خرجت فرحة إلى شوارع إيطاليا مع زين. كان بصره زائغاً بينها وبين الشارع، يعرف تماماً كم هي مجروحة وكم يصعب عليها تلقي هذه الصدمة، ولكنه حتمي أن يبتعد عنها على الأقل في هذه الفترة. لم يجد كلاماً ليجتذب به حديثها أو حتى مشاكساتها، فقد أصبحت كالجليد باردة وخالية من أي تعبير. كما أنها لأول مرة ترتدي بلوزة بيضاء رقيقة وبنطال جينز، وتركت شعرها عارياً يتطاير مع النسيم. هتف بنبرة غامضة:
–المفروض إنك تساعديني الفترة اللي فاتت، ولازم أكافئك. تغيرت قسماتها ولم تحيد وجهها عن الأرض، وهتفت بهدوء: –مش عايزة حاجة. ود لو تقول له أن مكافأتها هو الإمساك بيدها الخالية وعدم إفلاتها أبداً أو تركها للضياع. ولكن، هتف مرة أخرى بجدية: –حتى لو مش عايزة، دا واجب عليا. أغمضت عينيها لتحتضن آلامها التي بدت بوادرها على وجهها. وزفرت بهدوء. بينما أوقفها زين.
وبدون أي كلمات، أخرج من جيب سترته السوداء سلسلة. على ما يبدو أنها للرجال، ذات حبلاً مبروماً فضياً وبه رصاصة، وحصان، وفراشة. وزعت نظرها بين السلسلة وبينه، ولم يتفوه فمها بكلمة سوى علامات الدهشة. اغتصب زين ابتسامة على وجهه وحاول تهدئة الوضع، وهتف بهدوء: –السلسلة دي بتاعتي، أنا قررت أديهالك إنتِ لأني واثق إنك أكتر حد هيحافظ عليها. أمسك يدها برفق ووضعها في يدها، وفرق محتوياتها. وأمسك أسفل يدها، وبإصبعه راح يشرح ببطء:
–طول عمر الرصاصة والحصان فيها، بس الفراشة دي بقي جديدة عليا. نظرت إليه بحزن، إذ كانت يده تلامسها وهي ترتجف. ابتلع ريقه وهتف من جديد: –الرصاصة هي السرعة في الاختراق، دي زيك. لم يعقب. استرسل: –ودا الحصان، وفاءه وسرعته وقوته. سكت. استرسلت هي بنبرة عادية: –ودا زيك، مش كدا؟ حدق إلى عينيها وهتف نافياً: –لا، مينفعش. إنتِ لو حطيتي الرصاصة مع الحصان، الرصاصة هتغلب الحصان، عشان كدا أنا مش في السلسلة دي.
اتسعت عيناه فجأة وتبدلت قسماته، وجذبها إلى أحضانه وأشهر مسدسه وركض بها وهو يهتف: –اجري يافرحة، حتى لو هتسبقيني، اجري. انطلقت رصاصات مصوبة نحوهم في استهداف. وركضاً معاً دون وجه محددة. *** في فيلا مازن شهدي. صراخ خليل شهدي بغضب على ولده مازن بانفعال: –بقا حتة بت زي دي مش عارف تميل راسها؟ تفضحك بالشكل دا على النت. واسترسل بنبرة تهكمية: –اومال عاملي فتك وموقعاتي البنات فين؟ كل دا؟ اهي سكتك قلم متين في وسط الجامعة.
نفخ مازن بضيق وهدر: –يابابا بقالك ساعة بتزن فيا، اعملك إيه يعني؟ دماغها ناشفة. هتف خليل بسخرية: –تعمل إيه؟ اعمل أي حاجة غير إنك تحتاج فلوس، يا غبي. قولتلك عايزين نكسب المناقصة من عاصم ولازم حياته تقلب عشان ما يركزش في شغله. ابنه واللي كان جايبله المشاكل اتجوز، والتاني مسافر أمريكا وما بيجيش. مافيش غير البت دي ومش عارف تميل دماغها. حرك مازن يده على رأسه بضيق وهتف:
–بص يابابا، أقسم بالله ما أنا سايبها عشان القلم دا، مش بس عشان شغلك. فسبني أتكتم لها وأطلع الجانب الشرير بتاعي، وأقسم بالله لأشردهالك هي وأخوها وأبوها، وهتشوف. أشاح بيده بعدم اهتمام: –لما نشوف إنت ابن أبوك ولا لأ. حك مازن صدغه بشرود: –هتشوف، هدفعها التمن غالي أوي. *** في فيلا الأسيوطي. استنشقت رودي الهواء بإستمتاع وزفرت براحة وهي تهتف: –شفتي بقا يا ستي الجو جميل في الجنينة إزاي؟ مش الكاتمة اللي جوة.
كانت تحادث حنين التي بجوارها تسبح في عالم آخر وتشرد في تفاصيل حياتها غير المنظمة. نعم، شعرت بألم حيال إياد، لقد كان هو أيضاً ضحية خيانة بشكل آخر، هو أيضاً يتألم، ولكنه فعلاً استطاع أن يحويها.
ود لو تستطيع البوح بكل ما يؤرقها ويؤلمها بدون خوف. ود لو تلقي رأسها على كتفه وتشتكي وتصرخ وتختبئ من العالم في أحضانه، أو حتى لتواسيه. ولكن، أصبح بينهم جليد بسبب الخوف من المواجهة. ودفن كلا الطرفين ما يحزنه ويمضي قدماً، يحمل بداخله ورماً خبيثاً من الآخر سينتشر ويقضي على كلاهما معاً، وسيبقون ضحية لذلك الصمت الموحش بينهم. *** في شركة عاصم الأسيوطي.
كان الوضع سيئ للغاية بعد انتشار خبر مخجل على لسان لينا للسعدي عن إياد، والجو متوتر للغاية. صرخ عاصم باهتياج إلى رفيق إياد (عماد) وعنفه قائلاً: –هو أنا مش هرتاح من مصايبه أبد؟ أنا تعبت خلاص. اللي بنيته في سنين هيضيع هو وهيخلينا نعلن إفلاسنا قريب واحنا بنلم فضايحه. هتف عماد بحذر ليهدئ: –اهدئ يا عاصم بيه، إياد ملوش ذنب، إحنا عارفين إنها مش لاقية طريقة ترجعله بيها. اهتاج عاصم أكثر وصرخ عالياً: –إزاي مالوش ذنب؟
مش ضربها بالقلم في وسط أصحابها؟ مش لمم الزبالة وحطهم في بيتي؟ مش سابني في عز زنقتي وقفل على نفسه؟ ابني اللي مفروض سندي، مدي فرصة لأعدائي يهاجموني بيه. كاد يتحدث عماد، ولكن قاطعه عاصم بغضب: –واتأخر ليه؟ راح فين تاني؟ هاتوه قبل ما يجيب مصيبة كمان. أجاب في سرعة: –كلمته والله وجاي حالا. أدار وجهه وهو يخرج من المكتب: –خليه يلم الموضوع، هو المرادي يوريني هينفي عنه الموضوع دا إزاي.
صفق الباب من ورائه، تاركاً عماد يلطم كفيه ببعض في حيرة، وهو يهدر: –ياحظك القليل يا إياد، ياترى هتتصرف إزاي. *** في إيطاليا. ركض فرحة وزين معاً ليختبئوا في أزقة الشوارع ليختفوا من مطاردة الرجال إليهم. لم تسأل فرحة عن هويتهم، فلم تنسَ ذلك الرجل الذي تحرش بها في صالة اللورد، فعرفت أنها المنشودة. ولكن يد زين القابضة على يدها تبث فيها الأمان، وإن اندلعت حروب الأرض عليهم، فهي لا تنعم بجواره إلا بسلام.
تقدما معاً ركضاً في وسط الأزقة والأماكن الملتوية، لتقاطع سيارات سوداء عالية الشوارع بخلاف الآخرين وتطلق النيران دون أي تفاهم. التقطت عينا زين إحداهما وعرفهم على الفور أنهم جماعة أخرى من المافيا يريدون الميكروفيلم. وأصبح زين وفرحة بين المطرقة والسندان، قاب قوسين أو أدنى من الهلاك. فقد حوصروا بين قبضة المافيا التي لا ترحم. *** في فيلا الأسيوطي. لوحت رودي بيدها في وجه حنين وهتفت: –هيي، روحتي فينا؟ انتبهت
إليها وأجابتها بشرود: –هااا؟ –هااا إيه؟ إنتي مش معايا خالص. ثم التفت بوجهها إلى صوت السيارة القادمة من بوابة الفيلا. عندها صاحت: –إيه دا؟ دي عربية يويو. انتبهت معها حنين وبدأت نبضات قلبها في التسارع، حينما رأته ينزل من السيارة. لم يلتفت في البداية، وكان يظهر عليه الشرود. أغلق الباب وتوقف قليلاً يزفر أنفاسه بهدوء، بتلك الوسامة التي لم تفارقه حتى وهو حزين. لوحت له رودي من بعيد ونادته باسمه: –يويو، تعال.
سرعان ما تبدلت قسماته وابتسم. هو أيضاً عاد مشتاقاً، يشتاق إلى حبيبته الذي يشعر بجوارها بالطمأنينة والسكينة، حتى وإن آلَمه، فهي ما زالت "عيون قلبه". تحرك نحوهم ولم يخفِ ابتسامته، وبدأ في الاقتراب. ومع كل خطوة يخطوها، كان نبض حنين يتسارع إلى حد الوقوف. لم تدرِ ما الذي يجب عليها فعله، أو حتى تسمع إلى ما يمليه عليها قلبها في الركض نحو أحضانه. هتفت رودي بابتسامة: –حمد لله على السلامة يا يويو. –الله يسلمك.
كان يعلق نظره بحنين التي هي أيضاً لم تستطع أن تحيد نظرها بعيداً عنه. انتبهت رودي إليهم، فهدرت ممازحة وهي تنهض: –طيب، أقوم أنا بقي أحسن ما أبقى عزول. أمسك إياد كتفها ليوقفها قائلاً: –لا، خليكي. أنا هطلع آخد شاور وأخرج، بابا عايزني. خليكوا مع بعض. وضعت رودي يدها في جنبيها وهدرت بلوم: –طيب، وفين الصور بتاعتي أنا بقا؟ ابتسم إياد ودس يده إلى جيبه وقدم إليها هاتفه. التقطته هي بحماس:
–واو، هتفرج. ثم نظرت إلى حنين، تتفرجي معايا ولا هتطلعي معاه؟ أزاح بصر حنين بينها وبين إياد، فهتف إياد بحزن: –لا، خليكم مع بعض. تركهم إياد وغادر. فلم تستطع حنين أن تمسك بقلبها الذي قفز ورحل معه. مسكت رودي ذراعيها وقالت: –تعالي بقا أفرجك على المتعة اللي بتنسي إياد الدنيا وما فيها. جلسا معاً وفتحت رودي الهاتف وبدأت في البحث عن الفيديوهات والصور الحديثة التي التقطها إياد بهاتفه المجهز والمضاد للمياه من تحت أعماق البحار.
فتحت أول فيديو، بدت على وجه حنين الحماس لرؤية عوالم أخرى وجزء جديد من شخصية إياد. كانت المياه الصافية والأسماك البحرية المتنوعة بأشكالها وألوانها الجذابة، شيئاً خلاباً للغاية وممتعاً. جذبهم كالسحر، وساد الصمت أمام معجزات الله سبحانه وتعالى التي لم ترَ مثيلاً قط. ظلت رودي تسترسل مشهداً تلو الآخر وفيديو تلو الآخر، إلى أن وصلت إلى الصور الخاصة بإياد، وكان من بينهم صور كثيرة لحنين وهي نائمة. عقدت
رودي حاجبيها بدهشة وهتفت: –مفيش ولا واحدة وإنتي صاحية؟ أخويا بيسهر بيصورك بس ولا إيه؟ كانت حنين في اندهاشة لما يفعله ذلك، لما يتجافى عن مضجعه كي يسهر إلى جوارها ليتأملها. على ما يبدو أنه عاشق ولهان حقيقي. *** في الصعيد. غيمة من الاكتئاب هبطت على منزل عزام القناوي. هتف عثمان ابن عمه في وسط الجمع الذكوري في قاعة الجلوس: –أداري يا واد عمي، الراجل دا شراني، ما إحناش كديه (قدوا)
كان عزام يستمع إليه وهو يسند مرفقيه إلى ركبتيه ويدفن رأسه في كفيه، ولم يجد. هدر عمه أمين: –ما رضيش بالصلح ولا بالتعويض. استرسل إبراهيم ابن عمه الآخر: –ودي حاجة تجلجل. خبط وهدان كفيه ببعض وصاح بتوتر: –ربنا يجيب العواقب سليمة. والتفت إلى عزام متسائلاً: –ساكت لي يا عزام؟ رفع عزام وجهه للأعلى ببطء وحدق بوجوههم جميعاً، وكأنه غير مستوعب ما سوف يقوله. وهتف بجمود وبنبرة جافة تماماً: –جهزوا نفسيكوا، هنروح نخطب بت الشرشريات.
اتسعت أعينهم وفغروا أفواههم في دهشة، بينما اعتدل وهدان وأسند ظهره إلى الخلف بأريحية، وهو يلقي نظرات إعجاب وتفاخر على ولده. *** تحرك إياد نحو طاولة رودي وحنين في الحديقة، وهتف من بعيد: –ها، خلصتوا فرجها؟ اعتدلت حنين ولا يزال على وجهها علامات الدهشة باقيها. أجابته رودي وهي تقدم إليه هاتفه: –آه، خلصنا. بس دي صور قليلة. التقطه إياد وابتسم: –إنتي ما بتشبعيش على فكرة. وقفت إلى جواره وسندت بيدها على كتفه وهي تقول:
–أبداً يا يويو، أنا بحب مغامراتك جداً. نظر إليه بطرف عينه وهتف بغرور: –أنا عارف إنك بتموتي فيا يا رودي. كزته في صدره ممازحة: –لا، خلي الموت دا لحد تاني. ونظرت إلى حنين. وانطلقت إلى الداخل لتترك مساحة لعينيهم التي تشتبك ببعض في عشق التحدث إلى بعضهم. وقف إياد أمام حنين التي تحيرت أين تنظر من فرط خجلها، وكأنه ليس زوجها. جلس إياد إلى الكرسي المقابل لها وهتف بهدوء: –حنين، أنا...
فكرت كويس في كل حاجة حصلت ما بينا من يوم ما قابلتك في المطبعة لحد دلوقتي، وقررت قرار لازم تعرفيه كويس. أولته اهتمامها ورفعت وجهها ببطء نحوه. فاسترسل وهو يعلق نظرة بها: –قراري هو إني عمري ما هرميكي، عمري ما هسيبك ولو آخر يوم في عمري. أنا ليكي إنتِ وبس، وإنتي هتفضلي "عيون قلبي" وعشقي الوحيد. اللمعت عيناها في عينيه الرماديتين اللتين بدتا لها سماءً صافية لتحلق بها كطير ينعم جديداً بالحرية. التقط يدها وهمس بهدوء:
–أنا عايزك تكملي معايا حياتي، نعيش سوا ونشيب سوا ونموت سوا. راضية يا حنين؟ كانت كلماته كفيلة بأن تعقد كل كلمات اللغة على لسانها. فهو دائماً، وعندما يحدثها بتلك الطريقة، تشعر بأنها مهما فعلت أو هدرت لم توسعه حباً أو حتى تجيبه بنفس الكفاءة. همت لتجيب: ،،،،،،،. فوضع يده على فمها ليمنعها برقة وسحر من التحدث، وهتف بهدوء:
–مش عايز أسمع ردك دلوقتي. عايز أسمع بعد ما تفكري كويس، بس يكون في علمك، من وقت ما هتوقفي، مفيش تراجع عنه أو حتى تفكري في إني هرميكي. أنا عمري ما هكون سبب جرحك، وعمري ما هقبل أبعد عنك. كادت عيناها تترقرق بالدموع، وكان كل دقة بقلبها أعلنت حبه ودقت لتصرخ عالياً بحبه. بينما ظل إياد يحدقها بنظرات عشق مطولة، حتى على صوت هاتفه. فاستفاق من شروده وهتف بقلق:
–يووو، أنا نسيت بابا. ونهض في سرعة. أنا هامشي دلوقتي ونرجع نتكلم بالليل. سلام يا حبيبي. ولوح لها بابتسامة، وبادلته إياها ببسمة عذبة رقيقة، ولوحت إليه بشرود، فقط تريد شخصاً "يختارك… يعرف عيوبك ويختارك… يعرف ماضيك ويختارك… تزعجه ويختارك… تغضبه ويختارك… شخص يختارك كل يوم كأنما خلت الأرض إلا منك!!! من داخل الفيلا، كانت رودي متجهزة بملابس رياضية وترتب أغراضها وهي تنزل عن الدرج في سرعة. أوقفتها فريال متسائلة بحنو:
–رودي حببتي، إنتي خارجة ولا إيه؟ أجابتها في سرعة: –آه، بعتتلي من الكلية، مش عارفة عايزين أمضي ورق نقلي ومش فاهمة حاجة ورايحة أفهم. قبضت فريال وجهها وتساءلت بقلق: –الله، من إمتى دا؟ وليه؟ قبلتها رودي على وجنتها وهتفت بغنج: –اممم، مش عارفة. بيقولوا بخصوص إجازة نص السنة اللي جاية عشان سفري أمريكا وكده. تبادلتها فريال القبلة بإثنتين وهي تهتف بحنو: –حبيبة قلب عين روح ماما، تيجي بالسلامة. التفت لتخرج فسألتها
فريال بنبرة محتقنة: –اومال فين اللي اسمها، حنين؟ أجابتها رودي بدهشة من تساؤلها: –في الجنينة، ليه؟ في حاجة؟ أجابت بلا اكتراث: –لا، عايزاها، هاخدها أنا كمان وأنزل. –ok ماما باي. –باي ياروح مامي. *** في إيطاليا.
ظل زين يركض هو وفرحة حتى توقفا في منزل فارغ تحت الإنشاء، ووقفت الطرق بهم وأصبحوا محاصرين من شتى الجهات. توقف زين وبحث عن مخرج من تلك المأزق، وظل يدور حول المكان في محاولة لإيجاد فكرة. وتابعته فرحة بحزن شديد، إلى أن انتبها لها واقترب منها وأمسك يداها. نظرت فرحة إليه بقلق، إذ كانت أول مرة يلتقط يدها وتكون بهذه البرودة، دوماً كانت دافئة. وزعت نظرها بين يده الباردة وعينيه القلقتين بشيء من التوتر.
كانت أنفاسه متلاحقة ويبدو عليه الاضطراب. هدر بتوتر وسرعة: –فرحة، فرحة. قدامنا أقل من ٢٠ دقيقة ويلحقونا. أنا عايز أقولك سامحيني، سامحيني إني جبتك لحد هنا، وإني روحت بيكي صالة اللورد. ابتلع ريقه واللمعت عيناه وهو ينظر إلى عينيها الساكنة تتأمله في صمت. واسترسل بحزن: –أنا مدرب على أعلى مستويات الألم، إلا ألم قلبي من ناحيتك. مش عايز أشوفك بتتأذي بسببي، مش قادر أتخيل دا. إنتي همي الوحيد دلوقتي.
استمعت إلى حديثه الملتهب والذي اتضح فيه مدى تورط قلبه بحبها، ولكنه ما زال يتعند بعينيه. سحبت يدها وأطبقتهم فوق يده. وهتفت بنبرة متحشرجة: –إنت شجاع، وشجاع جداً كمان، وقادر على مواجهة كل دول، وقادر تخرجنا من هنا بدون خدش واحد. استمع إلى حديثها الهادئ المشجع واستسلم إلى دفء يدها، ووهتف مقاطعاً: –أنا خايف عليكي إنتِ. سحبت يدها من يده واسترسلت هي بنبرة غامضة: –هات مسدس ليا. حرك رأسه نافياً وهدر بضيق:
–مش حل يا فرحة، إنتي مش متدربة على كدا، وآخر مرة مـ... قاطعته بضيق: –الموضوع مش محتاج تدريب، محتاج دافع، وأنا دلوقتي جوايا نار، نار تحرق مدينة بأكملها. هات المسدس. حدق في عينيها بجدية وسحب أحد سلاحيه وقدمه لها. قلبته بين يديها، وبدون أي تفكير تقدمت إلى الخارج. ليصيح عالياً: –تعالي يامجنونة، رايحة فين يا فرحة؟ يا فرحة، رايحة فين؟ لم تستمع له وبدت كأنها تقدم على عملية انتحارية. *** في شركة عاصم الأسيوطي.
دخل إياد إلى الشركة وتهمهس الجميع فور وصوله. اعترته دهشة ولكنه لم يبالي وانطلق نحو مكتب والده. لم تكف الألسنة عن ذكر اسمه والتهامس، بينما هو تعجب من ذلك الهمس وأيضاً النظرات التفحصية من العاملين والعاملات. ووصل إلى مكتب والده وطرق الباب بأدب ودخل دون انتظار. تعجب قليلاً من فراغ المكتب إلا من صديقه عماد الذي يجلس على إحدى الكراسي بشرود. أغلق الباب وتساءل: –في إيه؟ إنتو مالكوا كلكم كدا لي؟ مش طبيعيين، في إيه؟
انتبه عماد إلى صوت صديقه الذي انتشله من شروده ونهض في سرعة وهو يهدر بضيق: –مصيبة. رفع حاجبيه إياد وهتف بدهشة: –مصيبة إيه؟ أجابه صديقه وعلى وجهه ضيق لا متناهي، واتجه نحو الأوراق الموضوعة على المكتب وهو يهتف باستنكار: –إنت مش متابع ولا إيه؟ تحرك ورائه ليرى ما هو مهم إلى هذه الدرجة، وهدر متسائلاً: –لا... إيه اللي حصل بس؟ إنت عارف لما بروح أغطس مش بفتح تليفوني خالص.
فتح عماد الصفحة الإلكترونية الخاصة بالأخبار ووجه إليه الجهاز ليضمن رؤيته الكاملة لذلك الخبر المخزي والتصريح المشين على لسان لينا السعدي. واتسعت عيناه أثر ذلك الخبر الصادم وغير المتوقع. وما أن أكمل بحث بيده عن باقي التفاصيل، بينما صديقه تابع بوادر الغضب على وجهه، والتي بدت كأنها على وشك الانفجار. وما أن انتهى، حتى دفع الجهاز بعنف وصرخ وهو يلكم المكتب الخشبي بغضب: –السافلة!
حرك يده على شعره وانتصبت خيانته أمام عينيه من جديد. سنوات وهو يحاول تجاوز تلك المحنة، والآن أتت لتؤكد على حقارتها وتتنيها في الأفكار. هتف عماد بجدية: –إنت لازم تتصرف بسرعة، أبوك قالب الدنيا ومستحلف حلفانات السنين. نفخ إياد بغضب وهدر بنبرة محتقنة: –تقول اللي تقوله خلاص، كرهتها، بس توصل للحقارة دي. لوح صديقه عماد وهو يبتسم بعض الشيء: –لا، وأبوك بيقولك انفي الخبر. اتسعت عيناه في ضيق وبدا شرساً وهو يهدر بغيظ: –أنفي إزاي؟
واحدة سافلة وبتقول إني عندي عجز جنسي؟ أنفي إزاي؟ أطلع أغتصبها على الهواء يعني؟ وبعدين السافلة دي أنا سايبها وإحنا مخطوبين، عرفت منين؟ نفخ عماد في ضيق: –أنا عارف، عمالة تخرف وتقول إنك اعترفتلها وكانت موافقة على كدا. هي بتعامل على أساس العيار اللي ما يصبش يدوش. حك رأسه بغضب حتى نثر شعره على جبهته وهدر بضيق: –أووووف، أنا بكرهها، بكره كذبها وصوتها واسمها، ومش عارف إزاي في يوم كنت بحبها. تحرك عماد في الغرفة بقلق وهتف:
–المهم دلوقتي تتصرف، لحسن أبوك هيقلب عليك. إنت ما شفتوش كان عامل إزاي قبل ما تيجي. تأفف إياد وبحنق شديد أجابه: –يعني أنا هعمله إيه؟ ماهو شايف اهو، حاجة آخر قلة أدب، يترد عليها بإيه دي؟ ضغط عماد على رأسه لشعوره بالصداع من كثرة التفكير: –شوف، أنا هتصل بيها وأحدد لك مقابلة معاها وتتصرف معاها. التفت إليه بغضب عارم وصاحبه بنوبة انفعال: –إنت اتجننت؟ بقولك مش بطيق صوتها، تقول لي أقابلها؟ دي هي بتعمل كدا عشان أقابلها.
اقترب عماد منه وأمسك بمنكبيه وهتف بجدية لعله يقنعه: –اتصرف، سمعتك لو ما اتلمتش في أسرع وقت، يبقى اتفضحت رسمي. *** في إيطاليا.
كانت السماء تمطر رصاصاً، بينما وقفت فرحة لا تبالي بأي شيء سوى النار المتأججة بداخلها. كل ما تراه في عينيه حباً، ولكنه ينكره ويتنصل منه ويواجهها ببرود. ظلت تطلق النار بعشوائية، ووقوفها بين عشرات الرجال بشجاعة جعلهم يتخبطون. كما أن زين انضم إلى جانبها، وبدأت الحرب على الجميع من قبلهم. هي بجحيمها الداخلي، وهو بخوفه عليها. شكلوا فريقاً صعباً، إلى جانب اعتمادهم على عنصر المفاجأة، هزموهم في سرعة. واختطفها زين في سرعة من وسط الدماء، ورحل معها نحو النقطة
(ب) والتي كانت في الصحراء. قد شارفت الشمس على الغروب وسرى التعب في جسدهما. مالت فرحة إلى الأرض لتضع يدها أسفل رأسها، فقد شعرت برعشة قليلة في أوصالها أثر ذلك اليوم الشاق. جمع زين بعض الأحطاب المتناثرة، وبطريقة بدائية للغاية أشعل النيران ليبعد الحشرات والحيوانات عنهم. جثى زين إلى جوارها وجذبها لتنام على قدمه، وكانت مستسلمة. وضعت يدها أسفل وجنتيها وحدقت للفراغ. لمعت النيران في عينيها وهتفت بتعب: –وهيحصل إيه بعد كدا؟
زفر بتعب وسكت قليلاً قبل أن يعود بذاكرته للوراء ويتذكر تركها. وذهب يبحث عن أحطاب في الصحراء الواسعة، وفتح هاتفه وشرع في التقاط شبكة ليحادث صديقه ياسين، والذي استجاب في سرعة: –أيوه يا زين، عملت إيه؟ احتقن صوته وهتف بتألم: –هاجمونا وخلصنا منهم باعجوبة. تساءل بقلق: –هي كانت معاك؟ حرك زين رأسه وهتف بحزن شديد وهو يبتلع ريقه: –إحنا دلوقتي في نقطة (ب) . ابعت حد ياخدها، رجعها لأهلها على طول. هي هناك هتبقى في أمان أكتر.
–خلاص يا زين، أول ما تيجي مصر هنرجعها لأهلها. ألم شديد الم قلبه، ولكنه من الضروري إبعادها حتى لا تقع في من لا يرحمها. ليته حر غير مقيد بواجبه نحو وطنه كي يهرب بها إلى آخر العالم. فكان قراره المؤلم هو الصائب. هتف برجاء شديد: –وحياة عيالك يا طيار، تتأكد إن ما هيمسها مكروه.. أمانة في رقبتك من صاحبك، حطها تحت عينك لحد ما تطمن عليها. استشعر الصدق والمحبة في صوت صديقه، قال متأثراً:
–حاضر يا زين، اللي إنت عايزه هعمله. رئيس المخابرات بتاعنا كلم مدير الأمن في الصعيد وهنسلمها لأهلها، ما تقلقش، وأنا بنفسي هستناها هنا في مصر. زفر زين بارتياح قليلاً وطمأن نفسه أنها ستكون بخير وسط أهلها: –شكراً يا صاحبي، عشمي في محله. عاد من شروده وهو في حيرة من أمره، كيف سيكون وداعهما؟ أهو أحضان ودموع، أم جافاً بارداً، مجرد عناق أيدي وقلوب تنزف؟ هتفت وهي تحدق نحو ضوء النار: –تعرف دي أجمل ليلة قضيتها في حياتي؟
أول مرة يكون الجو هادي بشكل دا، وأكون في صحراء فاضية ومخيفة، بس مش خايفة. مش خايفة عشان جنبك. هيحصل إيه لو حبتني؟ هو الحب جه عليا وخلص؟ صمتت قليلاً قبل أن تهتف بآخر شيء علق في حنجرتها حيال قصة حبهم التي ينكرها زين: –إنت كذبت عليا، قولتلي إني زي أختك، مع إني شايفه عشق في عينك مالوش حدود. انكر زي ما إنت عايز، وأنا بحلفلك إنك هتندم في يوم من الأيام على إنكارك دا. أغمض زين عيناه وحبس أنفاسه وهدر وهو يخفي ألمه بجمود:
–مفيش حب يا فرحة، دا بيتهيألك. إنتي شايفه الظروف اللي إحنا فيها؟ أنا لو ماركزتش في شغلي، هضيع بلد بأكملها. فأرجوكي بلاش تعلقي نفسك بأوهام. أنا دلوقتي كل همي إني أرجعك لأهلك عشان أطمن إنك في أمان. لو اللي شوفتيهم دول قبلتيهم تاني... سكت قليلاً، حتى أنه يرفض التفكير في الأمر، وحرك يده على شعره ليهدئ من توتره، واسترسل بألم: –مش عارف مصيرك هيبقى إيه.
لم تبالي بأي شيء سوى إنكاره المستمر لحبه، وشعرت بالغضب حياله برغم سكونها التام على قدمه. أخمد توتره ونفض عن رأسه أي تفكير يغضبه وهتف مجدداً بارتياح: –بس خلاص، إحنا في أمان. أول ما الطيارة هتيجي الفجر، هتوديكي الصعيد، وأنا كدا هبقى مطمن عليكي أكتر. اتسعت عيناها وانتفضت من قدمه ونظرت إلى عينيه بحزن وجحيم معاً، وصرخت به: –إنت هتسبني؟ جايبني لحد هنا عشان تسبني؟ انفجرت في البكاء واسترسلت: –هتمشيني خلاص؟
قدرت تعمل كدا إزاي؟ لم يجيبها وحاول الحفاظ على مشاعره، لتهتف مجدداً وهي توكزه في صدره بكلتا يديها بعنف وغضب: –قدرت تعمل كدا إزاي؟ إزاي؟ رد عليا. جذبها إلى أحضانه، فما استطاع رؤية انهيارها بهذا الشكل. ظلت توكزه وتبكي، بينما هتف هو بهدوء وهو يحرك يده على شعرها بنعومة:
–بس، بس، اهدي. أقسم بالله يا فرحة لو في حل تاني لعملته عشانك. أنا هنا في مهمة رسمية، مينفعش ما تكملش. وما ينفعش تقعدي هنا، إنتي مطاردة. ولو فضلتِ معايا، آخرتك هتبقى في فاترينت شيكاغو، ويستحيل حد يخرجك من هناك. مقدرش أنا أشوفك بتضيعي قدام عيني، يا... يا بنت بلدي. رفعت وجهها نحوه وابتعدت عنه، ضمت ركبتيها إلى صدرها واحتضنت نفسها وهي تتشدق ببكاء مرير بصمت. لقد أهانت نفسها كثيراً وهي تطالبه بالحب. ***
على الجانب الآخر، خرجت فريال مع حنين إلى إحدى بيوت التزيين التي اعتادتهما فريال. دخلت بها وأجلستها إلى الكرسي الخاص بتصفيف الشعر وهي تهتف بتعالٍ واستحقار: –اقعدي هنا، وما أسمعش صوتك. التفتت إلى إحدى العاملات وهمست في أذنها: –عايزكِ تغيري لون شعرها للون تاني. قبضت العاملة وجهها باستفسار: –أي لون حضرتكن؟ نظرت إليها بحماس وهتفت: –اللون اللي يليق عليا. تعجبت العاملة وتساءلت: –نعم، حضرتك تقصدي إيه؟ مين فيكوا اللي هتصبغ؟
ابتسمت فريال بشر وأضافت إلى حديثها فكرتها الشريرة: –أصل أنا عايزة أغير لون شعري بلون أسود، إنتِ عارفة إن شعري أصفر مدرج على طوله. وحركت شعرها بعشوائية واسترسلت: –فعايزة أجرب عليها اللون، لو عاجبني هصبغ أنا كمان. نظرت إليها العاملة بدهشة وأجابت: –حاضر يا فندم، اللي تشوفيه. وتوجهت نحوها وهي تتمتم بخفوت: –لا حول ولا قوة إلا بالله، الست عايزة تعملها فار تجارب.
ابتسمت إلى حنين التي بادلته الابتسام ببراءة، لا تعرف أياً من نواياها. هتفت بذوق شديد: –اتفضلي حضرتك، اقلعي الحجاب. عقدت حاجبيها وتساءلت: –ليه؟ تقدمت فريال وهتفت مقاطعة بتعالي: –هااا، ما تسأليش. والتفتت للعاملة وحدثتها بنبرة آه: –يلا، شوفي شغلك.
في منزل فتح الله، تجهزت عواطف بزينة مبالغ فيها وارتدت عباءة سوداء ضيقة وحجاباً ملوناً. وقفت في المرآة تلتف حول نفسها للتأكد من إتمام كل شيء، ظناً منها أنها أصبحت أشيك السيدات في العالم. ليصدح صوت فتح الله عالياً: –خلصتي يا أم إبراهيم؟ أجابته وهي تعدل حجابها وألقت نظرة أخيرة على مظهرها الجميل في نظرها: –حاضر، خلصت أهو. دلف إليه وهو يتساءل بضيق: –إيه كل دا بتلبسي؟ حركت كتفيها بعدم اكتراث وهدرت بانفعال بسيط:
–يوة، مش لازم نتجوز عشان نشرف قريبتك دي. قبض وجهه وهتف وهو يستدير: –ما تخلصي بقي يا عواطف، بقالك ساعتين بتلبسي. نادتة في سرعة: –استني، شوف بس كدا حلوة ولا لأ. لم يلتفت إليه وهدر بضيق: –يا ستي حلوة، دانتي قشطتيني من وراء الزيارة دي. عباية وطرحة وشنطة ومكياج، طبعاً حلوة. خرجت إليه بعدما ابتسمت ابتسامة إعجاب إلى نفسها. *** في الصعيد. اتسعت عين صابحة عندما أخبرها وهدان بقرار عزام النهائي حيال ابنة الشرشيري.
وهدرت دون استيعاب: –إنت بتجول إيه؟ ولدي أنا يتجوز المدعوكه دي؟ إنتوا اتجنيتوا ولا إيه؟ صاح وهدان بنبرة تحذيرية مشددة: –صابحة، خلي بالك من كلامك واعقلي. استرسلت بانفعال: –كلام إيه؟ اللي اخلي بالي منه؟ إنتوا خليتوا فيا عجل، وهو أنا ابني جاعد للساقطة واللقطة من الأول؟ جعت الشباب جدامك وجولت حد يلم لحم بت عمكم فتح الله؟ رفع يده وجال أنا، وبعديها هربت اللي تنططم رجبتها تاجي دي، يخبطها بالعربية وتنكسر؟
تجولوا تجوزوها لهلها؟ بت اختي سناء مالها؟ جلتلكوا من الأول جوزوهالوا، وإنت وابنك جلتوا لعجات على اللي ينقطع خبرها دي، ورضيتوا؟ ودلوقتي جيتوا على الناقصة تجوزوهاله؟ ينخفي خبرها إنشاء الله. زمجر وهدان بغضب: –صابحة، الزمي حدوك وما تعديش، إلا ابتديتي تخرفي. قاطعته وأشهرت إصبعها بوجهه غير آبهة بالعواقب:
–ما عيتجوز، خرج بيوت ابني زينة الشباب والبلد كلها، وإن هو رضي، أنا بت الحاج سعفان ما عدخلش بيتي بت الشرشيري، والبلد كلها عارفة إنه طلع من الفقر للغنى من غير سبب. حبة يجولوا حرامي، وحبة يجولوا وارث، وحبة يجولوا آثار وسلاح، وأنا بجول كل دول. أنا جولت كلمتي الأولى والأخيرة، بيتي ما عدخلش فيه واحدة تنطحني وتحط راسها براسي وتعمل مجامها من مجامي، وكمان تاخد ولدي اللي ما لتليش غيره. لو بت اختي مش عاجباكوا، يبجا يختار غيرها، لكن الجوازة دي ما عتمش إلا على جثتي.
تركته وغادرت الغرفة، ليضرب هو كفاً بكف على زوجته التي تعاني من الغطرسة والكبر والتعالي. *** فتحت حنين عينها بصدمة غير مستوعبة ما حدث للتو. كانت مفاجأة صادمة، وصاحت باهتياج: –إيه دا؟ إنتي عملتي إيه في شعري؟ إيه القرف دا؟ أوقفتها فريال بشماتة: –أنا اللي طلبت كدا. تقدري تعترضي؟
اتسعت عين حنين وشعرت بسخونة، إذا أرادت الصراخ في وجهها بأنها الآن أقوى من ذي قبل بسبب عشق إياد لها. ود لو أنها تقول لها أنها ليست دمية، ولكنها على الأقل، أو لأول مرة، ترفض أمراً بداخلها وتخرج عن طور الاستسلام. جذبت حجابها وعدلته بطريقة عشوائية، وخرجت مسرعة من البيت، لتلحق بها فريال وهي تناديها بضيق: –بت انتي، تعالي هنا يا حنين. إنتي، يا حنين.
عادت لمنزلها، لم تكف عن البكاء. انزوت في حجرتها، لقد أفسدت فرحتها العارمة بتمسك إياد بها، ولكنها نفضت الحزن عنها لكي تخبره في المساء أنها ستبقى لآخر العمر معه، وستتحمل العالم بأسره لأجله. دخلت إلى الحمام وغسلت وجهها وأزالت آثار البكاء عنها، وارتدت منامة بيضاء ذات نقوش وردية رائعة، ولت فمها وهي تخفي حزنها الدفين بلون شعرها المزعج، وارتدت عليه حجاباً أبيض صغيراً، وتهيأت لاستقبال زوجها.
وقف فتح الله أمام فيلا الأسيوطي وهو ينظر إلى ذلك الصرح بإنبهار وغمغم بحقد: –الله الله يا ست حنين، إيه العز دا كله؟ كانت عواطف تشتبك في يده وبدت كالمسحورة أثر رؤية مكاناً كهذا عن قرب، وهتف بشرود: –هو عز بعقله؟ دي حاجة تاخد العقل. انتبه لهم رجال الأمن، فأشار أحدهم للآخر ليبعدهم. فتحرك ناحيتهم الحارس، وهدر بصوت عالٍ: –إنتوا تايهين ولا إيه؟ يلا يا راجل خد الست اللي معاك وامشوا من هنا. لم يتحرك فتح الله وهتف بغرور واهي:
–إنت مش عارف أنا مين؟ دفعه الحارس بيده بغير اهتمام: –كون زي ما تكون، ويلا ابعد من هنا. كاد فتح الله أن يسقط، فزمجر عالياً: –إنت بتزقني؟ أنا هخليهم يطردوك من هنا، ويلا افتح السكة وقولهم جوا فتح الله القناوي برة. ضحك الرجل في تهكم واضح وهدر بسخرية: –يا شيخ، داخل الجنينة هنا ولا تطلع إيه عشان تتكلم كدا، ولا حتى تدخل. تدخلت إحدى الحراس الآخر الذي استمع للحوار بشكل جيد في البداية، ورفع صوته منادياً:
–إنتوا مش عارفين إنتوا فين ولا إيه؟ إنت يا رجل، إنت خد اللي وياك وامشي من هنا، بلاش شوشرة عشان مصلحتك. لوحت عواطف بيدها وهي تصدح بصوت جهور: –هو إحنا جاين نشحت منكم ولا نشحت منكم؟ إحنا جاين لبتنا، هالي يؤمن فتح الله على كلامها: –أيوه، حنين مرات إياد بيه، بتي اللي مربيها في بيتي. نظر الحارسان في وجه بعضهما البعض وصمت تماماً، ليدخل أحدهم ويمسك الهاتف الخارجي للفيلا ليبلغ من هم في الداخل، وهو يحدقهم بنظرات ضيقة. ***
في الصعيد. اقتحمت صابحة غرفة والدها عزام دون إذن بشرر متطاير من عينيها وجحيم مستعر. حدق بها بغضب، وهتف بضيق: –جري إيه يامه؟ داخلة أوضتي من غير أحم ولا دستور. ليلم تكترث وهدرت بعنف شديد وهي تلوح بيدها بحركات متشنجة: –اسمع يا ابن باطني، جواز من بت الشرشيري ما عيحصلش. واد صابحة بت الشيخ سعفان ما عيتجوز، خرج بيت ولامعيوبة. أما كانت زينة البنتة يبجا تبور أحسن يا عزام. نفخ عزام بغضب وجحظت عيناه بشرر وهو يهدر بصوت عالٍ
غاضب محتد: –عزام وهدان القناوي ما عيبورش ياما، وما اتخلجتش الحرمة اللي تمشي كلامه عليا، حتى لو كانت أمه. نظرت عمق عينيه بتحدي وصرخت بوجهه: –ما عتجوزهاش يا واد بطني، ولو اتجوزتها هخنجها بيدي. صلبت يدها في وجهه. تركته وغادر إذا شعر أنها سوف تخرجه عن طوره إذا استمر بمحادثتها، فمن زرع حصد، وكان عزام حصاد زراعته، فيه الكبرياء والحقد والتعالي، وأول من تعالي عليه هي وتستحق، فلا تنتظر تفاحة من زرع بصل.
صرخت عالياً إذا جال في بالها أنه لا أحد يستمع لها، ليتجمع نساء الدار حولها في قلق. *** في إيطاليا. جلست فرحة بعيداً عن زين بمساحة كافية، وقد جفت دموعها وخلفت ورائها آثاراً في وجنتيها وقلبها. نظرت إليه وقد اصطنع النوم وهو يفترش الأرض ويلتحف السماء. ظلت تحدق له بتألم، وكأنها تحفر ذكراها الأليمة فوق قلبه. ناده وهو مغمض العينين بهدوء: –فرحة، نامي. قدامك يوم طويل بكرة. أشاحت وجهها بعيداً عنه، بينما هو زفر أنفاسه المختنقة.
استمرت فرحة صامدة تحتضن ركبتيها في تلك الليلة الطويلة التي لا تمر. مالت رأسها إلى كتفها وكأنها تواسي حالها، لتفكر فيما ينتظرها هناك. حاولت جذب انتباهها للأشياء السعيدة فقط، ألا وهو رؤية أمها وحنين. اشتاقت إلى شريكتها في الحياة، صديقتها وأختها. اشتاقت لتبوح بما يؤلمها لها، فدوماً هي من تواسيها بعقلها وحكمتها.
رفعت وجهها إلى السماء لتحدق بالقمر الذي هو الآن أقرب من زين الذي إلى جواره. بينما هو استمر في اصطناع النوم وهو يحدث حاله ويتخيل أشياء لم تحدث أبداً إلا في مخيلته: –عايزة إيه يا فرحة؟ أقولك بحبك؟ طيب، بحبك يا فرحة. مش بس بحبك، ده أنا أموت لو اتخدشتي بسببى. أنا ضعيف بيكي وقوي بيكي. إنتي نصي التاني وعشقي الأول. وإذا كان على الحب، قلبي فاتح لك درعاته وبيقولك تعالي في حضني. بس، وبعدين؟ تحبي مين؟ زين؟
زين اللي حياته مش ملكه، زين اللي كل يوم بإسم شكل وبهوية شكل. زين اللي عاشقك؟ ولا زين الظابط اللي روحه على كف عفريت، وكل يوم من بلد لبلد؟ هتحبيني إزاي وإنا مش هقعد وياكي؟ وممكن أوي أبقى في حضنك وأتخد منك في ثانية. هتقدري على شغلي؟ إنتي بكل جنانك وحبك وشقاوتك هتستحملي حد وتفضلي تحبيه وهو مش بيروح بيتها أصلاً؟ بيتي المهجور هتعيشي فيه إزاي؟
ربنا وحده اللي يعلم قلبي حبك قد إيه، بس أنا مش أناني. لو أقلك بحبك، يبقى بشيلك حمل ما إنتييش قدّه. يبقى هطفي النور اللي في عينيكي ببعدي والوردة اللي قدامي. مقدرش أشوفها بتدبل. دا كان عهد على نفسي من زمان إني ما أحبش، لأني متخلقتش للحب. وأعرفي إني مش هحب غيرك مهما عشت أو مت. مش عايزك تبقي كبش فدا أو حتى نقطة ضعف. نقطة الضعف في شغلي بتتأذي بلا رحمة. ومهما بعدنا، ولو مالناش نصيب في بعض، ومهما بعدنا، فإنتي حبيبتي وعلى ذمة عشقي. وبحبك، كلمة صعب عليا وعليكي، بس بالرغم صعوبتها، هي مش حلوة إلا معاكي يا فرحتي.
طبق جيدا أسنانه حتى لا يهدر أي مما قاله إلى نفسه لها، فتسوء حالتها أثر أن يحتفظ بها إلى نفسه. *** في فيلا الأسيوطي. صاحت فريال بوجه الخادم الذي أبلغها بقدوم رجل وأمره لمقابلة حنين: –راجل مين وست مين اللي عايزين يدخلوا هنا؟ أنا مدخلش بيتي الأشكال دي. روح اطردهم بره. التفت لينفذ أمرها، ولكنها أوقفته بصرامة وهي تقذف هاتفها إلى الطاولة: –استنى، أنا هطردهم بنفسي.
خرجت إليهم مسرعة ومن ورائهم الحراسة، لتفحصهم بكبرياء. بينما نظرت إليها عواطف بإعجاب ومالت لأذن زوجها لتهمس: –شفتي لسبّة إيه، وإنتي بكيتني على الألفين جنيه بتوع الطقم، وشكل اللي في رقبتها دا ألماس. كزها فتح الله بضيق بمرفقه وهتف إلى فريال بابتسامة مزيفة: –إزيك يا ست أم إياد، أنا جوز خالة حنين مرات إياد بيه. اتسعت عيناها وهي تلتفت بوجهها للجانبين في نفي: –مش ممكن، لا. اطردهم بره.
هنا شهقت عواطف بصوت عالٍ وهي ترفع إصبعها إلى حاجبها وهدرت بغضب: –نعــم، إنتي بتقولي إيه يا ولية إنتي؟ إحنا لينا هنا زيك؟ إحنا جاين نزور بتنا وضنانا. اندفعت بغضب فريال وزمجرت: –وولية يا حيوانة يا بيئة، اطردهُم بره، بره. بينما صاح فتح الله بصوت عالٍ: –إنتي بتزعقي للفمولي (كناية عن العائلة) بتاعتي؟ لا حاسبي، داحنا نسيح فيها دم دي. صرخت فريال في رجال الأمن: –طلعوهم بره، بره.
شرع رجال الأمن في تنفيذ الأمر وبدأوا في دفع عواطف وفتح الله. ولم تسكت عواطف، بل ظلت تطلق سباباً لاذعاً، ليهدر فتح الله بتوعد وضيق: –اوعا إنت وهو كدا، ماشي في داهية كلكم، وقابلي الصعيد كله بكرة هيبقى على الباب هنا، وابقى صدوا. دانا فتح الله. كان إياد يسير بسيارته نحو الممر المؤدي إلى المدخل الخاص بالفيلا، فقضب وجهه مستنكراً تلك الجلبة، وخلع عنه نظارته ليتاكد من الصوت الذي مر على مسامعه من قبل.
اتسعت عيناه عندما شاهد رجال الأمن يدفعون فتح الله من البوابة، وترجل عن سيارته آلية واتجه نحو الجمع وهو يتنادى: –بس، بس، اسكت إنت وهو، في إيه؟ التفت فتح الله وأيضاً فريال التي كانت على وشك المغادرة، ليصرخ فتح الله لائماً: –هي دي المقابلة للنسب يا إياد باشا؟ تاخدوا لحمنا وترموا عضمه؟ خلاص، الله يرحم المعرفة. هدر إياد بامتعاض: –أهدي يا عم فتح الله، بس وقولي في إيه؟ ليزداد غضباً:
–لا فيّ ولا ما فيش. أعمان حنين عايزينكوا في الصعيد، يا ترجعها يا تستقبلهم في بيتك، ويا ريت المقابلة ما تكونش زي دي، لاحسن ساعتها الدم هيبقى للركب. صرخت فريال باهتياج: –لا، إياد، أو إوعى تدخلهم. على جثتي حد من دول يدخل بيتي. التوى فمه إياد بضيق وحاول تهدئة الوضع: –أهدي بس ياماما، وادخلي جوة دلوقتي. شرعت بالدموع وهي تجهر: –أنا بقولك اهو، والله أكلم باباك حالا يبعت للامن ويشيلهم من هنا. لم يكترث كثيراً لها،
إلا عواطف التي هتفت بسخط: –أمن، أمن، يا أمن، كنا مجرمين ولا مجرمين؟ خيراً تعمل شراً تلقى. ولية حرباية. نظر إياد إليها بنظرات مستنكرة وهتف: –جرى إيه يا ست انتي، احترمي نفسك. لتشهق عواطف وجهزت نفسها للبدء في وصلة من الردح البلدي. ليقاطعها في ذلك فتح الله: –بس يلا بينا، بلغنا الرسالة، وعملنا اللي علينا. يصفطوا سواء. ومن غير سلام. وجذبها من يدها وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة. ليربت إياد يداها على فخذة قائلاً بشفقة:
–والله يا حنين ليكي حق تتعقدي من الرجالة، إذا كنت أنا راجل وما استحملتوش عشر دقايق. *** في الجامعة الأمريكية. جلست رودي أمام مكتب شؤون الطلبة وتساءلت: –يا أفندم، ما أنا كل سنة بنقل وبسافر أمريكا في الويك إند، وما حدش طلب إمضاتي ليه المرة دي؟ عقد ذلك العامل يده أمامه على المكتب وهتف بهدوء: –حضرتك تقدري تقري ورق نقلك بنفسك، ودا إجراء روتيني عادي للطلاب ذوات الجنسية الأمريكية. أومأت برأسها وطلبت إحضار الأوراق:
–تمام، اتفضل هات الورق وهمضي. هنا علا صوت هاتفها للمرة العاشرة. نظرت إلى شاشته وكانت محادثة جماعية بينها وبين أصدقاؤها. نفخت بضيق وهي تضغط زر الرفض: –يووو، استنوا شوية يا بنات. تقدم إليها العامل بعدة أوراق وتفحصتها بشكل سريع. أشار لها العامل بالإمضاء: –إمضي هنا. أمسكت القلم ومضت كل الأوراق في سرعة ووضعت القلم فوق الملف ودفعته نحوه وهي تهدر: –حاجة تانية؟ ليتتفحص إمضاءها ويجيبها دون أن يرفع وجهه لها: –لا، كدا تمام.
عدلت حقيبتها وخرجت من المكتب إلى الرواق. وصدح هاتفها مرة أخرى، فالتقطته لتجيب بضيق: –في إيه يا بنات؟ ما فيش حاجة اسمها صبر. صرخن بوجهها: –إنتي فين؟ جابت بتعجب: –في الكلية. أجابتها تمار: –روحي يا رودي بسرعة، الكلية كلها هتقابلك تسألك عن إياد. ابتسمت في سخرية غير مبالية: –وإيه الجديد يعني؟ ما الكلية كلها بتسأل عنها. سمعت لصديقاتها الذين يتهامسون: –شكلها لسه ما تعرفش حاجة. عقدت حاجبيها وتساءلت بقلق: –في إيه يا بنات؟
لتجيبها إحداهن بصوت غاضب: –البيئة، لينا فضحت أخوكي على الفيس بوك وفي الصحافة والإعلام، ومنزلة له صور كتير على الميل بتاعها وكاتبة كلام وحش جدا. فغر فمها وأسرعت في الحركة لتجيب بإيجاز: –طيب، أنا هدخل أشوف. *** في الصعيد. جلست زينات وهنية بجوار صابحة التي أمسكت رأسها وأخذت تئن على فراش ولدها:
–آه يا دماغي، ضغطي عالي. هو ما فيش غير والدي اللي تحدف علية المصايب. دا أنا رضيت بيه وكبرته وخلّيته زينة الشباب. البلد كلها بتحكي عنه. تاجي بت الشرشيري وتاخدوا مني، دي عين وصابت. لتؤمن هنية على حديثها: –أيوه، عين وصابتكم يا ختي، معلش. كانت زينات تربت على كتفها في صمت وتعلم جيداً أنها لحظات وستذكر ابنتها بسوء وتوبخه. لم تسترسل في الأفكار حتى هدرت بتعنف: –من الأول جابولي بت الفلاح تبقا سلفتي.
رفعت زينات حاجبيها وحركت وجهها باعتراض في صمت. لم تنتهي صابحة عند هذا النقطة بل زادت: –جَلوا جمتي وساوا الفجير بالغني والواطي بالعالي، بعديها اسكتروا ولدي وجابولوا عروسة البندر، جرستنا وسط الخلايج يا ميلة بختك يا ولدي، حظك في البنتة المعيوبة. نهضت زينات ولم تهدر حرفاً واحداً، مضت حتى لا تفقد اتزانها أمامها. شعرت بالوحدة إذا أصبحت بدون مأوى أو سند سوى جحر الأفاعي، ومضطرة للبقاء برغم معاناتها. *** في فيلا الأسيوطي.
دخل إياد غرفته في تعب، فقد عانى نفسياً وجسدياً اليوم المضاعف بسبب تلك العينة. خلع سترته في هدوء ومن ثم الكرفت، وشرع في فك أزرار قميصه العلوية ليتحرر من ضغط اليوم. كانت حنين تقف بجوار الشرفة وهي تحاول تجميع ما سوف تقوله له أو ترتب كلماتها. ضيق إياد عينيه واستند إلى حافة الفراش ومن ثم تمدد بأريحية ونظم أنفاسه ليطرد كل الشحن السلبية التي مر بها اليوم. وناداها وهو يقدم يده لها: –حنين، ممكن تيجي؟
استجابت له وتحركت نحوه ببطء وتمطت إلى جواره ليجذبها هو بين أحضانه وهو يزفر بهدوء. مالت إلى صدره وتوسطته. سكت قليلاً وخلت الغرفة إلا من أنفاسهم، حتى شرع إياد بالتحدث قائلاً: –فكرتي يا حنين؟ ابتلعت ريقها وحاولت السيطرة على خفقان قلبها وهي بأحضانه: –اا أنا،. أجفل عينيه وهدر مقاطعاً: –مفيش حاجة اسمها هسيبك أو أبعد عنك. إنسي اللي فات وابدأي معايا سوا.
أغمض عينيه ليترك لها الخيار. كلماته الرقيقة، احتياجه الشديد للأمان الذي في أحضان معانته القديمة، وتقديم قلبه على طبق الفضة، شيء لا يمكن إنكاره. جعله تطمئن له وتهتف بثقة: –إياد، أنا ماليش حد في الدنيا إلا إنت. إنت أهلي وناسي وكل اللي ليا. تبدلت نبرتها للحزن وهي تذكر ماضيها وهتفت بصعوبة: –إنت أمي وأبويا وأخويا وكل حاجة في حياتي.
قبضت في قميصه،
واسترسلت،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!