ظل في مكانه دون حراك بعد استماعه لما سردته عليه الدادة جميلة. ينظر لها في ذهول. زوجته و طفلته البريئة خائنة. صديقه وشريكه طعنه بظهره. صديق عمره وطفولته مات ضحيتهم. بل وصَدَّق عليه اتهامات جعلته يخسر حبه النقي. حبه لأسيل هو الشيء الحقيقي الوحيد بحياته، لكنه ضيعه بعناده وأنانية. ليقطع تأنيبه لنفسه هذا صوت جميلة.
جميلة: مكنتش عايزة أقولك الحقيقة عشان مشوفش في عينيك النظرة دي. أنا عارفة قد إيه كنت بتحب ملك، لكن يا ابني اللي زي دي متستحقش تدمر حياتك عشانها. فوق لنفسك بقى وشوف مين اللي يستحق حبك وحمايتك. لسة الأوان ميفاتش. روح لها واسعى إنها تسامحك. مظنش إنه مستحيل. أسيل آه ست قوية، بس القوية دي مش بتضعف إلا قدام الراجل اللي في قلبه.
يومئ لها هو في شرود وما زال تحت تأثير الصدمة. ليظل هكذا لفترة، ثم يمسك بهاتفه ليجري اتصالًا ما يُعد أول خطوة لطلب السماح منها. آدم بثبات: أظهر حقيقة موت نور الدين للكل. ومن غير ما تجيب سيرة عن شغله المشبوه. اثبت بس إن انتحاره ملوش أساس من الصحة. نفذ بسرعة يا سيف، أرجوك. ليغلق هاتفه ويلتقط مفاتيحه وجاكيته بسرعة متوجهًا إلى الخارج.
وفي مكان آخر، تحديدًا بمنزل الدادة جميلة، نجدها تجلس في مكانها المعتاد. لا يعلم أحد إن كان المكان المفضل لها أم أنها اعتادت فقط الجلوس أمام النافذة لتشاهد المارة في هدوء تام. يخرجها من هذا الهدوء صوت هاتفها الذي لم تسمع رنينه منذ تواجدها بالمستشفى وربما قبل ذلك.
لتتجاهله متابعة تحديقها من النافذة. ليعاود رنينه مرة أخرى. تكرر الأمر عدة مرات إلى أن قامت من مكانها بعد تأفف لالتقاطه لترى ما الأمر الهام لهذه الدرجة مقاطعًا تأملها. فتجده رقمًا غريبًا ليزداد تعجبها، فترد في خفو. أسيل: الو. لتستمع إلى محدثها والذي طالبها بتأكيد هويتها، فتجيبه قائلة: أسيل: أيوه أنا أسيل نور الدين. فتستمر في إنصاتها له ثم تجيب: أسيل بتعجب: هي مش خلاص القضية اتقفلت على إنه انتحار؟ طالب حضوري ليه بقى؟
لتسمعه من الجهة الأخرى يخبرها بتقدم زوجها بطلب لفتح القضية مرة أخرى لاشتباهه في كونها جريمة قتل لا انتحار. يسود الصمت قليلًا قبل أن يتأكد منها المتحدث كونها ما زالت معه. فتخبره بأنها ستكون هناك في الموعد المطلوب وتغلق الهاتف لتجلس الآن تفكر فيما سمعته للتو. تم فتح القضية مرة أخرى بناءً على طلب زوجك، والذي هو آدم. حسنًا، لما يطلب آدم فتح القضية مرة أخرى؟ ما مصلحته من هذا؟
أيريد إلقاء تهمة قتل والدها عليها، وهذه المرة ليس معنويًا بل ماديًا أيضًا؟ ليدب الخوف في أوصالها. لكنها تخلصت من خوفها هذا سريعًا وقد قررت أنها لن تترك له مفاتيح اللعبة بيده. يكفيه ما فعله بها الفترة الماضية. لن تسمح له بالتحكم بها مرة أخرى.
أما في مؤسسة الشناوي للأعمال الهندسية، نجد معتز، رأس الأفعى، يرأس مكتبه وعلى وجهه ابتسامة واسعة. فقد أدخل آدم والشركة للتو في صفقة تخص أعماله، وهذا سيهدئ من غضب مروان عليه قليلًا، فقد أوشك على استنفاذ صبره. ليفاجأ بدخول آدم عليه ليقطع سيل أفكاره ويغلق الباب خلفه بهدوء ليحتل إحدى المقاعد أمام المكتب. معتز بتوتر ملحوظ: أهلًا آدم. مقلتش يعني إنك جيت الشركة النهاردة.
آدم بحدة: وأنا لازم أستأذن قبل ما آجي. ما أقولك كمان على مواعيد حضوري وانصرافي بالمرة. معتز: أكيد مقصدتش ده. مالك شكلك متضايق من حاجة؟ آدم: أنت صح. في شيء مضايقني فعلًا. لينظر له معتز منتظرًا منه إكمال حديه، فيردف هو: آدم: قولي يا معتز من امتى وأنت تعرفني؟ معتز بتعجب: من الدراسة. لكن ليه السؤال دلوقتي؟ آدم: من الدراسة. معنى كده إننا نعرف بعض من 11 سنة وبتربطنا صداقة أخوية، مش كده؟
يومئ معتز موافقًا، فينهض آدم من مكانه ويسير حول المكتب ليصل بجوار مقعد معتز وينحني إليه ليكون وجهه مقابل وجه الآخر، لا يفصل بينهما سوى عدة إنشات قليلة ويتحدث بهمس.
آدم بهمس مخيف: 11 سنة عاملتك زي أخويا. مفكرتش لحظة لما أيمن الله يرحمه رشحك إنك تكون الشريك التالت لينا في المؤسسة. أيمن اللي مفكرتش مرتين إنك تقتله بدم بارد لما كشف علاقتك بالزبالة التانية اللي اسمها ملك. وبعد كل ده بعتلي محقق تبعك عشان يبين لي إن أيمن هو الشيطان اللي عمل المصايب دي كلها. مش كده؟ معتز بخوف وذهول: أنت... أنت بتقول إيه؟ استقام آدم في وقفته وأردف:
آدم: بحكيلك عن خيانتك ليا، لكن اللي هحتفظ بيه لنفسي هو اللي هعمله فيك انتقامًا منك على تدميرك لحياتي. بجد أنت صعبان عليا من اللي هيحصلك، لكن أنت اللي بدأت. اشرب بقى. ليلقي بآخر كلامه هذا مغادرًا المكتب ويذهب إلى سكرتيرته كاميليا يطلب منها تقريرًا يشمل كل المشاريع التي أحضرها معتز للشركة، ثم يذهب بعد ذلك مغادرًا الشركة بأكملها.
مر يومان على هذا الوضع لم يتغير فيهما شيء من الأحداث، فآدم ما زال يسعى لإثبات مقتل نور الدين، وأيضًا يبحث خلف معتز، فهو واثق أن هناك من يسانده بل يستخدمه لأعماله المشبوهة تلك، فمعتز لم يكن يومًا من الأيام مستقلاً بذاته حتى يدير عملًا مثل هذا دون مساعدة من أحد.
وعلى الجهة الأخرى، فلقد أصبحت الآن أسيل على علم بالحقيقة كاملة بعد أن حكت لها جميلة ما سبق وأخبرت به آدم، ليتغير موقفها من الدفاع إلى الهجوم. فالآن هو يعلم أنها على حق وهو من بحاجة للسماح والغفران، بل لديها الآن الحق للانتقام منه وبصورة أبشع من انتقامه منها.
الآن هي في مركز الشرطة لمقابلة المسؤول عن فتح قضية والدها مرة أخرى، لتجد شخصًا ما يدلف إلى المكتب الجالسة فيه، يبدو عليه الهيبة، يحيه كل من يمر بجانبه، ليتقدم منها ويقف أمامها، فتستطيع تبين ملامحه الجذابة، فهو تقريبًا في عمر الثلاثين أو أكبر قليلًا، يُدعى عمر السيوفي كما قيل لها. حياها ثم دعاها للجلوس. أسيل: أسيل نور الدين. قالوا لي لازم آجي عشان قضية موت والدي. عمر بابتسامة: أهلًا أسيل. معقول مش فكراني؟
أنا عمر السيوفي، صديق أيمن الله يرحمه. كنت متعود أعاكسك وأغلس عليكي وأنتي صغيرة. لتتسع حدقتا أسيل عند تذكرها له وتهتف دون وعي: أسيل: عمر الغبي. أوحش واحد في صحابه. انفجر هو ضاحكًا عند سماعه نفس اللقب الذي اعتاد سماعه منها في طفولته. لتعتري وجهها حمرة الخجل عند استيعابها لما نطقت به للتو، وكانت على وشك الاعتذار لولا أنه سبقها بقوله: عمر: أنا عايز منك شهادة حق بقى. ينفع على الخلقة دي وحشة؟
حقيقي مش عارف ليه طلعتي اللقب ده عليا وقتها. أسيل وقد أدركت أنه لم يغضب لنعته بهذا الشكل، فقررت متابعة ما اعتادت عليه في الماضي. أسيل بخبث: معترضتش على كلمة غبي. يعني بتعترف إنك كده فعلًا. لينفجر هو ضاحكًا مرة أخرى، فتشاطره هي الضحك هذه المرة. عمر: متغيرتيش. لسة زي ما أنتِ سوسة ولسانك أطول منك. أسيل بجدية بسيطة: مفيش حاجة بتفضل على حالها. وأنا اتغيرت كتير عن الأول.
عمر بأسف: عارف إنك مريتي بالحاجات كتير، أصعبهم موت أيمن الله يرحمه. حقيقي مصدقتش الخبر لما جالي. وبعدها كمان والدك. تُومئ هي في حزن ويتابع هو: عمر: أسيل بخصوص قضية والدك، أنا اتضح ليا بعد إعادة التحقيقات إنه مكنش انتحار نهائي. دي قضية قتل. وبصراحة مش فاهم إزاي اتقيدت كـ انتحار. يعني دي أقل التحريات وضحت إنها جريمة. عشان كده أنا بيتهيأ لي إن فيه حد بيخفي الحقيقة ومن مصلحته يظهرها كـ انتحار.
أسيل: تفتكر مين ممكن يعمل حاجة زي دي؟ عمر: لغاية دلوقتي مش عارف، ومنقدرش نتهم شخص بعينه. لكن التحريات هتظهر لنا حاجات كتير ومنها أكيد هنوصل للشخص ده. متقلقيش، أنا اللي هشرف بنفسي على القضية وهبلغك بكل جديد أول بأول. لتومئ هي وتستأذن للمغادرة على وعد منه بإخبارها بأي جديد يصل إليه.
وفي طريقها إلى منزل جميلة، كان ما يشغل بالها سؤال واحد. لابد أن من في مصلحته إظهار موت والدها كـ انتحار هو القاتل، لكن من هو وما مصلحته من قتل والدها؟ لولا مقابلتها لصديق أيمن ومعرفتها بأنه هو من يشرف على القضية، لظنت أن هذا من تخطيط آدم لإظهار أنها لا ذنب لها بموت والدها. لكن الآن الأمور جدية وهناك شخص ما استهدف والدها وقام بقتله.
لتتصل إلى المنزل وتدلف إلى الداخل، فترى آدم منتظرًا إياها. يبدو منهكًا وقد نقص وزنه وازداد نحولًا. استمرت في تأمله حتى انتبه من شروده على وجودها، فرفع لها رأسه ثم نهض من مكانه وتقدم منها. آدم بخفوت: أهلًا. لترد هي التحية ببرود يعتلي ملامحها. آدم: عاملة إيه؟ دادة جميلة قالت لي إنك رحتي للقسم النهاردة. وصلك آخر الأخبار؟ لتنظر له في تعجب ويخطر في بالها أمر ما. أسيل: كنت عارف؟ ليومئ هو موافقًا وتكمل:
أسيل بحدة: كنت عارف إنه منتحرش وإنه اتقتل. خليتني أنب نفسي على موته وأفكر إن كلامي له كان السبب. كل ده كان جزء من انتقامك برضو، مش كده؟ ليحرك رأسه يمينًا ويسارًا رافضًا اتهامها ذاك. آدم: أنا معرفتش حقيقة موته إلا من فترة قليلة. عرفت لما كنتي في المستشفى. ليصمت للحظات ويأخذ نفسًا عميقًا ليردف:
آدم: أنا جيت لك النهاردة أتأسف عن اللي حصل مني. عارف إن كلمة أسف قليلة قوي قدام اللي عملته فيكي. بس أوعدك إني هعوضك عن كل ده. اطلبي أي حاجة وهتكون بين إيديكي. أسيل: أي حاجة؟ ليومئ هو وتكمل: أسيل بهدوء: طلقني. اللي عايزاه هو الطلاق. عايزة حريتي. وأعدك إني هسامحك بعده. لينتفض هو في غضب ويتقدم إليها ماسكًا كتفيها بعنف.
آدم بحدة وصراخ: في أحلامك يا أسيل. في أحلامك. كوني جيت لحد عندك النهاردة وطلبت السماح منك مش معناه ضعفي واستسلامي. أنا بتأسف لإني غلطت في حقك، لكن مش آدم الشناوي اللي يخسر أو يتنازل عن شيء ملكه. أنتِ ليا. ملكي أنا وبس. فمتسرحيش كتير بخيالك وتفكري إن حبي ليكي ضعف. لتنظر له بذهول لا تصدق ما قاله. هل أفسد للتو اعترافه لها بمشاعره وحبه بكلامه الأناني ذاك؟
لما لا يستطيع التعبير عما بداخله دون كلامه القاسي ومعاملته الجافة تلك؟ لتبتسم بداخلها على أن السيد المبجل آدم حلمي الشناوي فاشل في التعبير عن مشاعره. ولأول مرة تجد ما يفشل فيه. بينما هو أدرك بعد لحظات ما تفوه به للتو، ليتركها فجأة ويكمل حديثه بحدة محاولًا تغيير دفة الحديث. آدم بنفس الحدة: كفاية أوي قعاد هنا. من بكرة جهزي حاجتك وترجعي القصر. ليقاطع اعتراضها قبل أن تتفوه به: آدم: من غير نقاش. أنا قررت وانتهى الأمر.
ويتركها مغادرًا، فيما كانت هي ما زالت لم تستيقظ بعد من صدمة اعترافه لها وقلبها يرقص فرحًا بتمسكه بها ورفضه لتركها أو الانفصال عنها. نعم، سامحته منذ علمها بحقيقة ما حدث من زوجته وهذا الحقير تحبه. بكل غباء سامحته على أفعاله تلك. تعلم كم تبدو سخيفة. ضعيفة. لكنها وبكل بساطة تحبه. لكن لن تظهر مسامحتها له. فعليه دفع ثمن معاناتها تلك. ولكن ستفعل ذلك وهي بجانبه.
يقطع تخيلاتها تلك صوت ما، أوقف سريان الدماء في عروقها لتتسمر مكانها وتتوقف عن التفكير للحظات قبل أن يستوعب عقلها حقيقة هذا الصوت، لتهرول إلى الخارج داعية ربها خطأ ما تظنه بهذا الصوت. لكن للأسف كان ظنها في محله، فقد كان هذا الصوت لرصاصة انطلقت من سلاح ما واستقرت بصدر زوجها آدم، لتراه مستلقيًا على الأرض غارقًا بدمائه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!