تركتهم حنين وغادرت لتذهب هي أيضًا لمصيرها الذي ينتظرها. تحركت حنين مع والدها في عربته، كان عقلها معلقًا بفرحة وبكارثتها الجديدة. لم تركز حتى في ثرثرة زوجة أبيها المملة وتوددها الزائف، أو حتى وجه أبيها الشارد ونظراته القاتمة.
حتى انتهى الطريق وترجلت عن السيارة بهدوء. وقفت إلى بوابة البيت الكبير وتذكرت آخر مرة وقفت بها وآخر رجاء رجته لوالدها هنا. سحلت والدتها دون شفقة حتى لفظت أنفاسها الأخيرة. وحاولت السيطرة على ذلك الدوار الذي أصابها قليلاً، ولكن يد والدها امتدت إلى كتفها وهتف بنبرة جافة: "اتفضلي يا بت أمينة، ما تعجزيهاش واقفة هنا." دحجته بنظرته استياء وتحركت للداخل وهي تحاول التماسك والصمود والتحلي بالقوة.
************************************************************** في إيطاليا سكن زين يحدق في اللاشيء إلا من نقطة ساكنة في شاشة هاتفه. الهدوء والسكون أصبحا يقودانه إلى الجنون. أغلق عينيه ليهدأ من لوعته، فقد اختل توازنه في الفترة السابقة وصار في غير سجيته. ولكنه رتب أفكاره وعقد العزم على إنهاء مهمته سريعًا والعودة إلى حيث ترك قلبه. ********************************************************* على الجانب الآخر
احتضنت فرحة الجاكت الخاص بزين لتستمد الأمان من رائحته العالقة به. كم ذرفت بحورًا من الدموع عليه وأغرقته، تترجى وصاله الذي أصبح فقط في الأحلام. وأخيرًا أغمضت عيناها وسكنت. *********************************************************************************** في أمريكا،،، وقفت أمام المطار تنتظر أخيها معاذ بضجر وظلت تنفخ وتتمتم: "أوووف بقى إيه ده، المفروض هو اللي هيستناني مش أنا."
أخيرًا هداها الله أن تمسك بهاتفها وتتصل به. "الوو أيوه يا معاذ، اتأخرت عليا كتير وأنا بقالي ساعتين واقفة قدام المطار." ليجيبها أخيها بأسف: "للأسف يا رودي، أنا برة أمريكا دلوقتي." ساورها القلق وهتفت بتعصب: "يعني إيه برة أمريكا؟ إنت بتهزر؟ هو أنا مش قايلالك إني جايالك؟ أجابها معاذ بلا مبالاة: "أعملك إيه؟ جاتني رحلة فري وما قدرتش أقاوم، دي لاس فيجاس حبيبتي." هدرت بضيق: "يعني إيه بقى؟ وأنا هعمل إيه؟
ظل بنفس هدوءه وهتف ببساطة: "ما تعمليش حاجة، مش إنتي عارفة شقتي؟ روحي هناك وأنا سايبلك المفتاح مع واحد جاري، روحي اقعدي وخذي راحتك على ما أخلص وأرجعلك. إنجوي يا قلبي." أغلق الهاتف بينما هي كانت على وشك الانفجار. سحبت حقائبها وتقدمت توقف عربة لتنقلها إلى هناك. تعرف المكان جيدًا، ولكنها أول مرة فعليًا يغيب أخيها عن مرافقتها.
********************************************************************************************************************************************* مازالت فرحة تسجن نفسها في غرفتها ولا تريد المغادرة عن فراشها. دلفت إليها زينات التي أشفقت لحالتها التي لن تتغير منذ أن مضت تلك الورقة اللعينة المسماة بكتب الكتاب. اقتربت منها في محاولة لتخفيف حزنها وهتفت بحنو:
"قومي يا قلب أمك، اطلعي من الخنقة دي. وحتى انزلي الجنينة اقعدي وسط الخضرة وفي الهوا، خلي الغمة اللي عندك دي تنكشف. حرام عليكي نفسك." أجابتها فرحة بصوت حزين مرهق مما تنحبه كل ليلة: "مش عايزة أخرج. لو خرجت هصرخ وأقول للدنيا تقف." عضت زينات شفاها ومدت يدها لتمسح على شعر ابنتها وهتفت بهدوء وكأنها طفلة صغيرة تروضها:
"فرحة حبيبتي، إنتي عرفتي كل اللي حصل في غيابك واللي أبوكي عمله. المفروض إنك تبقي أعقل من كدا، إحنا ما عدش لينا مكان تاني نروحوه." حدقت إليها بعينيها اللاتي أصبحت في الفترة الأخيرة مرعبة من فرط الاحمرار وهدرت بتألم:
"مش عايزة أتجوز. مش عايزة. سيبوني هنا في الأوضة دي واقفلوا عليا ليوم الدين. مش هشتكي ولا أقولكم خرجوني. أنا ماليش ذنب إن أبويا قالهم يجوزوني. ماليش ذنب إنه اتفق يتخلص مني معاهم. حرام عليكوا، كفايا كدا ظلم فيا."
كادت زينات أن تنطق لها آخر ما تبقى في جعبتها وأخفته عنها كي لا ترعبها. كانت على أمل لعلها تجد حالًا مع عمها بعيدًا عن تلك الفكرة المؤلمة. أو شكت أن تهدر أن عمها سيطلقها بعد زواجها بأشهر معدودة بعدما يتأكدوا بطريقتهم القديمة أنها عذراء. أطبقت شفتيها جيدًا حتى لا تهدر بحرف حتى لا تزيد الأمر سوء. احتضنتها بحنان جارف وهمست في: "يا حبيبتي يا بنتي." طرق الباب بطرقات متسارعة فابتعدت قليلًا عن ابنتها. ونادت بالقبول: "ادخل."
كان هو عزام بهيئته التي تبغضها فرحة. صكت أسنانها فور رؤيته. بينما هو لم يكترث لأمرها وهدر بنبرة جافة بها شيئًا من السيطرة: "كيفك يا مرت عمي؟ كيفك يا بت عمي؟ عجلك رجعلك وعرفتي تردي عليا كيف؟ دفعت فرحة أمها وقفزت فوق الفراش وهدرت بصوت عالٍ وهستريا: "أنا مش خايفة منك. وإنت مالكش عليا كلام. وإذا كان على الورقة اللي مضيتها دي بلها واشرب ميتها. أنا مش هبقى مراتك لو آخر عمري."
كممت زينات فمها بقلق مما ستجري به الأمور. بينما وجه عزام نظرات إجرامية ولمعت عيناه بنيران الغضب التي ستحرقها مؤكدًا على ما تفوهت به. زمجر عاليًا وهو يقترب من فراشها الذي انتصبت عليه وهدر بصوت حاد: "شفتيلك شوفة يا بت عمي ونسيتي اللي علمتهولك من قبل؟ بس نعيده يا فرحة طالما إنتي ما اتعلمتيش من أول مرة." مد يده ليمسكها ولكنها ركضت من الأخرى وصرخت عاليًا. ****************************************************************.
في منزل البدري كانت حنين تحاول التقاط شبكة دون جدوى فنفخت بضيق لتلاحظ أختها بدر تدخل إليها. برغم براءتها ووجهها البريء إلا أن حنين تشنجت قسماتها لرؤيتها كونها ابنة زوجة أبيها فقط. ولكن سرعان ما انقشع ذلك العبوس عندما ابتسمت لها بدر وهتفت بهدوء: "أوعي يكون أزعجتك؟ بادلتها حنين الابتسام وأشارت لها بيدها أن تأتي: "تعالي." تقدمت نحوها بود وسارعت بالسؤال الذي أتت من أجله: "إنتي متعلمة مش أكدة؟ أجابتها حنين وهي تعدل
بجسدها كي تجلس بوجهها: "آه معايا معهد خدمة اجتماعية." ضيقت عينيها وتساءلت في حيرة: "اللي هو بيدرسوا فيه إيه دا ولا بتاع إيه دا؟ ابتسمت حنين ابتسامة واسعة من بساطتها وطيبتها التي لا تعرف من أين أتت بجيناتها وهي ابنة عبد المجيد وسناء. أجابتها بسؤال: "إنتي في سنة كام؟ اخفضت رأسها في حزن وهتفت بحزن: "أنا ما كملتش علامي." اختفت ابتسامة حنين ومدت يدها لتمسك يدها وسألتها من جديد: "ليه؟ رقرقت الدموع في عينها وهدرت:
"أبويا ما رضيش وطلعت من الابتدائية." شردت حنين في حياة أختها التي أوشكت أن تكون حياتها لولا موت أمها ورحيلها مع خالتها. بينما استرسلت بدر بحماس: "بس إني بعرف أفك الخط وبقرأ في الجرانين اللي بتجيني فيها طلبات الدر." و...
ظلت تثرثر عن شغفها للقراءة وتطلعها بينما كانت حنين تنظر لها بأسى عن حرمانها من أبسط حقوقها وانتزاع أحلامها دون رحمة وزجها في أربع جدران كشاه وعزلها عن العالم بسبب جبروت أبيها الذي لم يعرف قلبه الرحمة حتى لأولاده. انتشلها بدر من شرودها بسؤالها الفضولي: "عايزة أتعلم الإنجليزي." قضبت حنين حاجبيها وهتفت في شرود: "هااا؟ أعادت سؤالها باستحياء: "عايزك تعلميني كيف أقرأ الإنجليزي، أصل نفسي أتعلموا قوي." ابتسمت حنين لها وأمسكت
يدها في حنو وهتفت بعطف: "أنا ححاول أخلي أبوكي يرجعك المدرسة تاني." اللمعت عين بدر بفرحة وهدرت بسعادة بالغة تليق بطفلة: "بجد يا أبلة حنين؟ ربنا يسعدك. إنتي طيبة قوي قوي يا أبلة حنين. ربنا يهنيكي ويسعدك. إني عمري ما هنسالك الجميل دا واصل." كانت حنين تشرد في سعادتها وتتمنى لو أنها تستطيع تحقيق أمنيتها أو تنجح في طلبها في نيل موافقة أبيها. قاطعهما صوت الهاتف برنين وبشاشة مضاءة باسم (إياد)
. مالت بدر على الهاتف تستهجي ذلك الاسم بصعوبة وهي تحدق في صورة الفتى الوسيم الذي قفز إلى الشاشة. "إ... إي... إد" ثم نطقت الاسم كاملًا... إياد. ابتسمت حنين لمحاولتها وهتفت بابتسامة: "شاطرة." ثم سألت من جديد: "هو مين دا يا أبلة؟ حركت رأسها بمزاح: "دا حبيبي." اتسعت عينها في دهشة طفولية وهمت لتتحدث ولكن حنين قاطعتها بالرد على إياد. ألقت نظرة إلى بدر وهتفت: "أيوه يا حبيبي. وإنت كمان."
*************************************************************** في إيطاليا رفع زين هاتفه إلى أذنه ليجيب ياسين باهتمام. هتف ياسين بنبرة متوجسة وسريعة: "إنت تخلص مهمتك." وترجع في أسرع وقت. سأل زين بتعجب: ليه؟ أجاب في تحذير خطر: جالنا معلومات إن جماعة المافيا بيدوروا عليك أنت وفرحة، والموضوع بقى تار بايت. ومش هيُهدوا إلا لما يلاقوا البنت دي، ودافعين فلوس كتير أوي عشان حد يدلهم معلومة واحدة عنهم. اتسعت
عين زين بقلق وهدر بسرعة: أنا لازم أوصل لفرحة بأسرع وقت. هتف زين متبرمًا: سيبك من فرحة دلوقتي، المهم أنت. هي في أمان؟ هي ما حدش يخطر على باله مكانها؟ ارجع أنت. دار حول نفسه وهدر بجنون: لا، أنا مش هطمن عليها غير وهي معايا أنا... قاطعه ياسين بغضب: انت هتلكك؟ ما تقول إنك بتحبها يا عم وخلصنا.
كانت كلماته صادمة لزين، إذا وضح الأمر الذي طالما أنكره ولم يجد أي مفر من ذلك. فتنحنح بحرج وحاول جاهدًا إيجاد رد مناسب أو دبلوماسي، ولكنه لم يستطع. فباغته صديقه قائلاً: ارجع مصر وأنا هوصلك بنفسي هناك. ربنا يجعلها من نصيبك يا عم. اندهش زين من طريقته وسؤاله بعجب: نصيبي؟ انت مش قلت إنها اتجوزت؟ أجابه صديقه بتسلية: آه، ما هي ما اتجوزتش أوي يعني. انت ما سبتنيش أكمل. اتكتب كتابها بس ولسه ما اتحددش الفرح.
زفر زين بارتياح، فقد أضاء أمامه بصيص أمل بالظفر بها. استرسل صديقه بسعادة: ارجع أنت بس وأنا هوصلك هناك. هتف زين بثقة: لا، أنا عارف المكان. أغلق الهاتف وترك صديقه يتساءل بحيرة: عارف إزاي؟ في منزل القناوي.
صراخ فرحة الحاد جمع أهل الدار عليهم، والجو المتوتر خلق عنفًا زاد داخل نفس عزام الذي جاهد للوصول إلى فرحة التي حال بينها وبينه زينات وهنية بإستماتة، بينما وقفت صابحة تتابع بغليان لم ينطفئ ولن ينطفئ أبدًا إلا بخروجها من المنزل. هدر عزام بغضب واجم: ما حدش يدخل بيني وبين مراتي. أنا هربيها من أول وجديد. صرخت فرحة بهستيريا: لا لا، ما تقولش مراتي دي. أنا مش مرات حد، أنا أصلًا مش عايزاك.
حاول التقدم ناحيتها ودفع زينات وهنية دفعًا حتى هجم عليها. وأمسك شعرها بيده كأنه سيقتلعه من جذوره، بينما أمسكت هي يده كي تزيح يده عنها لتخلص من الألم. وصرخ في الجميع: اطلعوا بره، بره. أشفقت زينات على ابنتها وهتفت برجاء: يا ابني حرام عليك. البت مش عارفة حاجة و... قاطعها في ذلك صابحة وهي تهدر بسخرية: إيه؟ هتمنعي إنه يربي مرته كمان يا زينات؟ يظهر عليكي نسيتي عوايدنا. بينما تأفف عزام من حواراتهم السخيفة وصرخ بعنف:
أباي على حديتكم الماسخ. طالما مش عايزين تطلعوا، أنا اللي هطلع. كانت فرحة ترتجف في يده كعصفورة في برد قارس. وابت التحرك، بينما هو أصر على التحرك بها للخارج. لكنه توقف عندما اصطدم بجسد والده. نظر إليه وهدان شزراً، فترك شعر فرحة بهدوء، التي هرولت إلى أحضان أمها تنتفض وتنحب. وساد الصمت لصوت وهدان الغاضب: إيه بيحصل هنا؟ وانت يا عزام بتجرجر فرحة من شعرها ليه؟ ابتلع ريقه بتوجس وهتف باحترام لهيبة أبيه:
عتبجح فيا يا أبويا وتجل ادبها. ضاق صدر وهدان من إجابته وهدر بتعصب: وانت إيه يجيبك عنديها أهنه؟ أيوه كتبت الكتاب لكن لسة ما دخلتش عشان تيجي أوض الحريم؟ تهجم عليهم ولا إيه يا ابني على آخر الزمن؟ أجاب عزام بحرج: كنت جاي أطمن عليها و... قاطعه وهدان بنبرة تهكمية: بس بس بلاش رط (كلام) فاضي. الأوضة أهنه ما تعتبهاش إلا لما تبقى مراتك جدام الخلج (الناس) ونعمل فرح غير كده. الكلام ناهي. هتف عزام بإصرار وتعند: واحنا مستنين إيه؟
العفش جاهز بقاله كتير والكتاب اتكتب، فضونا بقى من السيرة دي وتمموا الجوازة. سكت وهدان ليتدبر ما قاله عزام، ثم هتف موافقًا: خلاص، نعملوا الفرح الأسبوع الجاي. نهضت فرحة من على صدر أمها وهدرت ببكاء: عمي، أنا عايزاك... نظر لها بسخط وهتف ببرود: بعدين نبقى نتحدت (نتكلم) تقدمت نحوه بإصرار: لا، أنا عايزة أتكلم وياك، أرجوك. زفر أنفاسه ونظر حوله وحرك رأسه نافيًا: إني مش فاضي دلوقت. بعدين هنبعتلك ونتحدت. دار على عقبيه ليقاطع
محاولة حديثها وهدر بتعصب: يلا فضونا من اللمة دي. ألقى عزام نظرة غاضبة على فرحة وخرج مسرعًا، بينما تابعته هنية ووقفت صابحة تتأمل فرحة وكأنها تدبر لها أمرًا. شردت قليلاً ثم دارت على عقبيها وخرجت في صمت. في فيلا مازن خليل شهدي. دخل خليل على والده يسأله بنبرة تهكمية: قاعد ولا على بالك ولا اتحركت؟ بارد ولا بيهمك؟ اعتدل مازن بهدوء وأزاح الابن توت عن قدمه وهتف ببرود: خير يا بابا، في إيه؟ جلس إلى جواره
خليل بأريحية وهدر بضيق: إيه اللي في إيه؟ مش قولتلي هعمل وهسوي وعملت فيها تنين، وآخرتها قاعد هنا بهدوء. ابتسم مازن ابتسامة شريرة وغمز بعينه: ما كل حاجة ماشية حلو. اصبر أنت بس وكل حاجة هتبقى تمام. ليهدر أبيه متسائلاً: ماشية حلو إزاي وانت قاعد مكانك؟ نهض عن فراشه وتحرك في الغرفة بارتياحية وهتف متفاخراً: أنا أصلي بخطط لحاجة ما تخطرش على بال إبليس نفسه. رمقه والده بإستهزاء: وإيه هي الحاجة دي إن شاء الله؟
اقترب منه وربت على كتفه بترحاب وحدثه بنبرة غامضة: اصبر أنت بس عشان الحاجات دي بتنظر. لم يواليه أبيه أي اهتمام وهتف ساخراً: لما نشوف يا أخويا، على الله تفلح في حاجة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!