آدم بتساؤل: تقصدي إيه بـ "زي اللي حصل مع ملك"؟ وإيه اللي جاب سيرة ملك دلوقتي؟ جميلة بارتباك: مقصدش حاجة... مقدرش أتكلم عن واحدة ميتة بحاجة وحشة. آدم: على العموم أنا عايزك تتجنبيها خالص ومتخالطيهاش خالص... في بينا أمور لسة مخلصتش. جميلة: لكن يا ابني... آدم مقاطعاً: أرجوكي اسمعيني ومتجادليش معايا بخصوص الموضوع ده... لو عايزة راحتي. جميلة: ماشي يا ابني، بس متقساش عليا وترجع تندملي.
تبتسم بسخرية من فكرة ندمه على ما يفعله بها، فهي آخر شخص قد يشعر بالذنب تجاهه. تمر الأيام تليها أيام أخرى وتزداد معاناة أسيل بسبب إدمانها، حيث أنه امتنع عن وضع تلك الأدوية في طعامها. فكانت في بادئ الأمر ترفض تناول الطعام خوفاً من أن يكون قد وضع ما تخشاه بها، لكن في النهاية أصبحت تلتهم كل ما يقدم لها بحثاً عن ذاك الدواء، فهي الآن تعاني من تبعات نقص تلك المادة المخدرة بجسدها.
ساءت حالتها وأصبح صوت صراخها وبكائها هو الصوت المعتاد بالقصر، وجميلة لا تملك ما تساعدها به، فقد أغلق باب غرفتها بالمفتاح ومنعها حتى من الدخول إليها وتهدئتها. أما هو، فلم يعد يتحمل البقاء بالقصر، يكاد يجن مما يشعر به من أحاسيس مختلفة... الغضب والحزن والكره. لم يعد يحتمل سماع صرخاتها، لا يشعر بلذة تعذيبها، بل إن مشاعر الكره تلك التي يشعر بها ما كانت اتجاه أحد سوى نفسه. يكره نفسه لأنه سبب عذابها.
أصبح لا يأتي إلى المنزل سوى للاطمئنان إن كانت على قيد الحياة أم انتهى أمرها... حتى اهتمامه هذا لا يستطيع تفسيره. مرت الأيام وجاء يوم لم تسمع فيه جميلة صراخها المعتاد. تناديها لا تجيب. دب الخوف في أوصالها وتحركت سريعاً لإخباره. لم تمر دقائق إلا ووجدته يأتي راكضاً إليها. اتجه مباشرة لغرفتها متجاهلاً جميلة التي كانت تبكي خوفاً وندماً على تركها فريسة بين يديه.
فتح الباب ليدخل الغرفة التي أصبحت زنزانتها، يبحث عنها بعينيه ليجدها متكورة على حالها في أحد أركان الغرفة مغشياً عليها. ذهب إليها سريعاً يركع بجانبها ويحتضن نصفها الأعلى محدثاً إياها في رعب وخوف. آدم بخوف دون وعي: أسيل ردي عليا، فيكي إيه؟ أسيل حبيبتي... ردي مالك... إيه حصل بس؟ يستمر بهزها بين يديه محاولاً إفاقتها لكن دون جدوى، ليحملها سريعاً متجهاً بها إلى سيارته، يضعها بها برفق وانطلق بها سريعاً إلى أقرب مشفى.
وصل المشفى، وفي الطريق كاد أن يتسبب في أكثر من حادث، لكن كان الله رحيماً بهم. حملها، ترجل بها من السيارة متجهاً إلى المدخل يصرخ بالجميع لمساعدته. بعد فترة، نراه جالساً أمام إحدى غرف الكشف، جسده كله أصابه التوتر، لا يتخيل احتمال أن يفقدها بسبب غبائه وعناده.
عماه انتقامه عن كل شيء، حتى عن مشاعره اتجاهها. يذكر قبل معرفته بأمر أخيها أنه ما كان يشاكسها سوى لغرض في نفسه، وهو لفت انتباهها له، فهي لم تكن كالجميع الذين سحروا بجاذبيته وهيبته. أثناء انتظاره ذاك، يأتيه اتصال من صديقه سيف. تجاهله في المرة الأولى، ليعاود الاتصال مرة أخرى فيجيب بعد تأفف. سيف: مبرّدش ليه على تليفونك... عندي ليك أخبار إنما إيه... عن حمالك العزيز... بجد مش هتصدق اللي عرفته. آدم بحزن: فيه إيه؟
سيف: آدم... مالك؟ ماله صوتك؟ آدم: أسيل في المستشفى... مش عارف حصلها إيه... وصلت للبيت لقيتها اغمى عليها. سيف بسرعة: تمام تمام، قولي بس انتوا في مستشفى إيه؟ آدم: احنا في مستشفى باباس. سيف: تمام، دقايق وهكون قدامك... اجمد يا صاحبي. يخرج أحد الأطباء بمجرد إغلاق آدم لهاتفه، يخبره بأنها تعاني من انهيار عصبي حاد، كما أنها تحتاج لتغذية جيدة ورعاية شاملة، لذا فالأفضل أن تبقى في المشفى عدة أيام.
ليذفر نفساً عميقاً بداخله ويجلس بارتياح على إحدى كراسي الانتظار بالمشفى، حامداً ربه أنه لم يفقدها، فهو لا يقوى على فقد حبيبته للمرة الثانية، بل ويكون بسبب غبائه وانتقامه الذي عماه عن رؤية الحقيقة، وهو أنها لا ذنب لها فيما اقترفه أخاها. لكن إدراكه هذا الآن بدون فائدة، فهي لن تغفر له ما فعله بها. إذاً ماذا الآن؟ يتركها؟ يعطيها حريتها؟ بالطبع لا...
فهو لا يتخيل حياته دونها. سيحاول مراراً جعلها تغفر له وتسامحه. نعم، ستسامحه ولو بعد زمن. ليجد من يربت على كتفه، فيرفع له رأسه. سيف بخفوت: عاملة إيه دلوقتي؟ آدم بندم: انهيار عصبي حاد وقلة تغذية. سيف بهدوء: الحمد لله... يعني هي بخير. يومئ هو براحة وينظر إلى سيف متسائلاً. آدم: إيه الجديد بخصوص نور الدين؟ سيف بعد تنهيدة: كتير... خد الصدمة الأولى بقى واستعد ليها. نور الدين حماك العزيز كان عنده شغل تاني خاص بيه...
شغل مع رجل الأعمال المعروف مروان العيسوي. لتتسع حدقتا آدم في دهشة. آدم بذهول: قصدك مروان العيسوي بشغله المشبوه؟ يومئ سيف مؤكداً كلام آدم ويردف. سيف: لا، والأصخم هو سبب وفاة نور الدين. خلاف حصل بينه وبين مروان لسبب معرفتش أوصله، وانتهى بأمر من مروان لواحد من رجاله إنه يخلص على نور الدين وإظهار موته كانتحار. وطبعاً فيه سبب مقنع لانتحاره وهو إفلاسه.
صمت آدم لفترة محاولاً استيعاب ما ألقى به سيف على مسامعه، ثم تحدث بعد لحظات. آدم: وإيه مراته؟ سيف: بعد ما عرفت بخبر موت جوزها، أخدت أول طيارة لألمانيا. صمتا فترة، ليقطع صمتهما هذا صوت جميلة القلق، وهما يجداها واقفة أمامهما تسألهما عن حال أسيل، ليطمئنها آدم على حالها ويطلب منها الانتظار قليلاً حتى يدخل ليراها قبل ذهابه، ثم تتولى هي الاهتمام بها بعد ذلك.
يدخل لها ليراها نصف مستلقية على سرير الغرفة تنظر إلى اللاشيء بشرود، يقطعه صوت آدم. آدم: عاملة إيه دلوقتي؟ تلتفت إليه بوجه يخلو من أية مشاعر. أسيل بخفوت: بخير. ليعم الصمت المكان لفترة، كلا منهما لا يجد ما يبدأ به حديثه، لكن اتخذت هي قرارها بالحديث أولاً. أسيل: ممكن بقى أعرف أسبابك، ولا برضو مش دلوقتي؟ آدم: أسبابي؟ أسيل: اللي خلتك تنتقم مني؟ آدم وقد اكتسى البرود ملامحه: ببساطة، أخوكي قتل مراتي.
لتنتابها هستيريا ضحك استمرت لفترة، لم يقطعها سوى صراخه بها أن تتوقف. أسيل بتهكم: آسفة... بس انت مصدق اللي بتقوله ده؟ أيمن يقتل مراتي؟ انت بتهزر؟ آدم: شايفة إنه موضوع أهزر فيه... ده اللي حصل. عارف إنك اتفاجئتي من اللي سمعتيه، لكن دي هي الحقيقة. أسيل بجدية: انت بجد مصدق اللي بتقوله ده عن أخوك وصديق عمرك؟ آدم بحدة: صديق عمري ده طعني في ضهري بدم بارد.
أسيل بحدة: ده اللي انت فاكره، لكن أنا مستحيل أصدق الخرافات دي على أخويا. زيها زي غيرها وإنه مدمن وبيتاجر في المخدرات. على العموم، مهما قلت فأخويا في نظرك غلطان ومجرم. ها، حققت انتقامك خلاص؟ دمرتني وارتحت؟ سيبني في حالي بقى... طلقني. آدم: نجوم السما أقربلك. أنا هسيبك بس تقضي كام يوم عند الدادة جميلة في بيتها وهعين حراسة عليكي، واعرفي إن عيني مش هتغيب عنك، فاياكي تفكري تلعبي بديلك وتهربي مني.
ليلقي آخر كلماته تلك على مسامعها ويهم بمغادرة الغرفة، ويتركها تبكي حسرة على حبها وثقتها به. تمر الأيام وتقضي أسيل فترة أسبوعين كاملين بمنزل جميلة بعد خروجها من المشفى، فيما تستمر الدادة جميلة في محاولاتها لإخراجها من حالة الصمت التي اتخذتها بعد علمها بقرار آدم بعدم تركها حتى بعد انتقامه منها. وفي نفس الوقت تباشر جميلة عملها في رعاية آدم بقصره يومياً. ليطلبها أحد الأيام في غرفة مكتبه.
آدم: وصلي لأسيل إنها تجهز نفسها للرجوع خلال الأسبوع ده. يكفيها أسبوعين يغير مزاجها فيهم. جميلة: عشان خاطري يا ابني سيبها فترة كمان. البنت حالها متغيرش كتير من ساعة ما طلعت من المستشفى. دي يدوبك رجعت تاكل وجباتها بانتظام. آدم بإصرار: كفاية الفترة اللي فاتت. بكرة ترجع القصر.
فلقد اكتفى من بعدها كل هذه الفترة. يذهب يومياً إلى منزل الدادة لرؤيتها، تقف في الشرفة كل يوم بنفس الموعد ليروي عطشه برؤيته لها. اشتاق لها، يكاد يموت شوقاً لرؤيتها أمامه دون حواجز. جميلة بغضب: كفاية اللي بتعمله فيها. هي ملهاش ذنب في اللي حصل مع أخوها واللي أصلاً ملوش أي أساس من الصحة. أنا مرضتش أتكلم وأفضح اللي ستره ربنا، لكن الساكت عن الحق شيطان أخرس. فكفاية أوي كده، وخصوصاً إني شايف بنت بتتظلم من غير ذنب.
آدم بتعجب: قصدك إيه بكلامك ده؟ وبعدين عرفتي إزاي موضوع أخوها؟ جميلة بثبات: هي قالتلي سبب انتقامك منها، وده اللي هيخليني أحكيلك اللي حصل يوم موت ملك هانم، واللي هيوضح سوء ظنك في الأستاذ أيمن. لينظر لها بذهول قبل أن تباشر هي بسرد ما سمعته صدفة أثناء زيارة أيمن شقيق أسيل لملك زوجة آدم صبيحة يوم وفاتها. **فلاش باك**
نرى أيمن جالس في ردهة القصر بانتظار نزول ملك لمحادثتها بأمر هام، وهو ما دعاه للقدوم دون إخبار صديقه آدم، لتقابله هي مرحبة به وبعينها تساؤل عن سبب زيارته تلك. أيمن بجدية: أكيد بتسألي إيه سبب الزيارة دي، خصوصاً إني عارف إن آدم مش موجود. لتومئ هي بالموافقة ليردف. أيمن: انتي عارفة علاقتي بآدم قوية قد إيه... أنا بعتبره أخويا ومش مجرد صاحب، عشان كده مستحيل أشوف حد بيخدعه وبيطعنه في ظهره وأقف أتفرج. لتبتلع هي ريقها بصعوبة.
أيمن: خصوصاً إذا كان الشخص ده قريب لدرجة إنه مستحيل يتوقع أي أذية منه. يعم الصمت المكان قليلاً ليباشر هو حديثه. أيمن بتهديد: أنا عرفت بعلاقتك مع معتز وخيانتك لآدم، وعارف كمان شغل معتز في الممنوعات وإنه عايز يورط آدم معاه. زيارتي ليكي النهاردة مش عشان أحذرك أو أساومك على حاجة، لأ...
أنا خلاص قررت إني هقول لآدم عنكم ومش هسمح إنه يتطعن في ظهره أكتر من كده. لكن جيت أحذرك عشان متتورطيش مع معتز أكتر في الشغل اللي زي الزفت ده. أنا مش هنسى إننا في يوم من الأيام كنا أصحاب أنا وانتي وآدم، حتى قبل جوازكم، ومش أنا اللي أخون أصحابي. لتتصدم هي مما سمعته وتترجاه أن لا يخبر آدم بأمرهما حتى تخبره هي بنفسها، فيعطيها فرصة ليومين فقط على أمل أن تعترف لآدم وتطلب مغفرته.
لكن لم يمض يوماً واحد وكانت هي جثة هامدة، تلحقها وفاة أيمن ليختفي سر وفاتهم معه. **نهاية الفلاش باك**
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!