ظهر طارق أمام عليا فجأة عندما فتحت الباب للأطفال. أغلقت عينيها، فهي تتعجب كثيراً كيف وصل إليها بهذه السرعة. سألته كيف عرف مكانها، لم يمر سوى أسبوعان فقط. قال طارق: "ألن تسمحي لي بالدخول أم أتكلم وأنا على الباب؟ قالت: "طبعاً، تفضل."
جلس طارق وأخبرها كيف استطاع العثور عليها. بعد سفرها، كلف أحد الضباط في مجال الاتصالات أن يتتبعها من خلال شريحة التليفون الجديدة. أخبره أن الأمر سيستغرق ثلاثة أيام، ولكنه استغرق أسبوعين كاملين. "ولكنه لم يستطع العثور عليك، وكأنني عثرت عليك من خلال الصفقات التي قمت بدعم الشركة بها. فأسلوبك محفوظ بالنسبة لي وطريقتك في العمل لم تتغير. وأكدت لي صورة البروفيل الخاصة بك أنك أنت." ثلاث قطط صغيرة هي إياد وعمرو ويارا.
قالت: "كنت أظن أن العثور علي هنا أمر شبه مستحيل، ولكن الجميع عثر علي بسهولة." تجمع الصغار وهم يحيطون بطارق، فهو الأب الوحيد الذي عرفوه. فطالما أحضر لهم الحلوى والملابس وأخذهم للطبيب عند مرضهم، لذلك كانوا سعداء جداً بجلوسهم معه وهم يأكلون الحلوى التي اشتراها لهم.
عاتب طارق عليا على ما فعلت وعلى سفرها دون أن تخبره وإغلاق هاتفها. لقد كاد يجن من القلق عليها، بالرغم من معرفته أنها فتاة شجاعة وتعرف جيداً كيف تخرج من أزمتها بسهولة. ولكن عليا أخبرته أن ما فعلته هو الشيء الصحيح، فهي لن تبني سعادتها واستقرار أبنائها على شقاء الآخرين.
قال طارق: "أنت تعرفين جيداً ما أكنه لك من مشاعر، ومهما أخفيت ما أشعر به نحوك فلا أستطيع ذلك. أعرف أنه لا أمل لي معك أبداً، ولكن رؤيتك تسعدني ولا أطلب غير ذلك. فأنت لن تتركي فارس من أجلي، وأنا لا أستطيع التخلي عن زوجتي وأولادي من أجلك، ولكن لا أستطيع أن أبتعد عنك في ذات الوقت."
قالت: "ولأنني أعرف هذا ابتعدت. أعتبرك أخاً لي وصديقاً مقرباً. أما حب فارس فهو حب مراهقتي وصباي، وقد تغلغل بين ضلوعي ولا أستطيع نزعه أبداً. آسفة طارق، ولكن هذا ما أشعر به نحوك." قال: "أنا أعرف ذلك جيداً، وسأكون أسعد إنسان على وجه الأرض عندما أراكِ تجتمعين بفارس. فالحب الحقيقي أن تحاول إسعاد من تحبه وليس امتلاكه، وخصوصاً أنك بالفعل مازلت زوجة فارس وتحملين اسمه." قالت: "هو يملكني بالفعل حتى لو كان بعيداً عني."
ثم تنهدت قائلة: "وقريب في نفس الوقت. هل من الممكن أن أطلب منك خدمة؟ قال: "أمري وعلي التنفيذ." قالت: "أريدك أن تبحث لي عن شقة أخرى غير هذه الشقة." قال: "طبعاً سأفعل، ولكن لماذا ستتركيها؟ قالت: "لأنها ملك لفارس، لقد اكتشفت ذلك أمس فقط." قال: "اسمعي عليا، لو أن هذا هو السبب الذي سيجعلك تتركين الشقة فلا داعي أن تفعلي ذلك، فقد تجتمعين مع حب حياتك بسببها."
قالت: "لقد رأيته مرتين أمس. كان واقفاً هنا أمام الباب وقد حمل لي باقة من الزهور، ولقد حضر معتقداً أنني مجرد عميلة لشركته، ولكني لم أفتح له برغم شوقي الشديد له. أما المرة الأولى فقد كان في سيارته وهو يجلس بجوار جاسمين زوجته، وكانت تضع رأسها على صدره وهو يقود. ويبدو أنه سعيد في حياته وقد نسيني." قال طارق: "من قال لك ذلك؟
جاسمين زوجته مريضة بالسرطان وهي في مرحلة متأخرة جداً، لذا فهو بجانبها كي يواسيها في محنتها. قد يكون ما رأيته من القبلات والحنان على جاسمين صحيحاً، ولكن من باب الشفقة وليس الحب. كما أن فارس لم ينجب لأن جاسمين قد أزالت الرحم. أي ظهورك في حياته مرة أخرى لن يؤذي زواجه كما تعتقدين، بل سيغير حياته للأحسن. أنصحك أن تظلي في هذه الشقة، ليس لأنني لا أريد أن أبحث لك عن غيرها، ولكن وجودك فيها قد يغير حياتك وحياة فارس للأفضل. ولا
تنسي أن هؤلاء الصغار لهم الحق في أن يعرفوا أباهم. لقد بذلنا سوياً جهداً كبيراً حتى نعيدك للحياة من خلال القضية التي رفعها لك محامي الشركة، وكان كل همك ليس نفسك وإنما لتسجلي الأولاد باسم والدهم، فلا تحاولي الآن أن تجعليهم كاليتامى ووالدهم على قيد الحياة."
"لن أطلب منك العودة معي لمكانك هناك، ولكن أطلب منك التفكير في مستقبل صغارك ومستقبلك أنت. والعودة لفارس هي الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك." قالت عليا: "أعرف أن ما تقوله صحيح، ولكن كيف؟ قال: "دعي الأيام تتكفل بكل ذلك، ولا تفكري في غيرك أكثر من اللازم، لأنه حان الوقت لتنظري لمصلحتك أنت وصغارك."
قالت: "شكراً طارق، وآسفة لما سببته لك من قلق حين غادرت الشركة سبب دون أن أخبرك، ولكن أنت تعلم السبب. فحبيبة محقة، فهي تحاول المحافظة على زوجها. وبعد ما صارحتني به منذ قليل تأكدت أن خروجي من حياتك هو الصواب." قال بتنهد: "لعل كلامك صحيح، وربما بعدي عنك هو الحل لإنساك بالفعل. هيا أراك قريباً، فلن أستطيع العودة من جديد قبل أن أودعك أنت والصغار. أستودعكم الله." قال: "عليا، ولكنك لم تشرب شيئاً."
قال: "مشاهدتك أنت والصغار روت ظمأي بالفعل. أترككم على خير." ثم غادر طارق المكان وهو حزين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!