الفصل 20 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل العشرون 20 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
23
كلمة
4,674
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

في الصعيد، ذهب عبد المجيد إلى بيت أخيه الأكبر برهان. اقتحم منزله ببرود وهتف بصوت أجش: السلام عليكم. قضب برهان حاجبيه وهتف في تعجب ساخر: واه، خير يا عبد المجيد. جلس على الأريكة البسيطة باعتدال وهو يهتف: الله، وفيها حاجة لما آجي أطمئن على أخوي. حرك رأسه برهان باستنكار: جياتك دايماً مش خير يا أخوي. رفع ذقنه بلا مبالاة: خلاص يا أخوي، ما دام مش مصدق. أنا عايز بنتي. علا وجه برهان بدهشة وهتف بتعجب: بتــك؟ مين؟

أجابه بقوة وثبات: حنين. فتح كفيه وتوقفت علامات التساؤل وبدا في حيرة وتعجب، وفغر فاه من ذلك العجيب الذي رفض ابنته ونبذها عن عالمه لأعوام كثيرة، والآن يريدها بهذه القوة والتحدي. وسأله باهتمام: وإيه اللي جد لعوزتك ليها؟ حرك عصاه بين يده وهدر بغموض مثير: عايزها... عايز أشوفها. على الجانب الآخر، اقترب من ممر قصره العالي، والذي كان يفزع حنين هيئته، إذ ظلت تنظر إليه من الشرفة مطولاً بتوجس وتوتر.

عضت إياد شفاهها بضيق أثر الحالة التي وصلا إليها، وود احتضانها ليطمئنها أنه يعشقها ويكره رؤيتها خائفة متحيرة. مد يده نحوها والتقط يدها التي بين قدميها وقبض عليها بخفة ليهدئها ويعطيها الأمان. التفتت له وكأنها تخبره بعينيها أن هلعها أكبر من قبضته، وأنها لن تهدأ إلا إذا عاد بها إلى أبسط بقعه في الأرض، ولكن لسانها المعقود دائماً أفسد حياتها.

فتحت له الأبواب على مصراعيها، وتقدم هو نحو بعد معين وأوقف المحرك ونزل عن السيارة والتف ليفتح لها. ترددت كثيراً في النزول وبدت أكثر شحوباً وشعرت أنها على وشك الانهيار. ناداها بصوته الدافئ: انزلي يا حنين، ما تخافيش وأنتِ معايا. زفرت أنفاسها المتقطعة ومدت يدها المرتعشة نحوه يده الممدودة ونزلت ببطء. تحرك هو وتحركت هي من ورائه ترتعش خوفاً.

بدأت تلتفت بريبة حولها وكأنها تدخل إلى عرين الأسد أو بيتاً للأشباح، ازدادت الأمر سوءاً عند رؤيتها كلب حراسة ملون بالبني طويل الجسم، يتدلى لسانه منه ويركض نحوهم وينبح. اتخذت مكانها خلف إياد وأمسكت بظهره وهي تغمض عينيها برعب. بينما إياد تخلى عنها ومال بجذعه فاتحاً ذراعيه إليه ليحتضنه بصورة ودية كما لو كان يرحب به. هتف إياد بابتسامة: ركس وحشتني.

لم يفرغ الكلب منه حتى نبح بوجه حنين وحاول الوصول إليها، ولكن منعه إياد فأردف ذراعيه وشكل حائطاً متحركاً. تتبعته حنين برعب. ناداه هو ملوحاً: هيي هيي، دي تبعي. مال برأسه للخلف وكأنه يتعمد أن يوصل إليها رسالة معينة: اهدئي عشان انتِ استفزتيه بخوفك دا. لم تستطع الإجابة وقبضت بقوة على قميصه وجذبته إليها من خلفه حتى أوشك على اختلال توازنه وكاد يسقط. نادى بصوت عالٍ ضيق: إبراهيم. ظهر رجل متوسط

العمر يرتدي بدلة وهتف: أوامرك يا باشا. تابع هو بنبرة آمرة: خد ركس دلوقتي. شرع في تنفيذ الأمر وأمسك بطوقه بينما لم يتوقف عن النباح: حاضر يا فندم. في إيطاليا. في شوارع إيطاليا الهادئة تجول فرحة وزين، والذي كان يتابع أماكن معينة بحرص ودقة، وهي تتبعه كما لو كانت في رحلة تنزهيه غير مكترثة بماضيها أو بمستقبلها. ظل يتقدم في السير ولا ينظر إليها. هتف بشرود: مفيش غيرك قدامي.

دارت بوجهها لتتأكد أنه لم يحادث نفسه، ورمقته بنظرة استفسارية، وهي تنعته بالجنون. بينما هو وجه نظره نحوها بغضب وكأنما قرأ أفكارها. واتسعت عيناه وهو يهتف لها بهدوء: عايزك تدخلي المحل الجاي دا وتشترِ منه أشيك وأغلى فستان جوه. ابتسمت فرحة وتوردت وجنتاها إذ شعرت بأهميتها لديه لاهدائها هدية، وهتفت بخجل: متشكره، أنا مش محتاجة. صك أسنانه بضيق، وأغلق قبضته قبل أن يخنقها بيده: هو أنا بعزم عليكي؟ أنا بقولك أمر. تعجبت

من ضيقه وهدرت معاندة: الله، ما قلت مش عايزة. توقف فجأة وأمسك كتفيها بضيق: اللي أقولهولك تنفذيه، في حد مهم عايز أقابله ومش هينفع أوصله من غير مساعدتك. حدقت إليه في محاولة استيعاب: أيوه، مش تقول. وافقت أبقى المساعد بتاعك أخيراً. قال بنبرة جادة: فرحة، مش عايز هزار ولا غلطة. روحنا إحنا الاتنين تمن غلطة واحدة. الغلطة الأولى هي الغلطة الأخيرة. تنفذي المطلوب من غير أسئلة، من غير عيب، من غير حرام.

لمعت عيناها بقلق إذا يبدو عليه الجدية، ويتضح أنها مقبلة على ما هو أسوأ، وهتفت بتوتر: إيه... المطلوب؟ شرد بعيداً وقال بصوت جاف: بعدين، هقولك. يلا الأول تنقي الفستان. في فيلا عاصم الأسيوطي.

وقفت ناريمان هي وابنتها رودي، والتي تمتلك نفس عينان إياد ووالدتها الرمادية بشعرها المتعرج بنعومته الجذابة وملامحها الهادئة الرقيقة، والتي أيضاً في نفس عمر حنين، في استقبال إياد، والذي ظهر الآن يقترب منهم يداً بيد مع حنين، والتي ارتعدت يداها وتخدّرت أوصالها أثر اقترابه من عائلته بهذا الشكل، والذي فشل إياد في تهدئتها. ركضت إليه رودي بابتسامة وهي تهتف بمرح: يويو، حبيبي وحشتني، كفارة يا جدع كل دا. احتضنها إياد وهو يبتسم،

فهي مدللته: إزيك يا أم لسان طويل؟ مش قلتلك بطلي تقوليلي يويو دي. هتفت ممازحة: مش هبطل إلا لما تجبلنا نونو. تدخلت نريمان بنبرة مترفعة: إزيك يا إياد، حمد لله على السلامة. كانت حنين متخشبة في يده من تجاهل الجميع وجودها، بينما سحب إياد يدها المعلقة في يده والتف حول كتفها دافعاً إياها إلى الأمام وبهدوء حذر هتف: مش هتسلموا على حنين؟ حركته المباغتة وفرضها عليهم أدهشتهم، وبالأخص فريال التي تعمدت إحراجها بالتجاهل.

فغر فاه وهتفت بحنق: الوقت قدامنا طويل، بكرة نتعرف. اتفضل أنت، أوضتك جاهزة. بينما تحرك هو دون إضافة شيء. أمسكت رودي يد حنين وهتفت مرحبة: أهلاً بيكي يا حنين في وسطنا. ابتسمت لها ابتسامة رقيقة وحركت رأسها بهدوء. ابتسم إياد في نجاحه في كسب تعاطف أخته التي تخشى غضبه. "خلي حد يطلع الشنط"، هتف بها إياد وهو يصعد الدرج المؤدي إلى الفيلا.

ألقت حنين نظرة سريعة على ذلك المكان الواسع ذو الإضاءة الخافتة، الجو الهادئ، والأثاث الراقي الموزع في الاتساع الهائل بحرفية، والذي يتصف باللون الأبيض ينعكس عليه لون زهري من أثر الستائر الزهرية المعلقة على الشرفة الزجاجية الكبيرة التي تطل على مسبح مذهل على شكل بقعة زرقاء في وسط الأرض الخضراء. اتبعت إياد نحو وجهته المحددة، كان متعباً وأيضاً يهرب من مواجهة والده الساخنة، والذي لن يتوانى أبداً في تبويخه كما اعتاد منه.

أخيراً وصل إلى الغرفة هارباً من أفكاره المشوشة وبيده عشقه الذي أتعبته. دخل الغرفة معها وترك يدها أخيراً وتحرك نحو فراشه وجلس إلى طرفه وتمدد بتعب وهو يمرر يده على رأسه متألماً بصوت خفيض. بينما وقفت حنين في جانب الغرفة تتأمل المكان الموحش في مخيلتها، والذي تخشاه وتخشى ما قد يصيبها فيه من أذى نفسي وروحي، خاصة عندما أصبحت معه في غرفة واحدة في عرينه الخاص.

رهبتها تزايدت الآن عن ما مضى، فلم يعد يتودد إليها كالسابق، بل أصبحت مشاعره جافة مغلفة بالبرودة تجاهها، وخاصة نوبة غضبه وإفصاحه عن ما يدمرها لها وزجها بلا رحمة خارج حياته بعد أن يفرغ منها. لاحظ هو هدوء المكان فاستند إلى مرفقه وهو يهتف: مالك واقفة عندك لي؟ ابتلعت ريقها في توتر وأجابته بنبرة متحشرجة: ااا... أومال... أروح فين؟ جلس مستقيماً ومسح وجه بكفيه، وزفر بضيق من وضعهما، فأشار بيده إلى طرف الفراش كي تجلس إلى جواره.

تحركت ببطء وسارت نحوه، ومن ثم جلست بحفظ شديد. هتف وهو يحرك وجه بحركة غير مكتملة، وبدأ على صوته الإرهاق: إنتِ طبعاً فاهمة إن ما ينفعش هنا إن كل واحد ينام لوحده. حركت رأسها بالإيجاب. استرسل هو بثبات: مش عايز حد يعرف اللي ما بينا، ولا حتى رودي. رودي ممكن تقول لماما وساعتها مش هنخلص. أمسك كتفها برقة وهتف: وما تقلقيش، أنا لسه عند وعدي. ترك كتفها وتبدلت نبرته إلى الأسف: خليكي على راحتك، ولعلمك، أنا عايز راحتك. في إيطاليا.

في داخل إحدى المتاجر. كانت فرحة تشاهد الملابس الباهظة الثمن وهي تعقد حاجبيها بدهشة، بينما انتظرها زين في أحد الزوايا على أريكة منمقة داخل المحل مخصصة للانتظار. خرجت إليه فارغة اليد. حدق إليها بدهشة وهدر بضيق: إيه... كل ده وما جبتيش حاجة؟ أنا كان مالي أنا ومال الشغلانة دي. هتفت بتذمر: الحاجات دي كلها ما تناسبنيش. نهض وهو يحاول أن يتمالك أعصابه وسحب نفساً عميقاً ليهدئ من روعه: بصي يا فرحة...

سامحيني، أنا محتاجك ضروري عشان أدخل بيكي صالة اللورد عشان ممنوع منعاً باتاً أدخل بدون ست، لأن ده بيعارض القوانين هناك، وبيعتبر تطفل. وعشان تدخلي هناك مش هاخدك بعباية ولا بحجاب. المكان هناك يعتبر معقل المافيا، ووارد قوي يتشك فينا. فلو عايزة تيجي معايا وتساعديني اتنازلي لو سمحتي. ابتلعت ريقها وحركت رأسها بالإيجاب. ولم ينبس فمها بأي كلمة.

ولكن عيناها يملأها حزن عميق أثر تخليها عن عادتها واحتشامها الذي اعتادت عليه منذ نعومة أظافرها. قاومت بشدة رغبتها في البكاء وتحركت بين الألبسة لتلبي طلبه، حتى يتسنى لها مساعدته على أكمل وجه. في الصعيد. نزلت زينات الدرج في اتجاه غرفة الجلوس الخاصة بالمنزل لوهدان. هرولت إلى الغرفة حينما رأت طرف عباءته البني من الخارج. نادت بصوت متحشرج حزين: سلام عليكم يا حاج. لكنه لم يكن وحيداً، كان معه ولده عزام وزوجته صابحة.

اعتدل من جلسته المملوءة وأجاب باهتمام: وعليكم السلام يا أم فرح. تعالي. زاغ بصرها وتوترت من وجود عزام وصابحة، التي ظلت ترميها بنظرات ساخطة. تعثّلت في البداية ومن ثم استطاعت جذب الكلام على أطراف لسانها: أنا... آآآ... كنت... عايزة يعني أسأل عن... وابتلعت ريقها في توتر... عن فـ ــ ـرحـها. أغمض وهدان عينيه بضيق وتمسك برجاحاته كي لا يفقد صوابه وهدر بصوت حاد: الله... أعلم يا أم فرحة.

بينما تنحنح عزام قائلاً: بالمناسبة، كنت كلمت مدير الكافتيريا اللي وقفنا فيها، عشان يطلع الفيلم بتاع الكاميرات الخارجية. وأهو وصلنا لرقم العربية اللي ركبت فيها. ثم أغلظ صوته واحتدت نظرته بينما هو ينظر نحو زينات وهدر بنبرة مخيفة جافة: ما تقلقيش، فرحة راجعــة. اتسعت عيناها وازداد توترها وشعرت أن الأرض تميد بها، إذا كان نبرته لا تبشر بالخير أبداً.

وبدأ المكان خالياً لهما، ولا وجود لوهدان وصابحة، اللذين كانا يستمعان للحوار بدهشة ويتبادلان النظر لبعضهما في دهشة، من إصرار ولدهما على العثور عليها. حركت زينات رأسها بقلق وهي تحاول إطراء حلقها الذي جف تماماً من فرط الصدمة. وزفرت أنفاسها اللاهثة على مهل وهي يومئ برأسها: إن شاء الله، ربنا يجيب العواقب سليمة. ودارت على عقبيها، لتخرج من تلك المشنقة التي رأتها في عيني عزام معلقة. بينما أطلقت صابحة ضحكة عالية ساخرة وهتفت

بصوت يصل إلى مسامعها: هتيجي سليمة إزاي،،،، وأمسكت خصلة من شعرها وهدرت بقسم: وحياة دا البت دي ما هي شريفة. أمسك عزام عباءته وانطلق في ضيق يبدي حجم النيران التي اشتعلت بداخله. بينما لوّت صابحة فمها وهي تميل رأسها للخلف وهي ترمق وهدان بنظرات ضيقة. إيطاليا. خرجت فرحة من غرفة القياس ومدت يدها نحوه وهي تهتف بهدوء: اخترت دا.

التقطه منها وهو لا ينظر إلى ما بيده، كان ينظر لها وإلى عينيها تحديداً، وهي محدقة أمامها تنظر إلى الفراغ. دفع زين ثمن المشتريات وخرجا معاً. كانت فرحة طوال الطريق تتذكر يوم اشتركت في شراء الفستان مع حنين وسقطت دمعة حارة رغماً عنها. حقاً اشتاقت لها. تضاربت أفكارها عن ما حدث لها، أخذها الحنين بعيداً إلى أوطانها، إلى حضن أمها الدافئ، وإلى مزاحها مع حنين، حتى غضب والدها الدائم على كل شيء، وزحف الحزن إلى قلبها.

كان زين يتابعها بطرف عينه وهي تمشي إلى جانبه. شعر بها رغم سكونها، وارتعشت يداه في جانبه قليلاً قبل أن يمد يده إلى يد فرحة، التقط أطرافها الباردة وأطبق عليها، لشعوره أنها تحتاج إلى ذلك الآن. اتسعت عيناها أثر لمسة إلى أطرافها وأدارت رأسها نحوه كي تتأكد مما تشعر، وجدته جامد التعبير يحدق أمامه ويبدو أنه في غير وعيه أو يتقنع البرود، ولكنها كانت في أشد الاحتياج إلى ذلك. لذا لم تعارض واستسلمت لتلك القبضة الحانية بلا سبب.

وصارت معه مسلوبة الإرادة لا تعلم أين وجهتها. شعورها بالأمان والسكينة هدأ من روعها وجذبت تفكيرها إلى عالم آخر من الأحلام اليقظة. في فيلا الأسيوطي. كانت الأمور تجري بهدوء، خاصة في غرفة إياد. انزوت حنين في شرفة الغرفة تتابع العصافير المحلقة في السماء بأعين لامعة، تمنت نفسها بالحرية التي لم تعرف أبداً مذاقها. سبحت ربها في خفوت: سبحان الله على إبداع المنظر وقدرة الطير.

وكأنها أول مرة تراه، ولكن معاناتها جعلتها أشد رهفاً، وخاصة في وجودها في منزله، ازدادت شعورها بالأسر وأصبحت ترى الطير بعين أخرى، بل تراه أكثر حرية وسعادة منها. فتح إياد عينيه ببطء إلى تلك الحورية التي تقف في الشرفة تحت ضوء القمر في ظلام الغرفة بإسدالها الفيروزي المطرز باللؤلؤ اللامع. ازدادت بريقاً مع الضوء الساقط عليها وجعل حولها هالة من النور، وبدت حرفياً كالحورية التي سقطت من السماء بملامحها البريئة الناعمة.

أسدل عينيه وتأمل هيئتها بشغف. قد عشقها وذاب عشقاً فيها، تغلل بداخله شعور لا يمكن تجاهله. وراح يتساءل بحيرة: تلك الجميلة، كيف أقنعها أني أحبها؟ نادها بصوت خفيض: عيون قلبي. وسحب نفس عميقاً اختزله بداخله. فالتفتت نحوه واعتدلت في وقفتها. بينما ناداها بهدوء: تعالي يا حنين. تحركت نحو الفراش ببطء وحذر، تخشاه المواجهة والضعف وعدم مقاومتها لمشاعرها التي تنجرف نحوه بمجرد نظرة في عمق عينيه الرماديتين الساحرتين.

اعتدل في نومته ومسح عن وجهه آثار النوم. بينما وقفت هي إلى جواره في تحير. جذب يدها لتجلس إلى جواره واستجابت إلى جذبه القوي. حدق إلى عينيها وهو يتساءل باهتمام: ما نمتيش لي؟ ابتلعت ريقها وتوترت أثر دنوه منها وكأنها المرة الأولى: ااااا.... أصل... لسه بدري. إحنا المغرب. هصلي العشاء وأنام. قضب حاجبيه وتراجع للخلف متسائلاً: ياااه. أنا نمت كتير أوي كدا؟ طأطأت رأسها وهتفت بهدوء: أكيد كنت تعبان.

أمسك طرف ذقنها بأطراف إصبعه ورفعها إلى مستواه لتغريه أنفاسها الدافئة ويقترب من ثغرها. ولكن يدق الباب، وبصوت عالٍ نادت رودي: يويو، ممكن أدخل؟ تنحنح إياد وهو يمسح فمه: تعالي يا رودي. دَلفت رودي بابتسامتها الشقية: يويو، ماما بتقولك الغداء جاهز والنهاردة القوانين مكسورة عشان أنت كنت راجع من السفر، لكن بعد كده أنت عارف النظام هنا زي الساعة. ابتسم إياد بسخط: كرم أخلاق والله. جذبت ذراعه وهي تهتف: يلا بابا مستنيك.

آه هتف بها إياد بضيق. بينما نظرت رودي إلى حنين: يلا يا حنين شدي معايا. أشاحت وجهها بتعجب وهي لا تدري أي جهة تنظر من أثر خجلها. تحرك إياد ودفع عنه يدها: خلاص أنا قايم لوحدي. وابتسم وهو يلقي نظرة سريعة على حنين. إيطاليا. دخل زين إلى فرحة. وجدها تغفو كطفل بريء، تعب من اللعب ونام مكانه دون وعي. سحب الغطاء ودثرها بعناية. وقف جوارها للحظة ينظر إلى وجهها الهادئ الحسن. وخرج هادئاً، يخطو في الردهة بملل واتجه نحو الشرفة.

وهو يحدث نفسه بصوت رنان: وبعدين معاكي يا بنت الناس؟ لفيت بيكي ومش عارف أسيبك لي. عاملة زي اللعنة مش عارف أخلص منك، وقلبي مش طاوعني أسيبك. حبس أنفاسه وزفرها دفعة واحدة: بس هانت، هرجعك سليمة لأهلك تاني. لازم ترجعي لأهلك. في الصعيد. كانت هنية تتحدث إلى زوجها أمين وهو يبدل ملابسه. هدر بضيق: يــااا... هنية بجى، خلاص راسي اتخوتت. ناولته جلباباً آخر وأخذت منه الآخر ودرت: يوه... هو إني جلت حاجة، مش بجول الحج.

التقط عباءته ونفخ في ضيق: عايزني نجولها إيه؟ نكرشها من البيت؟ كانك اتجننتِ. وضعت طرف إصبعها تحت طرف ذقنها وهدرت مستنكرة: ليه؟ وهي كان ليها حاجة هنا؟ مش خدوا حاجاتها وفارقوا من سنين؟ وادي الجوازة اللي كانت هترجع تثبت بيها رجلها باظت. فاضل إيه تاني قاعدة ليه؟ جلس إلى طرف الفراش واعتلت ملامحه الضيق،

بينما أثر الهدوء وهو يهتف: يا أم عثمان، ما تخليش أم عزام تلعب بدماغك. هي مش طايجاها عشان جوازة ولدها اللي باظت ومن قبل سابق. عشان هي أجل منيكم، فما تعميش على عمها والتفِ لحالك ولولدك. عاودت الكلام وهي تجلس إلى جواره: أصل أنا كنت بجول لازمتها إيه قاعدتها طالما ما فيش جواز وجوزها كمان ماشي. احتّدت نبرته وهدر بتعصب: أخويا سابها وهي عيانة واستندل معاها. إيه نجول إحنا بأصلنا؟

أوعى لروحك ولولدك. صابحة ما تقدرش تجول أكده لوهدان عشان أكده سلطتك عليا. وأنا بجولك أها ما تجلبيش مزاني وخليكي في حالك. لوت فمها في أسف أثر محاولتها الفاشلة في تغيير قراره. في قصر الأسيوطي. نزلت حنين بصحبة إياد إلى عالم جديد لم تألفه أبداً، بل زادها رهبة وتوتر. بينما تابعتها فريال بنظرات متفحصة بضيق، وتبعته في استحياء إلى غرفة الطعام. تابعت الخادمة توزيع غرف الطعام على السفرة الكبيرة التي تشبه قاعة الاجتماعات.

حك إياد رأسه في تعب واستند إلى طرف الطاولة، بينما دلف عاصم إلى الغرفة يدس يده إلى جيبه ويحده بغضب نحو إياد تحديداً. ونبث من بين شفتيه كلمات باردة ساخرة: حمد لله على السلامة يا سعادة الباشا. اتسعت عينا إياد بينما هتف بقلق وهو يرفع رأسه نحوه: بابا. ابتسم عاصم بسخرية، وتقدم نحو رأسة السفرة وهو يهتف: هههه، سلامتك. ابتلع إياد ريقه فحضور والده ورؤيته بعدما أحرجها يوم زفافه كان صعباً.

تابع أبيه تقدمه وهو ينظر إلى حنين التي ترتجف إلى جواره بنظرات ساخرة وجلس على كرسيه المعتاد وهتف وهو يفتح ذراعيه على طرف الطاولة بتفاخر: أهلاً بيكوا في عالمي. وأردف بخبث: إزيك يا عروسة؟ إن شاء الله تكوني مبسوطة. التفتت نحوه وابتلعت ريقها بتوتر: الحمد لله. أشار إلى فريال برأسه وتحدث بنبرة آمرة: آآآ، ابقي شوفي اللازم مع العروسة. مش عايزها تحتاج أي حاجة. هاتي لها لبس وشوفي كافة احتياجاتها.

ثم التفت لإياد بخفة وهتف: إحنا يهمنا راحة ابننا بردوا. وزع إياد نظرة إلى أمه وأبيه بقلق، وهم ليتحدث، ولكن قاطعه بحدة: هااا، مش هنشوف شغلنا بقى. عض إياد شفاة بضيق وخرجت شخصيته العنيدة ونظر بحدة نحو أبيه ليخبره أنه لم ينكسر بعد ولن يسمح بإذلاله. تابع طعامه وهتف دون اكتراث: بكرة هروح. تناولوا الطعام معاً، وإن كانت حنين لم تعرف طعم للأكل وظلت تعبث في الطبق لتوهمهم بأنها تأكل وتتحاشى نظرات فريال الباردة.

ناد إياد إحدى الخادمات، والتي استجابت على الفور: نعم سيدي. خذي الهانم، وأشار إلى حنين، بينما رفع عاصم حاجبيه مستنكراً. استرسل إياد بعدما تأكد أنه أوصل رسالته جيداً إلى والده: عرفيها الحمام فين عشان تغسل إيديها. نهضت حنين في توتر وتحركت نحو الخادمة التي أجابت في أدب: حاضر سيدي، يلا يا مدام. نهض إياد ونادى أخته رودي: رودي تعالي عايزك. رفعت حاجبها مستنكرة: خير يا يويو؟ رمقها بجدية فاندفعت نحوه، وخرجت معه إلى الفرندا.

التفت إليها إياد والتفت نحوه كي يتأكد أن لا أحد يسمعهم، وهتف بجدية تامة: رودي، أنا عايزك تاخدي بالك على حنين، من ماما، أرجوكي ما تخليهاش تضايقها. ركنت ذراعها إليه وقالت بمرح: وإيه المقابل؟ دفع يدها بحنق: خلاص مش عايز حاجة منك. أمسكت كتفه وهي تهدر بجدية: خلاص يا يويو، هخلي بالي، بس تقولي إيه الحكاية؟ وغمزت له بطرف عينها في مرح. أمسك إياد طرف

ذقنه بحنان وحدثها بحنان: بعدين. المهم دلوقتي تفتحي عينك وما تخليهاش تنفرد بيها. واسترسل: وحاولي تدمجيها في عالمك شوية. حنين بنت طيبة وأنا واثق إنك هتحبيها. قضبت قسماتها وهي تهدر: أنت عارف إن أنا طول اليوم في الكلية ومش هعرف أكون متواجدة معاها طول اليوم، بس هحاول. عض شفاة وأشاح وجهه بعيداً وهو يفكر ويتمتم بخفوت: اممم، ربنا يستر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...