تحميل رواية «على القلب سلطان» PDF
بقلم آية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بنيتُ قلعتى وشيدتّها جيداً لكي لا أقعُ في شباكِ أحدهم. وبرغم كثرة أعدائي، إلا أني كنتُ واثقةً من نفسي ومن حصوني. تسللتُ أنت إلى جدار قلبي، لا أعلمُ كيف! وحين كدتٌ أن أكتب معاهدة السلام بين قلوبنا، وجدتُ نفسي داخل ساحة الحرب وأصبحتُ رهينة قلبك، وكنتَ أنتَ أقوى الأعداء. فأخرجتك من صميم قلبي إلى جداره، فباتَ " ". فلماذا إذاً يدّعون أنه ليس ؟ على ضفة نهر النيل وتحديداً على كورنيشه، ذلك المكان الذي يجمع القلوب ببعضها في نزهة شيقة. منها العاشق ومنها المبتلي ومنها المعتاد، ولكل قلبٍ حكايته. يجلس سلطان...
رواية على القلب سلطان الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم آية العربي
ينام كعادته مغمض العينان ولكن عقله أُرهق من شدة التفكير والاشتياق لها. اليوم سيكتب كتابه على تلك الحية التي تلونت فأبهرت من يراها، ولكنها لا تزال حية.
بكت وصرخت وأقنعت الجميع أنه تم خيانتها والخوض في شرفها. وقد كان. يعلم أن همها المال ولا شيء غيره، وللأسف اكتشف هذا مؤخرًا. وحتى إن كان همها سمعتها، فالأولوية للمال مؤكد. لذا سيتم كتب الكتاب هذا ليومين. يذهب للحارة ويعلن زواجه منها ثم ينفصلان بعدها، ولتذهب إلى طريق الجحيم، لا يهمه.
رن هاتفه بجواره على الكومود فتناوله بيده وما زالت عيناه مغمضتان. فتحه وأجاب بنبرة حادة قاسية:
"الو."
رد الطرف الآخر ببكاء وحزن وندم وألم واشتياق ثم اشتياق ثم اشتياق:
"سلطان!"
فتح عينه التي اتسعت دون نطق حرف وتجمدت جميع حواسه. أكملت بكاءها هي وأردفت بصوت متألم مزق قلبه العاشق:
"سلطان... عارفة إنك مش عايز تسمعني، بس أنا لازم أتكلم. أنا آسفة يا حبيبي... أنا عارفة إني غلطت في حقك المرة دي. أنا سافرت عشان ألحق اسم بابا وسمعته يا سلطان اللي كانوا ع المحك. بس برضه فضلت أمشي لأني مكنتش هتحمل أشوفك مع غيري حتى لو ع الورق. قلت أبعد الفترة دي وعارفة إن وقتها أنت مكنتش هتسمح بكده."
تنهدت بقوة، قد بدأت تسعل وتبكي مسترسلة وتحاول استجماع أنفاسها بصعوبة:
"آدم مكانش معايا يا سلطان... أنا سافرت لوحدي. أنا مستحيل آخد آدم معايا لهناك وأوجعك بالطريقة دي. فيه أمور حصلت أنت متعرفهاش. أنا بس بكلمك عشان أعتذرلك عن سفري بدون علمك. عايزك تسامحني يا سلطان... سامحني."
أغلقت الهاتف دون أن تسمع صوته الذي تشتاق لسماعه، ولكنها لا تريده أن يعلم بأمرها.
أما هو فانتفض على حاله ووقف يعيد الاتصال بها فوجد هاتفها قد أُغلق. كاد أن يضرب الهاتف في عرض الحائط، ولكنه فضل الاتصال على وداد.
أردفت وداد بترقب بعدما فتحت الخط:
"الو... أيوه يا سلطان!"
أردف بصوت قوي حاد متسائلًا:
"سيلين مالها؟"
تنهدت وداد وقد نزلت دموعها حينما أجابت بحزن:
"سيلين أُصيبت بفيروس كورونا يا سلطان... وللأسف الفيروس ده جديد وقوي."
كان يقف يستمع بصمت. كل عضو من أعضائه يبكي وينزف، إلا عيناه جامدة لا تتحرك. حين تساءل بصوت متألم:
"هي فين؟"
تنهدت وداد تحاول التمالك وأردفت:
"هي في مستشفى **** بس معزولة ممنوع حد يدخلها."
أغلق معها دون أن يتحدث واتجه يبدل ثيابه دون أي تردد أو تفكير.
بعد ساعات لا يعلم عددها، وصل أخيرًا أمام المشفى. صف سيارته وترجل منها يغلقها بيدٍ متجمدة وقلبٍ متألم وروحٍ نازفة. يخشى رؤيتها في تلك الحالة. هل سيتحكم في مشاعره أمامها أم لا؟ لا يعلم.
دلف المشفى واتجه إلى قسم المعلومات متسائلًا بترقب:
"سيلين سمير الحلواني... مصابة كورونا... أشوفها إزاي؟"
رفعت الممرضة نظرها إليه تردف بعملية:
"للأسف يا فندم هي في غرفة العزل وممنوع أي حد يدخلها... بس ممكن تقابل الدكتور المسؤول عن حالتها."
مسح على جبينه بقوة حتى يهدأ من حالته ثم أردف بهدوء يحمل في طياته الكثير:
"فين الدكتور؟"
أردفت تشير له بيدها:
"هتمشي آخر الممر ده هتلاقي غرفة ع الشمال، هو هناك."
خطى مسرعًا في الممر التي قالت عنه ووصل لتلك الغرفة ثم طرقها وولج إليها فوجد طبيبًا يجلس على مكتبه يتطلع إليه بتساؤل.
أردف سلطان وهو يقف قبالته بصلابة وترقب:
"أنا سلطان السوهاجي زوج سيلين الحلواني وعايز أشوفها."
أومأ الطبيب بتفهم مردفًا بهدوء:
"سيلين هانم حاليًا في العزل الصحي وممنوع أي حد يدخلها غير الفريق الطبي، وده حفاظًا على سلامة الجميع."
هز سلطان رأسه ثم أردف بثبات وتصميم متجاهلًا حديثه:
"معلش شوف طريقة مناسبة أشوفها بيها وأنا مش هعترض... يعني زي ما الدكاترة بيدخلولها هدخلها."
نظر له الطبيب بترقب وفهم من خلال ملامحه وعيونه أن لا فائدة من الحديث والمعارضة، فأردف مستسلمًا:
"طيب أنا لأنها محتاجة دعم وحالتها النفسية سيئة هسمح إنك تدخلها بس لازم تكون مجهز كويس... هخلي الممرضة تجيب لك الملابس المناسبة عشان تقدر تشوفها."
أومأ مردفًا باقتناع:
"شوف اللازم يا دكتور وأنا تحت أمرك."
وقف الطبيب يتجه للخارج مردفًا:
"تعالى معايا."
تتبعه سلطان بترقب إلا أن وصلا إلى غرفة لتبديل الملابس، فأحضروا الممرضات بدلة بلاستيكية عازلة وقلافز وقناعًا يغطي الرأس كاملة. ناولته لسلطان الذي التقطهم منها بتعجب، ولكنه أسرع في ارتدائهم والتجهز في أسرع وقت وانتظر الطبيب إلى أن ينتهي.
بعد دقائق انتهى الطبيب واتجه الاثنان عبر ممر تلو الآخر حتى وصلا أمام غرفة العزل المخصصة لحالات الإصابة بفيروس كوفيد 19 المستجد.
وقف الطبيب أمام الغرفة يردف بحذر وتأكيد:
"أستاذ سلطان ممنوع اللمس بأي شكل... حاول تتمالك نفسك عشان حالتها ممكن تسوء أكتر."
أومأ سلطان يردف بعجلة وهو يتطلع على الباب الموصد يكاد يكسره:
"تمام، يالا."
فتح الباب واندفع سلطان منه إلى الداخل تبعه الطبيب. وجدها تنام على فراش مجهز حوله حاجز بلاستيكي، موصول بها جهاز التنفس وتنام واضعة يديها الاثنتان أمام معدتها.
اهتز لرؤيتها ودمعت عيناه لا إراديًا وخارت قواه وانهارت خلايا جسده الصلب.
أردف الطبيب بترقب:
"سيلين هانم!"
فتحت عيناها ببطء وإرهاق فوجدت من كانت معه في أحلامها، حبيب عينيها وقلبها وعقلها. أدمعت عيناها وأردفت بصوت مرهق واهن:
"سلطان."
أردف الطبيب بترقب:
"احم... أنا هسيبكم مع بعض 5 دقايق... وزي ما قلت لك يا أستاذ سلطان."
أومأ له سلطان وتتبع خروجه إلا أن أغلق الباب، فأعاد نظره إليها ينظر لها باشتياق وحب.
أردفت هي مأنبة بوهن:
"جيت ليه؟... وعرفت إزاي؟... مينفعش تبقى هنا... امشِ عشان خاطري... وجودك هنا فيه خطر على حياتك."
مد يده من أسفل الحاجز البلاستيكي يتناول يدها ويشدد عليها بصمت وعيناه تزرف دموعًا حارقة من وراء القناع الذي يرتديه ويحجب رؤيته عنها.
هزت رأسها تردف بدموع وألم وأنفاس متقطعة:
"امشِ يا سلطان عشان خاطري... امشِ من هنا هتتعدي."
نظر لها بقوة ثم وبدون سابق إنذار خلع قلافز يده وغطاء رأسه أمام عينيها الواهنة والدموع تتساقط بغزارة.
أكمل في خلع كمامته ثم تلك البدلة اللعينة التي تمنعه عن حبيبته وبقي فقط بملابسه التي جاء بها. ثم رفع الغطاء البلاستيكي ودخل لعندها يعانق رأسها بقوة وهي فقط تبكي وتهز رأسها مردفة بألم:
"لااااء عشان خاطري متعملش كده... لاااا هتتعدي."
أردف ورأسها داخل صدره بألم واشتياق وعذاب:
"هييييش... اسكتي يا عذابي ووجعي كله... المرة دي بالذات مش هقدر أسمع كلامك."
تمدد بجانبها على الفراش ووضع ذراعيه تحت رأسها وقربها لعنده يقبل رأسها قبلات عدة ويتنهد بعمق مردفًا باشتياق وعشق:
"آآآه وحشتييييني أوي يا سيلين... وحشني حضنك أوووي."
برغم ألمها وضيق تنفسها وحزنها لحالته، إلا أن فعلته كانت كالمرهم لجروحها، وكأن عناقه مسكن بل مزيل لآلامها جميعًا. فقد تحسنت حالتها وأردفت وهي تدثر نفسها به كقطة صغيرة:
"وأنت كمان وحشتني أوووي... بس أنت ليه عملت كده! هتتعدي يا سلطان... الفيروس ده خطير ومعدي."
تناول يدها في كفه وأردف وهو يعصرها بحب وحنو:
"عشان أنا قررت إننا هنتعب سوا... وهنتعالج سوا... وهنروح سوا... وغير كده مش هقبل ومش عايز."
أردفت متسائلة وهي تطالعه بخوف وحزن:
"أنت لسه زعلان مني؟"
هز رأسه مردفًا بصدق وحنو:
"مجرد ما عرفت إن آدم مسافرش معاكي نسيت أي زعل... بالرغم من إني لسه هعاقبك على سفرك لوحدك بدون علمي بس لما نروح من هنا... الأهم عندي إنك مجرحتيش كرامتي وسافرتي مع آدم ده."
نظرت له بعمق واشتياق ووضعت يدها على وجنته مردفة:
"مقدرتش أعمل كده أبدًا يا سلطان... وأنت المفروض عندك ثقة فيا... فيه أمور حصلت أنت متعرفهاش."
تطلع عليها بقوة مردفًا أمام عينيها التي يعشقها:
"أنا عندي ثقة فيكي... بس وقتها حسيت بالخوف والغيرة... خوف عليكي منه لأن أنا وأنتِ عارفين كويس مين هو آدم... وغيرة بتاكل فيا من قربه منك وأنا بعيد... وعشان أوصلك محتاج وقت طويل في أوراق ودوشة كبيرة... كنت حاسس إني مسجون في زنزانة تحت الأرض لا ليها نور ولا هوا... عقلي مبطلش تفكير وأسئلة."
تنهد بقوة يسترسل متسائلًا:
"سمعتي عن قصيدة الشاعر هشام الجخ؟"
هزت رأسها بلا. فأردف يغمز لها بعينه:
"اسمعيها على طريقة سلطان السوهاجي."
ترقبت تستمع له بتمعن وقد زالت آلامها وأحزانها كأنها لم تكن، بينما هو أردف بلغة صعيدية وهو يطالعها ويخرج الكلمات من صميم قلبه:
"أيوة بغير... أيوه بغييير... لا أنا نقصان ولا ضعفان ولا مسطول ولا سكران ولا زاَيغ من عيني الضي... ولا حد أحسن مني في شي... بس بغييير."
ثم قبض على يدها بحنو مسترسلًا بتعمق أكثر وإحساس أقوى:
"واللي جالو لك غيرة الراجل قلة ثقة أو قلة فهم... خلق حمييير... غيرة الراجل نااار في مراجل... نار بتنور مبتحرجش."
ثم نظر لها يضيق عينه مسترسلًا بابتسامة رجولية تعشقها:
"واحنا صعايدة بنستحملش... شمسنا حامية... وعرقنا حامي... وطبعنا حامي."
ثم رفع كف يدها الناعمة يقبله ببطء متنهدًا يتابع:
"واللي تخلي صعيدي يحبها... يبجى يا غوووولبها... أصلنا ناس على جد الطيبة كلنا هيبة... والنسوان في بلدنا جواهر."
ثم نظر لها وكأنه يسألها مسترسلًا:
"طب لو عندك حتة ماس... هتخليها مداس للناس!.... ولا هتقفلي أوضة عليها بميت ترباس!... يمكن حتى تأجري ليها جوزين حراس!"
تنهد يسترسل وهو يشدد من احتضانه لها:
"يبجى أنا لا أنا غافل ولا جاهل... كل الفرق ما بيني وبينك إني صعيدي... يخربيت ده اليوم الأَحَكَل... اللي لا ليه آخر ولا أول... اللي طلعت لجتني صعيدي."
تنهد يسترسل:
"لو كان بأيدي كنت أعملك هندي بريش... وأقلب شعري كاريش كرابيش... والبسلك سلسلة مدلدلة خرزة وجلب."
تطلع عليها يضيق عينه ويتابع باستنكار:
"بس أنا ليه ألبسلك سلسلة... هو أنا كلب!"
ابتسم اثنانتهما ثم تنهد يبعد عيناه مستكملًا:
"ثم العبرة ماهيش ف اللبس... أصل المشكلة مش في اللبس."
شدد من عناقه ثانياً يسترسل بمعزى:
"أصل المشكلة عندك... عنادك... أصل المشكلة عَندك... عِندك... جُلت هسيبها وبكرة تحس... بعده تحس... بعده تحس... ده أنا لو جبس كنت زعجت... ماشي صداقة وماشي زمالة... بس مجتش على الرجالة... مهي نسوان الدنيا كتير... أنا مبجولش تخاصمي الناس... ولا تتحجبي عن الرجالة... ولا تعتكفي وتسكنى دير... بس ياريت حبة تقدير... إني بحبك وإني بريدك."
ثم رفع كفها يقبل باطنه مستكملًا بعشق وهي ساكنة تمامًا تستمتع بكلماته الطيبة التي أنستها المكان والزمان والحال:
"وإني زرعت حياتي في إيدك... وإني غزلت بنات الدنيا عقود على جيدك... وإني تعبت من التفكير... وإني بغييييير."
تنهد يطالعها بحب متسائلًا:
"إيه رأيك؟"
احتضنته بقوة وأردفت بدموع السعادة والعشق:
"كتير عليا أوووي."
أردف مقاطعًا بثبات يتنهد حبًا:
"هييييش... متقوليش كده تاني... قوليلي بقى حاسة بأي وجع أو تعب؟"
هزت رأسها تشدد من عناقه مردفة بصدق:
"لأ... كويسة جدًا... تعرف إني كنت خلاص فقدت الأمل إني هعيش... فكرت إني هموت هنا لوحدي... هموت بفيروس زي ده ومافيش حد هيكون معايا حتى وأنا ميتة."
أغمض عينه بقوة يرفض حديثها مردفًا بحدة وصلابة:
"اسمعيني كويس يا سيلين... أنا وأنتِ هنفضل هنا لحد ما نتعالج سوا ونخرج من هنا على بيتنا وممنوع طول فترة علاجنا مهما تعبنا أسمعك تجيبي سيرة الموت... أنا وأنتِ لسه قدامنا الطريق طويييل أوي... وبعدين أنا لسه ناوي أعاقبك على عملتك دي... وإزاي أصلًا تقولي إنك سافرتي مع آدم؟"
تطلعت على عينه بحزن واردفت بترقب وأنفاس هادئة نوعًا ما:
"الموضوع مش زي ما أنت مفكر يا سلطان... هو فعلاً آدم كان ناوي يسافر الصين يتكلم مع الشركة الصينية من قبل ما يعرف إني هسافر... وكان فعلاً ناوي ييجي معايا... وخرجنا سوا من القصر على إنه جاي معايا."
اشتدت عضلاته واردف بغضب وغيره:
"وأصلًا إزاي تسمحي لواحد زي ده يتكلم معاكي... واحد كلب زي ده كان هيتهجم عليكي قبل كده... إزااااي يا سيلين.... أنتِ اتجننتي؟"
أسرعت تردف وهي تتلمس يداه ذهابًا وإيابًا حتى يهدأ:
"لاء يا سلطان مش زي مانت فاهم.... آدم جه القصر وكأنه حد تاني.... وعرفت إنه مريض كانسر."
تراخت عروقه وتطلع عليها بتعجب ثم أردف بشك:
"كانسر! ... وصدقتيه؟"
أومأت تردف بحزن:
"أيوه يا سلطان صدقته... وشوفت الأوراق اللي بتأكد ده... آدم كان جاي في حالة أول مرة أشوفه فيها... طلب مني أسامحه عن اللي عمله معايا... عشان كده كان عايز يسافر الصين يتكلم مع الصينيين إنهم يتراجعوا عن قرارهم بخصوص فسخ العقد... وكان ناوي يسافر معايا... بس لما خرجنا وركبنا العربية أنا أخدته على مستشفى خاصة عشان يبدأ علاجه... وأقنعته بصعوبة إنه يخليه هناك بشرط محدش يعرف خالص إنه بيتعالج وده بناءً على رغبته... وأنا احترمت رغبته واتعهدت إني مش هقول لأي حد عن مرضه وهقنع اللي حوالينا إنه هو سافر معايا الصين وطبعًا لأنه كان فعلاً ناوي يسافر فهيكون إقناع اللي حوالينا سهل."
نظرت لعينه وتابعت:
"وصلته ع المستشفى وسافرت لوحدي يا سلطان."
تتطلع لمعة عينيها وقد لانت ملامحه واردف بحنو وهو يحتضنها مجددًا ويغمض عينه مستمتعًا بقربها:
"ماشي... سبيني أنام بقى."
تعجبت مردفة باستنكار:
"تنام! ... سلطان هو أنت فعلًا هتكون معايا هنا! ... يعني أنت كده حامل للفيروس زيي؟"
أومأ مردفًا بمرح وهو يغمض عينه:
"أيوه... مش كنتِ نفسك نطلع نعيش ع القمر لوحدنا من غير بشر... اهو انعزلنا سوا ومحدش هيعبرنا... سبيني أنام بقى من يوم ما مشيتي عقلي معرفش طعم النوم."
احتضنت هي رأسه بين يديها بحب ثم رفعت وجهها تقبل رأسه بعشق وحنو مردفة بسعادة لن يزيحها لا وباء ولا بشر ولا موت:
"نام يا نور عيوني."
غفل لدقائق علم فيها الطبيب بالأمر عندما رآه أثناء مروره وقد انصدم وزُهل من فعلته، ولكنه قرر تركه مستسلمًا فقد قضى الأمر.
رن هاتفه وأيقظه فتناوله ونظر لاسم المتصل يجيب بترقب:
"سهيلة! ... إيه الأخبار؟"
أردفت سهيلة بحماس:
"غارت يا خوي... خلعت هي وأبوها... هههه وكسرت وراهم زير."
ابتسم سلطان يتطلع إلى سيلين التي تناظره بتعجب بينما أردف بثقة:
"كنت متأكد إنها هتعمل كده... ربا ضرة نافعة... ههههه كورونا خدمتنا."
أومأت سهيلة تتسائل:
"المهم طمني سيلين عاملة إيه... وأنت يا سلطان... خد بالك منها ومن نفسك يا خوي... وإن شاء الله ترجعوا بالسلامة."
أردف سلطان بعيون عاشقة وثقة:
"سيلين زي القمر أهي... من وقت ما شافتني وهي اتحسنت 180 درجة."
ابتسمت سهيلة وأردفت بحنو:
"أكيد لازم تتحسن، أنا أخويا سلطان... يالا أسيبك وأكلمك وقت تاني."
أردف سلطان بترقب:
"سهيلة... خدي بالك من أمي أهم حاجة... وأنا هكلمكوا دايماً."
أغلق معها وتتطلع إلى سيلين التي تتساءل بترقب:
"احم... مين اللي مشيت؟"
غمزها بطرف عينه مردفًا بمشاكسة:
"ضرتك يا عسل."
اتسعت عيناها واردفت بحسرة:
"إيه؟ .... هو أنت اتجوزتها فعلًا؟"
ضحك يردف بتعجب:
"سبحان الله... كنا هنكتب النهاردة... بس خلعت... ملهاش نصيب فيا."
ضيقت عيناها متسائلة:
"إزاي؟"
نظر لها قليلاً ثم أردف بهدوء:
"هقولك."
بدأ يقص عليها ما حدث في سوهاج صباحًا.
**فلاش باك**
نزل الدرج مسرعًا وكاد أن يغادر حينما تجمعت العائلة للفطور. رآه جده فتساءل بترقب وصلابة:
"على فين يا ولدي... أنت خابر إن اليوم كتب كتابك على البنية دي ومافيش شغل... ولا إيه؟"
نظر سلطان للجميع وأردف بقوة وصلابة وذكاء برغم حزنه وألمه ونزيف روحه كي يجيب على تساؤلات دامت لأسبوع:
"مش هينفع كتب كتاب النهاردة يا جدي... أنتوا عارفين إن سيلين غايبة بقالها أسبوع وأنا كنت قايل إن وراها شغل مهم... بس سيلين أُصيبت بفيروس كورونا اللي الناس كلها بتتكلم عنه دلوقتي... وهي خبت عليا ده ومنعتني أشوفها... وأنا لسه عارف حالًا ورايحلها... يعني لو سمحت يا جدي محدش يتكلم معايا في أي موضوع تاني دلوقتي."
كاد أن يغادر فاوقفته لمياء صارخة بغضب:
"استنى هنا أنت رايح فين... أنت مستحيل تروحلها... إحنا لازم نكتب كتابنا النهاردة أنا قولت لأمي تبلغ الناس في الحارة."
اتجه لعندها وأردف بغضب واستفزاز:
"يتأجل.... كل حاجة تتأجل... استنيني لما أرجع أنا ومراتي."
أردفت بتهكم وغِل:
"ترجع أنت ومراتك إزاي ده وباء وآخره الموت... والدنيا كلها عارفة كده... مينفعش تروح."
ضيق عيناه يطالعها وأردف بصلابة وقوة محاولًا السيطرة على نفسه حتى لا يعنفها:
"امنعيني."
نظر لها بتحدي ثم نظر للجميع وأردف بتصميم وقوة وعزم:
"أنا راجع مع مراتى... بعد يوم بعد أسبوع بعد سنة مش راجع إلا بيها.... لو سمحت يا جدي أمي أمانة عندك لحد ما أرجع."
نظر لأمه بعمق كأنه يودعها ثم انطلق دون أن يلتفت وراءه. غادر وتركها تغلي وتنظر للجد عله يوقفه، ولكن هيهات... فتصميم السلطان لن يزحزحه قوة.
ركب سيارته وغادر يتنهد حرقة أصابت قلبه وروحه يقسم أنه لن يتركها أبدًا.
أما في الداخل فاتجهت لمياء لمنيرة التي تقف مصدومة وأردفت بغضب:
"هتسيبيه يروح يا خالتي... ده مرض معدي وبيموت الحقيه... الحقي ابنك بسرعة."
بكت منيرة بيأس وقلبٍ منفطر لا تعلم ماذا تفعل وأي كلام تقوله هذه الحرباء، بينما صرخت سهيلة بها مردفة بقوة وثبات:
"تفي من خشمك عاد... إن شاء الله يرجع سالم هو ومرته... متبخيش سمك أهنه... عايزة تستنيه لما يعاود استنيه ساكتة مش عايزة يبقى مع ألف سلامة... إحنا مش جهلة وعارفين إن ده وباء وعارفين كل حاجة عنه... يبقى توفري حديثك الماسخ ده."
ثم اتجهت لمنيرة تردف بحنو تحت أنظار روايح الحاقدة:
"متخافيش يا ست منيرة... (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)... إن شاء الله سلطان هيعاود زين هو ومرته."
هدأت منيرة قليلًا من كلامات سهيلة التي أعجبت جدها توفيق كثيرًا ونظر لها بفخر يردف بقوة:
"كلام سهيلة صوح... إن شاء الله هيعاود هو ومرته بخير... وإحنا علينا ندعوا لهم... يالا كل واحد يشوف شغله.... وإنتي يا لمياء أنتِ وأبوكِ ياريت توقفوا حديث ماسخ عاد... رايدين تجعدوا أهنه تستنواهم لما يعاودوا اجعدوا مش رايدين يبقى ملاكوش ملامة."
قالها وهو يطالع لمياء بنظرات ثاقبة متفحصة، بينما اتجهت الأخرى إلى والدها تردف بفحيح:
"بابا... تعالي معايا."
اتجها الاثنان حيث غرفتهما التي يمكثان فيها بكل جرأة وتطفل وأغلقت لمياء الباب خلفها وأردفت بغضب وحدة:
"هنعلم إيه الوقتي يابا... دي كورونا... عارف يعني إيه يابا... يعني هنموت كلنا لو فضلنا هنا ورجع بالعدوى دي هو ومراته... أنا سمعت عنه ع النت كتير وبيقولوا كل اللي اتصابوا ماتوا... أنا بقول نخلع أحسن يابا... هو العمر بعزقة!"
أومأ والدها مؤيدًا يردف:
"معاكي حق يابت... إحنا نمشي والمرة دي حجتنا معانا... وإذا كان ع الفلوس... هنحاول ناخد من جده أي قرشين تعويض وخلاص."
أردفت معنفة:
"تعويض إيه يابا... مشوفتش جده بيبصلنا إزاي! ... ده زي ما يكون قال بركة يا جامع... الأحسن نمشي يابا ونعوض ربنا بقى."
نظر لابنته بغضب وغل بينما الأخرى بدأت في توضيب أمتعتها لتفر هاربة بعمرها.
انتهى الفلاش باك.
نظر لها يسترسل بحب:
"بس يا ستي... ومشيت وأنا متأكد إنها مش هتستنى ثانية واحدة... لمياء واحدة طماعة ومش بتفكر غير في نفسها وبس... وأكيد في اليومين اللي فاتوا جدي لاحظ كده.... لأنه معترضش لما مشيوا."
أردفت تطالعه بعيون عاشقة غيورة:
"يعني كنت هتجوزها النهاردة؟"
أردف بصدق وثبات:
"بصي يا سيلين... أنا عمري ما كنت هتجوزها... وحتى بعد حكم جدي وبعد كلامك عني يومها برضه مكنتش هوافق اسمي يرتبط باسم واحدة زي دي... بس أنتِ بسفرك فجأة وغيابك عني ضعفتي موقفي... كسرتي قوتي ومبقتش عارف أمنعها ولا عندي حيل أعترض... لأنها رسمت هي وأبوها وخططت كويس أوي ولما عمي محمود بعت حد يسأل في الحارة قالوله إن فعلاً الكل مستغرب من فسخ الخطوبة وإيه السبب فجأة كده.... علشان كده أنا لقيت الحل... أنا بعد ما أخرج أنا وأنتِ من هنا إن شاء الله هروح الحارة وأبرأها قدام الكل وأكون ريحت ضميري من ناحيتها... وانتهى الموضوع على كده... ينفع أنام بقى؟ ... ويالا نامي أنتِ كمان."
تغلغلت يدها في شعره الغزير بحب وحنو ونام هو تحت لمستها الأمومية تلك مستمتعًا بالراحة والسكينة والنعومة في عناقها وبين عنقها الذي اتخذ منه بيتًا له. أما هي فشردت تفكر في حاله، مؤكد سيمرض مثلها، كيف له أن يفعل هكذا! كثيرًا عليها هذا الحب، كانت تريد أمانًا واحتواء وحماية، ولكن أتى عوض الله على شكل سلطان، رجل يعشقها حد النخاع ولا يرى سواها، رجل يفديها بروحه بكل ترحيب، رجل يمرض معها ويتعافى معها ويشاركها كل لحظة. كانت فاقدة الأمل في إيجاد مؤنس لحياتها، ولكن قدر الله أن تحظى بسلطان لروحها فينتشلها من وحدتها لعالمه الممتع.
في الصعيد.
تجلس روايح على فراشها وفي يدها زجاجة صغيرة تنظر له بكره وحقد مردفة:
"هتروح على فين يا ولد إبراهيم! ... مسيرك هتعاود لأهنة ووقتها هكمل اللي كنت بعمله... وهتموت زي ما أبوك مات... ولا حد هيعرف سبب موتكوا."
رفعت نظرها تتطلع لصورة والد سلطان وتتجه نحوه مردفة بحقد دفين:
"أبوك زمان جهر جلبي وجابلي ضرة وفضلها عليا... وإني هجهر جلبها على ولدها زي ما التفت حوالين أبوي وبناتي كيف الحنش... إني لازم أقطع راسها... وراسها دي هو أنت يا سلطان."
رواية على القلب سلطان الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم آية العربي
في مستشفى العزل مساءً.
استيقظ سلطان بتكاسل، وقد بدأت تظهر عليه الأعراض هو الآخر، وأصبحت حرارته مرتفعة نوعاً ما. تحامل على نفسه وتحرك من جانب حبيبته التي تنام في عناقه بعمق. حاول أن لا يوقظها، ولكنها بمجرد ابتعاده فتحت عينيها مردفة بصوت متقطع واهن وقلق:
"سلطان! إنت كويس؟"
ملس على حجابها المربوط بطريقة عشوائية، وأردف بحنو وهو يقف:
"كويس يا حبيبتي، متقلقيش. أنا بس هروح الحمام."
ترك يدها واتجه إلى المرحاض الخاص بالغرفة ودلف مغلقاً الباب خلفه، ثم استند على حوض الاغتسال يحاول التحكم في دوار الرأس الذي يهاجمه. فتح صنبور الماء والتقط حفنة بيديه الاثنتين ثم ألقاها على وجهه بطريقة فوضوية عله يفيق. رفع رأسه للأعلى فنتج عن ذلك ألم في جفونه وزاد دوار رأسه، فأنزلها ووضعها تحت صنبور الماء فانزلقت الماء فوقها بغزارة. ابتعد قليلاً يحضر تلك المنشفة الخاصة بالمستشفى ووضعها على رأسه يحاول استجماع نفسه وقد بدأ يتماسك قليلاً.
خرج من المرحاض بعد دقائق يلف المنشفة حول عنقه ويتطلع لحبيبته التي تجلس مستندة على الوسادة وتنتظره بتساؤل وقلق مردفة بصوت بطيء مرهق:
"سلطان! إنت تعبت صح؟ أكيد تعبت. أنا قلتلك بلاش، قلتلك امشي إنت، ليه بتعمل فيا وفي نفسك كده؟"
نظر لها وابتسم محاولاً التخفيف عنها، حيث أردف بمرح ومشاكسة:
"الحمام هنا شكله حلو أوي. والميه حرارتها تحفة. ما تيجي نجربها!"
أمالت برأسها تنظر له بعتب مردفة بعدما فهمت محاولته:
"متحاولش يا سلطان، شكلك تعبان خالص."
اتجه لعندها يجلس بجانبها مجدداً ويحاوط كتفيها بذراعه مردفاً بسخرية واقناع:
"أومال إحنا هنا ليه يا ليني؟ بنهزر مثلاً؟ إحنا في مستشفى يا ماما يعني أكيد هنتعب وهنتعالج. المهم سيبك من تعبي، قولتي إيه تيجي ناخد شاور؟"
نظرت له بعيون مرهقة تجيبه بخجل:
"مينفعش طبعاً يا سلطان. إحنا هنا مش في بيتنا، عيب."
أمال على وجهها يتحسس وجنتها مردفاً بحنو ومحبة:
"حبيبتي المؤدبة اللي خدودها بتحمر. أنا بهزر معاكي. طبعاً مينفعش ناخد شاور هنا عيب. بس ينفع نبوس؟ قولت إيه يا عسل؟"
ابتسمت بوهن وأجابت بحب وخمول:
"كنت هعمل إيه هنا من غيرك يا سلطاني؟ برغم إني زعلانة أوي من اللي عملته، بس وجودك هنا معايا فرق عندي كتير أوي. سلطان، هكافئك إزاي على تضحيتك دي؟"
اعتصرها بحنو يتنهد عشقاً ثم أخْرَجَه مردفاً بصدق وانفاس ساخنة واعترافات مسكنة لأي ألم:
"عارفة أول ما كلمتيني! وأول ما سمعت صوتك... عرفت علطول إن فيكي حاجة. حسيت بيكي. ولما وداد قالت إنك هنا مفكرتش في أي حاجة غير إنك أكيد هتحسي بالوحدة. وده نفس إحساسي طول الأسبوع اللي فات. برغم إن كل عيلتي حواليا، بس أنا وحيد ويتيم من غيرك. علشان كده كان لازم آجي وأكون معاكي. أنا وإنتي مش اتنين يا سيلين، أنا وإنتي روح واحدة. أنا محتاج وجودك جنبي أكتر منك. محتاج حبك، وقلبك، وريحتك، وملامحك، تفاصيلك كلها بعشقها مقدرش أعيش من غيرها. علشان كده أنا اللي لازم أكافئك مش إنتي. إنتي نصيبي الحلو من الدنيا ومن العذاب اللي أنا شفته في حياتي. مكافأتي ليكي هتكون بعد ما نخرج من هنا إن شاء الله. بس خليكي على طول جنبي، متخليش حد يكسرني بيكي. سيلين، أنا خوفي الحقيقي مش من مرض ولا وجع ولا موت. أنا خوفي يوم ما تبعدي عني، يوم ما أنادي عليكي ومترديش. لأن إنتي اللي هتاخد بأيدي للجنة. إنتي اللي أنا عايز أكمل معاها حياتي وحتى بعد عمر طويل ليكي طبعاً لو ربنا كتب لي أكون من أهل الجنة مش هتمنى غيرك."
هزت رأسها ونزلت دموعها على صدره بصمت، بينما هو شعر بها فابتعد ينظر لها بتعجب وحزن متسائلاً:
"بتعيطي ليه بس؟"
ابتسمت بوهن واردفت:
"علشان بحبك أوي."
ضحك بجاذبية مردفاً يغمزها بطرف عينه:
"طب إيه؟ فين عربون المحبة؟ بطلي عياط علشان أنا مجبتش مناديل وأنا جاي."
أخفضت رأسها تبتسم بخجل، بينما هو اقترب منها وكاد أن يخطف قبلة ناعمة من شفتيها المنكمشتين لولا طرق الباب وتبعه دخول الطبيب وممرضتين ترتديان الملابس الخاصة بالعزل وتحملان وجبات الطعام الخاصة بالمستشفى كذلك الأدوية الخاصة بحالتهما.
استغفر سلطان في سره مبتعداً، بينما سيلين احتمت في ذراعه بخجل، فأردف الطبيب متحمحماً:
"بيتهيألي تصرفك كان غلط جداً يا أستاذ سلطان. كده مش تضحية، كده هلاك."
أردف سلطان بثقة:
"صلي على النبي يا دكتور، ما فيش هلاك إن شاء الله. أنا وسيلين هنتبع التعليمات ونخرج من هنا بخير. والفضل في ده بعد ربنا لحضرتك والفريق اللي معاك."
تنهد الطبيب يهز رأسه بيأس وينظر له بتعجب في أمر هذا المحب. كيف له أن يرمي بنفسه في الهلاك لأجل زوجته! فمثل هذا الوباء رأى أن المرء يفر من أهله لينجي بعمره. كيف له أن يأتي وبدون أي تردد يرمي بنفسه في عناقها، بل وفوق هذا يكون بهذه السعادة! حقاً لم يرى.
اقترب منهما قليلاً وأردف بعملية:
"هناخد عينة دم منك للتحاليل وكمان هتعمل أشعة مقطعية. ثم التفت للممرضتين مسترسلاً: "ياريت تشوفوا شغلكم."
أسرعت الممرضتان لإعطاء سيلين الأدوية المناسبة كذلك تحضير أسطوانة الأكسجين والماسكات الخاصة بالجلسات التي سيحتاجونها في الأيام القادمة. أردف الطبيب بترقب:
"لازم تعرفوا إننا في مرحلة جادة مش أي كلام. يعني فيروس كورونا مش سهل أبداً. ده فيروس خطير وللأسف خطورته بتكون مكثفة لأصحاب الأمراض المزمنة والجهاز التنفسي. علشان كده حاولوا بقدر الإمكان تلتزموا بالتعليمات. وقتها هتخرجوا من هنا على خير وفي أقرب وقت."
أومأ سلطان مردفاً بتأكيد:
"هعمل اللازم يا دكتور، متقلقش."
اتجهت إحدى الممرضات تسحب عينة دم من سلطان الذي أشمر عن ذراعه، بينما هو يتطلع على سيلين ويبتسم بحب. أردف الطبيب وهو على وشك المغادرة:
"ياريت كمان تهتموا بالنظام الغذائي اللي المستشفى بتقدمه لأنه جزء من العلاج. عن إذنكم."
خرجتا الممرضتان وكاد أن يخطو الطبيب، فـأوقفه سلطان مردفاً:
"لو سمحت يا دكتور."
لف الطبيب رأسه متسائلاً، فأردف سلطان بجرأة متحمحماً:
"احم... بعد إذنك يعني، ما فيش أوضة غير دي؟"
نظر له الطبيب متعجباً يردف بتساؤل:
"عايز تتنقل من هنا!"
أشار سلطان بيديه عليه وعلى سيلين مردفاً بثبات:
"عايزين. الأوضة هنا مافيهاش خصوصية خالص والشباك الإزاز ده ميصحش أبداً كده. يعني ياريت أوضة لينا من غير الشباك ده."
ابتسم الطبيب واردف ساخراً:
"واضح إنك يا أستاذ سلطان فكرت هنا فندق. هنا مستشفى وإنت وزوجتك في العزل، ويا ريت تقدروا خطورة الموقف وكويس أوي إن إدارة المستشفى سابك قاعد مع زوجتك في أوضة واحدة وفي سرير واحد كمان وده بسبب الموقف المتهور اللي إنت عملته. ولأن حالياً بنعاني من نقص في الأسرّة للأسف بسبب تزايد الحالات."
تنهد سلطان مستغفراً في سره، ثم أردف بثبات وصلابة:
"تمام. يبقى على الأقل حط ستارة على الشباك ده. أنا مراتي محجبة ومينفعش أي حد معدي كده يشوفها. ويا ريت متعترضش علشان إحنا هنتعامل مع بعض فترة هنا، فـ خلينا نريح بعض يا دكتور وأنا تحت أمر المستشفى في اللي تطلبه."
نظر له الطبيب من خلف كمامته وغطاء رأسه مردفاً بترقب:
"تمام يا أستاذ سلطان. ياريت تكلم حد يجبلكوا اللي محتاجينه ويسيب الأغراض في استقبال المستشفى والممرضين هيوصلهالك. وبالنسبة لموضوع الستارة أنا هتكفل بيه."
أومأ سلطان بثبات:
"تمام. كده يبقى شكراً أوي يا دكتور."
غادر الطبيب، وبدأ سلطان يفقد تركيزه ثانياً وشعر برأسه تدور، مما جعله يحاول الوقوف متجهاً إلى المرحاض تحت أنظار سيلين الحزينة لأجله.
رن هاتفها فتناولته بترقب، فوجدت المتصل هو آدم. تطلعت على المرحاض بحذر وقلق، ثم فتحت الخط وأجابت بصوت واهن وسعال:
"الـو... آدم! إنت كويس؟"
أردف آدم بتساؤل وقلق:
"سيلين! إنتي فعلاً اتصبتي بفيروس كورونا! الناس كلها بتتكلم والأخبار مالية الإنترنت، إيه اللي حصل وإزاي؟"
تنهدت سيلين تستجمع أنفاسها مردفة:
"لحقوا نشروا الخبر! المهم دلوقتي طمني عنك إنت، الأدوية عاملة معاك إيه؟"
ضحك آدم ساخراً ثم تحدث بألم وحزن:
"أبداً... شعري وجسمي بيتأكل... بسيطة يعني... متشليش همي، إنتي آخر واحدة تزعلي عليا."
اهتز قلبها الحنون لأجله ولحاله، وأردفت مطمئنة بصوت واهن:
"متقلقش يا آدم، فترة وهتمر. خليك أقوى من كده، إنت قوي وهتقدر تتخطاها. متخليش المرض يهزمك، عافر عشان تبقى كويس."
تنهد آدم مردفاً بيأس:
"هحاول... بس قوليلي إنتي كويسة؟ وإيه حكاية كورونا دي وإزاي."
تنهدت مردفة بتعب وتنفس بطيء:
"أبداً... أكيد أخدتها من سفرية الصين. بس متقلقش الدكاترة هنا شايفين شغلهم فوق الممتاز."
أردف آدم بهدوء:
"متقلقيش... إنتي هتبقي كويسة جداً... لأنك بريئة... لأنك مظلومة ربنا هينجيكي."
تنهدت بصمت، بينما يقف على حافة باب المرحاض يطالعها بغضب وغيرة أعمَت عيناه حينما أردف بعيون سوداء ونبرة صلبة:
"إنتي بتكلميه ليه؟"
انتفضت تغلق الهاتف، ثم نظرت له بترقب مردفة:
"خضتني يا سلطان. كان بيطمن عليا يا سلطان لأنه سمع بموضوع الكورونا."
أردف وهو يقترب ويلتقط منها الهاتف بصلابة وخشونة:
"متجننيش يا سيلين. هو إيه اللي بيطمن عليكي! ده إنسان حقير وكان عايز قبل كده يأذيكي ويتعدى عليكي ومرة تانية كان بيحاول يقتلك. ده غير إنه دمر حياتنا. إزاي ده تتكلمي معاه؟ إزززاي."
نظرت له بحزن وعيون زابلة وأردفت من بين أنفاسها المسحوبة:
"فيه إيه يا سلطان إنت بتتكلم معايا كده ليه! قلتلك آدم مريض كانسر وأنا عمري ما هشمت أو هاخد حقي من إنسان مريض. عرف إن عندي كورونا من على الإنترنت واتصل يسأل. خلاص الموضوع انتهى."
مسح على وجهه مستغفراً وأردف بحدة وغيرة:
"لو سمحتي يا سيلين... أنا لحد دلوقتي مش متأكد من موضوع تعبه ده. بس حتى لو حقيقي ياريت متتكلميش مع الإنسان ده."
تملكه الغضب، فـعتدلت في جلستها وأردفت ببعض الحدة متناسية حالتها:
"لأ على فكرة بقى يا سلطان مش من حقك تقولي أكلم مين وما أكلمش مين. الموضوع أبسط من..."
سُحِب نفسها وبدأت تسعل بشدة متوقفة عن الكلام، فأسرع إليها سلطان يحاول إسعادها وهي تضع يدها على صدرها وتحاول استجماع أنفاسها وقد شعرت ببطء تنفسها بشكل كبير وهو أصبح كالمجنون بوجه شاحب من هيئتها، فاتجه إلى أسطوانة الأكسجين وأوصل بها الخرطوم والقناع وفتحها، ثم تمدد على الفراش وسحبها لعنده حتى التصقت في ظهره، فـممدها عليه وألبسها القناع متمسكاً بها جيداً يردف بحنو وندم:
"سيلين اهدى... اهدى أنا آسف... اهدى خلاص."
بدأت تستعيد أنفاسها تحت جهاز الأكسجين الذي تدفق إليها وعيناها تغمض وهي تستند بظهرها على ضلوع صدره مستسلمة. أما هو فيلعن نفسه على تسرعه، ولكنه أحس بنار تحرقه عندما خرج من المرحاض ووجدها تحادثه. هو لا يقبله أبداً. يرى في عينيه ما لا تراه هي. أنه حيوان كاد أن يعتدي عليها. لن ينسى أبداً هيئته عندما اقتحم شقتهما ورآه يحاول كسر غرفتها. حتى وإن كان مريض فعقله لا يقبل عذراً.
تنهد بضيق وهو مازال يتمسك بالقناع واضعاً إياه على فم سيلين التي استعادت أنفاسها وأغمضت عينيها بإرهاق، فيبدو أن المرحلة القادمة لن تكون هينة.
بعد مدة انتهت جلسة الأكسجين بعد دقائق، ومد يده يغلق محبس الأسطوانة، ثم رفع عن وجهها القناع وملس بحنو على بشرتها الناعمة، ثم دنا يقبل وجنتها وهي نائمة تأخذ قسطاً من الراحة.
أخرج هاتفه من جيبه وما زال يحتفظ بها داخل ضلوعه وضغط بعض الأزرار ثم وضعه ليتحدث. أردف بصوت هادئ بعدما فُتح الخط:
"أيوه يا عمي. إزيك."
أردف محمود بحنو وقلق:
"سلطان يا ولدي. كيف الحال عندك؟ وكيفها مراتك؟"
تنهد سلطان بعيون مرهقة يحاول التركيز مردفاً:
"بخير يا عمي. المهم أنا عايز منك شوية حاجات وتبعتهملي على المستشفى هنا لو سمحت."
أومأ محمود مردفاً بطاعة:
"اطلب اللي بدك إياه يا ولد الغالي. وبكرة الصبح هتكون كل حاجة عندك."
***
عند نبيل الذي يجلس في شقته يتصفح الإنترنت وقد علم بخبر إصابة سيلين بالفيروس. يبدو أن أحدهم سرب الخبر إلى الإنترنت من المطار وأصبح الحديث الجديد للصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل، حتى أن البعض جمعوا بين مرضها وبين ما حدث مؤخراً في شركتها مدعين أنه عدل الله وأن هذا العقاب تستحقه. فبرغم ظهور براءتها إلا أن هناك بعض الفتن تقال. تعجب من ما حدث واردف بتساؤل:
"كورونا! جالها كورونا؟ يعني بعد ما موضوع الصينيين اتحل اتصابت!"
ثم ضحك بشماتة مسترسلاً:
"هتلحقيها منين ولا منين يا بنت أخويا. هههههه معلش المؤمن مصاب."
كان سعيداً بما يحدث معها ولكنه تذكر شيئاً فجأة فأردف:
"آدم!"
***
صباحاً في الحارة.
يجلس نعمان على أريكة منزله يتابع التلفاز بأريحية، فنظرت له زوجته حكمت بغضب مردفة:
"هتفضل قاعد كده يا نعمان! ماتقوم تفتح المحل بقاله يومين مقفول."
نظر لها نعمان واردف ببرود:
"محل إيه! هو ده محل. وبعدين ما ابنك المحروس مش عارف يشغله. أنا راجل كبرت وصحتي بقت على قدي. المفروض أنا أرتاح بقى وعيالي هما اللي يشيلوني."
جاءت لمياء من المطبخ حاملة صينية مرصوص عليها أكواب الشاي تردف بتهكم:
"قوم يابا قوم. إنت فكرت نفسك لسه في الصعيد ولا إيه! هنا لو قعدنا محدش هيعبرنا وهنموت من الجوع."
نظر لها بغضب مردفاً بتأنيب:
"كله بسببك يا وش الفقر. مانتي اللي معرفتيش توقعيه وطار من إيدك. كان زمانك متنغنغة في العز ده كله. سنتين مخطوبة له وزي قلتك جتك الارف. غورى يالا إنتي وأخوكي افتحوا المحل وشغلوه. كفاية عليا أوي لحد كده. صرفت عليكوا ياما."
نظرت له بحدة مردفة:
"جرا إيه يابا. هو إحنا هنضحك على بعض! دانت بقالك سنتين مصرفتش عليا جنيه. وسلطان هو اللي كان بيديني مصروفي. ده حتى لبسي وشحن تليفوني منه. وإنت نفسك كنت بتاخد مني فلوس ياما. يبقى خف يا حج نعمان وقوم اشتغل."
تراجع نعمان عن حدته مردفاً بترقب:
"طب قومي. قومي هاتي أي حاجة من شبكتك لما أبيعها وأجدد المحل. المحل الرجل خفت من عليه. قومي يابت."
ضحكت ساخرة تردف باعتراض:
"دانتا تاخد حتة من لحمي ولا تاخد حتة من دهبي. دول حقي وهيتعانوا للزمن."
اشتدت ملامحه مجدداً واردف بغضب معانداً:
"طب ورحمة أبويا ما أنا متحرك من مكاني. وابقي انزلي بقى إنتي وأخوكي افتحوا المحل."
كانت حكمت تتابع بضجر، فهي معتادة على هذه النوعية من الحوار بينهما، أما لمياء وضعت الشاي ودخلت غرفتها تغلقها خلفها، ثم اتجهت تفتح خزانتها وتناولت مفتاح وضعته تحت صف ملابس، ثم أخرجت صندوقاً خشبياً وفتحت به ذلك المفتاح تنظر داخله بطمع وابتسامة ثعبانية لمحتواه الذي عبارة عن ساعات ومجوهرات خطبتها وبعض العملات التي ادخرتها على مر السنتين، مردفة:
"خليكوا إنتوا كده متتحركوش. كان نفسي أزودكوا بس هقول إيه. منـك لله يا سلطان يابن السوهاجي. ربنا ينتقم منك يا غدار."
***
في الصعيد.
أحضر محمود جميع الطلبات التي طلبها سلطان منه ليلة أمس، وكذلك بعض الملابس التي أحضرتها سهيلة لسيلين واستعد للسفر. أردف محمود وهو يقف أمام والده:
"تؤمرني بحاجة يا حج. إني هاروح أوصلهم الطلبات وأطمن عليهم وأعاود علطول."
أومأ توفيق مردفاً برتابة:
"تمام يا ولدي. بس حاول تبعد عن مكان العدوى. بزيادة سلطان ومرته. وصل الحاجة وعاود علطول. ومتنساش تدي لابن أخوك فلوس معاه."
أومأ محمود مردفاً بتفهم:
"معايا يا حج وعامل حسابي علشان هو جالي أدفع حساب المستشفى كمان وأزود هبابة لأن فيه هناك حالات كتيرة محتاجة رعاية. ربنا يعدي الوباء ده على خير. ويرجع هو ومرته بالسلامة."
خرجت منيرة من غرفتها ترتدي عباءة سوداء وتضع حجابها على رأسها مردفة باحترام:
"بعد إذنك يا با الحاج أنا هروح مع محمود. نفسي أشوف ابني."
نظر لها توفيق بقلق مردفاً بخوف:
"اهدّي يابتي. مينفعش تشوفيه واصل. هو ومرته معزولين ومش هيدخلوكي. خليكي هنا وكلميه في التليفون أحسن."
تنهدت بضيق مردفة بحزن وقد لمعت عيناها بالدموع:
"قلبي واكلني عليه أوي وعلى مراته. امبارح سمعت في التليفزيون على الحالات اللي اتصابت وناس كتير راحت. خايفة أوي وهموت. وحاسة إني متقيدة ومش عارفة أعمل حاجة. ياريتني كنت منعته يروح. بس برضه مراته يتيمة يا حبة عيني وملهاش حد. أنا بين نارين يا با الحاج ومش عارفة أعمل إيه."
اتجهت سهيلة تحتضنها بحنو مردفة برتابة وحكمة:
"يا خالة منيرة خلي عندك ثقة في الله. إنتي لو روحتي أكده ولا أكده مش هتشوفيه. وسلطان مستحيل يرضى يجيبك واصل. يبجى إحنا هنا نقعد وندعيله هو ومرته يرجعوا بالسلامة."
تنهدت تومئ بضيق واختناق وليس بيدها حيلة، بينما روايح تتابع بشماتة وتشفى بصمت. غادر محمود بعدما ودعهم جميعاً منطلقاً بسيارته إلى القاهرة.
***
في الشركة.
وقفت وداد في ساحة الموظفين تردف بناءً على تعليمات سيلين:
"يا جماعة... طبعاً كلنا عرفنا بالخبر المؤسف إن سيلين هانم اتصابت بفيروس كورونا أثناء تواجدها في الصين لحل مشكلة الشركة. علشان كده هي عملت مكافأة لجميع الموظفين هتتصرف الشهر ده مع الرواتب بس ياريت كلنا ندعيلها هو وجوزها الأستاذ سلطان لأن هو كمان معاها في المستشفى."
تعجب الموظفون وبعضهم تسائل بفضول:
"الأستاذ سلطان! مش ده اللي كان حارس شخصي ليها وهي طردته!"
أردفت وداد بثبات مانعة تكملة الحديث:
"ياريت نخلينا في شغلنا أحسن واللي يقدر يدعي للهانم هي وجوزها يدعي. أما بقى التساؤلات واللي حصل واللي محصلش فبيتهيألي مش من حق حد يدخل في حياة الهانم الخاصة. كل واحد يخليه في شغله وبس. عن إذنكم."
غادرت هي عائدة إلى مكتبها لتباشر المهام التي أطلعتها عليها سيلين عبر الواتساب، بينما سمع نبيل ما قالته وداد للشركة ودلف مكتبه يجلس بغضب ووعيد:
"سلطاااان... سلطاااان... مابقاش نبيل الحلواني إن ما ندمتك يا كلب. والمليون اللي إنت خدتهم مني هتدفع مكانهم روحك. بقى إنت بقيت جوز سيلين هانم يا حتة حسالة! معلش... اصبر عليا."
***
بعد ساعات في مستشفى العزل.
استيقظت سيلين بإرهاق ووجع حاد في كامل جسدها تتطلع على سلطان النائم بقلق. حاولت إسناد نفسها قليلاً وأردفت تنادي عليه:
"سلطان!"
لم يجيبها، فـرفعت يدها تتجسس حرارته فوجدتها مرتفعة جداً ويبدو أنه فاقد للوعي. اتسعت عيناها بخوف وأردفت تحركه بعنف:
"سلطاااان فوق... سلطاااان."
تمتم بصوت منخفض أثر حرارته وصعوبة تنفسه:
"صدري... محتاج هوااا."
أسرعت تنزل من الفراش بترقب بعدما ارتدت كمامتها، وعندما لامست قدماها الأرض شعرت بدوار كاد يسقطها ولكنها تحاملت وأسندت إلى أن وصلت للباب، فحاولت فتحه ونظرت حولها تنادي بوهن:
"دكتووور... أي حد هنا... إنتوا فييين."
أسرعت إليها ممرضة ترتدي بذلة العزل وتحدثها بحذر مردفة:
"لو سمحتي يا هانم مينفعش تخرجي. ياريت تدخلي تاني وأنا هناديلك الدكتور."
تنهدت سيلين مردفة بصراخ مكتوم وتألم:
"جوزززي حرارته عالية جداً ونفسه ضيق خالص. خلي الدكتور يجيله حالا... بسررررعة."
أومأت الممرضة وأسرعت تنادي الطبيب، بينما سيلين عادت للداخل بحذر كي لا تسقط واتجهت لعنده تنادي مجدداً بقلبٍ منفطر حزين ودموع:
"سلطان... فوق علشان خاطري... سلطان إنت سامعني."
هز رأسه بتعب ومد يده يتناول يدها ويربت عليها كأنه يطمئنها، ولكن نفسه بطيء جداً ونبضه يكاد يعمل. جاء الطبيب مسرعاً يرتدي نفس البدلة واتجه يعاين سلطان بحذر فوجد حرارته عالية وتنفسه بطيء، فأردف للممرضة التي أتت خلفه:
"جهزي الأكسجين فوراً... وهاتي إبرة ***."
أسرعت الممرضة تلبي طلبه وبالفعل تم وضعه على جهاز التنفس الصناعي حتى تنتظم أنفاسه، وأعطى له الطبيب الإبرة الخافضة للحرارة مردفاً يسأل سيلين التي تقف تستند على الفراش وتطالعه بحزن بترقب:
"هو جوزك بيدخن!"
هزت رأسها تردف بوهن:
"لأ خالص يا دكتور، ليه؟"
تنهد الطبيب مردفاً:
"الجهاز التنفسي عنده مناعته ضعيفة جداً. تكاد تكون معدومة ومش قادر يهاجم الفيروس."
تنهد مسترسلاً وهو يفحصه مجدداً بترمومتر الحرارة:
"طيب عنده حساسية أو مرض رئوي؟"
هزت رأسها تردف بحزن وألم انتابها:
"لأ... لأ خالص... هيبقى كويس صح! قول إنه هيبقى كويس."
أومأ الطبيب مطمئناً يردف:
"اهدّي يا سيلين هانم. التحاليل هتظهر دلوقتي وهطمنك. متقلقيش خالص. إحنا مش هنقصر معاكوا."
نظر للممرضة يردف بعملية:
"جهزيه بعد ما جلسة الأكسجين تنتهي. لازم ياخد شاور بارد علشان يفوق."
خرج بعدما فعل اللازم، وأردفت سيلين بغيرة وهي تطالع الممرضة التي تنتظر انتهاء جلسة الأكسجين:
"خلصي إنتي الجلسة لو سمحتي واخرجي وأنا هدخّله ياخد الشاور."
تطلعت عليها الممرضة مردفة باعتراض:
"مش هينفع طبعاً. إنتي كمان مصابة ومش هتقدري."
نظرت لها سيلين بغضب وقد أتتها قوة لا تعلم مصدرها، يبدو أن الغيرة ضاعفت قوة المناعة لديها، فأردفت بنظرة صارمة وصوت حاولت أن تخرجه حاد:
"هقدر. أنا أولى بجوزي. لو سمحتي خلصي الجلسة واخرجي."
نظرت لها الممرضة بتعجب ثم هزت كتفيها بقلة حيلة تردف باستسلام:
"تمام، اللي يريحك."
انتهت الممرضة من عملها وفصلت الأكسجين عن سلطان الذي بدأت تنتظم أنفاسه، ولكن حرارته ما زالت مرتفعة. خرجت الممرضة تغلق الباب خلفها بتهكم، بينما اتجهت سيلين إلى سلطان تناديه برفق مردفة:
"سلطان! حبيبي... حاول تقوم معايا. تمام! أنا هسندك ونروح الحمام لأن لازم تاخد شاور."
تحامل سلطان على حاله وهو يحاول فتح عينيه، بينما هدأ تنفسه ووقف يحاول أن لا يلقي بحمله على جسدها الضئيل. وقف يدعي الاستناد عليها، بينما في حقيقة الأمر كان يضمها وهي تظنها تسنده، إلى أن وصلا للمرحاض. فتحت بابه وأدخلته ودلفت معه مغلقة الباب خلفها. اتجهت معه تسانده حتى وصل إلى قاعدة المرحاض فأجلسته عليها، واتجهت تحضر الدش المتحرك وقد فتحت صنبور الماء البارد مع قليل جداً من الماء الساخن حتى أصبحت تشبه في حرارتها قطرة العين. اتجهت لعنده مجدداً وقامت بنزع قميصه كذلك بنطاله وتركته بملابسه الداخلية. تناولت الدش وبدأت تسقط عليه الماء الهادئ بحنو ونعومة وهي تفرك شعره وتتمسك برأسه، ولكنه ارتعش بسبب حرارة جسده. تطلعت عليه مردفة بترقب:
"سلطان! الميه باردة عليك؟"
هز رأسه بلا وقد بدأ يعتاد على حرارة الماء، فأغلقت الماء الساخن تماماً وقد انسابت فوقه مياه باردة فقط لتخفض من حرارته كما قال الطبيب.
بعد دقائق بدأ سلطان يستعيد وعيه وتركيزه قليلاً وبدأ يدرك أنها قربه وتفرك رأسه بحنو، فمد ذراعيه يحتضن خصرها بحنو وتملك ويضع رأسه على معدتها مردفاً بحب ومشاكسة وصوت منخفض:
"مش قلتلك ناخد شاور قولتي عيب!"
ضحكت بسعادة متناسية آلامها تردف وقد ابتلت ملابسها:
"ههههه... أيوه كده طمنتني عليك... بقيت أحسن!"
قبل أحشاءها بحنو يردف متنهداً عشقاً:
"ربنا يخليكي ليا... مش عارف إيه اللي حصلي فعلاً... حسيت إن نفسي بيتسحب... واضح إن الفيروس ده مش سهل خالص."
مدت يدها تغلق الصنبور واردفت بحزن وقلق:
"سلطان، هو إنت عندك فعلاً مرض رئوي! يعني حساسية أو سعال مزمن؟"
هز رأسه بنفي يردف:
"لأ الحمد لله. متقلقيش أنا بقيت تمام."
نظرت لملابسها المبتلة وقد تذكرت أمرها تردف:
"سلطان! شنطة الهدوم اللي كانت معايا في الصين بره... هروح أجيب منها غيار وأجي."
أوقفها يردف بلغة آمرة:
"استنى متخرجيش وإنتي مبلولة كده. أنا هجيبها."
وقف بحذر وهدوء يتناول ملابسه ثم ارتداهم فوق ملابسه الداخلية المبتلة تحت أنظارها القلقة، ولكنه مضطر. خرج بهدوء للغرفة ثم اتجه للخزانة يحضر منها الحقيبة ويخرج منها ملابس حبيبته، ثم عاد إليها يردف بترقب:
"سيلين بدلي دول. وأنا هستناكي بره."
أردفت متسائلة بقلق:
"طيب وإنت هتلبس إيه؟ هدومك غرقانة ميه!"
أردف مطمئناً يبتسم لها:
"متقلقيش عمي محمود زمانه على وصول ومعاه كل حاجة."
أومأت باستسلام وخرج هو يجلس على الفراش ينتظرها، فجسده مرهق جداً، بينما طرق الطبيب الباب ودلف يطالعه بترقب متسائلاً:
"سلطان! إنت كويس؟"
أومأ سلطان مردفاً بإرهاق:
"كويس يا دكتور. خير؟"
تنهد الطبيب مردفاً بتعجب:
"مش عارف أقولك إيه يا سلطان. بس نتائج التحاليل أظهرت إن جسمك بيستقبل مادة مسممة. والمادة دي بطيئة المفعول وصعب ظهورها بسهولة. ودي بتسبب الوفاة على المدى البعيد."
انصدم سلطان ونظر للمرحاض بحذر، ثم أردف متسائلاً قبل أن تخرج حبيبته:
"إزاي يا دكتور الكلام ده. ومن إيه المادة دي؟"
تنهد الطبيب يردف بترقب:
"واضح إن فيه حد متعمد يحطهالك في أكل أو مشروب. لأنها مستحيل تدخل الجسم بأي طريقة تانية. ياريت تراجع ذاكرتك كويس. وتعرف مين اللي ممكن يعمل كده. وتحمد ربنا إننا اكتشفنا ده دلوقتي قبل ما الموضوع يسوء. صحيح وضعك مع الكورونا هيكون صعب شوية. بس تأكد إننا مش هنقصر معاك."
غادر الطبيب، بينما شرد سلطان يفكر بذهول وصدمة من ممكن أن يضع له سُمّاً قاتلاً في طعامه.
رواية على القلب سلطان الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم آية العربي
يجلس مستنداً على الوسادة ويضع ذراعه الأيمن فوق عينيه المغمضة ويفكر.
خرجت سيلين من المرحاض بعدما ارتدت ملابسها، واتجهت تطالعه بترقب مردفة بجسد مرتعش بارد وانفاس لاهثة:
_ سلطان!… أنت تعبت تاني؟
رفع ذراعه يطالعها بصمت يخفي عنها ما علمه، ثم تزحزح قليلاً يردف وهو يشير بيده:
_ تعالي.
اتجهت إليه تتمدد بجواره تكتسب من جسده الدافئ حرارة. فرد هو على جسدها الغطاء وضمها بقوة حانية لا تؤلم ولكن تدفئ.
تنهد وهو يستند بذقنه الرجولية على مقدمة رأسها، وهي تستكين في عناقه مردفاً بأنفاس متسارعة وإرهاق:
_ تعرفي يا سيلين… إن ربنا بيحبنا أوي… مهما واجهنا مصاعب بس فعلاً بنخرج منها متمسكين ببعض أوي… بنخرج أقوى… أقوى ببعض.
لفت ذراعيها حول خصره بأمان تردف وهي مغمضة وانفاسها لاهثة بوهن:
_ حقيقي يا سلطان… الضربة اللي مش بتموت… بتقوي… المهم إننا نفضل مع بعض… ونخرج من هنا على خير.
قبل جبينها بحنو مردفاً بترقب وقلق:
_ حاجة بتوجعك؟
أومأت بدموع مردفة وكأنها طفلة تشتكي لوالدها:
_ جسمي كله يا سلطان واجعني… وصدري كمان حاسة بضيقة كده.
أغمض عينيه بألم… نفس تشخيص حالته تماماً. زاد من احتضانه لها واردف مهدئاً:
_ متخافيش يا عمري إنتي… هنخرج من هنا زي الفل… هي بس أعراضه لسة في أولها علشان كده شديدة… بس أنا متأكد إن كلها كام يوم وجهاز المناعة عندنا هيقوى وهيقدر يطرد الفيروس ده.
ابتعد قليلاً يردف مسترسلاً وهو يلتقط شيئاً ما على الكومود المعدني بجواره:
_ الأول ناكل الأكل اللي الدكتور قال عليه وبعدين ناخد المسكن سوا وهنبقي تمام.
أومأت تعتدل بهدوء وجلسا الاثنان يطعم كل منهما الآخر من تلك الوجبة التي أحضرتها الممرضة.
***
مر يومان في العزل.
كانت حالة سلطان وسيلين تشبه المد والجزر… الذهاب والعودة… تارة بخير وتارة مرهقان جداً. ولكن ما يهون الأمر على كليهما أنهما سوياً… في السراء والضراء… في المرض والصحة… في الفقر والغنى.
لم يهدأ عقل سلطان ثانية عن أمر ذلك السم الذي ظهر في نتائجه… لا يريد ظلماً لأحد ولكن مؤكد أن الفاعل هي زوجة والده. لا أحد غيرها…. كل الطرق الشائكة تؤدي إليها.
تنهد بضيق فهو يخشى على مكوث والدته هناك… لذلك قرر الآتي.
تنهد وهو يجلس على الفراش مستنداً على الوسادة وذراعيه تلتف حول جسد حبيبة قلبه بحنو وتنام هي بعمق.
رفع يده ببطء ليلتقط هاتفه من جواره وضغط أزراره بترقب وهدوء يهاتف عمه محمود.
فتح الخط واردف محمود بحنو:
_ سلطان!… كيفك يا ولدي؟… طمني عنيك وعن مراتك… محتاجين أي حاجة؟
اردف سلطان بهدوء وصوت شبه مسموع:
_ سلامتك يا عمي… بس أنا عايز أكلم جدي في موضوع مهم أوي… ياريت تروح أوضته وتخليه يكلمني… ومن غير ما حد يعرف… وكمان عايزك تاخد أمي وتوديها عند فاطمة أختي تقعد عندها لحد ما أرجع.
ضيق محمود عينيه مردفاً بتعجب:
_ وه وه… كيف ده يا ولدي؟… كيف والدتك هتجعد عند فاطمة وبيتك موجود؟
تنهد سلطان يردف بقلق:
_ معلش يا عمي… لما أكلم جدي وتعرف الموضوع هتعذرني… المهم دلوقتي علشان خاطري اعمل زي ما قولتلك… قول إن أمي زعلانة على عدم وجودي وعايزة تخرج شوية برا البيت… وأنا هكلم فاطمة وأفهمها وهي مش هتقول حاجة… وكده كده جوزها مسافر وأمي هتكون مبسوطة معاها.
تنهد محمود وهو يقف ويتجه لغرفة والده:
_ ماشي يا ولدي… كيف ما بدك… أنا رايح لبوي أهو.
أومأ سلطان يتطلع إلى سيلين بحذر وينتظر مهاتفة جده بترقب.
***
مر أربعة أيام آخرون على نفس وتيرة الأحداث مع سوء حالة سلطان بسبب ذلك السم الذي أضعف جهازه التنفسي وقلل من مقاومته للفيروس المستجد.
تنظر له سيلين بألم وحزن وهو متمدد يأخذ جلسة جديدة من الأوكسجين حتى يعدل من تنفسه.
أردفت تتساءل بتعجب وحزن للطبيب الذي يعاينه:
_ طب ليه هو تعبان أوي كده!… مش إحنا بناخد نفس الأدوية وبناكل من نفس الأكل… يبقى فيه إيه بقى؟
تنهد الطبيب الذي يخفي الأمر عنها بناءً على رغبة سلطان مردفاً:
_ متقلقيش يا سيلين هانم… أستاذ سلطان بيتحسن… حاولي تتمالكي عن كده.
نظرت بحزن لسلطان الذي يطالعها من تحت القناع بعيون واهنة وكأنه يطمئنها، بينما رن هاتفها فتناولته ونظرت لشاشته وجدتها وداد.
ابتعدت قليلاً تجيب مردفة بترقب:
_ وداد… إزيك… إيه الأخبار في الشركة؟
تنهدت وداد تجيب بتهكم:
_ على فكرة يا سيلين إنتي عندك عم ظالم بجد… إنسان معندوش ضمير… سايب الأسهم تنخفض ولا همه ولا على باله… وده بيأثر على مستوى الشركة وهو قاعد في مكتبه باشا.
ابتسمت سيلين بحزن مردفة بسخرية:
_ هو إنتي لسة عارفة إن عمي كده!… ده لو معملش كده أنا هستغرب… هو سألش عن آدم ابنه؟
أردفت وداد متسائلة بتعجب:
_ أيوه صحيح يا سيلين هو فين؟… أنا انشغلت بيكي ونسيت أسألك عنه.
التفتت سيلين تطالع سلطان الذي ينظر لها بتتمعن وقد سمعها فأردفت متجاهلة:
_ خلينا في المهم يا وداد… أنا متابعة ع الفون وضع الشركة… وفعلاً الأسهم نزلت بطريقة تقلق… بس أنا أخرج من هنا وهحاول أرجع كل حاجة إن شاء الله… وفيه صفقة من المفترض إنها تتم بينا وبين شركة فرنسية معروفة… هما بعتولي إيميل بكده وأنا هحاول أجّل ده لحد ما أخرج من هنا أنا وسلطان بإذن الله.
أومأت وداد مردفة:
_ تمام حلو أوي يا سيلين… بس هتعملي إيه في الأسهم اللي بتنزل دي؟… إنتي كده ممكن تحتاجي شريك لأسهمك.
نظرت سيلين إلى سلطان بترقب ثم أردفت بغموض:
_ هنشوف يا وداد… هنشوف… هبلغك بأي جديد.
أغلقت معها ونظرت لسلطان فوجدت أن جلسته قد انتهت واستعاد تنفسه قليلاً.
بينما أردف الطبيب مبتسماً:
_ أحب أطمنك يا أستاذ سلطان إن سيلين هانم عدت مرحلة الخطر يعني لو تحب تطلع من هنا على غرفة تانية.
أومأ سلطان مؤيداً وكاد أن يتحدث فاندفعت سيلين تردف بقوة:
_ مستحيل طبعاً…. أنا مش هخرج من هنا إلا مع سلطان.
استجمع هو أنفاسه واردف بهدوء:
_ سيلين!…. علشان خاطري يا حبيبتي… اطلعى إنتي في أوضة تانية وأنا كلها يومين وهحصلك.
اتجهت إليه تجلس بجانبه وتتمسك بيده بين راحتيها مردفة بتصميم وثبات:
_ بس يا حبيبي… متتعبش نفسك في كلام ملوش لازمة… أنا مش هغير رأيي يا سلطان.
أومأ الطبيب مردفاً لينهي هذا الجدال:
_ خلاص… مفيش مشكلة يا سيلين هانم… أنا بس كنت بقترح فكرة مش أكتر.
أومأت له فاستأذن مغادراً، بينما هي نظرت لسلطان بعتاب مبتسمة:
_ أيهون عليك أنام في أوضة تانية لوحدي!
رفض عقله تلك الفكرة ولكن قلبه أردف:
_ خايف عليكي يا حبيبتي.
ابتسمت بحنو تردف بهدوء:
_ طول ما أنا في حضنك متخافش عليا أبداً.
تناولت الطعام الخاص بالمشفى وكشفت عنه وبدأت تطعم سلطانها بدلال وحنو وهو يطالعها بعشق… يعشق حنوها عليه… يعشق رقتها… يعلم أنه معها تكتمل حياته.
بدأ يأكل من يدها بحب وهي تبتسم له وتطعمه كطفل صغير… انتهت من إطعامه ومسحت عن فمه بالمناديل الورقية ثم بدأت تأكل هي الأخرى تحت أنظاره.
كانت ترتشف الحساء بملعقته وتبلل شفتيها تحت أنظاره التي اشتتاقت إليها… أما هي فتفكيرها بريء لم يصل إلى تفكير سلطان السوهاجي الذي ارتفعت حرارته ليس بسبب التعب بل بسبب قربها وطريقتها المغرية في تناول الحساء… مثل حلوى مغلفة ثمينة وضعت داخل صندوق زجاجي لحمايتها من التذوق.
تنهد يردف بخبث وقد استعاد القليل من عافيته:
_ سيلين.
توقفت عن تناول الحساء والتفتت تطالعه ببراءة مردفة بقلق:
_ نعم يا حبيبي.
نظر لها بتلاؤم مردفاً:
_ أنا سخنت.
انتابها القلق وتحسست جبينه بترقب ثم أردفت بتعجب:
_ بس حرارتك كويسة يا سلطان!… إنت حاسس بإيه؟
هز رأسه يردف بعناد طفولي:
_ لأ أنا سخن… ومحتاج آخد دش علشان حرارتي تهدى.
بدأت تفهم مغزى حديثه فضحكت فأشرق وجهها أمام عينيه العاشقة فأردف بمشاعر متضاربة:
_ بسم الله ما شاء الله… الجمال ده بتاعي؟… معقول!
اقتربت بوجهها منه وطبعت قبلة ناعمة على خده مردفة بنعومة هزت عروقه وزعزعت استقراره:
_ عيون حبيبي هي اللي جميلة… بس مش هينفع تاخد دش يا سلطان…. علشان متتعبش زيادة.
اعترض متذمراً كالاطفال يردف وهو يمط شفتيه:
_ ما أنا كده تعبان برضه.
هزت رأسها بقلة حيلة ثم اقتربت وبجرأة لم تعهدها بادرت هي بوضع قبلة ناعمة وخاطفة على شفتيه المتذمرة فتفاجأ هو بها ولكنه أسرع قبل أن تبتعد وأمسك رأسها بكفه يثبتها ثم يتذوق دواؤه وشهد شفاؤه وسر سعادته… يقبلها بحب واشتياق وحنو… حتى أنها اندمجت معه في طوفان مشاعره فنسيا أين هما وظلا على حالهما إلا أن رن هاتف سلطان الذي أيقظ سيلين من دوامتها فحاولت الابتعاد بصعوبة عن ذلك الغارق في دوامة مشاعره… نجحت في الابتعاد قليلاً وأردفت لاهثة من بين أنفاسها:
_ سلطان موبايلك بيرن.
ابتعد يتذمر بضيق فضحكت على هيئته… تناول هاتفه ونظر فوجدها شقيقته فاطمة.
اعتدل متحمحماً ثم أجاب مردفاً بثبات عكس اهتزاز مشاعره:
_ احم… فاطمة… إزيك يا حبيبتي عاملة إيه؟
ولكنها لم تكن فاطمة بل كانت والدته التي أردفت باشتياق:
_ سلطان يا عمري… عامل إيه يا نور عيني… وحشتني أوي.
أعاده صوت والدته الحنون إلى واقعه فأردف باشتياق:
_ أمي حبيبتي… عاملة إيه يا ست الناس؟… وحشتيني أوي ياما… وحشني حضنك أوي؟
أدمعت منيرة تردف بحب واشتياق وحزن:
_ وإنت كمان يا نور عيني… طمني عنك وعن سيلين… عاملين إيه؟
نظر لحبيبته الخجولة واردف بحب:
_ سيلين جنبي أهي وكويسة الحمد لله… وأنا بقيت زي الفل لما سمعت صوتك… كلها أيام يا غالية وهنكون عندك أنا وهي.
أشارت له سيلين بأنها تريد مهاتفتها فأومأ مردفاً:
_ سيلين عايزة تكلمك أهي.
ناولها الهاتف فأردفت منيرة بسعادة:
_ سيلين يا حبيبة قلبي… عاملة إيه؟… الواد سلطان ده عامل معاكي إيه؟
فرح قلب تلك اليتيمة وسعدت كثيراً مردفة بحنو ونعومة:
_ الحمد لله يا ماما منيرة… أنا كويسة جداً وسلطان كمان.
أردفت منيرة بسعادة من مناداتها مردفة:
_ ترجعولنا بالسلامة يا نور عيني… خدي بالك من سلطان… ده روحه فيكي.
نظرت سيلين إلى سلطان بحب واردفت:
_ سلطان في عنيا وفي قلبي… سلطان هو كل حاجة ليا… اطمني يا ماما.
ناولت سلطان الهاتف فأردف بسعادة:
_ شوفتي بقى يا ست الناس… شوفتي إن دعواتك قبلت وربنا رزقني ببنت الحلال وست الحسن والجمال زي ما كنتي بتقولي.
أومأت منيرة بسعادة وراحة مردفة:
_ الحمد لله يا سلطان… ربنا عالم إن إنت طيب وحنين وجدع.
أردف سلطان متسائلاً:
_ طمنيني عنك… فاطمة عاملة معاكي إيه؟
أردفت منيرة بصدق:
_ فاطمة عاملة معايا اللي متعملوش بنتي… ربنا يبارك فيها يابني وعيالها… بس أنا مش فاهمة إنت صممت أجى هنا إيه… يعني أنا محرجة يا سلطان وأنا قاعدة هنا برضه.
أردف سلطان بحنو وهدوء:
_ معلش يا ست الناس… اتحملي بس لما أخرج من هنا وأنا هاجي آخدك… وبعدين فاطمة طيبة وهي قالتلي إنها فرحانة بقعدتك معاها.
أردفت منيرة بصوت منخفض وترقب:
_ أيوه يابني… بس علشان أمها أكيد زعلانة… وأنا مش عايزة أعمل بينها وبين أمها مشاكل.
أومأ سلطان متفهماً:
_ متقلقيش يا ست الناس… كلها كام يوم وهنخرج من هنا إن شاء الله وأنا هحل الموضوع… بس خليكي معاها علشان أكون مطمن عليكي أكتر.
أومأت منيرة تردف بحنو:
_ ماشي يا عمري… خد بالك على نفسك وعلى مراتك.
أردف سلطان قبل أن يغلق:
_ مع السلامة يا غالية.
أغلق معها وجلس شارداً في أمره مجدداً، بينما سيلين تساءلت بترقب:
_ هو إنت قلقان من حاجة يا سلطان؟
ابتسم سلطان يسحبها لعنده ويردف بمراوغة وهو يغمز لها:
_ سيبك من كل ده وخلينا نكمل كلامنا.
ضحكت مردفة بتعقل:
_ كلام برضه؟… اسمعني الأول… أنا عايزة في موضوع.
تنبهت حواسه واردف متسائلاً:
_ قولي يا حبيبتي… عايزاني في إيه؟
تنهدت تردف مستفسرة:
_ هو فعلاً اللي قلته بخصوص الشركة ده يا سلطان… إنت فعلاً عايز تشتري جزء من أسهمي؟
تنهد يردف مؤكداً:
_ أيوه طبعاً… بما إن كده الشركة هتتصلح وهتقدري تحافظي على اسم والدك يبقى أنا عند كلامي… أنا هشتري جزء من أسهمك في الشركة بجزء من المبلغ اللي جدي حولهولي باسمي… وطبعاً مش هظهر في الصورة… يعني أنا هدعمك من ورا الستارة.
تمسكت بيده واردفت بنبرة مؤثرة:
_ ويرضيك تسيبني في وسطهم لوحدي؟… مش إنت عايز تاخد حقك من عمي… دي فرصتك… تظهر معايا ونكون أنا وإنت في الشركة سوا وهنقوى ببعض وهو مش هيقدر علينا… ده غير إن لازم الأستاذ ممدوح يحضر عقود وأوراق ولازم هتيجي الشركة تمضيها في اجتماع بيضم أعضاء مجلس الإدارة… صدقني هتكون صدمة ليه… أنا مبقتش متقبلة أفعاله… عمي تنادى أوي ولازم حد يقفله.
تنهد سلطان يردف بقلق:
_ يا سيلين أنا معاكي طبعاً… أنا هدفي من كل ده مش الأسهم ولا الشركة أنا هدفي إنك تنقذي اسم والدك اللي إنتي وعدتيه بكده… وتقدرى ترفعي راسك قدام الشركة كلها وعمك اللي بيحاول يوقعك… أنا معنديش مانع أكون معاكي داخل الشركة بصفتي شريك وأدعمك… بس أنا مش عايز يتقال إني استغليتك.
هزت رأسها تردف باعتراض:
_ بالعكس بقى… أنا شايفة إن اللي عملته ده هيتقدر جداً وهيُشاف إنك متخليتش عني وهيُعرف إنك دعمتني… بس أوعى تسبني… خليك جانبي… وأنا هبلغ الأستاذ ممدوح يحضر الأوراق من غير ما حد يعرف… وهافاجئهم بقراري أول ما نخرج من هنا إن شاء الله… تمام؟
رفع كف يدها يقبله مردفاً بحنو وقبول:
_ تمام يا حبيبتي.
***
في الصعيد
تحديداً في منزل السوهاجي
تجتمع العائلة حول المائدة لتناول الغداء.
أردف الجد وهو يتطلع للجميع بترقب:
_ الحمد لله…. كلها كام يوم وسلطان ومراته ينورونا ويرجعوا بالسلامة.
أردف محمود بحماس:
_ الحمد لله يا بوي… أخيراً هيعود… البيت مبجلوش حس من غيره.
أومأ توفيق مؤيداً بينما أردفت بدرية برتابة:
_ عارف يابا الحج… إني حاسة إن سلطان كأنه ولدي من بطني… جدع وشهم ووقف لجوز سهيلة وجفة راجل… ربنا يحميه يارب.
غضبت روايح ولم تتمالك نفسها مردفة بحقد:
_ ما ابنك إلا ابنك يا بدرية… بلاش تتلهفي على أي حد كده… وبعدين هو غلط في حج محروس ده مهما كان أبوه أحفادنا وواخد منا ٢٤ ضلع ولازم نحترموه.
أردفت سهيلة بهجوم وعتب:
_ اهو كسرهم ياما… كسر ال ٢٤ ضلع وضربني وهانني ولحد دلوقتي مشفتش منك حزن على حالي وعلى حتى خوف على عيالي اللي من وقت ما جينا ماسألتش فيهم ومرت عمي بدرية هي اللي بتاخد بالها منهم…. خليني ساكتة ياما لأحسن إني جَلبي شايل ومعبعب.
نظرت لها روايح بغضب ووقفت مندفعة تغادر فأردف توفيق بحدة متسائلاً:
_ على وين يا روايح؟
نظرت له روايح بتتمعن واردفت بعلو:
_ راحة عن فاطمة شوية يا بوي.
أردف توفيق بصرامة وقوة:
_ مافيش خروج من الدار… اجعدي وبتك تجيلك هنا.
نظرت له بصدمة واردفت بتعجب:
_ وه… حديث إيه ده يا بوي!… إنت هتمنعني أروح أشوف بتي؟
أردف توفيق وهو يقف بصلابة وثبات:
_ أيوه همنعك… ومن هنا ورايح مافيش خروج من الدار… تجعدي وتشوفي بتك وأولادها محتاجين إيه وتجومي بدورك كأم… ولو سمعت منك حديث ماسخ تاني هيكون ليا تصرف عمرك ما شوفتيه.
نظرت له بذهول لا تستوعب طريقته الجديدة معها بينما نظرت للجميع فوجدتهم منشغلين بطعامهم وكأن شيئاً لم يكن.
اندفعت تتجه لغرفتها التي دلفتها وأغلقت الباب بقوة واتجهت تجلس على الفراش تفرك في جسدها بعنف وتردف بغل:
_ ماشي… ماشي يا ولد منيرة… مبجاش روايح إن ما حرجت جلبهم عليك.
***
في منزل نبيل يجلس وتجلس بجانبه ابنته شمس تتصفح هاتفها الخلوي بينما هو ينظر له وعقله شارداً في غياب ابنه الغير مبرر وحتى أنه أغلق هاتفه فلا يستطيع الوصول إليه.
أردف بترقب:
_ آدم مختفي من وقت ما الهانم رجعت من الصين… قال إنه رايح معاها ووافقت علشان يقرب منها بس بعدها مش عارف عنه أي حاجة… تفتكري ممكن يكون فين؟
هزت كتفيها بقلة معرفة واردفت بلا مبالاة:
_ لو كان عايزنا نعرف كان قالنا…. ريح دماغك يا نبيل بيه وخليك في المهم… وصلت لفين مع الهانم… أنا سمعت إنها بتتحسن… كل مرة بتخرج من الأزمات أقوى… بقت شبه القطط بسبع أرواح.
نظر لابنته واردف بخبث:
_ أومال لو عرفتي إن الحارس اللي كنتي معجبة بيه معاها في المستشفى.
اتسعت عيناها واردفت بتعجب:
_ سلطان!… مش هما اتطلقوا!… هو رجعلها تاني؟
أومأ نبيل مردفاً بغل:
_ أيوه رجعلها الكلب… وشكل الهانم مقدرتش على بعده وسامحته الرخيصة… بس وحيات شرفي ما أنا سايبه… ولازم أفعصه وآخد منه الفلوس اللي لهفها مني.
تعجبت مردفة بتساؤل:
_ رجعوا إزاي!… هو بيحبها ولا إيه؟
نظر لابنته بقلق واردف:
_ يحب مين!… ده كلب طماع عايز يلهف كل حاجة لوحده وملقاش واحدة أسهل ولا أرخص منها… بس أنا مش هسيبهم… فلوس الحلواني مش هتروح لكلب زي ده… كله من أخوكي اللي قال إيه هرجع ثقتها فيا… ههه أهي زحلقته… تلاقي بياكل في نفسه في أي زبالة من اللي بيروح لهم.
نظرت لوالدها بضجر ثم أكملت ما تفعله على هاتفها بينما هو ظل يحاول الاتصال على ولده ولكن دون جدوى.
***
في منزل وداد
تجلس بتعب على الفراش بعد عناء في تنويم طفلها المشاغب آسر بينما يجلس مصطفى منفرداً على الوسادة يتابع هاتفه النقال.
تنهدت تنظر له واردفت بشرود:
_ أنا قلقانة على سيلين أوي يا مصطفى… موضوع الصين اتحل بس نبيل مش ساكت وعايز يوقعها… ده بيروح يتفق مع أعدائها عليها… وكمان الأسهم انخفضت خالص… تفتكر هتقدر تلاقي حل!
لم يأتها جواب فأردفت صارخة:
_ مصطفىاااا.
انتفض بفرغ يردف:
_ بسم الله… إيه يا وداد فيه إيه؟
رأى النيران في عينيها وهي تجيب:
_ فيه إني بكلمك وإنت ولا هنا وملبوخ في التليفون… مش أنا قولتلك لما أتكلم معاك تفضالي!
أغلق هاتفه ووضعه على الكومود ثم التفت لها يردف معاتباً:
_ لا يا شيخة!… ما أنا قاعد متحنط بقالي ساعتين كده ومش راضي ينام زي ما قولتي علشان متزعليش… قولت أشغل نفسي في الفون.
نظرت له بدلال مردفة بعتب أنثوي:
_ لأ… ماهو ابنك يا مصطفى اللي مكانش راضي ينام… وأول لما نام جيت علطول أهو.
أومأ مردفاً بحنو:
_ ماشي يا قلبي… كنتي بتقولي إيه بقى.
تنهدت تردف بهدوء وترقب:
_ كنت بقولك إني قلقانة على سيلين… عمها مش سايبها في حالها وأسهمها بتنخفض بشكل يقلق.
اقترب منها يحتضنها بحنو مردفاً بتعقل:
_ هقولك على حاجة ومن الآخر… متقلقيش على سيلين خالص طول ما سلطان معاها… سلطان مبقاش الحارس الفقير الوحداني… لأ… ده بقى سلطان السوهاجي حفيد أكبر عائلات سوهاج… يعني مال وسلطة وقوة… وده اللي نبيل ميعرفهوش وكويس أوي إنه ميعرفش بكل ده… وده طبعاً لأنه غبي… يعني سلطان دلوقتي بإشارة منه يودي نبيل ده ورا الشمس… وأكيد هو ناوي على كده… بس هو مستني الوقت المناسب… أما بقى بالنسبة لسيلين فهي بجد ربنا بيحبها إنه عوضها بسلطان… ومكنتش غلطانة لما وثقت فيه وحبته لأنه يستاهل… هو يفديها بحياته لو طلب الأمر.
تنهد ينظر لها بتعمق مردفاً بخبث:
_ الحاجة الوحيدة اللي تقلقي عليها هي مستقبل آسر.
ضيقت عينيها متسائلة بقلق وتلهف:
_ ماله آسر يا مصطفى؟
مال عليها يردف بجرأة:
_ محتاجين نخاويه طبعاً.
ضحكت ضحكة أنثوية مغرية فأردف بإعجاب:
_ اااالعب يا بطل.
مال عليها حتى يقبلها ولكن قاطع خلوتهم دلوف ابنهما آسر الذي فتح الباب واتجه مندفعاً إليهما ينام في الوسط مردفاً بطفولة:
_ قولتلك يا مامى نامي معايا وسيبك من مصطفى… فكرك يعني كده أنا هسيبك.
نظرت لزوجها بعيون متسعة وفاه مفتوحة بينما أردف مصطفى بضجر وهو يتمدد ويغطي رأسه بالفراش:
_ لأ يا خويا متسيبهاش… سيبها أنا.
بينما وداد انفجرت ضاحكة على تقليد زوجها وعانقت صغيرها وتمددت تنام وهي تقبل جبينه باستسلام.
***
بعد يومان في العزل
تسحب سلطان الذي ساءت حالته من جانب سيلين ليتجه إلى المرحاض سريعاً فهو يشعر بالاختناق وعليه أن يسعف نفسه سريعاً.
وقف واتجه إليه ودلفه وبدأ يسعل بشدة ويضع يده على صدره بألم بينما استيقظت سيلين منتفضة على سعاله.
اتجهت إلى المرحاض بزعر وهي تراه يستند بساعديه على ركبتيه ويسعل بشدة وفجأة نزلت منه بقع دماء على الأرضية الرخامية للمرحاض نظر هو لها بصدمة بينما شُل جسد سيلين التي تقف أمامه متسعة العين من هذه الدماء التي لا تعلم سببها… أما هو فلم يستطع الصمود أكثر فسقط فاقداً للوعي أمامها وقبل أن ترتطم رأسه أسرعت تسقط معه وتلتقط هي رأسه بين أحضانها صارخة باسمه بقوة ورعب حتى بح صوتها:
_ سلطااااااان.
رواية على القلب سلطان الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم آية العربي
صرخت باسمه وقد تحولت نظرتها لرعب وضعف وانكسار وهي تهزه وتنادي بصوت مبحوح ولكنه كان فاقدًا لوعيه تمامًا.
وضعت رأسه بهدوء ووقفت بخطى ثقيلة تزرف الدموع الحارقة وتخطو للخارج مرددة بصوت مكتوم ورجاء:
ياااارب… يااارب.
وصلت إلى الباب ففتحته وبأعلى صوت تبقى لديها صرخت مردفة:
دكتووووور…. بسرررررعة.
جاء إليها الطبيب يرتدي قناعه الواقي مندفعًا بسبب صراخها ومتسائلاً بقلق وهي تشير على الغرفة بدموع وقد فقدت النطق، فأسرع هو إلى الداخل ومنه إلى المرحاض حيث وجد جسد سلطان منفردًا دون حركة.
أسرع إليه يفحصه فتنهد بارتياح حينما وجد نبضه، ولكن تنفسه بطيء جدًا يكاد يكون معدومًا.
وقف على حاله واتجه خارجًا ينادي طاقم التمريض وسيلين تقف تنظر لحركاتهم بضياع وعدم استيعاب كأنها تناولت للتو إبرة مخدرة وترى حركتهم كضباب يسير ببطء.
دلف الطبيب وخلفه المسعفون وحملوه على الترولي ثم أخذوه خارجًا حيث يعاينوه، وهي تنقاد خلفه لا إراديًا بدموع شلالية وكأن روحها معلقة به، وهي كذلك حقًا.
أردف الطبيب الذي نظر إليها ورأف لحالتها:
سيلين هانم… اهدئي، هو كويس بس لازم يدخل العناية حالًا… لازم يبقى تحت أجهزة التنفس… أنا بلغته ده من الأول بس هو رفض يسيبك.
توقفت عن السير وأردفت بعدما تنبهت جميع حواسها متسائلة بضعف ودموع وتعجب:
هو عنده إيه؟… أكيد إنتوا مخبيين عني حاجة.
نظر الطبيب أرضًا وأردف بترقب:
للأسف واحنا بنعمل الفحوصات ع الرئة اكتشفنا نسبة معينة من سم قاتل على المدى البعيد متسربة للجهاز التنفسي عنده وكانت ممكن بعد فترة لا قدر الله تتسبب في وفاته لو ما اكتشفتش… وهي مش بتظهر في التحاليل العادية… وأكيد السم ده وصله عن طريق الطعام أو الشراب… وأنا بلغت الأستاذ سلطان بكده… وهو أكد عليا إنكِ متعرفيش… ده غير إن هو رفض تمامًا يسيبك ويروح العناية المركزة لأن الفيروس المستجد بيتهاجم بشراسة الجسم اللي مناعته ضعيفة والسم ده للأسف أضعف الجهاز المناعي عنده.
كانت تستمع للطبيب بنار تكوي صدرها… تنظر له بدموع تنزل كالشلال ولا تتفوه بحرف… تهز رأسها غير قادرة على تصديق ما يحدث… أسرعت مجددًا تركض خلف سلطان قبل أن يدلفوا به إلى غرفة الرعاية.
كادت أن تدلف خلفه فمنعتها إحدى الممرضات مردفة بترقب:
مينفعش يا هانم تدخلي.
نظرت لها سيلين بقوة ودموع وغضب مكتوم وشراسة لم تعهدهما مردفة:
أوعي من سكتي.
توترت الممرضة من هيأتها فأسرع الطبيب يردف بهدوء وترقب:
سيلين هانم… مينفعش تدخلي علشان سلامة الأستاذ سلطان… الأحسن ليه تخليكي هنا وأنا هدخله وأطمنك على حالته في أسرع وقت… متقلقيش هيبقى كويس.
أظهرت ضعفها وانكسارها وهي تنظر للطبيب بترجّي ودموع كأنه طوق نجاتها من غرق زورقها في المحيط مردفة:
أعمل أي حاجة… أي حاجة تريح قلبي.
أومأ لها ودلف مسرعًا ليرى ما يمكن فعله، ووقفت هي على باب العناية تستند برأسها عليه وتبكي. ولأول مرة تبكي بهذا الشكل… للمرة الثانية تشعر بفقدان الأهل… للمرة المليون تتذوق مرارة الفقد… ولكن يبدو أن هذه المرة أقوى من سابقها… هي لن تتحمل فقدانه أبدًا… ماذا قال!!… سُم!… من فعلها!… وهل أخفى عنها!…. ااااه يا رب هون.
مرت عليها الدقائق كالسنوات… واللحظات كالأيام وهي تستند برأسها على الباب الذي هو خلفه وتدعو الله جهرًا بضعف واحتياج.
كان الطبيب في الداخل يفعل ما بوسعه، وقد وضعه على الأجهزة التي حسنت من نبضه وأعطاه الأدوية المناسبة التي دخلت عبر أوردته وهو ينام بهدوء غير واعٍ لما يحدث حوله. بينما في عقله تدور هي كحورية نزلت من الجنة ترقص برشاقة على أوتار قلبه العاشقة، وحتى أنه يبتسم في وضعه هذا… وحتى في أعنف لحظاته هي من تستحوذ على تفكيره وعقله وغيبته.
خرج الطبيب بعدما انتهى، وجدها ترفع عيناها المجهدة تسأله بتلهف:
طمنّي.
أومأ مبتسمًا يشرح بصدق:
كويس جدًااا…. وأحب أطمنك إن تقريبًا السم خرج تمامًا من جسمه وده السبب في بقع الدم اللي إنتي شفتيها… متقلقيش… خلال يومين هيستعيد قوته وهيرجعلك.
نظرت له بضعف مردفة بترجّي:
ينفع أدخله!… مش هعمل أي صوت هقعد جنبه وبس.
تنهد الطبيب ينظر إليها بحيرة ثم أردف بتعمق:
تمام يا سيلين هانم… ساعة كمان لما المحلول يخلص وهدخلك ليه… وده طبعًا علشان تطمني لأن حالتك متسمحش بكده… وياريت إنتي كمان ترتاحي… لو تحبي تروحي غرفة تانية قريبة من هنا.
قاطعته تومئ مردفة:
أيوه ياريت… مقدرش أبعد عنه.
أومأ لها وأردف:
تمام.
أخذها خلفه إلى غرفة مجاورة وأدخلها إليها وأردف:
ارتاحي وأنا بعد ساعة هناديلك تدخلي له.
أومأت فأغلق هو الباب واتجهت هي تجلس على الفراش بضعف وترفع رأسها إلى السماء تبكي مجددًا وتدعو الله مردفة:
ياااارب… رجعهولي سالم يااارب.
تنهدت وقامت من مكانها متجهة إلى المرحاض حيث توضأت وخرجت تقف في اتجاه القبلة التي اعتادت عليه مؤخرًا وبدأت تصلي وتدعو بأن ينجيه ويعيده إليها سالمًا.
***
في الشركة يجلس نبيل يرفع ساقيه على المكتب ويستند بظهره على مقعده ويغمض عينيه يفكر بشر، فرَن هاتفه فالتقطه يجيب دون أن ينظر له مردفًا بترقب:
الو!
أتاه صوت والده آدم مردفًا بهدوء:
إزيك يا نبيل بيه.
اعتدل في جلسته وفتح عينيه مردفًا بتعجب:
آدم!… إنت فين يا ابني آدم إنت!…. أنا بحاول أوصلك من بدري تليفونك مقفول.
أردف آدم بإرهاق وضجر:
متشغلش بالك بيا يا نبيل بيه… أنا حابب أختفي شوية بعيد عن الأنظار.
ابتسم نبيل بمكر مردفًا:
آه… يبقى أكيد عرفت إن سيلين رجعت للكلب اللي اسمه سلطان… وزعلان علشان خطتك في كسب ثقتها تاني فشلت….. معلش بقى سيبه ينبسط يومين.
تنهد آدم يردف بترقب:
إزاي!… ناوي على إيه؟
أردف نبيل بغضب وكره:
ناوي أرتاح منهم بقى… موضوعهم طول أوي عن اللازم وتعبولي أعصابي… حتة عيل زي ده يلهف مني مليون جنيه ويروح يتجوزها ويعيش هو في عز الحلواني اللي من حقي أنا…
صمت قليلاً ثم استرسل:
أنا مستني أسمع خبرهم بس لو خرجوا من العزل وهيلاقوني عملهم أجدع ترحيب.
تساءل آدم بترقب:
خير يا نبيل بيه؟… مأجر حد يخلص ولا إيه؟
ضحك نبيل بشر مردفًا:
ملكش فيه… تابع إنت من بعيد وشوف نبيل الحلواني هيعمل إيه.
صمت آدم يفكر فيما يمكن لنبيل فعله، بينما فهم أن عليه إخبار سيلين وتحذيرها في أقرب وقت.
أردف نبيل متسائلاً بترقب:
آدم!… إنت معايا؟
أومأ آدم مردفًا بهدوء وهو يجلس في حديقة المشفى الذي لا يعلم أحدًا عن وجوده بها شيئًا:
أنا مضطر أقفل لأن فيه حد جنبي.
ضحك نبيل ساخرًا يردف بتهكم:
حد ولا اتنين… ماشي يا آدم سلام.
أغلق معه وحاول مهاتفة سيلين ولكن هاتفها مغلق الآن، حاول مرارًا ولكن نفس النتيجة.
شرد يفكر بهدوء، عليه أن يحذرها من أفعال والده الغادرة التي كانت منذ أيام تمثله أيضًا.
***
بعد ساعة
طرقت الممرضة باب الغرفة التي تجلس بها سيلين تدعو وتصلي لله طالبة بالنجاة لروح فؤادها.
دَلفت بحذر تردف بترقب:
سيلين هانم!
مسحت دموعها ووقفت من على سجادة الصلاة تردف بترقب:
نعم؟
أردفت الممرضة بهدوء ورأفة لحالتها:
تقدري تيجي تشوفي الأستاذ سلطان… الدكتور قالي أجي أجهزك.
أومأت سيلين بلهفة وأردفت وهي تنقاد خلفها:
تمام تعالي يلا.
خطت معها الممرضة بتعجب من حالتها التي تصادفها لأول مرة… كانت تسمع عن هكذا حب في الروايات أو تراه عبر الأفلام والدراما التركية والمكسيكية ولكن يتجسد أمام عينيها!… لم تتوقع أبدًا.
جهزتها الممرضة بالملابس الواقية ودلفتا سويًا إلى العناية المركزة بحذر… تركت الممرضة يد سيلين التي أصبحت ترتعش من رؤية حبيبها وهو ممتد والأجهزة موصولة به عن طريق الأنف وهو شبه فاقدٍ للوعي…
اقتربت منه وهي تضع يدها المرتعشة على فمها لتكتم شهقاتها التي تتعالى لا إراديًا منها، بينما الدموع تسقط كالفيضانات.
جلست على كرسي بجواره وتناولت كف يده تقبله عدة قبلات بحب ومودة وهي تمد ذراعيها تتلمس خده ذو اللحية النابتة بحنو وتردف من داخل صمام قلبها:
مش متعودة عليك كده يا سلطان… عرفتك قوي وصلب وثابت وحبيتك وأنت كده… فوق يا حبيبي يلا وقوم لي بالسلامة… فوق ومتخليش التعالب تاكل فيا…
مسحت دموعها تتنهد بضيق مسترسلة وكأنه طفلها تسأله:
مين يا عمري اللي عمل فيك كده وحط لك السم ده!… مين القاسي اللي عايز يحرمني منك؟… قوم يا حبيبي علشان زي ما أنت مصدر قوتي فأنت نقطة ضعفي بردو….
يستمع إليها… نعم يستمع لكلماتها التي دخلت أذنه فسكنت من آلامه جميعها… ولكنه يدعي النوم… يريد المزيد من هذا المسكن الممتع… يريد أن تردف على مسامعه هذه الكلمات الطيبة… نعم يتألم… ولكنه ألم ممتع في حضورها.
تنهدت تحاول تهدئة شهقاتها مستكملة:
أنا السبب… مكنش المفروض أكلمك… كنت هتفكر إني مسافرة ومتجيش ورايا هنا… كنت هتبقى كويس دلوقتي وقاعد في وسط عيلتك… أنا اللي وصلتك للحالة دي… أنا كنت أنانية أوي في حبي ليك يا سلطان… حقك عليا… متزعلش مني بس لإني حسيت باليتم وإني ماليش حد… أهلي وأخويا وأبويا وأمي وأصحابي هو إنت يا سلطان.
كانت تتمسك بكفه بين راحتها فمسك هو كفها ورفعه إلى فمه يقبله بهدوء وهو يوارب عينه ويطالعها بحب يردف بأنفاس لاهثة ليطمئنها:
إنتي السبب فعلًا.
طالعته بفرحة ممزوجة بحزن واردفت بضحكة ودموع:
سلطان!… حبيبي.
أردف مستكملًا:
إنتي السبب إني أعرف عدوي اللي كان ناوي يموتني بالبطيء… لولا اللي حصل ده أنا مكنتش هعرف أبدًا إن حد بيحطلي سم.
سعل ببطء فأومأت معترضة:
خلاص… خلاص يا حبيبي اهدأ خاااالص… متتكلمش خليك مرتاح دلوقتي وسيب الكلام لبعدين… حاسس بإيه يا سلطان قولي؟
تنفس ببطء يومئ بصمت ويستعيد أنفاسه وهو يضغط على كفها بحب واطمئنان، بينما هي تبتسم بسعادة وتذرف الدموع أيضًا.
دلف الطبيب يردف بترقب:
كفاية كده بقي يا سيلين هانم!… مش عايزين نجهده.
أومأت بطاعة ودنت من كف يده تقبله عدة قبلات، شد هو من احتضان كفه لكفها بحنو.
أردفت بنعومة مطمئنة وهي تقف وتدنو منه:
حبيبي أنا جنبك طول الوقت مش هروح بعيد… هسيبك ترتاح.
شدد من يده واردف بصوت متقطع:
يا دكتور لو سمحت خلي سيلين معايا هنا… أنا عارف إنه طلب شبه مستحيل بس معلش حاول… كده هكون مطمن عليها أكتر.
هز الطبيب رأسه يردف معترضًا:
ممنوع طبعًا يا أستاذ سلطان… هي قريبة منك في غرفة هنا وفيه عاملة هتجيب لها مستلزماتها الأساسية من غرفة العزل.
تنهد سلطان ببطء واردف بتصميم وصوت لاهث:
افهميني يا دكتور لو سمحت… أنا عارف إن انتوا بتواجهوا وقت صعب أوي… والتمريض كمان بيعملوا مجهود واضح أوي… بس مينفعش سيلين تبعد عن عيني خصوصًا إن مفيش حراسة هنا… سيلين مستهدفة لأنها سيدة أعمال زي ما حضرتك عارف… ولازم تبقى تحت عيني… فلو هي مش هتكون جنبي هنا هقوم أنا أروح معاها.
نظر الطبيب له بتعجب ثم نظر إلى سيلين مردفًا باستسلام وضيق:
مش عارف أقول إيه؟… لازم آخد موافقة الإدارة… بس أنا معنديش مانع… المهم إنك تتحسن… الأجهزة اللي متوصلة بيك دي هي اللي بتساعدك تتنفس غير كده تنفسك حاليًا معدوم… حاول متتعبش.
أومأ له سلطان يتنهد براحة، بينما هي نظرت له بحب وطمأنينة وحنو، فنظر لهما الطبيب يهز رأسه بتعجب مردفًا:
احم… طيب أنا هحاول أقنع الإدارة وهخلي حد يجيب لها سرير هنا… عن إذنكم.
خرج مستسلمًا لطلباتهما، فهو يعلم جيدًا من هي سيلين الحلواني ويعلم أيضًا وضعها.
أما هي فجلست بجواره مجددًا تبتسم له وهو يغمزلها بطرف عينه بحركته التي تعشقها.
***
بعد ثلاثة أيام
استعاد سلطان عافيته وكانت سيلين مراعيةً تمامًا لوضعه حيث تعاملت مع حالته كما لو كانت ممرضة… خرجا سويًا من العناية إلى غرفة عادية لتأكيد الاطمئنان على حالتهما وسوف يسمح لهما بمغادرة المشفى في القريب العاجل.
كانا زوجان تركا أثرًا بداخل كل من تعامل معهما في المشفى… سواء الأطباء أو طاقم التمريض وحتى المرضى سمعوا عن عشقهما لبعض وعدم ترك أحدها للآخر في شدته.
تبرعت سيلين بمبلغ كبير للمشفى للمساهمة في تقبل الحالات وتلقي العلاج المناسب.
كما تبرع سلطان أيضًا للمشفى من خلال عمه بمحاصيل زراعية من أراضي عائلته لتكفي احتياج المرضى من الغذاء السليم.
بعد يومان كتب لهما على مغادرة المشفى.
تجمعت الممرضات لتوديعهما، بينما وقفت سيلين بجانب سلطان الذي يلف ذراعه حولها بحنو وتملك، وها هو يعود ويقف بهيبته وهيئته الرجولية يترقب حديثها.
أردفت هي للجميع بحب وتقدير:
طبعًا مهما قولت مش هقدر أوفيكم حقكم… فعلًا إنتوا ملائكة الرحمة على الأرض… في وسط الوباء العظيم ده وفي عز الشدة دي إنتوا أثبتوا معدنكم الأصيل وكنتوا سبب في شفاء ناس كتير جدًا وكنتوا قدوة لعمل الخير فعلًا… علشان كده سلطان وأنا قررنا نكافئكم بمبلغ بسيط هيتوزع عليكم بالتساوي… واعتبروه فرحة لخروجنا من هنا على خير… بجد متشكرة جدًا ليكوا من قلبي.
أومأ سلطان مؤيدًا ينظر لها بحب مردفًا:
يلا بينا؟
أومأت له بحب وخرجا سويًا تاركين خلفهما دعوات وفرحة رسمها اثنانِهما على أفواه هؤلاء الناس وقصة ستخلد وتحكى لأولادهم وأحفادهم.
كان رأفت السائق ينتظرهما أمام المشفى، وعندما رآهم أسرع يردف بسعادة وهو يفتح باب السيارة:
الف حمد الله على السلامة.
ابتسما بحب واردف سلطان بدلاً عنها:
الله يسلمك يا رأفت… عملت زي ما قلتلك؟
أومأ رأفت مؤكدًا:
طبعًا يا سلطان بيه… محدش خالص يعرف إنكوا خرجتوا من هنا… بس تحبوا تروحوا على فين؟
نظر سلطان لسيلين بترقب، بينما هي أردفت بثبات:
على سوهاج يا رأفت.
أومأ رأفت بطاعة وقاد متجهًا لسوهاج حيث منزل السوهاجي ليرا ماذا هما بفاعلان في أمر تلك الروايح.
***
في الشركة
داخل مكتب نبيل
انفجر ضاحكًا بسعادة وهو يردف بشماتة أمام المدير المالي الأستاذ منتصر:
ههههه…. يعني هتبيع جزء من أسهمها… وهتدخل معانا شريك غريب… أخيرًا…. أخيرًا سيلين هانم الحلواني هتقع وتوقع معاها إمبراطورية الحلواني اللي أخويا العزيز تعب فيها طول عمره.
نظر له منتصر بقلق مردفًا بتساؤل:
طيب ناوي على إيه يا نبيل بيه؟
نظر له واردف بخبث:
ولا حاجة… إنت بس لو عرفت أي معلومات عن الشريك ده تبلغني علطول… يمكن يكون حد من رجال الأعمال اللي أعرفهم وممكن نتفق أنا وهو سوا… ووقتها نهاية سيلين هتبقى قربت خالص.
توتر منتصر يردف بترقب:
أنا معرفش أي حاجة عنه… اللي أكيد يعرف هي وداد سكرتيرة سيلين… هي عارفة كل حاجة عنها وكمان المحامي ممدوح.
شرد نبيل يضيق عينيه مردفًا:
وداد دي عمرها ما هتقول… دي بير سيلين ومش هنعرف ناخد منها هفوة…
صمت قليلاً ثم أردف بخبث:
شوف كده ممدوح يمكن تعرف توقعه!
ضحك منتصر واردف بتهكم:
أوقعه!… ممدوح المحامي؟… مستحيل… على العموم أكيد الموضوع هيتم في أقرب وقت لأن التأخير مش في صالحها… ولولا موضوع كورونا كانت أكيد متممت الشراكة…. يعني يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش.
نظر له نبيل بغضب مردفًا:
بس أنا ضروري أعرف مين الشريك ده قبل ما يدخل الشركة.
نظر له منتصر بتوتر ثم أردف وهو يقف:
تمام… هحاول أعرف ولو عرفت أي حاجة هبلغك… عن إذنك.
غادر منتصر وجلس نبيل يتابع بشرود ويفكر في خططه الشيطانية.
***
في الطريق
يتمسك سلطان بيد سيلين بحب وهي تستند برأسها على كتفه، بينما ابتعدت تنظر له مردفة بتساؤل وترقب:
هنروح نجيب ماما منيرة الأول يا سلطان؟
نظر لها بشرود يردف:
لأ يا حبيبتي… هنوصل البيت وبعدين هبعت سهيلة تجيبها… مش عايزها تكون موجودة وأنا بكشف حقيقة أمها… مش عايزها تنكسر ولا تحس بحزن وهي شايفة أمها كانت عايزة تقتل أخوها.
انقبض قلب سيلين العاشق من مجرد التخيل واردفت بحزن ممزوج بفخر:
بعد الشر عليك… إنت أخ مفيش زيك يا سلطان… إنت صح يا حبيبي.
شدد من قبضته بحنو وابتسم لها ثم لف نظره يتطلع من النافذة بشرود، ثم تذكر شيئًا فأردف وهو يعيد نظره إليها متسائلاً:
ليني بقولك!
تنبهت له تميل برأسها فاسترسل:
هو آدم كلمك تاني؟
نظرت له بتعجب ولكنها اردفت بصدق:
بيحاول يا سلطان بس أنا مش برد علشان خاطرك.
نظر لها بحب واعجاب ثم رفع كف يدها يقبله ثم اردف بترقب:
طيب ابقي هاتيلي رقمه… أنا هكلمه… بما إن موضوع مرضه طلع حقيقي يبقى لازم نتمنى له الشفا…
أومأت بحب مردفة:
صدقني آدم عايز يساعدنا… هو شايف إن اللي بيحصل معاه ده فرصة ليه إنه يتوب وهو عايز يستغلها.
أومأ يفكر فتابعت:
على فكرة يا سلطان… الأستاذ ممدوح جهز أوراق الشراكة وبيع الأسهم… وطبعًا مافيش مخلوق في الشركة يعرف غير وداد وهو…. علشان بعد ما نخلص موضوع مرات باباك نروح الشركة نوقع العقود… وتنور شركتي زي ما نورت حياتي.
ابتسم يميل على أذنها يردف بصوت هادئ ملئ بالمشاعر:
جبتي آخرك معايا يا سيلين… فاضلك تكة وهبوسك وبعدها هولع في رأفت.
ضحكت بشدة فنظر لها نظرة عتاب على ضحكاتها بنعومة وأنوثة هكذا في حضور رأفت… كيف يمكن أن يسمع ضحكاتها الرائعة أحدًا غيره.
غمزت له بطرف عينيها بنفس حركته التي تعلمتها منه كأنها تتعمد إثارته فالتفت يتطلع من النافذة بنفاذ صبر حتى لا ينفذ تهديده من هذه المشاغبة التي يعشقها.
***
في سوهاج
تجلس روايح مع العائلة في بهو المنزل.
أردف توفيق بترقب:
اطمنت على ولد أخوك النهاردة يا محمود؟
أومأ محمود مردفًا باحترام:
اطمنت يا بوي… هو ومرته بخير… ويمكن يخرجوا بكرة إن شاء الله.
أومأ توفيق بسعادة، بينما أردفت سهيلة بحماس:
وه وه… يبقى بكرة عيد… إني لازم أسوي كل الوكل اللي بيحبوه… ولا ندبح يا جدّي؟
أومأ توفيق بسعادة مردفًا:
أكيد يا بتي هندبح ونوزع بركة رجوعهم بالسلامة… بس لأول يرتاحوا وتاني يوم نسوي الدبيح.
أما محمود فأردف وهو يستعد:
عن إذنك إني يا بوي… هاخد بدرية وعيال سهيلة وأدل على قنا.
أومأ توفيق بهدوء:
روح يا ولدي ربنا معاكوا… وخلي بالك زين من عيال بنت أخوك.
كانت روايح تستمع إليهم وعقلها يفكر في شيء مختلف… تردف بصوت داخلي يسمعه عقلها الخبيث (لقد عدت يا ابن غريمتي… أهلاً بك في قبرك الذي أحفره لك… لن أكون أنا هذه التي ترضى وتستسلم…. لقد دمرتما حياتي أنت وأبوك وعليّ أن أنهي حياتك مثله… تعال هيا إني بانتظارك).
***
مرت ساعات السفر بنوم سيلين في حضن سلطانها الذي احتواها ودفئها بحنو، أما هو فشرد يفكر في المواجهة التي تنتظره… يفكر فيما عليه فعله حيال هذه المرأة… هل تقتل هكذا بدم بارد!… ولما!… هو لم ولن يؤذيها بأي شكل؟…. لما تكره وتحاول قتله؟
وصلت السيارة أخيرًا أمام منزل السوهاجي.
توقفت السيارة وقد استيقظت سيلين لتوها واعتدلت وعدلت حجابها، ثم نظرت للذي يتنهد بشرود ووضعت كف يدها على يده بحنو مردفة بطمأنينة:
أنا جنبك.
سرى العشق في أوردته وابتسم لها بحب يشدد من قبضته بحنو مردفًا بصدق وهدوء:
وده اللي مطمني.
نزلا سويًا من السيارة وأمال سلطان برأسه يحادث رأفت:
متشكرين يا رأفت… تعبناك معانا.
أردف رأفت مبتسمًا:
متقولش كده مفيش أي تعب… ولو تحبوا آجي بكرة آخدكم ابقى كلمني.
أومأ سلطان وودعه، بينما غادر رأفت وتقدمت سيلين منه تلتقط يده مجددًا، ثم خطا سويًا يطرقان باب المنزل.
في الداخل أسرعت سهيلة تفتح الباب فتفاجئت به واتسعت عيناها مردفة وهي ترتمي في أحضانه:
أخوووي… اتوحشتج جوووي يا سلطان… حمدالله ع السلامة يا نور عيني.
بادلها سلطان بحب وحنو وسعادة مردفًا وهو يربت على ظهرها:
وإنتي كمان يا سهيلة وحشتيني أوي… عاملة إيه يا حبيبتي وإزي عيالك.
ابتعدت تنظر له بدموع وسعادة مردفة:
بخير يا عمري… كلنا بخير.
أردفت سيلين مشاكسة بتذمر طفولي:
وأنا يا سهيلة موحشتكيش!
ضحكت سهيلة واحتضنتها أيضًا تردف:
وحشتيني جوي يا مرت الغالي… تعالي يلا ادخلوا.
دلفوا جميعًا واردفت سهيلة بصوت عالٍ فرح:
جدي… يا جددددي سلطان ومرته رجعوا.
خرج توفيق من غرفته مسرعًا يتطلع على حفيده باشتياق، فأسرع إليه سلطان يحتضنه ويردف بصدق:
وحشتني أوي يا جدي.
ربت توفيق على ظهره بصلابة مردفًا بثبات:
كيفك يا ولدي… مجولتش ليه إنك جاي النهاردة يا ولدي؟
ابتعد سلطان يردف بترقب:
معلش يا جدي… حبيت آجي فجأة.
نظر توفيق إلى سيلين التي تقف تتابع من بعيد واردف بحنو وهو يمد لها يده:
تعالي يابتي… حمدالله على سلامتك.
اقتربت منه سيلين تبادله السلام وتدنو من يده تقبلها مردفة باحترام:
الله يسلمك يا جدي… متشكرة جدًا.
خرجت روايح من غرفتها على إثر الصوت تتطلع عليهما بصدمة وتردف بخبث ومكر:
وه وه… حمدالله ع السلامة… نورتوا الدار.
تطلعت عليها سيلين بغضب تريد أن تنقض عليها ولكنها التزمت الصمت، بينما اقترب منها سلطان وتطلع عليها بنظرة أربكتها يردف بهدوء:
الله يسلمك يا مرات أبويا… الدار منورة بيكي.
توترت قليلًا من طريقته ولكنها أردفت بخبث:
ده النهاردة عندنا عيد… وأنا بجى هعملكوا الوكل بإيدي.
أوقفها سلطان يردف بصلابة وحدة:
استني يا ست روايح.
توقفت تطالعه بتساؤل فالتفت هو إلى سهيلة التي تتابع بترقب مردفًا:
سهيلة لو سمحتي ممكن تروحي تجيبي أمي من عند فاطمة علشان وحشتني أوي… وكمان علشان ناكل مع بعض.
أردفت سهيلة بحماس وهي تتجه نحو غرفتها:
عنيا ياخوي… هلبس العباية وأروح طوالي.
كانت روايح تتابع بغل وفي داخلها تتوعد بتنفيذ مخططها اللعين، بينما يقف سلطان ينظر لعيناها الخبيثة نظرات متفحصة.
خرجت سهيلة بعد دقائق تردف وهي تتجه ناحية الباب:
هروح وأعاود طوالي يا جدي… عن إذنكوا.
غادرت هي والتفت هو إلى جده يردف بتساؤل:
أومال عمي محمود ومراته فين يا جدي؟
أردف توفيق بهدوء:
خدوا عيال اختك وطلعوا على قنا يا ولدي لأن أهلهم رايدين يشوفوهم… وأنا جولت نعمل بأصلنا وبلاش نحرمهم من عيالهم… خليهم يشوفوا أبوهم ويطمنوا عليه.
أومأ سلطان بهدوء، بينما التفت إلى روايح يردف بترقب وثبات:
تقدري تروحي تعملي الأكل يا مرات أبويا.
تطلعت عليه بتعجب ثم خطت باتجاه المطبخ فأوقفه يردف بقوة:
بس كترّي السم المرة دي علشان تخلصي بسرعة.
رواية على القلب سلطان الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم آية العربي
توقفت روايح عن الحركة وتجمد جسدها بأكمله، ثم التفتت تطالعه بنظرات متفحصة متوترة، تردف بتساؤل:
_ جصدك ايه يا ولد ابراهيم؟
ضيق عيناه واردف بصلابة وتساؤل:
_ قصدى على السم اللى انتى بتحطهولي فى الاكل.
اتسعت عيناها وارتعب داخلها، بينما نظرت لتوفيق تدعى الحسرة، مردفة بصراخ:
_ يا مراااارى! ... سامع يابوي حفيدك بيجول ايه عنى! .. بيتهمنى انى بسممه؟
اردف سلطان بقوة ارعبتها:
_ انا مش بتهمك يا مرات ابويا ... انا متأكد ان انتى ...
تنهد، يردف متسائلاً بنبرة حزينة:
_ انا بس عايز اعرف ليه عملتى كدة؟ .... ليه تفكرى تسمميني وانا مأذتكيش بأي شكل! ... بالعكس ... انا مافيش بيني وبينك اى عداوة ... حاولت اكون اخ لاخواتى البنات واجبلهم حقوقهم المهدورة .... سهيلة هترجع لجوزها ابو عيالها بس لما يلف وميلاقيش زيها ويعرف قيمتها ويحطها تاج على راسه ... فاطمة اللى كانت محتجانا نسأل عليها ونودها قدام جوزها اللى كان دايما بيعايرها ان اهلها ميعرفوش عتبة بيتها شكلها ايه؟ .... وبهية اللى انتى خوفتيها تقرب منى بس انا بحبها ولو طلبت عنيا هديهالها ... ليه تحاولي تقتليني وتخلصي منى؟
نظرت له بكره وحقد حاولت اخفاؤه ولكن لم تستطع، واردفت بقوة وجرأة:
_ هو انت جاي ورايد تلبسنى تهمة ولا ايه يا ولد ابراهيم .... واضح انك مخطط على تجيل جوى ... وعايز تغورنى من إهنة وتجعد فى الدار لحالك انت والهانم بتاعتك ... فبتجول تتبلى عليا بأي تهمة والسلام .... بس جولي بجى ... عندك دليل يثبت انى فعلا بسممك فى الاكل؟
هنا وتحدث توفيق وهو يخرج من جيبه زجاجة تعرفها هي جيداً، ويردف بترقب وصلابة:
_ اومال دى ايه يا بت اخوي؟
نظرت روايح للزجاجة برعب وعيون جاحظة، واردفت بتوتر وتلعثم:
_ جبتها منين دى يابوي؟
اردف توفيق بتهكم وحدة:
_ من دولابك يا بت اخوي ... جواها ايه الازازة دى؟
قالها وهو يشير بيده، فأردف وهى تقترب منه وتحاول التقاط الزجاجة من يده ولكنه شدد عليها:
_ ايه اللى جوة الازازة دى يا روايح! ... سم؟
هزت رأسها بهستيرية، تردف بجنون وقد ظهر الكره في عيناها:
_ لا ... ده دوا باخده جبل ما انام.
ضيق توفيق عيناه، ثم اردف بذكاء:
_ سليم ... يبجى تاخدى منها جدامى.
هزت رأسها، تردف وهى تبتعد وقد فقدت تعقلها:
_ لاع ... مواخداشي ... هو اللى لازم ياخد منها مش انى.
قالتها وهى تشير على سلطان الذى يقف يتابع حالتها واعترافها.
نظرت له بكره وحقد، وقد بدأت تخرج ما في جوفها، مردفة بجنون:
_ هو اللى لازم يموت ... هو اللى لازم ينسحب من وسطيكوا بالبطئ ومن غير ما حد يدرى ... كيف ما ابوه مات ... هو وابوه اللى اخدوا فرحتي وسعادتي.
توقف الشهيق في صدر توفيق، مردفاً بصدمة وزهول:
_ انتى بتجولي ايه؟ ... بتجوووولي ايه؟
أومأت برأسها وجحظت عيناها، مردفة بجنون:
_ اومال كنت عايزنى اسكت! ... ظلمتنى وحكمت عليا اتجوزه وانى معحبوش واصل ... وابوي كان عارف كدة زين جبل ما يموت علشان اكدة وصاك تجوزنى ابنك الكبير ... خاف لاحسن افضحكوا .... عيشتونى بين اربع حيطان اهنة وعاملتونى كيف المسجونة وحرمتونى من كل حاجة حلوة ... حتى لما خلفت كان نفسي فى واد يجبلي حجى منكوا بس جالي بنت والتانية والتالتة وكلياتهم كانوا بيحبوه اكتر منى ... وبعد ما اتحملت كل ده راح اتجوز عليا واحدة وخلى البلد كلاتها تجيب في سيرتي وتجول عنى عفشة علشان اكدة راح اتجوز ... ومش بس اكدة ده خلف منها الواد اللى كنت بتمناه ... كل ده كان نااار فى جلبي ... كان لازم اعمل حاجة من الاتنين يا اما اجتل نفسي يا اما اجتله ... بس هجتله ازاي واكيد بعدها هتسجن بسببه ... علشان اكدة انا جبت السم ده ... من غير ما يحس بجيت ادسهوله فى الوكل ... لحد ما استكفى ... وجسمه اخد الجرعة اللى جابت اجله ... وكان وجتها عندها مش عندى ... وكدة اكون انتجمت لشبابي وعمرى اللى ضاعوا.
كانت سيلين تقف تحاول تهدأة جسدها الذى يرتعش من اعتراف هذه الأفعى، بينما سلطان يقف جوارها مزهولاً وكأن لحظة موت والده تعاد الآن بالصوت والصورة.
أما توفيق، فكان يطالعها بعيون مصدومة وقلبٍ تمزق، يردف بصراخ ووجع وعذاب أب فقد ابنه المغدور لتوه:
_ ولدددددي ... ااابراااهيم يا حبيييبي.
انحنى عوده وظل يصرخ بأسم ابنه، وسلطان لا يعي ما حوله، بينما سيلين صرخت تردف وهى تراه يكاد يسقط أرضاً:
_ جدددي.
تنبه سلطان له، فأسرع إليه يتمسك به ويحاول اسناده، مردفاً بعجز وتشتت ووجع من معرفته حقيقة موت والده:
_ جدى ... جدى علشان خاطري فوق ... فوق متتكسرش كدة العيلة كلها هتقع ... خليك قوى علشاننا ... كفايا ابووووياا.
اتجه يجلسه على الأريكة، واردف لسيلين بخوف:
_ كوباية ماية يا سيلين بسرعة.
أومأت برعشة وأسرعت إلى المطبخ تحضر كوب ماء، وعادت مسرعة تناوله إياه، فتناوله بدوره وأعطى لجده القليل، بينما ارتشف توفيق منه وقلبه مازال يتألم على ما فعلته ابنة أخيه بابنه الغالي الذي تسبب هو في موته... نعم هو من قتله وليست تلك الحية التي رباها في حجره... رباها ورعاها ثم بخت سمها في ولده الغالي... اااه يا فلذة كبدي يا فقيدي يا حبيبي... ااااه سامحني يا ولدي سامحني.
أشار توفيق بيده المرتعشة، يردف بضعف:
_ لازم تتحاسب على اللى عملته يا ولدي ... متسبهاش.
لف سلطان نظره ليراها، فلم يجد لها أثراً... لقد رحلت في لمح البصر... استغلت انشغالهم بانهيار توفيق.
اردف سلطان بغضب وقسوة وهو يعود بنظره لجده، بينما تقف سيلين مزهولة حزينة:
_ هربت يا جدي ... بس هجبها ... هتروح منى فين ... واحدة زى دي مينفعش تفضل من غير عقاب ... دي خطر علينا.
ضرب توفيق بقبضة يده على المقعد عدة مرات بغضب وتوعد، بينما اردفت سيلين بترقب وحزن وهدوء:
_ اهدى يا جدى علشان خاطري ... اهدى وسلطان هيحل الموضوع ... هو هيقدر يسلمها للشرطة وتتحاسب على أفعالها ... بس انت صحتك أهم ... وإذا كانت هي السبب في موت بابا إبراهيم الله يرحمه فأكيد حضرتك عارف إن كل حد فينا مكتوب له عمره ووقت ما بيخلص مفيش أي حاجة بتمنعه .... ربنا أراد إنه يموت عند حبيبته وعلى إيدها وأكيد هو حالياً مرتاح بأنك رجعت ابنه لحضنك ولعيتله وحضرتك الخير والبركة وهتقدر تسنده وتحميه.
نظر سلطان إلى عيون سيلين بحزن كأنه يستمد منها قوته، كلماتها أرضت وشرحت صدر توفيق قليلاً، حيث أومأ لها وتنهد بعمق، مردفاً بإيمان وحرقة:
_ لله الأمر من قبل ومن بعد ... لله الأمر من قبل ومن بعد.
اردف سلطان بجمود وهو يتطلع للأمام:
_ محدش يقول حاجة للي في البيت ... بلاش يعرفوا يا جدي.
اردفت سيلين متسائلة بترقب:
_ ازاي يا سلطان! ... طب لو سألوا عليها؟
نظر لها واردف بثبات وقوة:
_ هتكلم أنا ... المهم أخواتي ميعرفوش حاجة الوقتي.
أومأت سيلين مستسلمة، بينما توفيق أومأ موافقاً لرأيه وهو يقوم من مكانه، مردفاً بحزن:
_ اني هروح أجعد في غرفتي.
منعته سيلين مردفة بقلق:
_ لاء يا جدي خليك قاعد معانا.
ربت على يدها بحنو، يردف مطمئناً:
_ متجلجيش يا بتي اني زين ... وهبجى زين ...
اتجه إلى غرفته تحت أنظار سلطان وسيلين، بينما دلفت سهيلة من باب المنزل الذي تركته روايح مفتوحاً، تردف بتعجب:
_ وه سايبين باب الدار مفتوح ليه عاد.
تبعها دخول منيرة تنظر لابنها باشتياق، كذلك هو ولكن حنينها حركها، تركض لعنده تحتضنه بقوة، أنسته حزنه المؤقت على حقيقة موت والده، وهي تردف بدموع واشتياق:
_ حبيبي ... يا نور عيوني وحشتني اوووى يا سندى.
بادلها باشتياق وهو يعتصرها بقوة، مردفاً بحب:
_ وانتي ياست الناس ... وحشتيني اوى يا غالية ... عاملة ايه ياما.
ابتعدت عنه قليلاً تنظر لوجهه باشتياق، ثم حاوطت خديه بكفيها، تردف بحب:
_ حلوة يا حبيبي ... انت حلو؟
أومأ لها، فأردف فاطمة التي أتت معها وهي تقترب منه:
_ حمدالله على السلامة يا جلب اختك.
نظر لها بحب وابتسم، ثم ابتعد يعانقها بحنو، مردفاً:
_ الله يسلمك يا فاطمة ... عاملة ايه؟
اردفت بسعادة وهي تبادله:
_ زينة ياخوي.
اتجهت منيرة إلى سيلين التي تقف تتابع بترقب ووجه مبتسم، ثم عانقتها أيضاً، مردفة بأمومة افتقدتها تلك الفاتنة:
_ وانتي كمان يا حبيبتي وحشتيني ... عاملة ايه؟
تعجبت سيلين قليلاً، ثم بادلتها، تردف بسعادة:
_ كويسة جدااا يا ماما منيرة ... ميرسي.
ابتعدت قليلاً تنظر لفاطمة مبتسمة، فأردفت فاطمة وهي تقترب منها:
_ تعاليلي بجى.
عانقتها فاطمة بحب وبادلتها سيلين أيضاً، ثم اردف سلطان بتهكم ونبرة تحذيرية قلقة:
_ خلاص بقى البت اتفعصت وسطكوا ... دي لسة طالعة من مستشفي.
ضحكوا جميعاً، وخجلت سيلين تنظر أرضاً مبتسمة، بينما اردفت منيرة:
_ معاك حق ... انتوا اكيد جايين تعبانين ... روحوا ارتاحوا وأنا هعملكم الأكل.
اردفت سهيلة بترقب:
_ أمي بتعمله يا خالة ارتاحي انتي.
نظرت سيلين إلى سلطان بقلق، فاتجه هو إليها يحتضنها ويردف بثبات وهدوء:
_ لاء يا سهيلة هو تقريبا اختك بهية بعتتلها ف راحت تشوفها ... أنا هاخد سيلين ونطلع نرتاح ولما الأكل يجهز متندهولناش.
قالها وغمز بحركته، ثم التفت يغادر مع حبيبته، وتركهن خلفه يضحكون عليه، بينما عقله يفكر في حل ليجدها سريعاً... فوجودها طليقة خطر على الجميع... لقد أسدلت لباس الهدوء وكشفت عن حقدها ومرضها.
وصلا لغرفتهما ودلفا سوياً بعدما أغلقا الباب خلفهما.... تنهد هو يبتعد عن سيلين وينظر لها بحب، مردفاً بترقب:
_ معلش يا حبيبتي أنا هعمل مكالمة وأجيلك.
أومأت له، فتركها وتحرك ناحية الشرفة... دلفها وتناول هاتفه وضغط بعض الأرقام يهاتف عمه الذي أجاب متسائلاً:
_ سلطان! ... كيفك يا ولدي؟
تنهد سلطان واردف وهو يستند على السياج:
_ بخير يا عمي ... أنا في سوهاج.
تعجب محمود واردف بفرحة:
_ صوح! ... حمدالله ع السلامة يا ولد أخوي يا غالي ... مجولتش ليه إنك جاي النهاردة كنت استنيتك؟
تنهد سلطان يردف بتعقل:
_ محبتش إخواتي وأمي يبقى عندهم علم عشان أقدر أبعدهم عن البيت يا عمي ... انت عارف اللي فيها ... المشكلة دلوقتي إن روايح هربت .... وأنا مش هرتاح إلا لما تتمسك.
تعجب محمود واردف بتساؤل:
_ يعني صوح هي اللي كانت بتدس السم في الوكل! .... والأزازة اللي أبويا لقاها في أوضتها دي سم صوح! ... حسبي الله ونعم الوكيل ... كيف تعمل أكده ... اتجننت دي ولا إيه؟
تنهد سلطان بضيق يردف بثبات:
_ فيه حاجات متعرفهاش يا عمي لما تيجي هنتكلم فيها ... بس قولي ممكن تكون راحت فين؟
شرد محمود ثم اردف بثقة:
_ عند بهية ... مفيش غيرها الوحيدة اللي عندها سر أمها كله.
أومأ سلطان يردف بثقة:
_ كنت متأكد من كده ... خلاص يا عمي حاول متتأخرش وأنا هستناك ومش هتصرف غير لما تيجي ... مش عايز أروح لأختي وأجرح أمها قدامها.
أومأ محمود مردفاً:
_ تمام يا ولدي ... زين العقل ... إني هعاود علطول مش هتأخر.
أغلق معه ووقف يفكر بشرود... هي من قتلت أباه... هي من حرمته من والده الغالي وحرمته من عائلته ونسبه وحياته الطبيعية... نزلت من عينيه دمعة حارقة عندما تذكر والده الغالي وهو يوصيه ويصطحبه إلى المسجد ويملي عليه الحكم مثلما أملى لقمان الحكيم على ولده...
فتح زرار قميصه الأول باختناق يشعر بضيق ينتابه... يريد أن يصرخ باسم والده.. وجد يد تلتف حول خصره وتعانقه خلفاً بحب ونعومة وتضع سيلين رأسها على ظهره العريض الصلب..
أغمض عينه على أثر حركتها ووضع يده على يدها يحتضنها، فأردفت هي بنعومة وحنو:
_ ادخل يالا الجو برد وانت لسه تعبان.
أبعد يدها قليلاً ولف جسده إليها، ثم وضع يدها مجدداً حول خصره ولف هو ذراعيه حولها بتملك، يطالعها بعشق مختلط بعذاب وحزن وعيون لامعة، مردفاً:
_ لو مكنتيش في حياتي كنت هعمل إيه؟
طالعته بعيون عاشقة وغمزت له بحركته التي تعلمتها وأحبتها عن ظهر قلب، مردفة بدلال وهي تتمايل عليه حتى تنسيه حزنه:
_ كانت حياتك هتكون مملة أوي ... ومافيهاش أي نوع من الأكشن ولا الحماس وألوانها باهتة وفوضوية.
ابتسم لها يغمزها أيضاً بطرف عيناه، مردفاً بإيماءة بسيطة:
_ حصل.
ضحكت بخفة ونعومة، ووضعت رأسها موضع قلبه تستمع إلى دقاته التي تسارعت، وأردفت بصدق وهدوء وهي في أحضانه:
_ سلطان ... متزعلش يا حبيب قلبي ... ربنا راسم لكل إنسان طريقه وهو اللي عارف الخير فين وليه حكمة من وسط الأمور ... ربنا أراد إنه يطول عمرك عشان كده انت قدرت تكتشف السم ده قبل ما لاقدر الله كان يتمكن منك .... وبردو لو ربنا كان رايد إن والدك يعيش أكتر من كده كان حصل ... دي أعمار يا حبيبي ومتقسمة.
تنهد بعمق يخرج مرارة تكونت بداخله ويشدد من عناقه عليها، غير واعٍ أن عظامها تتألم، ولكنها تحاملت حينما اردف بحزن:
_ افتكرته يا سيلين ... افتكرت كل لحظة عيشتها معاه ... كله مر من قدام عنيا كأنه حصل امبارح ... وجعت قلبي عليه.
تململت من بين يده، فحررها ينظر لها بأسف مردفاً:
_ أنا آسف.
هزت رأسها تبتسم، وهى تتناول كفه وتسحبه للداخل، مردفة:
_ تعالى بس ندخل لأن الجو برد.
دلفا سوياً وأغلقت هي باب الشرفة التي تحاوطها مظلة كبيرة تخفي داخلها للمارة... اتجهت تجلس على الفراش وتسحبه لحضنها كطفل صغير.
أما هو فأسرع هذه المرة إليها ينكمش داخل جسدها الناعم الصغير، ويدثر نفسه جيداً محاوطها بذراعه، كذلك هي التي مدت الغطاء عليهما، وبدأت يدها تغرق داخل خصلات شعره الغزيرة والناعمة التي تعشقها، وهو يغمض عينه مستمتعاً بحركتها تلك، وقد بدأ يغفو كطفلٍ صغير استكان في جسد أمه براحة وحنو، فبرغم كبر حجمه وقوة جسده وصلابته، إلا أنه الآن يحتاج إليها وإلى نعومتها واحتوائها له.
أما هي فبرغم جسدها الضئيل، إلا أنها غمرته بحنان قلبها الذي أكفاه وفاضَ.
نامت هي الأخرى على وضعيتها بعد يوم مجهد وحقائق مؤلمة سوف تلتئم بعد استيقاظهما.
في الأسفل تقف منيرة مع سهيلة فاطمة في المطبخ تعدن أشهى الأكلات... اردفت منيرة بترقب:
_ يابنات ... معلش كملوا انتوا وأنا هروح أشوف الحج توفيق.
أومأت سهيلة مردفة بابتسامة وهدوء:
_ روحي يا خالة ... ارتاحي انتي وأنا وفاطمة هنكمل.
أومأت إليها واتجهت تغسل يداها، ثم خرجت قاصدة غرفة الحاج توفيق... طرقت الباب فسمح لها.
دلفت وجدته يجلس على سجادة الصلاة فقد انتهى لتوه من فرضه، ونظر إليها يشير بيده مردفاً بهدوء وملامح حزينة:
_ تعالي يابتي.
اتجهت إليه منيرة تجلس أرضاً بجانبه، وقد تناولت يده تقبلها باحترام، مردفة:
_ ازيك يا عمي ... أنا كنت عايزة أدخل أسلم عليك أول ما جيت بس فكرت حضرتك نايم.
أومأ برأسه مردفاً بهدوء وترقب:
_ فيكي الخير يابتي ... فيكي الخير ... أنا كمان كنت هنادى عليكي دلوجيت ... اني رايد أتحدت معاكي.
ترقبت منيرة وضيقت عيناها متسائلة:
_ خير يا عمي؟
نظر لها توفيق بندم واردف:
_ عايزك تسامحيني يابتي ... سامحيني ... إني غلطت في حقك وحق حفيدي كتير ... ظلمتكوا جوي يابتي ... لاول مرة أعرف حقيقة الذنب اللي عملته ... انتي كنتي ونعم الأم والزوجة ومرت الابن بس إني اللي كنت غلط ... إني اللي حكمت على الأمور بالعرف بتاع أبويا وجدي ... جولت بت أخوي ودمي ولحمي ... جولت هي دي اللي هتسند ابني وتشيل همه ... جولت اللي أعرفه أحسن من اللي معرفوش ... بس إني طلعت ظالم ... وظلمت العيلة كلها بحكمي ... ولولا وصية أخويا كان زمان أمور كتيرة اتغيرت ... بس كله مجدر ومكتوب ... حجك عليا يا أم سلطان ... حجك وحق سلطان وحق ابني حبيبي عليا.
تطلعت عليه منيرة بتعجب واردفت بتعقل وحكمة:
_ مسمحاك ياعمى ... يكفي إن أنت جد سلطان وأبو حبيبي الحاج إبراهيم الله يرحمه اللي شفت معاه الهنا كله ... مسمحاك لأنك رضيت عن ابني وجبته هنا وسط أهله وناسه ... مسمحاك ونسيت الماضي كله بمجرد ما شفت حنيتك عليا أنا وابني ... الماضي عدى يا عمي وخلينا نفكر في اللي جاي وننسى.
نظر لها بغموض وعقله يفكر... هل هو الحاج توفيق السوهاجي المعروف بحكمته وفصاحته! ... كيف لم يستطع تمييز الصالح من الطالح.... كيف انخدع بأبن أخيه هكذا وصدقها وظلم تلك الحنونة وابنها!
اردفت منيرة بعفوية وهي تقف:
_ أنا هروح أشوف البنات وهنستناك برا ... عن إذنك.
خرجت تركته في أفكاره، فوقف يكمل صلاته ومناجاته بضمير معذب.
عند بهية التي تخرج من مطبخها تحمل كوب ماء وتردف بتعجب:
_ اتفضلي ياما ... مش هتجولي مالك عاد؟
تناولت منها روايح المياه ثم ارتشف الكثير منه بارتباك وتنهدت بعمق تنظر لابنتها مردفة بترقب:
_ ماليش ... إني بس مش عايزة حد يعرف إني إهنة ... ولو حد كلمك أو سألك عني جوليله مشوفتهاش واصل.
ضيقت بهية عيناها واردفت بحيرة:
_ وليه كل ده ياما ... هو حاصل حاجة ولا إيه؟
هزت رأسها واردفت بغضب:
_ اسمعي اللي جولتلك عليه ... إني هجعد عندك لحد الصبح وأدلي على أي مكان بس محدش يعرف إني إهنة.
شردت بهية في أمر والدتها وأومأت بصمت وترقب، بينما الثانية تفكر في مخرج من ورطتها هذه وتفكر أيضاً في طريقة ما للخلاص من سلطان.
ليلاً في غرفة سلطان.
فتح عينه وجد رأسه في تجويف عنقها الناعم الذي يعشقه... يداها تحيطه بحماية وحنو... تنام براحة محتفظة به كطفل صغير.
تنهد بعمق يستنشق عبيرها... نظر لرقبتها بشرود ثم قرب شفتاه وقام يعضها بأسنانة بترقب.
استيقظت متألمة تنظر له بتعجب وتضيق عيناها مردفة بصوت متحشرج ناعس:
_ فيه حد يصحى حد كده؟
رفع عيناه ينظر لها بمكرٍ ثم قرب شفتاه مجدداً من رقبتها وقام يعضها ثانياً بأسنانة فتآوت مبتعدة تنظر له بعيون متسعة وقد جفاها النوم مردفة بحدة:
_ اااه ... فيه إيه يا سلطان انت بقيت فامبير ولا إيه؟
قهقه عليها ثم سحبها مجدداً إليه يضع رأسه على معدتها ويحيط جسدها بذراعيه مردفاً بحنو وهو يغمض عينه ويعتصرها:
_ عشان تبقي تسافري من غير إذني ... قولتلك إني هعاقبك لما نرجع بيتنا.
فرغ فاهها ونظرت له بزهول ثم ضيقت عيناها بخبث واردفت بترقب:
_ وهو ده عقابك؟
أومأ وهو على وضعه، فتناولت كف يده بتوعد ورفعته إلى فمها، ثم قامت أيضاً تعضها بتلك الأسنان الصغيرة الحادة، جعلته يتأوى ويرفع رأسه يطالعها بتعجب مردفاً:
_ ااااه ... يابنت العضاضة ... لاء دي جامدة يا سيلين.
نظرت له ببراءة قطة ماكرة، ثم اردفت وهي تشير بيدها:
_ تعالى.
نظر لها كالمسحور، ثم رفع جسده إليها حتى أصبح أمامها، يردف بترقب ويغمزها بعينه:
_ إيه!
وضعت كفها الصغير برقة على وجنته وملست بنعومة، تخدر هو تحت لمستها، ثم اقتربت منه ببطء وهي تنظر داخل عيناه بعيون ساحرة، أغمض عينه هو يستمتع بأفعالها الجديدة على قلبه العاشق، يظنها ستقبله، ولكنها قامت أيضاً بعض شفتاه بقوة وابتعدت مسرعة قبل أن يستوعب ويفتح عينه يطالعها بعيون متسعة زاهلة وهو يضع إصبعه على فمه يتحسسه ويتأوى بصمت.
ضحكت عليه مردفة وهي تشير بسبابتها:
_ دي بقى عشان أنت خبيت عني خطة عمي من الأول.
ضيق عيناه وهو يتحرك ببطء كوحش يترقب لفريسته، مردفاً بهدوء يناسب حركته، وهي تنظر له بتوجس وتتراجع:
_ تمام ... كده خلصنا حساباتنا القديمة ... صح!
أومأت تبتسم بخوف، وهي تردف بنبرة متوترة وتتراجع:
_ ااه يا حبيب قلبي خلاص يا سلاطينو.
أومأ برأسه وهو يقترب بتوعد ويردف باستنكار:
_ سلاطينو!
أومأت بضحكة بريئة، وهي تتراجع وتنظر له بقلق، وهو يقترب حتى انقض عليها فجأة، جعلها تصرخ وكادت أن تركض، ولكنه أمسكها يرفعها عن مستوى الأرض بين يديه، مردفاً بتوعد محبب إلى قلبه، وهو يحتضنها وهي تحتمي منه به:
_ ماشي أنا بقى هوريكي سلاطينو على حق ... هستعمل معاكي نظرية جديدة.
قهقهت بأنوثة ونعومة ضحكة عالية بعثرت مشاعره وكيانه، تردف وهي تتعلق برقبته، متسائلة بدلال أنثوي طفولي:
_ نظرية إيه يا سلاطينو؟
اتجه إلى فراشهما يضعها عليه برفق، ثم تمدد بجوارها ينظر لها بعشق، مردفاً بغمزته الشهيرة:
_ ما هي عملي مش نظري.
قهقهت بقوة عليه ونظرت له بعيون متحدثة أيضاً، ولم يبق للكلام أي أهمية.
في شقة نبيل.
يجلس يستشيط غضباً من ما يحدث حوله... وخصوصاً من ابنه آدم الذي أهمل كل شيء مؤخراً ويبدو أنه منشغل في حياته المتهورة.
اردف بغل وتوعد:
_ سلطااان! ... كله منك يا و**** ... واحد زيك يبوظلي خططي ويخسرني فلوسي ... بس مبقاش نبيل الحلواني إن مدفعتك التمن غالي أوي ... حتى الكورونا مقدرتش تخلصني منكو.
تناول هاتفه وضغط بعض الأرقام، ثم اردف بترقب:
_ معاك نبيل الحلواني .... جهز نفسك ... هحتاجك في شغل قريب ... وطبعاً زي كل مرة ... عايز شغل على نظيف ... هشوف هننفذ إزاي وهبلغك.
أغلق الهاتف وتطلع للأمام يبتسم بخبث ويردف:
_ نخلص منه الأول ... وبعدين أروقلك يا بنت أخويا ... وقتها هتبقى صيدة سهلة.
رن هاتفه برقم ابنه، فابتسم ساخراً وفتح يجيب:
_ هه ... أهلا ... خير يا آدم باشا .... فلوسك خلصت ولا إيه؟
تنهد آدم يردف بترقب:
_ لا متشكر يا نبيل بيه ... أنا بس بشوفك عملت إيه؟ ... لأنك قولت أنت هتتصرف.
ضيق نبيل عيناه واردف بترقب:
_ إنت مالك كده! ... حالك مش عاجبني ... لتكون اشتغلت لصالح سيلين هانم وبتاخد مني كلام!
ضحك آدم ساخراً يردف باستنكار:
_ وأنت تعرف عني كده بردو يا نبيل بيه ... دانا تربيتك.
تنهد نبيل مردفاً بترقب:
_ ماشي ... بس ارجع بسرعة من اللي انت بتعمله ده ... الفترة الجاية هحتاجك معايا في الشركة ... لأن نويت أكسر ظهر سيلين.
ضيق آدم عيناه واردف متسائلاً:
_ ازاي؟
ضحك نبيل واردف بحقد:
_ هنطير سلطان.
رواية على القلب سلطان الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم آية العربي
يتمدد على الفراش ينظر لسقف الغرفة وهي تنام على ذراعيه، ملتفتة إليه تتلاعب في أصابع يده الأخرى مردفة بتساؤل:
_ سلطان!
تحدث بصوت حنون:
_ نعم.
تنهدت تردف بتساؤل:
_ هتعمل إيه مع مرات باباك؟ وهتقول إيه لإخواتك؟
تنهد بضيق يردف بحيرة:
_ مش عارف يا سيلين… كنت جاي طول الطريق وبقول يارب ماتبقاش هي… كان نفسي يكذب إحساسي… حتى لما اتكلمت مع جدي وأنا في العزل وحكيت له وطلبت منه يدور في أوضتها ودور وقالي ع الإزازة اللي لقاها، كان برضه عندي شك إن ممكن تكون مش هي… يعني سألت نفسي هي ليه هتعمل كده، مع إن كل الإشارات عليها، لكن إنها تكون هي اللي قتلت أبويا وحرمتني منه! واتهمت أمي واقتنعت العيلة كلها إن أمي هي السبب في موته وكرهت جدي فينا وحرمتني منهم! لا يمكن أسامحها… بس مش عارف أحلاها إزاي… أخواتي مقيديني ومش عايز أزعلهم.
قربت سيلين يده من فمها وقبلت باطنها بحب وحنان مردفة وهي تحتفظ بها:
_ ينفع أقولك على حل؟
نظر لها يردف باستنجاد:
_ ياريت يا سيلين، قولي.
تطلعت على عيونه تردف بترقب:
_ الأول هتعرف هي راحت فين… وتجيبها وتعد مع أخواتك البنات التلاتة وتحكي كل اللي حصل… تقول كل اللي هي عملته… وهما اللي يقرروا، لأنهم كبار كفاية إنهم يفكروا صح… علشان وقتها لا تكون ظلمتهم ولا حسيت ناحيتهم بعذاب ضمير… وعلى فكرة أنا في الفترة البسيطة اللي قعدتها هنا حسيت إن هي أصلًا بعيدة جدًا عن أخواتك… أنا فعلًا بقيت أحس إن تصرفاتها غريبة وعدوانية… علشان كده أنت لازم تتصرف بحكمة وتحكم عقلك.
نظر لها بعمق يتساءل:
_ أنتِ شايفة كده؟
أومأت مبتسمة، فقبل رأسها واردف بقبول:
_ تمام… يبقى لازم أروح لبهية الصبح بدري… قبل ما هي تمشي.
أومأت مردفة براحة:
_ عين العقل يا سلطاني.
تنهد هو أيضًا كمن أُزيح من على صدره صخرًا، يردف وهو يستعد للقيام:
_ سيلين أنا فعلًا ميت من الجوع… هنزل أجيب لينا أكل وأجي.
حاولت القيام أيضًا مردفة:
_ طب استنى أجي معاك!
غمزها بعينه يردف مشاكساً بجرأة:
_ لا يا باشا خليك هنا، كفاية عليك كده… أنا هجيب الأكل وأجي على طول.
ابتسمت بنعومة تردف بقبول:
_ ماشي.
دلف المرحاض وخرج بعد دقائق يرتدي بنطال رياضي وتي شيرت نص كم أظهر طوله وعضلاته وجاذبيته التي تتأثر بها.
نظرت له باعجاب ثم أطلقت صفيرًا، اتسعت عينه لها واردف باستنكار:
_ سيلين! إيه ده؟
قهقهت بخفة ونعومة مردفة تشاكسه باعجاب:
_ إيه يا مان، كل ده جمدان؟
ضحك عاليًا عليها يردف وهو يضيق عيناه ويشير بسبابته إليها:
_ سيلين يا حلواني… اتغيرتي خالص.
أردفت وهي تغمز له:
_ بقيت سيلين السوهاجي.
ضحك عليها يهز رأسه بقلة حيلة يردف وهو يتجه للباب:
_ صبرني ياربي.
خرج وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه لأسفل بهدوء حتى لا يستيقظ أحد واتجه مباشرة للمطبخ.
دلف واتجه للبراد ففتحه ووجد به جميع الأطعمة التي يحبها، يبدو أن والدته وشقيقاته اتهتموا بذلك. أخرج بعض العلب البلاستيكية ثم اتجه للميكرويف ليقوم بتسخينها، وبعد دقائق أعد صنية منمقة له ولقلبه التي في الأعلى وصعد بها الدرج يدندن بصوت مكتوم.
دلف غرفته بعدما فتحها بيد وبالأخرى يتمسك بالصنية وأغلق خلفه. اتجه يضع الطعام ثم أردف عندما لم يجدها على الفراش:
_ ليني… يالا الأكل سخن.
خرجت من المرحاض ترتدي روب الاستحمام وتلف حول شعرها منشفة، وتفوح منها رائحة اللافندر التي تنهد هو بعمق على أثرها ينظر لها بحب واعجاب وسعادة مردفًا:
_ دانا في الجنة بقى.
ابتسمت واتجهت لعنده تقف على أطراف أصابعها وتضع قبلة ناعمة بدلال على خده الرجولي، ثم ابتعدت تنظر للصنية بشهية مردفة:
_ وااو، الأكل شكله تحفة… أنا كمان هموت من الجوع.
جلست على المقعد وجلس هو بجانبها يلف ذراعه حول خصرها ويأكل بيمناه ويطعمها مردفًا بنبرة متوعدة حنونة:
_ كلي يا قلبي علشان عندنا نظرية جديدة هنطبقها.
نظرت له بعيون متسعة تردف بتهكم:
_ سلطااان!
أردف معارضًا:
_ هييييش… سلطان قاعد في العزل بقاله ١٤ يوم ماسك نفسه بالعافية… كلي يا حبيبتي يالا.
أنهى كلماته بوضع لقمة في فمها بحب جعلها تستسلم لرغباته الممتعة.
***
صباحًا في منزل بهية.
استيقظت باكراً تحضر الفطور لأولادها وزوجها الذي اتجه إليها يتساءل بترقب:
_ هي أمك هتفضل عندها كتير ولا إيه؟
تنهدت بهية بضيق واردفت:
_ اطمن يا عبدالله… هي قالت هتمشي الصبح.
أومأ يتساءل:
_ بس غريبة يعني إنها تيجي كده فجأة وتبيت هنا… أكيد حصل حاجة كبيرة.
هزت كتفيها مردفة بحيرة:
_ ما أخرباش يا عبدالله… إني سألتها وهي قالت مافيش… إني هروح أصحّيها تفطر وأنت اجعد افطر مع الولاد علشان تنزلوا الشغل عاد.
أومأ لها وجلس حول الطاولة يتناول الفطور مع أولاده، بينما هي اتجهت لتوقظ والدتها.
طرقت باب غرفة الضيوف ودلفت وجدتها تجلس على المقعد شاردة. اتجهت إليها تردف:
_ صباح الخير ياما.
لم ترد روايح بينما ظلت على حالها. جلست بهية بجوارها تردف بترقب:
_ مش هتجولي مالك ياما؟ ولا انتي خايفة مني؟
نظرت لها روايح بترقب ثم أردفت متجاهلة سؤالها:
_ بت يا بهية… انتي معاكي فلوس؟
ضيقت عيناها واردفت:
_ معايا ياما… بس ليه خير؟
أومات روايح واردفت بخبث:
_ عايزة منك ١٠ آلاف جنيه وهجبهملك… بس من غير ما مخلوق يعرف.
شهقت بهية واردفت باستنكار:
_ كام! ليه كل ده؟ ياما جولي جلجتيني.
نظرت لها وكادت أن تتحدث فأردف زوج بهية من الخارج بصوت عالٍ:
_ بهية! إني نازل الشغل إني وأحمد… عايزة حاجة؟
أردفت بهية بصوت عالٍ:
_ سلامتك يا عبدالله… ربنا معاك.
غادر زوجها وجلست هي تترقب حديث والدتها فأردفت روايح بمكر وتساؤل:
_ هتجبيلي الفلوس يا بهية؟
تنهدت بهية بضيق واردفت:
_ لما أعرف لأول ياما عايزاهم في إيه؟
تأفأفت روايح وكادت أن تعنفها ولكن منعها دقات على باب المنزل فاتسعت عيناها واردفت محذرة:
_ بت يا بهية… لو ده حد من البيت الكبير أوى تجولي إنها إهنة… جولي مشوفتهاش واصل.
نظرت لوالدتها بتعجب فتابعت روايح:
_ اسمعي اللي بجولك عليه.
أومأت ووقفت تتجه لتفتح الباب فوجدت عمها محمود وشقيقها سلطان.
أردفت بسعادة متعجبة:
_ سلطان! أنت خرجت ميتة؟
اتجه سلطان يحتضنها بحنو واردف بهدوء وترقب:
_ إزيك يا بهية… أنا خرجت إمبارح… عاملة إيه؟
أومات مبتسمة تردف بهدوء:
_ زينة يا أخوي… إزيك يا عمي؟
أردف محمود بترقب:
_ إزيك يا بهية… أمك جوة؟
توترت ملامحها واردفت بتلعثم:
_ أمي! لاء؟ هي فين؟ مش في الدار ولا إيه؟
هز سلطان رأسه واردف متفحصاً:
_ لاء يا بهية… خرجت من إمبارح.
أردفت بهية بترقب:
_ خرجت ليه؟ هو حصل حاجة يا خوي؟
أردف محمود بحدة:
_ جولي لأول يا بهية… أمك عندك صوح؟
نظرت لعمها بقلق وظهر التوتر على ملامحها فأردف سلطان وهو يطالعها بحزن:
_ خلاص يا عمي… هي قالت مش هنا.
تطلع لشقيقته واردف بحزن:
_ أنا همشي يا بهية… بس لو عرفتي مكانها عرفيني… أنا عايز أساعدها لأنها وقعت نفسها في مشكلة كبيرة.
نظرت له بصدمة فالتفت ليغادر هو وعمه فنادت عليه مردفة بلهفة:
_ سلطان!
التفت لها بترقب يعلم ما ستقوله فأردفت:
_ أمي جوة.
نظر لعمه ثم تقدم يدلف بعدما أفسحت لهما المجال.
أغلقت الباب واتجهت خلفهم تردف بتساؤل وقلق:
_ هي جت إمبارح وكانت خايفة وأني سألتها فيه إيه بس مجالتش… طمنيني يا خوي أمي مالها؟
أردف محمود وهو يجلس بترقب:
_ نادى على أمك يا بهية وإنتِ هتعرفي… روحي يابتي يالا.
تنهدت بضيق وهي تومئ ثم اتجهت لغرفة والدتها التي ما إن دلفتها حتى وجدت روايح تتمسك بذراعها بقوة وتردف معنفة بغضب:
_ دخلتيهم وجولتيلهم إني إهنة يابت بطني! اخص عليكي وعلى أخواتك… بعتوني لابن منيرة في ثانية كده!
تألمت بهية وحاولت الابتعاد مردفة بزهول وألم وهي تملس على ذراعها:
_ مالك ياما فيكي إيه عاد! سلطان جاي يساعدك متجلجيش منه.
عنفتها روايح مردفة وهي تلكمها في كتفها بقوة:
_ إني غلطانة إني وثجت فيكي وجيت عندك… حلي عن وشي.
ابتعدت بهية قليلاً فاندفعت روايح للخارج حيث سلطان ومحمود. وقفت تتطلع عليهما بغل وكره مردفة وهي تشبك يديها أمام صدرها بجبروت:
_ خير يا ولد منيرة! جاي وجايب عمك تتحامى فيه! امشوا من إهنة.
نظر لها سلطان متعجبًا من جرأتها… حتى أنها لا تبدو نادمة أو خائفة! وقف محمود يردف بغضب وحدة:
_ نمشي كيف يا روايح! مفكرة إننا هنسيبك بعد اللي عملتيه؟
كانت بهية تقف تتابع بترقب فأردفت:
_ عملت إيه أمي يا عمي؟
نظر لها سلطان ثم نظر إلى روايح يردف بثبات:
_ هتقولي انتي ولا أحكيلها أنا؟
نظرت له بكره وغضب بينما سلطان تناول هاتفه وهاتف شقيقته سهيلة يردف بعدما أجابت:
_ سهيلة… اديني جدي لو سمحتي.
أعطته سهيلة جده توفيق على الفور فقد كانت قريبة منه.
أردف الحاج توفيق بترقب:
_ أيوه يا ولدي… عملت إيه؟
نظر لها سلطان بترقب يردف:
_ معلش يا جدي هات سهيلة وتعالي على بيت بهية، وياريت تعدوا على فاطمة تجيبوها معاكم… وهات معاك الأمانة.
وافق توفيق على الفور مردفاً بهدوء:
_ حاضر يا ولدي… مسافة الطريق.
أغلق معه وجلس سلطان يتطلع على التي تقف أمامه تطالعه بغل وكره بينما داخلها تفكر كيف يمكن أن تهرب من هذا المأزق!
بعد نصف ساعة وصلت سيارة الحاج توفيق. صفها ونزل مع حفيداته متجهين إلى الداخل حيث استقبلتهم بهية بترحاب.
نظر توفيق إلى روايح بكره وحزن أما هي فلم تستطع النظر إليه فأخفضت رأسها أرضًا تريد أن تفر هاربة في الحال ولكنها مقيدة بحضورهم.
جلس الجميع بانتظام على الأرائك في غرفة الصالون الخاصة بمنزل بهية.
أردفت بهية بترقب وقلق:
_ حد يفهمني يا جماعة في إيه! أمي عملت إيه؟
نظر توفيق لها نظرة قوية ثم أخرج من جيبه زجاجة السم ووضعها على الطاولة أمام الجميع وأمام عين تلك التي تريد أن تختفي.
تساءلت سهيلة بترقب:
_ إيه الإزازة دي يا جدي؟
كان سلطان يتابع بصمت بينما تحدث توفيق بقوة وغضب وحزن:
_ دي السم اللي أمك جَتلت بيه ابني وكانت عايزة تجتل بيه حفيدي.
اتسعت عين ثلاثتهن وتوقف لسانهن عن التحدث ولكن بعد دقائق أردفت سهيلة بزهول وعدم وعي:
_ سم إيه؟ مين اللي اتجتل؟ لاء… مستحيل أمي تعمل كده… أيوه هي عصبية وجاسية شوية بس متعملش كده أصلًا… صوح ياما؟
كانت تنظر لوالدتها بعيون دامعة تريد تكذيب ما سمعته ولكن روايح كانت تنظر أمامها بصمت وكأنها أصبحت في عالم آخر. بينما أردف توفيق بقلب متألم غاضب حزين:
_ جولي لبناتك كيف حرمتيهم من أبوهم بدري… جولي لبناتك كيف دستيله السم في الأكل يا ظالمة… جوليلهم كيف كنت بفضلك عن ضنايا وبعنفه علشان خاطرك وإنتي طعنتيني في قلبي…. جولي يا خاينة يا غدارة اونطجي.
هزت فاطمة رأسها بعنف واردفت ببكاء وحدة:
_ اونطجي ياما واتحدتي… انتي عملتي كده صوح؟ جولي إنك مجتلتيش أبوي… اونطجي.
كانت بهية صامتة تتابع بصدمة وعدم استيعاب بينما سلطان ينظر لشقيقاته بحزن وألم يريد أن يحتضن ثلاثتهن ويطيب جراحهن ولكنه فضل الصمت مؤقتًا وتدخله في الوقت المناسب.
وقفت سهيلة تردف بصراخ وغضب بعدما تأكدت من سكوتها:
_ ساكتة ليه يامااااا… عملتي كده ليه؟ ليييييه حرمتينا من أبوي بدري؟ ليييه عملك إيه يا ظالمة لييييه؟
رفعت روايح نظرها إليهم جميعًا ثم نظرت إلى سلطان بكره وحقد دفين واردفت معترفة:
_ أيوه جتلته… سميته بالبطيء… ولو رجع بيا الزمن هعملها تاني… اتجوز وفضل واحدة و*** عليا وجهرني وجل قيمتي قدام الناس كلها.
هنا لم يحتمل سلطان وقف يشير إليها بسبابته ويردف بفحيح مرعب:
_ أوعى… أوعى تذكري سيرة أمي أو تهنيها بلفظ… مش هسمحلك… قلبك الأسود ده ولسانك المر يبعد أمي خالص عن حساباته… أبويا مظلمكش… أبويا كان عادل قوي معاكي برغم أسلوبك اللي مافيش راجل يتحمله… أمي كان همها إزاي تطيب قلب أبويا اللي أنت للأسف معرفتيش تملكيه… انتي واحدة معرفتيش تنجحي في أي حاجة حتى في إنك تبقي أم… مترمييش ذنبك على حجج مش هتفيدك… انتي قتلتي أبويا وحرمتينا منه… أنا كنت ممكن أسامح في اللي عملتيه فيا… لكن حق أبويا مش هتتنازل عنه.
نظرت له بكره ثم وجدت بناتها الثلاث تتجهن إلى شقيقهن تقف بجواره دليلًا على دعمهن له فحتارت بنظراتها عليهن ولم تحتمل نظرات الجميع المصوبة نحوها. ظلت تتطلع عليهم جميعًا وبهية تقف مصدومة لم تتفوه بحرف بل تبكي وتقف بجانب شقيقها بضعف.
نظرت إلى الزجاجة التي وضعها توفيق على الطاولة وفي لمح البصر كانت تأخذها وتفتحها وتتناول محتواها كاملاً أمام أعينهم الزاهلة.
أسرعن إليها بناتها يصرخن باسمها ولكنها كانت ارتشفتها بالكامل وجلست بثقل على الأريكة تتطلع عليهن وهن يصرخن باسمها.
أما توفيق ومحمود فتفاجئا بفعلتها كالبقية ووقفا مسرعان بصدمة بينما سلطان أسرع من بينهم يتجه للمطبخ ويحضر كوب ماء ويملأه بالملح الذي وجده بسهولة ثم أسرع للخارج إليهم وأفسح مجالهم وهم يقفون يصرخون وقد بدأت تغمض عيناها بينما هو فتح فمها بالإجبار وبدأ يصب الماء ويجبرها على بلعه وبالفعل استطاع بمهارة أن يشربها الكوب كامل تحت نظراتهم الصادمة.
بدأت معدتها في الفورات وقامت بدفق ما ابتلعته كاملاً أمام أعين الجميع. تنهد سلطان بارتياح واردف بلغة آمرة لسهيلة:
_ سهيلة لازم ناخدها ع المستشفى بسرعة.
أومأت وأسندوها ثلاثتهن بالإجبار وهي تحاول الرفض ولكن حالتها كانت واهنة.
أردف سلطان وهو يخطو للخارج:
_ عمي خد جدي وروحوا وأنا وسهيلة هنوديها المستشفى.
أومأ محمود يردف بقبول:
_ حاضر يا ولدي.
خرج هو يركب سيارته بينما سهيلة وفاطمة وبهية تتمسكن بروايح وتتجهن إلى السيارة.
أركبوها في الخلف وركبت معها سهيلة بينما ظلتا فاطمة وبهية كما أمرهما سلطان.
غادر مسرعًا إلى المستشفى التي وصلوها بعد نصف ساعة وتم عمل اللازم لها وبفضل الله ثم سلطان الذي أنقذها تم عمل غسيل معدة لها ولكن يبدو أنه أصاب معدتها قرحة فظلت تدفق دمًا.
تم عمل بلاغ من خلال المستشفى نظرًا لأنها تبدو حالة انتحار.
ظل سلطان بجانب شقيقته في المستشفى وهي ظلت بجوار والدتها تقوم بواجبها تجاهها إلى أن هدأت حالتها ونامت فاتجهت إلى شقيقها تقف بجواره في الخارج وتردف بحزن وتصميم:
_ سلطان!
تطلع على شقيقته يتنهد بحيرة فاسترسلت:
_ أمي لازم تاخد جزاءها… أمي جَتلت أبويا وكانت عايزة تجتلك وكمان كانت هتجتل نفسها… أمي بجت خطر حتى على نفسها… الأحسن إنها تاخد جزاءها.
نظر لشقيقته بحيرة واردف بترقب:
_ هتزعلوا مني يا سهيلة! هتتهموني إني السبب وإني بعدت أمكم عنكم؟ هشوف في عيونكم إني الملام الوحيد في بعدها عنكم؟
هزت رأسها تردف بدموع وألم:
_ بالعكس يا حبيبي… أنت اللي المفروض تسامحنا يا سلطان… أمي هي اللي غلطت في حقك وحق أمك… إحنا اللي المفروض نخزي منك يا أخوي… نطلب منك العفو يا غالي.
احتضنها بقوة حضن أخوي وهي تبادله ببكاء وندم.
بعد ساعات في المستشفى تم أخذ أقوالها وقد أمر بتحويلها إلى طبيب نفسي ليتأكد من قواها العقلية.
تم التحفظ عليها في المستشفى لحين عرضها غدًا على الطبيب النفسي وبقيت معها سهيلة وقد تم تنويمها بمهدئ كي لا تفعل أمرًا لا يحمد عقباه.
عاد سلطان بعدما اطمأن على شقيقته إلى منزل عائلته وقد أخبر الجميع بما حدث وقد علمت والدته بالأمر ولكنهم أخفوا عنها حقيقة موت زوجها.
أردفت منيرة ببكاء وهي تجلس وسط الجد ومحمود وزوجته وتتطلع على سلطان:
_ يعني كانت عايزة تقتلك؟ ليه؟ عملتلها إيه؟ كل ده حقد جوة قلبها؟ حسبي الله ونعم الوكيل.
نظر سلطان إلى جده توفيق الذي ينظر أرضًا بندم وحزن واردف بترقب:
_ خلاص ياما متقلقيش… عدت على خير… هي مريضة ومش عارفة هي بتعمل إيه… دي حتى كانت هتموت نفسها… لما نشوف الطبيب النفسي هيقول إيه؟
تنهدت منيرة تومئ بحزن بينما وقف سلطان يردف بجسد متعب:
_ طيب عن إذنكم أنا هطلع أرتاح.
أومأوا جميعًا وصعد الدرج متجهاً إلى غرفته. طرق الباب ثم فتحه ودلف يبحث بعينيه عن التي إن رآها ينسى همومه يومه جميعًا. وجدها تنكمش بجسدها الصغير على الأريكة تنتظره ترتدي روب ناعم طويل وحين رأته أسرعت إليه تعانقه بقوة. لف ذراعيه حول خصرها يعتصرها بقوة وتملك وحنو يستمد منها طاقة بعدما خارت قواه ويتنهد وهو يدفن رأسه بين عنقها وخصلات شعرها. اتجه معها إلى الأريكة يجلس وهي ما زالت في عناقه. ابتعدت عنه قليلاً واردفت وهي تتطلع على عيونه بعشق:
_ كان يوم صعب بس عدى خلاص.
أومأ لها يردف بهدوء:
_ فعلًا عدى الحمد لله.
ابتسمت له واردفت تهون عليه:
_ بس اللي سمعته من جدي والتصرف اللي أنت تصرفته ده يأكدلي قد إيه أنت شهم وجدع أوي يا سلطان… كل يوم بيزيد حبي ليك عن الأول وبيكبر جوايا وبيملى عروقي بدل الدم.
ضيق عيناه واردف مشاكساً وهو يتحسس وجنتها بإصبعه وقد تناسى حزنه:
_ يعني هنا مافيش دم! معقول؟
أومأت تردف بغمزة وابتسامة:
_ تحب تعورني وتشوف؟
مال عليها يقبل وجنتها بحب وحنو مردفاً بغمزة محببة إلى قلبها:
_ لاء أنا ممكن أعض بس.
ضحكت عليه واردفت متسائلة وهي تبتعد:
_ أكيد جعان!
أومأ لها يردف بقبول:
_ بصراحة أيوه جعت حالاً مع إن مكنش عندي نفس.
التقطت أسدالها من على شماعة الملابس واردفت وهي تستعد للمغادرة:
_ علشان كده بقى هنزل أجيبلك مفاجأتي تكون أنت بدلت هدومك… ثواني وهجيلك.
قالتها وخرجت تغلق الباب خلفها تتبع هو أثرها بحب وسعادة ووقف يتجه للمرحاض حيث يرخي جسده في حمام دافئ يزيل به عبء يومه بينما هي نزلت لأسفل تحضر الطعام الذي أعدته مع منيرة أثناء غيابه.
بعد ربع ساعة دلفت الغرفة بصعوبة بعدما حاولت فتح الباب بيدها ثم تقدمت للداخل تحمل صنية ثم وضعتها على الطاولة وخلعت أسدالها ثم اتجهت تطرق باب المرحاض مردفة بصوت هادئ حنون:
_ سلطاني يالا.
أردف هو من الداخل:
_ ثواني يا حبيبتي.
خرج من المرحاض يرتدي بنطال رياضي وتي شيرت بدون أكمام فنظرت له شاهقة تردف بخوف:
_ سلطااان حرام عليك كده هتبرد البس تقيل شوية.
أردف وهو يتطلع إليها بملامح جريئة:
_ مالوش لزوم يا ليني ما كده كده هقلعه.
ضيقت عيناها واردفت معنفة:
_ قليل الأدب.
ضحك عليها واتجه يجلس أمام الطاولة ينظر للصنية الطعام بتعجب مردفاً بتساؤل:
_ سيلين! مين اللي عمل الأكل ده؟
اتجهت تجلس بجواره واردفت بسعادة طفولية:
_ أنا وماما منيرة… إيه رأيك؟
نظر للصنية ومحتواها الذي عبارة عن (محشي ورق عنب وملوخية ودجاج) ثم تناول بيده إحدى أصابع ورق العنب ونظر له بغرابة مردفاً بتأكيد:
_ لا مستحيل أمي تكون عملت ده.
ضيقت عيناها مردفة بتساؤل:
_ ليه بقى؟
أردفت بذكاء:
_ الصابع ده كبير أمي بتعمل ورق العنب صغير عن كده.
ابتسمت واردفت بغرور:
_ أيوه دا أنا اللي عاملاه.
نظر لها بتعجب ثم تناول كف يدها ينظر لأصابع يدها الصغيرة ويردف بغرابة:
_ معقول الصوابع الرقيقة الصغيرة دي تعمل كل ده!
أفلتت يدها من بين يده بتهكم مردفة بتذمر طفولي:
_ تصدق أنا غلطانة… راعي إني أول مرة أعمله يا سلطان… ده بدل ما تقولي تسلم إيدك.
تناول إصبع ورق العنب فورًا وتبعه بآخر وآخر واردف بإعجاب حقيقي:
_ طب تصدقي إن عمري ما دُقت ورق عنب بالطعامة دي.
نظرت له بسعادة تردف بتساؤل:
_ بجد يا سلطان عجبك؟
تناول إصبع آخر مردفاً بتأكيد:
_ جدًااا.
تناول كفها يقبل إصبع تلو الآخر حتى أتم الخمسة مردفاً بحب:
_ تسلم الإيد اللي لفت واللي رصت واللي سوت واللي قدمت ويسلملي قلب الغالي.
نظرت له بعيون عاشقة فقد أرضى الأنثى التي بداخلها وبدأ يطعمها بيده ويأكلان بسعادة وهما يتبادلان الحديث الممتع عن باقي الأصناف وكيف تم تحضيرها له.
بعد دقائق رن هاتف سيلين فقامت تتجه إلى الكومود تلتقطه فوجدت المتصل وداد. فتحت الخط وجلست على الفراش تردف بهدوء:
_ وداد… إيه الأخبار؟
أردفت وداد برتابة:
_ كله تمام يا سيلين… الأستاذ ممدوح جهز كل أوراق الشراكة ومافيش حد يعرف أي معلومات عن الشريك الجديد… ناقص بس تقوليلي الاجتماع هيكون إمتى علشان أبلغ أعضاء مجلس الإدارة… بس قوليلي هو آدم مختفي ليه؟
تنهدت سيلين واردفت بهدوء:
_ هحاول أتواصل معاه يا وداد ولو عرف يحضر الاجتماع هييجي متقلقيش… المهم دلوقتي أنا هتكلم مع سلطان وأشوف هننزل القاهرة إمتى وأبلغك… بس إن شاء الله قريب جدًا… المهم أوعدي حد يعرف إننا خرجنا من المستشفى خالص غير لما أبلغك.
أومأت وداد تردف بتأكيد:
_ أكيد طبعًا يا سيلين متقلقيش… المهم طمنيني عنك أنتِ تمام.
ابتسمت سيلين واردفت براحة:
_ تمام يا ود… وعلى فكرة انتي وحشتيني أوي… وكمان آسر نفسي أبوسه أوي… هو عامل إيه وإزاي مصطفى؟
أردفت وداد بتهكم:
_ آسر مدوخني يا سيلين… ومصطفى قال إيه عايزني أجيبله بيبي… ده أنا بجري حوالي نفسي بآسر تخيلي لو جبتله بيبي كمان هعمل إيه؟
ضحكت سيلين واردفت مؤيدة:
_ طب تصدقي مصطفى معاه حق بقى… انتي لازم فعلاً تجيبيله بيبي كمان يا وداد…. وبعدين آسر عنده ٤ سنين اتجدعني بقى.
أردفت وداد باستنكار:
_ حتى انتي يا صحبتي واقفة معاه… أنا غلطانة إني قولتلك… سيبك بقى مني وخلّيكي في عقد الشراكة وحاولي تخلصي في أقرب وقت وترجعي لأن الشركة والموظفين وكلنا بجد مفتقدينك جدًا.
أومأت سيلين تردف بقبول:
_ تمام ياقلبي قريب جدًا…. يالا سلام.
أغلقت معها والتفتت تنظر لمكان سلطان فوجدته خاليًا ثم انتفضت بفرغ عندما وجدته يجلس بجانبها على الفراش واردفت بشهقة:
_ اخص عليك يا سلطان خضتني.
اقترب منها بترقب واردف متسائلاً بخبث:
_ سلامتك ياقلبي… قوليلي هو مين اللي عايز بيبي؟
أردفت ببراءة مبتسمة:
_ دي وداد جوزها عايز بيبي كمان وهي مش راضية.
ضيّق عيناه يردف بخبث:
_ توء توء توء… ملهاش حق وداد لازم تسمع كلام جوزها.
تعجبت من نبرته واردفت متسائلة:
_ مالك يا سلطان أنت بتتكلم كده ليه؟
غمزها يردف بمكر وترقب:
_ أنا كمان عايز بيبي؟
ضحكت عليه فاقترب منها ولكنها أسرعت تقف مبتعدة تشير له بسبابتها مردفة بتحذير:
_ سلطان… مينفعش كده.
جلس على الفراش يتابعها مردفاً بتعجب:
_ هو إيه اللي مينفعش كده!
تحمحمت تعض على شفتاها بخجل مردفة بترقب:
_ غمض عينك الأول.
نظر لها بتعجب ثم أغمض عيناه دون اعتراض فقامت بفك رباط ذلك الروب وخلعته فظهر هذا القميص الأسود الناعم ووقفت هي لا تقوى على نطق حرف تفرك يدها بينما هو قام بفتح عينيه يتطلع عليها بسحر كامل أصاب قلبه العاشق وخدر أوردته وهو يردف بإعجاب وسعادة:
_ سيلين! إيه الجمال ده؟
وقفت تنظر له بخجل وقد احمرت وجنتاها ولم تستطع النطق فتحمحم يدعي الثبات مردفاً بحنو وهي يشير إليها بيده:
_ تعالي.
اقتربت منه بترقب وجلست على الفراش فسحبها لعنده يضمها بحنو كطفلة صغيرة يدللها ويشعرها بأمانه وحبه حتى زال خجلها وتوترها بسبب عناقه الدافئ الذي تعشقه.
رواية على القلب سلطان الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم آية العربي
صباحاً استيقظ سلطان على رنين هاتفه. تناوله بذراعه من على الكومود وأجاب بترقب:
_ الو!
أردفت سهيلة بحرج:
_ سلطان .... حجك عليا صحيتك! بس الدكتور النفسي جه وعايز يتكلم مع حد وأنا جولت أجولك أنت.
أردف سلطان بحنو:
_ حاضر يا حبيبتي ... مسافة السكة وهبقى عندك.
أغلق معها ونظر للتي تتعلق به وتتدثر نفسها في جسده بحماية. قبل رأسها وأردف بصوت حنون مضطرًا يوقظها:
_ ليني!
تمتمت بصوت مكتوم وهي على وضعها. فأردف وهو يحرك يده بحنو على خصلاتها:
_ معلش يا حبيبتي أنا لازم أنزل دلوقتي ... سهيلة كلمتني ومحتاجاني أروح لها.
ابتعدت متذمرة تردف وهي تطالعه بعيون ناعسة:
_ تمام يا حبيبي ... قوم روح لها وابقى طمني.
نظر لهيأتها بحب وأردف مبتسمًا:
_ حاضر يا حبيبتي ... هخلص موضوع مرات أبويا ده وبعدين هننزل القاهرة علطول.
أومأت بسعادة تردف بارتياح:
_ اوكي.
ابتعد عنها بصعوبة ولكن عليه حل هذا الأمر. اتجه للمرحاض وبعد دقائق خرج يكمل ملابسه في الخارج ثم شرع في الصلاة. انتهى بعد دقائق ونظر بحنو لحبيبته التي تكمل نومها وابتسم يحمل جاكيت حلته واتجه للباب فأوقفته وهي تستند بجذعها على الفراش مردفة بدلال:
_ سلطاني!
نظر لها بتعجب فتابعت تبتسم:
_ هتوحشني.
ألقى عليها قبلة عبر الرياح وغادر مبتسمًا بينما هي وقفت تتجه للمرحاض فمؤكد أن النوم لن يرافقها في غيابه.
نزل وجد جده توفيق يجلس يذكر ربه عن طريق مسبحة كبيرة في يمناه بينما على يساره يجلس محمود ينتظر منيرة وبدرية لتنتهي من تحضر الفطور. ألقى عليهما السلام وقبل يد جده مردفًا:
_ بعد إذنك يا جدي أنا هروح المستشفى لأن سهيلة كلمتني.
أومأ توفيق مردفًا بملامح حزينة هادئة:
_ ماشي يا ولدي ... خد معاك فلوس علشان تشوف حساب المستشفى .... ولو لزمك شيء كلمني.
أردف سلطان بثبات:
_ معايا يا جدي ومتقلقش حساب المستشفى اتقفل امبارح ... يالا عن إذنكوا.
أردف محمود وهو يقف:
_ طب استنى يا سلطان آجي معاك!
أردف سلطان بترقب:
_ لأ يا عمي مالوش لزوم ... خد بالك أنت من العمال لأنهم بدأوا يلخبطوا في الأيام اللي فاتت وأنا هخلص وأعدي عليك.
أومأ محمود مؤيدًا وغادر سلطان في سيارته متجهاً للمشفي. أثناء قيادته تناول هاتفه وهاتف أدم ليطمئن عليه.
بعد قليل وصل سلطان وصف سيارته وترجل قاصدًا الداخل. دلف يتجه حيث تنتظره سهيلة. اقترب منها يعانقها باطمئنان فبادلته بحنو مردفة:
_ سلطان ... الدكتور النفسي بيقول إن أمي وضعها النفسي مش تمام ومحتاجة تدخل مصحة.
ابتعد يتطلع لها بترقب ثم أردف:
_ طب تعالى ندخله.
أومأت واتجهت معه للداخل بعدما استأذنا. عرف سلطان عن نفسه وجلس هو وسهيلة ينتظران حديث الطبيب الذي أردف بعملية:
_ الحاجة روايح حاولت تنتحر وأنا لما اتكلمت معاها لقيت إن عندها ميول عدوانية تجاه نفسها وتجاه الآخرين وده بيجبرني إني أتصرف بعملية وأحولها على مصحة نفسية تتلقى فيها الرعاية المناسبة لحالتها. لأن بالشكل ده هيكون فيه خطورة على حياتها وحياة المقربين منها لا قدر الله. بس طبعًا أنا محتاج موافقة أهلها.
تنهد سلطان ونظر لسهيلة التي أردفت متسائلة:
_ وهتقعد قد إيه يا دكتور؟ ويعني لو خرجت هتخرج زينة!
أردف الطبيب:
_ ده على حسب تقبلها للعلاج وتحسن حالتها. وكل ما كانت هي متقبلة العلاج كل ما فترة بقاءها في المصحة هتقل. وطبعًا بما إن ده مرض نفسي فعلاجه أكيد.
أردف سلطان بثبات وهدوء:
_ شوف اللازم إيه يا دكتور وإحنا تحت أمرك. المهم إنها متأذيش نفسها ولا اللي حواليها.
أومأ الطبيب مردفًا بعملية:
_ أكيد. وهيكون فيه زيارات أسبوعية من اللي هي بتحبهم علشان يطمنوا عليها وكمان علشان تتقبل العلاج. بس فيه سؤال. هي دي أول محاولة ليها ولا هي بالفعل كان ليها محاولة مع حد قبل كده؟ لأن وأنا بسألها قالت كلام غريب وإنها عايزة تشفي غليلها.
نظر سلطان له يردف بثبات:
_ لأ يا دكتور. هي مشاكل عائلية سببت عندها صدمة وده كلام أغلبنا بنقوله في وقت غضب. على العموم شوف اللازم إيه وأنا متكفل بأي طلبات.
أومأ الطبيب يردف:
_ تمام. يبقى تنتظرني نصف ساعة لو سمحت هخلص مع المرضى وأطلب سيارة المصحة ونروح وتشوفي الوضع بنفسك علشان تطمنوا وكمان توقعي على شوية أوراق.
أومأ سلطان يردف بهدوء:
_ تمام. أنا هستناك.
وقف الطبيب يغادر ليكمل معاينته للمرضى بينما نظرت سهيلة إلى سلطان بتعجب وأردفت:
_ ليه مجولتش على موضوع السم يا سلطان؟ ليه مجولتش إنها حاولت تسممك وقتلت أبويا؟
ربت على يد شقيقته بحنو مردفًا:
_ مالوش لزوم البوليس يدخل يا سهيلة. يمكن هي فعلًا محتاجة علاج نفسي. سجنها لا هيرجع أبويا ولا هيحميها من نفسها. الحالة اللي هي وصلت لها سهل جدًا تأذي نفسها جوه السجن. إنما في المصحة هتكون تحت رعاية مختصين.
نظرت له بامتنان وحنو فأومأ لها باطمئنان.
بعد يومان. تم وضع روايح في مصحة عقلية بالفعل وتم تقبل الأمر لدى العائلة كذلك تقبلت بناتها اللي رأين بأنفسهن وضعها المخزي. استعد سلطان وسيلين للعودة للقاهرة حيث يتما أعمال الشراكة والإجراءات. يقف سلطان في بهو المنزل يتمسك بيد سيلين وتقف أمامه منيرة تودعه مردفة بحنو:
_ هتغيب يا سلطان؟ هتغيب عني؟
نظر لها مبتسمًا ثم رفع يدها يقبلها بحب مردفًا:
_ لأ طبعًا يا ست الناس مقدرش. بس لازم سيلين تشوف شركتها ومصالحها وكمان نخلص شوية أمور مهمة وهرجع علطول. خدي بالك أنتِ من نفسك ومن سهيلة وعيالها.
أومأت تشير بسبابتها إلى عينيها مردفة بود:
_ في عيني.
نظر سلطان لسهيلة وأردف بحنو:
_ لو احتجتي أي حاجة في أي وقت رني عليا. وأنا هاجيلك فورًا.
أومأت بسعادة بينما أردف توفيق برتابة:
_ خلص يا ولد إبراهيم وعاود بسرعة. ويالا عاد كفياك حديث. توك بتودعهم ولا إيه عاد! كلها يومين وهتعاودوا تاني. مش أكده يا سيلين يابنتي؟
أومأت سيلين مردفة باحترام:
_ إن شاء الله يا جدي. هنخلص أمور الشركة وصفقة الشركة الأوروبية ونرجع علطول.
أومأ توفيق مردفًا بترقب:
_ تمام يا ولدي. جهزتوا أوراق الشراكة؟
أومأ سلطان مردفًا بامتنان:
_ كله تمام يا جدي. عمي محمود والمتر ممدوح جهزوا كل حاجة اطمن.
أومأ توفيق باطمئنان وودعا الجميع وحمل سلطان حقائبهما وغادرا في سيارة سلطان بعدما أوصى سلطان عمه محمود على الاعتناء بالجميع في غيابه وكذلك تحدث معه عن أمرٍ ما خاص بينهما بعيدًا عن مسمع الجميع.
قاد سلطان سيارته بهدوء وسيلين تجلس جواره تطالعه بحب وتنظر له براحة وأمان لم تشعر بهما إلا في وجوده. نظرت له وأردفت بترقب:
_ سلطان ياترى هنلحق الشركة؟
نظر لها بترقب وأردف:
_ هنلحق إن شاء الله كلمي أنتِ أستاذ ممدوح يجهز الأوراق ووداد تضبط الاجتماع. علشان بعد ما نخلص الورق عندنا حاجة مهمة لازم نعملها.
ضيقت عينيها بتساؤل مستفهمة:
_ حاجة إيه يا سلطان؟
أردف بتعقل:
_ هنروح الحارة يا سيلين. لازم أبرئ بنت نعمان قدام الناس. مش عايز أشيل ذنبها في رقبتي.
نظرت له بعمق ثم تنهدت وأردفت مؤيدة:
_ أنت صح يا حبيبي وأنا معاك. بس أستاذ ممدوح قال إن هو المفروض يبدأ في إجراءات أوراق سفرك علشان الصفقة. أنت جاهز؟
نظر لها بحب وأردف بغمزته المعهودة:
_ جاهز يا قلب سلطان. نوصل بس بالسلامة وهنعمل اللازم.
في المستشفى التخصصي الذي يتعالج بها أدم. يجلس يأخذ جرعته كعادته مؤخرًا ويفكر في عمره الذي مضى هباءًا دون عمل جيد. لقد أوصله والده إلى الهلاك. ماذا جنى من زرعته غير الوحدة والألم! تنهد ببعض الراحة. فهو قد أخبر سلطان بأمر والده. وبالتأكيد سينتبه وسيأخذ حذره.
في الشركة. انتشر خبر عودة سيلين وسط الموظفين وأيضًا انتشر خبر ذلك الشريك الجديد الذي سيخلص الشركة من الوضع المزرى الذي وصلت له. في مكتب نبيل يجلس أمام أحد اتباعه يردف بتساؤل:
_ يعني بردو معرفتوش أي معلومات عن الشريك ده! إزاي يعني هو سر ولا إيه؟
أردف الرجل بترقب:
_ يا نبيل بيه. سيلين هانم مشددة في الأمر ده. مافيش غير اتنين يعرفوا. وداد السكرتيرة وممدوح المحامي. ودول صعب تاخد منهم أي معلومة.
تنهد بضيق يردف بكره وفحيح:
_ هيكون مين يعني! أكيد واحد أعرفه. المهم إننا نتفق.
أردف الرجل بترقب:
_ طيب ولو طلع الشريك ده حد متعرفوش يا نبيل بيه. هنعمل إيه! وكمان الصفقة الأوروبية قربت وهي أكيد عندها خطة لصالح الشركة.
ابتسم نبيل بمكر وأردف:
_ كل ده لصالحي أنا. هي كلها مسألة وقت وأنا هعرف أكسر جناحها كويس.
تعجب الرجل وأردف متسائلاً:
_ إزاي يا نبيل بيه أنا مش فاهم قصدك.
أردف نبيل بحدة:
_ ومش لازم تفهم. روح على شغلك ولما توصل عرفني.
أومأ الرجل بطاعة وغادر بينما شرد نبيل يفكر ويردف بخبث:
_ تعالي معاها يا ابن ال***. تعالي علشان تشوف المفاجأة اللي أنا محضرهالك. قدرت توقعها وعرفتي تخليها تحبك. بس كده كويس أوي. علشان لما أطيرك تتكسر ومتقومش بعدها.
رفع هاتفه الخلوي وقام بالاتصال على نفس الشخص يردف بترقب:
_ الكلب اللي أنت هتخلص عليه هييجي الشركة النهاردة. خليك مستعد لتليفون مني. أنت جاهز؟
أردف الشخص الآخر:
_ كله تمام يا نبيل بيه.
بعد ساعات. وصلت سيارة سلطان أمام باب الشركة نزل منها سلطان يتطلع حوله بحذر واتجه إلى حبيبته يأمنها بجسده ويتمسك بكفها بحماية. دلفا الشركة سويًا برأس شامخة أمام أعين الجميع المتعجبة وبدأت التهانى بعودتهما سالمان من قبل الموظفين. وقفت سيلين في بهو الشركة تتمسك بيد زوجها بحب وفخر وأردفت بصوت مرتفع ليصل إلى مسامعهم:
_ ازيكم جميعًا. وحشتوني كلكوا. طبعًا كلكوا عارفين إني كنت في وعكة صحية شديدة أنا وسلطان. والحمد لله قدرنا نتخطاها بفضل ربنا ثم دعواتكم لينا. واحنا رجعنا وإن شاء الله عندنا خطة علشان نرجع الشركة تاني أقوى من الأول وده طبعًا هيتم بمساعدتكم ودعمكم لينا. بتمنى منكم الدعم زي قبل كده. ومش حابة إنكم تخزلوني.
سقف الجميع على حديثها مردفين ومتمنين التوفيق إلا هذا العم الذي ينظر من خلف نافذة مكتبه الداخلية بخبث ويبتسم لتهيئة نجاحه في فشل مخططها. صعدا سويًا عبر المصعد حيث غرفة الاجتماعات. وجدا وداد تقف تنتظرهما خارجًا وعندما رأت سيلين أسرعت إليها دون تردد تعانقها بحنو كذلك سيلين التي تبادلها بسعادة مردفة:
_ وحشتيني أوي يا ود. أخبارك إيه؟
ابتعدت وداد تنظر لوجهها براحة مردفة:
_ أنا كويسة جدًا. بس أنتِ أحليتي.
ابتسمت سيلين وتطلعت على سلطان الذي يغمزها بخبث وأردفت:
_ أكيد الحب بيحلي.
أومأت وداد مؤيدة تردف بفرحة:
_ جدًا على فكرة. إزيك يا أستاذ سلطان.
أومأ سلطان يردف باحترام:
_ الله يسلمك يا وداد. أعضاء الإدارة وصلوا؟
أومأت تردف بترقب:
_ كله وصل ما عدا أدم بيه ونبيل بيه في مكتبه.
أردف نبيل الذي أتى من خلفهم يبتسم بخبث ومكر:
_ أنا جيت أهو. حمد الله على سلامتك يابنت أخويا.
نظرت له سيلين بهدوء وأردفت:
_ الله يسلمك.
نظر نبيل إلى سلطان وأردف بمكر:
_ وأنت كمان يا سلطان حمد الله على سلامتك. إحنا بردو كان بينا معرفة في يوم من الأيام. إيه رأيك في بنت أخويا. طيبة أوي مش كده! بتسامح بسرعة.
وضع سلطان يد في جيبه والأخرى تتمسك بكف سيلين مردفًا بثبات:
_ ده حقيقي يا نبيل بيه. هي طيبة وبتسامح وذكية. قدرت تشوف القلوب كويس.
ابتسم نبيل ساخرًا ثم أردف متسائلاً:
_ اومال فين الشريك! اتأخر ليه من أول يوم؟
نظرت سيلين إلى سلطان بمغزى وأردفت بثبات:
_ متقلقش. على وصول. ندخل!
أومأ ودلف وتبعه وداد وخلفها سلطان وسيلين. كان بالداخل الأستاذ ممدوح المحامي ووليد والاستاذ منتصر المدير المالي وشمس وبدور اللتان تتطلعان إلى سلطان وسيلين بخبث وكره. جلس الجميع بينما بدأ ممدوح في الحديث فأوقفه نبيل متأففًا يردف بضيق:
_ هو فين الشريك ده؟
هنا ابتسم سلطان وتحدث بنظرة سوداء قوية كالأسد مردفًا بثبات وقوة:
_ إيه يا نبيل بيه مش باين عليا ولا إيه؟
ضيق نبيل عينيه بعدم فهم وتوقف عن دفع القلم الذي بيده وأردف مستفهماً:
_ يعني إيه؟
نظر سلطان إلى ممدوح فأردف ممدوح متحدثًا:
_ سلطان بيه هو الشريك الجديد.
توقف نبيل عن الحركة تمامًا لدقائق كأن المعلومة لم تصل إلى عقله بعد. ثم انفجر ضاحكًا بقوة يتابعه سلطان بتشفي وتتابعه سيلين بترقب بينما وليد وشمس وبدور يتابعون بتعجب وتساؤلات صامتة. ضرب بقبضته طاولة الاجتماعات بقوة بعدما توقف عن الضحك وأردف بحدة وكره:
_ شريك مين يا روح أمك. أنت صدقت نفسك ولا إيه؟
وقف سلطان منتفضًا لم يتحمل إهانة والدته أبدًا مردفًا بغضب وعروق بارزة وغليان انتاب أوردته:
_ جيب اسم أمي مرة كمان وهدفنك مكانك يا نبيل يا حلواني.
نظر له نبيل بقلق ولكنه ادعى الثبات مستكملًا:
_ إزززاي. أنت شريك إزززاي. هتشارك بإيه إن شاء الله. ولا هي قررت تتنازلك ومطبخينها سوا.
أردف ممدوح بهدوء وترقب:
_ يا نبيل بيه واضح إن حضرتك معندكش معلومات كافية عن سلطان بيه السوهاجي. من أكبر عائلات سوهاج وأغناها.
هنا جلس نبيل على مقعده بقوة من صدمته واتسعت عينه حينما أردف متعجبًا:
_ إيه؟ سلطان السوهاجي! اللي هو إزاي ده!
جلس سلطان يبتسم بخبث ويردف بثقة أمام الجميع:
_ زي الناس يا نبيل بيه. غرورك خلاك غبي. سألت عني وقالولك إني عايش في حارة وأبويا ميت وفقير واكتفيت بكده. اللي متعرفوش بقى إني أنا سلطان إبراهيم السوهاجي. ابن عيلة السوهاجي اللي أنت أكيد تسمع عنها. عرفت بقى أنا هدخل شريك بإيه ولا تحب أعرفك.
بدأ الرعب يدب أوصال نبيل ووضح ذلك في نظراته حينما تساءل:
_ يعني إيه؟ يعني واحد زيك هيكون شريك معانا هنا في شركة الحلواني؟ مستحيل.
ضحك سلطان بقوة واستفزاز أمام أعينهم وأردف مصححًا بتشفي:
_ لأااا يا نبيل باشا أنت غلطان. أنا هكون شريك سيلين الحلواني وبس. أنت بح.
اتسعت عين نبيل وفرغ فاهه كذلك ابنته وأولاد شقيقه الذين يتابعون بصمت تام. أردف نبيل برعب متسائلاً:
_ يعني إيه؟
رد سلطان وهو على نفس قوته وسيلين تطالعه بفخر وسعادة داخلية:
_ يعني أنا هشترى نصيبك. وأنت هتخرج برة الشركة خالص.
هنا ولم يتمالك نبيل نفسه فضحك بهستيرية لدقائق خافضًا رأسه لأسفل ثم انتهى يردف بتعجب متسائلاً:
_ ومين ده اللي ضحك عليك وقال لك إني ممكن اتنازل عن نصيبي! دانت تبقى بتحلم.
هز سلطان رأسه وأردف بثبات:
_ توء. حقيقي. لأن يا إما تتنازل عن نصيبك. يا امااااا.
أمال نبيل برأسه قليلاً وضيق عينيه متسائلاً برعب:
_ يا أما إيه؟
نظر له سلطان نظرة ذئب متربص ثم أخرج هاتفه وضغط عدة مرات ثم وضعه أمام الجميع وبدأ تشغيل هذا الصوت على مسمع ومرأى من الجميع. وما كان هذا إلا حديث نبيل في مكتبه منذ قليل مع الموظف وحديثه في هاتفه مع القناص. اتسعت عين نبيل والجميع وارتعبت نظرات سيلين التي تسمع لأول مرة وكذلك وداد التي ألجمتها الصدمة.
أردف نبيل بتلعثم وقد بدأ العرق يخفي ملامحه:
_ أنت بتتجسس عليا!
هز سلطان رأسه مردفًا بثبات:
_ مش ده السؤال الصح يا نبيل بيه. السؤال الصح أنت هتدفع كام! وعلشان أوضح لك أكتر مش أنت بس اللي بتعرف تشتري الناس بالفلوس. نفس الناس اللي أنت اشتريتهم علشان تعرف منهم أخبار سيلين باعوك ليا. يبقى أحسن لك تمضي ليا على تنازل وتخرج برة الشركة خالص. وتاخد الفلوس اللي هدفعها لك وتروح تشتري فيلا حلوة في الساحل تقضي فيها باقي أيامك وتنبسط بعيد عن هنا. بيتهيألي فكرة هايلة. تختار كده ولا ال...
قالها وهو يتحسس رقبته بكفه دليلًا على حبل المشنقة. هنا وعلم نبيل أنها النهاية. لقد تم حصاره من جميع الجهات. ليس أمامه سوى التنازل. وإلا سيخسر أكثر وأكثر. وقف ممدوح يمد له الأوراق المطلوب توقيعها عليها تحت نظرات الجميع الصادمة. هنا تحدثت ابنته شمس مردفة بحدة:
_ بابا أنت هتتنازل!
تناول نبيل القلم بيد مرتعشة ووقع على الأوراق بنفسٍ انكسرت بسبب طمعها وجشعها تحت نظرات ابنته الصادمة. انتهى من توقيع العقود ببطء وحسرة بعدها ناوله ممدوح شيكًا يحمل مبلغًا ما وقعَ عليه سلطان. نظر نبيل للشيك ومد يده ليلتقطه فأسرعت شمس تأخذه بقوة مردفة بحدة:
_ أوعى إيدك. ده حقي أنا.
نظر لابنته وأردف بفحيح:
_ هاتِ الشيك.
هزت رأسها بلا. فأغمض عينه وقام من مكانه متجهًا إليها ثم قام بصفعها بقوة وكأنه يخرج حسرته بها. ارتدت على أثرها تصرخ بألم ثم نظرت إليه بكره وأردفت بتعجب:
_ أنت بتضربني!
باغتها بأخرى وكاد أن يهجم عليها ولكن أوقفه سلطان يردف بحدة وصلابة:
_ خد بنتك واخرج كمل المسرحية بتاعتك دي برة. ويا ريت ملمحش وشك هنا تاني.
نظر له بكره ثم انتزع الشيك من يد ابنته حتى كاد أن يمزقه وغادر يتوعد بينما هي حملت حقيبتها وغادرت بوجه وشكل مشتت. بينما نظر سلطان إلى وليد وبدور وابتسم بخبث يردف بترقب:
_ ها. هتمضوا انتوا كمان ولا تحبوا نسمع حاجة تانية؟
وبالفعل أسرعا الاثنان يمضيان على تنازل له فلم يعد للاعتراض سبيلًا. وأعطاهم ممدوح شيكًا أيضًا يحمل مبلغًا مناسبًا لهما وغادرا بينما رفع سلطان هاتفه يهاتف الشخص الخاص بعمه منذ البداية يردف بترقب:
_ ها كله تمام؟
أردف الشخص بترقب:
_ تمام يا سلطان بيه. أنا بلغت بالتسجيل اللي أنت بعتهولي. وصدر أمر ضبط وإحضار وحاليًا الشرطة في طريقها للقبض عليه. متقلقش.
أغلق معه سلطان ونظر إلى سيلين التي تشرد بحزن فتناول كفها بين راحة يده وأردف باطمئنان:
_ متخافيش ومتفكريش طول ما أنا جنبك.
لفت نظرها إليه تطالعه بعيون لامعة ثم أومأت تبتسم وتتنهد براحة بينما أردف ممدوح بترقب:
_ سلطان بيه. اتفضل الأوراق اللي هتوقع عليها.
أعطاه الأوراق فمسك سلطان قلمه ونظر إليها بحب يغمز لها وأخيرًا خلصها من هذا العم الخبيث المدمر. خلصها منه ببراعة وذكاء ومن أفراد عائلتها الطامعين. وقع أوراق شراكته لها وها هو شريكًا لها في العمل والحياة والهواء والحب يتشاركان كل شيء سويًا وهذا ما تريده وترحب به.
أردف سلطان بترقب وهو يتطلع على ممدوح:
_ أستاذ ممدوح ياريت تشوف إجراءات السفر وتخلصها في أسرع وقت. لازم سيلين هانم تاخد الصفقة دي. ولازم الشركة تقف على رجليها تاني مش عايزين أي تهاون من هنا ورايح.
أومأ ممدوح ووقف يجمع أوراقه مردفًا:
_ اطمن يا سلطان بيه. أنا هسجل الأوراق وأتمم الإجراءات القانونية في أسرع وقت. عن إذنكم.
غادر هو ونظر سلطان إلى منتصر يردف بثبات:
_ طبعًا يا أستاذ منتصر أكيد أنت عرفت إننا متنازلين عن خدماتك. يعني أنت مرفود. اتفضل.
طأطأ رأسه وخرج مكتومًا كان يتمنى أن لا يظهر تورطه مع نبيل ولكن بدا أن الأمر كشف منذ زمن. أما وداد فكانت تنظر بإعجاب إلى سلطان مردفة بعدما غادر الجميع تسفق بيدها:
_ وااااو يا سلطان. بجد أرفع لك القبعة.
ابتسم سلطان واردف ممازحًا أمام أعين سيلين:
_ وأنتي كمان مرفودة.
اتسعت عين وداد واردفت بصدمة:
_ أنا! ليه أنا عملت إيه؟
ضحك سلطان وضحكت سيلين أيضًا واردفت:
_ وهو أنا أقدر أقعد في الشركة دي من غيرك يا ود.
ضيقت عينيها تطالعه بغضب بينما ابتسمت لسيلين مردفة بسعادة:
_ لو تعرفي أنا فرحانة ليكي قد إيه إنك أخيرًا خلصتي من الأهل العقارب دول. الحمد لله ربنا عادل. وبجد ربنا بعت لك سلطان في الوقت المناسب. أنتوا فعلًا محظوظين ببعض.
نظرت سيلين إلى سلطان تلتقط كفه وتقبل باطنه بحب تحت أنظار صديقتها التي تحمحمت تجمع أشياءها مردفة:
_ احم. طيب عن إذنكم أنا هروح المكتب.
غادرت هي وبقي الثنائي يتبادلان أطراف الحديث فتساءلت سيلين بترقب:
_ قولي بقى. عملت كده إزاي. أنت كنت بتسجل لعمي؟
عدل ياقته بشكل غروري وأردف:
_ وأنتي مفكرة إني كنت هسيبه كده. هو فكر نفسه ذكي واشترى موظفين لحسابه. بس أنا ومحمد والأستاذ ممدوح بصراحة كان بيساعدها ووصلنا للموظف اللي هو اشتراه ده. وبنفس الطريقة وأزيد شوية بقى يشتغل لصالحنا إحنا.
نظرت له بقلق واردفت بخوف:
_ سمعت! ده كان عايز يقتلك؟ ثم انتفضت تردف بزعر: سلطان هو كان بيتكلم عليك صح؟ بيقول لحد أنت جاهز!
هدأها مطمئنًا وهو يضع ذراعيه على كتفيها بحنو ويردف بهدوء:
_ اهدي يا حبيبتي. اهدي خالص كله تمام وتحت السيطرة.
نظرت له بترقب فأومأ لها مما جعلها تهدأ قليلًا لثقتها به مردفًا:
_ على فكرة أدم هو اللي ساعدني. وهو اللي قالي على خطة عمك.
تعجبت تتسائل بحماس:
_ أدم! إزاي وامتى؟
أردف بترقب:
_ من يومين. وأنا رايح لسهيلة المستشفى. كلمته أطمن عليه ولقيته بيبلغني باللي عرفه. ووقتها أنا كلمت عادل اللي تبع عمي محمود وهو عرف يساوم الموظف اللي نبيل مشغله لحسابه. وبقرشين زيادة اقتنع وباع لنا نبيل. وقدر يسجله ويسيب تليفونه جوه مكتب نبيل علشان نسمع باقي الحوار. وكل التسجيلات دي اتبعتت لي واحنا في الطريق بس أنتِ كنتي نايمة كالعادة.
نظرت له متعجبة ثم تحولت نظرتها إلى فخر واردفت:
_ دانا متجوزة ضابط مخابرات بقى وأنا معرفش.
ابتسم يرفع رأسه بشموخ مردفًا:
_ ولسة. دي أقل مميزاتي.
ضحكت عليه بخفة وحنو وبادلها مبتسمًا براحة. بينما في مكتب نبيل يقف يجمع أغراضه ويتوعد بغل وألفاظ بذيئة موجهة لسلطان بينما حمل أغراضه ونزل لأسفل عبر المصعد ومنه إلى الخارج. اتجه لسيارته وفتحها يلقي الأغراض بغضب ثم ركبها وأخرج هاتفه يهاتف نفس الشخص مردفًا بغل وحقد:
_ أنت فين.
أومأ عندما سمع الطرف الآخر مسترسلاً:
_ ماشي. هبعتلك صورته دلوقتي. أول ما ينزل من الشركة خلص. وع النظيف أنت فاهم.
أغلق معه ونظر للأمام يردف بفحيح:
_ هرجعلك يا شركة الحلواني. هرجعلك وهتبقى ملكي لوحدي.
رواية على القلب سلطان الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم آية العربي
ادار محرك سيارته وبدأ يقود ولكنه وجد سيارة شرطة تتوقف امامه فزعر وتوقف عن الحركة.
نزل فردان من رجال الشرطة يتقدمان منه ثم فتح احدهم باب سيارته مردفاً:
_ اتفضل معانا يا نبيل بيه.
هنا وعلم نبيل انها نهايته وبدأ حلقه يجف ورفع نظره للاعلى فرأى سلطان يقف فى نافذة مكتب سيلين وهى تجاوره يشير له مودعاً بكف يده بطريقة شامتة.
نظر له نبيل بكره ثم تقدم مجبوراً بصمت مع افراد الشرطة.
بينما على الجهة البعيدة يقف القناص متخفياً يتابع ما يحدث بعيون متعجبة قلقة وقد قرر التراجع عن خطته فوراً.
جمع اشياؤه وخطى ليغادر ولكنه تفاجأ بشخصين يعترضان طريقه يردف احدهم بقوة وعيون سوداء:
_ على فين!
ابتسم الشخص الآخر بتهكم واردف يرد عليه:
_ تقريباً كان ناوى يهرب... ولا ايه؟
قالها بمكر امام وجه ذلك الرجل الذى علم ان مصيره مع نبيل فى نفس المكان.
كان الشخصان هما محمد الحارس وعادل ذلك الرجل الذى يعمل لحساب سلطان وعمه.
اما عند سلطان فتنهد بارتياح ونظر الى سيلين التى تقف بجواره ثم امسك كفها واتجه يجلس على المقعد الجلدى الموجود فى ركن مكتبها ويجلسها بجواره وهو متمسك بكفيها الصغيرة بين راحتيه يردف بحب وسعادة:
_ خلاص ياعمرى... مبقاش فيه داعى تخافي او تقلقي.... عمك هياخد جزاؤه ومش هيخرج من السجن نهائي... وشركتك هترجع قوية تانى فى اقرب وقت... واولاد عمك كلهم محدش منهم هيقدر يقربلك بعد كدة... يعنى خلاص زمن الخوف والتظاهر بالقوة انتهى.
نظرت له بعمق... بادلت هى بمسك يده بقوة وتردف بصدق ومحبة:
_ هو اصلا انا بطلت الخوف والقلق من زمان اوى يا سلطان... من وقت ما انت دخلت حياتى معرفتش معنى الخوف تانى غير وقت ما حسيت انى ممكن افقدك... غير كدة لاء... شطبت كل كلمة سلبية من قاموسي... مبقاش لاى حاجة سيئة فى حياتى وجود.
انشرح فؤاده من حديثها واردف مشاكساً:
_ لاء الكلام الحلو ده عايز مكان تانى... احنا نخلص شغل ونروح... بس بسرعة ماشي؟
اومات بسعادة مبتسمة وبالفعل وقفت هى بناءاً على دعمه تتجه لمكتبها وتباشر عملها التى اعتادت عليه بينما هو جلس يرتشف فنجان القوة الذى اتى به الساعى منذ قليل وينظر لها غامزاً بين فترة واخرى يجعلها تهز رأسها مبتسمة بقلة حيلة فيبدو انها لن تندمج فى العمل بحضوره.
بعد ساعات قليلة اتجه الثنائي الى القصر.
دلفا سوياً تحت انظار الحراسة حتى وصل سلطان بسيارته الى الباب الداخلى.
نزل سلطان وتبعته سيلين واتجها معاً حيث فتحت لهما علية الباب وتهافتت عليهما بالسلامات والترحيب.
عانقتها سيلين بسعادة وكذلك فعلت هى مردفة بعيون لامعة:
_ وحشتيني اوى يا سيلين... كدة تغيبي عنى الفترة دى كلها!
ابتعدت سيلين تطالعها بحنو مردفة بأسف:
_ حقك عليا يا دادا... بس اكيد انتى عرفتى بموضوع الكورونا.
اومات عليا بحزن واردفت:
_ ايوة عرفت وقلبي وجعنى اوى عليكي وبقيت اصلي وادعيلك... بس لما وداد قالت ان سلطان معاكى اطمنت... وكنت بدعيلكوا تخرجوا بالسلامة انتوا الاتنين... تعالوا يالا نورتوا الدنيا.
دلفا سوياً وجلسا فى بهو القصر واردفت علية بحماس:
_ هروح انا بقى اجهزلك الغدا... دانا عملالكم كل الاكل اللى بتحبوه.
ابتسم سلطان واردف مؤيدا:
_ ايوة كدة يا دادا شجعينا.
اومات علية واتجهت مسرعة تحضر الطعام.
بينما سلطان لف نظره الى سيلين واردف متسائلاً بمشاكسة وهو يقرب وجه منها:
_ هى دادا علية اكلها حلو!
ابتسمت تومئ مردفة بدلال وهى تقترب منه ايضا:
_ جداا... هتدوق بنفسك.
اومأ مؤيداً فسترسلت هى بترقب:
_ سلطان هو احنا هنروح الحارة امتى!
نظر لها بعمق يتفحص ملامحها ثم اردف بهدوء:
_ حبيبتى لو مش حابة تيجي معايا مش هجبرك طبعاً... لو حاسة ان المشوار ده هيزعجك بلاش منه... انا بس لانى وعدت جدى ونفسي هروح ابرأها قدام اهل الحارة وارجع علطول.
تمسكت بيده بحب وحنو واردفت بتصميم:
_ لاء طبعا هاجى معاك... اسيبك تروح هناك لوحدك ازاي؟
ضحك عليها مردفاً بتعجب:
_ ايه يا ليني هتخطف ولا ايه... عيب يا جدع ده انتى مرات سلطان السوهاجى.
تطلعت عليه بعشق واردفت بهيام:
_ احسن راجل فى الدنيا... انا بس اخاف تكون لوحدك قدام عينيها... انا شوفت عينيها لما جت الصعيد وشوفت ازاي بتبص عليك... ومش هي بس... كمان عيون الموظفات فى الشركة... وعيون بنات كتير لاحظتها... علشان كدة هاجى معاك ومش هسيبها تبص عليك ابداا.
تطلع عليها بتعجب واعجاب واضح واردف بتيه:
_ دانت بتغير بقى يا بطل.
هزت رأسها تردف بنفى ونعومة وهى قرب عيناه:
_ لااا... مش بغير... انا بعشق.
برغم قوة بنيانه وصلابته الا ان عروقه اختفت وجليد قوته ذاب من كلماتها... سرت السعادة فى اوردته واردف بصدق:
_ وانا عيونى مش بتشوف انثى غيرك... ولا صميم قلبي يقدر يساعى حد تانى الا انتى.... انا عشت ٣٠ سنة ادور ع الامان والحب والاحتواء ولقتهم فى حضنك... ٣٠ سنة وانا طفل كبير تايه بين الممكن والمفروض والاصول واهتديت لما شوفتك يا سيلين... عرفت الاصول ونفذت المفروض وحققت الممكن بوجودك.... ٣٠ سنة وانا محتار بين قلبي وعقلي ولما لقيتك اجتمعوا قلبي وعقلي عليكي... كل اللى امى زرعته فيا سواء صح او شهامة او اصول كبروا واتحركوا جوايا لما عرفت طريقك... انا فعلا من غيرك كنت تايه... انتى فعلا كنتى بداية حظى... اكيد ربنا راضي عنى لان ملاك زيك بقت على اسمى وملكى... علشان كدة اطمنى عنيا مستحيل تلمح طيف حد غيرك.
سبقتها الدموع على خديها وارتعشت يداها بين يده ولم تجد كلمات مناسبة فوجدت ان الرد عناق قوى منها تبث به حبها وعشقها لهذا الرجل وياليت كل الرجال مثله ولكن من حسن حظها انه ملكها... اما هو فبادلها العناق بقوة حانية يلف ذراعيه حول ظهرها بحنو ويستنشق عبيرها متنهداً راحة وسعادة لا يعرف طريقهما الا فى هذا المكان.
اخرجهما من لحظتهما تلك مجئ علية التى تحمحمت وهى تحمل الاطباق مردفة:
_ احم... الاكل جه يا اولاد.
ابتعد سلطان قليلا ولكن ذراعه مازال يحتفظ بحبيته وتطلع على علية بثبات مردفاً:
_ تمام يا دادا تسلم ايدك.
نظر لسيلين التى تخفى انظارها عن علية بحرج واردف مشاكساً:
_ يالا يا غالي الاكل وصل.
اومأت ووقفا يتجها معاً الى غرفة الطعام التى وضعت علية بها الاطباق وجلسا على مقعدين متلاصقين يتناولان الطعام بشهية وسلطان يطعمها بحب وحنو.
بعد حوالي ساعة يتمدد سلطان على فراش سيلين الوثير براحة وسيلين تنام على ذراعه متكورة عليه تدفء نفسها من دفئ جسده الحنون يستعدان للنوم بعدما اغتسلا وابدلا ثيابهما وادّا فرضهما سوياً.
اردف سلطان بصوت حنون مستمتعاً:
_ السرير ده مريح اوى... هى دي مراتب فايبر؟
اومأت سيلين بصمت فنظر لها وجدها تغمض عيناها فسترسل:
_ انتى نمتى!
اردفت بصوت ناعس:
_ هنام اهو.
اردف مشاكساً بتعجب ماكر:
_ اللا طب والمرتبة؟
ابتسمت وعيناها مغمضة تردف بتهديد كاذب:
_ متفكرش حتى يا سلطان... انا هموت وانام النهاردة كان متعب اوى بعد سفر ونهار كله شغل.
اردف متذمراً كالاطفال:
_ طب مانا زيك بس مش عايز انام.
تنهدت تفتح عيناها بتثاقل وتطالعه مردفة بترقب:
_ طيب هنعمل ايه؟
تطلع على ملامحها بعشق ثم رق قلبه لهيأتها فمال يقبل جبينها بحب ويردف بحنو ابوى:
_ خلاص نامى يا حبيبتى... نامى والصبح نجرب المراتب.
ابتسمت تهز رأسها بقلة حيلة منه ودثرت رأسها فى عنقه وسمحت لعيناها ان تغلق وذهبت فى ثبات عميق.
اما هو فتنهد مستسلماً لامرها... يعلم انها متعبة تريد النوم ولكن حقاً منذ تلك اللحظة التى تغمض عيناها وتنام يشعر بالوحدة وما يطمأنه قليلاً هو انها بين يده.
ظلّ شارداً يفكر فى عدة اشياء وبعد وقت استسلم سلطانه ايضاً للنوم فدثر نفسه يلتف حولها بحنو وينام مستمتعاً بنعومتها ورائحتها.
فى قسم الشرطة.
تلقى احدهم اتصالاً هاتفيا من مجهول يردف بصوت مكتوم:
_ الو... انا عايزة اقدم بلاغ عن جريمة قتل سمير الحلوانى وزوجته... اللى ظهرت على انها حادثة... دى جريمة قتل والمدبر هو نبيل الحلوانى واخوه.... وتقدروا تتأكدوا من فحص العربية.
اغلقت الخط سريعا وقامت باخراج شريحة المكالمات من الهاتف ثم قامت باتلافها ثم تناولت ذلك الشيك الذى اخدته من حقيبة والدها التى كانت فى سيارته بعدما تم القبض عليه.
تنهدت تنظر للشيك بطمع مردفة:
_ معلش بقى يا بابا... مسبتليش ذكرى حلوة افتكرهالك... خليك انت بقى جوة وانا برة استمتع بالمبلغ ده.
وقد عزمت امرها على ان تسافر احدى الدول الاوروبية تكمل حياتها هناك.
صباحاً فى قنا.
تصرخ دليلة بألم مردفة وقد تجمع حولها محروس واحدى بناتها:
_ يا مررررى... رجلى اتكسرررت... الحجووونى.
دنى منها محروس يحاول فحصها فصرخت به تبعده مردفة:
_ لاااا ملتمسهاش وااصل... هاتولي دكتور بسرعة.
اردف محرةس يحدث شقيقته:
_ اطلبلها الاسعاف ولا اعمل ايه؟
هزت شقيقته كتفيها واردفت:
_ معرفاش يا خوي... اتصرف.
اخرج هاتفه وطلب سيارة اسعاف بالفعل وظلا فى انتظارها الى ان اتت بعد ساعة قضتها دليلة فى ألم ومعاناه بسبب انزلاق قدماها من اعلى الدرج حتى اسفله.
دلف المسعفون وحملوها بالطريقة الصحيحة ووضعوها فى السيارة وذهب معها محروس وشقيقته الى المشفي لمعاينتها على الفور.
بعد ساعة تم تجبير قدماها التى كُسرت بشكل مضاعف ونصحه الطبيب بعدم تحريكها تماماً لمدة شهرين وعليه مراعاتها وهى فى الفراش.
حملها محروس الى سيارته وتبعته شقيقته عائدان بها الى المنزل وقاما بحملها ايضاً من السيارة الى الداخل.
وضعها على فراشها يأخذ انفاسه بصعوبة نظراً لوزنها الزائد.
تطلع على شقيقته التى تقف متشابكة الايدى واردف بلغة آمرة:
_ اعمليلها حاجة تاكولها يا صابحة.
اومأت بضيق وخرجت تحضر الطعام لامها.
بينما هو تناول هاتفه وطلب رقم شقيقته الآخرى يردف:
_ ايوة يا عزة... امك وجعت اتكسرت واخدناها جبسناها فى المستشفى... تعالى شوفيها.
اغلق معها والتفت يتطلع الى امه التى تتألم واردف:
_ متخافيش ياما هتبجى زينة.
اردفت دليلة بصراخ ووجع:
_ ااااه عظمى كله واجعنى يا ولدى... تعالى اعدلنى.
اتجه اليها يسند ظهرها على احدى الوسائد مردفاً بتساؤل:
_ حلو إكدة؟
اومأت بضيق وصمت بينما تأن الماً بسبب آلام عظامها التى بدأت تتصاعد.
بعد نصف ساعة جاءت شقيقته الآخرى تردف بتساؤل وترقب وهى تقترب من امها:
_ مالك ياما سلامتك.
تنهدت دليلة بألم واردفت:
_ رجلي يابتى هتموتني... اااااه وعضمى كله واجعنى.
هدأتها عزة وجلست بجوارها تنظر لشقيقها بضيق.
بينما اتت صالحة من المطبخ تحمل صنية ووضعتها امام والدتها تردف بانفاس لاهثة:
_ كلي ياما يالا علشان تاخدى العلاج.
حاولت دليلة الاستناد لتأكل ولم تستطع فاتجه اليها محروس يجلس بجوارها يطعمها هو ويتنهد بعمق.
بينما اردفت صالحة:
_ معلش يامحروس... انت خابر انى حبلة ومش هقدر اشيل امى... انى هروح كمان شوية وابجى كل يوم اجى اطل عليها.
نظر لشقيقته بتعجب وكذلك دليلة التى اردفت بحدة:
_ وه يابت بطنى!... هتسبيني وانى اكدة؟
اردفت صالحة مدافعة:
_ وانى هعمل ايه يعنى ياما... انتى خابرة انى تعبانة ومش هقدر.... ولا يعنى انتى هتفرحى لما اللى في بطنى يتأذى؟
اردف محروس بحدة:
_ بزيادة عاد يا صالحة... روحى دارك ومالوش لزوم تيجي... انى هشيل امى.
اردفت عزة متسائلة بترقب:
_ وهتقدر تراعيها لحالك يا خوي؟
نظر لشقيقته بعضب واردف بتصميم:
_ ملكيش صالح... مش انتى كمان مش هتعرفي تراعيها!
نكست رأسها ارضاً بخجل فأومأ محروس ونظر لامه التى نظرت لبناتها بصدمة واردفت بدموع ونحيب:
_ ياغلبك يا دليلة ياغلبك... يا حوجتك المرة يانى.
بعد دقائق رن هاتف محروس برقم ابنته فابتعد للخارج امام انظارهن يردف بحنو:
_ الو!... كيفك يا حبيبتى؟
اردفت طفلته بتساؤل:
_ اني زينة يابا... انت كويس؟... انا جولت اسأل عليك... رنيت عليك من شوية وانت مردتش!
اردف محروس بهدوء:
_ كويس يا حبيبتى... بس ستك وجعت من ع السلم واتكسرت النهاردة وتعبانة... وانتى رنيتي ومعرفتش ارد عليكي.
اردفت الطفلة بقلق وتساؤل:
_ ستى!.... وهى زينة يا بابا؟
اومأ محروس واردف بهدوء وقلبٍ نادم:
_ زينة ياحبيبتى... زينة...سلمى على اخوكى... وهكلمك تانى.
اغلق معها وعاد لغرفة والدته يكمل اطعامها فوجد شقيقته عزة تطعمها... دلف يحضر ادويتها ليعطيها لها بعد تناول الطعام.
بينما على الجهة الاخرى اغلقت ابنته واتجهت حيث سهيلة تردف بترقب:
_ ماما... اني كلمت بابا وهو جال اني ستي وجعت من ع السلم اتكسرت وتعبانة.
ضيقت سهيلة عيناها واردفت بتعجب:
_ وه دليلة!... وجعت كيف؟... ياخبر.
تركت ما تفعله واتجهت الى جدها توفيق الذى يجلس كعادته فى مندرة المنزل تردف بترقب:
_ جدى... حماتى وجعت اتكسرت يا جدى.
اردف توفيق برتابة:
_ لا حول ولا قوة الا بالله... خير يابتى... ربنا يشفيها.
جاءت منيرة من الداخل تحمل الشاي لتوفيق وتقدمه باحترام متسائلة بترقب:
_ مالك يا سهيلة؟
اردفت سهيلة بترقب:
_ حماتى يا خالة وجعت اتكسرت.
اردفت منيرة بتعجب:
_ طيب يا بنتى وانتى هتعمليلها ايه!... ربنا يشفيها.
اردفت سهيلة بقلق:
_ ايوة بس لا صالحة ولا عزة هيراعوها... اني خبراهم زين.
نظر توفيق لحفيدته بترقب يردف:
_ يبجى ابنها يخدمها يابتى... ده واجب عليه.
تنهدت سهيلة واردفت بقلب منفطر:
_ ايوة يا جدى معاك حج... بس هيسيب مصالحه ويراعي امه!... طب وهيصرفوا منين؟
نظرت منيرة الى سهيلة بحنو واردفت:
_ يا حبيبتى يا بنتى... انتى بنت اصول بصحيح.
اردف توفيق مؤيداً بفخر:
_ اومال مش بنت السوهاجى... جولي يا سهيلة بتفكرى في ايه؟
تنهدت سهيلة بحيرة واردفت:
_ مانيش خابرة عاد يا جدى... بس اللى اعرفه انها هتحتاج رعاية... اني بجول اروح مع عمى محمود نزورها ونعاود... ولا انت رأيك ايه؟
تنهد توفيق بفكر ثم اردف بهدوء:
_ مالوش لزوم يابتى... اني اللى هاجى معاكى.
اومأت سهيلة براحة واردفت:
_ تمام يا جدى... اني هجهز العيال واجهز طوالي.
اومأ توفيق برتابة واردفت منيرة بحنو:
_ قلبك ابيض يا حبيبتى... زى الحاج ابراهيم الله يرحمه... كان طيب وبيسامح اى حد.
اومأ توفيق بحزن وألم:
_ الله يرحمك يا حبيب جلبي... الله يرحمك يا غالي.
فى الجناح الخاص بسيلين استيقظت هى مبكراً تتطلع لذلك النائم بفوضوية وتبتسم عليه.
تحبه وتعشق جميع حالاته... اقتربت من وجهه واردفت بنعومة:
_ سلطاني.
ولكنه مازال نائماً فقررت اللعب على اوتار مشاعره فهمست بالقرب من اذنه برقة وانوثة:
_ اصحى علشان نجرب المراتب.
ولكنه خالف توقعاتها ولم يرد ايضاً فتنهدت بتذمر وقررت ان تتركه يكمل نومه واستعدت لتغادر الفراش ولكنها وجدت يد قوية تكبلها وتقيد حركتها فصرخت وانقلب السحر على الساحر فأصبحت هى فى موضع الفريسة وهو الصياد حينما اردف بغمزته وهو يطالعها:
_ على فين؟
ضحكت عليه واردفت بعتاب وهي محاصرة بجسده:
_ يعنى كنت صاحى وانا بنادى عليك؟
هز رأسه يردف:
_ لاء كنت نايم... بس انتى عرفتي تصحيني... بقيتي شقية على فكرة.
غمزت له واردفت مشاكسة:
_ بتعلم منك.
اومأ يردف:
_ احلى علام.
ثم مال علي شفتيها يقبلها بنعومة وتمهل قبلة صباحية خدرتها فلم تعد تعى هل هذا صباح ام مساء بينما هو تعمق وتاها معاً فى عالم لذيذ مشاغب خاص بهما.
بعد حوالي ساعتين.
وصلت سيارة سلطان وسيلين الى الحارة.
صفها سلطان وتتطلع الى حبيبته بترقب فوجدها تومئ له دليل على استعدادها.
تنهد وترجل من السيارة واتجه اليها يفتح بابها ويمد يده يلتقط يداها.
ترجلت هى ايضا واغلق هو السيارة ثم خطا معاً حتى وصلا امام بيت نعمان.
تجمع بعض الاشخاص يتطلعان عليه بتعجب عندما عرفوا هويته...
بينما هو نظر للجميع وضغط على كف حبيبته ثم رفع رأسه ينادى بصوت عالي نسبياً:
_ يا حاج نعمااااان.
وصل الصوت الى مسامع نعمان وابنته فأسرعا الى شرفة البيت يقفان بها كذلك اتت حكمت على الصوت ووقفت بينما تجمع بعض المارة فى الاسفل بترقب وبعض النساء ايضا التى اردفت احداهما:
_ ازيك يا سلطان... عامل ايه يابنى.
نظر لها سلطان باحترام واومأ مردفاً:
_ الله يسلمك يا خالتى... انتى عاملة ايه؟
اومات بحنو مردفة وهى تتطلع على سيلين:
_ حلوة يا حبيبي... الهانم الجميلة دى مين يا سلطان؟
نظر سلطان الى سيلين ثم رفع نظره الى نعمان وابنته اللذان يتطلعان عليه بغضب واردف بثبات وقوة:
_ دى مراتى... سيلين هانم الحلوانى... اللى اتجوزتها وانا خاطب لمياء بنت حتتي... انا آسف يا لمياء... انا اتصرفت بأنانية واختارت الغنية وفضلتها عنك... مع انى مشوفتش منك غير كل خير... خطبتك سنتين كنتى ست البنات... الغلط عندى انا يا حاج نعمان... انا اللى قلبي اختار واحدة تانية... وبصراحة لمياء كانت اختيار امى ليا... وانتوا كلكوا عارفين ان ام سلطان غالية عندو اوى... بس هعمل ايه بقى.
تطلع على عيون سيلين وتابع بحب:
_ القلب وما يريد.
ثم نظر للجميع واردف:
_ علشان كدة انا جاي اقول ان لمياء اختى وبنت حارتى زى الجنيه الذهب... الغلط عندى وكان لازم ارده.
اردف احدهم بتعقل مؤيداً:
_ عداك العيب يابنى... ولمياء بنت حتتنا وعارفينها كويس وعارفينك انت كمان... ربنا يسعدك انت ومراتك اللى اختارها قلبك... والسلام امانة للحاجة منيرة.
اومأ سلطان باحترام يردف:
_ الله يسلمك يا حاج سعيد.
نظر لزوجته التى تتابع بفخر واردف:
_ يالا!
اومات له واتجها للسيارة بعدما اتما مهمتهما متجهان الى الشركة لقضاء يوم عمل جديد.
اما تلك القابعة فى الاعلى هى ووالدها نظرا لبعضهما واومئا بغيظ وحقد بين اردف نعمان بتهكم وغضب:
_ شوفتى ياختى اللى كنتى بتحبيه!... يالا علشان تنزلي مش كنتى بتتحجيلي فى الناس... اهو مبقالكيش حجة... خدى اخوكى وانزلوا افتحوا المحل.
نظرت لوالدها بغضب وتأفأفت واندفعت للداخل ومنه الى غرفتها.
فى قنا.
وصلت سيارة الحاج توفيق امام منزل محروس.
نزل منها وتبعته حفيدته سهيلة واطفالها حتى وصلوا الى باب المنزل.
طرقه توفيق بثبات وانتظر قليلاً حتى فتح الباب وظهر محروس يتطلع عليهما بتعجب مردفاً:
_ جدي!... سهيلة!
اسرعا اطفاله اليه يحتضناه بحنو فبادلهما يردف باشتياق:
_ وحشتونى جوي يا حبايبي.
اردف توفيق بثبات وهيبة:
_ كيفك يا ولدي... وكيف والدتك؟
كاد ان يتحدث فعلى صراخ دليلة من الداخل تردف بقوة:
_ محروووس... روحت وين يا ولدى تعالي اعدلنى... جسمي كله مكسر.
اردف قبل ان يسرع اليها:
_ اتفضلوا... اتفضل يا جدى.
دلف توفيق ودلفت سهيلة خلفه وسبقهما الاطفال ومحروس الذى اردف:
_ جاي ياما جاااي.
اتجهوا جميعاً حيث غرفة دليلة ودلف محروس اولاً يقدم اطفاله من امه التى نظرت لهما بصدمة وكادت ات تتحدث ولكن قاطع حديثها دخول توفيق بهيبته يردف بثبات:
_ حمدالله على سلامتك يا ست ام محروس.
اردفت بتهكم وهى تتطلع للتى خلفه:
_ الله يسلمك يا حاج توفيق... اتفضل.
جلس توفيق على مقعد جانبي واردفت سهيلة بهدوء وترقب:
_ حمد الله على سلامتك يا مرت عمى.
نظرت دليلة لابنها بغضب واردفت بتهكم:
_ الله يسلمك.
اما محروس فحن لرؤيتها امامه واردف:
_ الله يسلمك يا سهيلة.
صرخت به دليلة واردفت:
_ تعالى ياخويا اعدل ظهرى.
اتجه اليها يرفعها قليلاً ويضع خلف ظهرها وسادة آخرى.
بينما اردف سهيلة بترقب:
_ أساعدك فى حاجة؟
هز رأسه شاكراً يردف بحنو:
_ لا لا ارتاحى.
اردف توفيق بتساؤل ذات مغزى:
_ اخواتك البنات زينهم يا ولدى!
تنهد محروس ونظر لامه التى اردفت بحزن:
_ مشوا وسابونى يا حاج توفيج... عرفوا انى رجتّ فى الفرشة مشوا وخافوا يراعونى... شوفت يا حاج توفيق... ادى الخلفة اللى انت يتجطع من لحمك وتوكلهم.
تنهد توفيق واردف بتعقل:
_ الزرعة الصالحة بتتطرح خير يا حاجة دليلة... والبركة فى محروس... زرعته صالحة.
اومأت بصمت بينما تألمت واردفت ببكاء:
_ ااااه... ظهرى كيف المشلول... الوجعة كانت قوية جوى عليا.
وقفت سهيلة التى لم تحتمل واردفت قبل ان تغادر الى المطبخ:
_ متحلجيش يا مرات عمى... هسخنلك شوية زيت زيتون ادعكلك بيهم ظهرك وهيبحى زين.
غادرت الى المطبخ بينما تطلعت دليلة على آثرها بتعجب كذلك محروس الذى لم يدرك ما تفعله بعد... اتركه شقيقاته وجاءت هى اليه لتطمئن على امه بعد كل ما فعلوه بها!
بينما توفيق وقف واردف بوقار:
_ اني هجعد برة يا محروس... عن اذنك يا حاجة وسلامتك.
اردفت دليلة باحترام:
_ اتفضل يا حاج.
خرج توفيق وتبعه محروس الى الصالة وجلس بوقار تبعه محروس يردف بامتنان:
_ كتر خيرك يا جدى... تعبت نفسك وجيت.
اومأ توفيق يردف بثبات:
_ مافيش تعبت يا ولدى... احنا اهل وبينا اطفال... وحفيدتى اول ما عرفت صممت تيجي تطمن على والدتك.
اعدت سهيلة الزيت الفاتر واتجهت الى غرفة دليلة... دلفت تناظرها بترقب وتتجه لعندها ثم وضعت الزيت على الكومود واردفت:
_ ارفعى نفسك شوية يا مرات عمى علشان ادهنلك ظهرك... هتعرفي ولا اساعدك؟
نظرت لها دليلة بتعجب واردفت بتساؤل:
_ انتى جاية تشمتى فيا صوح!
اتسعت عين سهيلة وتطلعت عليها بصدمة ثم اردفت بحكمة:
_ حاشا لله يا مرت عمى... اشمت فيه ايه بس!... بين المبتلي والشامت رحمة ربنا... دى وجعة وممكن تحصل مع اي حد واي سن... اني بس اللى افتكرت العيش والملح اللي بينا واللى جبرني اجي واطمن عليكي... بس لو انتى حساها شماتة فأنى همشي علطول.
كادت ان تغادر فأمسكتها دليلة من معصمها تردف بهدوء:
_ استنى... ادهنيلي ظهرى.
تطلعت عليها سهيلة بشك فأومأت دليلة تميل بجسدها قليلاً سامحة لسهيلة ان ترفع عنها ملابسها حتى يتثنى لها وضع الزيت الفاتر على ظهر دليلة.
مر شهر على الاحداث وتم تجهيز اوراق السفر الخاصة بسلطان وسيلين الى فرنسا لتوقيع عقد الصفقة التى سترفع من مستوى شركة الحلوانى الى عنان السماء.
فهى صفقة فريدة من نوعها فى محال الاغذية والمعلبات خصوصا فى تلك الفترة الصعبة الذى يمر بها العالم.
تحصنا سلطان وسيلين جيداً وها هما فى طريقهما الى المطار وقد استأجرا طائرة خاصة للحفاظ على سلامتهما.
صعدا سوياً الى الطائرة وبعد دقائق اقلعت بهما متجهة الى العاصمة باريس.
بعد ساعات طويلة هبطت الطائرة الخاصة بالثنائي فى مطار العاصمة باريس.
نزلا منها سويا وجدا رجلان فى انتظارهما احدهما يتحدث اللغة العربية والآخر لا.
اردف الرجل الاول:
_ اهلا سيد سلطان وسيدة سيلين... نورتما باريس... تفضلا معى.
اومأ سلطان ووضع يده على ظهر سيلين يقدمها بحماية وحنو واتجها الى تلك السيارة التى تصطف.
ركبت سيلين فى الخلف وبجوارها سلطان وركبا الرجلان وتحركت السيارة مباشرةً الى الشركة.
نظرت سيلين الى سلطان تبتسم وهى ترتدى نظارتها التى تخفي عيناها عنه كذلك هو الذى أومأ لها وغمز من تحت نظارته فالتفت تطلع على الشوارع عبر النافذة بينما هو يتطلع اليها هى.
وصلت السيارة امام باب الشركة وترجل منها الجميع.
تمسكت سيلين بكف سلطان وصعدا سوياً خلف الرجلان.
وصل المصعد بهما الى الردهة واثناء مرور سلطان منها لاحظ شيئاً جعل الدم يفور فى عروقه حتى انه شدد بقوة على يد سيلين دون ان يشعر.
بدأ يمشى بتيه وكأنه فى عالم آخر وعينه لم تنسى ما رأته منذ قليل حتى وصل الى صالة الاجتماعات وسيلين تطالعه بتعجب وتحاول افلات يدها التى تألمت مردفة بترقب وعيون ضيقة:
_ سلطان!... فيه حاجة؟
تطلع عليها بشرود ثم افاق على حديث الرجل الاول حينما اردف:
_ تفضل سيد سلطان... تفضلي سيدتى.
دلف سلطان بقدم ثقيلة وسيلين تتبعه بتعجب من ملامحه التى تحولت تماماً بينما جلس بعقلٍ يدور حتى انه لم يلاحظ يد الرجل التى مدت اليه لتبادله السلام.
تسائل الرجل المتحدث العربية بقلق:
_ سيد سلطان!... هل هناك شئ.
رواية على القلب سلطان الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم آية العربي
تعجب الجميع من أمره، وسيلين أيضًا التي بدأ ينتابها القلق. مالت عليه تتساءل بصوت هادئ:
"سلطان، فيه إيه؟"
انتفض يقف كمن صُعق، وأردف وهو يتناول يدها:
"يالا قومي، هنمشي... مافيش صفقة."
تعجبت، وفرغ فمها وحاولت الفهم، مردفة بتساؤل:
"طب فهمني، إيه اللي حصل؟"
أردف الرجل المتحدث بالعربية يحاول فهم الأمر بترقب:
"سيد سلطان، هل هناك خطب ما؟ لما تريد المغادرة؟"
نظر له سلطان باشمئزاز، وأردف بقوة وغضب:
"مافيش صفقة هتم بينا... قول للجماعة دول إننا مستحيل نتفق."
نظر الرجل إلى رؤساء عمله الذين يتابعون بترقب، بينما لف نظره إلى سيلين يردف بتمهل وأسلوب خبيث:
"سيدة سيلين، أرجو..."
قاطعه صارخًا بغضب، يردف:
"اتكلم معايا أنا... ملكش دعوة بالسيدة سيلين."
نظر لسيلين وأردف بحدة:
"يالا، هنرجع مصر حالا."
اعترض طريقه أحدهم يحاول منعه، فباغته سلطان بلكمة قوية جعلت فمه ينزف، وأردف بنبرة تهديدية:
"محدش يحاول يمنعني... أنا هاخد مراتي وأمشي من المكان القذر ده."
أردف الرجل بنبرة تهديدية بناءً على إشارات رؤسائه:
"سيد سلطان... عليك أن تعلم أنه في حالة إلغائك للصفقة ستخسر الكثير وسيسقط اسم شركتكم، كما أن هناك شرط جزائي كبير... هل تعلم ذلك؟"
نظرت سيلين إلى سلطان نظرة رجاء تريد منه أن يطلعها على أسبابه. أحس بها، فنظر للرجل يردف بترقب:
"اللافتة اللي برة دي معناها إيه؟"
توتر الرجل وأردف بمكر:
"أي لافتة سيد سلطان؟ لا أفهم مقصدك!"
ضحك سلطان ساخرًا بتهكم، وأردف بعيون قوية محقة:
"اللافتة اللي فيها ألوان الطيف... معناها إيه، لامؤاخذة؟"
أردف الرجل ببرود بعدما تأكدت ظنونه:
"لا أعلم ما أمرك سيد سلطان... وهل في ذلك أمر يزعجك؟"
هنا وفهمت سيلين الأمر، فأردفت بصدمة متسائلة بالفرنسية:
"هل أنتم مؤيدون للـ LGBTQ؟"
ضحك الرجل ساخرًا يردف:
"بالطبع، سنؤيد الحرية. نحن دولة أوروبية متفتحة ليست كدول الشرق الأوسط."
أومأت سيلين ونظرت إلى سلطان نظرة فخر واحترام، مردفة تؤيده وهي ممسكة بيده وتقف:
"كان معاك حق يا سلطان... يالا نمشي."
استعاد طاقته وقوته كاملة بتأييدها له، وأردف بقوة:
"الشرط الجزائي هندفعه... والصفقة ملغية... شوفوا حد تاني يوقع معاكم... بس أنصحكم متدوروش في العالم العربي لأن مافيش حد هيقبل بكده."
خرج هو وزوجته من تلك الغرفة برأس شامخة. نعم، ستخسر الشركة، ونعم، ربما تتضرر، ولكن مؤكد أن هناك مبدأ لا يمكن أن يتجزأ. هناك أخلاق وقيم لا يمكن أن نتخلى عنها. هناك أمور ديننا ينهانا عنها ولا يمكن أن نتهاون فيها.
نزلا للأسفل سوياً وخرجا من تلك الشركة. بينما تنهد سلطان وأردف بحزن:
"سيلين، أنا آسف... أنا عارف إنها خسارة كبيرة لشركتك."
هزت رأسها وأردفت بتأكيد وفخر:
"بالعكس... أنا لو كنت وقعت الصفقة دي كانت هتبقى فعلاً خسارة حقيقية لشركتي يا سلطان... أنا زي بابا يا سلطان... تجارتنا مع الله."
تطلع عليها بحب وأردف ببعض الراحة:
"الله يرحمه فعلاً... طب يالا بقى نوقف تاكسي ونطلع عالمطار."
ابتسمت تومئ مؤيدة، وبالفعل أوقفا سيارة أجرة نقلتهما إلى المطار ومنه إلى الطائرة الخاصة التي استأجراها لتعيدهما إلى مصر في الحال.
صعدا الطائرة وجلسا سوياً أمام بعضهما. نظرت له سيلين بفخر وتساءلت بترقب:
"سلطان... أنت شفت اللافتة دي إزاي؟ أنا فعلاً ملاحظتش أي حاجة."
أردف مشاكساً:
"لأنك قصيرة."
ابتسمت له تردف بترقب:
"أنت تعرف لما لقيت وشك اتغير وإيدك ضغطت على إيدي جامد استغربت، ولما قلت هنمشي كنت متأكدة إن فيه سبب قوي لكده... بس مكنتش أبداً أتوقع إن ده يكون السبب."
تنهد بعمق يردف بطريقته العفوية:
"بصي يا سيلين، هقولك على حاجة... أنا يمكن مش عالم ولا خبير ولا رجل دين... بس بالفطرة كدة لما ربنا سبحانه وتعالى يخلق آدم وحواء وذريته من بعده علشان يعمر بينا الأرض ويكرمنا ويعلي مكانة الإنسان عن سائر المخلوقات ويميزنا بالعقل، يبقى لازم نشغله يا سيلين.
إبليس اتكبر على ربنا سبحانه وتعالي وقال: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) صدق الله العظيم.
إبليس بشر ده كله اختار إنه يحلف بعزة الله لأنه عارف ومتأكد إن اليمين ده عظيم جدًا. والحقيقة إن هو السبب الخفي ورا كل الفساد اللي بيحصل ده. بس لما هو حس إن الإيمان بوجود إله خلق الكون بدأ ينتشر ويتعرف، والقاتل والزاني والسارق ربنا فتح لهم باب توبة، فكر كويس أوي ودور على ذنب عظيم صعب على العقل يتقبله. فكر ودور على شيء غريزي في ابن آدم يدخله منه يكون ممتع للإنسان وفي نفس الوقت يكون سبب هلاكه، ملقاش أقوى من فعل قوم سيدنا لوط والعياذ بالله.
والحقيقة إنه للأسف عرف يستغل ابن آدم الضعيف كويس أوي علشان يدمر نفسه بنفسه. مهو لما مصيبة زي دي تنتشر يا سيلين ده معناها انقراض البشرية.
لما ربنا سبحانه وتعالى يجعل طبيعة الحياة بين الذكر والأنثى هي التكاثر في الحلال علشان نعمر الأرض، يبقى جرم قذر زي ده هو اللي هيقلل البشر والنسل، لأن طبيعي مش هيكون ناتج ذرية من قذارة زي دي، فأكيد البشر هتنقرض من الأرض وده بالضبط اللي إبليس عايزه، لأنه شايف إن الأرض دي ميراثه هو وعيلته.
ده غير عذابنا اللي هيكون مضاعف زي ما ربنا سبحانه وتعالى قال واعتبر بقوم سيدنا لوط وأنهم نالوا أشد العذاب مر على الأرض بعد ما بعث لهم نبي ينصحهم وحاول يرجعهم عن معصية كبيرة زي دي، بس هما رفضوا بل وزادوا فيها. فربنا حب يعاقبهم بنفسه لما قال (وَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا).
ومش بس كده... ده حتى امرأته كانت من الغابرين، لأنها كانت بتساعدهم في كده. يعني لو كنا مشينا معاهم يا سيلين بعد ما عرفنا حقيقتهم كان مصيرنا هيكون زي بالظبط امرأة لوط عليه السلام.
هما عايزين وبيناشدوا بحريتهم وبيجبرونا نتقبل وجودهم بينا، نتقبل قذارة زي دي، يبقى الأمر النهاردة صعب... بكرة ممكن... بعده عادي... تشقط مبادئنا بحجة الحرية، بس اللي أنا أعرفه إنه الحرية تحت سقف الدين. مينفعش نكون أحرار بعد الدين، وإحنا مسلمين وبيحكمنا أركان وشروط لازم نمشي عليها وبعدين نقول أحرار."
نظرت له بعمق ثم فكت حزامها وقامت تجلس بجانبه وتلف ذراعها حول ذراعه، تعانقه بحب وفخر وهي تستند برأسها على كتفه وتردف:
"أنا فخورة بيك جداً وبحبك جداً جداً."
ابتسم براحة يربت على يدها ومال يقبل جبينها ويتنهد بعمق، ثم لف نظره للنافذة يردف جهراً:
"يارب ثبت قلوبنا على دينك."
أقلعت الطائرة عائدة إلى مصر بسلام بعدما أدى مهمتهما أو لم تتم، لا يهم. الأهم أنهما سوياً تحيطهما محبة الله ورضاه.
في الصعيد، استعدت سهيلة كعادتها كل يومين لتذهب مع عمها محمود إلى قنا كي تراعي دليلة، تحمل ما لذ وطاب من الطعام معها.
أردف توفيق بترقب:
"سهيلة."
التفتت تتطلع على جدها باحترام مردفة بترقب:
"نعم يا جدي! تؤمرني بحاجة؟"
تنهد توفيق يردف:
"محروس كلمني يابنتي ورايد يرجعك... والمرة دي بيقول إنه ندمان وعرف قيمتك وإد إيه إنتِ بنت أصول. وده شافه بنفسه زين لما أمه وجعت واتخلى عنها بناتها وإنتي اللي رحتي لها وبتروحلها كل يومين تسويلها طلباتها وتنظفيلها فرشتها... ده حتى الأكل بتعمليه بزيادة لحد ما بتروحي تاني... وأكيد كل ده نابع من جواكِ ومن أصلك الطيب يابتي. وجوزك شاف ده وعرف كويس إنك بنت أصول وإنه غلط في حقك. وكمان هو رايد عياله جنبيه وأنا شايف إنك تفكري يابتي. محروس كان جوه بأمه وجبروتها، بس ربك بيظهر الحق. ومافيش فينا حد جوه. البني آدم ضعيف جوي من غير صحته وبيتذل يابتي. شوفي إنتي رايدة إيه وقرري. بس لو إنتي مش حابة تعاودي يبقى بلاش تروحي النهاردة."
تنهدت سهيلة تنظر لعمها الذي يومئ مؤيداً لكلام والده، فأردفت بترقب:
"هو فعلاً يا جدي طول الشهر اللي فات ومحروس اتغير. بقى يعاملني زين جوي في الوقت اللي بكون فيه هناك. صحيح إني لاغية أي تعامل بينه وبينه وبحاول أتجنبه، بس هو اتغير. حتى لما إخواته جم وحدفوني بالكلام هو صدهم. وكمان حماتي مسكتتلهمش. بس إني خايفة يا جدي، خايفة لو عاودت يرجع تاني، خايفة لو حماتي بقت زينة يعاملني كيف سابج. إني عايزة أغيره."
تنهد توفيق يردف بحكمة:
"بصي يا بتي... لو عايزة تعرفي معدن إنسان اديله قوة. وإنتي ظهر معدنك. هو ميقدرش يرجع كيف سابج تاني. تعرفي ليه يابتي؟ لأنه بار بأمه. وإنسان زي ده متخافيش منه وتقدرى تغيريه للأحسن. وبردو اللي إنتي رايداه إني مش هضغط عليكي."
أومأت تردف بترقب:
"طب وسلطان يا جدي؟ لازم أشوره وأخد رأيه بردك."
أومأ مؤيداً يردف:
"كلميه يابتي واسأليه. وأنا معاكي."
تنهدت تومئ وهي تخرج هاتفها تهاتف سلطان الذي وجدت هاتفه مغلقاً، فأردفت:
"تليفونه مقفول يا جدي."
أردف محمود بترقب:
"هو سافر فرنسا مع مرته وهيعود علطول. يعني استني لبكرة يا سهيلة وشوفي هيقولك إيه."
أومأت بقبول وعادت للداخل حيث تقف منيرة على باب المنزل تنظر لها مبتسمة بحنو. بادلتها سهيلة ودلفا سوياً، فأردفت منيرة بتعقل وهي تتجه معها للمطبخ:
"لو إنتي حاسة إن جوزك اتغير للأحسن ارجعي يا حبيبتي. ارجعي علشان خاطر عيالك. أبوهم بيحبهم أوي... وبيحبك إنتي كمان بس أمه للأسف كانت مشتتة عقله. لكن دلوقتي الغمامة اتشالت من على عينيه وبعد ما جرب بعدك عنه وعرف إن ليكي ظهر ميقدرش يزعلك تاني. ويكفي اللي إنتي عملتيه معاه. هيفضل شايلك فوق راسه طول العمر. وبردو بيت أبوكي هيفضل مفتوحلك طول العمر."
احتضنتها سهيلة بحب وأردفت بامتنان:
"متشكرة جوي يا خالة منيرة. بجد كلامك ده هو اللي ريحني وخلاني أفكر صح. بس إني بردو لازم أستشير سلطان وأشوف هو رايد إيه."
في قسم الشرطة، يجلس نبيل الذي أتوه به من الحجز أمام وكيل النيابة الذي أردف بحدة:
"بعد الكشف عن السيارة المالكة لسمير الحلواني أخوك، تبين أن الحادث كان بفعل فاعل. وبعد البلاغ اللي اتقدم ضدك واللي بيأكد تورطك في الأمر، تقول إيه يا نبيل بيه؟"
نظر له نبيل وأردف مثلما قال له محاميه:
"وهو أي حد يقول فلان قتل وفلان عمل يبقى حقيقي؟ أنا معرفش حاجة عن حادثة أخويا ولا هي بلاوي وخلاص."
ابتسم وكيل النيابة وأردف بعيون ثاقبة:
"طيب والقناص اللي أنت أجرته لقتل جوز بنت أخوك؟ والمكالمات اللي اتسجلت ضدك؟"
توتر نبيل وأردف بتلعثم:
"انتوا إزاي تاخدوا تسجيلات من غير إذن نيابة! ده ضد القانون. والقناص ده بيكذب علشان يورطني."
وكيل النيابة كان ذكياً ويعلم أن نبيل سينكر كما في السابق خلال التحقيق معه طوال الشهر.
أردف وهو يشغل مقطع صوتي آخر:
"طيب اسمع ده كده. ده من تليفون القاتل."
استمع نبيل إلى حديثه كاملاً مع القناص الذي كان يسجل له مكالماته، كذلك تسجيل قديم بينهما يؤكد تورطه في حادثة شقيقه.
هنا وقد شل جسد نبيل أمام وكيل النيابة الذي ابتسم بتهكم ونظر له باشمئزاز يردف بغضب:
"وصلت بيك الخسة والندالة لكده! تقتل أخوك وتنكر! عملت كده ليه؟"
نظر له نبيل وقد ظهر الغل والحقد على معالم وجهه وأردف برغبة مكتومة:
"ولو رجع بيا الزمن هقتله تاني. ده اغتصب حقوقي أنا. كل أملاكه دي بتاعتي أنا."
نظر له وكيل النيابة بغضب ثم التفت يتطلع على الكاتب وأردف بثبات:
"تحول القضية إلى المحكمة العامة للنطق بالحكم وقد تبين أن المدعو نبيل الحلواني قام بارتكاب التهم المنسوبة إليه مع سبق الإصرار والترصد."
بعد ساعات، هبطت الطائرة على الأراضي المصرية بسلام.
نزلا الزوجان منها وسلطان يلف ذراعه حول خصر سيلين بحماية وتملك وحنو، وهي تتخذ من حضنه موطناً لها.
كم كانت جميلة وناعمة بين يديه بهذه الملابس المحتشمة وهذا الحجاب الرائع الذي يغطي خصلاتها الناعمة بشكل جعلها كحورية سقطت على قلبه من الجنة.
يزداد حبه بل عشقه لها كل يوم عن ذي قبل. حبيبة روحه. برغم الخسارة الكبيرة المتوقعة لشركة والدها إلا أنها دعمته في قراره. وثقت به وأيدته. إنها حلم كل رجل. نعمممم... أجننت يا سلطان! ومن يجرؤ على أن يحلم بها وأنت موجود. وقتها ستدخل عالم الأحلام هذا وتقتل كل رجل يمكن أن يفكر بها في خياله. هي ملك لك وحدك، كما أنت لها. هي حق لك أنت. لا أعلم إن رأيت أحداً ينظر إليها ماذا يمكن أن أفعل! حقاً يمكن أن أقتلع عينه بيداي. لا أتحمل فكرة أنها محط أنظار الكثير. لو كان الأمر بيدي لوضعتها في متحف خاص بها وشيدته من الذهب والماس ولن يدخله بشر لرؤيتها. أنا فقط من أنعم به.
لو كان الأمر عندي لصنعت لها مدينة من قلبي بها كل ما تتمناه وجعلت جميع سكانها هي وذريتها مني.
لو يعتمد الأمر عليَّ، لتمنيت أن تبقى بداخلي. أشق صدري نافذة لها لترى ما تحب وترغب، ولكن لتظل داخلي. آآآه يا سيلين لو تعلمين كم أحبك. لو تعلمين كيف يزيد حبي لكِ حتى لم أعد أعلم إلى أي مدى سيصل. أنتِ الوحيدة القادرة على جعلى طفلاً بين يديها. فأنا بين جدي رجلاً، وبين أخواتي سنداً وأباً، وبين عمي صديقاً، وبين أمي قوياً. أما بين يديكِ... وقلبكِ... وعنقكِ... فأنا المتيم والصغير. دعيني أسكن عندك ولكِ ما تشائين. حبيبتي أنتِ... وروح فؤادي... وعشقي الأبدي يا سيلين.
أثناء سيرهما معاً متجهين إلى السيارة، أحست سيلين برأسها تدور فمالت بين يديه.
لاحظها على الفور فأسندها ومال عليها متسائلاً بقلق ولهفة:
"سيلين! مالك يا حبيبتي؟"
هزت رأسها مع إغلاق عينيها لتستعيد ثباتها وأردفت وهي تربت على يده:
"مافيش يا حبيبي، أنا كويسة يمكن من الطيارة."
أسندها واركبها السيارة ببطء واتجه يركب على الجهة الأخرى وانطلق رأفت إلى القصر بعدما رحب بهما.
كانت هي طوال الطريق مستندة برأسها على كتفه تشعر بالدوار مجدداً، ولكنها تخفي عنه وهو يظنها تنام كعادتها.
كان يلف ذراعه بحماية حول رأسها يحتضنه ويتطلع عليها من حين لآخر يجدها مغمضة. داخله قلقاً عليها، هي ليست كعادتها، يبدو جسدها مشدوداً بين ذراعه.
أثناء طريقهم رن هاتفه فتناوله ينظر ثم ضغط يجيب مردفاً بحنو:
"إزيك يا سهيلة... أخبارك إيه يا حبيبتي؟"
أردفت سهيلة بصوت هادئ حنون:
"الحمد لله يا خوي زينة... أنت عامل إيه وكيف سيلين؟"
نظر لحبيبته ثم مال يقبل جبينها مردفاً بهدوء:
"بخير يا حبيبتي... كنتي عايزاني؟"
تحمحمت سهيلة مردفة بترقب:
"أيوة يا سلطان... أنت خابر وضع حماتي... وخابر إني بروح كل يومين أشوفها وأشوف طلباتها كيف... بس محروس كلم جدي ورايد يرجعني... وإني مش عارفة أعمل إيه يا سلطان. هو صحيح محروس اتغير عن الأول بكتير بس خايفة يكون التغيير ده مؤقت... جدي قالي أفكر وإني جولت أسألك يا خوي... مش عايزة أرجع ضعيفة تاني."
تنهد سلطان بعمق وأردف بتعقل:
"اسمعيني يا سهيلة... أنا لما جبتك من بيت جوزك جبتك لأن بعد ضربه ليكي كان مستحيل تفضلي هناك. كان لازم يتأدب ويتعلم إزاي يتعامل مع المرأة اللي ربنا كرمها وبالذات لو زوجته. أنا مش ضد إنك ترجعي ولا عايز أخرب بيت أختي، بس أنا مش هيرجعك ليه غير لما يتعلم يبقى زوج حنين متفاهم زي ما هو ابن كويس. والنوع اللي زي جوزك ده كان محتاج ضربة كبيرة تفوقه، بس للأسف الضربة دي جت في صحة أمه وأنا مكنتش أحب كده، بس ربنا إرادته فوق كل شيء."
أردفت سهيلة بعد تفكير:
"قصدك إيه يا سلطان... يعني أرجعله؟"
أردف سلطان بهدوء:
"استنيني يا سهيلة... بكرة إن شاء الله هاجي أشوفكم لأنكم وحشتوني جداً... وهاخدك ونروح قنا علشان قبل ما ترجعي لازم أتكلم معاه."
أومأت سهيلة مردفة بتعقل:
"حاضر يا حبيبي... عايز حاجة؟"
أردف سلطان بتساؤل:
"أمي كويسة! كلمتها امبارح وسألتها عنك وعن جدي وعمي بس قفلت بسرعة علشان كنت مشغول."
أومأت سهيلة مردفة:
"كويسة وبتدعيلك... أجبهالك تكلمها؟"
أومأ يتمتم فناولت منيرة الهاتف وأردفت منيرة بلهفة:
"حبيب قلب أمك... إزيك يا سلطان عامل إيه وإزي سيلين."
أردف سلطان بسعادة من نبرة صوت أمه كأنه طفل صغير:
"بخير يا ست الناس... وحشتيني أوي يا ماما... إن شاء الله هاجي بكرة أشوفك."
أردفت منيرة بسعادة:
"تيجي تنور يا غالي... خلي بالك من نفسك وانت سايق... وسلملي على سيلين كتير."
أغلق معها ونظر لسيلين ينادي بتمل وترقب، فقامت تعتدل في جلستها تنظر له مبتسمة:
"كويسة جداً يا سلطاني متقلقش."
أومأ يبتسم بصمت، بينما أردف رأفت:
"وصلنا."
نزل سلطان وتبعته سيلين وودعا رأفت ودلفا إلى القصر حيث استقبلتهم علية بدهشة مردفة بتعجب:
"رجعتوا بسرعة يا ولاد... خير!"
تنهد سلطان ينظر لسيلين بصمت، بينما أردف:
"خير يا دادة خير... بس احنا جعانين أوي مش كده يا ليني؟"
أومأت سيلين بهدوء، فأسرعت علية تردف وهي في طريقها إلى المطبخ:
"عنيا... ثواني الأكل هيكون جاهز."
اتجه الاثنين إلى غرفتهما حيث يبدلان ثيابهما ويغتسلا.
بعد دقائق، تجلس سيلين بارهاق على الأريكة وسلطان يخرج لتوه من المرحاض يرتدي ملابس بيتية مريحة ويتطلع على ملامحها بترقب. خطى إليها ولكن طرقات الباب جعلته يغير مساره. فتح الباب وتناول الصنية من يد علية وأغلق بعدما شكرها واتجه يضعها على الطاولة أمام سيلين ثم جلس بجوارها يميل عليها بقلق متسائلاً:
"سيلين، إنتِ تعبانة صح! من وقت ما كنا في الطيارة وإنتِ مش طبيعية. قوليلي حاسة بإيه! تحبي نروح للدكتور؟"
هزت رأسها بتهمل وأردفت تحاول التغلب على دوار رأسها وألم جفونها مردفة:
"لأ يا حبيبي... صدقني ده بس بسبب الطيارة... هاكل دلوقتي وهبقى كويسة."
نظر لها بشك ثم التفت ينظر للطعام وحمل المعلقة وملأها بالحساء يقربها من فمها ببطء ويردف بحنو:
"طب يالا افتحي بؤك."
كادت أن تتناولها لكن عندما وصلت رائحة الطعام إلى أنفاسها أحست بالغثيان ووضعت كفها على فمها تسرع راكضة إلى المرحاض تحت أنظاره المصدومة.
أفرغت هي بالداخل، بينما هو أسرع إليها فأشارت له بيدها أن يتوقف، ولكنه تجاهلها وأسرع يدنو منها وهي متكئة على ركبتيها أمام قاعدة المرحاض. مد يده إلى خصلاتها يعيدها للخلف وهو يقف خلفها وأردف بحنو وهو يتحسس كتفيها:
"مالك بس يا حبيبتي."
انتهت وحاولت القيام فاسندها بيده وأوقفها بين ذراعيه يلفها إليه ينظر لوجهها الذي غلبه الاصفرار مردفاً بقلق:
"أنا هتصل على الدكتور ييجي."
رفعت أنظارها إليه وتطلعت على عيونه بخوف وملامح مزعورة تردف بترقب:
"سلطان."
ترقب خوفها بقلق فاكملت هي بصوت ضعيف خائف ومهزوز:
"تفتكر ممكن أكون انصبت بكورونا تاني؟"
اتسعت عينه وهز رأسه رافضاً تلك الفكرة تماماً يردف بقوة:
"لأ... لأ دي مش أعراض كورونا... مستحيل... تعالي."
حسها على المشي إلى أن أوصلها إلى الفراش وممدها عليه بهدوء ثم تناول هاتفه وهاتف رأفت مردفاً بترقب:
"أيوة يا رأفت... الدكتور اللي هو صاحب والد سيلين الله يرحمه... تعرف بيته؟"
أردف رأفت بترقب:
"أيوة طبعاً أعرفه... خير!"
نظر سلطان إلى سيلين ذو الوجه المشحوب وأردف:
"تروح تجيبه على القصر وتقوله إن سيلين تعبانة... بس أوعى تتأخر."
أومأ رأفت وأردف:
"تمام حاضر مسافة الطريق."
أغلق معه واتجه يجلس بجانبها يمد ذراعه يرفع خصلاتها بحنو مردفاً بحزن وقلق:
"متخافيش يا حبيبتي... هتبقي زي الفل."
أومأت له تبتسم واردفت بخوف:
"أنا مش خايفة عليا... أنا مش عايزة أعيد نفس تجربة كورونا تاني لأنني متأكدة إنك مش هتسبني... وأنا مش هتحمل نصاب بأي أذى."
نظر لها بعمق ثم مال يقبل رأسها بقوة وحب مردفاً:
"مافيش كورونا ولا أي حاجة من الكلام ده كله... إنتي زي الفل... والدكتور هيأكد كلامي."
بعد ساعة تقريباً، وصل الطبيب مع رأفت إلى القصر. نزل واستقبلته علية بترحاب إلى الأعلى حيث غرفة سيلين. أما سلطان فكان انتهى من ربط حجاب حبيبته بطريقة عشوائية وكذلك عدّل من وضعها لمقابلة الطبيب.
طرقت علية على باب الغرفة ففتح لها سلطان. نظر له الطبيب بتمعن ودلف وهو يرتدي كمامته يردف بمرح:
"إنت بقى سلطان القلوب... اللي دخلت مع بنتنا الحجر."
ابتسم سلطان وأردف بترقب:
"مهي بنتنا تستاهل بردو يا دكتور."
نظر الطبيب مبتسماً إلى سيلين التي بادلته الابتسام أيضاً مردفاً بحنو ومحبة:
"طبعاً تستاهل... مالك يا شعنونة سلامتك."
ابتسمت سيلين على لقبها في الصغر وأردفت بهدوء:
"الله يسلمك يا أونكل... بس عندي دوخة جامدة ومعدتي مقلوبة... كنا في باريس وجينا تاني علطول بس وأنا في الطيارة حسيت بدوخة جامدة... تفتكر ده ممكن يكون من الطيارة!"
أخرج الطبيب سماعته من الحقيبة وأردف من تحت نظاراته متسائلاً وهو يفحصها بترقب:
"إمتى آخر مرة جتلك ال beriod؟"
نظرت إلى سلطان بحرج وتوتر وأردفت بتلعثم وقد تناست أمرها تماماً:
"من أكتر من شهر ونص."
ثم اتسعت عيناها وهي تنظر للطبيب مردفة بسعادة وانفاس مسحوبة:
"ممكن!"
أومأ الطبيب وأكمل معاينته وسلطان يقف قلبه ينبض بعنف وترقب. انتهى الطبيب ولف نظره إلى سلطان يردف مبتسماً بسعادة:
"مبارك يا سلطان... جايلك أمير في السكة."
يتبع ....
رواية على القلب سلطان الفصل الثلاثون 30 - بقلم آية العربي
آخيراً تحققت أقصى أمنياتي... أخيراً انتصرت وحصلت على أغلى مكافآتي. أنتِ وقطعة رائعة منكِ يا كل حياتي.
قالها الطبيب الخبير بسعادة وترقب. فالتفت سلطان بانظاره ببطء إلى سيلين التي تبخرت آلامها وقد لمعت عيناه ببريق الفرحة، يردف بتعجب وكأنه يتأكد:
"حامل؟"
أومأت سيلين بسعادة وعيون ملأتها الدموع، بينما يردف الطبيب وهو يقف ويجمع أغراضه:
"أيوه حامل... مبروك يا شعنونة... هتبقي ماما زي القمر."
كان سلطان يقف مكانه متجمداً يستوعب عقله الخبر، بينما نظر الطبيب لها واردف:
"طبعاً لازم تجيلي المستشفى، وأنا هحولك على طبيبة نسائية ممتازة هتتابع معاكي، وممنوع أي مجهود، ومش لازم أقول كده أصلاً، أنا عارف إن الجدع ده بعد اللحظة دي مش هيقومك من مكانك... وطبعاً التغذية السليمة."
أومأت سيلين وهي تتطلع على سلطان الذي ما زال مكانه، بينما ضحك الطبيب على هيئته مردفاً بمرح:
"إيه يا ابني مالك... اتصنمت ولا إيه؟"
اقترب منه سلطان وعانقه بشدة، يردف بسعادة وتخبط من شدة فرحته:
"متشكر جداً... متشكر جداً يا دكتور... أنت قولتلي أجمل خبر في حياتي كلها."
ربت الطبيب على ظهره بتفهم ثم ابتعد، ينظر إلى سيلين ويردف:
"هستناكي... وعلى فكرة... آدم حالته بتتحسن... وقريب هيقدر يتخطى المرض."
أومأت سيلين براحة وسعادة، وخرج الطبيب وتبعه سلطان يوصله حتى غادر مع رأفت. فأسرع سلطان يأخذ درجات السلم بسرعة، وكأنه يحاول اللحاق بقطار رحلته إلى السعادة قبل أن يذهب.
وصل أخيراً بعد وقت أحسه طويل، ودلف الغرفة يتطلع عليها وكأنه يراها للمرة الأولى. دلف ببطء يقترب منها بحذر ويتساءل بترقب للمرة الثانية:
"حامل؟"
أومأت له وهي تشير بيدها الاثنتين، فأسرع إليها يضمها بعشق وقوة حنونة، وعيناه تذرف دموع السعادة وهو يدفن رأسه بين خصلاتها وعنقها، يقبله قبلات متعددة، وهي تربت بكفيها الرقيقتين على ظهره بحنو، بينما هو ما زال يحتفظ بها بين ذراعيه. لا يريد أن يخرجها، بل لا يريد أن يخرجهما من عناقه.
إحساسه لا يوصف. عاش حياته وحيداً، وآخيراً سيرزق بطفل من صلبه. قطعة من روحه. قطعة جميلة ورائعة كحوريته التي يعشقها. زهرة حبهما وعشقهما. هل يمكن أن يحصل المرء على سعادة أكثر من هذه؟
ابتعد عنها قليلاً ثم حاوط وجهها بكفيه، يتطلع على عيونها بعشق وسحر، ثم مال على شفتيها يسرق منهما قبلة شغوفة حنونة متملكة، يبارك بها ويهنئها على هذا الخبر.
ابتعد يلهث بعمق، مردفاً وجبينهما متساندان على بعضهما وعيونهما مغلقة:
"مبروووك يا عمري وهنايا وراحة قلبي... مبروك يا حظي الحلو من الدنيا."
ابتسمت من كلماته وأردفت بحب:
"مبروك علينا إحنا الاتنين يا سلطاني."
تنهد بعمق وابتعد قليلاً، ثم قام ينظر لها بحب مردفاً:
"بصي بقى... أنا هنزل صنية الأكل دي... وأخلي دادا علية تسخنه... وهاجي آكلك بنفسي... أوعي تتحركي من هنا... تمام؟"
أومأت له مبتسمة، فغادر هو بعدما أخذ الطعام، أما هي فنظرت حيث معدتها وتحسستها بكفيها، تردف بحب وسعادة:
"نورت دنيتنا يا حبيبي... جيت في وقتك."
***
في المصحة النفسية، حيث ذهبتا بهية وفاطمة كي يريا والدتهما. دخلتا بعد أن سمح لهما الطبيب، حيث تجلس والدتهما في غرفة مخصصة تنظر من النافذة التي تطل على حديقة مزدهرة.
نظرت فاطمة إلى بهية بحذر وأردفت بترقب:
"كيفك يا ماما؟"
لم تلتفت روايح بل ظلت صامتة وكأنها لا تسمع شيئاً، فتقدمت بهية منها قليلاً ومدت يدها إلى كتفيها تردف بقلق:
"ماما!"
انتفضت روايح من مكانها، كذلك هما انتفضتا على أثرها وعادتا للخلف تتطلعان عليها بعيون متسعة، وهي تنظر إليهما بغضب وتردف بقوة:
"جايين ليه؟ ها إيه جابكم؟ مش رميتوني هنا كيف المجانين! جلبكم عليا جوي؟ اخرجوا من هنا مش عايزة أشوف واحدة منكم... يلا امشوا."
ابتلعت فاطمة لعابها وأردفت بهدوء:
"اهدّي يا ماما... انتي هنا عشان تتعالجي... وإحنا جايين نشوفك."
ضحكت روايح ساخرة تردف بهستيرية:
"هههههه تشوفوني! فيكم الخير يا بنات إبراهيم... هو اللي جالكم صح؟ هو اللي جالكم روحوا شوفوها وهي مرمية في المصحة."
ثم فجأة نظرت خلفهما بعيون متسعة، تردف بغضب وحدة وتعنيف:
"إنت جاي معاهم ليه! أني مش عايزة أشوفك هنا... خدهم واخرج... آآآخرج!"
وضعت كفيها على أذنها تردف بجنون وهي تدنو ببصرها أرضاً:
"جولتلك مش عايزة أسمع صوتك... اخرج من هنا."
نظرتا فاطمة وبهية خلفهما لتتأكدا فلم تجدا أحداً، فنظرتا لوالدتها بزهول وحزن، بينما هي ظلت تصرخ بجنون واضعة كفها على أذنها بقوة وعيناها مغمضة:
"آآآخرج... خدوه من هنا... هجتله تاني."
أسرع الطبيب ومعه المساعد إلى الغرفة وامسكاها وحقنوها بإبرة مهدئة، والتفت ينظر إلى البنات مردفاً بلغة آمرة:
"ياريت تمشوا دلوقتي."
خرجتا من الغرفة معاً، إحداهما تبكي والأخرى تنظر للأمام بزهول على ما وصلت إليه والدتها، بينما في الخلف هدأت روايح قليلاً بفعل المهدئ وتم وضعها في الفراش من قبل المساعدة التي أتت أيضاً.
خرج الطبيب إليهما واردف محدثاً فاطمة التي كانت متماسكة قليلاً على عكس بهية المنهارة:
"للأسف حالتها بتسوء... وده لأنها رافضة العلاج... ولقينا أقراص كتير مرمية تحت شباك أوضتها... برغم إنها بتاخدهم قدام الممرضة... بعدها حاولنا معاها بالقوة بس بقت ترجعهم... وده للأسف وصلها لحالة التهيوأت دي... وطبعاً كده الوضع بيسوأ."
أردفت فاطمة بتساؤل:
"طب والحل إيه يا دكتور... أمي هتفضل كده؟"
تنهد الطبيب متابعاً:
"إحنا بنحاول على قد ما نقدر نخليها هادية عشان نعرف نقنعها بالعلاج... أنا كنت مفكر إنها لما تشوفكم ممكن تتحسن بس للأسف كنت غلطان... يستحسن تبعدوا الفترة دي أو ممكن تتابعوا من بعيد... وأول ما ألاحظ تحسن في حالتها هبلغكم فوراً."
نظرت فاطمة إلى شقيقتها التي بدأت تهدأ، وربتت على كتفيها تحسها على المغادرة، مردفة:
"حاضر يا دكتور... عن إذنك."
***
عاد سلطان إلى الغرفة حاملاً صينية الطعام الشهية، ينظر لحبيبته وهو يغمز عدة مرات مما جعلها تبتسم على هيئته التي تعشقها.
وصل لعندها ووضع الصينية ذو الأرجل حول قدميها وجلس أمامها، يردف بتصميم:
"الأكل ده لو اتبقى منه فتفوتة هتتعاقبي."
نظرت له باستنكار وتساءلت:
"هتعاقبني إزاي بقى؟"
ضيق عينيه واردف:
"هتعرفي لو ما أكلتيش."
بدأ بإطعامها بحنو وهدوء، وكلما رغبت في الاكتفاء أرغمها بنظراته المهددة التي كانت تضحك عليها.
انتهى من إطعامها ومد لها المنديل، فتناولته تمسح فمها بهدوء، مردفة بترقب:
"وأنت مش هتاكل يا سلطان؟"
أومأ يقف ويحمل الصينية، مردفاً بهدوء:
"هاكل يا حبيبتي متشغليش بالك بيا... هنزل دي وأجيب أكلي وآجي."
نظرت له بعتاب وأردفت:
"وما أكلتش معايا ليه يا سلطان؟"
أردف بتنهد:
"أصل بصراحة أنا هاكل ملوخية بالأرانب علية عاملاها حلوة أوي وريحتها إيه بقى مقولكيش... بس خوفت نفسك تغم عليكي لو شفتيها."
ابتسمت تومئ له وتردف بمرح:
"معاك حق يا سلطاني... دي كانت أكلة بابا المفضلة بس أنا نووو."
هز رأسه يبتسم وغادر للخارج، بينما هي وقفت تتجه للمرحاض.
***
بعد مرور يومين من دلال السلطان لملِكته، تركها مضطراً متجهاً إلى سوهاج ليرى عائلته ووالدته.
وصل أمام منزل عائلته. ترجل من سيارته واتجه للباب حيث فتحته سهيلة تستقبله بالأحضان وتردف بسعادة:
"اتوحشتك جوي يا سلطان."
ربت على ظهرها بحنو واردف:
"وإنتي كمان يا سهيلة وحشتيني أوي... وحقك عليا اتأخرت عليكي."
ابتعدت قليلاً تتطلع عليه مردفة بقلق:
"مالها سيلين يا خوي... جولت إنها تعبانة.. إن شاء الله خير؟"
ابتسم بسعادة واردف وهو يسحبها من كفها:
"تعالي بس أما أشوف أمي وجدي وهقولكوا."
دلف للداخل ليجد منيرة تخرج من غرفتها بعدما أتمت فرضها مسرعة إليه، تعانقه بشدة وقد تلمعت عيناها بدموع الاشتياق لروحها، بينما هو اردف وهو يشدد على ظهرها بقوة وبصوت متحشرج قال:
"وحشتيني أوي يا ست الناس... عاملة إيه يا ماما."
ابتعدت منيرة تقبل وجنته بحنو كطفل صغير، مردفة وهي تتطلع على وجهه:
"بخير يا نور عيني طول ما إنت بخير."
خرجت بدرية من المطبخ أيضاً تبتسم مرحبة وتردف:
"كيفك يا ولدي... وكيف مراتك؟"
أومأ سلطان يبتسم بود ويجيب:
"الحمد لله بخير يا حاجة بدرية... عاملة إيه؟"
أومأت له، فنظر حوله فلم يجد جده، فأردف متسائلاً بتعجب:
"اومال جدي فين؟"
أردفت سهيلة بهدوء:
"جاعد مع عيالي في المضيفة ياخوي."
أومأ سلطان واتجه إلى غرفة الضيافة ودلف، يردف بصوت قوي صعيدي ممازح:
"كيفك يا جح توفيج؟"
تهللت أسارير توفيق واردف بسعادة:
"حمد الله ع السلامة يا ولد الغالي... نورت دارك."
عانقه سلطان وقبل يده، ثم ابتعد يقبل أطفال شقيقته، وجلس مع جده يسأله عن أحواله وأحوال عمه والعمل.
دَلفت سهيلة تتبعها منيرة تحملان كل مالذ وطاب لاستقبال الغالي. وضعتا الضيافة وجلستا تتساءلان كل منهما عن أحواله وعن أخبار سيلين.
نظر سلطان للجميع، ثم ارتكز ببصره على أمه، مردفاً بسعادة:
"سيلين حامل."
اتسعت الأعين من حوله وباركه له الجد توفيق، يردف بفرحة:
"ألف ألف مبروووك يا ولد الغالي... أخيراً هينور السوهاجي الصغير."
ابتسم سلطان بسعادة بعدما انهالت الزغاريط والمباركات من قبل منيرة وسهيلة وبدرية أيضاً التي أتت على الأصوات.
أردف سلطان بهدوء وترقب:
"علشان كده معلش مش هطول هنا... هرجع لأني سايب سيلين لوحدها... أنا جيت أبشركم وأطمن عليكم وكمان عشان آخد سهيلة أروحها وأتكلم مع جوزها."
ربت الجد على كتفه بحنو مردفاً بتعقل:
"زين العجل يا ولدي... هو ده الصح."
أومأ واردف وهو يتطلع على سهيلة:
"يالا يا سهيلة البسي ولبسي العيال... عشان هاخدك على قنا."
أومأت سهيلة ووقفت تنفذ ما قاله، بينما أردفت منيرة بفرحة:
"ينفع أبقى أجي معاك مصر يا سلطان... آخد بالي من سيلين وأطمن عليها وأرجع تاني."
نظر لها سلطان بحنو، ثم نظر لجده الذي أومأ له بصمت، فأردف بفرحة:
"طبعاً يا ست الناس دانتي تنوري."
نظرت منيرة للجد واردفت باحترام:
"ده بعد إذنك طبعاً يا عمي."
أومأ توفيق يردف بتعقل:
"ومالو يابتي... حقك."
بعد نصف ساعة، يقف سلطان يستعد للرحيل هو وشقيقته، بينما أتى محمود من عمله يتطلع عليه مردفاً بعتاب:
"إكدة يا ولدي... هتمشي من غير ما تسلم على عمك!"
عانقه سلطان بقوة مردفاً:
"لا طبعاً يا عمي... أنا كنت هعدي عليك في الأرض دلوقتي... بس إنت سبقتني... عامل إيه؟ وحشتني يا عمي."
أومأ محمود مردفاً بحنو:
"زين يا ولدي زين... وإنت كمان يا غالي."
أثناء حديثهما، توقفت سيارة ونزل منها محروس زوج سهيلة، فتطلع عليه الجميع بتعجب، بينما هو خطى ناحية باب السيارة الخلفي وفتحه، يخرج منه كرسي خاص بالمرضى أو المعاقين وفتحه واضعاً إياه على الأرض يجره، ثم اتجه للباب الآخر الخلفي وفتحه ومد يده يحمل والدته بصعوبة وأنزلها، ثم وضعها على ذلك الكرسي أمام أعين الجميع المتسائلة بتعجب.
أسرعت إليها سهيلة تتساءل بقلق وحنو:
"مرات عمي! خير فيكي حاجة؟ مالها يا محروس؟"
أردف محروس بعيون نادمة وهو يتطلع على سهيلة بأسف:
"أمي لجيتك غيبتي عنها فجالت تيجي بنفسها تشوف مالك وتعتذر منك وتجولك تعاودي معانا."
تطلعت سهيلة على دليلة بتعجب، بينما الأخرى التقطت يدها وكادت أن تقبلها لولا انتزاع سهيلة لها بصدمة، مردفة:
"وه وه وه بتعملي إيه بس يا مرت عمي... ده واجب عليا."
ثم دنت من يد دليلة تقبلها بحنو احترام، فبكت دليلة بندم تردف بقهر أمام أعين الجميع:
"حقك عليا يابتي... أني ظلمتك كتير... إنتي كنتي وست البنات... وللأسف عرفت ده متأخر... أني غلطانة في حقك وحق ابني... هو اتعذب معايا وحرمته من بيته وعياله بسبب أنانيتي... ارجعي معانا يا سهيلة... ارجعي معانا وأنا ومحروس هنشيلك في حبابي عنينا."
تطلعت سهيلة التي تلمعت عيناها بالدموع إلى سلطان الذي أومأ لها، كذلك جدها الذي أردف بحكمة:
"اللي فات مات يا أم محروس... ومحروس راجل طيب وأكيد هو هيراعي بنتنا زي ما راعى أمه واتجى الله فيها... ارجعي مع جوزك يابنتي."
أومأت سهيلة لجدها، ثم اتجهت تحضر حقائبها من سيارة شقيقها، فأوقفها سلطان وحمل عنها الحقائب يتجه بها لسيارة محروس ويردف وهو يطالعه بثبات:
"وفرت عليا الطريق... خد بالك منها."
أومأ له محروس بسعادة، ثم اتجه سلطان إلى دليلة يردف بنبرة ذات مغزى:
"سلامتك يا حجة... إن شاء الله هتقومي بالسلامة... وسهيلة بنتك الثالثة... وأنا متأكد إنها مش هتقصر مع حد."
أومأت دليلة بهدوء، بينما اتجه سلطان يحتضن شقيقته بحنو ويودعها ويردف إليها بعض النصائح والدعم.
بعد ساعة، غادرت سهيلة هي وأولادها مع زوجها ووالدته عائدين إلى قنا بعد عناء وعقاب وحكمة.
بينما تجهزت منيرة لتغادر مع سلطان، وبالفعل غادرا عائدين إلى القاهرة في أسرع وقت بسبب قلقه على حبيبة قلبه التي تركها بمفردها.
بعد ساعات عدة، وصلت سيارة سلطان أمام الباب الداخلي للقصر. ترجل سلطان بلهفة واشتياق لرؤية حبيبة فؤاده، بينما ترجلت منيرة أيضاً تتطلع على القصر برهبة، ثم خطى الاثنان للداخل حيث استقبلتهما علية بترحاب وود بعدما علمت هوية منيرة.
أردف سلطان متسائلاً:
"هي سيلين نايمة يا دادا؟"
تنهدت علية وأردفت بتوتر:
"بصراحة بابني سيلين مأكلتش حاجة من وقت إنت ما مشيت وكمان حصل حاجة كده."
ضيق عينيه ونظر لوالدته بقلق، ثم أعاد النظر لعلية وتساءل:
"حاجة إيه يا دادا خير!"
نظرت له علية بتردد وأردفت:
"اطلعلها يابني."
نظر سلطان لوالدته مردفاً بحنو:
"بعد إذنك يا ماما ثواني وراجعلك."
صعد الدرج مسرعاً حتى إنه كاد أن يقع، ولكنه تمالك نفسه إلى أن وصل إلى غرفتها، فتحها بلهفة ودلف يراقب بعينه. وجدها تجلس على الفراش تحتمي بقديمها وتضع رأسها بينهما، فحجبت عيناها عنه وهو الذي اشتاق لرؤيتهما.
خطى إليها ثم جلس على طرف الفراش وقدماه أرضاً، وأردف بصوت قلق متوتر:
"سيلين! مالك يا حبيبتي؟ فيه حاجة حصلت؟"
رفعت رأسها وياليتها لم تفعل، فقد رأى احمرار عينيها الملفت ونظرتها الحزينة ودموعها قطعت قلبه إلى أشلاء صغيرة لم يستطع العثور عليها. تزحزح ناحيتها حتى التصق بها ووضع إبهامه وسبابته على فكها، يردف بألم وصدمة:
"فيه إيه يا سيلين متقلقنيش عليكي؟"
ثم استرسل بصوت مرعوب وهو يتطلع على ملامحها بقلق:
"البيبي كويس؟"
أومأت له تطمئنه، ولكنها أردفت بصوت واهن حزين:
"عمي هو اللي قتل بابا وماما يا سلطان... الأستاذ ممدوح بلغني من شوية."
اتسعت عينه بشدة وفرغ فاهه، ثم وجد نفسه يعانقها بقوة، وهي أيضاً وكأنها وجدت مأمنها، حيث لفت ذراعيها حول ظهره الصلب وشددت من عناقها إليه، تبكي داخل صدره بقوة، وهو يلقي على سمعها كلمات يحاول تهدأتها بها.
ظلا على وضعهما لبعض الوقت. ابتعدت سيلين قليلاً تنظر لوجهه بحب وتردف بعد فترة استطاعت فيها أن تهدأ:
"كنت حاسة بكده... كان عندي إحساس دايماً إنه هو اللي حرمني منهم... بس كنت بكذب إحساسي دايماً، لأني لو صدقته كان مستحيل أتحمل وجودي معاه تحت سقف واحد... كنت بقول مستحيل يوصل للدناءة دي... بس طلع كده... أنا موجوعة أوي يا سلطان... كأن موت بابا وماما كان امبارح... مفتقداهم جداً."
عانقها مجدداً بعد كلامها هذا وربت على ظهرها بحنو، يردف بحزن:
"أنا وإنتي مصيرنا زي بعض... فيه حاجات كتير مشتركة بينا... وأنا أكتر واحد فاهم إحساسك وعارف اللي بتمرّي بيه لأنّي مرّيت بيه قبلك... عشان كده أوعدك إني هعمل أي حاجة تسعدك... وإن عمك هياخد جزاءه على عمله السودة... أوعدك إن حزنك هخففه ولو أقدر أمحيه همحيه... دموعك همسحها... ومش هسمح أصلاً إنها تنزل... أوعي تزعلي لأن زعلك بيموتني بالبطيء يا سيلين."
أومأت وهي داخل صدره، ثم قبلت موضع قلبه بحب. ابتعد قليلاً ينظر لها مردفاً بترقب:
"عندي ليكي مفاجأة."
مالت برأسها بتساؤل، فتابع هو:
"الحاجة منيرة بنفسها أول ما عرفت إنك حامل في حفيدها قررت تيجي تشوفي وتراعيكي... وأنا بصراحة ما صدقت... مكنتش هقدر أبعد لا عنك ولا عنها... هتفضل معاكي هنا وهكون مطمن عليكي أكتر وأنا في الشركة لحد ما نضبط أمورنا ونرجع الصعيد."
انفرجت ملامحها وسعدت كثيراً، ثم أردفت بحماس وهي تمسح دموعها بكفها:
"طيب يالا ننزلها حالا... دي وحشتني أوي... وجاية في وقتها جداً."
***
بعد شهر في الشركة، حيث تابع سلطان سير العمل، وغابت سيلين عن العمل بأمر من سلطان حتى لا تجهد. وبرغم انخفاض مستوى المبيعات والعمل خصوصاً بعد رفض الصفقة الفرنسية، إلا أنه كان يحاول جاهداً أن يثبت مكانته، ولاحظت وداد هذا، لكن بعد الموظفين رأوا العكس، حيث انتشر الحديث السام بينهم وهو أن سلطان لا يصلح للعمل، حيث لا مؤهل ولا علم لديه ليستطيع بهما التحكم في مجموعة شركات كبرى مثل هذه المجموعة.
وبرغم مساعدة ممدوح ووداد له وصد هذا الحديث، إلا أنه وصل إلى مسامع سلطان الذي استاء وشعر بالغضب والحزن، ولكنه قرر التصرف وكأن شيئاً لم يكن.
مرت الأشهر الأولى من حمل سيلين على خير، وهذا بفضل الله ثم مراعاة سلطان ومنيرة وعلية لها، وللحق هي أيضاً لم تعترض على عدم ذهابها للشركة، فهي أرادت أن تهتم بحملها خصوصاً في شهوره الأولى.
حاول سلطان جاهداً تعويض الخسائر بحصوله على صفقات نزيهة مع بعض الشركات الكبرى الخاصة بالأغذية حول العالم العربي، ونجح في ذلك، واستعادت الشركة بعضاً من قوتها وليس كاملها.
في القصر، لاحظت سيلين انشغال سلطان عنها مؤخراً. تجلس هي على الفراش تأكل الفواكه الذي أحضره هو لها، وتتطلع عليه في المرآة وهو يهندم حاله ويستعد للخروج، تردف بشك:
"هو إنت متأكد إنك رايح شغل فعلاً!"
نظر لها من خلال المرآة نظرة متفحصة وابتسم، يردف بخبث:
"إيه! حبيبتي بتغير ولا إيه؟"
أعادت رأسها إلى الأمام تردف بتذمر طفولي:
"لأ."
التفت يتطلع عليها بتعجب، ثم اقترب منها يردف باستنكار وخبث:
"لأ! تمام."
اتجه إليها ثم دنا يضع قبلة حانية على جبهتها، ثم اعتدل في وقفته واردف بتساؤل:
"إنتي هتنزلي ولا هتعملي إيه؟"
تململت بتثاؤب ثم أردفت بخمول ماكر:
"لأ أنا نعسانة خالص وهنام."
أومأ لها ثم التقط منها طبق الفواكه ودثرها في الفراش بحنو، وخطى ليغادر بعدما نظر عليها نظرة أخيرة.
أغلق الباب خلفه، فانتفضت هي تجلس على الفراش وتتناول هاتفها، ثم قامت بالاتصال على وداد التي أجابت على الفور، مردفة بترقب:
"ها.... مشي!"
أردفت سيلين بتوتر وغضب:
"أيوه مشي... يلا بسرعة أنا هنزل حالا... وهاخد ماما منيرة معايا عشان تكون شاهدة على عملة ابنها."
أغلقت مع وداد التي أخبرتها مسبقاً أن سلطان أنهى أعماله ولم يعد لديه عمل اليوم، مما جعلها تستشيط غضباً، وقد قررت ملاحقته لتعلم أين يذهب كل يوم.
وقفت مسرعة تخلع عنها الروب الذي أظهر أن أسفله ملابس خروج وارتدته كتمويه.
ارتدت حجابها سريعاً وحملت حقيبتها، ثم تسحبت للخارج تنظر حولها بحذر، ثم اتجهت لغرفة منيرة، فوجدت منيرة أيضاً تجهزت وتقف أمامها، مردفة بقلق:
"افرضي زعقلنا يا سيلين... هنمشي وراه معقول!"
أردفت سيلين بغضب وتذمر كالاطفال:
"كمان يا ماما هو اللي يزعق! مش كفاية بيخوني؟!"
أردفت منيرة بهدوء:
"يابنتي استهدي بالله بيخونك إيه بس... هو إنتي تايهة عن سلطان! ده بيموت فيكي."
بكت سيلين وأردفت بحزن:
"عارفة يا ماما... بس تقدري تقوليلي بيروح فين كل يوم في الوقت ده وكل ما أسأله يقول شغل شغل... أنا عارفة إن شكلي اتغير وبقيت بنام كتير بس أعمل إيه! هو لازم يقدر."
احتضنتها منيرة تربت على ظهرها واردفت بتوتر:
"خلاص اهدّي يا حبيبتي... أنا هريحك ونمشي عشان تعرفي إنك ظلماه... لأن مستحيل سلطان يعمل كده وأصلاً إنتي زي القمر والنوم الكتير ده طبيعي في الحمل."
أومأت سيلين وهي تردف باستعداد:
"طيب يالا يا ماما عشان منتأخرش."
غادرتا سوياً وركبت سيلين سيارتها وركبت بجانبها منيرة، وبدأت تقود مسرعة حتى تلحق به، فهي علمت من الحرس في أي جهة غادر هو.
بعد دقائق، استطاعت رؤية سيارته، فهَدأت من سرعتها وبدأت تتبعه بحذر حتى لا يراها، وهو يدخل من شارع ويخرج من آخر وهي خلفه، ينتابها شعور الخوف والغضب في آنٍ واحد، بينما منيرة تجلس جوارها صامتة فقط تشاهد.
توقفت سيارة سلطان أمام إحدى المنازل ونزل منها سلطان، ثم دلف المنزل دون أن يراها، مما جعل عيناها تتسع واردفت بتوعد وغضب وهي تخلع حزام الأمان الخاص بها:
"ماشي يا سلطان... بتخوني! أنا هعرفك."
ترجلت من السيارة ولحقتها منيرة تحاول تهدأتها، ولكن سيلين كانت كالإعصار المدمر، حيث اندفعت إلى ذلك المنزل ودلفت.
وجدت شقة واحدة في الدور الأرضي، تعجبت واتجهت لعندها تطرق الباب بعنف وتردف بصراخ وغضب:
"افتح يا سلطااااان.... افتح أنا عارفة إنك جوة... افتح بقولك."
فتح سلطان الباب ونظر لها بتعجب، يردف:
"سيلين! إيه اللي جابك هنا؟"
تفحصته بعيون ردارية ومدت يدها تتفحص ملابسه، ثم ضيقت عيناها واردفت بتهكم:
"لسة بهدومك طبعاً يا بيه! أيوه مانا قفشتك قبل ما تقلع... هي فييييين... اوعى من سكتي."
دفعته بقوة وهو يقف مصدوماً، وخلفها منيرة تنظر له بتعجب وتساؤل.
دَلفت تبحث فلم تجد إلا صالة واسعة عبارة عن حاسوب كبير وعدة رجال يجلسون على مقاعد متجاورة، يحمل كل منهم دفتر ويدون شيئاً.
تطلعت عليهم بتعجب واردفت باستنكار:
"هو إيه اللي بيحصل هنا؟"
انتفضت على إثر صوته الذي أتى من خلفها، يردف بصلابة وعيون شرارية:
"إنتي إيه اللي جابك هنا! إيه كنتي مفكراني بخونك؟ معقول معندكيش أي ثقة فيا؟ تراقبيني يا سيلين! وتجيبي أمي معاكي كمان!"
التفتت ببطء توارب عيناها وتنظر له بحزن، مردفة بتلعثم:
"إن... إن... أنا بس استغربت يا سلطان... إنت كل يوم بتخرج في نفس المعاد ولما بسألك تقولي شغل... وأصلاً وداد قالتلي إن مافيش أي شغل خاص بالشركة في الوقت ده... فأنا بصراحة الفار لعب في عبّي."
أردف باستنكار يميل برأسه عليها:
"نعم! الفار لعب فين ياختي؟"
اقتربت من أذنه وهتفت بصوت منخفض لا يسمعه سواه:
"في عبّي يا سلطان."
توتر قليلاً من قربها وهمسها الذي يعشقه، ثم حاول أن يستعيد ثباته واتجه إلى حيث الحاسوب ووقف يتحدث إلى الطرف الآخر، مردفاً باعتذار:
"أنا آسف يا دكتور مش هقدر أكمل معاكم المحاضرة... عن إذنكم يا رجالة."
أومأ الرجال واردفوا سوياً بصوت موحد وهم يكتمون ضحكاتهم:
"ولا يهمك يا سلطان ربنا ينصرك."
غادر هو يسحبها بحنو للخارج، حيث تنتظرهما منيرة. تطلعت على سلطان الذي يظهر على ملامحه الغضب، واردفت محاولة استعطافه:
"متزعلش يابني منها دي من حبها فيك... أوعى تزعلها دي حامل وتعبانة."
أردف بصوت ثابت وهو يسحبها بهدوء، وهي تنقاد معه بصمت وتوتر:
"اركبي يا ماما عربيتي."
ركبت منيرة في الخلف بطاعة، بينما هو فتح الباب المجاور له وأدخل تلك الفأرة بهدوء، إلا أنها جلست، ثم قام بإخراج حزام الأمان ولفها به وأغلق الباب بقوة جعلها تنتفض، بينما هو لف لجهة القيادة وركب، يردف بصلابة:
"لفي حزامك يا أم سلطان."
انطلق بعدها حتى إن سيلين أردفت بصوت مرتعش متسائلة:
"وعربيتي يا سلطان!"
لم يجيبها، بل أخرج هاتفه وضغط يتصل على رأفت، مردفاً:
"أيوه يا رأفت... عربية سيلين هانم في شارع ****** ياريت تيجي تاخدها... سلام."
أغلق معه وأكمل قيادة بصمت تام، حاولت هي الحديث ولكن دون جدوى.
وصل سلطان إلى القصر وترجل من سيارته، ثم التفت إليها يفتح بابها، فنظرت له بزعر، فأردف دون النظر إليها:
"انزلي."
ترجلت ببطء، فتناول كفها يسحبها خلفه بهدوء، بينما أسرعت منيرة خلفه تردف بقلق:
"سلطان! علشان خاطري متزعلهاش... هي عملت كده لأنها بتحبك."
أردف ينهي الحوار بعد أن دلفوا القصر:
"تصبحِ على خير يا أم سلطان."
صعد الدرج وهي خلفه، وتعمد أن يصعد ببطء وتمهل حتى لا يجهدها، إلى أن وصل لغرفتهما. دلف وأدخلها وأغلق الباب، ثم ترك يدها ووقف أمامها يتطلع عليها بترقب، ثم أردف:
"قولي سامعاك... وريني هتبرري اللي عملتيه إزاي!"
نظرت له بتردد، ثم استعادت قوتها وأردفت بنبرة معارضة تستغل أسلحتها:
"مش هبرر يا سلطان... أنا حامل على فكرة ومعروف عن الحوامل إن هرموناتهم متقلبة... يعني ده عادي."
اتسعت عينه واقترب منها وقرب عينيه من عينيها، واردف بتهكم:
"عاااادي! إنك تكدبي عليا وتقولي لأ مش بغير وبعدين أسألك هتنزلي تقولي لأ هنام وتقومي تنزلي إنتي وأمي وتراقبوني وتتهمني إني بخونك وكل ده وفي الآخر تقولي عادي؟"
مسح على وجهه يستغفر، ثم أردف بقوة متسائلاً:
"هسألك سؤال واحد بس يا سيلين... إنتي فعلاً مفكرة إني كنت بخونك؟"
هزت رأسها بلا، وأردفت بصدق:
"لأ طبعاً يا سلطان... أنا بس كنت بعمل زي ما وداد قالتلي... أنا عارفة إنك مستحيل تعمل كده."
تطلع عليها بصدمة واردف باستنكار:
"وداد! وإنتي فين عقلك! بقى معقول سيلين الحلواني تتصرف تصرفات الأطفال دي؟"
أردفت معترضة:
"لأ يا سلطان دي مش تصرفات أطفال... إنت برضو كدبت عليا وقولت إن عندك شغل... وكل يوم كنت بتخرج في نفس التوقيت وأنا مكنتش بكذبك وقولت أكيد عندك أسبابك واستنيتك تقولي بس إنت مقولتش... إنت كمان غلطان."
تنهد بضيق يردف بترقب:
"عيزاني أقولك إيه يعني يا سيلين... إني قدمت في كلية تجارة إنجلش وكنت بحضر محاضرات أونلاين مع الدكاترة أنا وبعض الزملا في المكان ده.... كنتي هتتقبلي إن جوزك لسه طالب بيدرس؟"
انصدمت من تصريحه، ثم اقتربت منه حتى الالتصاق واردفت وهي تنظر لعينيه:
"إيه اللي إنت بتقوله ده يا سلطان! معقول شايفني كده! أنا فخورة جداً بيك وبشخصيتك وأسلوبك وحنانك لوالدتك وحكمتك مع أخواتك واحترامك لجدك وعمك وقيادتك في الشغل... إنت مش محتاج تضيف لنفسك أي حاجة تانية إنت في عيوني كامل من كل شيء."
نسي غضبه ونسي عبءه، ونظر لها بحب يردف بتأكد:
"بجد يا سيلين؟ يعني إنتي شايفةني بالوصف ده!"
أومأت تبتسم وتردف بثقة:
"طبعاً... وأكتر كمان... بس ده ما يمنعش إني أشجعك على الخطوة العلمية اللي أخدتها... واللي أكيد هيكون ليها دور إيجابي في حياتك العملية."
احتضنها بحنو وراحة يردف بصوت هادئ:
"وده اللي ناوي أعمله."
ثم ابتعد ينظر لها ويردف بعبوس:
"بس بردو ده ميمنعش إنك غلطتي لما مشيتي ورايا وعرضتي نفسك وأمي وعيالي للخطر."
نظرت له بملامح بريئة واردفت بنعومة:
"خلاص أنا آسفة."
ابتسم لها بحنو واردف:
"وأنا كمان آسف."
أسرعت إليه تتعلق برقبته وتردف بدلال ونعومة:
"هتيجي معايا بكرة للدكتورة عشان نعرف نوع التوأم؟"
تأفأف يلف ذراعيه حول خصرها بتملك ويردف بحنق:
"الست دي أنا بكرهها من يوم قالتلي (ابعد عن المدام شوية يا أستاذ سلطان)."
قالها بنبرة تقليدية مضحكة، فصدرت سيلين ضحكة أنثوية مجلجلة ترجع بها رأسها للخلف، مما جعله يبتسم ويميل يقبل رقبتها مردفاً بمشاكسة:
"طب بالذمة ينفع أبعد بعد الضحكة دي! إنتي اللي بتجريني للرذيلة."
ضحكت بنعومة تغمز له بحركته مردفة بحب ودلال:
"بحبك يا سلطاني."
تمت بحمد الله.