نايمة وحاسة بأيد بتمسح على شعري. قومت وأنا مخضوضة، لكن لقيت جدو قاعد جمبي على السرير. "اهدي يا حبيبتي." هدّيت شوية وأخدت نفسي بشويش. بصيت حواليا لقيتني لسة في المستشفى. افتكرت اللي حصل امبارح وعيطت تاني. أخدني في حضنه من غير ما يقول أي حاجة. فضلت أعيط كتير أوي. هو أنا هفضل طول حياتي بعيط؟ فصل الحزن والألم مش عايز يخلص من حياتي ليه؟
مفتكرش عدت عليا ليلة واحدة من غير عياط إلا لما اتجوزت سيف. سيف اللي بهدلته وتعبته معايا كتير أوي. وآخرهم امبارح وأنا بتهمه إنه زيه. معرفش إزاي عملت كدة، ولا إزاي هواجهه. هو أكيد مش هيجيلي تاني. خرجت من حضنه وسندت على السرير.
"أنا عارف انتي بتبصيلي ليه، لكن اطمني. عمري ما هطلب منك تكوني قوية بالعافية تاني. اتحملتي كتير وصبرتي على اللي ما يتصبرش عليه، وكل مرة كنتي تعدي رغم وجعك. المرة دي مش هقولك معلش ولا هقولك قومي. المرة دي هقولك عيطي، طلعي كل اللي جواكي. أنا هنا وهستحمل معاكي."
فضلت زي ما أنا مبديش أي رد فعل. أنا فعلاً مش عايزة أسمع أي مواساة تاني. صحيح كان بيقف في صفي كتير، لكن في نفس الوقت كان يواسيني. يقولي معلش، بكرة أحسن، بكرة ينتهي كل ده. لكن بكرة ده مش بييجي. "طب مش عايزة تسمعي هيما حبيبك؟ مسكت إيده وطبطبت عليها عشان أطمنه. "أنا كويسة، متقلقش." ابتسملي والدموع في عينيه بيحاول يحبسها. سمعنا خبط على الباب ودخل سيف.
بصتله بلهفة وأنا مش مصدقة إني شوفته تاني. ملامحه كانت دبلانة أوي وباين عليه الإرهاق. عيونه اتعلقت بعيوني وقرب ناحيتي. جدو سند على عكازه وخرج عشان يسيبنا لوحدنا. قعد جمبي وقرب إيده من إيدي، لكنه اتردد وسحبها من تاني. بصتله وقلبي بيتقبض من التردد اللي شفته في عينيه. كان نفسه يمد إيده يطمني، يحضني زي ما متعود، لكن رجع. يمكن من كسرتي فيه امبارح، أو من كلامي اللي وجعه.
"عيني مغفلتش من امبارح، كلامك بيتردد في وداني طول الليل. أنا مش زعلان إنك شبهتيني بيه، أنا زعلان إنك رجعتي تخافي مني تاني. مكنتيش طايقة لمستي ليكي وبتبعدي عني، لكن أنا مش بلومك، أنا مقدر كل اللي انتي فيه، وعايز أقولك إني مش هسيبك، مهما طلبتي مني إني أبعد مش هعمل كده، مش هسيبك لوحدك وهجيبلك حقك منه، أوعدك، انتي بس قومي بالسلامة من تاني."
كلامه وملامحه المرهقة كانوا بيقطعوا في قلبي. كان هاين عليا أرمي في حضنه وأقوله إن كل كلام امبارح ده من ورا قلبي وإني مش عايزة أبعد عنه. لكن الصح إننا منكونش سوا. أنا مش هقدر أتخطى اللي حصل ده بسهولة، وهو ملوش ذنب في كل ده. ملوش ذنب يفضل يعافر معايا ويرمم اللي كسره غيره. وغير كل ده، وشي واللي متأكدة إنه هيفضل فيه أثر من اللي حصل. "سيف... رفع عينه يبصلي بلهفة ومكنش مصدق إني نطقت اسمه.
"قولي يا حبيبي، قولي كل اللي جواكي." لساني كان تقيل، وكل كلمة كأنها حجر بيتسحب من جوه روحي. فضلت أبص في الأرض، مش قادرة أواجه عيونه. قلبي بينهار وكل نفس بيطلع بالعافية. رفعت عيني له أخيرًا والدموع مغرقاني، وقلت بهمس مكسور. "طلقني." الكلمة خرجت صغيرة، لكن تقيلة زي جبل. حسيت الدنيا وقفت بعدها. هو ما اتكلمش، ما صرخ، ما اتعصبش. بالعكس، اتجمد مكانه وكأنه اتحول لتمثال. عيونه اتسعت للحظة ومكنش مستوعب اللي قولته.
"انتي بتقولي إيه." "طلقني يا سيف." "ليلى، انتي تعبانة، ارتاحي شوية." بيتكلم وكأنه مكنش مصدوم من كام ثانية. هو بياخدني على قد عقلي. أنا عايزة أطلق. "سيف... اتفتح الباب فجأة ودخلت ماما واخواتي. جريوا عليا وهما بيعيطوا وحضنوني. اخدتهم في حضني وفضلت أهدي فيهم وأطبطب عليهم. "يا حبيبتي، حمد الله على سلامتك." "الله يسلمك يا ماما." "عاملة إيه يا نور عيني، حاسة بأيه، في حاجة بتوجعك." "أنا كويسة متقلقيش."
"حقك عليا، أنا السبب، أنا اللي غلطانة إني موقفتلوش من الأول." "ملوش لازمة الكلام ده أرجوكي." "حاضر يا حبيبتي حاضر، مش هتكلم في أي حاجة." "حقك عليا إني مكنتش موجودة، يا ريتني ما روحت المدرسة يومها." "متلوميش نفسك، ملكيش ذنب." "أنا جبتلك معايا أكل انتي وسيف، عملتلكم كل اللي بتحبوه." "مش قادرة آكل يا ماما." "لا إزاي، لازم تاكلي عشان العلاج اللي بتاخديه، ولا إيه يا سيف؟
كان واقف في ركن بعيد، ساند على الحيطة ومربع إيديه الاتنين، باصصلي وبس. لحد ما ماما أعادت عليه الكلام تاني فانتبه وقرب مننا. "يا حبيبي، شكلك تعبان أوي، روح ارتاح شوية، من ساعتها وانت قاعد هنا." "ما انتي عارفة يا طنط، مش هخرج من هنا غير وليلى معايا." "طب تعالى شوف مراتك اللي مش عايزة تاكل." "هاتي عنك." قعد مكانها ومد إيده يأكلني. "مش قادرة أكل." "لازم تاكلي عشان تقوي وتقفي على رجلك من تاني." "مش عايزة، مش هتفرق كتير."
"خلاص، بس أنا كمان مش هاكل." ساب الأكل على الترابيزة فعلاً ومكلش. اضايقت عشانه، يعني كفاية إنه تعبان ومعايا ليل نهار كمان مش هياكل. "طب... طب خلاص." "خلاص إيه." "هاكل." ابتسم ابتسامة صغيرة، مرهقة لكنها صافية، كأنها أول نفس ياخده من ساعة ما دخل الأوضة. مد إيده بسرعة وجاب الطبق. "معلقة صغيرة بس." "حاضر."
بصتله وأنا باخد منه أول معلقة. كان بيراقبني كأني طفل بيخطو أول خطوة. ولما بلعت، ابتسامته وسعت أكتر، وبقا يأكلني واحدة واحدة. "هو انتوا طافيين النور وقافلين الشباك ليه؟ أنا هفتحه يجيب هوا شوية." "لا." قلتها بحدة ف بصولي كلهم. "لا ليه يا حبيبتي، ده احنا حتى بالنهار." "محدش يفتح حاجة أنا مش عايزة أشوف أي نور ممكن." "اهدي يا حبيبي، متخافيش خلاص مش هنفتح حاجة، معلش يا طنط سيبي كل حاجة زي ما هي دلوقتي."
"خلاص يا ماما مش مشكلة، حتى الستارة خفيفة ومبينة الضوء في الأوضة شوية." "حاضر."
كانت بتبصلي وهي مستغربة. بعدت عيني عنها وبصيت على إيدي في محاولة مني للهروب. أنا عارفة إنهم شايفين وشي والشاش اللي ملفوف بيه، لكن مش قادرة أوريهم الجروح والصوابع اللي لسة لحد دلوقتي معلمة عليه. مقدرتش أمنعهم من شوفتي عشان عارفة إن قلبهم بيتقطع عليا، لكن أنا مش قابلة النور اللي هيبين دموعي وكل جرح في وشي. شافوني بما فيه الكفاية، مش هقدر أتحمل نظراتهم تاني. "اوعى يا أبويا بقولك، هو فين الكلب ده."
سمعت صوته بيزعق برا فاتنفضت. مسكت في سيف بخوف والدموع اتكونت في عيني. "اطلعلي يا سيف، اطلعلي وواجهني." حطيت إيدي على ودني وعيطت، جسمي كله اترعش ومر قصادي شريط من الذكريات المرعبة معاه. سيف حاول يهديني لكن عياطي كان بيزيد. "ليلى، ليلى اسمعيني، متخافيش مش هيقربلك، أنا هنا جنبك." مكنتش سامعة أي حاجة غير صوت زعيقه برا واللي كان بيقرب من الأوضة أكتر. فضلت أصرخ وأحط إيدي على وشي أخبييه بخوف.
"كفاية، كفاية والله ما هعمل حاجة تاني كفاية." مقدرتش أشوفها بتنهار قصادي واقف أتفرج عليها. سلمى خدتها في حضنها هي ومامتها وحاولوا يهدوها لكن خوفها اتملك منها ومبقتش في وعيها. "مالك، خليك هنا ومتدخلهوش مهما حصل فاهم." خرجت برا بسرعة وقفلت الباب ورايا. شوفته وهو واقف قصاد عم إبراهيم وبيحاول يوصل للباب بأي طريقة. حطيت إيدي في جيوبي وقربت منه بخطوات بطيئة. قرب مني ومسكني من القميص وعيونه كلها غضب.
"بقا بتلغي الشراكة معايا أنا؟ ده أنا هوديك في ستين داهية." شيلت إيده اللي ماسكة فيا واتكلمت بكل برود. "مالي وأنا حر فيه، مش عايز أشاركك من هنا ورايح، إيه هو بالعافية." "الشراكة دي بيني وبين أبوك، مين انت عشان تلغيها." "هو أنا مقلتلكش، مش الحج اداني حق التصرف في كل شيئ من غير ما أرجعله، ابنه بقا ويحقلي أعمل اللي أنا عايزه." "كسر حُقك، أنا تعبت في المصنع ده زيي زيكم، أنا عملت كتير أوي عشان الشراكة دي تكمل، أنا خليت...
"خليت ليلى تتجوزني غصب عنها مش كده." بصلي بصدمة وارتبك. "إيه الكلام الفارغ ده، وأنا هغصبها عليك ليه." "عشان انت طماع، وجشعك عماك عن سعادة بنتك، افتكرت إن بجوازها مني كل حاجة هتبقى في إيدك، بس ده بعدك، وخلاص.. خلصت يا حاج." "تمام، طالما خلصت يبقى تخلص كلها، طلقها." "لو على موتي مش هعملها." "يبقى انت اللي اخترت."
في لحظة واحدة بس كان مطلع سكينة وغارزها في بطني. الأمن اللي كان في المكان اتلم حواليه ومسكوه. حطيت إيدي ع الجرح وحاولت أتماسك. خرج مالك وطنط على الصوت. أول ما شافت الدم صوتت وفضلت تنادي على الدكتور. "اهدي أنا بخير، اهدي عشان ليلى." لقيتها خارجة من جوا ووشها أصفر. قربت ناحيتي وعينيها على قميصي اللي كله دم. "متخافيش، ده جرح سطحي متخافيش." دموعها على خدها زي الشلال وعينيها مش مفارقة الجرح. "انت... انت."
"أنا كويس والله، بصي واقف على رجلي إزاي، أنا كويس." مكنتش مصدقة وفضلت تهز في راسها يمين وشمال. "حتى انت مسلمتش من شره، مش هيسيبنا، مش هيسيبنا كلنا." "مش هيقدر يقربلك طول ما أنا جنبك، هو خلاص مش." اترعبت عليها لما لقيتها دخلت في حالة أول يوم. هستيريا وعياط وجسمها كله بيترعش. حاولت أهديها لكن مكنتش سامعاني. مقدرتش أتحمل أشوفها كده ف مسكتها من كتافها جامد وصرخت فيها عشان تفوق.
"ليلى.. فوقي، متخافيش، مش هيقربلك تاني، انتي سامعة، مش هيقدر ييجي جمبك طول ما أنا معاكي."
قفلت عينيها وفجأة وقعت بين إيديا. شيلتها بسرعة ودخلتها الأوضة. الدكتور جه يشوف جرحي قولتله يطمن عليها الأول. فوقها لكنها فضلت دايخة شوية ومش قادرة تقوم. روحت مع الدكتور أوضة تانية عشان يشوف الجرح. كان سطحي ف خيطه كان غرزة وقالي ارتاح شوية، لكن أنا مر هرتاح إلا لما أشوفها قدامي بخير. خليت مالك يروح بيتي يجيبلي قميص تاني غير اللي كله دم عشان أما تفوق وتشوفني متتخضش تاني. باباها خده الأمن وبلغوا البوليس، مش هسيبه، هدفعه تمن كل حاجة عملها فيها. أنا بقا اللي مش هيخليه ينام الليل.
"سيف، ليلى فاقت." دخلت لقيتها قاعدة على السرير. مامتها واختها خرجوا وسابونا لوحدنا. قعدت قدامها وحاولت أبين كويس عشان متقلقش. "عاملة إيه دلوقتي." بصت على جرحي شوية وقربت حطت إيديها عليه بشويش. "بيوجعك." "أبدا، جرح سطحي متقلقيش، وبعدين جوزك جامد متأثرش فيه الحاجات دي." قولتها بهزار عشان أفكها شوية. "أنا آسفة." "ليه يا حبيبي بتقولي كده." "عشان اللي حصلك ده بسببي." "لا طبعاً مش بسببك وانتي ذنبك إيه." "ذنبى إنه أبويا."
"لا، انتي مش ذنبك أي حاجة في كل اللي حصل ده." "طب.. طب هتطلقني امتى." "انتي عايزاني أطلقك." سكتت وبصت على إيديها وفضلت تلعب فيها. قربت منها ورفعت وشها ليا. ملامحها لسة قادرة تخطفني وتوديني لحتة تانية زي كل مرة ببصلها. "عايزاني أطلقك." "مش عايزة أتأذى بسببك." "فداكي الدنيا كلها." "سيف.. هو مش هيسيبنا." "ميقدرش يعمل أي حاجة، أنا معاكي، انتي مش واثقة فيا."
"واثقة فيك، لكن مش واثقة فيه، وبعدين، ملكش ذنب تعيش مع واحدة مشوهة." قربت منها أكتر ومسكت إيديها الاتنين. "انتي أجمل وأقوى واحدة شفتها عيني." "متضحكش عليا يا سيف، لا بقيت جميلة ولا هقدر أكون قوية." "انتي عارفة ليه أنا عمري ما شوفت حد زيك." "ليه." "عشان انتي مش شبه حد، كل اللي فيكي مميز، حتى جرحك أنا بشوفه وسام قوة، مش حاجة تشوهك."
"أنا لما ببصلك مش بشوف أي ندبة، أنا بشوف عيون تخطفني، ابتسامة لو طلعت تنورلي الدنيا، وروح عمرها ما تستسلم. صدقيني، إنتي أجمل من إنك توصفي نفسك، وأغلى من إني أسيبك. هنقوى ببعض، وهتقومي وترجعيلي بالسلامة، وترجعي كمان أحسن من الأول، ومحدش هيقدر يقربلك تاني." "هتتعب معايا." "فداكي." "ذنبك إيه." "إني بحبك، غرقت في حبك يا ليلى."
قعدت جمبها وضميتها لحضني. ولأول مرة من ساعة اللي حصل متبعدش عني. أول مرة متحاولش تهرب وتخبي ضعفها، بالعكس، استخبت جوا حضني زي طفلة لقت أمانها بعد خوف طويل. وأخيراً.. قلبي ارتاح واطمنت إنها هتكون بخير. بصيت عليها لقيتها نامت ونفسها منتظم. طبعت بوسة على جبينها وضميتها لحضني أكتر وأنا بغمض عيني، بس المرة دي من غير خوف، من غير قلق، لأننا لقينا لحظة سلام وسط كل اللي حصل. والأجمل من كدا، إنها ضمتني ليها أكتر واتشبثت فيا.
يتبع..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!