انقضى أسبوع على آخر أحداث مرت بأبطالنا، وقد قضاه عمر في الترتيب لمهمة حياته كما أطلق عليها. وها هو يتقلب فوق فراشه، يجافيه النوم، ويعد الدقائق حتى ينقضي الليل سريعًا ليأتي نهاره وتسطع شمس حبيبته لتنير حياته من جديد. أما على الجانب الآخر، فحال حبيبته لا يختلف كثيرًا عنه. هي أيضًا جافاه النوم، وتشعر بقلبها ينبض بقوة وكأنه يشعر بما سيحدث بعد سويعات قليلة. تقلبت في فراشها كثيرًا، ثم اعتدلت جالسة وقالت لحالها:
"إيه اللي فيا ده؟ مش عارفة أنام." تنهدت بقوة وقالت: "قلبي بيقولي إن فيه حاجة هتحصل. يا رب." أمسكت هاتفها لتبحث عن أغنية تسمعها لتواسي قلبها الحزين. ظلت تبحث حتى وجدت ضالتها، فضغطت على زر التشغيل. وما إن انطلقت نغماتها حتى أغمضت عيناها التي سالت منها دموع الاشتياق رغما عنها. كانت جنات تصدح بصوتها العذب، وكأن كلماتها تعبر عن حالها. "وحشني إيده تلمسني."
دخلت إليها في ذلك الوقت ندى، التي كانت تشعر أنها ليست بخير طيلة اليوم، ولكنها أجلت سؤالها حتى يخلد الجميع إلى النوم ليتسنى لهم الحديث بارتياح. وقد صدق حدسها حينما أغلقت الباب خلفها ووجدتها تبكي مع تلك الأنغام الحزينة. وبدون أن تتفوه بحرف، جلست بجانبها فوق الفراش، وجذبتها محتضنة إياها بحنو، مما جعل شهقاتها تعلو، فهي كانت في أمس الحاجة لذلك الحضن. ربتت عليها وقالت: "وحشك مش كده؟ ردت عليها وهي على وضعها وقالت:
"وحشني لدرجة إني مش قادرة أتنفس من غيره. لدرجة إن حياتي وقفت من تلات سنين. اللي عايشة معاكم دي مش أنا، دي واحدة تانية معرفهاش." بكت وأكملت:
"أنا بمثل إني عايشة. بقيت عايشة بشخصيتين، واحدة اللي عايشة معاكم، والتانية بتظهر أول ما أبقى لوحدي. حنيني ليه بيخنقني. ذكرياته هي اللي مخلياني أقدر أتنفس وأحاول أعيش. أنا ندمانة على كل لحظة كنت بزعل فيها منه أو أخاصمه. لو كنت أعرف إني هبعد، كنت عشت معاه كل لحظة في حياتي عشان أعمل ذكريات أكتر." شهقت بقوة وأكملت:
"أنا بعشقه لدرجة إني بقيت بعمل نفس حركاته بإيدي من غير ما أحس. بقي يجري في دمي يا ندى، حتى لو شلت قلبي من مكانه عشان ما يدقش ليه؟ طب أغير دمي إزاي؟ بكت بقوة وقالت: "أنا بموت من غيره، وإحساس الخيانة قاتلني." اعتدلت لتواجه صديقتها وقالت بحزن: "أنا اللي خونته، أنا اللي بعته يا ندى. حاول معايا كتير وسألني كتير ليه عملت كده، بس مقدرتش أقوله." ضحكت بغلب من بين دموعها وأكملت:
"ده أنا كمان حلفتُه بحياتي إنه يبعد وما يدورش ورايا. قلت له انساني." شهقت وأكملت: "قلت له انساني وأنا بتنفسه يا ندى. تعبت، مش قادرة أستحمل. وأخوكي ضاغط عليا، مضطرة أعامله كويس. بتقطع لما بكذب وأقوله بحبك. الكلمة دي ما اتخلقتش غير لحبيبي وبس. إزاي أبقى بالبشاعة دي وأقولها لغيره؟ تعبت، أقسم بالله تعبت. نفسي أشوفه وأترمى في حضنه وأقوله خبيني، اخطفني من الدنيا، أنا مكتفية بيك أنت، مش عايزة أشوف حد ولا أعيش مع حد غيرك."
مسحت دموعها بقوة وأكملت: "بس للأسف مش هقدر أعمل كده. أنا اللي ضيعته ودمرتله حياته." شهقت بقوة وأكملت: "جالي يوم فرحه وقال لي قوليها وأنا هبيع الدنيا وأشتريكي، مش هيهمني غيرك. أنا بجوازي ده بدفن نفسي بالحياة. ما تموتنيش يا أسماء، أرجوكي." "وعيط... عيط وهو بيترجاني إني أرحمه وأرجعله. وأنا بمنتهى الغباء قلت له ربنا يسعدك." "سابني ومشي من غير ولا كلمة، بس نظرته ليا عمري ما هنساها...
قتلتني، دبحتني، ولحد دلوقتي بنزف ومش لاقية اللي يداويني." بكت ندى حزنًا على أختها وصديقتها الغالية، فهي عاشت معها كل تلك المعاناة ورفضت رفضًا قاطعًا ارتباطها بأخيها. ولكن تصميم أسماء على تلك الخطبة ظل علامة استفهام كبيرة لم تستطع حلها. قالت لها بهدوء ينافي ثورتها: "لو تقوليلي بس إيه اللي أجبرك تسيبيه وتتخطبي لكريم؟ بقالي تلت سنين بسألك نفس السؤال وإنتي رافضة تقولي. لحد إمتى هتقدري تتحملي العذاب ده؟
إنتي أجلتي الجواز لحد ما تتخرجي، طب إنتي فاضلك سنة، تقدري تقوليلي حجتك إيه بعد كده؟ هتتجوزي واحد وإنتي قلبك مع غيره؟ هتقدري تخليه يلمسك؟ نظرت لها برعب من تلك الفكرة وهزت رأسها بهستيريا دلالة على رفضها القاطع لتلك الفكرة، وصرخت بصوت مكتوم: "لآآآآآآلآآآلآآآلآآآ... مقدرش. أموت، وأقسم بالله أموت لو ده حصل." احتضنتها ندى لتحاول تهدئتها، ولم ترغب في الضغط عليها أكثر، فقالت:
"اهدي يا حبيبتي، اهدي. ربنا عالم باللي فيكي وقادر إنه يحلها من عنده." كان اللواء عبد الرحمن يقف في شرفته ليدخن سيجارة، تاركًا زوجته تغط في نوم عميق. ألقى ببصره للأسفل، وجد ولده يجلس شارداً مهموماً، فقرر أن يهبط له ليعلم ما به. جلس على المقعد المقابل لولده بهدوء وقال: "أنا سامعك... وبس." نظر له عمر بحزن. فهو بعدما جافاه النوم، قرر أن يجلس في الحديقة قليلاً حتى يأتي الصباح محملاً بآمال عديدة يتمنى حدوثها.
تنهد بهم وقال: "عارف لما تحس إن قلبك واجعك وعلاجه قدامك بس مش قادر تاخده؟ لما تحس إن حياتك ضاعت منك غصب عنك، بس برغم كده بتلوم حالك وتجلدها إنك ما حاولت تحافظ عليها؟ تبقي مجبور تعيش مع ناس مش شبهك ولا حاسين بيك. بتحاول تدفن نفسك فالشغل عشان تنسى، بس للأسف كل لحظة بتمر عليك وجع قلبك بيزيد مش بيقل." "عارف إحساس إنك قوي ومحدش يقدر عليك، وتتفاجئ إنك أضعف واحد فالكون عشان سبت حبيبتك تتسرق منك."
تنهد بحزن، ولمعت عيناه بعشق خالص، وأكمل: "أسماء ما كانتش مجرد بنت عرفتها وحبيتها، لاااا. دي كانت حياتي. عمري ما حسيت إن ليا قلب غير بعد ما شفتها، سرقته مني." ابتسم بحنين وأكمل: "كان فيه مكان ديما بنتقابل فيه وساعة معينة لما كنت أرجع من السفر وأتصل بيها أقول بس هاشوفك النهاردة، تقولي أوكي. وبس. عارفين هنتقابل فين وامتى من غير كلام."
"عشت معاها لحظات بجد كانت بعمري كله. لما أمي صممت إني أتزوج عشان كبرت ونفسها تشوف ولادي، سبتها تختار هي، لأن خلاص دام مش حبيبتي يبقى كل البنات واحد عندي. قلت لنفسي جرب يمكن تنسى لما يبقى ليك زوجة وبيت وأولاد، دام هي باعتك. بس كنت أول ما عقلي يقول الكلمة دي كان قلبي يصرخ ويقولي لاااا، فيه حاجة غلط، حبيبتك مش ممكن تبيعك." نظر لوالده وأكمل:
"إنت عارف يا بابا إن بحكم شغلنا بنقدر نفهم الناس كويس ونقرأهم، يعني قلبي ماضحكش عليا. لأن بحكم خبرتي البنت دي من أنقى وأطيب الناس اللي ممكن تقابلهم في حياتك، مش ممكن تخون أو تخدع حد. هههه، دي بتمشي توزع ثقتها على الناس، هبلة بدرجة ما تتخيلهاش، يبقى إزاي تضحك عليا؟
"عارف لما اتجوزت شهيرة، ما كنتش قادر المسها. حسيت إني خاين، بس أقنعت نفسي إن مع الوقت الإحساس ده هيروح، بس للأسف كان بيزيد وعذابي بيكبر. لحد ما من كام شهر قلبي خدني لمكان مقابلتنا سوا، مكانه المفضل." نظر له بحنين وعشق وأكمل: "لقيتها مستنياني هناك." ابتسم وأكمل: "تخيل ارتباطنا وإحساسنا ببعض يوصل بينا إن بعد تلت سنين نروح نفس المكان من غير معاد، وكل واحد فينا متأكد إنه هيشوف التاني."
"حضنتها بكل اللي جوايا ليها، واتلغى من عقلي اللي عملته فيه. قلبي ارتاح بعد عذاب تلت سنين. لقيت روحي يا بابا، روحي اللي كانت ضايعة مني، لقيتها بس لما ضمتها." دمعت عيناه وقال: "بس دموعها نزلت زي النار جوايا تحرقني، وهي بتبكي وتترجاني أسامحها، وأنها بقالها تلت سنين بتيجي هنا عشان تقولي سامحني."
"حلفتني ما أدور وراها، بس مقدرتش أسمع كلامها. الوجع اللي شوفته في عينيها والقهر اللي كان في نبرة صوتها خلاني أصمم إني أعرف سبب اللي حصل وأرجعها ليا، حتى لو هحارب الدنيا عشانها." صمت بعد أن أفاض بما بداخله وارتاح قليلاً، ثم أكمل: "هشوفها بكرة بإذن الله. حبيبتي هتبقى معايا ليل نهار. مش قادر أستحمل فرحة قلبي، والمشكلة إني مش عارف إزاي هقدر أتعامل معاها عادي. قلبي هيفضحني." "اللواء نديم لما عرض عليا قضيتها،
قالي: أنا واثق إنك بتقدر تفصل اللي جواك عن شغلك. طب إزاي وأنا كل حتة فيه بتصرخ بعشقها؟ لو كتمت اللي جوايا عيني هتخوني وأنا بوصلها، ولا هستحمل إزاي ابن الكلب ده وهو بيتعامل معاها ولا يقربلها قدامي؟ هقتله، أقسم بالله لو قرب منها هقتله." قال حديثه الأخير بغضب جم ناتج عن غيرته العمياء. ابتسم أبيه وقرر أن يتحدث:
"إنت عشقتها مش حبيتها بس يا عمر. غلطتك إنك سبتها وبعدت. دام كنت متأكد من حبها ليك، كان لازم تدور على السبب اللي خلاها تعمل كده وتساعدها، مش مجرد ما تقولك الحكاية خلصت تقولها أوكي وتبعد. إنت عمرك ما كنت ضعيف ولا بتستسلم أبداً، تيجي عند أهم قضية في حياتك وتبيعها كده؟ عمر:
"كنت حاسس إني مدبوح. عقلي اتلغى لما لقيتها بتنهي كل اللي بينا وبتترجاني أبعد عنها من غير ما أسأل ولا أعرف سبب. كل اللي قالته إنها مش هتقدر تكمل معايا وإنها اتخطبت لابن عمها." دمع وأكمل: "حضنتني... حضنتني لأول مرة وقالت لي: أنا اتولدت عشان حضنك، ودلوقتي هموت في حضنك. خليك متأكد إن بعدي عنك يعني موتي، وأنا بحضنك دلوقتي عشان أودع حياتي اللي كانت ليك وهتنتهي من بعدك."
"بس ومشت من غير كلمة تانية. وأنا كنت زي المضروب على دماغي، مقدرتش حتى أوقفها أو أنطق بحرف. بعدها سافرت وفضلت أخلص من مهمة أدخل في التانية، ولاول مرة ما اهتمتش بحياتي. كنت بتمنى في كل مهمة إني أُقتل عشان أخلص من العذاب اللي عايش فيه. بس للأسف أو الحمد لله إن ربنا كتبلي عمر عشان كان شايلي العوض، وأنا هحارب عشان أحافظ عليه." رد عليه أبيه بعقلانية ليضع أمامه كل الأمور: "طب ومراتك وابنك يا بني؟
لازم تحطهم في حساباتك. ولا شهيرة هتوافق إنك تتجوز عليها؟ ولا حبيبتك هترضى إن واحدة تانية تشاركها فيك؟ عمر: "يا بوب، إنت عارف إن جوازي محكوم عليه بالفشل حتى لو ما كنتش رجعت لحبيبتي. بس أنا هعمل اللي عليا معاها عشان ربنا ما يحاسبنيش عليها. أما أسماء بقى، فربنا يقدرني عليها. اممم، على العموم، أنا سايب الموضوع ده لما ييجي وقته، أكيد هلاقيله حل. أنا دلوقتي لازم أركز في القضية عشان أخلص منها بأسرع وقت." عبدالرحمن:
"ما تستعجلش يا عمر. ما تخليش قلبك اللي يحركك. العملية دي كبيرة ومش سهلة، وإنت عارف كده كويس. حط في دماغك إن أي غلطة أو تهور منك هتكون هي التمن." عمر بعزم: "عارف يا بابا، ما تقلقش. أنا حاسب كل حاجة بالسنتي. دي قضية حياتي، وإن شاء الله ربنا يقدرني وأحلها." عبدالرحمن: "ربنا معاك يا ابني. وأي حاجة تحتاجها أنا موجود." أمسك كف والده وقبله بحب وقال: "عارف يا بابا، ربنا يخليك ليا. بس بقولك، هنعمل إيه في حكاية نقلنا من هنا؟
ضحك أبيه وقال: "أهو الحكاية دي أصعب من قضيتك نفسها. إنت فاكر بنت صلطح بابا (لقب زوجته رقيه) هتوافق تسيب كفر عبده وتروح برج العرب؟ استعطف أبيه قائلاً: "عشاااان خاطري يا بوب. هي بتحبك وهتسمع كلامك. ساعدني بالله عليك." عبدالرحمن: "يا ابني، ما إنت هتبقى معاها طول اليوم، مش لازم تسكن جنبها." عمر:
"يا بابا، والنبي مش هبقى مطمن عليها وأنا بيني وبينها المسافة دي كلها. أنا كنت بروح هناك كل فترة أقعد كام يوم بحجة إني مسافر تبع شغلي، إنما دلوقتي مش هينفع. لأننا هنفهم ماما وشهيرة إنك محتاجني في شغلك، وإنك أقنعتني آخد إجازة من شغلي عشان الحمل يقل على مالك، وإن كمان ضغط الشغل هيزيد بعد ما تفتح المقر الجديد. يعني المفروض إني هبقى معاك فالشغل ديما، يبقى هبات بره بحجة إيه؟ عبدالرحمن: "......... ماذا سيحدث يا ترى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!