائرة المغادرة للصين بشرود تفكر فيما آلت إليه الأمور وكيف ستكون ردة فعل سلطان على فعلتها تلك .... تعلم أنها مخطئة ... وربما هذه المرة ستكون العواقب وخيمة . تعلم أنها هذه المرة هي المخادعة ...
لقد هيأت له من الرماد حياة وجعلته يعيش ليلة تمناها واعترفت له بكل ما بداخلها ثم غادرت فجأة ... نعم مخطئة ... ولكن ليس أمامها خيار . أقلعت الطائرة ولم يعد للرجوع سبيل بينما طيلة هذا الوقت وسلطان يحاول الاتصال بها أثناء قيادته ولكنها بالطبع لا تجيب .. مرت ساعة أخرى . وصل سلطان إلى قصر الحلواني أخيراً بعدما أحس أنه يقود لسنوات . نزل متجهاً إلى الباب وبدأ يطرقه بحدة .
فتحت علية تطالعه بتعجب ولكنه لم يعطيها فرصة الحديث حيث أردف مسرعاً وهو يتطلع للداخل : سيلين فين ! تطلعت عليه بصمت فاحتدت ملامحه وتخطاها يولج وينادي بصوت عالٍ : سيليييين ... سيليييين أطلعي نتكلم . أوقفته علية مردفة : سيلين مش هنا يا سلطان . وقف متعجباً يتساءل بترقب : اومال فين ! ... راحت عند وداد ؟ هزت رأسها تردف بترقب : سيلين سافرت الصين هي وآدم ابن عمها من حوالي ساعتين . ضيق عيناه يردف باستفهام وعدم تصديق : إيه !
... الصين ؟ ... ومع آدم ! ... مستحيل طبعاً ... مين اللي كدب عليكي وقال لك كده ؟ اردفت بتفهم : يابني محدش كدب عليا ... سيلين جت الصبح وقالت إنها مسافرة الصين لموضوع خاص بالشغل والشركة ... وجه آدم قالها إنه كان مسافر هو كمان وإنه هيروح معاها . هز رأسه يرفض سماعها ... مؤكد أن زوجته لن تفعل أمراً هكذا مستحيل ... مؤكد أن هناك سوء تفاهم ... يبدو أن سيلين كذبت عليها لتخفي عنه مكانها ...
اندفع يغادر بغضب بعدها قرر الذهاب للشركة الذي أخذ عهداً على نفسه بعدم الذهاب إلى هناك ولكن للضرورة أحكام . وصل الشركة في وقت قياسي ونزل فوجد الحرس ينظرون إليه بتعجب ... تجاهل نظراتهم وخطى للداخل ولكن ما أدهشه هو عدم منعه من الدخول ... هو كان يتوقع حدوث شجار يخرج به غضبه وناره التي تحرق ألسنتها قلبه .. اتجه للمصعد وصعد إلى مكتب سيلين ...
توقف المصعد وخرج بهيئته الرجولية الصلبة التي لا تبشر بخير بل ترعب كل من يتطلع عليه . دلف مكتب وداد وجدها منكبة على العمل فأردف بصوت انتفضت على أثره : سيلين فين ! وقفت وداد مذعورة من هيئته ولم تجيب فتساءل صارخاً بغضب : قلت سيلييين فين ؟ هزت رأسها بخوف واردفت بتوتر : سيلين مش هنا ... هي سافرت الصين في رحلة عمل وهترجع كمان أسبوع . تألم قلبه لسفرها المفاجئ دون علمه ... سفرها المفاجئ ! ... ضيق عيناه وتسائل بترقب
وفحيح وهو يقترب منها : سافرت ! ... لوحدها ؟ ولأول مرة ترتعب وداد من هيئته مما جعلها تردف بتلعثم : لأ ... مم .. مش لوحدها ... معاها آدم . بركان يغلي في نظراته قابل للانفجار ... يود حرق كل ما أمامه في تلك اللحظة ... كيف تفعلها ! ... متى وأين ولماذا وكل أدوات الاستفهام تدور في رأسه .... لما فعلتها ! ... أ بعدما حلّقته في السماء وفوق السحاب ... تركت يده ليسقط في سابع أرض بمنتهى القسوة والعنف ؟
لما فعلتيها يا قلبي وعذابي ؟ ... هل استحق هذا ! ... هل هذا عقابكِ لي على خداعي ؟ ... أولم تسامحيني ؟ ... أولم نعد بعضنا بالبداية مجدداً ! ... إذا لما ؟ ... عقلي سيجن حتماً ... أفكاري تتسارع بجنون ... أخبريني السبب ثم غادري ... لا تتركيني هكذا . نظر لوداد بقوة ثم اندفع يغادر قبل أن يرتكب شيئاً يندم عليه ... نزل لأسفل وركب سيارته ورحل لمكان ما خالي من المارة ... توقف ينظر للأمام ويهز رأسه بعدم استيعاب ...
ظل يلكم في طارتها ويصرخ بألم وغضب باسمها حتى كاد أن يخلعها من مكانها ... كانت صرخته صرخة رجل عاشق حد النخاع ... متألم حد الموت ... غيووور حد التآكل . وضع رأسه على الطارة التي كادت أن تبكي لأجله ... آثر الصداع الذي راوده بسبب شتات أفكاره .... ظل لفترة لا يعلمها يجلس بسيارته أمام الشركة ... ربما غفل أو غاب عقله عن التفكير لا يعلم .... قلبه يستنزف جرحاً عميقاً هي سببته ... كيف أسامح هذه المرة يا طفلتي كيف !
مساءاً وصلت سيلين إلى العاصمة الصينية بكين . نزلت من الطائرة تجر حقيبتها خلفها ويجرها الحزن والألم والندم ... تعلم خطأها ... تنهدت تسحب نفساً بارداً لتبرد به نارها . خطت للداخل وأتمت إجراءات السفر وبعدها انطلقت إلى حيث الفندق الذي تم حجز غرفة مسبقة لها من خلال الشركة الصينية بعدما علموا بمجيئها . وصلت الفندق وصعدت غرفتها ....
جلست على الفراش وتناولت هاتفها ثم أخرجت منه شريحة الهاتف المصرية وبدلتها بأخرى صينية كانت قد ابتاعتها من المطار . أعادت تشغيله وهاتفت وداد التي علمت هوية المتصل وأجابت على الفور تردف بترقب : سيلين ! ... وصلتي بالسلامة ؟ .. عاملة إيه ؟ تنهدت سيلين بقوة ثم اردفت: كويسة يا وداد ... كويسة . اردفت وداد بحذر : سيلين ... سلطان جه الشركة وعرف إنك سافرتي مع آدم . انقبض قلبها بشدة وتملكها اليأس والألم ...
أغرورقت عيناها بالدموع فلم تستطع الحديث لذا أغلقت الهاتف وبدأت في بكاء مرير علها تخفف به ذاك الحمل الموضوع على صدرها وهي تعود بذاكرتها لما حدث قبل مجيئها .. فلاش باك في سيارة سيلين التي يقودها رأفت ويجلس آدم جواره يميل رأسه بألم وحزن وسيلين في الخلف . اردفت هي بتصميم : آدم إحنا مش هنسافر مع بعض . لف نظره لها بتعجب وأردف متسائلاً : اومال إيه ! اردفت وهي تطالعه : أنت هتروح المستشفى تتعالج .
هز رأسه برفض يردف بإصرار : لأ يا سيلين ... مافيش علاج ... أنا في المرحلة التانية . نظرت له بغضب معنفة : بطل بقى أسلوبك ده وخلي عندك ثقة في ربنا ... أنت هتروح المستشفى تتعالج ومافيش أي حد هيعرف ... وأنا هبلغ وداد إنك مسافر معايا عشان توصل الخبر لعمي ... وما تقلقش في مستشفى خاصة مديرها صاحب بابا الله يرحمه وهو هيحللنا الموضوع ... أنا هوصلك لهناك وبعد كده هروح ع المطار . نظر لها
بحيرة فأسترسلت باطمئنان : اعمل اللي عليك والباقي على ربنا . نكس رأسه يومئ بهدوء بينما أكملوا طريقهما للمشفى حيث اصطحبته لهناك .. صف رأفت السيارة وترجلت سيلين مع آدم للداخل . اتجهت لغرفة مدير المستشفى تطرق بابها وهو خلفها فسُمح لها بالدخول .. دلت تتطلع بترقب مردفة : ازيك يا أونكل ! رفع الطبيب نظره ثم أردف بتفاجؤ وفرحة: أهلاًااا سيلين ... اتفضلي . دلت هي وتبعها آدم وجلسا سوياً فأردف سيلين بود : ازيك يا عمو مصطفى ...
عامل إيه ؟ أردف مصطفى بإعجاب : أنا كويس جداً ... أنتي اتحجبتي إمتى ؟ اردفت بهدوء مبتسمة : من كام يوم ... معلش أنا مسافرة الصين حالاً وكنت جيالك في طلب سريع . أومأ يتسائل : طبعاً اتفضلي . نظرت لآدم واردفت : ده آدم ابن عمي ... للأسف عنده كانسر ع الرئة في المرحلة الأخيرة وما كانش يعرف ... أنا عايزاه يفضل هنا تحت إشراف حضرتك ويتلقى العلاج المناسب ... بس من غير ما أي حد يعرف ... قولت إيه يا عمو ! نظر الطبيب لآدم مردفاً
بتساؤل : وأنت عملت الفحوصات اللي أكدتلك ده ؟ أومأ آدم ومد يده للطبيب يناوله الملف الذي التقطته منه وفتحه ينظر بدقة ثم أغلقه واردف متنهداً : تمام يا سيلين ... إحنا هنعمل اللي علينا والباقي على ربنا ... والأهم الأستاذ آدم يكون عنده أمل وتشجيع للعلاج ... وطبعاً أكيد محدش هيعرف طول ما هو حابب كده . نظرت للطبيب بشكر مردفة على استعجال : شكراً جدا يا عمو ... وبالنسبة للفلوس هتوصل على حساب المستشفى في أسرع وقت .
أردف الطبيب مشاكساً : من قبل ما تسافري لازم تدفعي ... يابنت الغالي . ابتسمت سيلين مردفة بامتنان : متشكرة أوي يا عمو . ثم نظرت لآدم وتابعت : آدم ... أنا همشي ... وهخلي رأفت يجبلك كل اللي هتحتاجه هنا ... ولو احتجت حاجة معينة اطلبها منه ... وما تقلقش سرك في بير . نظر لها آدم بخزي مردفاً بألم : شكراً يا سيلين ... شكراً .
ابتسمت له بطيبة ثم أسرعت للخارج حيث السيارة التي صعدتها وأسرع رأفت يوصلها للمطار قبل أن يفوتها موعد الطائرة .. انتهى الفلاش باك ونامت سيلين ودموعها على وجنتيها .. في ساعات الليل وصل سلطان إلى سوهاج وتحديداً إلى منزله حيث قضى اليوم خارجاً حتى يخرج غضبه وألمه بعيداً عن بشر .. دلف وجد الجميع نيام ... صعد لغرفته ودلف وأغلقها واتجه يتمدد على الفراش الذي يحمل رائحتها ... نام حابساً بداخله عذاب وعبء ثقيل ...
ربما لن يسامحها أبداًاا ... هذه المرة ما فعلته زعزع علاقتهم وهز عرش كرامته ... وأشعل نار غيرته . أغمض عينه ربما غفلت هي ولكن عقله لم ينم ولن ينم دونها لحظة واحدة ... هذا عهده الذي قطعه على نفسه .... لو كان باستطاعته لذهب إلى الصين في الحال ولكن المعاملات الرسمية تقيده . صباحاً استيقظت سيلين وقد عزمت أمرها على تكملة ما جاءت من أجله والعودة سريعاً حتى ترى ما يمكن أن تفعل ..
وضبت حالها وأدت فرضها كما أخبرتها بوصلة هاتفها ثم ارتدت ملابس مرتبة محتشمة وارتدت حجابها بشكل مرتب هادئ ونزلت لأسفل بعدما أخذت حقيبتها وبعض الأوراق . طلبت قهوة وشطيرة وجلست في بهو الفندق تتناولهما بشرود ... انتهت ووقفت مغادرة في الحال حيث أرسلت لها الشركة سيارة خاصة لتذهب بها .. كانت تتطلع من النافذة على هذا الزحام الشديد والجميع على قدم وساق حتى الأطفال .
المباني شاهقة جداً بشكل يحبس الأنفاس وجميعها عبارة عن لوح زجاج ... أخذت نفساً عميقاً ثم تابعت الطريق تفكر في سلطانها الذي تراه على كل بناء وعلى وجه كل المارة جميعهم ... يبدو أنه احتلال أبدي لن يزول إلا بزوالها وهذا ما تريده وترحب به بكل حب ..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!