أسبوع وأنا لسة في المستشفى، الدكتور قال إني مينفعش أخرج قبل أسبوع كمان. سيف معايا كل يوم ومش بيسيبني أبداً. اتحايلت عليه كتير ينزل المصنع لكن رفض، وبقا يتابع شغله كله من هنا. كل يوم كان بيعدي كنت بحس إن وجوده جنبي هو العلاج الحقيقي. لا الكريمات ولا المسكنات كانت بتعمل فيا اللي بتعمله كلمة منه أو ضحكة صغيرة. كان بيحاول يخفّف عني بطريقته، يحكيلي مواقف من الشغل، أو يقلد العمال بطريقة تضحكني غصب عني.
بس لما بيشوف ضحكتي بتختفي، عيونه بتتلون بالحزن كأنه بيحمل ذنبي كله على كتفه. في يوم بليل كان قاعد قدامي ومركز في اللاب توب بتاعه. فضلت بصاله وانا بحمد ربنا مليون مرة على أنه رزقني بيه. "هو أنا حلو أوي كده؟ ضحكت بشويش عشان وشي ميوجعنيش. "أحلى ما شافت عيني." ساب الجهاز وقام وقرب مني. "ده إحنا مزاجنا رايق النهاردة." "الحمد لله، حاسة إني بتحسن." "وإن شاء الله ترجعي زي الأول وأحسن." "مزهقتش؟
"زهقت بصراحة، عايزك في بيتي بقا." الصدمة اللي على وشي اتحولت لغيظ وضربته في بطنه ف اتأوه. اتخضيت وقربت احط ايدي على مكان الجرح. "أنا آسفة يا حبيبي، آسفة والله. انت كويس؟ كان بيبصلي ومش بيرد. "بيوجعك طيب، ننادي للدكتور؟ "انتي قولتي حبيبي؟ قولتيها صح." "يا سيف، هو.. هو ده وقته." "ده وقته ونص، انتي بجد قولتيها؟ كنت مترددة ومش عارفة أقولها ولا لا، بس هو يستاهل يسمعها مني، يستاهل إنه يفرح ويعرف إن قلبي دق له. "أيوه."
"يعني.. يعني انتي.." "أنا بحبك." قولتها وفي ثانية كنت جوا حضنه، ملجأي وملاذي من كل الوجع والظلم وكل حاجة وحشة شفتها في حياتي. "أنا بحبك يا سيف، بحبك أوي." وضمني ليه بكل قوته، خد نفس وكأن كان فيه حجر تقيل محطوط على صدره بقاله سنين. معرفش فضلنا كدة قد إيه. طول عمري ببص للساعة والدقايق واحسبها بالثانية، إلا وأنا معاه، برمي كل حاجة ورا ضهري ومش ببقى عايزة اللحظة دي تخلص، عايزاها تدوم.. تدوم طول العمر ومتحرمش منها أبداً.
"سيف." "يا عيون سيف." "أنا مش عايزة أخرج من هنا على بيتهم." ماشى ايده على شعري بحنية. رجع خصلة شاردة منه ورا ودني ف رفعت راسي أبص له. "أنا أصلاً مش هسيبك معاه في بيت واحد تاني." "طب هروح فين؟ "هتقعدي عندنا لحد ما كلها أسبوعين وأكون جهزت شقتنا." بعدت عنه لكن كان لسة محاوطني. "هقعد عندكم؟ إزاي؟ "هتقعدي مع ماما، وعشان تاخدي راحتك هروح أبِيت في شقتنا، وبابا كده كده مش بييجي غير بليل خالص يتعشى ويدخل يقعد في أوضته."
"لا يا سيف، أنا كده هشقلب لكم حياتكم." "شقلبة إيه بس، مفيش الكلام ده." "طب.. طب والناس هتقول إيه؟ "ملعون الناس، كانوا فين الناس دول وسط كل اللي حصلك؟ "يا سيف.." "ليلى، انتي مراتي، عارفة يعني إيه، يعني عندي استعداد أفديكي بروحي لو حكمت، تفتكري هشيل هم شقلبة وكلام ناس ملهومش غير في إنهم يجيبوا في سيرة الخلق وبس؟ حطيت إيدي على وشه برعب من اللي قاله. "بعيد الشر عنك، متقولش كده." مسك إيديا وطبع بوسة على كفي.
"هحبك أكتر من كده إيه بس." "اتكسفت وسحبت إيدي منه." "أوعى أنت ما صدقت ولا إيه؟ "وربنا انتي مراتي." "ولو." "ماشي يا ستي." "سيف، ممكن أسألك سؤال؟ "أكيد يا حبيبي." "هو.. هو انت ليه طلعته من القسم؟ تنهد وملامح وشه اتغيرت. "لو مش عايز تجاوب خلاص." "الموضوع مش كده، بس كل ما بسمع سيرته بتجنن. أنا طلعته عشان أخواتك، ملهومش ذنب في كل ده، رغم إني متأكد مليون في المية إنهم مبقوش عايزين يبصوا في وشه ولا حتى طنط حورية."
"طب هو انت فعلاً لغيت الشراكة معاه؟ "أيوه، ليلى.. أنا عارف من الأول كل حاجة." "كل حاجة؟ كل حاجة اللي هي إيه؟ "إنه غصبك تتجوزيني." بصيتله وأنا مصدومة من كلامه، إزاي عرف؟ وليه كمل واتجوزني، وليه ساكت كل ده؟ "أنا عارف إن جواكي أسئلة كتير، وأنا هجاوبك على كل اللي محتاجة تعرفيه." "عرفت إزاي؟ "من عمو إبراهيم." "جدو؟ إمتى وإزاي؟
"قبل ما أجي عندكم البيت، مالك بلغني إن عمو إبراهيم عايز يكلمني. استغربت وقتها بس كلمته فعلاً. اقترحت عليه أجي لحد عنده لكن قالي إن الموضوع سر ومش لازم حد يشوفني عنده قبل ما أجي بيتكم. حسيت ساعتها إن في حاجة كبيرة، وفعلاً، مترددش إنه يحكيلي وقالي كل حاجة كانت بتحصل معاكي، وقالي كمان إنه غصبك عليا وهددك بتعليم أخواتك. مكنتش مستوعب اللي بسمعه ولا كنت مصدق إنك عيشتي ومرتي بكل ده، حسيت بنار قايدة في صدري، نار مش هتنطفي إلا أما أجيبلك حقك وأشوفك بخير."
"ويومها قالي جملة عمري ما أنساها، قالي: أنا مربيك على أيدي وواثق فيك إنك هتحافظ عليها ومش هتهون عليك لحظة، عشان كده مترددتش إني أحكيلك لأني عارف إنك بتحبها، لكن سابلي حرية الاختيار بين إني أكمل أو مدخلش بيتكم من أصله، لكن أنا مترددتش لحظة في قراري." "هو انت يا سيف حبيتني إمتى؟
"من لما كنتي لسة في المدرسة، انتي ناسيه إن مدرستك كانت جمب المصنع، كنت بشوفك كل يوم، حفظت ميعاد خروجك حتى أيام الامتحانات. بابا كان يستغرب أنا ليه بروح له كل يوم بعد الكلية رغم إني مكنتش حابب أشتغل معاه، افتكر إني اقتنعت بكلامه وبروح عشان أتعلم الشغل، لكن الحقيقة إني كنت بروح عشان أشوفك وإنتي خارجة." ضحك وبص للفراغ وكمل.
"في يوم روحتلك بعد الكلية، عمو إبراهيم شافني وأنا واقف قدام مدرستك وعيني عليكي، سألني واقف هنا ليه ف ارتبكت، بصلي بشك وبص ناحيتك، قالي: انت واقف عشان تشوفها مش كده، استغربت من الهدوء اللي بيتكلم بيه، قولتله: والله يا عمو غرضي البيت من بابه، قالي: وأنا مش هلاقي أحسن منك ليها، لكن اقف على حيلك واثبتلي إنك عايزها صحيح، وساعتها يحلها المولى."
"وقتها مفهمتش كلامه كويس، لكن لما قعدت مع نفسي افتكرت نصايحه المستميتة ليا إني أقف مع أبويا في المصنع وأشيل عنه، وفعلاً عملت كده، مش لأجل المصنع وإن كل ده ليا في الآخر والكلام ده، لكن لأجل إني أكون الراجل اللي يليق بيكي." دموعي خانتني ونزلت مع كل كلمة كان بيقولها، كنت فرحانة أوي إن ربنا عوض صبري خير. صدق جدو لما كان يقولي: بكره هييجي أحسن وأجمل من اللي في خيالك، ربنا مش هيسيبك أبداً، الحمد لله يارب.. الحمد لله.
"كفاية دموع، مش عايز أشوف العيون دي بتعيط تاني." "أنا بعيط عشان مبسوطة إني أخيراً لقيتك، ربنا ميحرمنيش منك يا سيف."
أدركت ليلتها إن صفحات الحزن والألم اتمحت تماماً من حياتي، وإن كل اللي جاي فيه راحة، راحة وحبر راحة في حضنه اللي حسسني إني أخيراً وصلت لبر أمان بعد غرق طويل، وحب في عينيه اللي كل ما يبصلي ألقى نفسي فيها من غير خوف. حسيت إن قلبي لقى وطنه، وإن كل اللي فات مكنش إلا طريق بيوصلني للحظة دي، ليه، لحنانه، لدفء كلماته اللي محتاجة سنين عشان بس أوصفها.
عدى أسبوع تاني وأنا لسة في المستشفى، رحلة العلاج كانت ما بين وجع وصبر، بين كل غيار وتاني كنت بحس كأن الجرح بيفتح من جديد، بس الممرضة كانت دايمًا تطمني إن الجرح بيلتئم كويس. الدكتور قال إن الالتهاب بدأ يخف، وإن أثر الضربة هيقل مع الوقت، بس محتاجة أستمر على العلاج والمضاد الحيوي.
رغم الألم، كنت حاسة إن في حاجة بتخف جوايا مش بس الجرح، يمكن لأن سيف مسبنيش لحظة. كان بيسهر جمبي يقرالي قرآن عشان الكوابيس اللي كانت بتجيلي، يقيس حرارتي باستمرار، يساعدني أقوم وأمشي شوية في الجنينة، وحتى لما كان بيشوفني بتألم كان يحاول يضحكني بكلمة أو نكتة خفيفة.
في الأيام دي، المستشفى ما كانتش مكان للعلاج بس، كانت المكان اللي اتولدت فيه راحتي من جديد. كل يوم بيعدي كنت بحس إن المسافة بينا بتقصر، وإن الحاجز اللي بينا بيتفك حتة حتة. "كل أدويتك في الشنطة مش كده؟ "متقلقيش يا ماما، سيف حضر كل حاجة بليل ومنساش ولا دوا واحد." "والله سيف ده ابن حلال، ربنا يديمكم لبعض يا حبيبتي يارب وتفضلوا سوا بخير ومبسوطين." "يارب يا حبيبتي، هو مالك فين يا ماما؟ "قاعد برا." "طب ممكن تناديه؟
خرجت نادته وشوية ودخل. "إيه يا حبيبتي، محتاجة حاجة؟ "أنا زعلانة منك." "ليه بس؟ "عشان لما بتيجي مش بتقعد معايا وبتطلع تقعد برا، كأنك مش عايز تشوفني." "لا يا عيوني مقدرش، أنا بس.." "بس إيه؟ "مش قادر أسامح نفسي على اللي حصلك." "وانت ذنبك إيه؟ إني قولتلهم إني اتخانقت عشانك، لو مكنتش جبت سيرتك مكنش حصلك كل ده، أنا آسف، سامحني." خدته في حضني لما لقيته هيعيط. "يا عبيط، إزاي تفكر كده، أنا مقدرش أزعل منك أبداً."
"بس أنا السبب في اللي انتي فيه." "لا يا حبيبي، لا أنا ولا انت لينا ذنب في حاجة، وأنا مش زعلانة منك، انت أخويا وضهري وسندي، اوعى تفكر كده تاني." فجأة لقيت حد بيشده لورا. "انت بتعمل إيه يااض؟ "بحضن أختي يا عم." "مفيش منه الكلام ده بعد كده، وانتي، لو لقيتك واخداه في حضنك كده تاني هنفخك." "إيه يا سيف؟ "إيه يا عيون سيف." "أنا لسة هنا على فكرة." "اخرس." "حاضر." "انت لسة هتقعد، قدامي على تحت، قدامي." "طيب الله."
"وانتي، بصي قدامك." "بتزعقلي يا سيف؟ "وأنا أقدر يا عيون سيف." ضحكت على غزله اللي بقيت بموت فيه. خرجنا من المستشفى كلنا وطلعنا على بيت أهله، ماما وجدو معترضوش على إني أقعد هناك طالما هبقى في أمان. لما وصلنا البيت كانت والدته واقفة على الباب، ابتسامتها مليانة حنية وراحة. أول ما شافتني خرجت تستقبلني بنفسها، حضنتني بحنان الأم اللي بتطمن على بنتها. "نورتي بيتك يا حبيبتي." "منور بيكي يا طنط." ماما قربت سلمت عليها.
"شكراً يا نادية على وقفتكوا معانا، مش عارفة أشكركم إزاي بجد." "إحنا عيلة واحدة يا حورية، متقوليش كده، ليلى دي بنتي اللي مخلفتهوش." والد سيف كمان كان واقف، سلم عليا وابتسم للكل. "طمنيني يا ست حورية، ليلى في عينينا، وسيف مش هيسيبها لحظة." ساعتها شفت في عيون ماما لمعة راحة، كأنها لأول مرة من فترة طويلة تحس إن بنتها فعلاً بأمان.
دخلنا الصالون وقعدنا شوية كلنا، الجو كان بسيط ودافي، كلامهم طبيعي مفيهوش تكلف ولا حرج، وكأنهم بيحاولوا يطمنوني من غير ما يبينوا إنهم بيطبطبوا عليا. بعد شوية سيف نزل يوصل أهلي ورجع. طنط نادية كانت ورتني الأوضة اللي هقعد فيها، وصيتني أرتاح ومقومش من السرير. رجع سيف وخبط على الباب. "اتفضل." "ممكن أدخل؟ "يعني كفاية إني خدت أوضتك." "وأنا أطول القمر ده يقعد فيها." "بقيت بتغازلني كتير، خد بالك هتعود على كده."
"اتعودي واتدلعي واعملي كل اللي نفسك فيه." "إذا كان كده ماشي." "عجبتك أوضتي؟ "جداً، تشبهلك." "تشبهلي؟ إزاي؟ بصيت حواليا على الحيطان، على الصور الصغيرة، على المكتب المرتب بعشوائية سيف المعتادة. "دافية زيك، هادية، فيها ريحة أمانك." ضحك وقال بنبرة صوت فيها غزل حقيقي. "الأوضة كانت ناقصة حاجة واحدة بس.. كانت ناقصاكي انتي." حسيت بالخجل بس ابتسمت وحاولت أغير الموضوع. "انت مش هتعرف تقعد في حتة غير أوضتك صح؟
قرب مني أكتر ومد إيده يرجع خصلة شعر ورا ودني. "الأوضة ليكي، والبيت ليكي، وقلبي ليكي." حسيت الكلمة الأخيرة نزلت عليا زي نسمة دافية بعد يوم طويل. فضلنا باصين لبعض لحد ما فجأة طنط دخلت. "آه يا سوسة، بتعمل إيه هنا يا ولا؟ "إيه يا نونو قاعد مع مراتي؟ "وانت قلتلي الأول قبل ما تدخلها." "هستأذن وأنا داخل لمراتي ولا إيه؟ "أيوه طبعاً، طول ما هي في البيت ده اياك المحك قريب منها، سامع؟ "انت بتتكلم جد ولا إيه؟
"إيه يا ماما اللي أقوله يتسمع، وبلا بقا ورينا عرض كتافك يلا." فضلت تزقه وهي بتضحك نص ضحكة ونص جد، وسيف مش مصدق إنها فعلاً بتطرده من أوضته. "يا ماما مش كده، دا أنا جوزها يعني." "ما يخصنيش يا حبيبي أنا قلت اللي عندي." "خلاص يا طنط سيبيه، دا حتى كان بيهزر." "ماهو بيهزر كتير اليومين دول، يلا يا سيف." خرج وهو بيبص ليها من على الباب، عامل فيها زعلان ومكشر.
"خلاص يا ليلى، أصلاً شكلي مطرود رسمي، وعلى فكرة بقا يا ست الكل، أنا هرجع حقي قريب." قعدت على السرير ولسه الضحكة على وشي، لكن معاها إحساس غريب بالراحة. بصيت حواليا على الحيطان، على النور الهادي، على ريحة البيت اللي فيها دفا وعيلة حقيقية. يمكن فعلاً هنا هتبدأ حياتي من أول وجديد. سمعت صوت سيف بيضحك مع باباه تحت، وصوت طنط وهي بتناديه يجهز معاها الغدا. أصوات مطمئني إن في ناس حواليا بتحبني بجد.
غمضت عيني، وحسيت لأول مرة من زمان إن في مكان ليا وسط الناس دي، مكان فيه حب من غير خوف، وفيه حياة مش لازم أدفع تمنها غالي. حطيت إيدي على قلبي ودعيت ربنا بصوت خافت. "يا رب يكون فعلاً بداية جديدة، بداية من غير خوف ولا وجع." فردت جسمي على السرير براحة وعلى وشي ابتسامة صغيرة، ابتسامة فيها أمل كنت فاكرة إنه مات من زمان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!