فى منزل البدرى ,,, نادت سناء على ابنتها بدر مرار وتكرار ولكنها لم تجيبها. صعدت الدرج باتجاه غرفتها. "بت يا بدر انتى يابت جرى اية مالك ما ترديش لى؟ فتحت غرفتها بعد انتهاء جملتها لتجد ابنتها تتكوم بالفراش. اقتربت منها وهى تتسائل بقلق: "مالك يا بت؟ رفعت طرف الغطاء وتحسست وجهها بقلق ثم شهقت بفزع: "هيييه انتى سنخنة مولعة يا جلب امك. الحجني يا عبده يا مجيد. الحجني يا غفير صاوي. أي حد يا خالج بتي بتروح مني."
فى منزل القناوى ,,,, نهض وهدان باتجاه زين بوجه غاضب يحمل في طياته عنفًا لا يدركه زين. قضب زين وجهه وهو يرى بوجهه كل هذا الغضب الذي لا يعلم سببه. زمجر وهدان وهو يمسك تلابيبه معنفًا إياه: "بجا جاي تضحك علينا، احنا بنستغفلنا وبتلعب علينا يا ولد الفرطوس؟ انت دا أنا هقتلك هنا." انضم إليه فتح الله متسائلاً بعنف: "هو ده... دان ليلك أسود من قرن الخروب، سيبهوالى إني هضيع نفسي عليه. من بين ذلك الاهتياج هدر زين متعتصبا:
_فـــــــــى ايــــــــــه؟ هتف أمين بصوت ساخر: _أيوه أيوه أيوه، خش علينا بشويتين دول مفكرنا إيه، ع تضحك على عجلنا. لم تعِ زينات خطورة الأمر وانطلقت هي أيضاً نحو زين تسأله باهتياج: _بتي وديت بتي فين؟ قلب زين نظراته المتوجسة بينهم، وكذلك ياسين. حاول زين أن ينفي عقله فكرة فقدان فرحة مجدًا وهتف بعقل شارد: _فرحة، مش موجودة. صاح وهدان من جديد متعصباً: _ع تِجول ما خابرش بردك بتينا جلبنا عليها الصعيد، فص ملح وداب.
ثم استكمل أمين عنه بنفس اللهجة الغاضبة: _عتكون راحت فين ما تعرفش حد اهنه واصل، في الصعيد البت دي هربت. وأنت اللي هربتها. بدى الأمر واضحاً تماماً لزين وضوح الشمس، صرخ بهم ليوقف تلك الاتهامات، متسائلاً بضيق جنوني: _فرحــــــه مش موجودة إزاي، راحت فين؟ كانت نبرة صوته الخشنة المليئة بالحزن لفت نظر الجميع، فهدؤ وهم يحدقوا بعضهم لبعض بنظرات متحيرة. أعاد سؤاله من جديد بصوت أقوى تردد صداه في الأركان الخالية: _فرحة راحت فين؟
استجمع وهدان قوته وأجابه بتريس: _صحينا الصبح ما لاجنيهاش وجلبنا عليها الدنيا، اديلها يومين. عض شفتيه ولمعت عيناه ببريق غامض وهدر باستياء بالغ:
_أنا لو كنت عايز أهربها ما كنتش دخلت البيت من بابه، وما كنتش رجعت أطلب إيدها على سنة الله ورسوله. أنا هدور عليها وهجيبها، بس وقت ما أجيبها، هي ليا، أنتوا ما عرفتوش تأمنوا عليها. هجيبها يا عم وهدان وأجيبلك اللي كان السبب، عشان تصدق إنها مش لعبة وإني ما استقلتش بيك ولا بعقلك. وإن ما رضيتش، هاخدها قدام عينك عشان تعرف إن أنا مش اللي أخطف وأجري. استدار على عقبيه وخرج تاركاً لهم إثم الظنون.
تبعه صديقه ياسين يحاول التقدم إلى خطواته السريعة وهو يتساءل متحيراً: _زين زين، هو في إيه؟ مين اللي عمل كدا؟ أنت مش خلصت موضوع المافيا دا؟ لم يتوقف وظل يهرول نحو سيارته وهو يهدر غاضباً: _لا يستحيل، لو حد من برة ما كنتش هتلاقي حد من الجوه ده عايش. ده حد من جوة عشان يطلعها بالهدوء ده. _وهتعمل إيه؟ دخل سيارته ولم يجيب سؤال ياسين المتحير... في المشفى بالقاهرة...
لم يتحمل إياد رؤية حنين تبكي، لمعت دموعها على خديها تحرق روحه وتؤلمه. مسح وجنتيها بوجنته حتى يجفف دموعها وهو يهتف بصوت ناعم: _مش هبطل أمْسَح دموعك بالطريقة دي، حتى لو بكيتي طول عمرك. أنا دواكي، أنا كل حاجة. ما لكيش دعوة بيهم. أنا هبقى أبوكي وأخوكي وجوزك وعشيقك وأهلك وعزوتك. دموعك دي أغلى من نزيف قلبي. رفعت عيناها لعينيه الدامعة وهدأت تماماً. وهي تحاول مسح وجنته المبتلة بأطراف أصابعها وهتفت بأنفاس متقطعة:
_أيــ ـــ ــا د، كفاية بجد، تعبت من كل دا. أنا ما بقتش عارفة فين الحقيقة والتزيف. ما أنفعش حتى أتحب، أنا اتكسرت. أبويا أبويا... قطعت كلماتها بينما شبح والدها يطاردها بكل مكان، بوجهه الصلب الذي هدمها بحياته وأقسم على قتل أكثر إنسان تعشقه بقدر مياه عينيها. أسكت فاها بإصبعه الناعم: _هششش... عرفت كل حاجة وأنا هجيب حقك من كُلُّه وهتشوفى.
مد يده بتشنج أعلى بطنها التي أصبحت فارغة الآن من تلك السعادة التي تكمنها، وأصبحت باردة خاوية كالبيت الذي هجره سكانه وبات حزيناً. هدر هو متأثراً: _خدوا مني فرحتي وروحي وأنا مش هرحم حد. ابتلعت ريقها وهي تتشدق ببكاء مرير ومر على ذاكرتها وجه زوجة أبيها. التي دفعتها من أعلى السلم بدم بارد، ولم تكتفِ بل زادت وقفزت أعلى بطنها في تعمد واضح لإسقاط جنينها. ********************************************* في مستشفى الصعيد...
كانت سناء وعبد المجيد يقفان بانتظار نتيجة الفحص. خرجت الطبيبة وجلست على المكتب. سألتها سناء بقلق: _خير يا دكتورة، البت مالها؟ ابتسمت الطبيبة ابتسامة هادئة: _عندها احتباس بولي وأنا ركبتلها قسطرة بولية لحين إجراء الجراحة. قضبت زينات وجهها وتساءلت بحيرة: _جراحة لي؟ يا ست الدكتورة. عقدت الطبيبة ساعديها أمامها وهتفت بتأثر:
_المفروض دلوقتي إن البنت وصلت لسن البلوغ. وزي أي بنت لازم يجيلها العادة الشهرية. هتحتاج تعمل عملية صغيرة عشان نثقب جزء من غشاء البكارة بتاعها لأنه غير مثقوب عشان تسمح بمرور الدم. اهتاج عبد المجيد وصاح معنِّفاً: _كلام إيه اللي عتِجوليه دا؟ ولى؟ حاولت الطبيبة التمسك بالهدوء، حيث إنها تعلم أن الأمر صعب على أسرة صعيدية. وهتفت من جديد:
_بالهداوة يا حاج، دي جراحة بسيطة وهتفضل بت زي ما هي، بس نسمح بمرور الدم الفاسد ومافيش ضرر خالص والغشاء ما بيتأثرش. هدر بتعصب وبحدة: _ما ع يحصلش الكلام ده... ثم أمسك ذراع سناء بتعصب ودفعها. ادخلي هاتِ بتك ويلا بينا. ونهضت الطبيبة بقلق وهتفت برجاء: _يا حاج دي ممكن كدا تموت. كز عبد المجيد على أسنانه وهدر بحدة بالغة: _يبجا نصيبها. ******************************************* حل المساء.
بهدوء قاتل ووقت يمر ببطء على تلك التي لا تعرف ليلاً من نهار أو ترى أي ضياء. تمكن الرعب من فرحة وملا كل خلجاتها حتى خصلات شعرها الهاربة ترعبها. ارتعش جسدها وشعرت بالخدر. أرادت فقط أن تنتهي حياتها وينتهي كل شيء. فقد كان الصمت والظلام الموحش كان أسوأ من القبر بذاته. التقطت أذنها صوت باب ينفتح يصدر صريراً مرعباً. رفعت وجهها تحاول التقاط أي شيء يطمئنها، ما عادت تدرك أياً من القدرين أخف، المجهول أم القبر.
أنفاس غريبة لفحت بشرتها الباردة. لم تر شيئاً أو تسمع صوتاً. فقط أنفاس تبدو قريبة منها. حاولت التكلم ولكن منعها الكمامة التي على فمها. وأصدرت همهمات عالية وعاد الصمت من جديد. أدمعت عينيها لسكون المكان من جديد وظنت أنها أصيبت بالخرف. وما هي إلا ثانية حتى شعرت بيد خشنة تحاوط أسفل فخذيها وكذلك أعلى ظهرها. قاومت وأصدرت همهمات عالية وركلت بقدمها المقيدة في الهواء.
ولكن تلك اليدين لم تسمح لها بحراك كثيراً وأحكمت قبضتها عليها وشعرت بحركة خفيفة تبدو كالخطوات. بدأ يتسلل ضوء القمر إلى عينيها ولكنها أغمضت عينيها بشدة من تلك الإضاءة المفاجئة. نظر إلى جلوسها فترة طويلة بالظلام. جل ما أرادته الآن هو رؤية من يحملها. فتحت عينيها سريعاً لتصدم بأعين ذات نظرات حادة وشرسة للغاية. جحظت عيناها بفزع حقيقي وعلت شهقاتها المكتومة ودب الرعب في أطرافها. فهتف ذلك الصوت الأجش بتهكم واضح:
_براحة يا بت عمي، ما تصرخيش، لسة الصريخ جاى. ************************************************************ في مستشفى القاهرة... أنهى إياد جميع الإجراءات اللازمة لخروج زوجته وأبيه. كل ما أراده هو الرحيل عن ذلك المكان بكل ذكرياته السيئة. أراد أن يستعيد زوجته إلى أحضانه ويغلق باباً عليهما ليداوي كل جراحها. دلف إلى غرفة الحجز وجد رودي تهندم إليها حجابها وهي في حالة يرثى لها.
صامتة لا تصدر صوتاً ولكن بداخلها ضجيج يصل إلى مسامع إياد ويعيه تماماً. هتف بصوت هادئ وهو ينظر إلى حنين: _رودي روحي شوفي ماما وبابا وأنا هفضل مع حنين. ألقت رودي نظرة حزينة عليها ثم خرجت دون إضافة شيء. تبعها إياد بصمت حتى أغلقت الباب. جثى على ركبته حتى يرى وجهها المطاطا بالأرض. ضيق عينيه وهو يسألها بحنو بالغ: _في حاجة ناقصة ولا نمشي؟ أومأت برأسها وهي تحاول إخراج الكلمات العالقة بحنجرتها: _لا خلاص.
عض شفتيه وهو يتابع شرودها وحالتها النفسية السيئة. ثم نظر باتجاه قدمها ليجدها عارية. حرك بصره قليلاً ليجد حذائها الجانبي فالتقطه بالية وشرع في لبسها إياها. أزاحت قدمها للوراء بخجل وهدرت بنبرة متحشرجة: _لا أنا هـ لبسوا لوحدي. ابتسم ابتسامة هادئة وأمسك قدمها وهتف بهدوء: _أنا حابب أساعدك يا قلبي.
استسلمت لإصراره بخجل بينما هو عمل على أن يكون بطيئاً حتى يحظى بمتابعة عينيها الزائغة وشفاها التي لم تكف عن قطمها حتى أصبحت كالثمرة الناضجة. أنهى كل شيء ونهض بخفة أمامها. رفعت رأسها باتجاه وجهه لتشكره. ليطبع هو قبلة مطولة على شفتها. قطعت حروفها الخجلة بخجل أكبر منه. غاب إياد في قبلته فقد اشتاق إليها حقاً. حاوط ذراعيه بخفة حول كتفها.
قاطعت فريال تلك القبلة الحارة باقتحام الغرفة ولكنها تراجعت بحرج بعد رؤيتها المشهد ودون ملاحظة أحد أغلقت الباب وكتمت شهقاتها ثم جمعت شتات نفسها وطرقت الباب. أغمض إياد عينيه وابتعد عن حنين وهدر بتأفف: _تعالي يا جيني... رفع حاجبيه في استنكار... أثر تذكره أنه ما زال بالمشفى فقد انتشلته قبلته العميقة من ذلك العالم إلى عالم آخر لا يحتوي إلا على حنين فقط. يووووه اتفضل. بينما وضعت حنين يدها على فمها لتخفي تورم شفتيها.
دخلت فريال وتقدمت نحو حنين بإصرار ملفت. فتحرك إياد من جوارها ليسمح لها برؤيتها. هتفت بحنو: _حمد لله على سلامتك يا حبيبتي. فرغ فم حنين وهي تحاول استيعاب ابتسامتها التي لم ترها من قبل. لم تقف فريال عند تلك النقطة بل زادت بتأثر بالغ: _ما تزعليش بكرة ربنا يعوض عليكم. ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة. أومأت برأسها وهي في حالة من الذهول التام على تحول معاملة حماتها لها بهذا الود. بينما التفت فريال إلى إياد وأمسكت
كتفه بحنو وبنبرة حانية: _هات مراتك وتعال معانا عشان خاطر باباك ما يزعلش. الدكتور بيقول الزعل غلط عليه. حرك إياد رأسه بضيق فاسترسلت هي بنبرة استعطاف: _هتسبنا لمين يا إياد؟ أنا ماليش حد غيرك وأخوك بره مصر. أنت سندنا يابني. مش وقت خلافات خالص. حرك إياد رأسه بالموافقة وبدا مستسلماً للأمر. ******************************************* في منزل البدري... كانت بدر تتاوه أعلى الفراش بصوت عال وتستغيث بوالدتها:
_ااااه يا أمي الحجيني اااه اااه اااه. ظلت سناء تلطم وجهها وهي ترى تاوهات ابنتها ولا تستطيع فعل أي شيئاً لها. _يا مصيبتي يا مصيبتي، البت ع تموت مني. ما فيش غير حل واحد. نزلت لعبد المجيد زوجها المتحجر القلب وهي تمني نفسها بأن يستجيب لرغباتها هذه المرة دون أن يتعند، فقد أصبحت روح ابنتها على المحك وأصبح الأمر خطيراً. كان يجلس جلسته الخالية من أي معنى للاهتمام وكأنه ينتظر خبر وفاتها. هرولت إليه وهي تنحب برجاء:
_عب مجيد، بتي بتموت يا عب مجيد. لم يجيبها وظل يضرب بعصاه الأبنوسية أعلى راحة يده بهدوء. جثت على ركبتيها وأمسكت طرف عباءته: _أبوس يدك، الحج بتي وأني أعيش خدامة تحت رجلك العمر كله. مالت إلى قدمه لتقبلها ولكنه دفعها بعيداً عنه بكل برود وحدة. لطمت وجنتيها وهي تصرخ به: _عتموت يا عب مجيد، بتي عتموت وحيات النبي تلحجها. هدر هو بتعصب وبحدة: _إني أهون عليا موتها من اللي عتِجوليه ده. عايزة بت عبد المجيد ما تبجاش بت بنوت؟
عايزة تفضحيني وسط الخلايج؟ اعتبريها ما جا تتش أصلاً على وش الدنيا. نهض من جوارها وتركها تحدق لفراغه بذهول. ****************************************************** في فيلا الأسيوطي... توافدت السيارات للدخول الفيلا واستعد أفراد الحراسة لاستقبالهم. تعمد إياد تأخير سيارته حتى يتحاشى مقابلة والدته وتبطئ قليلاً حتى يسبق والدته وأمه وأخته بالدخول. وبالفعل تم تابع التقدم عبر الممر المؤدي إلى طرف البوابة، وعبر في هدوء.
كانت حنين تجلس إلى جانبه تتابع سكونه بسكون، فهي متعبه للغاية. ترجل من السيارة وتبعته هي أيضاً. إذا فاجأها صوت النباح مرة أخرى، وكان ذلك الكلب الضخم يركض من بعيد باتجاههما. التصقت به إثر سماعها صوت النباح العالي. عندها عرف إياد جيداً بما تشعر. هتف مازحاً: _ما تهدى يا حنين، هو أسد ده كلب.
زاغ بصرها في المكان بقلق وصرخت عالياً فور رؤيته يتجه نحو إياد. حاوطت رقبته بذراعيها وأطبقت عليهما جيداً وأحكمت الغلق شيئاً فشيئاً كلما استمعت إلى نباحه الذي اقترب. تفاجأ إياد من حركتها المباغتة وتصنم قليلاً حتى يستوعب ما حدث. بينما هي ظلت تلتصق به وتحاول النفاد إلى داخله كي تختبئ. ابتسم بسعادة إثر حاجتها للأمان منه. هتف مازحاً: _ركس وحيات أبوك خليك زي مانت، حنين بتحضني. وكزته هي بخفة وعادت لتختبئ في أحضانه.
صاح عالياً بمرح: _حنين بتحضني لوحدها يا جدعان عاااا. احتضن خصرها ورفع قدميها عن الأرض. ودار بها في خفة وهتف عالياً: _بـــــحـــــبك بـــقـــى. لم تخفِ هي سعادتها في أحضانه فقد نسيت معاناتها وكل شيء وشعرت بالمعنى الحقيقي للسعادة أخيراً. أخيراً تذوقت ذلك الطعم المسكر المحرم. ***************************************************************** يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!