الفصل 60 | من 61 فصل

رواية علي ذمة عاشق الفصل الستون 60 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
17
كلمة
3,184
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

فى فيلا عاصم الاسيوطى كانت رودى تقفز فى حديقة المنزل بسعادة تلا عب الفتاتان كارمن وساندى وتعالت ضحكاتهم بينما فريال تتوالى رعايتهم معها وكانهم بناتها الصغار فقد اعتبر عاصم ياسين صديقا للعائلة بعد وقفته مع رودى وشهادتها عليه انه لاولاه ما كانت تعرف مصيرها حاولت رودى رد لو جزء بسيط من الجميل الذى اهداها اليها يا سين وتوالت رعاية بناته لحين العثور على مربيه جيدة هدرت فريال وهى تحمل الصنيه بنفسها وتتقدم باتجاههم :

يالا يا قمرات جبتلكم ايس كريم بس الاول اغسلوا وشكم لا تعبوا قفزن الفتاتان بسعادة ومعهم رودى وتحركوا معا باتجاة فريال ******************************************************* فرحة وزين تمدت على قدمه فى سكون بينما هو حرك يده على خصلات شعرها السوداء بنعومه حدقت فى السقف تشعر بهدوء واستكانه دفئ ابوى لم تشعر به من قبل وبدأت تستطعم طعمه ثم هتفت: الاصحيح بابا فين ؟ امسك يدها جيدا قبل ان يخبرها ذلك الخبر الذى

لا يعرف واقعه على مسامعها: انا اسف انى خبيبت عليكى طول المدة دى بس ما كنتش عايز حاجه تعطل جوازنا نهضت من اعلى قدمه كى تحاول فهم ما قاله وحدقت بوجه مليا وهى تهدر : انا مش فاهمه حاجة تقصد ايه ؟ حرك يده على وجه وهتف بنبرة محتقنه مسرعه : باباكى فى السجن

برودة اجتاحت اوصالها جعلتها تحاوط جسدها بيديها ,لا تعرف ماذا يجب ان تفعل هل تبكى ام تصرخ ام تخبره انها لا تهتم ولكن ليست بحاجة لفعل ذلك فقد فضحتها تعبيرتها المتحيرة واهتزاز مقلتيها المتحتر ….اقترب منها بجسده وضمها بقوة وهتف باسي : انا اسف بجد … ليه …محبوس ليه ؟ قالتها بجمود حاد ينم عن حجم تفتتها الداخلى فقد عانت مع والدها ما عانته اضافة انه اقحمها فى زيجه كادت ان تودى بحياتها وتركها تواجه مصيرها وحيده

استدعى زين صوته الذى انحسر من جمودها وحالتها وهدر : محاولة قتل ,كان عايز يقتل مراته التانيه …..سكت قليلا ثم استرسل … تحبى تشوفيه ؟ حركت راسها بنفور وكانها ستقابل وحشا فحرك هو يده اعلى شعرها بنعومه : مش مهم دلوقتى انا عارف ان الصدمة ماثرة عليكى بس اديكى فى النهاية عرفتى مسحت وجهها بكفيه وبدأت تسمح بمرور الهواء لرئتيها وسحبت تلك الدمعه التى معت فى عينيها بهدوء

هناك اوجاع لا يمكن لها الغفران هناك الالم لا يمكن نسيانه دائما فى الاعماق شيئا لا يمكن تجاوزه ************************************************************** فى منزل القناوى ,, دقت صابحة باب الغرفة بعنف بالغ وهى تصيح: ما تجومى يا شملولة العصر هياذن وانتى لساتك نايمة بداخل كانت زهرة تتهيئ للخروج نفخت ف ضيق وهى تنظر الى الساعه التى تشير للعاشرة ثم هدرت متبرمة : مستعجلة على جضاكى ليه يا حماتى

عدلت حجابها وخرجت بهدوء وفتحت الباب الذى يحول بينهما وهتف بهدوء : صباح الخير يا عمتى دحجتها صابحة بسخط: عمى الدبب ورايا على المطبخ لم تمهلها لتجيب ونزلت امامها وتبعتها صابحة وهى تنفخ ضيقها بعيدا , كانت صابحة تنوى لها ما تنوى ولكن زهرة لا تخشي شيئا فان ارادت حتى ازاحتها من المنزل ستفعل ذلك بسهولة ولكنها فضلت المسايرة حتى ترى اخر ما لديها

دخلت المطبخ وكان هناك خروف ضخما فى ارض المطبخ لطخ المكان بالدماء حدقت زهرة بذهول من المشهد الذى قفز امامها …اشارت لها صابحه بتامر واضح : عندينا عزومه كبيرة وكبرات البلد هيجوا اللى هما اهلى عايزة الخروف دا ما يتسابش منه حاجة ما تتصنفش تعملى كفته وشربه ورز بالكبده وريش ومبار وظلت تعد وتعد فقاطعتها زهرة بتعجب : بس بس جالولك عليا جاية من المدبح ولا يه انى هجطعوا كيف دا واسلخوا كيف هدرت صابحة بشماته :

هبعتلك الجزار اللى دبحة يكمل شغله بس المهم شغلك انتى تعمليه لوحدك ورينا شطارتك ووكزتها بغل فى كتفها وتركتها بتعابير الصدمة التى اعتالتها تمتمت زهرة من ىبين اسنانها : معذورة ما تعرفنيش… انى ممكن ادبحها واسلخها واجدمها لضيوف وقفت زهرة تتعلى راس الاعمال الشاق وبدئت فى تنظيم الامر وتبعتها الخادمات لمساعدتها كان امرا ليس سهلا ولكن بالنسبة لزهرة عادى فهى تعرف جيدا تلك الامور فقد عاشتها فى منزل ابيها

لم تكن فقط تلك الفتاه الصبينيه التى تعمل مع الرجال فى الحقل بل كان جزء منها يطلع على جميع امور المطبخ والاعمال المنزليه من باب التطلع والفضول والاحاطة بكل الامور مضى منتصف النهار وهى تقف كالابطال تعمل بكل جهد لتتلصص عليها صابحة وتامل ان تفشل دخلت صابحه وهدرت بضيق : عملتى المبار والكرشه ولا احتاستى تابعت زهرة عملها ولم تسمح لها بتعطيلها وهتفت من وسط عملها :

عملت كل اللى جولتى عليه وزيادة دا حتى الفروة ما فاتتنيش جولت املحها واشمسها واشليهالك تدفى بيها كانت صابحة تتاكل من الغيظ ولكنها دارت على عقبيها لتسكب حلة الطماطم ارضا عن عمد وهدرت مصطنعه الاسف: اهيييه يلا فى داهيه ابقى نضفيها يا زهرة غرزت زهرة السكينة التى بيدها فى الطاولة كى تمنع نفسها من قتلها الان **************************************************************** بين رودى وياسين

وقف يا سين فى حديقة الفيلا بانتظار رودى وبناته التى لم تتاخر عليه فهى تقبل بابتسامتها المعهودة وبيدها الفتاتان يقفزان فى فرح تلاشت المسافة تدريجيا وهدر ياسين : انا متشكر ليكوا جدا مدت رودى يده لتصافحه وهتفت : على ايه انت ما تعرفش كارمن وساندى بيعملوا فيا ايه انا مبسوطه بيهم قوى ابتسم يا سين ابتسامته الجذابه وهتف وهو يحتضنهم بشوق : وانا عايش عشانهم دول روحى قالت رودى وهى تحاول اختلاق حديث واطالة مدة وجوده :

مش هتدخل دا بابى بيستناك ومامى كمان عايزة تسلم عليك حرك ياسين راسه نافيا: انا اسف محتاج ارتاح شويه لكن وعد هيبقى فى يوم اجى اقعد وياهم دار على عقيبه وبدء الفتاتان فى التلويح لها لوحت لهم بشرود ثم هتفت بصوت عالى : ياسين توقف اثر منادته متعجبا واستدار لها متسائلا : فى حاجه حركت راسها بالايجاب وهى تجيبه : اه فيه ..لو ما عندكش مانع يعنى ممكن اخد البنات معايا بكرة الملاهى

احتقن وجه ياسين وهو يحاول الا يزعجها ولكنه لابد ان ينسحب من حياتها قبل ان يزداد هو وبناته تعلقا بها ويصبح الامر اسوء : انا اسف مش هينفع بكرة فى مربيه جاية ووو … قاطعته رودى بوجه حزين فاسترسل وهو يبتسم لها : ومش مهم اى حاجة المهم انتى ما تزعليش اتسعت ابتسامتها وتفرقا على هذا النحو ******************************************************************** اياد وحنين

جلست فى الحديقة الواسعه تتأمل تلك الهدوء الذى يحاوطها ولكن بقى لها ضجيجا داخلى لم تعرف مداها من وقت ما اخبرها اياد ان والدها يريد مقابلتها وتحيرها بين الرفض والقبول لم تعرف ماذا تفعل فكل انش فيها مشتت واخذها الشرود بعيدا حتى انتشاله منه اياد بقبلة اعلى جبينها وهتف : حببتى سرحانه فى ايه ؟ انتبهت لعطرة النفاذ والتفت لة با بتسامة صافيه فمجرد وجودة يجذبها الى عالم اخر هتفت : فيك …وحشتنى ابتسم لها وجلس الى جوارها:

ااممم حنين حببتى بقت كذابه اعتلت فى اهتمام واجابته باصطناع الضيق : انا بكذب ,,,,,,,وليه ما وحشتنيش فعلا جذبها الى احضانه كى يراضيها وطبع قبلة رقيق اعلى راسها وهو يهدر : لا عشان انتى وحشتينى اكتر …تنهد قليلا ثم هتف .. لا فيتى اجابة زفرت انفاسها فى احضانه وهى تحاول ان تجد اجابة مناسبة: مش عارفة يا اياد .عندك انت اجابة زفر هو ايضا انفاسة فالامر ليس بهين ثم غير الموضوع تماما: زين كلمنى ومرتب خروجه هو وفرحة رفعت

راسها من بين احضانه وهتفت: نعم وفرحة ما تكلمنيش ليه ولا انت وحضرة الظابط بقيت اصحاب اكتر مننا قهقه عاليا وهدر: الله ويضايقك فى ايه اننا نبقى اصحاب مش انتو سبب معرفتنا ببعض لا ما يضايقنيش بس احنا اللى نقرر ونقول لبعض مش انتو يا سلام هتعملوا علينا عصابه بقى اه عصابة . –خلاص يا ستي، أمرنا لله، يلا نخرج المرة دي، والمرة الجاية ابقوا خرجونا على مزاجكم. –بقيتي عنيفة قوي يا حنين. ابتسمت بنعومة واحتضنت خصره في دلال:

–ما أقدرش عليك يا نسمة قلبي. مال لرأسها وقبلها بعمق، يقدر ما يعشقها في كل أحوالها، وهتف: –حبيبتي، حبيبتي جدا يا حنين. *** منزل القناوي… أنهت زهرة الوليمة التي كلفتها يومًا طويلاً من العمل الشاق، ولكنها بالنهاية نجحت. وقفت الآن على قارعة الطاولة تنظم الأطباق بحرفية وتهندمها حتى جعلتها تبدو كموائد الأساطير التي لا تخرج عن الحكايات فقط. نادت إحدى الخادمات بثبات:

–نودي على عمي والضيوف يتفضلوا، وإني هروح أطلع الحلوة من الفرن. استجابت الخادمة في الحال وتحركت زهرة تحت أنظار حماتها التي تتابع المشهد بحنق، وتأكل هي من أرادت اليوم فضحها. والآن، يا ترى، سترفع لها راية النصر أم ماذا؟ دخل وهدان وأخوات زهرة الرجال وانضموا إلى تلك الوليمة الفاخرة التي أذهلت العيون قبل الأفواه. وبدأ يسيل اللعاب في اشتهاء. هتف وهدان بمزاح:

–واوه واه، سفرة ما اتحطتش قبل كدا في دارنا، دي سفرة مرات ولدي عزام معلوم الكبيرة. –لازم مراته تبقى كبيرة. تدخلت صابحة في الحديث بضيق: –مين زهرة… دا لولاه علامي إني طول النهار واقفة وياها بعلمها نفسنا وعويدنا. ضحكها وهدان باستهزاء، فهو يميز رائحة طعمها من عقود. هدر إحدى أخواتها: –والله الجواب باين من عنوانه، الأكل باينه زين جوي. هتف وهدان في سرعة: –طيب يلا يلا على بركة الله.

بدأ الجميع على إزاحة طرف عباءته في وضع استعداد لتلك الوليمة العظيمة، ليتنحنح عزام الذي تفاجأ بهذا الجمع الهائل، هادرًا: –أحم، الله متجمعين عند النبي إن شاء الله. أجابه الجميع بترحاب: –إن شاء الله. نظر عزام نظرة تفاخر إلى تلك المائدة العريضة وهتف في غرور: –والله حاجة حلوة خالص. ربتت صابحة على كتف ابنها بتودد: –عمايل أمك يا ضنى أمك.

تحرك بعنقه يحاول الوصول بنظره إلى الخارج ليرى زهرة تقف بعيد. حرك رأسه حركة امتنان مع ابتسامة، فبادلته هي الابتسامة وحركت رأسها لتقبل امتنانه، فهو أبداً لم يصدق أنها أمه. لاحظت صابحة تلك الحركات الساكنة واشتعل بداخلها فتيل الغضب. دفعته نحو قرب كرسي وهي تهدر: –اجعد كل يا ضنايا بدل ما أنت شكلك هفتان. جلس عزام وبدأ الجميع في الأكل، ولكن نظره لم يحيد عن تلك التي تقف بعيداً، تشبه الزهرة السوداء في جمالها وتميزها… ***

جلست رودي أعلى فراشها. بيدها هاتفها وعلى فمها ابتسامة واسعة، فهي دائمًا تحادث ياسين في ذلك الوقت. أرسلت إليه رسالة محتواها: –تيجي معانا بكرة الملاهي؟ أجابها على الفور: –عندي شغل. –والله أزعل. –ههههه، ما أقدرش. –أنت لي بتهرب مني؟ –…… هنا تحير ياسين بما يجيبها. رودي في نظره فتاة صغيرة تستحق الأفضل منه كثيرًا. هي شابة متعلمة جميلة ويحق لها التمتع بحياتها، ليس أبداً مع رجل أرمل ولديه أطفال. سارعت أنامل رودي بالكتابة:

–شفت، يبقى أنا عندي حق. لم يتردد ياسين في إيضاح وجهة نظره وكتب مسرعًا: –مش عايز… مش عايز أتعلق بيكي. أنا بقالي سنين قافل على حياتي، مش حاسس بأي حاجة حواليه. ولادي هما النفس اللي بتنفسه. أنت وجودك في حياتي خطر، راحتي معاكي خطر. احتياجي ليكي خطر، صدقيني مش بإيدي خالص. أنا جوايا شرخ، لو اتعلقت واتسبت هنهار بجد، هنهار وولادي هينهاروا معايا. ولادي اتعودوا عليكي وبقوا بيسألوا عليكي كتير، خايف عليهم.

يا ريت تتفهمي الأمر، أنا ما كنتش حابب الأمر بينا يوصل لكدا، بس كان لازم أقولك. كانت إجابة رودي لا علاقة لها بما هدر، وكأنها لم تر أي حرف مما كتب، فقط نقشت بأصابعها حروفًا بابتسامة: –هتيجي معانا الملاهي بكرة. –…… حدق ياسين في شاشة الهاتف مليًا ليتأكد مما كتب، ولكنها استرسلت. -وده أمر مش طلب كمان. رفع ياسين حاجبه مستنكرًا وهتف بصوت منخفض:

-يبقى أكيد اتجننت من اللي كتبته. والله عندها حق، إيه اللي أنا قولته دا. يلا، أمرى لله. -حاضر، عنيا. هاجي وهنفذ الأوامر. -سلام... تصبح على خير، بوس لي بناتي. -أغلقت الهاتف وتململت في فراشها بسعادة، وفي عقلها كل حرف راسلته إياه، بعينين تلمعان بنور غريب وغامض. دخلت إليها فريال التي اعتادت زيارتها كل ليلة في المساء قبل النوم. -لسه صاحية يا حبيبتي؟ نهضت رودي من أعلى فراشها وجلست وهي تجيبها:

-تعالي يا ماما، عايزاكي في موضوع. استجابت فريال وجلست في مواجهتها. -خير يا حبيبتي؟ دخلت رودي سريعًا إلى صلب الموضوع دون أي خوف أو قلق من أن يبدو الأمر مريبًا. -ماما، دلوقتي إحنا اتعودنا على كارمن وساندي في حياتنا، وأنا أكتر منكم. وأكيد باباهم في الأيام الجاية دي هيلاقي مربية وهيبعدوا عننا. هنا سارعت فريال بالقول: -لا، إزاي بردوا يجوا ويقعدوا معانا، ده أنا اتعودت عليهم خالص. أشارت لها رودي بيدها أن تصبر واسترسلت.

-أنا فكرت في فكرة تخلينا قريبين منهم ونبقى كلنا مبسوطين. عقدت فريال حاجبيها بعدم فهم. -كانت سهرة فرحة وزين وأياد وحنين.

رائعة لا يشوبها أي حزن. تعالت قهقهاتهم حد الدموع على نكات زين. لم تكن تلك المرة الأولى لخروجهم في أماكن متفرقة، بل أصبحت عادتهم. لقد ألف أياد زين واعتادوا على بعض، وأصبحت حياتهم تسير على نحو أفضل بعدما تصلحت علاقة أياد بأبيه وعاد يشاركه العمل بنشاط وحيوية. فهو الآن يتحرك مع زين وفرحة وحنين بحرية وجنون دون أن يلقي أي هم لغضب والده أو حتى تتبعه.

توقفت فرحة عن الضحك وبدأ على وجهها علامات غريبة. لاحظ زين من وسط قهقهاته سكوتها، فتغيرت ملامحه. واقترب منها متسائلاً: -فرحة، مالك؟ أثارت كلماته قلقًا في نفس حنين أيضًا، واقتربت منها وهي تهتف: -في إيه يا فرحة، مالك؟ أجابتهم بصوت متهدج: -أنا شكلي تعبت من الحمص اللي أكلته، معدتي وجعاني جدًا ودماغي بتلف. هدر زين مسرعًا: -قومي يلا بينا نروح.

حركت رأسها في استجابة، ولكنها ما إن وقفت على قدميها حتى دارت بها الأرض ووقعت بين يدي زين.

تبدلت قسماته وهو يراها في ذلك الشحوب، ومال بجذعه واحتضن بقيتها وركض باتجاه السيارة، وبعينه آلاف الدموع محصورة. ركض أياد وحنين معهما نحو السيارة، وساق أياد بهم، بينما زين احتضنها بين يديه وبدأ يتحسس نبضها وبشرتها كل ثانية في قلق. دقائق مرت عليه وهو يجاهد دموعه من السقوط، وهو يدفع ذلك الجبل الذي بدأ يطبق على قلبه السعيد. وصل أياد إلى أقرب مشفى.

وركض بها زين إلى الداخل. لم يعر أحد اهتمامًا وانطلق نحو غرفة الكشف، وبدت إحدى الطبيبات في فحصها. لم يقبل زين مغادرة الغرفة، فاستثنته الطبيبة وأخرجت حنين وأياد إلى الخارج. فحصتها جيدًا لمحاولة معرفة سبب الإغماء، وبالنهاية التفتت إليه لتشاهد كم القلق على وجهه وتهدر: -إيه ده؟ ليه كل القلق؟ كل الحوامل في بداية حملهن بيحصل معاهن كدا. هنا سقطت دمعة من عينه، ولكنها دمعة سعادة. لا شيء يمكن وصف.

سماع تلك الكلمة عن عشيقته ومحبوبته وزوجته أمام الله ورسوله. فهذا كان ثمرة الحب الحلال، الحب الذي خاف فيه الله وخاف أن يلمس منها شعرة دون عقد وأهل ورضاء. هذا هو الحب يا من تبحثون عنه بجد. -في منزل القناوي... أنهى الجميع الطعام وبدأوا في الإحسان إلى المعدة، فكان عزام يشعر بالفخر بداخله والعظمة. بدأت زهرة في صب الشاي بترتيب. دخلت صابحة بغيظ يأكلها. -بت يا زهرة، اطلعي غيري خلجاتك دي عشان تتعرفي على أخواتي...

أمسكت الإبريق الألمونيوم الكبير. واسترسلت... -وإني هصبه. صعدت زهرة في دهشة، ولم تنطِ خدعة حماتها لها، ولكنها تعرف جيدًا كيف تحيك الأمور في النهاية لصالحها. على وجه صابحة نظرة شيطانية وهتفت إلى الخادمات بضيق: -بت منك ليها، انجروا اغسلوا المواعين. ستكم زهرة هي اللي هتقدم الشاي عشان أخواتي يتعرفوا عليها. فاستجبن في سرعة. لقد قضى على طاقتهن تمامًا في ذلك اليوم الملئ بالعمل الشاق.

وأمسكت الملح وبدأت في تزويده في الأكواب بكمية كبيرة... ثم ابتسمت ابتسامة خبثة وهي تستدير للخارج، تاركة الصينية أعلى الرخامة كي تورط زهرة في هذا العمل الذي سيعصف بكل مجهوداتها اليوم. واتجهت نحو غرفة الضيوف كي تثبت الوقعة على زهرة.

-أتمت زهرة تبديل ملابسها وتعطرت حتى تمحو آثار يومها المتعب. نظرة نظرة نهائية على شكلها النهائي في المرآة، فكحلها الأسود يبرز جمال وسحر عينيها، إضافة إلى عباءتها السوداء المطرزة ببعض من الحبيبات الفيروزيه التي أعطتها قيمة ووقار. تصابنت وتحركت للأسفل ونزلت باتجاه المطبخ مباشرًا حتى تستعد لضيافة أخوال زوجها. حملت الصينية بين يديها.

وهمت بالخروج، ولكنها انتبهت أن هناك كوبًا مميزًا بمعلقة أثار شكوكها. واستدارت تتذوق إحدى الأكواب، ولكنها سرعان ما قذفت ما بفمها في تقزز مصحوبًا: -يا بنت... طيب يا حماتي، هتشوفي دلوقتي أنا هعمل إيه.

دقائق ودخلت زهرة عليهم، فقز عزام يتناول من يدها الصينية في حركة لم تسبق لأهل الصعيد، ولكنه كان سعيدًا بها لدرجة أنه لم يعد يدرك تصرفاته. وقع نظره عليها ورمقها بنظرة افتخار واعتزاز. كادت صابحة أن تكسر أسنانها من شدة غضبها إلى ذلك الموقف. وضع عزام الصينية وجلس إلى الكراسي، ثم دعا زهرة إلى الجلوس جواره، فاستجابت. مالت صابحة لتلتقط الكوب الموضوع به معلقة، ظنًا منها أن زهرة لم تفطن للأمر، وهتفت بشماتة:

-اتفضلوا يا أخواتي، دوقوا عمايل مرات ولدي. تناول الجميع أكوابهم، بينما ارتشف صابحة رشفة من الشاي، وتهجم وجهها وبدأت التغيرات على وجهها. وانتظرت الآخرين، نظرت في وجوههم كلا على حدة، ولكن لتجد إلا علامات الإعجاب. هتف أحدهم: -تسلم يدك يا زهرة يا بنتي، صحيح نفسك يعدل الدماغ. مالت رأسها بقبول الثناء، ثم استدارت إلى صابحة وهدرت: -أجيب لك يا أم عزام سكر لو عايزة؟ كادت صابحة أن تصاب بجلطة ثلاثية الأبعاد.

انتهى كل شيء سريعًا وصعدت زهرة وعزام إلى غرفتهما. لم يصبر عزام حتى ينغلق الباب واحتضنها بشوق، ثم حملها بين يديها ودار بها في سعادة وجنون. تلك كانت حركات لا إرادية ليست من طبع عزام الرزين، ولكنه سعيد بها إلى أبعد الحدود. سعادة جعلته يفقد تعقله. كانت زهرة لا تستوعب كم هذا الجنون أو تتوقعه صدوره من عزام نفسه. انتبه عزام لصمتها، ثم تنحنح في حرج وأنزلها برفق.

واحتقن وجهه لاستنكاره ما حدث، حاول تغير جهة نظره إلى أي شيء بعيدًا عنها، وكان للباب فتقدم بنحوه ليغلقه، وظل يوليها ظهره وهتف بصوت متزن: -الله يرضى عليكِ، خليتي راسي في السما. اقتربت منه واحتضنت خصره دون تردد وهتفت وكان راق لها أمر جنونه: -إني تعبت النهارده جوي جوي... قاطعها عزام بالتفافه سريعًا وقلق، وأمسك يدها ووجهها بأسف. فاسترسلت وهي تنظر لتصرفاته القلقة...

بس أنا نسيت تعبي لما شلتني وقلت لي كلمة حلوة. أنا مش صعبة يا عزام، أنا أي كلمة، ولو كذب هتفرحني. أوعاك تتكسف من اللي عملته، إحنا ستر وغطا على بعضينا. حتى لو العالم كله بيجبرنا إننا نكون عاقلين، وماله، لما نقفل بابنا علينا نبقى أجن من المجانين. ابتسم عزام لكلماتها وهتف ممازحًا: -يعني لما شلتك خفيتي؟ أومأت برأسها في ضحكة. باغتها بحركة فجائية ورفعها من على الأرض وهتف بحنان: -وأنا ما أحبكيش تبقي تعبانة أصل.

هتفت وهي تنظر إلى عينيه: -بتحبني يا عزام؟ أجابها من قلبه: -بحبك يا قلب عزام، حب ما حصليش من قبل. أغمضت عينيها بسعادة: -يا ابوي... يا بختها اللي تخلي صعيدي يحبها. ابتسم عزام لسعادتها ودار بها في الغرفة ينشرون بها ابتساماتهم وسعادتهم. *** في الصباح، ذهبت حنين وإياد إلى فيلا عاصم وفريال. وقف إياد يتابع أخته التي تتحرك باتجاه الباب الخارجي في تعمد واضح لعدم الاحتكاك به. اقتربت منه وهتفت في سرعة: -هاي إياد، إزيك؟

لم تنتظر إجابته واسترسلت: -جود باي. أمسك إياد ذراعها وهتف بصوت هادئ: -رودي، هتفضلي زعلانة مني كده كتير؟ لم تجبه رودي واكتفت بتغيير وجهها إلى الجانب الآخر. لم يكف عن استرضائها، فهو من ظلمها ويعرف واقع الظلم جيدًا، فهو ذاقه من قبل: -تأكدي إني هفضل على طول في ضهرك، وكانت غلطة ومش هتتكرر يا رودي. أولته وجهها وابتسمت له ثم هتفت بلا تردد: -لو قلت لك إني عايزة أتجوز يا سين، هتوافق؟ هتقنع بابا وماما؟

عقد حاجبيه في عدم استيعاب، بينما هي انتظرت رفضه ببرود. ابتسم إياد وترك يدها بهدوء ثم هتف عكس المتوقع: -هقول لك مبروك يا حبيبتي، ربنا يهنيكي ويسعدك. اتسعت ابتسامة رودي واحتضنت عنقه بسعادة. وهناك هرمون سعادة آخر في حضن الأخ، نوع مختلف من شهد الحب. *** في الملاهي بين رودي وياسين.

كان الجو ممتعًا، أفرغ رأس ياسين من كل هم، ود لو يتوقف الزمن ولا يتقدم ثانية وتتجمد كل الساعات وتبقى هي إلى جواره، هي التي اقتحمت عالمه وحياته بظرف استثنائي وبقيت الآن كل حياته.

كانت رودي تلاحظ نظراته المطولة وشروده المستمر، لم تغفل عن تلك الشرارة المنبعثة بعينيه بعشق جلي، أو حتى كلماته في المساء بأنه قلق من احتياجه لها. بقى استفزازه كي يطلب يدها، وهي لم تتوانى أبدًا عن الوقوف بوجه العالم وتبقى معه، فهي شعرت في بيته بدفء عجيب دفئ أوصالها التي تجمدت ببرودة مازن، وجدت علاجًا نفسيًا محكمًا وسط أطفاله، حبًا ستندم مدى حياتها إن لم تكن تقتنيه وتتنعم به. هتفت ليا سين الذي مازال شاردًا بوجهها:

-إيه رأيك في اليوم؟ هتف بعدما انتبه لسؤالها المفاجئ: -أجمل يوم، يا ريت كل أيامي تبقى كده. أجابته بدلال: -في إيدك كل أيامك تبقى كده. قد فهم ياسين إشارتها وهم ليهتف، ولكنها استدارت سريعًا بعدما ألقت ما أرادت. كلمة واحدة من رودي أعطت لياسين أملًا لم يكن يحلم به، فازداد تحمسًا وسعادة. *** في منزل برهام. ذهبت حنين لترى أباها الشديد القوي ذو النظرة الحادة والجسم الضخم.

ضعيف هزيل لرفضه تناول الطعام كعقاب لنفسه على كل ما فعل، فقد أشجاه سوء ظنه وكدر حياته. لم يعد ذلك الضخم ولا حتى الشديد، فقد أصبح أشبه تمامًا بعصا الإبنسية القوية التي انكسرت في عز قواها. فلا يغرك أبدًا ارتفاع الظالم، فكلما ارتفع كان السقوط مرعبًا.

لم تقاوم روحها الطيبة هيئته كهذه، فهو بالنهاية والدها، سبب وجودها على تلك الحياة. وارتمت في أحضانه، وبللت دموعه هو رأسها. نعم، بكى أعلى رأسها، بكى بحزن وبندم، فما زالت هي نقية، لم يصيبها عفن القلوب والجحود. هتف بنحيب: -أنا... آسف يا بنتي. رفعت وجهها الباكي لتنيره ابتسامة، وهتفت وهي تحتضن وجهه بين كفيها: -بابا حبيبي، أنا مش ممكن أزعل منك، أنا مسامحاك على كل حاجة وأي حاجة، وهبدأ من جديد. ابتسمت عينا

عبد المجيد وهتف رغما عنه: -ربنا يرضى عليكِ يا بتي. لم يكن من برهام وإياد إلا التأثر لذلك الموقف الذي لن يكرره الزمن ولن تراه إلا في شهد الحب. الحب الذي يتغاضى عن أي غضب ويتخلى عن الحقد والاستمرار في التعند أيضًا، كان حبًا بعد معاناة. فالحب ليس بالسلعة الرخيصة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...