الفصل 12 | من 30 فصل

رواية على القلب سلطان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية العربي

المشاهدات
23
كلمة
4,804
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

نظر لعيونها بعجز ولم يستطع الصمود أمام نظراتها، فنظر أرضاً يغمض عينيه، بينما تقف والدته لا تفهم شيئاً مما يحدث حولها. صرخت سيلين حتى بُحّ صوتها، مردفة وهي تضربه بقبضتها على صدره بقوة: _ااااانطق... تعرفهاااا؟ أومأ وهو يتطلع أرضاً، لا يقوى على النظر لها، بينما هي جحظت عيناها وهي تبتعد عنه، مردفة بذهول وبطء مميت: _دي كانت خطة بينك وبين عمي؟ ... دي خطيبتك؟

رفع رأسه ببطء يطالعها بعيون نادمة زابلة تكاد تفقد رؤيتها، يردف بندم وقلبٍ يتمزق أشلاء: _سيلين... اسمعيني الأول... أنا هفهمك كل حاجة... أنا آسف... أنا... صرخت تقاطعه وهي تقترب منه حد الالتصاق وتضع كفها على فمه أمام أعين الجميع المصدومة، مردفة بضحك هستيري: _آسف! ... ههههههه... آسف إيه بس استنى... بتتأسف على إيه! ... ههههههه... أنت معملتش حاجة تتأسف عليها.

ابتعدت عنه تنظر حولها، تتطلع لعيون الجميع بتشتت وضياع، مردفة بنبرة قوية تحمل من الألم ما يمزق الصخور: _آااااسف! ... لأ لأ لأ... أنا اللي غبية... أيوه... أنا اللي غبية... أنا اللي قال إيه حبيتك! كانت تلتفت حولها بزهول غير مدركة ما يحدث، وكأنها في حالة جنون. توقفت أمامه تتطلع عليه ثانياً، مردفة بقهر ووجع: _ليه؟ ... ليه كدة! ... دانا قلت لك إن انت الوحيد اللي بثق فيه! ...

قولت إن انت الوحيد اللي مختلف عن كل اللي حواليا... قولت الغريب أكيد أحسن من أهلي! هزت رأسها بعنف وكأنها في حالة ضياع بين القوة والضعف، مسترسلة بصراخ: _لأ لأ لأ... أنت صح... أنا اللي غلطت غلطة كبيرة أوي... حبيت واحد لا ليه أصل ولا عيلة ولا أهل، ووثقت فيه وعليته واتجوزته وسلمته نفسي من غير أي ضمان.

كان يقف كالصنم، بينما داخله كالجدار الذي يحطمه أحدهم بمطرقة قوية شيئاً فشيئاً. أتت اللحظة التي خشاها، أتت أمام الجميع وأولهم والدته. كان أدم يقف يتابع ما يحدث بعيون شامتة، بينما جميع الموظفين حزنوا عليها وانصدموا من خبر زواجها، كذلك والدة سلطان التي تقف مكبلة وكأنها عارية ولا تستطيع الاختباء من أفعال ابنها. أما وداد فتقف خلفها تبكي من مرارة ما يحدث مع رفيقتها. أكملت سيلين بألم وصوت حاد عالٍ تكاد تفارقه الروح، وهي

تقترب منه وتنظر لعيناه: _أنا المتأسفة الوحيدة في الحكاية دي... أنا اللي أمنت لواحد خاين حقير متفق مع عمي وعاملين علينا سيناريو عظيم زي ده علشان خاطر شوية أملاك... كنت ناوي تمضيني على أوراق تنازل صح؟ ... إمتى بقى! ... وأنا في حضنك ولا وأنا ببكي وبشتكيلك من أهلي اللي خدعوني؟ نظرت له بألم ودموع انسابت كأنها نار تحرق قلبه، وهي تعاتبه: _بتعملوا كدة إزاي؟ ... بتقدروا تمثلوا ببراعة كدة إزااااي. اتسعت عيناها مسترسلة:

_دانا حبيتك! ... ياااااه... دانت مش ممثل، دانت ساحر... أيوه ساحر عظيم... أقنعتني بالدور كويس أوي... ياااا... دانا فكرتك مختلف... قلت ابن بلد وجدع ومتربي كويس... بس أنت أثبت لي إنك تربية رخيصة فعلاً. أكملت بوجع وصلابة مدعية القوة الزائفة: _تعرف... عمي مقدرش يكسرني... موت أهلي مكسرنيش... ولا أنت ولا مليون نسخة واطية منك هتقدروا تكسروا سيلين الحلواني... أشارت بيدها مسترسلة بنار مشتعلة في صدرها:

_هتاخد الست اللي معاك دي، اللي أكيد ليها دور عظيم في المسلسل ده، وتخرج بره الشركة وبره حياتي للأبد. أما هو فلو كان أحدهم أحرق جسده حياً لكان أرحم له من ما يشعر به الآن. لأول مرة يُهان ولا يستطيع الرد، وليس هذا فقط، بل أُهينت والدته بسببه. أُهين من من هي أكثرهن قرباً لقلبه. تحولت نظرة الحزن والخزلان من عيناه إلى غضب، وأردف بجمود وقسوة تحولت إليها: _لحد هنا واقفى... أمي لأ... تمام يا سيلين هانم... أمي لااااء...

أملاكك عندك... ومافيش أي مليم نقص منها. أردفت بصوت عالٍ وهي تطالعه بقهر ودموع: _برااا. نظر لها نظرة أخيرة، ثم جر والدته التي تقف متجمدة تماماً، وخطى للخارج يريد الاختفاء والابتعاد إلى ما وراء الشمس. أما هي، فأردفت صارخة من خلفه: _طلقني. توقف عن المشي، وتوقف قلبه اللعين الذي ينبض لها. أردف وهو يواليـها ظهره حتى لا ترى عيناه ولكي لا يهان أكثر من ذلك: _أنتي طالق.

غادر هو ووالدته من أمام أعين أدم المبتسمة والمتشفية، بينما هي نظرت لأثره حتى اختفى، واختفى معه الأمل من حياتها. كأنه كان يربط روحها بيده، والآن سحبها معه. نظرت حولها للجميع بتشتت وتيه، ثم اندفعت للخارج ومنه إلى سيارتها، مردفة بنبرة لا تحمل نقاشاً: _متجيش ورايا لا أنت ولا الأمن. أومأ رأفت بطاعة وحزن على حالتها، فالاعتراض ليس حلاً الآن، وركبت هي مكان القيادة وقادت بقوة وسرعة إلى المجهول.

أما هو، فابتعد قليلاً ثم توقف يلف جسد والدته المتيبس، مردفاً بعز وضياع وأسف: _أمي... أنا آسف. قاطعته بصفعة قوية نزلت على خده من يدها، لاول مرة، مردفة بقهر وحزن: _إحنا معدلناش قعاد هنا... أنا هاخدك لجدك في الصعيد... هو اللي هيعرف يعيد تربيتك... لأن واضح إن بعد العمر ده كله معرفتش أربيك صح.

كان ينظر أرضاً عاجزاً تماماً عن فعل أي شيء. يريد أن يحطم الصخور بيده، ولكنه مكبل بسلاسل حديدية متينة. داخله نار إذا أطلقها أحرقَت ما هو مزدهر فجعلته صحراء قاحلة. غادرت والدته وتركته، فقرر الذهاب إلى مكان يستطيع الوقوف فيه دون رؤية بشر حتى يخرج تلك المرارة التي بداخله.

بدأت تلملم الشمس أشعتها، وتوقفت سيارة سيلين أمام المقابر حيث مدفن والدها ووالدتها. ترجلت ببطء ووجه ذابل وعيون حمراء من أثر البكاء. دلفت إلى المقابر، فقابلها ذلك المسؤول عن القبور، مردفاً بتعجب: _سيلين هانم! ... خير يا هانم إيه اللي جايبك هنا دلوقتي؟ أردفت وهي تتطلع على مقبرة والديها: _افتح المدفن وامشي أنت. أردف الرجل معترضاً: _مينفعش يا هانم دلوقتي. قاطعته مردفة بقوة وكأنها تحولت إلى وحش: _افتح المدفن وامشي.

نظر لها قليلاً ثم أومأ واتجه يفتح لها المدفن، الذي دلفت إليه وأغلقت عليه. اتجهت تجلس القرفصاء بين قبري أهلها، ثم وضعت رأسها بين قدميها، واستكانت تماماً كالأموات.

أما سلطان، الذي غادر إلى أن وصل مكان شبه مجهول، والذي عبارة عن بيت تم هدمه ولم يبق منه إلا بعض الجدران المتآكلة. توقف أمام ذلك الجدار. يعيد كلماتها بعقل سلطان. تمت إهانته. كان ينظر للجدار وكأنه المتسبب في كل هذا. تذكر نعتها له بالحقير والرخيص، وقد استخدمت أكثر الكلمات ألماً حتى تطعنه بها. ماذا فعل! ماذا فعل غير أنه وافق على تلك الخطة اللعينة ثم أحبها. أحبها حد النخاع. أحب طيبتها وحنانها وضعفها. أما قسوتها...

ويا لها من قسوة... فلم يرى لها مثيل. لقد ظن أن قسوتها ستنحدر من حنانها، ولكنها انحدرت من بركان مدمر. دمر قصتهما قبل أن تبدأ. دمر قلبها وقلبه. أما نظرة والدته... ويا لها من نظرة انكسار وخيبة وخجل لم يراهم طوال حياته. هز رأسه بقوة، ثم ما لبث أن كور قبضته ولكم الجدار لكمة قوية، وكأنه بذلك يعاقب كل من تسبب في ذلك، ولكنه عاقب يده التي بدأت الدماء تندفع منها وهو لا يبالي تماماً. بل كان هذا الألم بالنسبة له هو العقاب.

ظل يلكم الجدار مرة تلو الأخرى، صارخاً بصوت رجولي قوي وحاد يكاد يحطم هذا الجدار، حتى بدأت قواه تخور، فباغته بضربة قوية من قدمه أدت إلى تساقط بعض قوالب الطوب منه. ثم خر هو ساقطاً معها على ركبتيه، يصرخ ويخرج ما بداخله. ااااااه...

خرجت من أعماقه الممزقة. بكى ولاول مرة يبكي سلطان السوهاجي. بكى يغسل جراحه بتلك الدموع الساخنة حد الغليان. تنهد بقوة وأكمل في بكائه إلى أن جفت دموعه. ظل يتنهد بقوة وكأنه يركض في الرمال. نااار داخل صدره. نااارٌ لن تنطفئ وكأنها شعلة بترولية. بعد حوالي ساعة من التنهيد توقف. وها هي تتحول نظرته إلى السواد والقتامة، ثم قرر العودة. سيعود إلى والدته ويخبرها بكل شيء. سيحاول إصلاح ما أفسده. لن يبقى سلطان السوهاجي إن لم ينتقم من عائلة الحلواني بأكملها. إلا واحدة بينهم.

أما تلك المسكينة التي تبكي بصمت، مستكينة تماماً، تتحدث حديثاً صامتاً مع نفسها، وكأنها تخبر والديها به: (لما! لما لم تأخذاني معكما! لما تركتوني في هذه الدنيا وحدي! أتريان أنني الآن بخير! ها أنا أنظرا إليّ كيف حالي! قلبي ينزف وروحي تحترق وعظامي تفرك كحبات الرمال. أنظرتما لما حدث معي! أتنامان براحة الآن!

كنتما أخذتماني إلى تلك الرحلة حيث الذهاب بلا عودة. كنت حينها هنا معكم ولكن ليس كما أنا الآن. تركتاني وتركتا معي همٌ لا يحصى. لا أريد لا حياة ولا ثروة. أريد النوم في سلام. النوم إلى الأبد.) ليلاً في منزل وداد، تجلس مع زوجها مصطفى تبكي، مردفة بعجز: _أعمل إيه يا مصطفى... تليفونها مقفول ومعرفش عنها أي حاجة ومش في القصر... أنا هتجنن راحت فين بس. ربت مصطفى على ظهرها بحنو، مردفاً يهدأها: _اهدى يا وداد متقلقيش...

هي أكيد حابة تريح عقلها شوية... اللي أنتِ بتحكيه مش سهل أبداً. تطلعت بغضب مردفة: _كله من الكلب اللي اسمه سلطان... يالهوي عليه... إزاي قدر يعمل فيها كدة! تنهد مصطفى مردفاً بشرود: _بس فيه حاجة مش فاهمها! نظرت له متسائلة: _حاجة إيه يا مصطفى؟ أردف بتفكير: _أنتِ بتقولي إن خطيبته هي اللي جت وقالت الكلام ده وادم هو اللي جايبها... لما ده اتفاق بينهم، واكيد خطيبته عارفة وموافقة... يبقى ليه جت وقالت على الحوار من أوله...

إلا إذا؟ أردفت بتساؤل وترقب: _إلا إذا إيه يا مصطفى ما تتكلم! أردف بتعجب: _تفتكري ممكن يكون سلطان حب سيلين فعلاً! ... يعني أعتقد كدة... لأنه اتجوزها وكان يقدر يمضيها على الأوراق بسهولة وهو معملش كدة... وطبعاً خطيبته لما اكتشفت إنها طلعت من الحكاية خسرانة حبت تنتقم منه وجت حكت لسيلين على الخطة اللي بينه وبين عمها. نظرت له وداد قليلاً ثم تابعت: _وليه متقولش إن أدم أغواها بقرشين وحكت عن الخطة! ضحك مصطفى مردفاً بذكاء:

_وتفتكري واحد زي أدم يعمل كدة ليه؟ ... مصلحته إيه؟ ... هو متأكد إن سلطان حب سيلين بجد وخاف لكل حاجة تروح من أيدهم... فكرك يعني إن أدم ميعرفش بالخطة دي من بدري! ... ده أدم الحلواني يا وداد... يعني أخُبث من أبوه... إحنا عارفينه كويس بس للأسف سلطان ميعرفوش... استهان بيه... أنا ده احساسي. هزت رأسها مردفة بحدة: _لأ... لأ يا مصطفى... كان ممكن يصارح سيلين ويقولها كل حاجة ده لو حبها فعلاً...

حتى لو خدع خطيبته فهو أكيد كان عايز يلهف كل حاجة لوحده... ده واحد حقير. تنهد مصطفى مردفاً: _مش عارف بس أنا حاسس إن دي مؤامرة ضد سيلين وضد سلطان هو كمان... المهم دلوقتي هتعملي إيه وهتعرفي مكان سيلين إزاي؟ هزت رأسها مردفة بتشتت: _مش عارفة... مش عارفة يا مصطفى أعمل إيه. أردف مصطفى بترقب: _أنا من رأيي كلمي سلطان... هو اللي هيقدر يعرف مكانها... ووقتها هتعرفي هو خاين ولا لأ. اتسعت عيناها مردفة: _نعم! ...

أنت بتقول إيه يا مصطفى! ... أكلمه أقوله إيه بعد كل ده؟ أردف مصطفى بتفهم: _يا وداد افهمي... سلطان هو الوحيد اللي يقدر يعرف مكانها... كلميه واسأليه... متنسيش إنه كان حارس شخصي ليها. نظرت له بحيرة ثم أردفت: _طب كلمه أنت... أنا المهم عندي سيلين... كلمه أنت واسأله... مع إني متأكدة إن بعد كل ده مش هيهمه هي فين ولا حصلها إيه؟

وصل سلطان الحارة ويده ما زالت تنزف، ولكن نزيف روحه أقوى. رن هاتفه، فأخرجه بيده الأخرى، ينظر له بغضب وترقب. رقم غير مسجل، تعجب له وأخبره قلبه اللعين بالإجابة عليه. فتح الخط دون أن يتكلم وانتظر بترقب. أتاه صوت مصطفى على الطرف الآخر، مردفاً: _الو! ... سلطان؟ أجاب بصوت صارم: _مين؟ أجاب مصطفى: _أنا مصطفى جوز وداد. أردف سلطان بتساؤل قلق وصلابة: _خير؟ تحمحم مصطفى مردفاً وهو يتطلع إلى وداد بترقب:

_بصراحة إحنا مش لاقيين سيلين... وتليفونها مقفول... ومروحتش القصر لحد دلوقتي... وأنت عارف إن هي ملهاش حد تروح له... لو تعرف يعني... كان سلطان يستمع لكلامه بصمت تام، ولكن قلبه اللعين ما زال ينبض لها. لما لا يخبره أنه ليس له شأن بها بعد الآن! لما لا يعنفه ويغلق وتفعل ما تريد وتذهب إلى أي مكان، هذا ليس من شأنه! لما بعد كل تلك الإهانة ما زال يهتم لأمرها ويحمل مسؤوليتها! أردف مصطفى متسائلاً بترقب: _سلطان! ... أنت معايا؟

أردف سلطان بعد وقت: _هكلمك تاني. أغلق معه والتفت عائداً، يغادر الحارة ويعبث بهاتفه بترقب وتركيز، حتى أوقف سيارة أجرة مردفاً بصلابة: _اطلع ع مقابر **** يا سطا. أومأ السائق وغادر بالفعل، بينما سلطان شرد يفكر وقلبه الذي انفطر لأجلها يتساءل بقلق: (ماذا تفعل في المقابر في هذا الوقت!

لولا برنامج المراقبة الخاص بال GBS المحمل على سيارتها والمتصل بهاتفه نظراً لأنه حارسها الشخصي لما عرف مكانها. نزل في العنوان المنشود فوجد سيارتها. أسرع إليه حارس القبور يسأله بترقب: _أنت مين؟ أردف سلطان بجمود: _سيلين الحلواني فين؟ أشار له الرجل مردفاً: _دخلت المدفن وقفلَت عليها يا باشا وأنا مش معايا أرقام حد أعرفه ييجي ياخدها بس أنا واقف هنا مردتش أمشي وأسيبها.

نظر له بصمت ثم خطى من جانبه ووصل لمدفن عائلتها. توقف أمام بوابته ونظر منها. اهتز داخله من هيأتها. كانت ساكنة تماماً تبدو في حالة تفطر الصخر لأجلها. نظر لها بألم يحرق روحه. هل يدلف إليها وينتشلها!

يعلم أنه إن دلَف إليها ثم حملها وعانقها بقوة ضارباً بكل شيء عرض الحائط سيخسر كرامته التي حطمتها هي اليوم. يعلم أنها إن رأته الآن ربما تصرخ وتسئ حالتها ولن يجدي الأمر نفعاً. نعم حطمت جدار كرامته الصلب، ولكن قلبه يؤلمه لهيأتها. هي الآن في أسوأ حالاتها وهذا بسبب تلك الخطة اللعينة الذي كان هو بطلها. لذلك قرر الآتي. ابتعد قليلاً وتناول هاتفه وتحدث مع مصطفى، مردفاً بلغة آمرة: _سيلين في المقابر... تعالى بسرعة أنت ومراتك...

أنا مستنيك هنا. أغلق الخط ووقف ينتظر مجيئهما، وقد قرر أنه لن يتزحزح بعيداً عنها. يقف أمام المدفن وهي في الداخل، لا يفصلهما إلا تلك البوابة، ولكن في الحقيقة المسافة بين قلبيهما المتألمة كالتي بين المشرق والمغرب. في صعيد مصر، تحديداً في محافظة قنا، تجلس سهيلة تتحدث مع شقيقتها فاطمة عبر الهاتف بعدما نام أطفالها وتنتظر هي زوجها، مردفة بمرح: _ههههه أباي عليكي يا فاطمة... وعملتيها كيف دي يابت أبوي؟ أردف فاطمة ضاحكة:

_أبداً... كيف الناس ياختي... بس بعدها حرم يحط عينه في عيني... أنا لو كان راجلي أهانه كان عرفه شغله بصحيح. أردف سهيلة باعجاب: _والله براوة عليكي... بت أبوكي بصحيح. فُتح بابها فجأة دون إذن ودلفت أم زوجها دليلة، تردف بحدة وغضب: _بتكلمي مين يا بت في نص الليل؟ انفزعت سهيلة ووقع منها الهاتف، فوقفت تردف بحدة: _انتي كيف تدخلي أكده من غير ما تخبطي؟ ... مش عيب أكده يا مرات عمي؟ أردفت دليلة بغضب وهي تقترب منها تكاد تضربها:

_أيوه أيوه... اتحججي في دخلتي علشان تداري عملتلك المنيلة... انطقي يا فاجرة كنت بتكلمي مين؟ ... إني سمعاكي بوداني. أردفت سهيلة وهي تبعدها بغضب: _فيه إيه! ... أكلم اللي أكلمه... عايزة مني إيه عاد؟ باغتها دليلة بصفعة قوية على وجهها جعلته يلتفت الجهة الأخرى، مما أشعل الغضب في قلب سهيلة، ونظرت لها مردفة بقوة وهي تدفعها من صدرها: _انتي بتضربيني! ... كيف تمدي يدك دي عليا!

وفجأة اندفع محروس الذي رأى المشهد الأخير بغضب، وأمسك سهيلة يبعدها عن أمه، مردفاً بغضب وهو يصفعها صفعات متتالية: _بتمدي يدك على أمي يا بت ال***. ظل يصفعها ويلكزها بقدمه، وهي لا تستوعب ما يحدث ولا تقدر على الدفاع، بينما دليلة تقف تتابع بشماتة، مردفة بتمثيل: _خلاص يا ولدي سيبها بدل ما تموت في يدك. ابتعد يلهث وهو يتطلع عليها متكورة على نفسها، ثم بصق عليها بقوة واندفع للخارج بغضب، تاركاً إياها في حالة يرثى لها. أما دليلة،

فنظرت لها مردفة: _علشان بعد كده تعرفي زين كيف تتصرفي معايا... انتي هنا تحت أمري أنا وبس. خرجت وتركبتها تجهش في بكاء وتلملم جسدها المكدوم بألم. وصلت سيارة مصطفى أمام المقابر ونزل وتبعته وداد. دلفا للداخل باحثين عن سلطان الذي رآهما وأشار لهما. توقفا أمامه، فأردف بصلابة وهو ينظر لمصطفى متجاهلاً وداد: _هي جوة... خلي مراتك هي اللي تدخل تجبها... أنا همشي... الأحسن إنها متشوفنيش دلوقتي... خلي بالكوا منها.

غادر هو دون أن يسمع منهما أي حديث، ونظر مصطفى إلى وداد بحزن، بينما وداد أسرعت تمد يدها تفتح تلك البوابة من الداخل من خلال القضبان الحديدية، ثم اندفعت للداخل تنادي بصوت باكي متحشرج: _سيلين! ... سيلين يا حبيبتي!

وصلت لعندها ولمستها، فوجدت بشرتها باردة كالثلج. حزنت كثيراً ورفعت وجهها الباهت، فنظرت لها سيلين من بين دموعها وشحوب وجهها، ثم ارتمت في حضنها تكمل بكاءها الذي لم يتوقف. احتضنتها وداد بقوة وهي تربت على ظهرها بحنو. ظلتا مدة على حالتهما، وبعدها أوقفتها وداد وبدأت تسحبها للخارج، وسيلين تنقاد معها باستسلام تام، إلى أن وصلتا لعند مصطفى الذي ينتظرهما في الخارج، والذي اصطحبهما إلى سيارته.

ركبت سيلين في الخلف، ووداد بجانبها تحتضنها بأمومة، وسيلين في حالة سكون تام. بينما ركب مصطفى في الأمام وقاد يغادر إلى منزله، حيث قررت وداد اصطحابها معها وعدم تركها في تلك الحالة أبداً.

أما سلطان، فعاد إلى حارته ودلف منزله بعد عناء، وجده ساكناً تماماً، ولكنه علم بوجود والدته، حيث أن حذاؤها يصطف أمام الباب من الداخل. دلف ببطء وترقب ووقف أمام غرفتها يتنهد بعمق. فتح الباب ودلف ينظر لها، فوجدها تواليه ظهرها وتنام على الفراش، يغطى جسدها ذلك الغطاء الرقيق. جلس على طرف الفراش، يردف مباشرة دون مقدمات: _هي كانت خطة حقيرة ودفعت تمنها غالي... كانت بدايتها خطة ياما... بس نهايتها عذااااب...

عذااااب ووجع مدقتوش أبداً... تنهد بألم مسترسلاً: _عارف إني خزلتك... وخيبت أملك فيا... بس أنا محتاج تسمعيني... أنا هحكيلك كل حاجة وبعدها اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه. كانت ساكنة ولكنها تسمعه جيداً، حين استرسل: _أنا مش حقير ياما ولا واطي... أنا راجل وابن وصعب عليا أوي أشوفك كدة وأنا مش قادر أريحك... نفسي أعيشك زي ما أبويا كان بيعمل... نفسي أجيبلك كل وسائل الراحة ومش قادر... طلبتي مني أخطب لمياء...

وخطبتها علشانك وعلشان أرضيكي وأفرح قلبك... بقالي سنتين خاطبها وكل شغلي والفلوس اللي أخدتها اتصرفت عليها وده برضاكي... ولما كنت اعترض تقوليلي إنها زي أي واحدة مخطوبة ونفسها في هدايا وشي وشويات... بقيت أرضى بكده بردو علشانك وعلشان أريحك... مع إني مكنتش حابب كده ولا حابب الوضع على بعضه... تنهد يفكر ثم أكمل: _محسيتش معاها بأي حب ولا حسيت منها أي خوف عليا...

بس قلت معلش يا سلطان أهي أمك بتحبها وهي من نفس حارتك وهترضي تعيش معاك ع الحلوة والمرة... بس لأ ياما... لمياء طماعة... دايماً عايزة... أنا لما اتعرض عليا الخطة دي ياما أنا رفضت... أنا قلت لعم سيلين إني مش هعمل كده... أيوه عرض عليا فلوس خلت دماغي تلف والشيطان يلعب لعبته... بس أنا ابنك وكنت محتاج بس حد يقفلي... حد واحد بس يفوقني... بس لما قولت للمياء هي بدل ما تفوقني غرقتني...

فرحت وقالتلي وافق وأهو نتجوز وتعمل مشروع ونعيش... خلت الشيطان يلعب في دماغي وشوفتك وإنتي مرتاحة ومش متبهدلة... ووافقت إني أضحك على سيلين وآخد الفلوس وخلاص على كده... عارف إني وقتها كنت عيل وعملت كده وأنا مش راضي عن نفسي بس كملت... بس لما عرفت سيلين ياما واتقربت منها لقيتها عكس اللي عمها قالوا عنها خااالص... لقيتها طيبة وحنينة ومحتاجة حماية... كل يوم بيعدي كنت بقرب منها أكتر وبعرف عنها أكتر...

عمها طلع خاين ونصاب وأولاده زيه وحتى أهل أمها مبيسألوش عنها... حسيتها شبهي ومني ياما وقلت لازم أحميها منهم... مفكرتش هحميها إزاي ولا رسمت خطة لده بس دخلت الطريق ده بقلبي... مشيت ورا قلبي المرة دي... قلت يمكن أقدر أعوضها... قلت يمكن أعرف أعمل حاجة حلوة تفرح قلبك بيا... كنت عايز أحميها علشان هي تستاهل وعلشان أخليكي فخورة بيا وعلشان أثبت لأهل أبويا إني زي أبويا. اتجوزتها ياما... اتجوزتها من يومين بس...

كنت ناوي أصارحها وأعرفك عليها... كنت ناوي أصلح كل حاجة... كنت ناوي أبدأ صح معاها وبيكي... بس ملحقتش أعمل أي حاجة... خزلتك وهنت نفسي وحرقت قلبها... وده عقاب ربنا لطمعي... ودرس قاسي أوي ليا يعلمني... تنهد يكمل بضيق احتل صدره: _سامحيني ياما... سامحيني علشان أقدر أقف تاني... أنا دلوقتي حاسس إن ماليش أي قيمة... لا قدرت أحميها... ولا عرفت أحمي كرامتي... حقك عليا... حقك عليا ياما... صدقيني ياما كنت ناوي أصلح كل حاجة...

اتجوزتها من وراكي عشان كنتي هترفضى عشان لمياء اللي محبتنيش... اتجوزتها لأني لقيت عندها راحتي وسعادتي... حقك عليا ياما غصب عني... صدقيني غصب عني أوي... كنت عايز أحميها وأعوضها... نسيت فلوسها وأملاكها... صدقيني كل أملاكها مهتمتنيش وقت اتجوزتها... ارجعي شوفييني زي الأول عشان متتكسريش أكتر من كده.

كانت منيرة تسمع له بدموع حزن على حاله وما وصل إليه. تصدقه وتعرف غايته، ولكنه أخطأ. أخطأ في حق نفسه أولاً ثم حق تلك اليتيمة المسكينة ثم حقها هي حينما كان السبب في إهانتها اليوم. قاطع حالتهما تلك رنين هاتف سلطان. أخرجه بثقل وعيون يشوبها البكاء، ينظر له فوجده أيضاً رقماً غير مسجل. أجاب بترقب ظناً منه أن أمر خاص بها، فوجد المتحدثة تردف بصوت باكي: _سلطااان! ... أنا سهيلة أختك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...