آخيراً تحققت أقصى أمنياتي... أخيراً انتصرت وحصلت على أغلى مكافآتي. أنتِ وقطعة رائعة منكِ يا كل حياتي. قالها الطبيب الخبير بسعادة وترقب. فالتفت سلطان بانظاره ببطء إلى سيلين التي تبخرت آلامها وقد لمعت عيناه ببريق الفرحة، يردف بتعجب وكأنه يتأكد: "حامل؟ أومأت سيلين بسعادة وعيون ملأتها الدموع، بينما يردف الطبيب وهو يقف ويجمع أغراضه: "أيوه حامل... مبروك يا شعنونة... هتبقي ماما زي القمر."
كان سلطان يقف مكانه متجمداً يستوعب عقله الخبر، بينما نظر الطبيب لها واردف: "طبعاً لازم تجيلي المستشفى، وأنا هحولك على طبيبة نسائية ممتازة هتتابع معاكي، وممنوع أي مجهود، ومش لازم أقول كده أصلاً، أنا عارف إن الجدع ده بعد اللحظة دي مش هيقومك من مكانك... وطبعاً التغذية السليمة." أومأت سيلين وهي تتطلع على سلطان الذي ما زال مكانه، بينما ضحك الطبيب على هيئته مردفاً بمرح: "إيه يا ابني مالك... اتصنمت ولا إيه؟
اقترب منه سلطان وعانقه بشدة، يردف بسعادة وتخبط من شدة فرحته: "متشكر جداً... متشكر جداً يا دكتور... أنت قولتلي أجمل خبر في حياتي كلها." ربت الطبيب على ظهره بتفهم ثم ابتعد، ينظر إلى سيلين ويردف: "هستناكي... وعلى فكرة... آدم حالته بتتحسن... وقريب هيقدر يتخطى المرض."
أومأت سيلين براحة وسعادة، وخرج الطبيب وتبعه سلطان يوصله حتى غادر مع رأفت. فأسرع سلطان يأخذ درجات السلم بسرعة، وكأنه يحاول اللحاق بقطار رحلته إلى السعادة قبل أن يذهب. وصل أخيراً بعد وقت أحسه طويل، ودلف الغرفة يتطلع عليها وكأنه يراها للمرة الأولى. دلف ببطء يقترب منها بحذر ويتساءل بترقب للمرة الثانية: "حامل؟
أومأت له وهي تشير بيدها الاثنتين، فأسرع إليها يضمها بعشق وقوة حنونة، وعيناه تذرف دموع السعادة وهو يدفن رأسه بين خصلاتها وعنقها، يقبله قبلات متعددة، وهي تربت بكفيها الرقيقتين على ظهره بحنو، بينما هو ما زال يحتفظ بها بين ذراعيه. لا يريد أن يخرجها، بل لا يريد أن يخرجهما من عناقه.
إحساسه لا يوصف. عاش حياته وحيداً، وآخيراً سيرزق بطفل من صلبه. قطعة من روحه. قطعة جميلة ورائعة كحوريته التي يعشقها. زهرة حبهما وعشقهما. هل يمكن أن يحصل المرء على سعادة أكثر من هذه؟ ابتعد عنها قليلاً ثم حاوط وجهها بكفيه، يتطلع على عيونها بعشق وسحر، ثم مال على شفتيها يسرق منهما قبلة شغوفة حنونة متملكة، يبارك بها ويهنئها على هذا الخبر. ابتعد يلهث بعمق، مردفاً وجبينهما متساندان على بعضهما وعيونهما مغلقة:
"مبروووك يا عمري وهنايا وراحة قلبي... مبروك يا حظي الحلو من الدنيا." ابتسمت من كلماته وأردفت بحب: "مبروك علينا إحنا الاتنين يا سلطاني." تنهد بعمق وابتعد قليلاً، ثم قام ينظر لها بحب مردفاً: "بصي بقى... أنا هنزل صنية الأكل دي... وأخلي دادا علية تسخنه... وهاجي آكلك بنفسي... أوعي تتحركي من هنا... تمام؟ أومأت له مبتسمة، فغادر هو بعدما أخذ الطعام، أما هي فنظرت حيث معدتها وتحسستها بكفيها، تردف بحب وسعادة:
"نورت دنيتنا يا حبيبي... جيت في وقتك." *** في المصحة النفسية، حيث ذهبتا بهية وفاطمة كي يريا والدتهما. دخلتا بعد أن سمح لهما الطبيب، حيث تجلس والدتهما في غرفة مخصصة تنظر من النافذة التي تطل على حديقة مزدهرة. نظرت فاطمة إلى بهية بحذر وأردفت بترقب: "كيفك يا ماما؟ لم تلتفت روايح بل ظلت صامتة وكأنها لا تسمع شيئاً، فتقدمت بهية منها قليلاً ومدت يدها إلى كتفيها تردف بقلق: "ماما!
انتفضت روايح من مكانها، كذلك هما انتفضتا على أثرها وعادتا للخلف تتطلعان عليها بعيون متسعة، وهي تنظر إليهما بغضب وتردف بقوة: "جايين ليه؟ ها إيه جابكم؟ مش رميتوني هنا كيف المجانين! جلبكم عليا جوي؟ اخرجوا من هنا مش عايزة أشوف واحدة منكم... يلا امشوا." ابتلعت فاطمة لعابها وأردفت بهدوء: "اهدّي يا ماما... انتي هنا عشان تتعالجي... وإحنا جايين نشوفك." ضحكت روايح ساخرة تردف بهستيرية: "هههههه تشوفوني!
فيكم الخير يا بنات إبراهيم... هو اللي جالكم صح؟ هو اللي جالكم روحوا شوفوها وهي مرمية في المصحة." ثم فجأة نظرت خلفهما بعيون متسعة، تردف بغضب وحدة وتعنيف: "إنت جاي معاهم ليه! أني مش عايزة أشوفك هنا... خدهم واخرج... آآآخرج! وضعت كفيها على أذنها تردف بجنون وهي تدنو ببصرها أرضاً: "جولتلك مش عايزة أسمع صوتك... اخرج من هنا."
نظرتا فاطمة وبهية خلفهما لتتأكدا فلم تجدا أحداً، فنظرتا لوالدتها بزهول وحزن، بينما هي ظلت تصرخ بجنون واضعة كفها على أذنها بقوة وعيناها مغمضة: "آآآخرج... خدوه من هنا... هجتله تاني." أسرع الطبيب ومعه المساعد إلى الغرفة وامسكاها وحقنوها بإبرة مهدئة، والتفت ينظر إلى البنات مردفاً بلغة آمرة: "ياريت تمشوا دلوقتي."
خرجتا من الغرفة معاً، إحداهما تبكي والأخرى تنظر للأمام بزهول على ما وصلت إليه والدتها، بينما في الخلف هدأت روايح قليلاً بفعل المهدئ وتم وضعها في الفراش من قبل المساعدة التي أتت أيضاً. خرج الطبيب إليهما واردف محدثاً فاطمة التي كانت متماسكة قليلاً على عكس بهية المنهارة: "للأسف حالتها بتسوء... وده لأنها رافضة العلاج... ولقينا أقراص كتير مرمية تحت شباك أوضتها... برغم إنها بتاخدهم قدام الممرضة...
بعدها حاولنا معاها بالقوة بس بقت ترجعهم... وده للأسف وصلها لحالة التهيوأت دي... وطبعاً كده الوضع بيسوأ." أردفت فاطمة بتساؤل: "طب والحل إيه يا دكتور... أمي هتفضل كده؟ تنهد الطبيب متابعاً: "إحنا بنحاول على قد ما نقدر نخليها هادية عشان نعرف نقنعها بالعلاج... أنا كنت مفكر إنها لما تشوفكم ممكن تتحسن بس للأسف كنت غلطان... يستحسن تبعدوا الفترة دي أو ممكن تتابعوا من بعيد... وأول ما ألاحظ تحسن في حالتها هبلغكم فوراً."
نظرت فاطمة إلى شقيقتها التي بدأت تهدأ، وربتت على كتفيها تحسها على المغادرة، مردفة: "حاضر يا دكتور... عن إذنك." *** عاد سلطان إلى الغرفة حاملاً صينية الطعام الشهية، ينظر لحبيبته وهو يغمز عدة مرات مما جعلها تبتسم على هيئته التي تعشقها. وصل لعندها ووضع الصينية ذو الأرجل حول قدميها وجلس أمامها، يردف بتصميم: "الأكل ده لو اتبقى منه فتفوتة هتتعاقبي." نظرت له باستنكار وتساءلت: "هتعاقبني إزاي بقى؟ ضيق عينيه واردف:
"هتعرفي لو ما أكلتيش." بدأ بإطعامها بحنو وهدوء، وكلما رغبت في الاكتفاء أرغمها بنظراته المهددة التي كانت تضحك عليها. انتهى من إطعامها ومد لها المنديل، فتناولته تمسح فمها بهدوء، مردفة بترقب: "وأنت مش هتاكل يا سلطان؟ أومأ يقف ويحمل الصينية، مردفاً بهدوء: "هاكل يا حبيبتي متشغليش بالك بيا... هنزل دي وأجيب أكلي وآجي." نظرت له بعتاب وأردفت: "وما أكلتش معايا ليه يا سلطان؟ أردف بتنهد:
"أصل بصراحة أنا هاكل ملوخية بالأرانب علية عاملاها حلوة أوي وريحتها إيه بقى مقولكيش... بس خوفت نفسك تغم عليكي لو شفتيها." ابتسمت تومئ له وتردف بمرح: "معاك حق يا سلطاني... دي كانت أكلة بابا المفضلة بس أنا نووو." هز رأسه يبتسم وغادر للخارج، بينما هي وقفت تتجه للمرحاض. *** بعد مرور يومين من دلال السلطان لملِكته، تركها مضطراً متجهاً إلى سوهاج ليرى عائلته ووالدته.
وصل أمام منزل عائلته. ترجل من سيارته واتجه للباب حيث فتحته سهيلة تستقبله بالأحضان وتردف بسعادة: "اتوحشتك جوي يا سلطان." ربت على ظهرها بحنو واردف: "وإنتي كمان يا سهيلة وحشتيني أوي... وحقك عليا اتأخرت عليكي." ابتعدت قليلاً تتطلع عليه مردفة بقلق: "مالها سيلين يا خوي... جولت إنها تعبانة.. إن شاء الله خير؟ ابتسم بسعادة واردف وهو يسحبها من كفها: "تعالي بس أما أشوف أمي وجدي وهقولكوا."
دلف للداخل ليجد منيرة تخرج من غرفتها بعدما أتمت فرضها مسرعة إليه، تعانقه بشدة وقد تلمعت عيناها بدموع الاشتياق لروحها، بينما هو اردف وهو يشدد على ظهرها بقوة وبصوت متحشرج قال: "وحشتيني أوي يا ست الناس... عاملة إيه يا ماما." ابتعدت منيرة تقبل وجنته بحنو كطفل صغير، مردفة وهي تتطلع على وجهه: "بخير يا نور عيني طول ما إنت بخير." خرجت بدرية من المطبخ أيضاً تبتسم مرحبة وتردف: "كيفك يا ولدي... وكيف مراتك؟ أومأ
سلطان يبتسم بود ويجيب: "الحمد لله بخير يا حاجة بدرية... عاملة إيه؟ أومأت له، فنظر حوله فلم يجد جده، فأردف متسائلاً بتعجب: "اومال جدي فين؟ أردفت سهيلة بهدوء: "جاعد مع عيالي في المضيفة ياخوي." أومأ سلطان واتجه إلى غرفة الضيافة ودلف، يردف بصوت قوي صعيدي ممازح: "كيفك يا جح توفيج؟ تهللت أسارير توفيق واردف بسعادة: "حمد الله ع السلامة يا ولد الغالي... نورت دارك."
عانقه سلطان وقبل يده، ثم ابتعد يقبل أطفال شقيقته، وجلس مع جده يسأله عن أحواله وأحوال عمه والعمل. دَلفت سهيلة تتبعها منيرة تحملان كل مالذ وطاب لاستقبال الغالي. وضعتا الضيافة وجلستا تتساءلان كل منهما عن أحواله وعن أخبار سيلين. نظر سلطان للجميع، ثم ارتكز ببصره على أمه، مردفاً بسعادة: "سيلين حامل." اتسعت الأعين من حوله وباركه له الجد توفيق، يردف بفرحة: "ألف ألف مبروووك يا ولد الغالي... أخيراً هينور السوهاجي الصغير."
ابتسم سلطان بسعادة بعدما انهالت الزغاريط والمباركات من قبل منيرة وسهيلة وبدرية أيضاً التي أتت على الأصوات. أردف سلطان بهدوء وترقب: "علشان كده معلش مش هطول هنا... هرجع لأني سايب سيلين لوحدها... أنا جيت أبشركم وأطمن عليكم وكمان عشان آخد سهيلة أروحها وأتكلم مع جوزها." ربت الجد على كتفه بحنو مردفاً بتعقل: "زين العجل يا ولدي... هو ده الصح." أومأ واردف وهو يتطلع على سهيلة: "يالا يا سهيلة البسي ولبسي العيال...
عشان هاخدك على قنا." أومأت سهيلة ووقفت تنفذ ما قاله، بينما أردفت منيرة بفرحة: "ينفع أبقى أجي معاك مصر يا سلطان... آخد بالي من سيلين وأطمن عليها وأرجع تاني." نظر لها سلطان بحنو، ثم نظر لجده الذي أومأ له بصمت، فأردف بفرحة: "طبعاً يا ست الناس دانتي تنوري." نظرت منيرة للجد واردفت باحترام: "ده بعد إذنك طبعاً يا عمي." أومأ توفيق يردف بتعقل: "ومالو يابتي... حقك."
بعد نصف ساعة، يقف سلطان يستعد للرحيل هو وشقيقته، بينما أتى محمود من عمله يتطلع عليه مردفاً بعتاب: "إكدة يا ولدي... هتمشي من غير ما تسلم على عمك! عانقه سلطان بقوة مردفاً: "لا طبعاً يا عمي... أنا كنت هعدي عليك في الأرض دلوقتي... بس إنت سبقتني... عامل إيه؟ وحشتني يا عمي." أومأ محمود مردفاً بحنو: "زين يا ولدي زين... وإنت كمان يا غالي."
أثناء حديثهما، توقفت سيارة ونزل منها محروس زوج سهيلة، فتطلع عليه الجميع بتعجب، بينما هو خطى ناحية باب السيارة الخلفي وفتحه، يخرج منه كرسي خاص بالمرضى أو المعاقين وفتحه واضعاً إياه على الأرض يجره، ثم اتجه للباب الآخر الخلفي وفتحه ومد يده يحمل والدته بصعوبة وأنزلها، ثم وضعها على ذلك الكرسي أمام أعين الجميع المتسائلة بتعجب. أسرعت إليها سهيلة تتساءل بقلق وحنو: "مرات عمي! خير فيكي حاجة؟ مالها يا محروس؟
أردف محروس بعيون نادمة وهو يتطلع على سهيلة بأسف: "أمي لجيتك غيبتي عنها فجالت تيجي بنفسها تشوف مالك وتعتذر منك وتجولك تعاودي معانا." تطلعت سهيلة على دليلة بتعجب، بينما الأخرى التقطت يدها وكادت أن تقبلها لولا انتزاع سهيلة لها بصدمة، مردفة: "وه وه وه بتعملي إيه بس يا مرت عمي... ده واجب عليا." ثم دنت من يد دليلة تقبلها بحنو احترام، فبكت دليلة بندم تردف بقهر أمام أعين الجميع: "حقك عليا يابتي... أني ظلمتك كتير...
إنتي كنتي وست البنات... وللأسف عرفت ده متأخر... أني غلطانة في حقك وحق ابني... هو اتعذب معايا وحرمته من بيته وعياله بسبب أنانيتي... ارجعي معانا يا سهيلة... ارجعي معانا وأنا ومحروس هنشيلك في حبابي عنينا." تطلعت سهيلة التي تلمعت عيناها بالدموع إلى سلطان الذي أومأ لها، كذلك جدها الذي أردف بحكمة: "اللي فات مات يا أم محروس... ومحروس راجل طيب وأكيد هو هيراعي بنتنا زي ما راعى أمه واتجى الله فيها... ارجعي مع جوزك يابنتي."
أومأت سهيلة لجدها، ثم اتجهت تحضر حقائبها من سيارة شقيقها، فأوقفها سلطان وحمل عنها الحقائب يتجه بها لسيارة محروس ويردف وهو يطالعه بثبات: "وفرت عليا الطريق... خد بالك منها." أومأ له محروس بسعادة، ثم اتجه سلطان إلى دليلة يردف بنبرة ذات مغزى: "سلامتك يا حجة... إن شاء الله هتقومي بالسلامة... وسهيلة بنتك الثالثة... وأنا متأكد إنها مش هتقصر مع حد."
أومأت دليلة بهدوء، بينما اتجه سلطان يحتضن شقيقته بحنو ويودعها ويردف إليها بعض النصائح والدعم. بعد ساعة، غادرت سهيلة هي وأولادها مع زوجها ووالدته عائدين إلى قنا بعد عناء وعقاب وحكمة. بينما تجهزت منيرة لتغادر مع سلطان، وبالفعل غادرا عائدين إلى القاهرة في أسرع وقت بسبب قلقه على حبيبة قلبه التي تركها بمفردها.
بعد ساعات عدة، وصلت سيارة سلطان أمام الباب الداخلي للقصر. ترجل سلطان بلهفة واشتياق لرؤية حبيبة فؤاده، بينما ترجلت منيرة أيضاً تتطلع على القصر برهبة، ثم خطى الاثنان للداخل حيث استقبلتهما علية بترحاب وود بعدما علمت هوية منيرة. أردف سلطان متسائلاً: "هي سيلين نايمة يا دادا؟ تنهدت علية وأردفت بتوتر: "بصراحة بابني سيلين مأكلتش حاجة من وقت إنت ما مشيت وكمان حصل حاجة كده." ضيق عينيه ونظر لوالدته بقلق، ثم
أعاد النظر لعلية وتساءل: "حاجة إيه يا دادا خير! نظرت له علية بتردد وأردفت: "اطلعلها يابني." نظر سلطان لوالدته مردفاً بحنو: "بعد إذنك يا ماما ثواني وراجعلك." صعد الدرج مسرعاً حتى إنه كاد أن يقع، ولكنه تمالك نفسه إلى أن وصل إلى غرفتها، فتحها بلهفة ودلف يراقب بعينه. وجدها تجلس على الفراش تحتمي بقديمها وتضع رأسها بينهما، فحجبت عيناها عنه وهو الذي اشتاق لرؤيتهما. خطى إليها ثم جلس على طرف الفراش وقدماه أرضاً،
وأردف بصوت قلق متوتر: "سيلين! مالك يا حبيبتي؟ فيه حاجة حصلت؟ رفعت رأسها وياليتها لم تفعل، فقد رأى احمرار عينيها الملفت ونظرتها الحزينة ودموعها قطعت قلبه إلى أشلاء صغيرة لم يستطع العثور عليها. تزحزح ناحيتها حتى التصق بها ووضع إبهامه وسبابته على فكها، يردف بألم وصدمة: "فيه إيه يا سيلين متقلقنيش عليكي؟ ثم استرسل بصوت مرعوب وهو يتطلع على ملامحها بقلق: "البيبي كويس؟ أومأت له تطمئنه، ولكنها أردفت بصوت واهن حزين:
"عمي هو اللي قتل بابا وماما يا سلطان... الأستاذ ممدوح بلغني من شوية." اتسعت عينه بشدة وفرغ فاهه، ثم وجد نفسه يعانقها بقوة، وهي أيضاً وكأنها وجدت مأمنها، حيث لفت ذراعيها حول ظهره الصلب وشددت من عناقها إليه، تبكي داخل صدره بقوة، وهو يلقي على سمعها كلمات يحاول تهدأتها بها. ظلا على وضعهما لبعض الوقت. ابتعدت سيلين قليلاً تنظر لوجهه بحب وتردف بعد فترة استطاعت فيها أن تهدأ: "كنت حاسة بكده...
كان عندي إحساس دايماً إنه هو اللي حرمني منهم... بس كنت بكذب إحساسي دايماً، لأني لو صدقته كان مستحيل أتحمل وجودي معاه تحت سقف واحد... كنت بقول مستحيل يوصل للدناءة دي... بس طلع كده... أنا موجوعة أوي يا سلطان... كأن موت بابا وماما كان امبارح... مفتقداهم جداً." عانقها مجدداً بعد كلامها هذا وربت على ظهرها بحنو، يردف بحزن: "أنا وإنتي مصيرنا زي بعض... فيه حاجات كتير مشتركة بينا...
وأنا أكتر واحد فاهم إحساسك وعارف اللي بتمرّي بيه لأنّي مرّيت بيه قبلك... عشان كده أوعدك إني هعمل أي حاجة تسعدك... وإن عمك هياخد جزاءه على عمله السودة... أوعدك إن حزنك هخففه ولو أقدر أمحيه همحيه... دموعك همسحها... ومش هسمح أصلاً إنها تنزل... أوعي تزعلي لأن زعلك بيموتني بالبطيء يا سيلين." أومأت وهي داخل صدره، ثم قبلت موضع قلبه بحب. ابتعد قليلاً ينظر لها مردفاً بترقب: "عندي ليكي مفاجأة." مالت برأسها بتساؤل، فتابع هو:
"الحاجة منيرة بنفسها أول ما عرفت إنك حامل في حفيدها قررت تيجي تشوفي وتراعيكي... وأنا بصراحة ما صدقت... مكنتش هقدر أبعد لا عنك ولا عنها... هتفضل معاكي هنا وهكون مطمن عليكي أكتر وأنا في الشركة لحد ما نضبط أمورنا ونرجع الصعيد." انفرجت ملامحها وسعدت كثيراً، ثم أردفت بحماس وهي تمسح دموعها بكفها: "طيب يالا ننزلها حالا... دي وحشتني أوي... وجاية في وقتها جداً." ***
بعد شهر في الشركة، حيث تابع سلطان سير العمل، وغابت سيلين عن العمل بأمر من سلطان حتى لا تجهد. وبرغم انخفاض مستوى المبيعات والعمل خصوصاً بعد رفض الصفقة الفرنسية، إلا أنه كان يحاول جاهداً أن يثبت مكانته، ولاحظت وداد هذا، لكن بعد الموظفين رأوا العكس، حيث انتشر الحديث السام بينهم وهو أن سلطان لا يصلح للعمل، حيث لا مؤهل ولا علم لديه ليستطيع بهما التحكم في مجموعة شركات كبرى مثل هذه المجموعة.
وبرغم مساعدة ممدوح ووداد له وصد هذا الحديث، إلا أنه وصل إلى مسامع سلطان الذي استاء وشعر بالغضب والحزن، ولكنه قرر التصرف وكأن شيئاً لم يكن. مرت الأشهر الأولى من حمل سيلين على خير، وهذا بفضل الله ثم مراعاة سلطان ومنيرة وعلية لها، وللحق هي أيضاً لم تعترض على عدم ذهابها للشركة، فهي أرادت أن تهتم بحملها خصوصاً في شهوره الأولى.
حاول سلطان جاهداً تعويض الخسائر بحصوله على صفقات نزيهة مع بعض الشركات الكبرى الخاصة بالأغذية حول العالم العربي، ونجح في ذلك، واستعادت الشركة بعضاً من قوتها وليس كاملها. في القصر، لاحظت سيلين انشغال سلطان عنها مؤخراً. تجلس هي على الفراش تأكل الفواكه الذي أحضره هو لها، وتتطلع عليه في المرآة وهو يهندم حاله ويستعد للخروج، تردف بشك: "هو إنت متأكد إنك رايح شغل فعلاً! نظر لها من خلال المرآة نظرة متفحصة وابتسم، يردف بخبث:
"إيه! حبيبتي بتغير ولا إيه؟ أعادت رأسها إلى الأمام تردف بتذمر طفولي: "لأ." التفت يتطلع عليها بتعجب، ثم اقترب منها يردف باستنكار وخبث: "لأ! تمام." اتجه إليها ثم دنا يضع قبلة حانية على جبهتها، ثم اعتدل في وقفته واردف بتساؤل: "إنتي هتنزلي ولا هتعملي إيه؟ تململت بتثاؤب ثم أردفت بخمول ماكر: "لأ أنا نعسانة خالص وهنام." أومأ لها ثم التقط منها طبق الفواكه ودثرها في الفراش بحنو، وخطى ليغادر بعدما نظر عليها نظرة أخيرة.
أغلق الباب خلفه، فانتفضت هي تجلس على الفراش وتتناول هاتفها، ثم قامت بالاتصال على وداد التي أجابت على الفور، مردفة بترقب: "ها.... مشي! أردفت سيلين بتوتر وغضب: "أيوه مشي... يلا بسرعة أنا هنزل حالا... وهاخد ماما منيرة معايا عشان تكون شاهدة على عملة ابنها." أغلقت مع وداد التي أخبرتها مسبقاً أن سلطان أنهى أعماله ولم يعد لديه عمل اليوم، مما جعلها تستشيط غضباً، وقد قررت ملاحقته لتعلم أين يذهب كل يوم.
وقفت مسرعة تخلع عنها الروب الذي أظهر أن أسفله ملابس خروج وارتدته كتمويه. ارتدت حجابها سريعاً وحملت حقيبتها، ثم تسحبت للخارج تنظر حولها بحذر، ثم اتجهت لغرفة منيرة، فوجدت منيرة أيضاً تجهزت وتقف أمامها، مردفة بقلق: "افرضي زعقلنا يا سيلين... هنمشي وراه معقول! أردفت سيلين بغضب وتذمر كالاطفال: "كمان يا ماما هو اللي يزعق! مش كفاية بيخوني؟! أردفت منيرة بهدوء: "يابنتي استهدي بالله بيخونك إيه بس... هو إنتي تايهة عن سلطان!
ده بيموت فيكي." بكت سيلين وأردفت بحزن: "عارفة يا ماما... بس تقدري تقوليلي بيروح فين كل يوم في الوقت ده وكل ما أسأله يقول شغل شغل... أنا عارفة إن شكلي اتغير وبقيت بنام كتير بس أعمل إيه! هو لازم يقدر." احتضنتها منيرة تربت على ظهرها واردفت بتوتر: "خلاص اهدّي يا حبيبتي... أنا هريحك ونمشي عشان تعرفي إنك ظلماه... لأن مستحيل سلطان يعمل كده وأصلاً إنتي زي القمر والنوم الكتير ده طبيعي في الحمل." أومأت سيلين وهي تردف باستعداد:
"طيب يالا يا ماما عشان منتأخرش." غادرتا سوياً وركبت سيلين سيارتها وركبت بجانبها منيرة، وبدأت تقود مسرعة حتى تلحق به، فهي علمت من الحرس في أي جهة غادر هو. بعد دقائق، استطاعت رؤية سيارته، فهَدأت من سرعتها وبدأت تتبعه بحذر حتى لا يراها، وهو يدخل من شارع ويخرج من آخر وهي خلفه، ينتابها شعور الخوف والغضب في آنٍ واحد، بينما منيرة تجلس جوارها صامتة فقط تشاهد.
توقفت سيارة سلطان أمام إحدى المنازل ونزل منها سلطان، ثم دلف المنزل دون أن يراها، مما جعل عيناها تتسع واردفت بتوعد وغضب وهي تخلع حزام الأمان الخاص بها: "ماشي يا سلطان... بتخوني! أنا هعرفك." ترجلت من السيارة ولحقتها منيرة تحاول تهدأتها، ولكن سيلين كانت كالإعصار المدمر، حيث اندفعت إلى ذلك المنزل ودلفت. وجدت شقة واحدة في الدور الأرضي، تعجبت واتجهت لعندها تطرق الباب بعنف وتردف بصراخ وغضب: "افتح يا سلطااااان....
افتح أنا عارفة إنك جوة... افتح بقولك." فتح سلطان الباب ونظر لها بتعجب، يردف: "سيلين! إيه اللي جابك هنا؟ تفحصته بعيون ردارية ومدت يدها تتفحص ملابسه، ثم ضيقت عيناها واردفت بتهكم: "لسة بهدومك طبعاً يا بيه! أيوه مانا قفشتك قبل ما تقلع... هي فييييين... اوعى من سكتي." دفعته بقوة وهو يقف مصدوماً، وخلفها منيرة تنظر له بتعجب وتساؤل.
دَلفت تبحث فلم تجد إلا صالة واسعة عبارة عن حاسوب كبير وعدة رجال يجلسون على مقاعد متجاورة، يحمل كل منهم دفتر ويدون شيئاً. تطلعت عليهم بتعجب واردفت باستنكار: "هو إيه اللي بيحصل هنا؟ انتفضت على إثر صوته الذي أتى من خلفها، يردف بصلابة وعيون شرارية: "إنتي إيه اللي جابك هنا! إيه كنتي مفكراني بخونك؟ معقول معندكيش أي ثقة فيا؟ تراقبيني يا سيلين! وتجيبي أمي معاكي كمان! التفتت ببطء توارب عيناها وتنظر له بحزن، مردفة بتلعثم:
"إن... إن... أنا بس استغربت يا سلطان... إنت كل يوم بتخرج في نفس المعاد ولما بسألك تقولي شغل... وأصلاً وداد قالتلي إن مافيش أي شغل خاص بالشركة في الوقت ده... فأنا بصراحة الفار لعب في عبّي." أردف باستنكار يميل برأسه عليها: "نعم! الفار لعب فين ياختي؟ اقتربت من أذنه وهتفت بصوت منخفض لا يسمعه سواه: "في عبّي يا سلطان."
توتر قليلاً من قربها وهمسها الذي يعشقه، ثم حاول أن يستعيد ثباته واتجه إلى حيث الحاسوب ووقف يتحدث إلى الطرف الآخر، مردفاً باعتذار: "أنا آسف يا دكتور مش هقدر أكمل معاكم المحاضرة... عن إذنكم يا رجالة." أومأ الرجال واردفوا سوياً بصوت موحد وهم يكتمون ضحكاتهم: "ولا يهمك يا سلطان ربنا ينصرك." غادر هو يسحبها بحنو للخارج، حيث تنتظرهما منيرة. تطلعت على سلطان الذي يظهر على ملامحه الغضب، واردفت محاولة استعطافه:
"متزعلش يابني منها دي من حبها فيك... أوعى تزعلها دي حامل وتعبانة." أردف بصوت ثابت وهو يسحبها بهدوء، وهي تنقاد معه بصمت وتوتر: "اركبي يا ماما عربيتي." ركبت منيرة في الخلف بطاعة، بينما هو فتح الباب المجاور له وأدخل تلك الفأرة بهدوء، إلا أنها جلست، ثم قام بإخراج حزام الأمان ولفها به وأغلق الباب بقوة جعلها تنتفض، بينما هو لف لجهة القيادة وركب، يردف بصلابة: "لفي حزامك يا أم سلطان." انطلق بعدها حتى إن سيلين
أردفت بصوت مرتعش متسائلة: "وعربيتي يا سلطان! لم يجيبها، بل أخرج هاتفه وضغط يتصل على رأفت، مردفاً: "أيوه يا رأفت... عربية سيلين هانم في شارع ****** ياريت تيجي تاخدها... سلام." أغلق معه وأكمل قيادة بصمت تام، حاولت هي الحديث ولكن دون جدوى. وصل سلطان إلى القصر وترجل من سيارته، ثم التفت إليها يفتح بابها، فنظرت له بزعر، فأردف دون النظر إليها: "انزلي." ترجلت ببطء، فتناول كفها يسحبها خلفه بهدوء، بينما أسرعت
منيرة خلفه تردف بقلق: "سلطان! علشان خاطري متزعلهاش... هي عملت كده لأنها بتحبك." أردف ينهي الحوار بعد أن دلفوا القصر: "تصبحِ على خير يا أم سلطان." صعد الدرج وهي خلفه، وتعمد أن يصعد ببطء وتمهل حتى لا يجهدها، إلى أن وصل لغرفتهما. دلف وأدخلها وأغلق الباب، ثم ترك يدها ووقف أمامها يتطلع عليها بترقب، ثم أردف: "قولي سامعاك... وريني هتبرري اللي عملتيه إزاي! نظرت له بتردد، ثم استعادت قوتها وأردفت بنبرة معارضة تستغل أسلحتها:
"مش هبرر يا سلطان... أنا حامل على فكرة ومعروف عن الحوامل إن هرموناتهم متقلبة... يعني ده عادي." اتسعت عينه واقترب منها وقرب عينيه من عينيها، واردف بتهكم: "عاااادي! إنك تكدبي عليا وتقولي لأ مش بغير وبعدين أسألك هتنزلي تقولي لأ هنام وتقومي تنزلي إنتي وأمي وتراقبوني وتتهمني إني بخونك وكل ده وفي الآخر تقولي عادي؟ مسح على وجهه يستغفر، ثم أردف بقوة متسائلاً: "هسألك سؤال واحد بس يا سيلين... إنتي فعلاً مفكرة إني كنت بخونك؟
هزت رأسها بلا، وأردفت بصدق: "لأ طبعاً يا سلطان... أنا بس كنت بعمل زي ما وداد قالتلي... أنا عارفة إنك مستحيل تعمل كده." تطلع عليها بصدمة واردف باستنكار: "وداد! وإنتي فين عقلك! بقى معقول سيلين الحلواني تتصرف تصرفات الأطفال دي؟ أردفت معترضة: "لأ يا سلطان دي مش تصرفات أطفال... إنت برضو كدبت عليا وقولت إن عندك شغل... وكل يوم كنت بتخرج في نفس التوقيت وأنا مكنتش بكذبك وقولت أكيد عندك أسبابك واستنيتك تقولي بس إنت مقولتش...
إنت كمان غلطان." تنهد بضيق يردف بترقب: "عيزاني أقولك إيه يعني يا سيلين... إني قدمت في كلية تجارة إنجلش وكنت بحضر محاضرات أونلاين مع الدكاترة أنا وبعض الزملا في المكان ده.... كنتي هتتقبلي إن جوزك لسه طالب بيدرس؟ انصدمت من تصريحه، ثم اقتربت منه حتى الالتصاق واردفت وهي تنظر لعينيه: "إيه اللي إنت بتقوله ده يا سلطان! معقول شايفني كده!
أنا فخورة جداً بيك وبشخصيتك وأسلوبك وحنانك لوالدتك وحكمتك مع أخواتك واحترامك لجدك وعمك وقيادتك في الشغل... إنت مش محتاج تضيف لنفسك أي حاجة تانية إنت في عيوني كامل من كل شيء." نسي غضبه ونسي عبءه، ونظر لها بحب يردف بتأكد: "بجد يا سيلين؟ يعني إنتي شايفةني بالوصف ده! أومأت تبتسم وتردف بثقة: "طبعاً... وأكتر كمان... بس ده ما يمنعش إني أشجعك على الخطوة العلمية اللي أخدتها...
واللي أكيد هيكون ليها دور إيجابي في حياتك العملية." احتضنها بحنو وراحة يردف بصوت هادئ: "وده اللي ناوي أعمله." ثم ابتعد ينظر لها ويردف بعبوس: "بس بردو ده ميمنعش إنك غلطتي لما مشيتي ورايا وعرضتي نفسك وأمي وعيالي للخطر." نظرت له بملامح بريئة واردفت بنعومة: "خلاص أنا آسفة." ابتسم لها بحنو واردف: "وأنا كمان آسف." أسرعت إليه تتعلق برقبته وتردف بدلال ونعومة: "هتيجي معايا بكرة للدكتورة عشان نعرف نوع التوأم؟
تأفأف يلف ذراعيه حول خصرها بتملك ويردف بحنق: "الست دي أنا بكرهها من يوم قالتلي (ابعد عن المدام شوية يا أستاذ سلطان) قالها بنبرة تقليدية مضحكة، فصدرت سيلين ضحكة أنثوية مجلجلة ترجع بها رأسها للخلف، مما جعله يبتسم ويميل يقبل رقبتها مردفاً بمشاكسة: "طب بالذمة ينفع أبعد بعد الضحكة دي! إنتي اللي بتجريني للرذيلة." ضحكت بنعومة تغمز له بحركته مردفة بحب ودلال: "بحبك يا سلطاني." تمت بحمد الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!