كان منكباً على دراسة بعض أوراق العمل يفحصها، استمع لطرقات على باب مكتبه؛ فسمح للطارق بالدخول. طرقات كعب حذائها جذبت انتباهه؛ فرفع رأسه وثبت نظره عليها. سارة، لقد نسيها وتناسى اتفاقه معها، الذي ندم عليه أشد الندم. سعد عندما لم يصله ردها طوال الفترة السابقة؛ فاعتقد برفضها. كم شعر بالراحة حينها! لكن ما الذي أتى بها الآن؟ أعادتها من شروده الذي طال. "طاب قول لي تفضلي." "اتفضلي طبعًا، تشربي إيه؟ "هنا! "مش فاهم."
طالعته بتدقيق. "في بينا عرض لسه ما ردتش عليه، ولا نسيت." "افتكرت عدم ردك رفض." "فهمتني غلط، أنا قولت لك بحب أفكر بتأني وهدوء؛ ده قرار مصيري ومهم، لازم آخد وقتي." شعر بالغضب يغمره. أراد رفضها وبخ نفسه طويلًا لعرض الأمر عليها. طال صمته فأثار غضبها. "أفتكر إن أنت اللي عرضت الموضوع عليا، مش العكس." نهضت؛ فتدارك الموقف. هو خطأه من البداية، ما كان عليه الرضوخ لإلحاح والدته واتخاذ خطوة يندم عليها. "آسف، ما قصدتش، اقعدي."
لم تخفِ ضيقها ولديها كل الحق. "اعتذر مرة تانية، حقيقي مش قاصد اللي فهمتيه، أحب أسمع قرارك، ولو رفضتي طبعًا مقدر موقفك وعندك حق." "لكن أنا موافقة." أجابته ببسمة واثقة، فتنحنح يزيل آثار صدمته. "متأكدة، هتقدري؟ "أكيد، أدام وافقت أدخل المنافسة دي، يبقى أكيد فكرت كويس وقدها." "منافسة!!! "منافسة بيني وبين واحدة زيها زي اسمها طيف، حاجة عابرة مقترنة بالشيطان، زي المس." ضرب بيده المكتب معترضًا.
"آنسة سارة، أعتقد قولت لك مش مسموح لأي حد يغلط في التاني، لأي سبب، خصوصًا لو الغلط فيها، يا ريت تاخدي بالك." "أنا مغلطتش فيك أو فيها، هو اسمها معناه كده." أحب أن أصحح معلوماتك عن الاسم، طيف هو الخيال أو ما يرى عن بعد ومشتق من أصل عربي، ومن ضمن معانيه قوس قزح، أو خيال اليقظة، مش زي ما بتقولي، واللي بالرغم من صحته بس مش ده المعنى المقصود. أحتقن وجهها غضبًا. "أنت مذاكر معنى اسمها! للدرجة دي!
اللي أعرفه إن المقابلات بينكم كانت صدفة ومن بعيد لبعيد، أنا ما شفتش كدة." "ولا هتشوفي، وليكِ القرار زي ما قولت لك، لو قلقانة أو مش عايزة تمام ده أصلًا حقك، أي حد مكانك لازم يخاف." أدركت تراجعه، لكنه أشعل تحديها، وهي تعشق التحدي وبات هدفها الجديد، ستخوضه وستنتصر مهما كلفها ذلك، تعشق التحدي حد الحماقة.
"أنا قولت لبابي على عرضك، وكمان بلغته موافقتي، بما إن مر ثلاث شهور على كلامنا فالخطوبة عمرها تسع شهور أو ستة مش فارق كتير." "لأ، الخطوبة سنة أو سنة ونص، مش مقبول أنها تقل عن كده، وممكن تزيد براحتك، الفترة اللي فكرتي فيها مش من ضمنها، لازم نتعامل مع بعض ونشوف كل طرف هيتحمل التاني ولا لأ؟ ويا نكمل يا إما كل واحد من طريق." "تمام، لكن ليا شروط." "سامعك."
"أنا بحب الخروج، لو مش فاضي هخرج مع أصحابي، وأكيد بروح أماكن تليق بمركز بابي، يتعمل لي فرح كبير، نأجل الأولاد سنة أو سنتين، ناخد على بعض ونشوف حياتنا ماشية إزاي، ما تتكلمش معايا عن الهانم ولا تجيب سيرتها بخير أو شر، أوك." "أولًا الخروج بحدود سواء قبل أو بعد الجواز، ومش مع زملاء لكن زميلات براحتك، الفرح معقول على قد إمكانياتي، وموضوع الإنجاب عندك حق موافق، أما سيرتها فدي بتاعتي أنا ومش بكلم عنها مع أي حد طبعًا."
تملَّكها الغيظ، يجمعها بالآخرين ويراها أقل من أن يتحدث معها عن غريمتها، فضلًا على أنه يتحدث عن طيف بغيابها أفضل مما يتحدث معها، يخصها بمكانة مميزة. تذكرت كلمات والدها وأنها ستبقى ما حيت معه بالمرتبة الثانية؛ فهمست لنفسها: "هكون رقم واحد واتنين وتلاتة كمان، وأنت يا طيف مش هيكون لكِ وجود أصلًا، هتبقي طيف مر وانتهى، وعد." "بتقولي حاجة؟ "لأ، هتقابل بابي امتى؟ "قريب."
انتشى بما فعله بها، افتخر بصنعه وقرر مكافأة ذاته بالتنزه لبعض الوقت، قصد منزله، ارتدى أفضل ما لديه، ثم خرج لتناول طعام الغداء، ثم جلس بمكان مفتوح. زار والده ولم ينسَ يترك هدية لزوجته، كالتي أهداها إليها بيوم بشارته بحمل طيف. تعمد العودة بوقت متأخر، يتوقع مواجهته مع والدته، وكما توقع وجدها كمن تجلس فوق بركان ثائر. بمجرد مروره أمام بابها؛ فتحته بوجه محتقن وأعين متورمة يشع منها التحفز. كاد يتحرك فأوقفه صوتها. "عايزاك."
"بكرة، أنا راجع مبسوط وأعتقد هنتكلم في حاجة تضايقنا إحنا الاتنين." "مش بسألك امتى، عايزاك دلوقتي يا شهاب." أغمض عينه بمقت وتنفس بعمق. "حاضر، هدخل معاكِ." "عندك، مش عايزة مراتك تسمع."
ابتسم بسخرية لم ترها، قابلته عقب دلوفهما، نظرت داخل عينه التي أضحت لها مبهمة التعابير كتصرفاته، بادلها بأخرى ثابتة قوية، لم يتأثر بحالتها. بعد صمت ساد لثوانٍ ربما دقائق، صفعته صفعة مدوية أذهلته. اتسعت مقلتيه بصدمة غاضبة لم يتوقع، أو يجول بعقله تلك الخاطرة، لم تفعلها أبدًا، حتى عقابها بالطفولة لم يكن ضربًا. ما جد عليها؟ ترجم عقله، إنها طيف، هي السبب. "بتضربيني! تضربيني عشانها! هأنزل أكسر لك عضمها دلوقتي."
كاد يتخطاها لينفذ قوله؛ فوقت أمامه ودفعته من صدره، صرخت بكلمات تفوح قهرًا وخيبة. "ما تهددنيش! ومش هتقدر تعملها حاجة، وإلا وعزة وجلال الله! أنا اللي هاقف لك يا شهاب، عملت لك إيه عشان تعمل فيها كده؟ عملت لك إيه؟ دي لو في معتقل مش هيحصل فيها اللي عملته! ولو عملت يا أخي! ما كلنا بنغلط، ما إحنا بشر." "وأنا بشر ولو غلطت بضربها؛ فآسف." "آسف!!! بتستخف بأمك! أنت مش شايف نفسك!
أنت فكرت وخططت، شفت الوقت اللي تكون فيه لوحدها، ما شفعش عندك حملها، ما خفتش ثانية على بنتك اللي في بطنها، ضميرك! ضميرك فين؟ أخلاقك فين؟ دينك فين؟ ما خوفتش من ربنا يقتص منك؟! جبت الجبروت ده منين؟ أنا ماربتكش على كده، ما زرعتش فيك قسوة، ولا عاملتك بها، يبقى ليه؟ ليه؟ "عشان تستاهل، ده مقامها، عشان تبطل تتحداني، عشان مش بتسمع الكلام." "أنت سامع نفسك! سامع أسبابك! طيف لحم رجلها متقطع." صرخت بكامل صوتها.
"متقطع، فاهم عملت إيه؟ مش بتسمع الكلام! عملت إيه عشان تقول كده؟! ولو فرضنا مش مرتاح معاها طلقها وسيبها، مش تقطع رجلها، تربطها في السرير وتعري رجلها، حرام عليك!!! حراااااام، ربنا مش هيسيبك، قهرتني عليك، مش هتتحمل عقاب ربنا ليك، فوق من غفلتك، أفهم، أنت بقيت مريض، مريض يا شهاب ولازم تتعالج، من النهاردة، من دلوقتي تدور على دكتور نفسي، أنا هروح معاك مش هسيبك لازم تتعالج، لازم." "تتهمني أنا بالجنون عشانها!
"أنت مش مجنون، يا ريتك مجنون! كان وقتها رُفع القلم عنك، للأسف أنت مريض بتعذيب الآخرين." انتحبت بحسرة وزاغت أنظارها. "بقيت سادي يا شهاب، بقيت زي أبوك، لكن امتى؟ وازاي؟ أنا أخويتك وبعدت عشان ما تبقاش كده، بقيت كده إزاي!! بقيت ألعن منه، قول لي قصرت معاك في إيه؟ فنيت عمري عليك، لك لوحدك، رفضت الجواز عشانك، اكتفيت بك، عملت كل اللي أقدر عليه عشان تبقى شخص سوي." عادت تصرخ تخرج عذاب روحها، لعل نيران قلبها تهدأ ولو قليلًا!
تشعر أنها على شفا الاحتراق. "ليه بقيت كده؟! ليه؟! كنت بسيبك تروح له كل فترة، عشان ما تحسش بفقد الأب، كنت ببقى مرعوبة وهموت لحد ما ترجع وأشوف ضحكتك مرسومة على وشك، وقتها أرتاح وأطمن إنه ما أذاكش وأنت معاه، يبقى ليه؟ وازاي فهمني؟ خفضت نبرتها واختنقت بالبكاء. "قهرتني، قلبي مفطور بسببك." "يا ريتك بعدتيني عنه! نسيتي إن دي جينات بتجري في دمي زيه بالظبط! ما سألتش نفسك كنت برجع بضحك وسعيد ليه؟!
ليه كل مرة أرجع مبسوط أكتر من المرة اللي قبلها؟ ما فكرتيش بسمع هناك إيه؟ أقولك: كنت برجع مبسوط لأني عرفت اللي بابا بيعمله معاها، وكل ما أروح هناك بكون مخطط أعمل إيه عشان توصل لنفس النتيجة، وأسمع صريخها بالليل ورجاها له، ساعات كنت بشوفها الصبح تبوس إيده وتشكره على اللي عمله." تحدث ببسمة ساخرة. "بابا اتعلم منك؛ اتجوز واحدة تقبل على نفسها ده وترضى به وتحبه كمان، أنا مش سادي، عارفة الساديين بيعملوا إيه؟
بيأذوا كل ملي في الجسم، يستخدموا ويعملوا حاجات استحالة عقلك يتصورها، أنت قلبك مفتور عليها وعشانها، فضلتها عليَّ، أنا ابنك الوحيد، مقعداها معاك وبتخدميها، منعتيني عنك وعنها، خايفة عليها هي، لو عليا هعمل أضعاف اللي عملته، وبعد ما تولد مش هريحها يا ماما صدقيني هدفعها تمن بُعدك عني." نظرت له بصدمة تتصاعد مع كلماته تقتلها وتمزقها، شعرت بالإعياء، ثقلت أنفاسها وسقم قلبها.
"سبتك تروح له عشان تبقى سوي، كنت محتاج وجوده في حياتك، اتفقت معاه، يخليك بعيد عن أفعاله، ما عرفتش إن اليوم اللي هتروح له فيه في الأسبوع هيعمل معاها كده في وجودك." تهدجت أنفاسها. "كنت بموت في الدقيقة مليون مرة لما يجي في عقلي إنه ممكن يحرمني منك وما يرضاش يسيبك ترجع لي، وفي نفس الوقت كنت عايزة ما تتحرمش منه وهو عايش، كنت فاكرة في كل مرة إني بعمل ده لمصلحتك، في وجودك عنده الوحدة والخوف بيموتوني، واستحملت عشانك."
نظرت داخل مقلتيه واسترسلت. "بتقول مش سادي، لو فضلت كده هتوصل للي بتقول عليه، هيموت إحساسك وتتحول لمسخ، شكل إنسان وتصرفات حيوان مفترس، لازم تتعالج، أنا فعلًا بحب طيف، بس بحبها عشانك، عشان مراتك، عشان شايلة اسمك وبنتك، قلبي مقهور على حالك وحالها معاك، حاسة عمري ضاع وضيعتك، شايفة وحيدي ماشي في سكة ضلمة، آخرة اللي أنت فيه سواد، ربنا غضبان عليك من عمايلك وعامي عينك، اتقي ربنا في مراتك."
"مراتي هو ده قدرها، حتى أبوها كان بيعاملها كده، هي متعودة ما تشغلنيش بالك." "حرام عليك! الرسول قال رفقًا بالقوارير، فاهم يعني إيه؟ "وقال وأدبوهن." "حط لها شروط وأسباب وحدود ما سابهاش مفتوحة كده، ربنا أوصانا بالرحمة والتراحم ونزل سورة النساء من أكبر سور القرآن، أوصى فيها بحسن التعامل مع المرأة ووضح حقوقها، ولا أنت ما تعرفش من الدين غير وأدبوهن وبس." "أنا كنت بتعالج."
ثبت نظره على تعابيرها التي تجلت عليها الصدمة مع جملته، أنصتت بانتباه، نمت على وجهه ابتسامة سخرية خفيفة، مسترسلًا. "بابا أقنعني أتعالج، ده قبل جوازي بست سنين، تابعت سنتين كاملين، عارفة كنت بتعالج ليه؟ مش حبًا في العلاج، لكن لأني ما حبيتش إن اللي اتجوزها تكون زي مرات بابا، عايزة الحياة دي، فين المتعة في كده؟
المتعة الحقيقية في الإرغام، يكون في طرف ضعيف، هش في عالم السادية اللي بتقول لي عليه اسمه خضوع، وطيف مثال حي لده." جحظت مقلتاها وكاد قلبها يتوقف، لحديثه معنى جلل وخطر، هلك ابنها وضاع عمرها، سالت دماء قلبها مع كلماته.
"سألتيني قبل كده أعرفها منين، أنا أعرف كل تفاصيل حياة طيف كل حاجة أبوها عملها معاها، بعد سنة من بداية علاجي، وحسب كلام الدكتور، اتحسنت حالتي، كانت طيف وقتها في سنة أولى، كانت بتسيب الجامعة كلها وتيجي هي وصاحبتها تقعد جنب مكتبي تشتكي لها وتحكي اللي بيحصل لها، ما تعرفيش كنت بستمتع إزاي وأنا بسمعها؛ لدرجة إن غيابها كان يعصبني." التف إليها يتابع وقع كلماته عليها.
"مرة ورا مرة، لقيت إن واحدة زيها بانكسارها وقبولها لأي بهدلة بتحصل لها، أنسب مثال للصورة اللي بخيالي، حظها أو قدرها خلاها تيجي جنب مكتبي وتحكي وكمان تخلي المكان ده الأساسي لها ولصاحبتها، أهم خمس أيام بالأسبوع، وأبوها الصراحة ما قصرش في حاجة، كل يوم بحكاية، يمكن أنا حاطط قواعد تمشي عليها لو خالفت أعاقب، لكن هو همجي، يضرب لمجرد الضرب، بعد مرور سنة من حكاويها وقفت العلاج وبطلت أتابع، في آخر سنة أبوها قرر يجوزها لأول واحد يطلبها، ودي كانت فرصتي، لما قولت لك هتبات عنده، كنت بعاقبها بإيده، غابت عنك عشر أيام أو أكتر، بسبب آثار الضرب عليها."
ابتسم بانتشاء، وثبت عينه بعين والدته يثبت لها أنه ليس الضاري الوحيد بهذا العالم. "حزامه علم في كل جسمها، بالمعنى الحرفي مش تضخيم، ده غير طرق تانية، حرمها من النوم لحد ما أغمي عليها، عاملها زي الخدم." ابتسم بتهكم. "أكلها في المطبخ زيهم بالظبط، وقبل ما تسألي، أنا خليتها تحكي بالتفصيل، ما هي ما تقدرش تعترض أو تكذب، بس أنتِ خليتيها تكذب، تخالفني وتتحداني، لمدة شهر كامل، كان لازم عقابها يكون قد اللي عملته."
فاضت دموعها تكوي قلبها ووجهها، لا تعي كمية التجبر بهما، نظرات ابنها المتشفية والمنتشية جعلتها تراه غريبًا عنها، سفاح احتل جسد ابنها؛ خطت إليه بخطى سريعة، قبضت على ذراعه، تعنفه بالحديث. "أنتم إيه؟!! أكيد مش بشر زينا، ليه؟ ليه تستقوا كده؟ ليه تعملوا فيها كده؟ نظر لها بابتسامة استخفاف لأمر طيف، وتحدث.
"مش بقولك زعلانة عليها هي وبتحبيها هي مش أنا، وعد مني يا ماما، وعد هدفعها تمن القلم اللي خدته منك ده أضعاف، هذلها ذل ما شافتهوش قبل كده." تراجعت للخلف بصدمة، ثم جففت دموعها، وتحدثت بقوة وصلابة تنافي وجع قلبها لتشكيكه في حبها له. "يبقى طلقها." "لأ." خطت مغادرة وأخبرته بثقة وإصرار.
"يبقى هدور لها على محامي وهارفع عليك قضية طلاق وأثبت الجروح اللي في جسمها وأشهد معها وهخلي الدكتورة تشهد وهتكفل بها يا شهاب وفكر، فكر بس تقرب منها! اندفع إليها ثائرًا وقد تغلب عليه شيطانه؛ فأعماه، قبض أعلى ذراعيها، تحدث وهو يعنفها، يرجع جسدها بهستيريا، جحظت عينها وأصبحت بعالم آخر، لم تتصور يومًا مهما حدث أن يفعل بها ابنها يفعل. "ليه بتعملي معايا كده؟ أنت أمي أنا مش هي، ليه حبها أكتر مني؟ ليه اختارتيها هي مش أنا؟
أنا ابنك الوحيد المفروض تكوني في صفي حتى لو غلطان." انهارت كل قواها، وتصدعت حصونها، تمزق قلبها وتناثرت أشلائه، انتحبت المشاعر، رفضت جميع حواسها ما بدر منه، رفض عقلها؛ فرحمها جسدها وأعلن تضامنه؛ فشعرت بدوار شديد، وهوى العالم من حولها؛ غابت عن الدنيا بقساوتها وغدرها، سقطت بين يديه ودموعها تغرق وجهها. هوى قلبه بسقوطها، انتبه لسوء فعله، زاد ضغطه عليها، ألقى على سمعها ما لن تتحمل، لم يتصور يومًا أن يؤلمها، فكيف فعل!!!
حملها لفراشه، ربت على وجهها برفق محاولًا إيقاظها دون جدوى، اعتذر مرارًا، اتصل بصديقتها تُسعفها، أتت على غير رغبة من أجل صديقتها فقط، أصبحت تبغضه وتوقعت أنه سبب حالة والدته، حدجته بنظرات غاضبة، أتمت كشفها وتعاملت معه برسمية. يجوب المكان ذهابًا وإيابًا بتوتر جم، يلوم نفسه ويؤنبها، ليس للموقف إجمالًا، لكن لسقوطها فقط، يرى أنه مذنب بفعله فقط لا بسلسلة اعترافاته. خرجت إليه الطبيبة متحفزة.
"ضغطها مرتفع جدًا، كانت على شفا حدوث انفجار بالمخ، شهاب أنت كده بتقتل أمك." بالغ بانفعاله، كاد يفقدها، لأول مرة يشعر بالخوف. "انقلها مستشفى أفضل؟ "لو فضلت على حالتها وضغطها مش بينزل هنحتاج طبعًا، بس لو الجو حواليها هادي، ونزيل سبب حالتها ده أفضل؛ الأدوية لوحدها مش الحل، المهم نقضي على السبب يا شهاب، عشان حالتها ما تتدهورش، فاهمني؟ "أكيد، هعمل أي حاجة المهم تبقي كويسة."
"دي الأدوية والمواعيد التزموا بوقتها، هي نايمة دلوقتي في الغالب هتصحى الصبح، محدش يزعجها." جذب كرسي وجلس بجانبها، يطالعها بعتاب واعتذار، ظل هكذا حتى غلبه النوم. حل الليل، يحمل الراحة للبعض، كما حمل الألم للبعض الآخر، جفون غفت وأخرى سهدت.
مع بزوغ الفجر وبدايات الصباح فتحت والدته مقلتيها، طالعت المكان حولها، هي بغرفة شهاب، داهمتها ذكريات الأمس، لم يكن كابوسًا، واقع مخيف صادم، أغلقت مقلتيها بوجع، نظرت إليه بعتاب صامت لم يدركه؛ فقد غلبه النوم أثناء جلوسه جانبها يتابعها، أجبرت جسدها الواهن على النهوض دون جلبة، عادت لشقتها، ثم غرفة نومها، التي تشاركها بها طيف، لسوء حالة فراشها، خطت بوهن واغلقت باب الغرفة بالمفتاح واحتفظت به بجيب ملابسها، استلقت جانب طيف وانسابت دموعها الصامتة، لم يتوقف عقلها حتى أخذها النوم عنوة.
انتفض من نومه فزعًا، يناديها، أسوأ كابوس رآه على الإطلاق، طالع حوله يتأكد من مكان تواجده، استعاذ بالله من الشيطان، ثم نهض وبدأ يومه كما اعتاد وذهب إلى عمله. ظل شارد معظم الوقت، لم يستطع التركيز، يتحدث معه طارق ويعيد عليه مناقشة سير العمل، ثم يعود ويعيد له ما سرد، حتى مل. "في إيه يا مؤنس؟ مالك؟ أعاد ظهره للخلف وتنهد بتعب. "تعبان يا طارق تعباااان." "إيه اللي تعبك؟ نروح المستشفى؟ دق على موضع قلبه.
"ده اللي تاعبني، دبست نفسي في مشروع خطوبة مش عايزة، فوق ده حلمت بها تعبانة وبتصرخ، بتنادي عليا بكل قوتها وتقولي ساعدني بغرق." تنهد بيأس من حالة صديقه المستعصية. "حالتك صعبة قوي يا مؤنس، بجد لازم تتعالج، أنت كده أوفر بجد، بقالك ثلاث سنين بتدور عليها بدون نتيجة، هي كويسة أو لأ، مش مشكلتك، لو هي تعبانة يبقى أبوها السبب وهي بسكوتها وضعفها، ما تحملش نفسك حمل مش بتاعك، وخطوبتك دي أحسن حاجة عملتها، يمكن تنسيك طيف وحكايتها!
"ما فيش حاجة ممكن تخليني أنساها، أنا غلطت ودبست نفسي، سمعت كلامك أنت وماما، حبيت أريحكم، وأنا لوحدي اللي هتعب." "طب ركز بقي عشان في حركة ترقيات قريب خلينا نترقى ونكبر، ولا أنت ضامن إن سيادة اللواء هيرقيك عشان الخطوبة وكده." "أنت عارف كويس أني مش استغلالي، ولو كنت انتبهت لده قبل ما أكلمها كنت تراجعت." "يا عم ما تقلبهاش تراچيديا، أنت متأكد أني بهزر، يلا نشوف شغلنا."
استيقظ يشعر بألم بسائر جسده، نظر إلى موضع نوم والدته، ولم يجدها، بحث عنها بشقته فلم يجدها، فذهب إلى شقتها وحاول فتح غرفتها؛ فوجدها مغلقة بالمفتاح طرق على الباب بهدوء. "ماما، ماما افتحي الباب، طيب طمنيني عليكِ، متزعليش."
انتبهت على صوته ورجائه، ظلت على وضعها تشعر بثقل مؤلم بقلبها، يتردد اتهامه على مسامعها، أغلقت جفنيها تستجدي عقلها التوقف عن التفكير وعدم استرجاع حوارهما، تتسلل العبرات هربًا من أسرهما خلف جفونها المغلقة. طرقاته المتوالية أيقظت طيف، شعرت بالألم يطرق كامل جسدها، ينبعث منها رائحة المطهر والأدوية التي ضمدت بها ساقيها، ألقى صوته بداخلها الخوف، تحاملت على نفسها وخطت ناحية الباب، لم تتصور سماع نبرة الرجاء بصوته أبدًا.
"يا ماما افتحي خدي العلاج، هتتعبي زيادة كده، طيب افتحي نتكلم، هعمل اللي يريحك، أنا ممكن أكسر الباب بس مش عايز أزعلك تاني." تستند على كل ما يقابلها، تلتمس منه الدعم، يمنعها السقوط، استنزفت المتبقي من نطقها حتى وصلت للباب، استندت على الحائط بكامل جسدها، تلاحقت أنفاسها المجهدة، وأجابت نداءه؛ فخرج صوتها مرتجف رغم وجود حائل بينهما. "طنط نايمة لسه، هو العلاج فين؟ وجودها بالداخل أغضبه. "بتعملي إيه عندك؟
"طنط أصرت؛ عشان السرير مش نضيف، والله! ضرب الباب بقوة افزعتها. "افتحي." "مقفول بالمفتاح ومش موجود." ضرب الباب بقوة غاضبة، ثم رحل، وبصعوبة شديدة عادت للفراش، صدرت منها تأوهات خافتة حين حاولت رفع ساقها، غلبتها دموعها ترثي حالها؛ فنهضت الأم تعاونها براحة وبطء، ثم عادت لموضعها تستلقي بوَهن. دنت طيف إليها، تمسد على رأسها بحنان. "ما تزعليش منه، ده نصيبي وأنا مسلمة أمري لله."
تبادلتا النظرات، مشفقة متسائلة تناظر أخرى راضية تبتسم بحزن عميق مستقر بالقلب. "انتي يا طنط عنده غير، مكانتك كبيرة، شوفت تعامله معاكِ ومع والده، صحيح يحترمه، لكن الكلامهم فيه ندية، غيرك، بيرضيكِ ولو هيتضايق، أكبر ليل وجودي هنا، مضايقه قوي، لكن مش عايز يزعلك، هو عصبي ولما يغضب مش بيميز بيتعامل مع مين وازاي، لكن أنتِ الحب الوحيد في حياته." ابتسمت مع جملتها الأخيرة؛ فابتسمت الأم بحزن جلي، واستطردت طيف.
"يمكن لو بعدتي، يثور أكتر، أنا عارفة معنى أن أمك أغلى حد في حياتك وتضيع فجأة، بس أنا أمي مش بإيدها عمرها وأجلها، حتى لو كان بابا هو سبب مرضها وموتها، لكن انتِ يا طنط ربنا يديكِ الصحة ويخليكِ لنا، في وسطنا، عارفة المفروض أشكر شهاب؛ لأنه اداني أم اتسند عليها، خدي علاجك، قربي منه وسامحيه أنتِ أمه غيري، أنا متأكدة أنك زعلانة منه وعشانه، وهو بالرغم من جبروته بس قدامك ضعيف."
اختفت بسمتها الهزيلة، وانكسر داخلها مع جملتها الأخيرة؛ فارتبكت طيف. "آسفة، أقصد إن ليكِ قدر ومعزة عنده." صمتت الكلمات بانتهاء حديثهما، شردتا كل منهما تغوص في أحزانها، مرَّت فترة، ثم استمعتا لصوت شهاب. "ارجعي أوضتك، أنا خارج ساعتين، أجي تكوني هناك، ماما أنا هجيب أكل وأنا جاي، ما تتعبيش نفسك."
بسمة مرهقة ارتسمت فوق شفاههما، ثم تحركتا عقب مغادرته، عادت طيف لغرفتها بمعاونة الأم، التي تأكدت أن شهاب قد أزال آثار إثمه، أيقنتا أنه فعل لأجل والدته، يغار عليها أو يشعر بملكيتها، لم تغفل الأم عن الاهتمام بأدوية طيف وطعامها رغم مرضها وضعفها البادي، وكذلك اهتمت طيف، فتحدثت ببسمة. "لو هتاكلي معايا وتاخدي العلاج أنا كمان هاكل وأخد العلاج." "ليه متحملاه؟
"بابا كان بيعمل أصعب منه، ضرب وإهانة، وفوق كل ده، الجيران تتفرج عليَّ كل يوم، على الأقل شهاب بيعمل ده بيني وبينه، غير أنك موجودة في حياتي، أم تانية، برتاح لكِ من وقت الخطوبة، بحب وجودك." "بتكرهيه! هربت بمقلتيها، لن تستطيع إجابتها فهو بالنهاية ابنها الأقرب لها؛ فطلب منها الأم برجاء. "ما تدعيش عليه يا طيف، لو بتحبيني فعلاً بلاش، هو مش قد دعوة المظلوم."
امتلأت مقلتاها بدموع حبيسة وتوهجت، ثم أومأت محاولة رسم ابتسامة مغتصبة. "همنع أذاه عنك، لو عنَّد هساعدك تطلقي، هحميكِ وهشوف لك سكن وهأمن لك اللي ما تحتاجيش به لحد، مش هقبل لك اللي رفضته زمان، ما تخافيش." طالعتها بشكر وعقلها يتساءل غير مصدق: أحقًا اقتربت معاناتها من الانتهاء؟! ادعتا تناول الطعام، ثم توجهت الأم لغرفتها بعدما غفت طيف، شردت بحديث طيف، وكلمات شهاب، لازمها الحزن وارهقها التفكير.
عاد يجول بنظره بحثًا عن والدته، وجدها بغرفتها نصف جالسة على مضجعها، سكن الحزن وجهها أبْدل معالمها البشوشة النضرة باتت عابسة ذابلة، جلس أمامها؛ فحجبت مقلتاها عنه؛ زفر بضيق، سحب شهيق غاضب عميق، تحكم بنبرة صوته؛ كي لا يزيد حزنها. "مقطعانى بردو عشانها، آسف للي حصل مني امبارح، مش عارف عملت كده إزاي! والله ما حسيتش بنفسي! ردي عليَّ! أنا نضفت أوضتها واشتريت مرتبة جديدة، طيب عايزاني أعمل إيه وأنا أعمله."
ثبت بصره عليها لعلها تستجيب لندائه!
لكنها ظلت ثابتة، امتنعت حتى عن النظر له، زفر بضيق ويأس، ثم عاد لغرفته، اختلى بنفسه في خضم معركة طاحنة بين أفكار متداخلة، البعض يدفعه للعمل على إرضاء والدته، وجانب يعزز كبره ويحفزه للثأر من طيف يحملها سبب جفاء والدته، وجزء يذكره باستمتعه بلحظات إذلالها، وآخر يوبخه لما فعله بوالدته التي أفنت عمرها عليه، يعيد عليه لحظة سقوطها بين يديه، أغلق عينيه وشدد على إغلاقها، لعله يحذفها من مخيلته!
ظل بتخبطه لفترة، ينحاز لكل جانب حين، حتى سيطر شيطانه، يزين هواه.
مر اليوم بصمت تام، بالكاد تتحرك والدته من أجل الاهتمام بطيف، واجتماع صامت لعدة ثوان تدعي فيها مشاركته الطعام، يعاد بمخيلتها فعله معها وكلماته القاتلة، فتنسدل دموعها تحفر مجراها على وجهها. يراقب أفعالهما، طيف تذهب كل فترة لتطمئن على والدته، تستند على كل ما يقع بطريقها لا تستطيع الاعتماد على ساقها، لم تؤثر به لا الآن ولا بالسابق، لم يتعاطف معها يومًا، يجد ضعفها دعوة صريحة وترحيب لكل من يرغب في إيذائها، هي لم ولن تعترض، تهوى دور الضحية؛ إذن فلها ما أرادت. والدته بنت أسوار الصمت بينهما، كلما حاول كسره امتنعت.
صباح جديد، بدأ برياح خفيفة محملة ببعض الأتربة، تتغلغل بالصدور فتضيق الأنفاس، يراقب ساعته بملل، يمر الوقت بهدوء مميت وثقل، لا يستطيع تحمل النيران المشتعلة بصدره وعقله، لا يعلم متى ستنهي والدته عزلتها، تحرمه منها وبالمقابل تغدق تلك الطيف بحنانها. أخيرًا مر الوقت وعاد إليها، كما تركها وجدها، تعزل نفسها بغرفتها، ساهمة، جلس أمامها يخفي داخله ضيقه، ألمه، غيرته ورجاءه. "عمرك ما قطعتيني كده."
رمقته بعتاب ثم حادت عينها عنه، شعر بالتعب يعي خطأه تجاهها، ولا يتحمل بعدها. "لأمتى طيب؟ أنا غلطان في كلامي واللي عملته معاكِ صدقيني مش عارف عملت كده إزاي!!! بتفضليها عليا، طب ليه؟ اللي عايزاه هعمله، بس اتكلمي معايا." أجابته دموعها؛ فنهض يدور حول نفسه يمسح على رأسه بغضب. "مش بعرف أعمل زيها وأقول كلامها، تقيل على لساني، مش بعرف أذل نفسي، لا أنتِ عودتيني على ده ولا هو." ضرب الجدار بقوة، قابلها ثائرًا.
"أعمل إيه عشان تتكلمي؟ ما تفضليش مقطعانى كده." كأسد جريح يزأر لعله يجد من يساعده! أشفقت عليه وخرجت عن صمتها. "لو فارق معاك لازم تسمع كلامي كله." يكاد لا يصدق أذنيه، تتحدث أخيرًا! سمع صوتها من جديد، جلس أمامها يصغي يأمل عفوها. "تتعامل كويس مع مراتك، لا تهينها ولا تمد إيدك عليها، ولو مش قادر طلقها، بنتك هتكون بينكم، أنا أضمن لك تشوفها وقت ما تحب وأنت توعدني عمرك ما تحرمها من أمها مهما حصل." "مش هطلق يا ماما."
"ربنا قال في كتابه العزيز، بسم الله الرحمن الرحيم "فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ" "فاهم يعني إيه! يعني يا تخليها على ذمتك وتعاملها بما يرضي الله، يا تطلقها بردو بما يرضي الله، بلاش تظلم نفسك." "ليه بتعملي كده؟ بتفضليها عليا! ليه؟ "يا ريت أقدر أفضلها!
الحقيقة أني خايفة عليك، أنت مش قد دعوة المظلوم، لأن ما فيش بينها وبين ربنا حجاب، ولو مراتك فوضت أمرها لله في عمايلك ربنا هيقتص منك بقدره وعزته، وأنت مش قد أي حاجة من دول، ربنا أقسم بعزته وجلاله أنه ينصر المظلوم ولو بعد حين، الظالم ربنا يقتص منه دنيا وآخره يا شهاب، أنت ترضي على بنتك ده، أنا خايفة عليك افهم، أنت ابني الوحيد." "بنتي هصونها من البداية، أنا مش بظلم طيف، عقابها على قد فعلها، وعدم سماعها كلامي."
"امشي يا شهاب، ما تتكلمش معايا... "هتجاوز عن بعض أخطائها، ومش هاستخدم أي أدوات تاني لعقابها." "قوم يا شهاب." زفر بضيق. "حاضر." "تتعالج، تدور على دكتور شاطر وتتابع معاه وأنا جنبك، أنا مش بقولك ده عشان أريح ضميري، لكن بعمل ده عشانك، عشان تبطل أفعالك دي وربنا يرضى عنك، ويشيل الغمامة اللي عمت عينك وينور بصيرتك." "موافق، خلاص كده ولا لسه." "آخر حاجة، تقعدوا معايا هنا." تفرسها بغضب، ألهذه الدرجة تحاول حمايتها منه؟!
لن يخالفها كي لا يزيد عذابها ومرضها، شعرت بتخبطه فأوضحت بكلمات حنونة راجية. "صعب تتغير بين يوم وليلة، هنا هقدر أساعدك بكل طاقتي، مش هسيب موقف يضايقك أو يغضبك، هكون سندك، هتكون معاك في أوضتك زي أي زوجين، بس نروح للدكتور؟ مش هنقول لها أو نعرفها حاجة." ضمَّت كفه بين راحتيها ونظرت داخل عينه برجاء. "عشان خاطري يا شهاب، وافق يا حبيبي، ما توجعش قلبي عليك يا حبيبي." أغمض عينيه يبتلع غضبه. "موافق."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!