الفصل 61 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل الحادي والستون 61 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
16
كلمة
3,412
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

فى فيلا عاصم الأسيوطي كانت رودي تنتظر محادثة ياسين التي اعتادتها دائمًا. بعد مغادرة الأولاد، تبدأ رسالتهم، ولكن إضاءة هاتفها اليوم مميزة. قفزت لتشاهد الرسالة بقلب يسرع بجنون لترى اليوم. رسالة غير اعتيادية فحواها: "تتزوجينني". اتسعت عيناها وراحت تقفز أعلى الفراش كالطفلة بسعادة. فاخيرًا ستنعم هي الأخرى بشهد الحب. *** فرحة وزين وقفا معًا في المطبخ، العاشقان اللذان تخطى جاذبية الكون.

لم يحد الحمل من جنون فرحة، وبادلها زين الجنون جنونًا. ها هما يقفان في المطبخ يعدان الطعام معًا. هتف زين وهو يقدم لها المعلقة: "فرحتي، تعالي ذوقي كدا." أجابته في توجس: "أوعاك تكون عايز تلخبط وشي زي مرة اللي فاتت." قهقه عاليًا: "هههههههههههههه، خلاص ما بقاش في أمان بينا. ما انتي المرة اللي فاتت يعني سكتي، مانتي بهدلتيني بالدقيق." تحركت باتجاهه وهي تهدر: "عمومًا مش خسارة فيك إزازة الكاتشب دي."

التقطت زجاجة الكاتشب وهي تتحرك نحوه. عض زين شفاه في ترقب حتى يفعل ما يريد ويسرع من جوارها. وما أن مالت حتى شوّه أنفها بالصوص الأبيض وأسرع يركض في جانب المطبخ وهو سعيد بنجاح الأمر. ركضت خلفه بينما هو رفع يديه هادرًا: "فرحة هتبهدليني، اسمعي بس... لم تستمع لشيء وضغطت على زجاجة الكاتشب فتطاير ما بداخلها على وجهه وملا جسده. شهق بصدمة ولكنه وقف ثابتًا قليلاً. وما أن رأت علامات الغضب على وجهه، بدأ بالتحرك حتى ركضت بعيدًا

وهي تهدر: "آآآه يا ماما." أمسك بها زين في سرعة وحملها بين يديه. احتضنت عنقه وبدأت بالتودد، فهي تعرفه جيدًا. إن نوى إغضابها فهو يفعل. هتفت بدلال: "زين حبيبي، مش هتكدرني، مش كدا؟ عارفة إني ما أهونش على الحتة الشمال." أخفى شبح ابتسامته كي لا تنجح في استمالته كعادتها. أجابها بغموض وبدأ بالصعود إلى أعلى: "تؤ، هناخد شور." فاحتضنت عنقه أكثر ومالت برأسها إلى قلبه وهتفت بتودد:

"أنا لو خفت منك مش هلاقي غير حضنك، أنت اتحامى فيه. أنت الأمان بالنسبالي." كان يعرف جيدًا أنها تحتال عليه، ولكن موقن بأن كلماتها تنبع من أعماق قلبها. توقف عند باب غرفتهم ومال عليها والتقط شفتيها في حنان. توقفا عن المشاكسة وبدأا بالهدوء والاستكانة. وإن كان زين ماهرًا في إشعال النار، كانت فرحة ماهرة جدًا في إخمادها وتحويل الأمور بذكاء لصالحها. كانت تعرف جيدًا من أين يؤكل الكتف. *** في منزل القناوي

نزلت زهرة تتبختر من أعلى السلم في كبرياء لتصطدم بنظرات صابحة المحتدة. والتي هدرت بزنقة: "والله صح النوم. جرا إيه يا مرات ولدي؟ ما انتيش عايشة مع خلايج تعبريهم ولا إيه؟ لم تبالِ زهرة بغضبها وعزمت على إغاظتها بإعطائها وجهًا باردًا وتوددًا زائفًا. "جرى إيه يا حماتي؟ وإني بيدي إيه؟ كل ما أجول لعزام إني عايزة أنام يجولي لع اجعدي معايا شوية كمان. ذنبي إني حاجة؟ كوّرت صابحة يدها بغل وهدرت من بين أسنانها:

"والدي بيصحى الفجر. بطلي مسخرة يا بت الشرشيرى." اصطنعت زهرة الحزن ولَوت وجهها: "ليه أكده يا حماتي؟ كل دا عشان برضى جوزي اللي هو ولدك الوحيد." وبدأت في اصطناع النهنه والبكاء... أهئ أهئ أهئ. دخل وهدان على صوتها الحزين فهتف بقلق: "مالك يا بتي... مين اللي مزعلك يا زهرة؟ أجابته صابحة بضيق: "أيوة أيوة، اتلونى كيف الحرباية يا... قطم وهدان كلماتها بصوت محتد: "صـــــابـــــــحـــــــة! اصطبحى وجولي يا صبح."

ما كان وهدان أبدًا يسمح بازعاج زهرة، فهي غاليته. أقترب منها وربت على كتفها وهو يتساءل بحنو: "مالك يا بتي؟ جولى مين مزعلك؟ هدرت زهرة باصطناع البكاء: "عمتي يا عمي، بتجولي إني بتمسخر عشان نازلة متأخر." جحظت عين وهدان وحولها إلى صابحة وهو ينوي لها شرًا، حتى أنه لم يحاول سماع حديثها الهادر: "دي بتجول ولدي هو اللي مسـ... صاح غاضبًا: "بجولك إيه يا حرمة انتي؟

قسمنًا عظيمًا إن زعلتي مرات ولدي تاني، الله في سماه لتكوني برة ذمتي. إني صبرت عليكي كتير، لكن تنغصي عيشة ولدي ومراته ما يحصلش. بت الناس دي جات دارنا عشان نكرمها. إحنا اللي ضيوف عليها. أوعاكي تسأليها بشيء." ثم ربت على كتف زهرة بحنو: "حجك عليا يا بتي." ابتسمت زهرة في وجهه برضاء. وخرج مسرعًا بوجه يعلوه ضيق لا آخر له من نقص عقل زوجته وكبرياؤها واعتزازها بأمجاد أهلها المنتهية منذ عقود.

جلست زهرة بارتياحية وقد ظهر على وجهها بوادر النصر، ودحجت صابحة بابتسامة هازئة. وهتفت باستعلاء على من كانت دائمًا تشاجرها دون داعٍ وتنعتها بأبشع الصفات والألفاظ: "ها هتفطريني إيه؟ ها يا حماتي؟ اغتاظت صابحة من انتصارها عليها في المعركة التي شارك بها وهدان ونصفها عليها، فهي تعامله دائمًا بود وتكسب رضاه عوضًا عن صابحة. زمجرت بتعصب: "انتي فكرك إني هبطل أنغص عليكي عيشتك؟

جسمنًا بالله لا أوريكي مين هي صابحة بنت الشيخ زايد سيد البلد كلها." لوت زهرة طرف فمها باستعلاء وهتفت: "نتكلم في دي بعد ما تفطريني." أشتاطت صابحة غضبًا وصرخت عاليًا: "ياااابوي جاك مصيبة من تحت الأرض. خادتك." نهضت زهرة من كرسيها وتقدمت باتجاهها وأوسعت عينيها وهي توصل إليها رسالة لترعبها. قالتها بصوت خشن: "حتى لو مت، روحي هتطلعلك بالليل تاخد أجلك يا حماتي."

لم تهتز صابحة من حوارها، ولكنها زاغ بصرها في تلك التي تزيد عنها قوة وجبروت وستفسد راحة أيامها وهنية عيشتها بعدما بدأت هي في معاداتها دون سبب واضح من وقت وصولها للمنزل. *** حنين وإياد كان إياد لم يكف عن مغازلة حبيبته حنين والتودد إليها بشتى الطرق. بينما هي تعلمت تبادله الحب ببذخ. في النهاية، أغلق عليهما بابهما وعاشا بسلام بعيدًا عن مشكلات العائلة أو أي تطفل.

ها هي تسبح معه عند حوض السباحة بتلك القطعة المغرية المسماة بالمايوه. كان يتسابق معها بعدما علمها السباحة وأصبحت تضاهيه مهارة. اختفى تحت المياه عن أنظارها فتوقفت تترقب خروجه من أي مكان. ولكنه فاجأها بسحبها معه لأسفل. أغمضت عينيها بقلق فبدأ هو باستكشاف وجنتها المضيئة تحت المياه وبدأ بلمسها بإغراء. فتحت عينيها لتجد عينيه تسبل لعيونها بعشق تام دون أن تدري. حاوطت عنقه، كم كان شعور الاختفاء تحت المياه رائعًا لدرجة لا توصف.

فتحت عينيها لتجد عينيه تسبل لعيونها بعشق تام دون أن تدري. حاوطت عنقه، كم كان شعور الاختفاء تحت المياه رائعًا لدرجة لا توصف. *** عزام وزهرة تحركت قلوبهم في المسار الطبيعي بعد رحلتهم إلى حياة مليئة بشهد الحب خالية من إزعاج صابحة. كانت زهرة تنعم بحضنه الدافئ وتشعر بالطمأنينة عندما تسمع دقات قلبه. هتفت وهي تحرك يدها بلطف على صدره: "تعرف عمري ما كنت أتخيل إني في يوم هحتاج لحضن راجل واصل."

ضمها أكثر إلى أحضانه وهتف وهو يزفر أنفاسه على شعرها بهدوء: "إني اللي عمري ما كنت أتخيل إني أعشق، أعشق العشق دا كله يا زهرة. إني بجيت قتيل عينيكِ." رفعت وجهها إليه ونظرت إلى سوداوية عينيه بعشق تام: "وإن جلتلك إني حامل." اعتدل في سرعة من جلسته وهتف بأعين متسعة: "معقول الكلام دا؟ أومأت برأسها في خجل وهتفت: "إني حسبتها وباينلي أكده حامل." جذبها إلى أحضانه بسعادة وهتف:

"إني فرحان جوي يا أجمل زهرة فتحت في بستان حياتي. إني لو ربنا رزقني بنسخة تانية منك هسجد ركعة شكر لله." *** مرت أشهر على تلك السعادة التي غمرت الجميع وعلى ذلك الشهد السائل من أعقاب منزلهم ليبرهن للعالم. أن من يبحث عن الحب يجده على الأرصفة بكثرة ولكنه مزيف لن يدوم طويلاً. مستهلك الحب، إن أرادك، سيأتيك. دون أي جهد منك، فقط ابقَ أنت وستجد من يحبك. لا تتصنع من أجل أحد، لا تغرق في التزييف، ابقَ أنت. *** رودي وياسين

وبرغم تعارض الكثير على تلك الزيجة، إلا أنه في النهاية انتصر الحب. وقف بجوارها أخوها هذه المرة بسعادة وفرح. لقد فات على زواجهما الآن أكثر من شهر وما زال الجو بينهما غريبًا. لا تعرف سببًا لذلك الترابط بينهما. البنات أصبحنّ سعيدات ومتعلقات بها للغاية وكأنها أم لهن. وبينها وبين ياسين عالم آخر من التفاهم والمحبة والجنون أيضًا. فروودي تبدو له كابنته الكبرى. الآن في المطبخ.

"ياسين، أنا مش عارفة البيتزا كدا جاهزة للأكل ولا لسه شوية." مال ياسين، الذي كان يقف جوارها بمريول المطبخ: "وريني كدا... ييييه، الفرن مش مولع أصلًا." عقدت رودي حاجبيها وهتفت: "إيه دا بجد؟ هو أنا لازم أولعه؟ قهقه ياسين عاليًا وهدر: "قولتلك نبعت نجيب جاهزة." لوحت نافية: "لا، أنا عايزة أتعلم." أمسك يدها بحنو: "وأنا مش عايز أتعبك." أجابته بابتسامة: "ما فيش تعب ولا حاجة. البنات بيساعدوني وأنا بقضي وقت حلو معاهم."

هتفت ساندي: "عايزين يا ماما نروح الملاهي." واستكملت كارمن: "ونروح سينما." نظرت رودي إليهن بحب وهتفت وهي تجذبهن إلى أحضانها: "حاضر، هنروح يا قلب ماما." ألقى ياسين نظرة ممتنة عليهن وهتف مازحًا: "وأنا ماليش في الحضن دا." ثم فتح ذراعيه واحتضنهن جميعًا بحنان، فكانت تلك الدائرة الدافئة تغمرهم سعادة وتغنيهم عن العالم. هم أيضًا نالوا نصيبهم من شهد الحب وسط عائلة بشكل مختلف. *** إياد وحنين

تمددت أعلى الفراش وهي لا تصدق ما رأته في الاختبار المنزلي الذي أجرته بالحمام. شعور مختلط بين البهجة والحزن ودار في رأسها. مر الكثير على فقدان جنينها. ونال كل من آذاها ما استحقوه من عقاب دون تدخل منها. جال برأسها سفرها إلى الصعيد في أول مرة لترى زوجة أبيها وهي تجول الطرقات تفضح ما ستره الله عنها من ألاعيب فعلتها. في الخفاء بـ عبد المجيد وإسقاط جنينها عن عمد جعل الجميع ينفر منها وتركوه لا يعطفون عليها.

مرورًا بذكرى مع خالتها زينات التي لم تنساها أبدًا وتهاتفها باستمرار. فقد شاهدت بأم عينيها سعادتها التي تراقصت في عينيها حتى بدت مختلفة عن تلك زينات البائسة التي ربتها بدموع وشقاء. وحنو يحي عليها بالفعل، قد عوضها الله حسن العوض، فدائمًا العوض من الله يأتي أجمل مما نتمنى. وأيضًا جمعتها السعيدة بصديقة عمرها ورفقتها في رحلة الشقاء فرحة وتكرار زياراتهم بعضهما لبعض.

وأخيرًا، وإرضاء الله لها، أخيرًا بطفل كانت تنام وعيناها تحلم به. كل تلك الأحداث جعلتها تهدر دون وعي: "الــــحــــمــــد لله." هتف إياد الذي فتح باب الغرفة للتو على ذكرها الله: "بتحمدي ربنا على إيه يا عيون قلبي؟ التفتت إليه وهدرت بصوت يشوبه السعادة والوعي: "أنا... حـ... حــامــل." هنا قفز إياد بجنون وصرخ وهو يركض باتجاهها: "حامل حامل... أنا مش مصدق نفسي. شهد هتيجي."

لم تشعر بنفسها إلا وهي بين أحضانه في الهواء يدور بها في جنون. وتعالت ضحكاتهما. حتى هدرت حنين من وسط ضحكاتها: "إياد بالراحة." توقف فجأة وكأنه أدرك أنه لم يعد جنونه مباحًا الآن، فقد أصبح بداخلها لؤلؤة تتكون، لابد من المحافظة عليها. "هيه، سوري يا شهد، باباكي من فرحته بيكي ما أخدتش بالي إنك كدا تزعلي." تحرك بحنان إلى الفراش، ولكنه كان يمشي ببطء دامٍ للغاية. فهتفت حنين متصنعة التبرم: "إياد، هنوصل إمتى؟ أجابها بصوت منخفض:

"فاضلنا يومين ونوصل." هنا أفلت من حنين قهقه عالية بدلال أياد، ثم توقف ليعود لظرافته المعهودة وهو يتصنع الجدية: "هوش، البنت نايمة." قهقت حنين بصوت عالٍ للمرة الثانية وشاركها إياد الضحك. *** زين وفرحة إرهاقها اليوم متزايد، ما عادت تشاكس به أو حتى تبتسم. لاحظ هو تململها على الأريكة بقلق وهتف: "مالك يا فرحتي؟ أجابته بضيق: "مش عارفة، باينلي حامل." ابتسم مازحًا: "والله كنت فاكر إن دا انتفاخ."

لم تبتسم لدعابته بل بدت أكثر تهجمًا، فاقترب منها متوجسًا: "مالك يا حبيبتي؟ انتي حامل بجد ولا بتستهبليني؟ هنا صرخت في وجهه فمزاجها سيئ لدرجة أنها لم تحتمل مزاحه: "آآآه." أمسك يدها ليساعدها على النهوض: "طيب قومي نروح لدكتور." أفلت يده وهدرت بنحيب طفولي: "لا، مش عايزة أروح." جلس مرة أخرى وهتف وهو يربت على شعرها، فقد أصبحت في الفترة الأخيرة تحزن لأتفه الأسباب. بينما هو كان يعمل على تهدئتها واحتوائها بشكل جيد:

"حبيبتي مالها؟ مين مزعلها؟ انفجرت في البكاء وهتفت بصوت غير مفهوم: "أنا عايزة أنا مش عايزة نجيب بيبي، هتحبوا أكتر مني وأنا مش هتلعب معايا، انتوا بتضحكوا عليا لحد ما أولد وبعدين تروحوا تدوروا على حل لشعرك." كان زين يفتح فمه مما هدرت، هدر مستاءً: "أنا ما فهمتش ولا كلمة. إيه اللي انتي قولتييه دا؟ بتدعي عليا ولا إيه؟ انفجرت في البكاء من جديد فاحتضنها وهو يبتسم وهتف بحنو: "بس الله أكبر الله أكبر... مالك بس يا فرحتي؟

انتي كنتي كويسة." دفعت يده هادرة بضيق: "ابعد عني، انت بتضحك عليا ولما أولد هتروح تدور على حل لشعرك." حاول زين تلطيف الجو ومازحها قائلاً ويده في خصره: "يا سلام. وما دريش انتي على حل شعرك ليه؟ ما انتي شعرك أطول مني." وكزته في صدره وهي تحبس ابتسامتها وهتفت: "اخرس... أنا بحبك." غمز بطرف عينه بمشاكسة ووكز كتفها بخفة: "طيب، ما أنا كمان بحبك يا فرحتي. معقول زين حبيبك يعمل كدا؟ وبدأ في محاوطة كتفها من جديد.

ارتخت جميع تعبيراتها المبهمة وسكنت قليلاً وتحول كل ما في رأسها إلى هدوء وبدت مسالمة مخدرة بين أحضانه. لحظات وصرخت عاليًا: "آآآه... آآآه." انتفض زين على إثرها وصاح: "في إيه؟ في إيه؟ أنا عملت إيه تاني؟ هدرت من وسط صراخها: "مغص، مغص جامد في باطني. شكلي هولد هولد دلوقتي." أجابها في فزع: "انتي متأكدة؟ عشان دي عاشر مرة نروح لدكتور ويرجعنا تاني. المرة دي ممكن يطردنا في الشارع بالترولي." صرخت بصوت أعلى:

"الحقني، هاتلي ماما وهاتلي حنين وعموا يحيي." هتف بصوت قلق: "حاضر حاضر. شكلك هتولدي بجد المرة دي. فرحة، أنا اتجوزت عليكي كام مرة طول فترة حملك؟ أجابته من بين صراخها: "اتجو... إنشاء الله تتجوز العشرين بس خلصني من اللي أنا فيه." هنا اتسعت عيناه وهو يلتف حول نفسه: "يبقا هتولدي بجد أخيرًا. ابني جاي." تحرك بها زين إلى المستشفى وبالفعل وثقت الطبيبة أنها حالة ولادة. هتفت الطبيبة: "اتفضل حضرتك برة واحنا هنشوف اللازم."

هدرت فرحة من بين صراخها: "لا، يروح فين؟ هو السبب. خليه يجي معانا. مش هولد غير بيه." أمسك زين يدها بحنو وهتف: "أنا مش هسيبك يا حبيبتي أبدًا." جذبت يده إلى فمها وغرست أسنانها به بعنف لتنفض ألمها المتكوم في أسفل بطنها إليه. صرخ عاليًا وجاهد لتخليص يده ولكن هيهات فقد أحكمت أسنانها عليها وأي محاولة للفرار تؤذيها أكثر. صرخ للطبيبة: "آآآخ، الحقيني. اديها مهدئ ولا حاجة." هدرت الطبيبة وهي ترتدي زي العمليات:

"إيه اللي خلاك بس تديها إيدك؟ هدر من وسط صراخه: "هو أنا اللي عاطيهالها؟ أنا يدوبك مسكت إيدها عشان أطمنها، راحت خادها على بقها." ضحكت الطبيبة ونادت للممرضات أن يتبعوها لغرفة العمليات. *** في الخارج قد وصل حنين وإياد على وجه السرعة. وقفتا أمام غرفة العمليات التي ارتفع منها صوت فرحة بهستيريا من الجنون. قلبت حنين نظراتها بتوجس بين الباب وإياد وهتفت: "هو في إيه بيحصل جوة؟ فرحة مالها؟

احتضنها إياد حضنًا جديدًا من نوعه، قبل رأسها وهي سكنت بدهشة. كان إياد أكثر ما يخشاه آلامها. وهدر في نفسه: أنه لو كان الأمر معكوسًا وحنين مكان فرحة وهو مكان زين لكان وقع في إغماء من فرط القلق والحزن. *** داخل الغرفة حاول زين تهدئتها بالكلمات: "استحملي يا فرحة شوية وابننا هيجي." صرخت به من وسط ألمها: "تعال استحمل انت. خلصوني اااااه." ظل يربت على يدها بهدوء وقلبه يرتعش لألمها بهذا الشكل.

بينما هي لم تفوت الفرصة وجذبت يده إلى فمها مرة أخرى وغرست أسنانها به. تحية لكل أم تحملت الألم لأجل إسعاد زوجها، تستحق أن تتذوق شهد الحب وتعيش حياة منعمة على تلك اللحظات القاسية التي هي ثاني ألم بعد الحرق حيًا. دقائق مضت بين الألم والدموع ليأتي بعدها ذلك الصوت الصغير يصرخ عاليًا. صراخه أسكن ألمها. ورؤيته بين يدي الطبيبة أنستها معاناتها. لمعت عينا ذلك الثنائي المجنون بدهشة وسعادة. تركت يده في هدوء. *** في منزل القناوي

جلست زهرة على مائدة الطعام بجوار زوجها عزام الذي لم يتوانى عن الاهتمام بها وإسنادها. مما أثار سخط صابحة وجعلها تهدر: "والله حاجة حلوة. كأننا ما حملناش قبل سابج." دحجها وهدان بضيق وهدر بتعصب: "جرا إيه يا ولية؟ ما تسيبى والدك ومراته على راحتهم. انتي هتضايجيهم ليه؟ لم يلتفت عزام إلى شجارهم المستمر من أجل زهرة، بل عمل على راحتها ومساندتها دون أي خجل. هتفت زهرة وهي تدحج صابحة بسخط:

"إني كنت عند الدكتور وجالي إني هجيب ولد." بارك وهدان بحنان أبوي: "مبروك يا بتي. إنشاء الله ينعم عليكم بالذرية ويملي البيت عليكم عيال." هتف عزام بامتنان لوالده: "ربنا يبارك فيك ويخليك يا ابوي." استرسلت زهرة: "وإني نفسي اسميه وهدان يا عمي على اسمك." هنا قهقه وهدان وأجابها: "إني اسمي جدم خلاص. شوفوا أسامي من اللي طالعة اليمين دول." هتف زهرة بإصرار: "لع يا عمي، عشان ياخد الطبع الحلو واللسان الحلو منك."

هنا هدرت صابحة بضيق: "أيوة أيوة، كلي بعجلة حلاوة أكتر ما انتي واكلة." صاح بها وهدان بعنف بالغ: "صابحة، إني جولت إيه جبل سابج." نهضت في ضيق وهي تهدر: "خلاص، إني ما بجتش عارفة أعيش وسطيكم." أنهت جملتها ودارت على عقبيها للأعلى. *** رودي وياسين دخلت رودي إلى الغرفة بعدما اطمأنت لخلود البنات إلى النوم. ألقت نظرة على ياسين الذي غفى هو أيضًا أعلى الفراش. والتفت من الجانب الآخر كي تنام.

وما أن وضعت ثقل جسدها على الفراش حتى قفز ياسين أعلىها بشقاوة. شهقت بفزع: "خضتني." مال برأسه إلى جبينها وهتف: "أنا آسف، ما كنتش أعرف إنك صدقتي إني أنا نمت." أجابته بابتسامة: "طيب، انت صاحي دلوقتي ولا نايم؟ طبع قبلة على أنفها بمشاكسة: "أنا ما أعرفش أنام غير في حضنك." تعلقت بعنقه وهدرت بدلال: "بحبك يا ياسوا." حرك أنفه على أنفها ذهابًا وإيابًا: "وأنا بعشقك يا حبيبة يا سوا." *** في المستشفى

جلس إياد وحنين في غرفة فرحة يداعبان المولود الجديد بشغف. هتف إياد لزين وهو يداعب تلك القطعة الصغيرة من الجنة: "هتسموه إيه يا زين؟ أجاب وهو ينظر لفرحة: "هنسميه عذاب." قهقه إياد وحنين على ما قاله وهتف إياد: "يا ساتر يارب، لييه كدا؟ لوّح زين بيده التي تحولت إلى الأزرق القاني بعلامات غرز سنان فرحة. شهقت حنين وهتف وهي تنظر لفرحة: "هيهيهيه... انتي دا، وهان عليكي حب عمرك." هتفت فرحة بلا مبالاة:

"ما هو لازم يعاني معايا برضوا، أمال عايز يبقى أب على الفاضي. وبعدين لما أشوفك انتي هتعملي إيه." هنا مالت حنين إلى إياد وهتفت: "أنا مش ممكن، ما يهونش عليا." أمسك إياد يدها بحنو وهدر وهو يعاند بزين: "عيون قلبي حنين." حرك زين وجهه بأسى، بينما شعرت فرحة بتأنيب الضمير. ونادت زين: "تعالى وريني إيدك." استدار إليها وقدم له يده وهتف مازحًا: "بصي، إحنا مش هنخلف تاني." أمسكت يده وبدا على وجهها علامات الأسى

وهتفت وهي تلامسها بحذر: "بتوجعك؟ أومأ برأسه متصنعًا الحزن فقبلتها بحنون وهتفت: "أنا آسفة حبيبي." أمسك يدها بحنان: "ولا يهمك حبيبتي، أنا فداكي." ابتسمت له وجذبت يده إلى أحضانها في سعادة. *** بعد خمس سنوات كانت فيلا عاصم الأسيوطي تعج بالأطفال. رودي وبنات ياسين الذين أصبحوا بناتها، وازدادت عليهم تلك الطفلة الحديثة يارا ابنة رودي وياسين. وانضمت لهم شهد ابنة إياد وحنين. إياد وحنين

تمددت على قدمه في وسط الخضراء في اتساع حديقة منزلهما تحت ضوء القمر. كم كان الجو مناسبًا، خاليًا من الإزعاج، مناسبًا تمامًا لعاشقين رومانسيين ذوي ذوق رفيع. مسموح الآن لهما رسم أحلامهما في السماء وعلى القمر، فهم يملكان عشقًا ما استطاعت الظروف أن تفككه أو حتى الحواجز النفسية استطاعت أيديهما المتشابكة تجاوزها. هتفت حنين وهي تنظر إلى القمر الساطع بهدوء:

"بحبك يا إياد، بحبك يا أبو شهد. وخايفة تكون شهد شغلاني عنك الفترة دي." مال على وجهها بابتسامة هاتفا: "هو دا سبب وجودنا هنا دلوقتي وتنظيمك للجو الشاعري دا." استدارت لتمسك بيده وهي تنظر لوجهه عوضًا عن القمر، فهو حقًا أصبح يضيء حياتها. بهجة وسعادة وهتفت: "لا، واحشني قوي الجو الهادي أنا وانت وبس. كأننا زي زمان، ما فيش غير حنين وإياد، القمر اللي منور دنيتي وماليها سعادة." حرك يده على وجنتها بنعومة:

"أنا عمري ما أحس إنك مقصرة. انتي كفاية عليا من الدنيا دي نفسك. في المكان معايا، مالي كياني وقلبي ومحلية أيامي. الحب اللي بينا أقوى من أي انشغال." أعلت يدها يده وهي ترى لمعة عينيه الصادقة تحت ضوء القمر وهتفت: "ربنا يخليك لقلبي يا اللي مليت أيامي وسنيني كلها فرح. يا بخت قلبي بيك." اتسعت ابتسامته وغمز بطرف عينه نافيًا: "تؤ، أنا اللي يا بخت قلبي بيكي."

توقفت اللحظات، الكلمات تحت ذلك التأثير الخلاب من عينيهما المعلقة ببعض في هيام وعشق تغلغل حتى النخاع. حكاياتهم خيال وفوق الخيال بخيال. *** أما في منزل عزام القناوي أنجبت زهرة وردة مؤخرًا بعد وهدان الصغير وعاشا أعوامًا من الفرح هي وعزام. ها هما يقفان عند رأس حقولهم بسعادة وهناء. هتف عزام لزهرة: "وحشتيني وانتي واقفه جاري." ابتسمت زهرة وأمسكت كتفه بحنان: "انت كمان وحشتني يا غالي." على وجه ابتسامة راضية وهتف:

"يا ابوي، مين يصدج إن اللي واقفه جاري دي هي زهرة اللي طلعتلي زي القضاء وكان أحلى قضاء." أمسكت يده وهي تهدر: "إني إني اللي القضاء هداني أحلى هدية بيك." أنار وجهه بابتسامة راضية وهدر مازحًا: "تعرفي تسابجي ولا كبرتي؟ أجابته بدهشة: "أهنه؟ هتف وهو يمد يده ليدها غير مبالٍ: "هو حد له عندنا حاجة." بدأ التسابق وعلا صوت ضحكاتهما في وسط الحقول معلنًا عن جنون عاشقين لا يقيدهم أي تقاليد أو عادات. *** فرحة وزين

كانت تركض فرحة في أرجاء المنزل بطبق بلاستيكي ومعلقة ويسبقها ابنها ذو الخمس أعوام. كانت تناديه بتبرم وضيق: "يا عز يا عز، والله حرام عليك. أنا تعبت." جلست على السلم في وسط الشقة بيأس. دخل زين من الباب وتعجب لجلستها، فهرول باتجاهها في قلق: "فرحة مالك؟ أجابته بيأس وإحباط: "عز مش راضي ياكل من الصبح وملففني ورا الشقة كلها." ابتسم زين من طفلته التي لا تكبر وجلس بجوارها وهتف:

"يا ربي الحمد لله عطتني ولد وبنت. انتي مامته يا حبيبتي؟ هو انتي أخته؟ فين شخصيتك القيادية؟ يا فروحة فين فرحة اللي جابتني على ملا وشي عشان أتجوزها؟ مش عارفة تجيبي حتة عيل زي دا عشان ياكل؟ أروح فيكي فين؟ وكزته بيدها في صدره وهي باسمة، فقد كانت ذكرياتها معه هي التي تعطيها أملًا في الحياة. هتفت بارهاق: "أصل أنا يا بيبي تعبانة من الصبح ومش عارفة مالي. وبعدين حاسة إن انت بتخوني." لطم كفيه ببعض أسفل ذقنه وهدر:

"يبقى في حاجة. مش قولتي بخونك؟ يبقى فيه حاجة. أنا إيدي لسة ما خفتش من خمس سنين. لو ناويه أقسم بالله ما حضرك ولادة تاني، ماشي." تشنجت قسماتها واستدارت بجسدها له وهدرت في حدة وهي تقترب منه حتى مال إلى السلم: "طيب إيه رأيك؟ هتيجي وهتتعض كمان ومش غصب عنك بمزاجك. مش انت السبب ولا مش انت السبب؟ كان زين انتهى أمره وهي فوقه. حرك رأسه أمام عدائيتها وهتف بهدوء: "حـــــاضــــر...

أنا يا فرحتي كنت بوصف مشاعري. انتي بقيتي عصبية كدا لييه؟ ابتعدت عنه قليلاً وهتفت بهدوء: "ما انتوا السبب. متجوزة ظابط وابنه؟ هتعملوا فيا إيه أكتر من كدا." ثم صاحت بحزم: "عـــــز، ولد يا عـــــز." أتى الطفل مهرولًا بقلق وأجابه بهدوء: "نعم مامى." أشارت إلى ما بيدها وهدرت بحزم شديد: "لو ما خلصتش طبقك حالا، ما فيش حضن لبابي ولا خروج للنادي." ركل الطفل بالأرض وهو ينظر لوالده بتبرم: "طيب، احضن بابي الأول." أجابته بحزم:

"لا، قولت تاكل الأول." أمسك الطفل الطبق من بين يدها وبدأ في التهام طبقه بسرعة. ألقى زين نظرة راضية عن الموقف وحرك رأسه مستنكرًا: "انتي... آآآخ منك انتي بس. عملالي ضعيفة ومنكسرة." قرص خديها بيده فابتسمت رغماً عنها. أشار زين إلى ابنه الذي يختلس النظر إليهم وكأنه ينتظر إشارة معينة. وبدأوا بالهجوم عليها معًا. انتبهت فرحة لإشارتهم التي بات تفهمها، فهم يشكلان فريقًا عليها دائمًا.

وركدت باتجاه المطبخ وأمسكت بزجاجة المياه ودفعتها عليها بجنون. ركض خلفها زين هادرًا: "انتي مفكرة إيه؟ أقسم بالله أكدرك. أنا لسه في كامل قواي الرياضية." وبدأت المعركة والمرح بينها وبين زين من جديد، والذي بات يشاركهم فيه طفلهم. وهم الآن في سعادة، فعائلتهم تكبر على نحو آخر من النمطية والروتين. (شهد الحب لا يقاس بمدى الأشياء الممتعة التي تذوقتها، بل بقدر الصعاب التي مرت بك ويدك في يد عاشق.)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...