ابتلع ريقه واقترب مباشرةً من عز وصافحه والقلق يطغو في نبرته عندما تساءل: _هو فيه حاجة يا أونكل؟ أشار عز إلى الأريكة يدعوه للجلوس مُمهدًا للحديث: _اقعد يا حبيبي الأول... جلس آدم على طرف الأريكة، واختلس نظرة أخيرة على ڤاليا ذات الرأس المُنحني، ثم انتبه على صوت عز الذي بدأ كلامه بنبرةً متوترة: _آدم يا حبيبي أنت عارف إن كل شيء قسمة ونصيب، ومش كل اللي عايزينه بيكون مقدر ومكتوب لينا...
_هو فيه إيه يا أونكل، ياريت حضرتك تكلمني بكل بصراحة، مش بحب التمهيدات دي.. هتفها آدم بنفاذ صبر، فأجبر عز على التصريح بما دعاه للمجيء من أجله وهو يُعطيه عُلبة الحُلي: _كل شيء وقسمة نصيب يا آدم، ڤاليا هتبقى بتظلمك معاها لو كملت في العلاقة دي.. اهتز كيان آدم بشدة؛ شعر بقلبه يخفق بقوة، حالة مريبة قد تملكت منه جعلته غير قادر على التحدث، حمحم ليُساعد كلماته الحبيسة على الخروج فقال: _ممكن أفهم إيه السبب؟
يعني لو أنا كنت عملت حاجة ممكن أغيرها.. _أنت معملتش أي حاجة يا آدم والله، بس الموضوع قبول وراحة وڤاليا للأسف مش حاسة بالحاجات دي.. هتفها عز ناهيًا الحوار فشعر آدم بغصة في حلقه، اختلس نظرةً على ڤاليا الواقفة على مسافة قريبة وهو يُحادث عز: _ممكن يا أونكل أتكلم مع ڤاليا لوحدنا... شعر عز بالآسى حِيال محاولاته البائسة التي لن تجدي نفعًا مع إبنته، تنهد ورفض طلبه حتى لا يُصعب الأمر على كليهما:
_آدم يا حبيبي، متصعبش الأمور على نفسك وعليها، لو فيه كلام كان يتقال صدقني مُكناش قاعدين دلوقتي بنتكلم.. هز آدم رأسه بخيبة أمل كبيرة، أخذ عُلبة الحُلي ونهض وعينيه تهربان من عيون الآخرين، سار حتى وقف بجوار ڤاليا فألقى نظرةً أخيرة عليها قبل ذهابه، خرج من الفيلا ووقف على الباب يستنشق الهواء الذي فقده في الداخل.
شعر باختناقٍ يلتف حول عنقه فجأة، ففتح بعضًا من أزار القميص ثم توجه إلى السيارة وقام بالجلوس خلف الطارة، وألقى العُلبة جانبًا، أخذ يتنفس وهو يُتابع بنظره الفيلا ثم انطلق بالسيارة مبتعدًا عن المكان. عاد إلى البيت، وصف السيارة بإهمالٍ ثم ترجل وهو بالكاد يرى أمامه، جر قدميه بِثقل حتى دلف الفيلا فاستقبلته والدته وهي تصرخ بغضبٍ: _أبوك اتجوزها عليا!!
بعد كل سنين الحرمان اللي أنا عشتها على أمل يرجع ليا في يوم ندمان وفي الآخر يرجع لها!! لم يُعقب آدم وكأنه لم يستمع لحرفٍ مما قيل، مر بجوارها وتابع صعوده إلى الطابق العلوي حيث غرفته تحت نظراتها المستشاطة، لم تقبل حورية عدم مبالاته لأمرها، وصعدت الدرج خلفه بخُطواتٍ ثائرة حتى بلغت غرفته ووقفت تنهره مُعنفة: _هو أنت مش سامعني؟ ولا حاسس بلي اللي أنا حاسة بيه!! _أنا وڤاليا سيبنا بعض..
قالها آدم بصوتٍ مهزوز فأجبر والدته على الصمت، انتباها الدهشة ووقفت تتطلع به بعيون مُتسعة لا تصدق ما وقع على أذنيها، وبعد مدة كانت قد استوعبت ما سمعته وتوجهت ناحيته ثم جلست بجواره تربت على ذراعه ورددت بهدوءٍ متأثرة لحالته: _إيه اللي حصل بس يا حبيبي، احكيلي.. ***
اهتز رنين هاتفه الموضوع على وضعية الصامت، فاستيقظ من نومه اثر ذبذبات الهاتف، سحب الهاتف لكي لا يُقلق تلك الغافية بجواره وأخفض الصوت، ثم تأفف حين قرأ إسم المتصل، تفقد الوقت فشعر بثمة أمر طارئ وربما عليه الإيجاب. نهض وابتعد عن الفراش ليُجيب: _إيه يا حورية؟ يارب يكون فيه حاجة تستاهل الرن في وقت متأخر زي دا بِسخريةً أجابت: _آسفة إني قطعت عليك ليلتك يا عريس، بس ابنك محتاجك، ابنك أولى بيك من الهانم اللي جنبك دي!
لم يتقبل قاسم سماع تراهات أكثر واندفع بها بانفعالٍ شديد: _احترمي نفسك وأنتِ بتتكلمي، وآدم ماله فيه إيه؟ _ڤاليا سابته وحالته حالة ومش... لم يسمعها لأكثر، بل أنهى الإتصال فور عِلمه، ثم نظر في الفراغ أمامه بصدمةٍ، لا يصدق ما سمعه، حتمًا هو في حال يرثى له، أخذ قاسم نفسًا وعاد إلى الغرفة، اقترب من أحلام وتردد في إيقاظها لكن لابد من إعطائها خبرًا بذهابه. _أحلام..
قالها بهدوءٍ حارصًا على عدم تسبُب الذعر لها، بينما قلقت أحلام على صوته فنظرت إليه بريبة مرددة سؤالها: _قاسم، في إيه؟ حاول طمأنتها بصوته الرخيم: _متقلقيش مفيش حاجة، بس آدم انفصل عن خطيبته، فأنا لازم أروح أفهم في إيه وأكون جنبه.. انتفضت من مكانها وتساءلت قلِقة: _يا خبر! ليه كدا؟ رفع قاسم كتفيه مُبديًا عدم معرفته بالأمر ثم أولاها ظهره ليُبدل ملابسه وقال: _مش فاهم حاجة لما هروح هفهم منه..
اعتدلت أحلام في جلستها وقد أنارت الإضاءة، ثم تابعت ما يفعله قاسم وقد راودتها فكرةً ضاق صدرها من خلفها، أخذت نفسًا عميق وزفرته قبل أن تردف: _ممكن يكون حصل كدا بسبب جوازنا؟ توقف قاسم عما يفعل ونظر إليها لبرهة قبل أن يُظهر استيائه من ظنها: _ليه تفكري كدا؟
بس عشان ترتاحي فعز عمره ما يعمل كدا فيا ولا في ابني عشان مسائل شخصية ودا أولًا تاني حاجة حتى لو كان الموضوع كدا فالكل يضربوا دماغهم في أقرب حيط، أنا أعمل اللي أنا عايزه! اقتربت منه أحلامه بملامح متوترة حزينة وأردفت: _أنا مش عايزة أكون سبب إن حياة حد تبوظ.. دنا منها قاسم وملس بيده على وجهها وهتف كلماته الحنونة ليُطمئن قلبها الجميل: _أنتِ ملكيش أي علاقة بالموضوع صدقيني، بعيد أوي عنك يا أحلام، لو فكرنا فيها يعني..
اطمني يا حبيبتي أنا هروح دلوقتي وهاجي الصبح وهقولك السبب عشان تطمني.. أسرعت أحلام في رفض عودته مُعللة: _لا خليك جنبه، مش لازم تيجي لغاية ما يكون كويس.. ضاق قاسم بعينه معاتبًا إياها بنظراته ثم لامها بلطفٍ: _لحقتي تزهقي مني؟ اتسعت حدقتيها بذهولٍ ونفت ذلك بقولها: _لا طبعًا، بس أنت لازم تكون جنب ابنك في ظروفه دي.. _ما أنا رايح له أهو قالها ثم غمزها مشاكسًا:
_بس يعني كنت مستني تقوليلي مستنياك على نار، أو ترجعلي بالسلامة يا جوزي يعني أي حاجة من الكلام اللي الواحد مسمعوش طول حياته دا حدجته أحلام بعيون واسعة مذهولة مما يُردده، ثم أطلقت ضحكاتها وقالت من بين ضحكها: _يووه أنت عايزني أقولك مستنياك على نار؟ _وماله؟ وحشة؟ تساءل قاسم بنبرة مازحة فهللت أحلام وهي تدفعه خارج الغرفة: _يلا يا قاسم ابنك مستنيك على نار يا حبيبي نظر إليها مستاءً وهو يردد:
_لا أنا عايزِك أنتِ، هو هعمل بيه إيه؟ هزت رأسها مستنكرة ما يتحدث به الآن، وهللت غير مصدقة: _أنت في إيه ولا إيه بجد؟ روح لابنك يلا جمد قدميه بالأرض ولم يتحرك قبل أن يسمع منها ما يريده: _طب مش ماشي غير لما أسمعها.. شهقت أحلام بغير تصديق لتلك التصرفات المراهقة، قهقهت عاليًا وهي تردد ما يود سماعه من بين ضحكها المستمر: _روح يلا مستنياك على نار، بس متتاخرش أصل أتلسع
ثم انفجرا كليهما ضاحكين، تلك اللحظة لم تعد أحلام تستطع النظر في وجهه من وراء خلجها المفرط فدفعته إلى الخارج وهي تردد: _امشي بقى وفي النهاية نجحت في إخراجه من البيت، بينما ركب قاسم سيارته وتحرك بها متجهًا إلى الفيلا الأخرى، بعد مرور مدة ليس بقصيرة وصل إلى وِجهته، صف السيارة وولج الفيلا في هدوءٍ، قابلته حورية بنظراتٍ مشتعلة أحرقته.
لكنه لما يآبى لها وكأنها نكرة ليس لها وجود، صعد حيث غرفة آدم ودلف الغرفة بعد أن طرقت الباب مُعلنًا عن وصوله، تفاجئ آدم بوجوده، اعتدل في جلسته وسأله بجدية بعد أن تفقد الوقت: _أنت بتعمل إيه هنا في الوقت دا؟ عقد قاسم حاجبيه بغرابةٍ وهو يردد: _وأنا المفروض أكون فين وأنت في حالتك دي؟ ما طبيعي أكون هنا جنبك.. بمزاجٍ غير سوي أردف آدم وهو يهرب بعينه: _قوم روّح يا بابا، أنا مش قادر اتكلم في حاجة..
_لا مش همشي، وبعدين ضروري تتكلم عشان تخرج من حالتك دي، فهمني إيه اللي حصل؟ قالها قاسم حاسمًا الأمر بعدم ذهابه فما كان من آدم إلا أن قص عليه تحت إصرارٍ منه: _أونكل عز كلمني أروح عندهم، وفجأة لقيته بيعطيلي الدهب وبيقولي كل شيء قسمة ونصيب.. قطب قاسم جبينه بغرابةٍ وتساءل بريبة: _فجأة كدا؟ ومقالش أسبابها إيه؟ تشدق ساخرًا قبل أن يُخبره وعينيه تجوب الغرفة دونًا عن والده: _بيقول إن العلاقات راحة وقبول وهي ملقتهمش معايا..
ثبت بصره على قاسم وأضاف بنبرة مختنقة: _أنا عملت لها كل حاجة عشان أحس إنها راضية وهي مرضتش! مرتاحتش معايا وأنا كنت مسهل لها كل سُبل الراحة، حتى الحاجات اللي كانت بتضايقني فيها كنت باجي على نفسي واتغاضى عنها عشان مضايقهاش بكلامي أو متفتكرش إني بحاول أسيطر عليها.. أنا معملتش أي حاجة غلط! أخذ قاسم نفسًا زفره على مهلٍ بعد أن استمع إلى آدم ثم ربت على فخذه وقال بنبرة حكيمة:
_هي مبتتحسبش كدا يا حبيبي، وزي ما قالك عز الموضوع قُبول وراحة ومش شرط عشان أنت عملت كل اللي عليك تكون البنت مرتاحة، دي حاجة مش بإرادتها، سبحان الله هو اللي بيخلق جوانا الراحة لأشخاص مُعينين لو طلبوا مننا نبلع الزلط هنعمل كدا بكل حب ومش هنبص أبدًا إن دي سيطرة، وأنت من الأول كنت حاسس إن فيه حاجة غلط في تعاملها معاك يعني متفاجئتش، وهو في الأول والآخر نصيب..
أقنع عقلك إنها مش نصيبك، ودي مش آخر الدنيا، أنت لسه صغير وقادر تتخطاها وتحب تاني بس أهم حاجة تكون واثق من اختيارك، متتسرعش غير لما تحس إن الراحة دي متبادلة من البداية رفع قاسم يده ووضعها خلف آدم، ثم ربت على ظهره بحنانٍ يأزره في محنته واستأنف بإبتسامة هادئة:
_هون على نفسك يا حبيبي.. لو كل الناس فهمت إن اللي بيحصل دا تخطيط ربنا بحاجة أحسن لينا في المستقبل مكنش حد زعل أبدًا، مش بيقولك أنت تحلم بنجمة وبتدابير ربنا يعطيك قمر.. شد قاسم على ظهره وردد مازحًا: _اضحك بقى يواد، مش كفاية إني عريس وجاي لك لغاية عندك! ابتسم آدم بسمةً لم تتعدى شفتيه ثم سأله بجدية: _هو أنت إزاي فِلت من ماما، أنا حسيت إنها لو شافتك آسف يعني هتعملك بانيه! قهقها كليهما حتى قطع ضحكهما قاسم قائلًا:
_أيوا كدا اضحك محدش أخد منها حاجة.. ثم أخذا يتسامران معًا ولم يُكفا عن الضحك لمدة، حتى شعرا كلاهما بالنعاس فخلع قاسم حذائه وسترته وجاور آدم الذي قال مازحًا: _أوعى يا بابا تكون أخد حاجة كدا ولا كدا وتفكرني العروسة! تفاجئ قاسم من وقاحة آدم، وقام بضربه بعنفٍ في ذراعه فانفجر آدم ضاحكًا وهلل عاليًا: _أنا بطمن على نفسي بس!
هز قاسم رأسه في استنكارٍ، وشاركه الضحك، يكفيه رؤية ابتسامته التي نجح في رسمها على محياه في تلك الظروف الذي يمر بها. *** في الصباح الباكر، وصلت زينب برفقة عبدالله إلى المستشفى، صف السيارة أمام بابها والتفتت بجسده إليها وتساءل بجدية يُخالطها القلق: _أنتِ جايبانا هنا ليه؟ أنتِ تعبانة ومش عايزة تقولي؟ نفت بحركة من رأسها ثم أخبرته ما جائا لأجله: _جاية أقابل الدكتور اللي كان متابع حالتي المرتين اللي كنت جيت فيهم هنا..
ضاق عبدالله بعينه فلم يستشف السبب خلف ما تقوله متسائلًا بفضول: _ليه؟ أجابته بسلاسة: _هحاول أقنعه يعملي تقرير طبي بحالتي وقتها بتاريخ قريب عشان أرفع قضية على حمادة!! فغر عبدالله فاهه بصدمةٍ، لم يكن سهلًا البتة تصديق ما سمعه بسهولة، انتبهت زينب على شروده فلوحت بيدها بيدها أمام وجهه لتجذب انتباهه، فقطعت عليه حبال أفكاره وقالت: _أنت روحت فين كدا؟ _مش مصدق اللي أنتِ عايزة تعمليه! هتفها ثم تقوس ثغره للجانب وغمزها وأضاف:
_بس عجبني، يلا انزلي ابتسمت زينب وهرولت خارج السيارة وكذلك عبدالله، وباحثا كليهما عن الطبيب الذي عالجها عندما وصلت إلى هنا، أخذا وقتًا ليس قصيرًا في البحث عنه حتى وجدوه أمامهما فأسرع عبدالله إليه وأمسك ذراعه بعد بحثٍ طال: _دكتور لو سمحت.. رمقه الطبيب بعيون ضائقة محاولًا تذكر ذلك الوجه، فقال عبدالله: _حضرتك مش فاكرني؟ ثم أشار إلى زينب الواقفة خلفه وسأله وهو يشير إليها: _طب مش فاكر زينب؟
كانت جت مرتين هنا وهي حامل و.... قاطعه الطبيب بترديده: _أيوا أيوا افتكرتكم.. تنهد عبدالله براحةٍ وقال: _كنا عايزين حضرتك في موضوع مهم.. كنت قولت لي وقتها لو عايز أعمل تقرير طبي عن حالتها واعمل محضر، ينفع تعمل التقرير دا دلوقتى؟ عقد الطبيب حاجبيه وهو يتذكر المدة اللي مرت: _بس دا عدى عليها وقت كبير... مال عبدالله بقرب الطبيب هامسًا:
_بص يا دكتور، إحنا عايزين نعمل محضر في جوزها بكل اللي عمله فيها، أنا ياما قولتلها وقتها بس هي مردتش كانت باقية على العشرة معاه، بس هي معدتش قادرة تستحمل، فلو ينفع تعمل لنا تقرير طبي عن حالتها وقتها ولو ينفع يتعمل بتاريخ قريب ياريت تعمله، إحنا حقيقي محتاجينه جدًا.. أطال الطبيب النظر في عبدالله، ثم نظر خلفه حيث تقف زينب وسألها بعملية: _جوزك فعلًا اللي كان بيعمل فيكي كدا أكدت زينب بالإيجاب على سؤاله: _أيوا والله
أخذ الطبيب نفسًا أخرجه بقوة وقال وهو يوليهما ظهره: _تعالوا معايا.. تَبِعاه حتى غرفته، ثم جلس الطبيب على مقعده وأمسك فأرة الحاسوب ونظر إلى زينب وسألها بعملية: _حضرتك مش فاكرة كنتي هنا يوم إيه بالظبط؟ تناوبت زينب النظر مع عبدالله ثم وضعت يدها على بطنها وكاد يتساقط دمعها لكنها تمالكت حالها وأجابته بذلك التاريخ التي لم تنساه مطلقًا، فحرك الطبيب رأسه وهو يُردد: _تمام أوي..
كتب تاريخ تواجدها فظهر أمامه وضعها الصحي وقتها، فغر فاهه وردد بعينين واسعتين مذهولًا: _دا أنتِ أجهضتي وقتها!! لمعت عينيها متأثرة، وأكدت بإيماءة من رأسها فبدأ الطبيب يكتب تقريره الطبي عن حالتها والأضرار الناتجة عن ضرب ذلك الزوج ثم انتهى ورفع عينيه في زينب وقال: _التقرير دا يجيب له عقوبة مشددة، الإجهاض دا جناية والحكم فيها بيكون صعب، ربنا يقويكي على اللي جاي..
أخذت زينب منه التقرير ثم شكرته، فاستأذنا منه وغادرا المستشفى، ركبا السيارة فتساءل عبدالله بجدية: _ودلوقتي؟ نظرت زينب إلى التقرير المُمسِكة به وقالت بِبُغضٍ: _على قسم الشرطة! *** استيقظ عاصم من نومه، وبدل ملابسه بأخرى تليق بخروجه، ترجل الدرج فوجد صبا تضع الفطور على السفرة، فتجمدت قدميه مكانه وهو يتابع ما تفعله، ثم تابع خُطواته متجهًا نحوها وتساءل وهو يتطلع بالفطور مذهولًا: _هو حد جاي لنا ولا إيه؟
وقفت صبا وقالت وهي تُحرك رأسها نافية: _لا دا ليك أنت! كان ردها مفاجئة قوية له، ولم يمنع ابتسامته العذبة التي تشكلت على محياه، فلاحظت صبا انعكاس حالته وأسرعت في إيضاح الأمور إليه: _كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع.. أو بصراحة هما موضوعين! ضاق عاصم بعينيه عليها فقالت وهي تدعوه للجلوس: _اقعد الأول.. ترأس عاصم الطاولة، فجلست صبا إلى جواره وبدأت تتنفس بعض الهواء قبل أن تهتف:
_الموضوع الأول هو إني عايزة أرجع الشغل.. حاسة إني محتاجة ارجع أعمل الحاجة اللي كنت بحبها يمكن دا يساعدني أكتر ارجع لنفسي القديمة.. مد عاصم يده وأخذ الخبز وبدأ بتناول الطعام بعد سماعه طلبها ثم قال: _طيب حلو، مفيش مشكلة سهلة دي.. إلتوى ثغر صبا ببسمةٍ هادئة تُمهد لتلك القُنبلة التي ستُفجرها، أخذت نفسًا عميقًا وأردفت: _أنا هرفع قضية على حمادة، هاخد حقي منه!
توقفت الُلقيمات عن النزول إلى معدته، لم يهضم ذلك الخبر المفاجئ، ترك بقية الخبز وأمسك زجاجة المياه وأخذ يشرب الكثير حتى استطاع بلع الطعام، أخذ نفسًا بهدوء وزفره على مهلٍ قبل أن ينظر إليها ويردد: _بلاش يا صبا.. صعقت صبا مما قاله ورمقته بعيون مذهولة، فلم تنتظر منه ردًا كهذا، حاولت أن تتحلى بالصبر وتساءلت بنبرة جامدة: _ليه بلاش؟ مش دا حقي والمفروض كان يحصل من وقتها!!
_ومحصلش، وأنتِ دلوقتي متجوزة عاصم سليمان فأعتقد مش هتفرق معاكي حاجة.. هاجمها بأسلوبٍ فظ، فاستشفت صبا ما وراء ثورته ورفضه، تراجعت للخلف ورفعت حاجبيها غير راضية عن رفضه: _آه يعني عشان أنا متجوزة عاصم سليمان مينفعش أخد حقي عشان أحمي إسمه! أغمض عاصم عينيه قبل أن يُخرِج كلماته بضيقٍ يحاول إخفائه: _لا الموضوع مش زي ما أنتِ فاكرة.. _أومال؟
، فهمني أنت، بصراحة آخر حد أتوقعه يرفض هو أنت يا عاصم، حسيت إني أول ما هقولك أنت أكتر واحد هتدعمني.. قالتها صبا بحزنٍ ثم أضافت بنبرة متفهمة: _بس أنت معاك حق، اسمك مينفعش برده يتقال عنه حاجة وحشة، ودي مش حاجة سهلة، وأنا آخر حاجة أتمناها إنك تتأذى ولو نفسيًا بسببي.. أخرجت تنهيدة مهمومة ونظرت إليه لبرهة قبل أن تقول آخر ما لديها: _إحنا ممكن نتطلق على فكرة وبكدا محدش هيقول عنك حاجة... _بس يا صبا.. هتفها أمرًا فلم
تتوقف عن الحديث وتابعت: _دا الحل اللي قدامنا ويرضي الطرفين فازداد انفعال عاصم وهو يأمرها بالتوقف: _اسكتي يا صبا.. تصمت بل تابعت إيجاد حلولا: _الحل الوحيد إن اسمك يفضل نضيف إننا نطلق... تلك اللحظة؛ ضرب عاصم الطاولة بعنفٍ فأجبرها على الصمت، نظر إليها بعينين حمراوين يشع منهما الغضب وأخذ يهتف عاليًا: _اسمي إيه اللي بتتكلمي عنه؟!
أنت لو عملتي كدا فأنتِ هتقطعي آخر وصل بينا، أنتِ متعرفيش ممكن أهلي يعملوا إيه لما يعرفوا، دا آخر أمل ليا معاكي وأنتِ عايزة تقطعيه! تفاجئت صبا بتفكيره، وتأثرت للغاية لحالته، كم كانت غبية عندما اتخذته ملجأً لهروبها، كم تصرفت بحماقة عندما وضعت شرطًا بعدم إتمام زيجاتهما وهي أمامه طيلة الوقت، حتمًا سيبني آمالا ويتعلق بالوصول إليها يومًا. هبت صبا واقفة وقالت بحسمٍ:
_كنت غبية لما فكرت إني لما أقولك أننا مينفعش مننا حبيبين يبقى بكدا أكون عملت اللي عليا، أنت اتعلقت بيا اكتر وأنا مش هسمح أظلمك معايا أكتر من كدا.. أنا هرفع القضية يا عاصم.. لو أنت شايف إن دا آخر وصال بينا فللأسف هقولك أيوا.. زفرت أنفاسها الحبيسة وأضافت مسترسلة: _وعشان أنا مشوفتش منك غير كل خير هطلب إن الجلسات تكون سرية عشان أحافظ على اسمك ومكنش سببت لك أي اضرار..
تركته وصعدت إلى الطابق العلوي تحت صدمته، كان يُطالع أمامه بعقلاٍ مُشتت وقلبٍ ينبض بقوة محاولًا هضم افتراقهما الذي على مشارف حافته. بينما أبدلت صبا ملابسها وترجلت، وقفت أمامه وأردفت بنبرة جافة: _أنا رايحة المستشفى.. أخذ الآخر نفسًا ثم نهض وقال بجمودٍ دون النظر إليها: _تمام، يلا هنروح سوا أسرعت صبا في رفض مرافقته لها مرددة: _أنا هروح لوحدي.. قاطعها عاصم بحسمٍ وهو يُطالعها بضيق:
_هنروح سوا يا صبا.. ومتخافيش يا دكتورة المرافقة دي مفيش من وراها أي تفكير من اللي أنتِ خايفة منه.. ثم توجه ناحية الباب دون إضافة المزيد قاطعًا عليها أي دروبٍ للرفض، فتوجهت صبا خلفه بعد أن زفرت أنفاسها بضيقٍ، استقلت السيارة بجواره ثم تحرك عاصم مبتعدًا عن البيت متجهًا إلى المستشفى.
وبعد مرور مدة؛ وصلا كليهما، فترجل عاصم عندما فُتح له الباب من قِبل عامل الأمن، وكذلك فتح العامل الآخر الباب الخاص بصبا، توجه عاصم إليها وهو على دراية بالإستقبال الحافل الذي سينالونه من خلف اسمه المعروف. وكان ذلك مُراده من مرافقتها، حتى تعلم من تزوجت وتتحسر على تركها له، لا يدري لماذا فكر بتلك السطحية لكنه يود أن يرى الندم في عينيها عندما تعرف مكانته ومن يكون جيدًا. مد لها ذراعه لتتعلق به لكنها نظرت
إليه مستاءة ورددت هامسة: _عاصم! بصوتٍ جاف قال: _عاصم سليمان طلاما داخل مكان مع مراته يبقى لازم تمسك في ايده مال بقرب أذنها وأضاف بخفوت: _الناس متعرفش اتفاقنا، وأنا يهمني صورتي قدامهم.. تراجع للخلف وتطلع في خضراوتيها قبل أن يُستريل بجمودٍ: _مش شكلي برده يهمك يا دكتورة؟
كانت صبا مُتفاجئة من تلك المعاملة المفاجئة، لم تحبها، فنظرت إليه بعينين توحيان إليه عتابًا استشفه عاصم لكنه ظل ثابتًا على ذلك الوجه الذي يتلبسه، أعاد مد ذراعه فزفرت صبا أنفاسها ثم تعلقت في ذراعه وسارت إلى جواره تحت نظرات الجميع التي وقعت عليهما. استقبلتهما إدارة المستشفى استقبالًا حافل واوصلاهما إلى غرفة صبا التي جُهزت لها خصيصًا في الدقائق الأخيرة قبل وصولهما، تعجبت صبا مما يحدث لكنها لم تُعلق وانتبهت على حديث رمزي:
_مبروك الجواز يا عاصم بيه، مبروك الجواز يا صبا هانم! تفاجئت صبا بذلك اللقب الثقيل والتي لم تتقبله البتة وأبدت إنزعاجها منه: _أنا دكتورة صبا يا دكتور رمزي مش صبا هانم! _أنا آسف لحضرتك يا دكتورة
اعتذر لها رمزي تحت نظرات صبا المذهولة من تصرفاته الخرقاء، فلم يكن معها هكذا من قبل، حاولت بألا تُعقب ووقفت حتى انسحب رمزي ثم جائتا ممرضتين حاملتان مشروبات استقبال وحلوى لذيذة ذات شكل شهي، وضعن ما معهن على المكتب ثم انصرفن مسرعتين. تفقدت صبا ما يحدث أمام عاصم الذي استند بظهره على الحائط عاقدًا ذراعيه عند صدره يشاهد حجم المكانة التي وُضعت بها فقط لأنها زوجته، قطع ذلك الصمت بترديده المغرور وهو يتفقد معالم المكتب:
_حلو المكتب مش بطال، دول جهزوه وإحنا يدوب في الطريق!! التفتت صبا ناظرة إليه فهي على دراية بتلك اللعبة التي يلعبها ليُريها حجم مكانته بين الناس، أخذت نفسًا وأردفت معاتبة بهدوءٍ: _مش لايق عليك اللي بتعمله، عاصم اللي عرفته عجبني فيه شهامته وجدعنته وإنه بيعمل الخير من غير مقابل ولا بيستخدم اسمه ولا إسم عيلته عشان يبهر أو يندم اللي قدامه!! تفاجئ عاصم بكلماتها التي وصفت تصرفاته، اعتدل في وقفته وأنزل يديه إلى جواره
واستمع إلى بقية حديثها: _وتبقى غلطان لو فاكر إني وافقت نتجوز عشان اسم عيلتك اللي أنا أصلًا معرفوش، ودا مش تقليل منك أبدًا، بس دا جهل مني، دايرة معلوماتي صغيرة أوي مبخرجش عنها. اقتربت منه بِضع خُطوات وأضافت بلومٍ:
_ولو أنت قاصد تندمني عشان مش فارق معايا الحياة دي فأنت برده غلطان ومقرأتش شخصيتي صح، أنا لا المناصب ولا الفلوس بتبهرني قد شخصية البني آدم وانسانيته، ودا اللي بحاول أوصله ليك ويمكن اللي تاعبني إني مش عايزاك تتحول لشخص غير عاصم اللي أنا عرفته واتعاملت معاه.. شعر عاصم بِصغر حجمه لحظتها، فهو افتعل شيئًا لا يُشبهه ولا يليق به، أغمض عينيه محاولًا جمع شتاته قبل أن يردد: _أنا ماشي يا دكتورة، لو احتجتيني كلميني..
لم يضيف المزيد وانصرف خارج الغرفة، بينما نفخت صبا بضيقٍ فلقد ضاق صدرها مما يحدث، ألقت نظرة أخيرة على المكتب ثم حملت حقيبتها وخرجت متجهة إلى مكتب المدير، وقفت أمامه وبنفاذ صبر قالت: _أنا عايزة أرّجع مكتبي القديم.. *** تجمع الثلاثة حول الطاولة، فلقد حرص قاسم على تناول الفطور معًا ربما ينفع آدم ذلك، كان عابسًا شاردًا لا يُشاركهما الطعام ولا الحديث، فقطع قاسم عليه حبال شروده بقوله:
_كدا مش هينفع يا آدم، ليك حق تزعل يا حبيبي لكن فيه حاجات مينفعش تقف، الحياة مش بتقف، لازم تاكل وتتكلم وتروح شغلك ومع الوقت هتتخطى.. _مش قادر، حاسس إن كل حاجة تقيلة على قلبي ومعنديش ذرة طاقة أعمل أي حاجة، أنا بفكر اطلب إجازة قالها بفتورٍ شديد فعقب قاسم على حديثه:
_ولو إني مرجحش طلب الإجازة دا لأنك وقتها هتقعد أنت وعقلك مع بعض ومش هتبطل تفكير، بس لو أنت حاسس إنك هتبقى أحسن كدا، خد إجازة أخرج فيهم مع صحابك، سافر لك يومين في أي مكان تروق لك فيهم على نفسك المهم تكون كويس.. أماء آدم بتفهمٍ ثم نهض فتساءل قاسم بجدية: _رايح فين؟ اقعد كمل أكلك _لا مش قادر آكل حاجة، أنا هروح اخلص إجراءات طلب الإجازة..
هتفها وغادر سريعًا قبل مُقابلة أي اعتراضاتٍ، بينما سحب قاسم المنشفة الصغيرة التي كانت أسفل عنقه ومسح يده وفمه ثم وضعها على الطاولة ونهض، فكان له نصيبًا من تعكير صفوه من وراء كلمات حورية التي صاحت بها: _مش قادر يكمل أكله، قام يجري زي المراهقين عشان يروح لخطافة الرجالة تفاجئت حورية بسبابته التي وُضعت فجأةً في وجهها محذرًا إياها:
_أنا لغاية دلوقتي عامل حساب لابنك اللي فوق دا، كلمة تانية ملهاش لازمة مش يهمني ابني وهـَهِينك جامد قالها وغادر على الفور تحت نظراتها التي يتطاير منهما أدخنة النيران التي اتقدت داخلها، صرت أسنانها ببغضٍ شديد وهمست بينها وبين نفسها: _يارب ما تتهنى لحظة واحدة معاها يا قاسم!
في الخارج، ركب قاسم سيارته وتوجه بها إلى بيت المزرعة حيث موطن حبيبته التي اشتاق إليها بين عشية وضحاها، كان يقود بسرعة كبيرة يَعُد الثوانِ حتى يصل إليها وينال عناقًا حار هو في حاجة إليه ليمحي أي توترٍ قد عاشه منذ قليل.
وبعد مرور وقتًا لا بأس به، وصل إلى البيت وترجل من السيارة فوجدها تقف أمام الباب عند سماعها بوق سيارته تستقبله بإبتسامةٍ سعيدة، توجه بقربها وقبل أن تُردف ترحيبها كان قد ألقى بنفسه بين ذراعيها، فاتسعت عيون أجلام تلقائيًا ولامته بحرجٍ شديد: _إحنا في الجنينة يا قاسم ممكن حد يشوفنا دون مبالاةٍ لتصرفه الجرئ أجاب كلماتها: _ما يشوفوا براحتهم، واحد ومراته إيه العيب في كدا يعني؟
ابتسمت بخجلٍ ثم حاوطت ظهره بذراعيه متبادلة معه العناق فكان لروحهما شفاءًا ضمدا جروحًا لا زال لها أثرًا داخلهما، تراجع قاسم بعد أن اكتفيا الآن فأسبقت أحلام متسائلة: _ابنك كويس؟ _هيبقى كويس، الحياة هتنسيه.. قالها مُكتفيًا بذلك الرد فترددت أحلام في سؤاله لكن فضولها قادها لمعرفة السبب: _هو أنت قولت هو زعلان من إيه؟ قطب قاسم جبينه لغرابة سؤالها ثم أجابها: _انفصل عن خطيبته، أنتِ لحقتي تنسي؟ ردت وهي تلوح بيدها:
_إحنا كنا متأخر ومكنتش فايقة.. هز قاسم رأسه متفهمًا وقال: _طب تعالي ندخل جوا أحسن *** مساءًا، عاد عاصم من عمله، دلف البيت وبحث عن صبا فلم يجدها، تفقد الوقت، ثم حاول الإتصال بها فلم يصل إليها فكان هاتفها مغلق، أخذ نفسًا وفكر قليلًا أين يجدها في ذلك الوقت المتاخر، فكان بيت قاسم أول ما جاء في خاطره. فتوجه إليه مباشرةً، طرق الباب وبعد قليل فتحت له زينب الباب، وابتسمت له بخجلٍ مرحبة به: _أهلًا يا باشمهندس، اتفضل
بودٍ يُخالطه الحرج تساءل: _هي صبا موجودة هنا؟ بحاجبان معقودين ردت: _لا مشوفتهاش النهاردة خالص، هو فيه حاجة؟ شرح لها عاصم الوضع الذي وقع به: _هي راحت المستشفى الصبح، وبكلمها موبايلها مغلق مش عارف هي خلصت ولا لسه؟! أومأت زينب بالفهم، ثم سألته: _هي الساعة كام؟ _١٠ قالها بعد أن تفقد ساعة يده، فحاولت زينب طمأنته بقولها: _لا متقلقش لسه قدامها ساعة على ما تخلص، كان عبدالله دايمًا بيروح لها على ١١!!
صعق عاصم مما وقع على أذنيه، وحدق بها مذهولًا فشعرت زينب بفداحة ما اقترفته وأسرعت في توضيح الأمر له: _عمي محمود بابا صبا كان مكلف عبدالله يوديها ويجيبها من المستشفى، أنت أكيد عارف إنه كان بيشتغل على عربية بيوصل الناس.. رفع عاصم حاجبيه عندما فهم الأمر لكن داخله يخبره بثمة أمرًا أكبر مما أخبرته عنه زينب، أخرج تنيهدة معها شعوره السيء الذي شعر به من خلف كلماتها، وحاول إنهاء الحوار بينهما فقال:
_طب تمام، هروح أنا بقى عشان أطلب آكل على لما صبا ترجع يكون وصل.. آسف على الإزعاج بإبتسامة ودودة أردفت: _مفيش إزعاج يا باشمهندس.. أولاها عاصم ظهره ليُغادر فترددت زينب فيما تود فعله كثيرًا أخذت وقتًا حتى أقنعت عقلها بأن الأمر إنساني فقط، عادت إلى الداخل وقامت بوضع الطعام المُتبقي عندهم في الفرن الكهربائية لترتفع حرارته، ثم وضعته في أوانٍ وحملتهم في صينية، خرجت من البيت متجهة إلى البيت المجاور.
طرقت الباب ووقفت أمامه وقتًا حتى فتح لها عاصم وتفاجي كليهما ببعض، فكان عاصم يقف أمامها عاري الصدر محاوطًا خصره بمنشفةٍ تُخفي بقية جسده، تتساقط بعض القطرات من شعره. وسرعان ما أخفضت زينب رأسها في حياء شديد، فأسرع عاصم بالوقوف خلف الباب وأبدى اعتذاره عن صورته التي ظهر بها: _أنا آسف والله فكرت صبا رجعت، وأنا عارف إن هي مفيش معاها مفتاح... بصعوبة بالغة قابلتها في الحديث حاولت الرد عليه بعد أن ابتلعت ريقها مراتٍ
عديدة من فرط التوتر: _ولا يهمك، أنا كنت جايبة لكم أكل... هحطه على الباب انحنت زينب بجسدها ووضعت الصينية أرضًا وسرعان ما انصرفت من أمام الباب، بقلبٍ يخفق بشدة، وحاولت نسيان ما رأته حتى يتبخر توترها، بينما أخرج عاصم رأسه من خلف الباب يتأكد من ذهابها أولًا قبل أن يخرج بكامل جسده، حمل الصينية فتغلغلت رائحة الطعام الذكية إلى أنفه وزادته جوعًا.
كان يود انتظار صبا لكنه لم يستطع، فطالبت معدته بالطعام، جلس بنفس هيئته وبدأ بتناول الطعام الذي شعر لوهلة أنه لم يتذوق بجماله من قبل. أغمض عينيه لبرهة مستمعتًا بذلك المذاق الشهي، والذي حثه على تناول الطعام بشراهة لم يتناول مثلها من قبل، حتى شعر بامتلاء معدته فتراجع للخلف متحسسًا بطنه في حركات دائرية وهو يردد: _لما دا أكل أومال اللي كنت باكله دا إيه؟
نهض وصعد إلى الأعلى ليرتدي ملابسه ثم ترجل ثانيةً على صوت قرع الجرس، فتح الباب وكانت صبا من جاءت ويبدوا عليها التعب، دلفت بخُطاها وقد انتبهت على الطعام فاقتربت منه بمعدة تطالب به، جلست على الكرسي وتساءلت بفضول: _مين اللي جايب الاكل دا؟ رد عاصم بتلقائية: _اخت عبدالله! _زينب؟!
رددتها صبا بريبة، وكادت تسأل عن بقية الأمر لكن قرع الجرس قد أوقفها، بينما توجه عاصم إلى الباب وقام بفتحه فظهرت هيئة ذلك الرجل الأربعيني فاتسعت عيونها حينما ظهر لعينيها بوضوحٍ، انتفضت من مكانها فجأة وهللت دون تصديق:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!