في شركة عاصم الاسيوطي وقف اياد في شرفة مكتبه يتابع حركة السير في شرود تام. أفاق منه على صوت قرع الباب. هتف وهو مستمر بالتحديق: ادخل. دلف عماد وتقدم نحوه متسائلا: خير يا اياد طلبت المحامي ليه؟ أجابه بهدوء وهو ينظر إلى تلك القطعة المستديرة اللامعة التي حول إصبعه: عشان أريح لينا من الفراغ اللي عندها. مال عماد إلى وجهه ممازحا: هتقتلها! التفت اياد مبتسما وهتف موضحا: لا هرفع عليها قضية سب وقذف. هدر عماد بضيق:
ما تتقابل وياها وتحل الموضوع بشكل ودي يا اياد. لينا ليها كتير يخرجها من القضية ومش هينوبك غير الشوشرة. جلس اياد إلى كرسي مكتبه وهدر بتحدي: والله لما تمسك القمر ما هقعد معاها وهسحلها من قضية لقضية لحد ما أخليها تلعن اليوم اللي فكرت تقرب فيه من اسم اياد الاسيوطي. نفخ عماد متبرما: بص يا اياد حقك تكرهها وحقك كمان تعمل أكتر من كدا. بس بلاش شوشرة، الموضوع ده هيخلي شكلك وحش قدام العاملين والعملاء. ربت اياد على سطح المكتب
بعنف وهدر بغضب بالغ: يتحرقوا دول على دول. ويا كدا يا أقتلها. أشار إليه عماد ليهدئه: خلاص يا اياد اهدي وأنا هتصرف في الموضوع ده. ******************************************************************************************************** في منزل برهان البدري
التف الجميع حول مائدة الطعام الكبيرة وساد الصمت إلا من صوت الأطباق والمعالق. كان هناك شيء من التوتر حيث أن عبد المجيد ظل يحدق بابنته مليا وكأنه يضمر لها شيئًا كبيرًا من العتاب واللوم. بينما حنين اختلست إليه النظر عدة مرات لترى كم خط الزمن على وجهه علامات. سوداء دفقت من قلبه إلى وجهه. كانت سناء تتابع نظراتهم بإهتمام تريد أن تسمع حديث أعينهم حتى تتأكد من تحقيق غايتها. فهتفت بابتسامة مزيفة:
آه. كان نفسنا أول عزومة تبقى عندنا والله يا بتي. هتف برهان بزنق: وعندنا وعندكم إيه يا أم جواد مش واحد ولا إيه؟ لترد بإصطناع الخجل: طبعًا يا حاج، أومال طبعًا واحد. ثم ابتسم وهو يوجه وجهه نحو حنين وهتف بسعادة: ده دارنا نورت بالغالين. ما تقعدي عندنا يومين ولا أسبوع. ابتسمت حنين لحنان عمها الجارف وحسن استقبالها وهمت لتجيبه. ولكن قاطعها في ذلك عبد المجيد وهدر بنبرة ضيقة: لأ. يومين إيه؟
هتيجي معايا بعد الغداء على طول على بيتي. تتضيف وتتأنس بها. نظرت حنين إلى عمق عينيه وهتفت: لأ. اتسعت عين عبد المجيد الذي اعتاد على السمع والطاعة من كل من حوله. لتهدر سناء بسرعة وقلق: لأ إزاي يا بنتي؟ اااا ودي تيجي دا حتى أختك بدر نفسها تيجي تقعد معاكي. دا أنا حضرت لك أوضة شرحة وبرحة و... قاطعتها حنين بتبرم: عايزة أروح الأول لخالتي زينات أطمن عليها. زفر عبد المجيد أنفاسه التي احتبسها من الغيظ. بينما هتف برهان بإعجاب:
أصيلة وبت أصول يا بتي. ابتسمت حنين وشكرته: ربنا يخليك يا عمي. هدر عبد المجيد دون اكتراث: ده حتى بيقولوا بتها فرحة رجعت. اتسعت عين حنين وسارعت بالقول في لهفة: بجد؟ أجابها عبد المجيد: بقالها كام يوم. ******************************************************** في منزل القناوي وقفت فرحة بشجاعة زائفة أمام ذلك الذي يحدق بها بغل. أفرج عزام عن الكلمات بعد دحجها بنظرات مميتة وهدر بغضب ملجم:
أما تكلمي مع جوزك تكلمي بأدب، وأما أنا أتنازل وأجي أسأل عليكي تقولي زينة ونحمده. عشان إنتي لسه مش قد غضبي سامعة ولا لأ؟ ابتعدت عنه قليلاً حتى تتفادى ردة فعله عما ستنطق به وهتفت بصوت متماسك بعض الشيء: بص أنا كل اللي بتقوله ده ماليش فيه. أنا مراتك على الورق ووافقت إننا نكتب الكتاب عشان أعدي الموقف وعشان الهري اللي بتقوله. إنما أنا هنزل أقول لعمي إني مش عايزة الجوازة دي وأنا مش موافقة.
حملق بها بغضب وبدت بوادر الانفجار على وجهه وزمجر وهو يتقدم نحوها: اتجننتي وزودتيها يا بت عمي. جوازة إيه اللي إنتي مش عايزها؟ إنتي بقيتي مراتي وما تخلصيش مني إلا بموتك.
كانت تتراجع من أثر تقدمه حتى توقفت إذا انتهى بها المطاف أوقفها الجدار. نظرت إليه بتوجس وشعرت بضيق المكان بينما هو لم يلاحظ أبداً التلاشي التدريجي للمسافة وظل يتقدم حتى أسند يده إلى الحائط واحتجزها بين يديه. وشعر باقترابه الشديد منها واتسعت عينيه بشكل مخيف كي يرعبها زيادة. سارعت فرحة وأغمضت عينيها وابتلعت ريقها لتحاول إخفاء رعبها المتجلي في عينيها. هتف بصوت أقرب للفحيح: شفتي الدنيا صغيرة إزاي؟
إنتي بقيتي مراتي خلاص وما حدش هيخلصك من يدي واصل. كانت تنكمش تحت طوله الفارع تكاد تضيع بين يديه. مال بجبينه حتى يتلذذ برؤيتها انقباض عينيها من فرط الرعب وعرف تمام المعرفة أنها كانت تتحلى بالشجاعة الزائفة وأنها ترهب من أقل الأشياء كما تأكد من شيء مهم. ذكره لنفسه.
ساد الصمت وشعرت ببرودة في أوصالها وأخيراً قررت أن تفتح عينيها لتجد الفراغ. نظرت حولها بقلق ومسحت الغرفة بعينيها اللامعتين فلم تجده. كادت أن تفقد عقلها وظنت أنه كان كابوساً لا أكثر. ولكن اقتحمت أمها الغرفة وهرولت نحوها جعلها تتأكد أنه كان حقيقياً. اقتربت منها أمها ومدت يدها لتحضنها ولكنها صرخت بهستيريا: لا ابعدوا عني. أنا يستحيل أتجوزه. هموت نفسي، هموت نفسي أقسم بالله. لطمت زينات وجنتها لطمة خفيفة وهدرت بقلق:
إيه يا بت حصل إيه؟ انكمشت إلى طرف الفراش وراحت تنتفض من هول ما رأته فكان متجلياً بهيئته المرعبة ونجح في بث الرعب في نفسها بشكل كبير وبأبسط الأشياء. ***************************************** ***************** في فيلا الاسيوطي دخل اياد إلى غرفته وجال بها فقد كانت تسكن معه حورية تضيء المكان وتدفئه.
تمدد إلى فراشه وأمسك هاتفه ليبحث عن صورها وتهللت أساريره عند رؤيته صورتها الملائكية وهي نائمة تلمس شاشة هاتفه بنعومة وكأنه يداعب طفلته. وتذكر كم مر عليهم من عثرات ومحن حتى تهتف تلك الحورية بحبه وكم عانى إلى أن تملك قلبها ووصل إلى تلك النقطة تحديداً وبقي شيئًا واحدًا كي يضمن بقاءها الأبدي إلى أبد الآبدين. اعتدل في نومته قليلاً وخرج الملف الأسماء وبحث اسم معين قد وضعه في قلبه قبل هاتفه (عيون قلبي) وضغط زر الاتصال.
وانتظر الإجابة على أحر من الجمر فقد اشتاق إلى صوتها الحاني ودفئها الذي تبثه إلى قلبه حتى وهي بعيدة. لم تطُل انتظاره وهتفت في سرعة: أيوة السلام عليكم. ليجيبها مبتسما: وحشتيني وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. هو ده اللي اتفقنا عليه يا نونتي. اتسعت ابتسامتها وهتفت: أنا آسفة يا حبيبي، كنت جاية مرهقة ونمت كتير. وأما صحيت كانوا جهزوا الغداء. ابتسم وهدر بتساؤل: قابلتي باباكِ؟ ابتلعت ريقها وأجابته: أيوة.
ثم عاد يسألها بتوجس: الموضوع كان عامل إزاي؟ أوعي تكوني انهارتي. حركت رأسها نافية: لأ لأ. بس مش عارفة يا اياد. خدني في حضنه وحسيت بخنقة. توتر قليلاً وهتف: معلش ده من أثر اللي فات. أنا كلمت المحامي وأول ما هيمشي في إجراءات القضية هاجيلك على طول آخدك ونمشي. أجابته بهدوء: وأنا هستناك. أنا هروح دلوقتي لفرحة وخالتي في بيتهم. وأما أرجع هاكلمك. أجابها بفضول: إيه ده؟ هي فرحة رجعت؟ أيوة. كانت فين دي؟ مش عارفة، أما أروح هسألها.
طيب يا روحي، حتوحشني العاشق اللي مش هينام إلا لما يسمع صوتك. ابتسمت وتوردت وجنتاها وهتفت بسعادة: وأنت كمان هتوحشني يا قلبي. بقولك إيه؟ أنا هجيب طيارة وأجيلك دلوقتي. ضحكت حنين عالياً ولم تكن تدري بتلك الأذن التي تتصنت عليها وتتبع كل كلمة بمكر وخبث. هتفت حنين: سلام يا حبيبي. سلام يا حبيبتي وزي ما قولتلك اثبتي على قوتك يا حنين. أوعك تضعفي وأي حاجة اتصلي بيا وأنا هكون في ضهرك. حاضر يا حبيبي. لا اله الا الله.
محمد رسول الله. دخلت فريال غرفة اياد. فأطفأ هاتفه ونظر إليه بتبرم. لتجلس إلى طرف الفراش وتسأله بتود: ما اتغدتش ليه يا حبيبي؟ نهض من الفراش وأجابها بضيق: ماليش نفس. وقفت إلى جواره وربت على كتفه بحنو: إنت لسه زعلان مني يا حبيبي؟ صمت اياد ولم يجيبها. وقفت بوجه لتبرر موقفه: يا حبيبي إحنا عايزين مصلحتك. وإحنا كان نفسنا ومني عينينا إنك تتجوز. بس برضه يا اياد مش دي اللي تتجوزها ولا دي اللي تدخل بيتي وتتعامل زينا.
وكادت لتهدر بالمزيد ولكن أوقفتها نظرات اياد الحادة. ماما أنا ما اسمحش لأي حد يقلل من مراتي أو يحط من شأنها من شأني وقيمتها من قيمتي. وأنا أقسمت إن لو ما احترمتوهاش أنا هسيب لكم البيت وأمشي. أوقفته فريال بيدها وهدرت مهدئته إياه: خلاص يا اياد. ما حدش هيدسلها على طرف. بس ما حدش هيحبها العافية. أدار ظهره لها وهتف بثقة: مش مهم. كفايا أنا بحبها. احترموها وبس. مش مطلوب منكم لحد دلوقتي الاحترام. إيه كتير على مراتي؟
حركت فريال قدمها بعصبية وبدت بالتوتر أثر ذكر عدوتها اللدودة ومدافعته عنها بهذا الإصرار وهتفت بضيق: بقى كدا يا اياد؟ ماشي. هنحترمها ونعملها معاملة الهوانم. بس يارب في الآخر ما تطلعش زي اللي اختارتها قبل كدا وترجع تشوه سمعتك. التفت إليها وأشهر إصبعه بضيق: ما تقارنيهاش باللينا لو سمحتي. طيب أنكر أو على الأقل أثبت العكس. هتف بها والده الذي كان يقف على أعتاب غرفته. انتبه اياد إلى صوته وحول نظره إليه. واسترسل قائلاً:
اطلعي يا فريال وسيبيني مع ابنك. استجابت فريال وخرجت وهي تهتف عالياً: يارب فك الكرب. مش ممكن الدنيا اتقلب حالها. ************************************************************** في منزل فتح الله دخل بعد يوم شاق من العمل محملاً بالأكياس. ونادى عالياً: يا عواطف، يا أم إبراهيم، إنتي فين؟
تقدم إلى الداخل بخطوات رتيبة ولم يكن يشعر بأي قلق حيث أنه اعتاد عدم تواجدها في المنزل في بعض الأحيان. تقدم إلى غرفته وبدأ في خلع قميصه وهو يتأفف من الحر ولكنه لاحظ شيئاً جعل عينيه تنهض. يبحث بين أغراضه عن نقوده الذي ادخرها لسنوات من مال حنين كي يتنعم بها. ولكن لا فائدة فقد فرغت محتويات الخزانة بالكامل وسرقت نقوده كاملة. وراح يفتش كالمجنون وذهب إلى درفتها الخاصة بالملابس ولكن خيب أمله إذا كانت هي أيضاً فارغة.
صرخ عالياً: يا بت الكلب. سرقتيني. ******************** في منزل القناوي دخلت حنين المنزل وسلمت على من فيه بتودد فهي تذكرهم جيداً فقد عاشت هنا في الصعيد أكثر من فرحة. رحب بها وهدان وأمين واستقبلاها استقبالاً حسناً. بينما ظل عزام يرمقها بنظرات غاضبة لا تفهم سببها. استاذنت منهم حتى تصعد لفرحة وخالتها وأذنوا لها بترحاب. ********** في الأعلى كانت زينات تحتضن ابنتها وتقرأ عليها ما تيسر لها من القرآن الكريم.
بينما كانت فرحة في حالة من الاستكانة بعد ما عاشته من قليل. طرقت حنين الباب طرقاً خفيفاً ودلفت في شوق لرؤية أحبائها. كان أحب مما وقعت عليه عينها ذلك اليوم. هرولت نحوهم واحتضنتهم بينما قفزت فرحة من أعلى الفراش لتصطدم بها وتحتضنها في شوق جعل أعينهم تفيض بالدمع. وانضمت إليهم زينات ومالت إليهم واحتضنتهم بذراعيها وتمتمت بصوت منخفض: الحمد لله يا رب.
فقد شعرت بالراحة أثر تجمع ابنتيها معاً تحت أنظارها وبين ذراعيها فقد ظنت أنهم لم يجتمعا معاً إلا في أحلامها. ************************************************************* في فيلا الاسيوطي جلس عاصم مواجهة لابنه واستند بمرفقيه إلى ركبتيه وهتف: دلوقتي أنا لازم أعرف كل حاجة يا اياد. أنا في الأول والآخر أبوك ولازم تطمن عليا وتثق فيا. اتسعت عين اياد وهدر بضيق: نعم. إنت مصدق واحدة رخيصة زي لينا وجاي تقولي اثق فيك؟
بابا إنت هدمت الثقة اللي ما بينا من زمان. من يوم ما صدقتش إني تعبان ومش قادر أتواصل مع العالم. من يوم ما استهترت بجرح قلبي من ناحية لينا ووقفت ضدي. فقدت الثقة ما بينا من يوم ما بقيت بتشك فيا وبتمشي ورايا جواسيس. والنهاردة مش واثق فيا عشان إشاعة مغرضة؟ أنا وإنت ما عادش في بينا ثقة عشان تطالب بيها النهاردة. أغمض عاصم عينيه في محاولة للسيطرة على غضبه وهتف بنبرة هادئة: بلاش ثقة يا اياد. طمني عليك وانفي الإشاعة دي.
ابتسم بسخرية وأجابه: أعملك إيه يا بابا؟ ابتسم ابتسامة ساخرة وعقبها... بجد انتوا إيه! سارع عاصم بالقول: "أنا عرفت إنك لما كنت في الساحل كنت بتستخدم أوضتين وعايز أعرف السبب." نظر إياد إليه نظرة مستهترة: "آه صحيح بنثق في بعض، بس محدش يدخل في حياتي الشخصية والكلام في الموضوع ده خلص." صاح عاصم بغضب وهو يقفز من مكانه: "إياد! ما تجننيش، رضينا بالبت وريحناك، ريحنا أنت بقى." هدر إياد بضيق: "أريحكوا، أعملكوا إيه؟
أجابه عاصم بغضب: "هاتلنا طفل يا أخي." أغمض إياد عينيه وحاول السيطرة على غضبه: "بابا، قلت قبل كده محدش يدخل في حياتي الشخصية." هرول للخارج كي لا يفقد أعصابه. هدر عاصم بغضب واجم: "ماشي يا إياد، أنا هوريك، هفعص الحشرة اللي جبتها إزاي تحت رجلي، وأبقى وريني عداوتك معايا هتنفعك بإيه." *** في إيطاليا. كان زين يتحدث إلى الهاتف بصوت مرهق للغاية: "كده تقريبًا كلهم وقعوا، هنجمعهم في نقطة (س)
، واللي ليه حاجة يتعامل معاها، وكده مهمتنا تكون خلصت، ده تقريبًا أكبر عدد جواسيس قدرنا نجمعه." ليجيبه ياسين بسؤال: "إنت مالك يا زين؟ صوتك مش طبيعي." سحب نفسًا مطولًا وأجابه: "أنا تمام." "فرحة! " تفوه بها ياسين بسرعة كي يربكه. حاول زين جاهداً أن يمنع فضوله ولكنه فشل وسارع بالقول: "مالها؟ عندها أدرك ياسين سبب حزنه وصوته المتألم، وهتف بهدوء: "اتكتب كتابها من يومين."
سكت زين وأغمض عينيه جاهداً ليستوعب تلك الصدمة. ألم رهيب اجتاح قلبه. ثم أغلق الهاتف دون مقدمات حتى يصرخ بحرية: "آآآآآآآآآآه! نوبة اهتياج رهيبة اعترته، ظل يحطم كل شيء بلا وعي ويصرخ. مال إلى جنبه بعدما ترك كل شيئًا حوله محطمًا، وانحدر في نحيب وقهر لم يعانيه من قبل. فقد أعز ما يملك وسلبت منه روحه وأصبح الآن يحتضر. *** في الصعيد. تجاذبت الفتيات وزينات أطراف الحديث حديثًا طويلًا حتى وصلوا إلى تلك النقطة. هتفت حنين بحماس:
"يعني هلحق أحضر الفرح ولا لأ؟ لوحت فرحة بيدها في غضب: "لأ لأ، فرح إيه؟ مفيش فرح." وزعت حنين نظرها بينها وبين زينات بتعجب. فهتفت زينات وهي تلوّي فمها: "أصل مش عاجبها العريس." ضيقت حنين عينيها وهدرت: "بت يا فرحة، أنتِ اتكتب كتابك، أنتِ مغيبة ولا إيه؟ عندئذ نهضت زينات معللة: "آه، هسيبكم بقى يا بنات وأقوم أصلي العشاء." وتحركت نحو الباب دون انتظار رد، وأغلقت الباب من ورائها. التفتت حنين إلى فرحة وسألتها بشك:
"بت يا فرحة، في إيه؟ توترت قليلاً وأجابتها: "إيه اللي إيه؟ ما بحبوش." ابتسمت حنين ابتسامة ناعمة وهتفت: "بكرة تحبيه، مش أنتِ قولتيها لي قبل كده." حركت رأسها بأسى: "لأ، مش هينفع." تشنجت قسماتها وسألتها بجدية: "ومش هينفع ليه؟ لم تقاوم فرحة حزنها الذي حملته في قلبها أيامًا وهدرت ببكاء مرير: "عشان أنا قلبي مش ملكي." وانفجرت في البكاء. وضعت يدها على فمها لتكمم شهقاتها المتتالية. تمعنت حنين في وجهها بدهشة وسألتها: "مين ده؟
حاولت فرحة التوقف عن البكاء ولكنها لم تستطع. كلما تذكرت جمود مشاعره تجاهها ولحظات فراقهم ازدادت بكاءً وحسرة. نبثت كلمات من وسط بكاؤها سريعة: "بحبه يا حنين، هو بيحبني، مرضيش يقولها أو أنا بيتهيألي، مش معقول كان بيتهيألي، ده كان يخاف عليا، أخدني معاها، سافرت، أنقذني، كنت بحس معاها بالأمان." احتضنتها حنين وظلت تربت على ظهرها حتى تهدأ. لم تراها من قبل بهذا الانهيار.
دخلت زينات في تلك اللحظة وهتفت دون أن تلقي نظرة عليهما ظنًا منها أنهما سعداء: "أبوكي تحت يا حنين وعايزك." تمعنت قليلاً فوجدت ابنتها ترتمي في أحضان حنين وتبكي، وبادلتها حنين البكاء. اقتربت منهم وهدرت بقلق: "في إيه؟ عيطت تاني ليه؟ مسحت حنين عبراتها وهتفت وهي تنهض: "مش عارفة، بس شوفي حل في الجوازة دي لأحسن بشكل ده هتموت." كانت فرحة مستمرة في البكاء ولم تعِ حرفًا. قلبها لا ينبض إلا باسمه. احتضنتها زينات وهتفت بأسى:
"ما باليد حيلة يا بنتي." ألقت حنين نظرة متحسرة إلى صديقتها التي تعرفها حق المعرفة وتعرف أنها عشقت. وهتفت في نفسها: "عشقتي يا فرحة والعشق بيكويكي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!