الفصل 35 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
22
كلمة
36,207
وقت القراءة
182 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18
"وبين أنا وأنت قصة وحبل وصال دام، كنت أعتقد بأنه لم يدوم، رحلت فنسيت، فشردت، فبقيت وحيدة فوجدتك، عدت، وما أن عدت عاد قلبي إليك مرة أخرى!" يتذكر هو سعادتها البالغة فقط بنجاح العملية. لم تكف عن إرداف الحديث المتلثم والحزين والسعيد بآن واحد. لا ينكر بأنه تفاجأ بردة فعلها، حتى أنه اعتقد بأن ذلك الرد منها مبالغ به. ولكنه يعود في كل مرة يشفق على حالها ويتذكر ما تكنه تجاه والدتها جيدًا. سعد الجميع من الأساس بخروجها من العملية حية ترزق وفقط. حتى أن انتهت جلستهما أمس برحيل كل منهم إلى شقته. وحتى هي التي أخذته وأسندته إلى شقته. كلما تتذكر بأنها عروس ولم تقضي وقتها كذلك، تحزن. ولكن سعادتها بما حدث أمس جعلتها تأخذ خطوة في محاولتها لبدء حياتها جيدًا بسبب حديثه لها. حتى أنها لاحظت إسناده لها وعدم ضغطها، وهي الٱخرى ترى بأنه يصبر عليها ويسندها، بل ويتجنبها بهذا الموضوع تحديدًا بسبب حديثها التي أدرفته له وقت انهيارها. وعلى الرغم من أنه قد تهاون وتخطى قولها، ولكنه بقى بعيدًا إلى أن تهدأ وتسكن وتعي ماذا تردف هي دون وعي منها. تجاهل كل ما حدث كما تجاهلت، ولكنها لاحظت بقاء كلماتها في ذاكرته كي تنتبه لذلك دون قول أو فعل أي شيء يدل على ذلك منه. ينتهي كل ذلك بكونه بجانبها وهي بجانبه. في كل مرة تحاول أن تبدأ من جديد تأتي عقبة وتقلب الحال بينهما وحتى بين الجميع. ولكنها عقدت العزم على أن تراضيه رغم كونه هادئ حاني عليها عكس قسوة الأيام والوقت الذي يمر. تنتهي كل مرة باستسلامها له كونها تعلم بأنها لم ترى مثله ولم تجد مثله من الأساس. ورغم ضغط الأيام ولكن قربه منها وتخفيف الضغط من عليها كان الٱهون. حتى بوقتهما أمس بعد كل ذلك اليوم المشحون بالتوتر والخوف والإرتباك والبكاء والسعادة والحزن والمشاعر المختلطة. خرج من شروده عندما خرجت من المرحاض ثم توجهت لتجلس على المقعد أمام المرآه تمشط خصلاتها دون الإنتباه بأنه قد استيقظ من الأساس فقد تأخر الوقت وعندما فاق أولاً كانت هي نائمة. هي الٱخرى تشرد بين وقت والٱخر بأمر ما لا تعلم بكيف ستفاتحه به. ولكن ما حدث جعلها تفكر بقوة عن قبل. التفتت "نيروز" برأسها تنظر إليه بعدما انتفضت بخفوت ما أن سمعت صوت أنفاسه بسعاله الخفيف. رفع يديه يمسح وجهه مع إزاحته لخصلاته إلى الخلف وهو يزيح من عليه الغطاء ببطء مع نصفه العلوي المكشوف الذي تعمد عدم ارتداءه لشئ بسبب جرحه الذي يشعر بسخونته ما أن ارتدى ملابس قطنية. ابتسمت له بخفة ثم قالت بلين وهي تطالعه: "صباح الخير!" اعتدل "غسان" يسير بخفة قبل أن تنهض لتسنده بل أشار لها بالتوقف ومن ثم أجابها "غسان" بابتسامة هادئة: "ده صباح النور..إيه النشاط ده كله؟ قومتي قبلي وروقتي نفسك وظبطي الدنيا!" ابتسمت "نيروز" له بخجل طفيف ثم اعتدلت بوقفتها وهي تقف أمامه. فرفع "غسان" كفه يزيح خصلاتها المبللة إلى الخلف. ثم أشارت له بعينيها بخفة ناحية الشرفة المغلقة قليلاً. ثم قالت: "وكمان عملت فطار. حسيت إننا ولا كأننا متجوزين وملحقناش نقعد في شقتنا اصلا. ومعملتش فطار خالص إنت اللي كنت عملت. فقررت اقعد النهاردة هنا على ما يجي خبر إنها فاقت فنروح زي ما هي موصية. عايزني أعملك غدا إيه بقا؟" توسعت بسمته بعبث حتى أنه طالعها باعجاب وهو يجيبها: "ست بيت شاطرة يعني يا رزقه!!!" "عندك شك؟" "ولا أي شك فالدنيا. ست بيت وست الناس وست قلبي كمان. بس أنا مش عايزك تجهدي نفسك اليومين دول. خليكي مرتاحة شوية على ما تكوني أحسن ونفسيتك أحسن وبعد كده أطبخي زي ما تحبي الايام جاية كتير!!!" علم بأنها تريد أن تشعره بالسعادة الذي لم يراها معها بشكلها هذا. لذا تحاول جاهدة أن تسعد وتوفق بين حياتها وبين حزنها. ابتسمت له بإطمئنان. ثم قالت له بتوضيح كي لا يحمل هما: "لا أنا مش بضغط نفسي. ده اللي للمفروض يبقا عادي. وأنا بصراحة مش عايزة كل شوية ننزل ناكل تحت ونتعب مامتك. عالاقل كام مرة هنا ومرة هناك!!!" جلس على الأريكة التي خلفه بتعب. ثم طالعها بهدوء. إلى أن جلست بجانبه. وهي تسمعه يجيبها بسخرية: "والله أنا معنديش مانع..بس حامد مش هيوافق على كده وأنا أهو وإنت أهو!!" لم يعطيها فرصة بأن تفهم قوله. بل غمز لها سريعًا وهو يحرك نظراته عليها من أعلاها لأسفلها وهي جالسة مرددًا بمرواغة لها: "بس مالك حلوة النهاردة كده ليه يعني!!!" شاكسها "غسان" بمرح. فضحكت بخفة وهي توكزه بكتفيه مرددة له: "أنا حلوه علطول يا بن البدري. وبعدين أنا حلوه عشان معاك. المهم تكون إنت مبسوط ومتكونش مضغوط بسببي. أنا عارفه إن اليومين اللي فاتوا كانوا صعبين وضغطك معايا أوي!!" حدجها بحدة وهو يحرك عينيه بمكان ٱخر مرددًا بنفاذ صبر من حديثها: "جينا بقا للكلام اللي ملوش أي تلاتين لازمه. إحنا مش إتكلمنا فالموضوع وانتهينا وقولتلك إنك مش ضغطاني ولا حتى حمل عليا. ودا أمر واقع عشان ده طبيعي انا جوزك وإنت مراتي وهي دي حياتنا. ولو هي دي الحياة ومعاكي إنتي فـ انا راضي!!" انتهت بوقفته وهي كذلك عندما دخلا معا الشرفة. ابتسمت له بتأثر تزامناً مع جلوسهما. فرددت هي تخفف عنه بمرح وتلقائية: "ماشي خلاص متتدايقش أوي كده.. مكنوش كلمتين بتفك معاك بيهم يابن البدري. هتبقى عال!!!" غمزت له "نيروز" بمرح وهي تتناول معه الطعام. فرد لها "غسان" الغمزة سريعًا حتى تبدل حاله بقوله المرح العبثي: "وهنجيب عيال!!" تنفست بعمق هذه المرة وهي تفكر جيدًا بذلك الوضع. خاصة بأن احتمال بأن تحمل دون عوائق قوية. فقد تاركة الأمر دون أن تضع خطط لذلك. اندمج في الطعام وتناوله. فوجدها شاردة من جديد. عقد "غسان" ما بين حاجبيه وهو يسألها بترقب: "سرحتي فـ أيه كده؟" وجدتها "نيروز"، اللحظه المناسبه رغم خوفها منه ولكنها ستبوح له من ما يجري بداخلها. ابتلعت ريقها وحتى الطعام الذي يوجد بفمها ثم ابتسمت له بتردد. وهي ترجع عن تفكيرها ثم قالت: "لا مفيش عادي. كل كويس إنت علشان تاخد المسكن!!" تلقائيًا رفع هو. عينيه نحو عينيها التي تدور ومن ثم نحو يديها التي تكورها وتقوم بفكها بتوتر. تبرع في إخفاءه هذه اللحظه ولكنه لاحظ إرتباكها عندما وجدته يدقق النظر بها. بل ووجد التردد بمحاولتها لفتح الحوار ولكن تغلق فمها مره ٱخرى. تصنع "غسان" عدم الاهتمام كي يجعلها تشعر بأنها مشتته فتأتي له بالحديث. كانت طريقته خبيثه عكس بأن لا يلح عليها بأن نتحدث رغم انه يعلم بأنها تخفي شئ عليه. صمت ولم يجيب حتى علي حثها له على أخذ الدواء. بين لحظات والأخرى وهو. يرفع عينيه خلسة لها وهي تحرك نظراتها المترددة ناحيته وحتى ناحية جرح جانبة ونصفه العلوي المكشوف. أوشكت على أن تقع في خطته عندما هتفت بإسمه مردده: "غسان!" أبطئ في حركة رأسه وهو يهمهم لها بانتظار. فوجدها ترجع مره أخرى بحديثها عندما حاولت التغير والبعد مرددة له: "كنت بقولك يعني قوم إلبس حاجه بدل ما تاخد برد!!" "البلكونه متقفله متخافيش. في حاجه ولا ايه؟" سألها "غسان" بٱخر حديثه باهتمام وانتظار مره أخرى. فوجدها تنفي سريعًا باندفاع: "لأ مفيش!!" تيقن بأنها وقعت بشباكه عندما هزمت ترددها ونظر نحو طيفها في الدورق الزجاجي الذي عكس صورتها وهي تغمض عينيها مردده باندفاع مره أخرى تقتل التردد: "اه فيه!!" تنهد "غسان" يخرج أنفاسه وهو يرفع عينيه ثم. ابتسم لها برفق، مرددًا لها بنبرة هادئة لينة: "طب قولي في إيه.. سامعك!" اعتدلت تجلس بخوف، بعدما رأت جديته ولكنها تشجعت ثم قالت له تستشف ردة قبل أن تتحدث: "كنت عاوزة أقولك حاجة.. بس مش ضامنة تتفهم الوضع للآخر وترجع تاخد موقف وجنبي أنا ومش حمل كل ده!" ابتسامة صغيرة مطمئنة زينت محياه وهو يحرك رأسه لها باطمئنان، ثم اعتدل بجلسته وهو يجيبها بهدوء واهتمام: "لا قولي وأنا سامعك للآخر، متخافيش!" ابتلعت "نيروز" ريقها بصعوبة، عليها من ما هو آتٍ ثم بدأت في الحديث وهي تردد مبدئيًا له مع عينيها التي ثبتتها ناحية بنيته الداكنة: "عايزة أقولك على موضوع الحمل والخلفة والأطفال، كنت عايزة أتفق معاك إننا نأجل الموضوع ده شوية عشان حاسة إني مش مهيأة نفسيًا لكده وكمان خـ..." كان يستبعد من الأساس فتح ذلك الحوار، لطالما يردد عليها دائمًا رغبته في الإنجاب! تفاجأ من قولها في بدايته حتى قاطع آخر جملتها بثقة جامدة مندفعة: "خايفة" أكمل سريعًا، يؤكد حديثه وحديثها: "علشان خايفة مش كده! وها إيه كمان؟" ابتلعت "نيروز" ريقها بخوف وتردد مرة أخرى وهي تحاول الثبات، حتى استجمعت قوتها في إرداف الحديث ثم أجابته أخيرًا بيأس من شعورها: "أيوة علشان خايفة، ودي مش حاجة تخليك تتضايق من كده، أنا فعلاً حاسة إني مش هبقى جاهزة لده دلوقتي وكمان خايفة زي ما قولت، خايفة مأكونش قد المسؤولية دي وخايفة أتوجع فيهم لو جم، مبقتش ضامنة حاجة، ولا حتى ضامنة وجود حسن وشرة ممكن يوصل لحد فين، أنا خايفة من حاجات كتير أوي فالمستقبل، وبقولك ده عشان دي حياتنا وبنشاركها سوا!" تهجمت ملامحه وحاول بقدر الإمكان بألا ينفذ صبره، ولكنه نظر لها بسخرية ثم قال بتبجح: "آه وإنتي بقا رايحة تولدي الصبح! ولا شايفة نفسك هتصحي تلاقي نفسك حامل بكرة مثلاً! إنتي فاهمة إنتي بتقولي إيه؟ بتقولي إنك خايفة ورجعتي قولتي إنك خايفة من حسن، فاللي هو بقا نوقف حياتنا عشان سعادة البي حسن ممكن يأذي ولادنا اللي لسه مجوش ولا باين لهم وجود أصلاً، ده منطقي ده يعني. لو شيفاه منطقي قوليلي وردي عليا بمبرر تاني اقتنع بيه غير إنك غير مهيأة نفسيًا، أصلك محسساني إنك داخلة على حمل علطول مش مثلاً متجوزين بقالنا كام يوم!!!!!!" صمت "غسان" يأخذ أنفاسه من حديثه المندفع ثم واصل سريعًا يكمل: "أصلك بردو خايفة من بكرة ومن المستقبل اللي حطاله كام ألف خطة وحساب، معندكيش مثلاً يقين إنك تسبيها لله؟ خلاص متأكدة مليون في المية إنك هتحملي، ما يمكن حد فينا مبيخلفش، يمكن ربنا مش رايد الخلفه، أو حتى رايدها فوقت وبعد كده خلاص مش هتطوليها، إحنا لسه لقينا ولا شوفنا حياتنا عشان تقرري بالسرعة دي!!!!" تسمع منه الحديث الجامد، تجمعت الدموع بمقلتيها، وهي ترفع عينيها تسمع حديثه الصحيح، تعلم بأنه صحيح وتعلم أكثر بعدما وضح لها بهجوم، ولكن نفسيتها وتفكيرها بضغط هذه الأيام جعلها مشتتة مضغوطة، صمتت تسمع توبيخه لها بعد اليقين والصبر بل وعدم الاهتمام والخوف! خرجت من شرودها وهي تجيبه بهدوء مختنق: "أنا بفكر لقدام مقولتلكش إني مش عايزة أخلف منك عشان كل الكلام ده!" وقف "غسان" باندفاع، وهو يضغط على فكه بإنفعال مكتوم، مرددًا بيأس منها: "بردو مش فاهمة أنا أقصد إيه، أنا مبقتش فاهمك يا نيروز، بس الظاهر كده إنك مبقتيش تقدري تقعدي ثانية واحدة من غير ما تضغطي نفسك وتجهديها على الفاضي حتى بتفكيرك بس!!!" وأكمل بعدها دون أخذ فرصة للتوقف: "تفكيرك اللي وداكي لمكان بعيد وحاجة مش بإيدينا أصلاً، واللي أنا متأكد لو حصل هتلاقي نفسك بتغيري تفكيرك ده خالص للعكس، مش هقعد كل شوية أقولك فكري قبل ما تقولي الحاجة وتقرريها، ورجعالي تقولي خايفة بعد ما خلاص بقينا مع بعض فبيت واحد وبقيتي مراتي، يعني حتى القرار الأهبل اللي ملوش ملامح ده مش قرارك لوحدك!!!" انتهى من حديثه عندما وجدها تقف بخواء هي الأخرى، رفعت عينيها ناحيته فوجدته يزيح المقعد كي يخرج من الشرفة وقبل أن يلتفت تعمد بأن يظهر اللين في جملته التي كانت عكس ذلك حينما قال: "هي أول مرة أسمع فيها الحوار ده وبقت آخر مرة، وحد تالت بينا يعرف حاجة زي دي لأ!!!!" صمت ثم واصل مجددًا بجدية بالغة: "سمعاني ولا أعيدلك تاني، أنا مستعد أفهمك لحد بكرة عادي طالما مخك على قدك كده!!" رغم كون حديثه هادئ وقد تعمد اللين في قوله رغم سخريته، ولكنها انتبهت إلى تحذيره المبطن الغير ظاهر، وجدت نفسها تحرك رأسها موافقة بصمت هادئ جدًا، إلى أن أمسكت دورق المياه وهي تسقي الزرع بعدما سمحت لهبوط دمعتها على خدها، تتشتت والآن لا تعلم من الخطأ ومن على صواب ولكنها في كل مرة لم تستطع التوضيح له فينتهي بها الأمر بأنها التي على خطأ!!!!! ابتعد عنها كي لا ينفعل عليها وكي لا يضغطها، تبحث عن العقبات والمشاكل بنفسها. هكذا سأل نفسه وهو يرتدي سترته البيضاء الفوقية بغير اهتمام. وسرعان ما شعر بحركتها خلفه وهي تعقد خصلاتها بصمت. إنحنى يحمل هاتفه كي يرى الساعة. يعلم هو بأنهم سيذهبون بعد قليل في الأسفل حيث ميعاد حكم المحكمة على "سليم وشريف". بالأساس استيقظ متأخراً من نومة كما كانت هي من قبله. سمع الإثنان صوت جرس المنزل. فاعتدل هو يقاطع سيرها مشيراً لها بأنه من سيفتح الباب. رغم إن بيجامتها كانت طويلة تخفيها ولكن خصلاتها كانت مكشوفة. فاختصر هو السير وخرج يفتح الباب. وما أن فتحه وجد "والده" يدخل بإندفاع وهو يتفحصه بنظراته مردداً بتساؤل: "إيه اللي حصلك يبني أنا لسه عارف حالا ومحدش قالي لما جيت إمبارح بليل!!!" صدق فقد أتى متأخر من الخارج وعندما أتى نام. ومن ثم بعدما استيقظ لم يقول له أحد عن الذي حدث إلا عندما استعد للصعود له فأخبروه كي لا ينصعق ما أن يراه. خرج "غسان" من أحضانه وهو يطمئنه بهدوء: "أنا كويس يا حامد متقلقش!!" نظر "حامد" إليه بلهفة ثم إلى كفه وحتى ميلانه بطريقة ليست ملحوظة بسبب جرحه. أخذ أنفاسه بعدما حبس. ثم انتبه هو على خروجها له وهي تبتسم له بهدوء. فتوجه هو ببطء يفرد ذراعيه لها بحنو وهو يردد لها بلين: "إزيك يا حبيبتي وحشتيني!!" "وإنت كمان يا عمو. أنا عارفه إننا تاعبينك وإنت قاعد كل المده دي فالمستشفى....!!!" وقبل أن تسترسل حدّثها "حامد" بلوم سريع أمام نظرات "غسان" المتوجهة لهم حينما سمع قول والده: "في حد يقول لأبوه كده بردو؟ بتزعليني منك ليه؟ دا أنا طالع أقولك متعمليش حسابك علي غدا علشان الغدا تحت النهارده!!" لم تستطع الرفض بل فهمت هي قول "غسان" لها قبل قليل. ابتسمت له بإمتنان. فحرك عينيه بعشوائية إلى أن ثبتها بغرابة وهو يطالع الٱخر مردداً له بمرح: "مالك ياض واقف مبحلق كده ليه؟" خرجت ضحكة "غسان" وهو يقترب ثم قال له بتبجح يجيبه: "لا أبداً، بشوفك وانت ماسك مراتي وواخدها بالاحضان وعشمك واخدك أوي وأنا بغير يا حامد!!" علم بأنه يردها له. ضحك الاثنان تحت بسمة "نيروز". فنظر "حامد" ناحيتها وهو يهتف بثقة وتأييد: "حقك تغير ياض. ده إنت معاك واحدة جميلة بردو. ربنا يسعدكم وتنجزوا كده وتجبولي حفيد!!!!" عند ذلك القول تقابلت عينيه مع عينيها. حركت نظراتها سريعاً تهرب من عينيه التي تلومها. فرد هو على حديث "حامد" بخفة: "من عيني يا حامد. من بكرة الصبح يبقي عندك أحسن حفيد!!" ضحك "والده" بخفة وصوت ضحكاته تعلو. في حين سمعه يسأله بسخرية وهو يقول: "قولي بقا عايزه شبه مين؟ وعليه واحد هدية ولا لأ؟!" حدّجه "حامد" بملل من خفته ثم اعتدل يجلي حنجرته وهو يردد بثقة موزّعاً أنظاره بينهما: "هو اللي يجيبه ربنا حلو وكل حاجة. بس أنا عاوزه شبه أمك ياض. واه واحد هدية. هاتهم توأم مرة واحدة وريح دماغك!!". أشار "غسان" علي عينيه بمرح تزامناً مع قوله وهو يضحك: "من عيني. شبه أمي يعني شبهي يعني. قولها بقا بعد إذن كرامتك. اصل كده كده أنا وأمي أحلى منك. ولا إيه يا رزة !!!" قالها بٱخر حديثه كي يعلن لها بطريقته الماكرة بأن ما لا تريده الٱن الكل يريده. نظرت له "نيروز" سريعاً ثم حركت رأسها نفياً بتحدي وهي تنظر نحو "حامد" ثم قالت: "بس مفيهاش حاجة لو جه بردو زي عمو. عالاقل ممكن يطلع زيه فطيبته وحنيته وتفهمه وعقله مش زي ناس!!!" ترسل له الحديث هي الأخرى بالطريقة الماكرة الذي استخدمها هو. في الأصل يعلم بأنها غير هينة لتصمت كذلك. ولكنه استشعر مدى ندمها السريع في التفكير بأمر كهذا. لذا ضحك ضحكة بابتسامة صفراء على جانب شفتيه. في حين هلل "حامد" وهو يقبل قمة رأسها برفق: "دا إنت كده حبيبة أبوكي وبنتي رسمي!!!" اتسعت بسمتها وهي تحرك أنظارها بعيداً عن الٱخر بكيد طفيف كونها ردت له ما فعله. اعتدل "غسان" بوقفته ثم أنصت باهتمام لحديث "حامد" الموضح لهم: "طب يلا ننزل نقعد تحت. على ما هم يمشوا يروحوا المحكمة ويرجعوا. بدر لسه قاعد هناك فالمستشفى وحازم رجع معايا إمبارح بليل علفكرة عشان ياخدهم ويمشي دلوقتي زي ما إنتوا عارفين الحكم النهارده وأنا حسيته مش حابب حد يروح معاه غير اخواته وأمه وعز وأهله عشان موضوع شريف ده. وبصراحة حسيت إنه حقه لأنه موضوع صعب عليه وحساس. الله يعينه. هو عارف إني واقف جنبه. وقالي إنك كلمته يا غسان بس هو قال خليكم هنا مع ياسمين لحد ما يرجعوا. فتعالي يا نيروز تحت معاها بقا!!!" تتفهم ذلك الوضع المعقد. في حين يعلم "غسان" رأي الٱخر في ذلك. لذا اعتدل يأخذ أنفاسه بقلة حيلة ثم حرك رأسه موافقاً لحديثه. دخلت "نيروز" ترتدي ملابسها. بينما جلس "حامد" في الصالة بأريحية بجانبه حتى نظر له بخوف مخفي ثم سأله بترقب: "وإنت ناوي تعمل إيه؟" "اعمل ايه فـ إيه؟" حدّجه "حامد" بتشكك يعلم بأنه لم يتهاون بحقه لما فعله "حسن" لذا يهاب هذه النقطة وبشدة كي لا يفقده هذه المرة نهائياً. اجابه. "فـ حسن يا غسان وإنت فاهمني كويس!" قالها بجمود، فحرك كتفيه ببساطة، كبرى. ثم ردد بنفس البساطة: "مش هعمل حاجة في حاجة!" علم بأنه يرواغ في الحديث، فقلبه الآخر لموضوع آخر حيث قال بمحاصرة: "طب واللي حصل مع أخوك ده إيه؟ وأمك بتقولي إنك بترد عليهم على قد الكلمة كده تحت ومن تحت ضرسك، معندكش حل وسط أبداً؟ كده ياما علينا ياما عليها!" زفر "غسان" بصوت مسموع وهو يحرك أنظاره بعشوائية، ثم قال يجيبه: "مبتكلمش من تحت ضرسي ولا حاجة، كل الحكاية إني مزاجي مش أحسن حاجة. وبعدين أنا نازلكم أهو وجاي أقعد معاكم هاخد جنب من أمي إزاي؟" "وأخوك!!!!" "ولما إنت عارف الحكاية كلها جاي تيجي عليا أنا وتكلمني ليه؟ أهو من ساعة اللي عمله بسام وأنا مش ملاحق كلام منها قاعدة بتلف بيه وبتدور عليا عشان بس قال جملته اللي قلبت الحال بينا تاني، جاي ليه تعاتبني؟!" تهجمت ملامحه بطريقة ملحوظة، فتنفس "حامد" بصوت مسموع، يعلم بأنه مضغوط وقد أخطأ الآخر بحقه: "إنت عارف بسام وكلام بسام وقت عصبيته، ومقالش كده من فراغ. قال كده عشان بيخاف عليك. مكنش قصده بدخلة مراتك علينا غير فعلاً، لما هي دخلت حياتك بقيت بتدخل نفسك في مشاكل ملهاش حل. ده قصده مش قصده إنها دخلت حياتك دمرتها ودمرتنا. أديك شايف المعاملة بينا وبينها، محدش فينا هيجي عليها فيوم وإنت عارف كده كويس. والبعيد عن ده كله ومش عاوزك تفهمني غلط فيها إن أخوك المفروض يبقى أبقى من مراتك، يعني على الأقل تحاول تفهمه بكلامه بس مش القصد التاني. وده ميمنعش إنه اختار وقت غلط بس برضه إنت غلطان عشان كنت هتودي نفسك في داهية لولا هو لحقك. قارن كده وشوف لما مراتك وإحنا نشوفك متكلبش في السجن كده هتبقى مرتاح ومريح مراتك ومريحنا معاك؟ ولا لما تفهم كلام أخوك وتقدره وفنفس الوقت تعاتبه عشان الوقت مش مناسب؟!" كاد أن يسترسل في حديثه ولكن كان الرد من "غسان" ولدة كلمة واحدة قطع بها كل ذلك بطريقته في إنهاء الحوار كي لا يصل لها: "تمام ماشي!" قالها كي يراضيه ويريح عقله وعقل والده من كثرة الحديث الذي يضغطه هو في كل مرة، لذا حدجه "حامد" بغيظ من طريقته، وسرعان ما وقف "غسان" يشير له بأنه سيدخل كي يعجلها. سار بخطوات بطيئة هادئة إلى أن دق الغرفة دقة واحدة فسمع هو صوت "والدته" الساخر منه: "لا محترم ياض!!!" أشار له "غسان" بزهو، وبعد دقة دقة واحدة فتح هو الباب دون إذن، فتعالت ضحكات "حامد" بخفة عليه. وما أن دخل حرك "غسان" أنظاره على الغرفة باهتمام، فوجدها تقف مستندة بأحد الأركان على الحائط ممسكة برأسها تداهم دوار رأسها بسبب دور الإعياء التي تجاهلته. وما أن وقعت عينيه عليها وهي كذلك وعندما شعر بعدم توازنها، هتف بلهفة وصوت مرتفع: "نـ ـيروز!!!" وبعد هذه الكلمة كانت يديه تساندها بلهفة وخوف، بعدما ضمت عينيها بتعب، ثم فتحتها مرة أخرى. نهض "حامد" سريعاً أثر نبرة والده المرتفعة، في حين أسندها "غسان" بنفس اللهفة وهو يسألها باهتمام: "مالك حصل إيه؟" وجد "والده" يتنحنح بحنجرته فأشار له بالدخول فدخل بلهفة كبرى عليها، تزامناً مع ردها عليه كي تطمئنه: "مفيش أنا كويسة. حسيت بس إني دايخة والدنيا بتلف بيا. وكمان جسمي بيوجعني وهبطانة أوي!!!" كل ذلك لم يكن سوى من دور الإعياء وفقط. تلقائياً رفع "غسان" كفه قبل كف والده ليضعه على جبهتها، وزاد خوفه عندما شهق شهقة مكتومة بداخله وهو يردد بصدمة: "ده إنتي سخنة أوي!!" إعتدل "حامد" يضع كفه عليها، بينما تشعر بالحرج هي. إعتدل بوقفته سريعاً وهو يخرج هاتفه مردداً لهم تزامناً مع خروجه للصالة بقوله السريع: "طيب أستنى أقول لبسام، ويطلع بعد ما يشوفلك علاج مناسب ليكي!" تركه يخرج يحدثه بلهفته، بينما جلس هو بجانبها بتعب من حالها، ثم مسد على خصلاتها الذي شعر هو بسخونة رأسها وفروتها. لاحظ عينيها اللامعة ولم تكن لامعة سوى من درجة حرارتها التي ترتفع تدريجياً. فقبل ذلك لم ينتبه هو لذلك. أخرج أنفاسه بإرهاق وهو يسألها باهتمام: "حاسة بالتعب ده من امته؟" "مش فاكرة!" قالتها باختصار، وقد لاحظ إقتضاب ردها عليه، لذا نهض بعد دقائق من الصمت يجلب حجابها الذي كان ينقص ملابسها ثم أشار لها بأن تعتدل وهو يلبسها إياه مردداً بسخرية منها: "الحجاب اللي بتنسيه ومفكراه حاجة تبع المزاج!!" قصد أمس، رغم كونه متعب ولكنه انتبه ولم يتحدث إليها بسيب ما كانت هي به. علمت ما يلمح له لذا نفضت يديه بخفوت وهي تجيب: "مكنتش أقصد عقلي مكنش فيا!" "طب لفيه حلو عشان ميقعش تاني، وإفتكري يعني إنك كده على طول سواء عقلك فيكي أو مش فيكي. وده حرام يا بنت الأكرمي قبل إني بغيرة ومش بقرون ماشي؟!!!" قصد أن يستفزها بأسلوبه بعد أن رأى ما تفعله معه. حدجته بملل وعينيها المرهقة تظهر له بشدة، ولكنها لم تفوت فرصتها فالرد عندما ردت له قوله بقول ساخر: "وإنت ماشاء الله عليك أوي بتعمل كل حاجة حلال وفايق على طول وواخد بالك!" حرك "غسان" كتفيه ببساطة ثم قال: "هو مش ده الطبيعي لواحد مسلم بالغ عاقل ناضج، مش أهبل في مخي زيك!" لو كانت بوضع غير وضعها ذلك لهاجمته أكثر من هجومها الآتي. تعلم بأنه يلمح لها بطبيعة تفكيرها. رفعت إصبعها تهاجمه بتعب ظهر على ملامحها وهي تهتف: "أنا مش هبلة في مخي، أنا أعقل منك ومن عشرة زيك، إنت اللي متخلف!" قالتها ببطء عندما استرسلت في الحديث دون راحة بدوارها هذا. نظر لها بغيظ من سبها له، فانحنى مقترباً منها حتى رفعت عينيها تطالعه بإنهاك وهي تسمعه يجيب بنبرة منخفضة يحذرها: "هتعقلي في يومك ده ولا مش هتعقلي؟" استشعرت تهديده اللين المخيف بنفس الوقت. إبتلعت ريقها وهي تغمض عينيها مرة أخرى بتعب، ثم قالت بإندفاع: "ولو معقلتش!" ضغط "غسان" على فكه متحلياً بالصبر ثم ابتسم لها بإستفزاز، مردداً بثبات لها ومازال منحنياً: "نعقلك بمعرفتي!" دفعته وهي تحاول الوقوف بعناد رغماً عنها ثم قالت بهجوم من بروده: "إنت بني آدم مستفز ومعندكش ريحة الدم!" دفعها "غسان" بيديه برفق من كتفيها كي تندفع إلى الخلف فجلست باندفاع من عدم محاولتها للصمود بسبب إنهاكها. نظرت له "نيروز" بغيظ. فإعتدل هو يجيبها بهدوء شديد: "بلاش تغلطي كتير عشان متزعليش مني، وإعقلي عشان صبري عليكي قرب يخلص. قولنالك أقعدي على ما نشوفلك علاج، متفرهديش في نفسك وفيا بقى!" تهاجم وتعاند دون رفق بسبب ما فعله معها من عدم صبر. هاجمته بنظراتها المعاتبة التي عادت حزينة من طبيعة نبرته الذي قصد بها الجفاء عليها. حرك عينيه ناحية باب الغرفة ما أن سمع صوت دقات عليه وهو مفتوح. حدجها بعينيه بتحذير، وسرعان ما حثهم قائلاً بنبرة مرتفعة بعد أن علم أن شقيقه قد صعد: "إدخلوا!" دخل "حامد" و"بسام" بخطوات متوسطة. فنظر "بسام" ناحيتها وهي تعتدل بحرج من وجودهم بغرفة نومهما. إعتدلت كي تقف، فأشار لها كي تجلس مردداً بخفة ومرح: "ولما هتقفي مين هيكشف على مين يعني!" تأخذ منه موقف بطبيعتها غير المتهاونة. لن ولن تنسى أنه وضعها تحت ضغط آخر في حين كان حزنها على والدتها بالغ. إبتلعت ريقها وهي تتنهد ثم قالت له بعفوية بالغة: "أنا كويسة، مش عاوزاك تكشف عليا. شكراً والحمد للـ..." وقبل أن تكمل، وجد عين "غسان" تترصد لها بتحذير لم تراه من قبل. إعتدلت تجلس سريعاً، في حين هتف "حامد" بمرح ليخفي ما فعلته: "السخونية يا حبيبتي بتعمل أكتر من كده. معلش!" قصد إردافها لحديث غير متوافق مع الوضع. لا يعلم هو بأن الآخر قد انتبه لفعلتها الخبيثة. استعد "بسام" بحرج لفحصها بضغطها وحرارتها مع حقيبته الملائمة وبحقيبة علاج أخرى جلبها من الأسفل. أراحت ظهرها على الأريكة، في حين قد فحصها هو. ولم تتحرك عينيها من على عيني "غسان" المهتمة والمتوعدة بآن واحد. انتهى بعد دقائق بسيطة عندما طمأنهم بلين وهو يقول: "درجة حرارتها عالية بس شوية، فمخليه جسمها همدان. بس هي تاخد خافض للحرارة والبرشام ده وهتبقي كويسة. بس لازم تاخديه من غير إهمال عشان متناميش فالسرير بسبب الدور ده!" حركت رأسها بتكلفة له وهي تبتسم، ثم تلاشت بسمتها سريعاً ما أن وجدت "بسام" يعتدل وهو يستعد للحديث عندما بدأ بأسف: "وعاوز أتأسفلك على اللي سمعتيه مني إمبارح. مكنش قصدي اللي سمعتيه بالظبط. كل اللي كان شاغلني هو خوفي على غسان!" حركت عينيها ناحية "غسان" الصامت ونحو "حامد" المبتسم. فردت عليه بنبرة هادئة: "حصل خير. شكراً على تعبك!" كان قولها لين، وهو وحده من يعلم بأنها لم تتهاون بعد. نظر "غسان" ناحيته بإمتنان لما فعله الآن لها وصعوده. في حين تحدث "حامد" بلطف: "إحنا هنا عيلة يا بنتي ومش عايزين إن حد يكون شايل من التاني. ومع الوقت هتعرفي إن قلوبهم هنا بيضا، معندناش حد وحش أبداً. ربنا يصلح لكم الحال!" طالعته بتوتر خفي من علمه لما تكنه إلى الآن. لكن ظهرت ابتسامتها الهادئة اللينة له وهي تقول: "أنا خلاص مش زعلانة. اللي حصل حصل وعدا خلاص. وإنه إتأسف وفهم بعد كده دي عندي كبيرة. عكس ناس معينة مش بتفهم ولا بتدي فرصة للواحد يعبر عن تفكيره، وحتى مفيش أسف منهم ولا تقدير للوضع!" كان حديثها غير طبيعي في آخره، بل وتقوم بالتلميح له وهو واقف بينهم. تحركت عيني "بسام" و"حامد" ناحيته وهو يقف صامت ساكن. وعندما حدجها بقوة وثبات، علموا بأن الحديث له. تعالت ضحكات "حامد" رغماً، فكبت "بسام" ضحكته بأعجوبة. في حين عقد "غسان" حاجبيه أمام والده وشقيقه بغرابة زائفة وهو يسألهم: "في حاجه بتضحك ولا إيه؟" شعرت بأنها قد أخذت حقها منه في الحديث عندما وضعته بموضع كهذا. لا تعلم بأنه يدخر لها. حرك "حامد" رأسه نفياً، ثم قال: "لا افتكرت حاجه كده!" "افتكرت إيه يا بابا؟" كان الأخير قول "بسام" بمرح وهو يكبت ضحكاته. فسحبه "والده" من ذراعه وهو يستند عليه في طريقهما للخارج تزامناً مع رده: "لا دي حاجه بيني وبينك بقا، تعالي احكيهالك علي رواقه!" قصد تركهما مع بعضهما. بل وفعل ذلك هو وولده للتخفيف من حدة الأجواء التي فعلها ملامح "غسان" الجامدة. وعندما سمع صوت إغلاق باب الشقة بعد قول والده المرتفع بأنه ينتظرهما في الأسفل، إلتفت برأسه بعد سكون المكان ثم قال بحدة لها: "عاجبك اللي عملتيه ده؟ بتستخفي دمك صح؟" وجدت الجدية البالغة بأخذه موقف من ما فعلته به. إبتلعت ريقها بترقب ولم تستطع إجابته، بل كادت أن تلتفت لتختفي من أمامه. ولكنه هتف مجدداً بنبرة قوية لها خرجت بحدة وهو يقاطع سيرها: "ردي عليا. ولما أكون بكلمك متمشيش وتسيبيني!" رفعت "نيروز" عينيها تطالع عينيه التي بدت جافة. ثم همست بنبرة هادئة ساكنة تنفي ما قاله: "أنا ممشيتش وسيبتك. أنا واقفة و معلمتش حاجه تخليك متصعب عليا كده!" طالعها من أخمص قدميها لرأسها بتهكم جاد. إلى أن وجدها تشير له بيديها بهجوم: "وبعدين متبصليش كده. إنت اللي بدأت كل ده الأول. حتى لما قولتلك انا خايفه من رد فعلك، قولتلي متخافيش وفالآخر قومت وسيبتني بعد ما رديت عليا ردك اللي غلطان فيا بيه، وأنا مكنتش بعمل حاجه غير إني بفكر بصوت عالي معاك.. بس الظاهر كده إنك مبتتفاهمش ومعندكش مخ، مش أنا اللي معنديش مخ زي ما بتقـ..." بتر الحديث عندما وجدته يمسك معصمها بقوة، فتأوت بوجع وهي تسمعه يردد بإنفعال من بين مسكته يحذرها: "أنا مش قولتلك بلاش تشوحي بإيدك دي قدامي بعد كده؟" صمت ينظر إلى ملامحها التي تبدلت للخوف المكتوم من انفعاله. ثم انتفضت ما أن وجدته يردد بنبرة أكثر ارتفاعاً: "قـــولت ولا مقـــولتش؟!" يأدبها وهي التي لم تسمح بذلك. حاولت أن تفصل يديها عن مسكه لها بهذه الطريقة. ثم هزت رأسها نفياً وهي على مشارف البكاء مع قولها الذي خرج بتحشرج وإلى الآن تهاجم! "سيب إيدي، متتمسكنيش كده أنا مش حيوانة عندك!" "ولا أنا أهبل وبريالة عشان تتعاملي معايا بالأسلوب ده قدامهم. قولتلك مشاكلنا بينا، عايزه تلقحي قولهالي في وشي وبلاش جو النكد اللي مش دوغري ده!" نفض يديها عقب قوله وهو يطالعها بغضب، فأمسكت يديها بتأوٍّ وهي تجيبه بحديث معتاد: "والله لو أنا نكدية كده فأنا أمشي وأنزل وأسيبك طالما شايفني كده!" علم بأنها تستفزه وحتى لم تقدر على فعلها، تصنع "غسان" عدم الاهتمام وهو يشير لها برأسه بتبجح، ثم رد عليها بوقاحة، بالنسبة لها: "ما تمشي، النسيان جميل والنسوان كتير، بالسلامة يلا!" فتحت عينيها على وسعها منه، فوجدته يبتسم بعدها بسخرية، لاذعه وهو يردد لنفسه آخذاً هاتفه ليضعه بجيب بنطاله: "قالولي النكد هيجيلك بدري، قولتلهم لا، وكان عندهم حق والله، أنا ماشي وسايبهالك أنا!" نظر خلسة على الدواء التي أخذته، وإن لم تأخذه لظل بجانبها، لاحظ صدمتها به، فتعمد تصنع عدم الاهتمام وهي يستعد كي يخرج من الغرفة، وقف على فجأة ثم نظر ناحيتها مردداً مرة أخرى وكأن شئ لم يحدث: "وأه، متتأخريش عشان زي ما حامد قالك الغدا تحت، فـ يلا قدامي!" لا يعلم بماذا يتحدث ولا هي، ضغطت على أسنانها بضغط، وهي تنتشل حقيبة الدواء معها كي تأخذها معها في الأسفل بأنفعال، ثم تخطته وقد تعمدت أن تصطدم في كتفيه فتأوَّت عندما إصطدمت في جرح جانبه وسرعان ما إصطدمت رأسها في الدولاب تزامناً مع خروجها فتعرقلت في المفرش المفروش أرضاً، وأنقذتها يديه سريعاً وهو يتوجه بلهفة كي لا تقع أرضاً بسبب عدم توازنها هذا، وبخفة أصبحت في أحضانه بسبب مسكه لها مع تأوُّه من دفعها له، فتحدث هو سريعاً بغيظ: "هنقضيها شغل عيال إحنا، ما تتظبطي!" دفعته عنها بشراسة، ثم قالت له بهجوم وإندفاع: "لو سمحت إبعد كده!" يتحملها إلى كثير، لذا أعتدل بحزم بعدما وقفت بطريقة صحيحة، أشار لها بعينيه بنبرة وحديث جاد: "بصي.. أنا مستحملك من ساعتها بشغل العيال بتاعك ده، وإنتي مصرة تخرجي عصبيتي عليكي ومبتمليش، فـ إهدي ومشي يومك معايا، وإقتنعي إنك غلطانة بهدوء، من أول كلامك اللي أنا مصبرتش عليه، عشان لو كنت صبرت كنت هستنى منك إيه؟ حبوب منع الحمل؟ إنتي عرفتي إني مش موافق وإن لسه بدري على القرار ده، وإن القرار مش قرارك لوحدك و وقولتلك الحوار خلص وميتفتحش وسكتي، ورجعتي تتكلمي تاني، حتى بإسلوبك مع أخويا اللي إهتم وعبر وجه عشانك وعشان تعبك، قولتيليله مش عاوزاك تكشف عليا وحرجتيه وأنا واقف وسكت، ولقحتي وأنا واقف وسكت، وبعد كده كان شغل عيال منك وسكت، عاوزه توصيني معاكي لأيه؟ ردي!" "مقولتلكش إنه قرار وخدته أنا بس بفكر ولما سمعت وجهة نظرك سكت معاندتش، اللي عاندت قصاده هي طريقتك، وبالنسبة للي قولته لأخوك فـ ده مش إحراج، أنا مقولتش حاجه تزعله وتزعلك اوي كده ورجعت وقولت حصل خير، ومبوصلكش لحاجه يا غسان أنا برد وبلاقي منك رد بردو وكله عدى زي ما قولت شغل عيال، عشان هي ممكن تعدي جد وأنزل فعلاً وأمشي كلامي!" تعكر الحديث دون راحة، رفع شفتيه بخفة مع خروج صوت معترض منه خشن، ثم رد عليها بعدها بإعتراض وسخرية: "تمشي كلامك على مين بروح أمك.. بقولك.. عدي يومك.. يا نيروز ومش هكررها تاني.. يــلا!" لم يترك لها الفرصة بل توجه بعدها ناحية باب الشقة، فاتجهت هي من بعده بصمت، منه ومن طريقته وحتى فعلته المتبجحة لها، تعلم بأنها خطأ ولم تفعل كل ذلك إلا عندما علمت بأنه هو الآخر مخطئ ولم يتأسف كما لم تتأسف هي، عقلان صلبان بشخصيتان أحدهما يود الهدوء مع الوضوح دون تخطي الحدود والٱخرى تريد الوضوح دون الاعتراف بالخطأ والتفكير! أما فالأسفل كانت الثلاث شقق مفتوحة أمام بعضها، ما بين خروج "حازم" مع "ياسمين" لخروج "وردة" من شقة والدتها مع "يامن"، وبين وقوف "جميلة" منتظرة بجانب "عايدة"، وقفت "ياسمين" بتعب عندما تركها "حازم" وهو ينظر نحو "حامد" و"دلال" مردداً بلين لهم مع "وردة": "والله ما محتاج حاجة غير بس تخلي بالكم منها على ما نيجي، أصل شكلها تعبان!" حدقته "ياسمين" بضيق من خوفه الزائد ورغم تعبها ولكنها تكابر، رد عليه "حامد" وزوجته بلطف كما كانت "وردة" في حين التفت "حازم" يسأل "جميلة" باهتمام، فقد اطمأن على حالة "فريدة" قبل ولكن لاحظ غيابها الٱن.. بالطبع علم كل ما حدث من شقيقه ودناءته! "أومال فريدة فين؟ لسه مخلصتش!" حركت رأسها نفياً وكادت أن توضح، فلاحظا خروجهما من المصعد كما لاحظ الكل خروجهما، وقفت "نيروز" مع الفتيات في حين سحب "غسان" "حازم" بركن بعيد وهو يقف معه حتى بدأ بالحديث هو وهو يردد له بلطف: "مش هتسيبني بردو أكون معاك عشان لو إحتاجت حاجة!" "لا يا عم العيال، خليك جنبهم هنا.. أنا مبقتش ضامن حسن ولا اللي ممكن يعمله، ومبيجيش غير وأنا مش موجود فخليك معاهم هبقى مطمن، مش هنتأخر إن شاء الله!" أومأ له بتفهم، ثم هتف سريعاً يعلمه تزامناً مع فتح باب شقة "زينات": "ماشي في رعاية الله، وعز كلمني وقالي إنه سبق هناك!" حرك "حازم" رأسه له بتفهم، وسرعان ما توجه ليسند "فريدة" بساقها المجروحة، وبدأ كل منهم بالهبوط في المصعد والبعض الٱخر على السلم، والغريب بأن "زينات" هبطتت معهم والكل يعلم بأنها ستذهب معهم هي الأخرى كونها أحد أفراد العائلة، خلى السلم ودخل الشباب، كما دخلت "وردة"، وتركت "يامن" مع "نيروز"، وهي تداعبه فأخذه منها "غسان" برفق، ثم قال لها بجدية يشير لها: "أدخلي!" قلبت عينيها بملل من لهجته الآمرة، دخلت من بعده ثم أغلقت الباب خلفها، دخلت المطبخ سريعا لـ "دلال" التي دخلت من قبلها، حاولت أن تساعدها مع "وردة"، وبقت "ياسمين" جالسة بركن ٱخر بعيد فالصالة ممسكة بهاتفها، في حين جلس "غسان" في الخارج مع "شادي" و"بسام" و"حامد"، لاحظ كبتهم لضحكاتهم وبالٱخر "شادي" الذي غمز له قائلاً بمرح: "إيه يا عريس متنكد عليك ولا إيه؟" حرك رأسه بغير اهتمام وهو يشير له بيديه مردداً بسخرية: "بلا عريس بلا بتاع.. إسكت!" "سامعة تلقيح وجاي فيه أختي بطريقة مش مباشرة!" قالتها "ياسمين" من على بعد بثبات، تدخلت بالحديث بجرأة، ولم تجد سوى رد "غسان" المستفز لها: "وإنتي مالك!" فتحت فمها بصدمة من وقاحته، في حين حدجه "حامد" بقوة وهو يضربه في كتفيه بتعنيف تحت ضحكات "بسام" و"شادي" القوية، وجدها تقف وهي تتوجه لهم حتى وقفت ترد عليه بهجوم: "مالي عشان أختي، ولا إنت ناسي ده!" "هي أختك عملالك عمل عشان تتصدريلها كده علطول؟ تعالي شوفي هي عاملة فيا إيه!" قالها "غسان" بمرح وخفة، حتى نظرت له "ياسمين" وهي تردد بإستفزاز يثير حنقه: "تعمل اللي هي عايزاه براحتها!" أشارت له بتبجح، ثم ابتسمت بإتساع، وهو تنظر نحو "حامد" قائلة: "ولا إيه يا عمو!" "طبعاً يا قلب عمو، براحتها!" كان الحوار مرح لحد كبير لذا تعالت ضحكتها بخفة. معهم جميعًا. تأوّهت بألم أسفل معدتها من ضحكتها، فأشار لها "بسام" قائلاً بلباقة: "أقعدي عشان الوقفة مش كويسة عليكي!" ابتسمت له "ياسمين" بحرج ثم بامتنان، وهي تردد بعدما توجهت لتجلس: "يا بخت اللي إنت من بختها يا دكتور، شكلك هادي وعاقل مش طالع زي أخوك!" ضرب "غسان" كفًا بكف بقلة حيلة من رغبتها في افتعال أي اعتراض، تزامناً مع قوله المتحلي بالصبر: "يا مصبر الوحش على الجحش!" وأكمل سريعاً وهو يتركهم ليتوجه نحو الداخل: "أنا قايم!" تخطاهم وهو يتوجه ناحية المطبخ تحت نظراتهم الضاحكة. وعندما اقترب منها وهي جالسة، ومع سيره بجانبها وهو يتخطاها، سمعها ترد عليه بنبرة منخفضة: "أكيد إنت الجحش يعني!" صُدم من قولها والتفت يحذرها بعينيه، ثم عاد بطريقة إلى الداخل وتركها كي لا يتقابل أمامها بتحدٍ. خاصة أنه يعلم بأنها لم تصمت ولم تكف عن المهاجمة وهي في بيته. رغم كون الأمر مرحاً، ولكنه تغاضى. دخل على قول "نيروز" المهتمة وهي تقوم بقطع الطماطم على السلطة: "وبعد كده إيه اللي حصل يا طنط؟" قالتها باهتمام وترقب مع ملامح "وردة"، التي كانت من نفس ملامحها المهتمة. فأكملت "دلال" القصة وهي تفتح الفرن تخرج منه صينية الفراخ: "وبعد كده يا ستي بقينا نشيل من قدامه أي فروالة سواء عصير أو أكل، وعشان بسام بيحبها أوي وكل مرة كان ياكل منها ويديله كان بيجيله حساسية يا كبدي، ونروح المستشفى في نص الليالي بسببه وسبب أخوه. والمرة اللي حذرنا فيها قرايبنا دول ميدوش لـ 'غسان' عصير، راح قالهم إنه بسام وعطوه. فجم قالولي إنهم إدوه مرتين. أنا بقى قولت لا إزاي؟ بسام ميعملش كده، مش هو طفس بس مش للدرجادي. أتاري المرتين أصلاً راحوا لغسان والتاني يحبه عيني مكنش شرب ولا داق منه، وفي الآخر بردو رست على مستشفيات وعلاج. طول عمره مغلبني معاه كده، ربنا يهديه!" تسرد عليهم بقية القصة وأصلها وكأنه طفل صغير مدلل بالنسبة لها. خرجت ضحكات "وردة" بخفة مع ضحكات "نيروز" وهي ترد من بينها: "وإنتي الصادقة يا طنط ولسه بيغلب، مش فاهمة أنا دماغه متركبة إزاي، عندك حل؟" قالتها بمرح، وهو يقف مبتسماً على حافة باب المطبخ يتابع قول "دلال" الهادئ لها وهي تعتدل تضع يديها برفق على ظهرها: "معلش يا حبيبتي، هو ابني وكل حاجة ومقدرش أعيب فيه، بس بردو إنتي زي بنتي وبقولك إن مش كل حاجة سهلة كده. في الأول أكيد مهما عرفتوا بعض، ففكرة إنكم تعيشوا مع بعض وتشاركوا مع بعض نفس الحياة والأيام دي مش سهلة ومحتاجة وقت تفهمي اللي معاكي أكتر. أما عن 'غسان' فأنا اللي بقولك عمرك ما هتلاقي في لين قلبه وطيبته وحنيته. اسأليني أنا، دا أهبل وغلبان، أغلب واحد فيهم هنا. انتي بس مش عارفة تضحكي عليه!" ضحكن الثلاثة عقب قولها، فدخل هو بخطواته إلى الداخل وهو يلوم والدته بخفة مردداً بنبرة ضاحكة: "تضحك على مين يا أم غسان، بقا بذمتك حد يعرف يضحك على ابنك بردو!" سعدت من رجوع اللين في نبرته وحديثه معها، لذا ضحكت بشدة وهي تضربه بخفة ثم أشارت بعينيها ناحية "نيروز" وهي تقول: "هي واحدة بس اللي عرفت تضحك عليك وعلى قلبك يا حبيب أمك!" اعتدلت "وردة" وهي تبتسم بلطف، حتى أشارت هي الأخرى تؤكد له: "قصدها روز وكده!" خرجت عقب قولها من المطبخ تحت بسمة "غسان" الواسعة، والذي هز رأسه وهو يضع ذراعه على كتف والدته والآخر على كتف "نيروز" مؤكداً بحديثه: "عندك حق في دي يا أم غسان، مراتي بقا وبحبها نقول إيه! ولا تنكري إن حامد مقالكش إنك إنتي كمان عرفتي تضحكي عليه وعلى قلبه ووقعتيه!" أشارت له "دلال" بقلة حيلة وهي تلتفت تكمل ما تفعله تزامناً مع قولها: "يووه يخويا دا مبيطلش يقول، ما إنت طالعله مش سهل وبتاع كلام متزوق يوقع الواحد في ثانيتين!!!" اعتلت نبرة "نيروز" وهي تدعم بقوة: "فـ دي إنتي صح يا طنط، راجل نصاب وبلفلي دماغي في دقيقة هو!" تعالت ضحكاتهم معاً عندما دخل "بسام" المطبخ هو الآخر، فاعتدلت "دلال" ترد عليهما بحنو: "ربنا يسعدكم يا حبايبي ويجعل أيامكم كلها فرح، وأشوف أحفادي كده يتنططوا حواليا!" نظرت لها "نيروز" بحرج، فدعم "بسام" القول بشدة وهو يأكل الخيار: "حصل.. أنا عاوز أبقى عم، وعيالك يا غسان يتلخبطوا بينا ويروحولي بدالك وعيالي يرحولك بدالي ونبوظ الدنيا ونلخبطهم!" ضحكوا عليه بخفة مع رد "غسان" الساخر له: "هو ده أقصى طموحك؟ تعذبهم بالشبه؟ إنت سايكو يالا!" "يخويا ما تيجي نجوزك الأول زيه ونبقى نشوف الموضوع ده!" قالتها "دلال" بتمني، فرد "بسام" بشرود وحديث مجهول: "إن شاء الله يا ماما.. قريب.. ادعيلي!" ترقب "غسان" قوله، حتى سمع قول "دلال" المتلهف له: "صحيح يا واد، في عروسة في بالك؟" حرك رأسه وهو يطالع "غسان" بتحدٍ ثم قال بخبث لها لم يعلمها هي: "وليه لا؟ ادعيلي، مش ممكن أجيلك في ثانية وأقولك عاوز أخطب!" نظرت "نيروز" نحو ملامح "غسان" الصامتة، وكأن الوضع تبدل. وقبل أن ترد "دلال" عليه، كان رد "غسان" الأقوى حينما قال بحزم: "إن شاء الله، لما نخرج من الظروف اللي إحنا فيها دي الأول!" قصدها وضع "نيروز" وتلميحاً لشقيقه بالعناد إلى الآن. طالعه "بسام" بنظرة إصرار لا يعلم الآخر كيف وصل لها مجدداً بهذه الجرأة، بل ولا يريده بأن يخوض نفس التجربة السابقة من الأساس. يقسم هو بأن يتعارك مع شقيقه حتى ولو بالأفكار! قاعة المحكمة الساعة الثانية ظهراً إلا بضع دقائق بتوقيت القاهرة: لا يعلم كيف صامد هو كي ينتظر كل ذلك، وكيف صمد كل ذلك من الأساس. كل منهم لم يرى من اسمه ما عاش به "حازم"! وكيف له بأن لا يحزم الأمور. الغصة المريرة في قلبه وقلب كل من "جميلة" و"فريدة"، وحتى "عايدة" ومن ثم "زينات" جالسين بجانب بعضهم. وكل من النظرات المترددة تتحول بين واحدة والأخرى. وأولهم كانت "فرح"، التي بان بعينيها الندم والقهر كلما تنظر ناحية "جميلة"، التي تتحاشى النظر إليها. يؤلمها قلبها لما فعلته لها رغماً عنها بضعفها كذلك. تنفس "حازم" بصوت وهو يستعد، وقبل أن يقف نظر ناحية عائلته. الكنز الثمين والذي ظل له. نظرات يخفي بها الخزي والعار والقهر. حينما أردف لهم بإهتزاز: "أنا عارف إنكم قدها. عاوزكم تجمدوا. ومتبقاش دي الحاجة اللي أثرت فيكم أوي بعد ما عدينا كل ده. ماشي؟" تتأثر "جميلة" في كل مرة. وكفها الآن بين كف "عز" الذي ساندها باحتوائه وهي بجانبه. يعلم بأنها تتأذى وتأذت بالفعل من جميع النواحي. نزلت دمعة "عايدة" بكسرة على نبرة ولدها وصموده. حتى الآن لم يظهر سقوطه. خذلانه. تخليه عنهن بالمسؤولية. هي الأخرى ترى به جبلاً شامخاً. وبنفس الوقت كان بركان ينصهر بداخله النار وتغلي بحرقة كبرى. حياته ليست عادلة ولم تستطع فعل شيء له كما لأشقائه. وأما عن "فريدة" فجلست بخواء. كلما يهاجم ذكرياتها لحظة اعتدائه عليها تتجاهلها كما أصرت على التجاهل في الوقت الذي مر. بكل ما كانت تسمعه من إيجابية. قرآن. أحاديث. تحثها على الصمود والصبر. ولم يتغير منظورها. ولكن كسرتها بما حدث تظل محفورة بها. والأصعب من كل ذلك بأنها فعل بها ذلك بسبب "والدها" التي لم تر منه عدل يوم ما. تقهر وشقيقتها تقهر ووالدة شقيقته تقهر وحتى والدتها هي تقهر. تقهر والقهر كان لم يعرف لها طريق. بل كانت هي أحد الأسباب الكبرى في يوم ما بأن أحدهم يشعر بشعور القهر ليس إلا. عقارب الساعة تمر. وكم من محام يرافع أمام ذلك الجبل الصامد "حازم". القضية الخاصة بـ "شريف" والتي رفعت لاثنان. ونظر لحالته المادية المعروفة في بلده. كان له من يدافع عنه الكثير. فقط بالأموال. رغم احتمالهم الضعيف جداً بخروجه منها ولكنه لم يكن يريد ذلك. كل ما كان يريده هو بقاء "سليم" بالسجن هو الآخر ويحدث ما يحدث بعد ذلك. إلى الآن لا يندم. إلى الآن ولو تُرك عليهم لبدأ بتدميرهم واحد تلو الآخر من جديد. الكل يتألم من جديد. وفي لحظة من اللحظات التي تمر وقعت عينيهم جميعاً على آية من آيات القرآن فوق منصة القضاء. "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل." العدل! العدل الذي حتماً سيحكم به رغم الوجع ورغم الألم. شهادة الشهود مرة أخرى. الكل. الجميع بأقوال وحديث وشهادة حق وأخرى من معرفة "حازم" والخاص بقضية شقيقته. وآخرون بمدافعتهم عن حق من ماتت مظلومة على يد مدافعة أحدهم بالزور. تنهض وتجلس وأخرى كذلك. إلى أن جلست "فريدة"، بعد حديثها بتعب. و"زينات" تنظر لها بكسرة كبرى. واضعة كفها على أيدي ابنتها التي كانت بين حين والآخر تتقابل عينيها مع عيني "شريف" في القفص الحديدي المعروف. تبتلع ريقها بخوف. ولا تعلم أي خوف. ولكن الشعور الآخر كان الاشمئزاز الممزوج بالخذلان عندما تنظر ناحية "سليم" هو الآخر. و"جميلة" التي كانت حالتها بائسة شديدة العجز. قلبها يقهر وتشعر بالحنو والشفقة لكثير. كلما تتذكر ما تسببه والدها تنهرها نفسها وتثبت على مبدأها بقولها "ليس أبي!". تحث نفسها بأنه قد مات وأنها يتيمة الأب. وإن لم تكن يتيمة الأب بالفعل فذلك بسبب "حازم" الذي لم يشعرها يوماً بالنقص. قتل بها أي شعور تجاهه. "عايدة" وما كان الشعور إلا لها التي تحملت إلى كثير. وتقسم للذي يرى غير ذلك. دموعها لم تهبط إلا على حالة أولادها وشفقتها عليهم. وبالأخرى حالة "فريدة" التي تعلم كما يعلم الجميع بأنها صعبة. وما مر عليها ليس بهذه السهولة. ولولا بأنها تتسم بالشراسة والصمود والعناد لما ظلت كذلك. سيضرب الفؤاد. ستظهر العدالة. سيشعر أحدهم بأنه أخذ حقه الآن. سيُرد الحق. لحظات انتشاء بما سيحكم به بعد قليل من الصمت في التشاور بين القضاة. وبعد جلوس الكل. دقيقة. إثنان. ثلاثة. والمتوقع للحكم بخبرة عمله كان "حازم" الذي ترقبت ملامحه بقوة كما الآخرين عندما سمع أول الحديث عالياً للحاضرين ثم منتصفه بـ: "حكمت المحكمة حضورياً على المتهم "شريف صالح عبد الرحمن الشرقاوي" بالمادة ٢٧٦ من قانون العقوبات بالسجن المؤبد أي المشدد لاعتـ....." يسترسل في الحديث بالقانون. سجن مشدد ومؤبد. أي لا يقل عن عشرون عاماً خلف القضبان. هكذا الحكم في قضايا الاغتصاب. شهقت "فريدة" بوجع وفرحة بآن واحد. وحينها جلس بجانبها "حازم"، الذي ضمها إلى صدره. كما كانت "جميلة" تتماسك باعجوبة تحت بكاء "زينات" هي الأخرى. وهبوط دموع "فرح" بتشتت وخذلان لكل ما حدث. وأما عن "عز"، فحفظ ملامح وجهه بالجدية عليهم والصرامة إلا هي وحدها عندما تعمد اللين وهو يحتويها بما ستسمعه خلال اللحظات الأخرى. ابتلع الجميع ريقه ببطء وترقب آخر عندما بدأ القاضي في التحدث عن القضية الأخرى الخاصة بـ "سليم". يتحدث ويتحدث إلا لحظة النطق بالحكم. وهنا كانت ملامح "شريف"، مستشفية. لم يؤثر به أي شيء سوى وفقة أخذ الحق الذي كان بيديه من البداية أن يأخذه كذلك دون أن يمس نفسه بسوء هو ومن حوله. القسوة في القول عليهم وخاصة أبناؤه عندما سمعوا الكلمات الجامدة الصارمة القاسية التي كسرت قلوبهم. وأحد القضاة يردد عالياً ويسترسل في الحديث الذي حكم به عليه: "وحكمت المحكمة حضورياً على المتهم "سليم محمد أحمد الأكرمي" بالسجن عشرة أعوام مع الـ....." عشرة أعوام. أقل ما يمكن حكمه لما فعله بل والتزوير الذي فعله يكفي لعشرة أعوام دون بقية دناءته. سقط قلب "جميلة"، وهي تضغط بيديها على كف "عز" الذي أخفى ألمه بغرز أظافرها بكفه بضغط. إلى أن جرح وسالت الدماء من بين كفه. ما فعلته من عزم قهرها لم تستطع التوضيح سوى بذلك. تسمع الوجع والألم لديه ولديهم ولم ولن تستطع فعل شيء. كما كانت حالة "فريدة" التي بكت بكاء يهشم القلب تهشيماً لمن يراه. و"حازم" الذي سمع كلمة رفعت الجلسة وينسحب بالفعل من حولهم. عدا هو وهو واقف ينظر على القفص من على بعد. يتردد في الذهاب ليقف يتحدث بكلمات أخيرة. ولكنه فعلها عندما سار بخواء. ونهض من خلفه من تبعه جميعاً. نظرات أعين قبل الرحيل مؤلمة. قاسية عليهم. كانت ملامح "سليم" باهته ورغم ذلك مازالت جامدة مهما ندم لم يظهر عليه. ابتسم بألم ممزوج بالسخرية وهو يلومه وكأنه لم يفعل شيئاً: "مبسوط يا متر! اللي كان في إيدك مليون طريقة تخرج أبوك منها بس محاولتش حتى عشانه!!!" كلماته كانت متبححة بالنسبة لوضعه الآن. أي لوم. طالعوه بلوم جميعاً. ولم تخلو نظراتهم من نظرات "شريف" بالأبيض الذي يرتديه مثل الآخر وهو يقف بجانبه يفصل بينهم حائط بسلك حديدي وفقط. هو الآخر نظراً لتوقع الشر منه بأن يقتله في أي لحظة. وهذا ما يعمل عليه. لم يعد لديه شيء يبقي عليه. رفع "حازم" عينيه التي تجمعت بها الدموع المكتومة والتي أبت أن تهبط وهو يجيبه بكسرة ظهرت لا محال في نبرته: "مكنش ينفع استخدم أي طريقة إنت استخدمتها قبل كده ووصلتك لحد هنا. مكنش ينفع أبيع ضميري وأخون حتى ولو علشانك. محاولتش عشان اللي عملته ميتحاولش عشانه." سكن وصمت بقهر. ثم واصل بهجوم. لا يعلم كيف خرج الآن. "ومحاولتش بردو عشان عمري ما شوفتك بتحاول علشاني!" نتيجة ما زرعه هو الآخر. لم يكن له الكثير ويصمت. لم يتعاف بعد. لم ينصدم "سليم" منه بل بقت ملامحه خالية من التعابير حتى وهو يسمعه يكمل قبل أن يرحل ويتركهم أمامه وحدهم. "هدعيلك يعدوا سهلين عليك ودا صدقني أقصى ما عندي..." وأشار له قبل أن تهبط الدموع. "مع السلامة!!" رحل وتركهم وسبقهم إلى الخارج رغم عجالة العسكري ولكنه بقى برشوة من "عز" التي ترجته "جميلة" بأن ينتظر. وقفت "فريدة" بجانب "جميلة" بنفس الكسرة. وعلى مقربة منهم كانت "عايدة" و"زينات"، منتظرين. "كان كل شوية عندي أسئلة كتير أوي نفسي أسألهالك وألومك بيها. كل مره كانت الأسئلة عشاني. بس هو سؤال واحد بس دلوقتي عشانك إنت. ليه؟ ليه عملت كده؟ لما كان ممكن كل حاجة تتصلح بينا من غير الماضي ده؟ نفسي أسامحك بس مش عارفه والله العظيم ما عارفه!!" قالت "جميلة" آخر حديثها بنبرة باكية. ويسندها "عز" من الناحية الأخرى وخلفها "عايدة". لم يستطع الجواب عليها سوى بكلمة واحدة نادمة، وبالأخص هي وشقيقتها. "أنا عارف إني جيت عليكي كتير يا جميلة. بس عارف بردو إنك مش هتعرفي تسامحيني. إمشي زي ما أخوكي مشى. أنا عارف إني مخلفتش وهبقى وحيد في الآخر. ولو عرفتي تسامحيني سامحيني يا بنتي." "أنا مش بنتك!!!!!!!" وباندفاع لا تعلمه أردفتها. يأس. يشعر باليأس والخيبة وحتى كلمات أسفه شعرت بفتورها. حركت رأسها نفياً بقلة حيلة وتشتت. ووجدت هي بعدها جملة "والدتها" المندفعة من خلفها له: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا شيخ. حسبي الله ونعم الوكيل!!" قالتها وهي تسحب "جميلة" بعيداً بعدة خطوات. في حين تعالت ضحكات "شريف" باستخفاف وهو يردد: "حضرة المحامي إنت محدش طايقك مش أنا لوحدي اللي كده. يا راجل دا أنت طلعت جاحد أوي. عارف إنت لو أعرف إنك مكفرهم في عيشتهم كده كان صعب عليا اللي حصل. بالذات مع فريدة!!" أبطأ في آخر جملته بالأخص ذكره باسمها. فاندفعت "فريدة" تصرخ به بانفعال باكي. "إخرس..إخرس يا حيوان يا حقير...شوفت أخرك فين؟ شوفت يا قذر؟" ابتسم ابتسامة صفراء وهو يحرك عينيه بملل. ثم أجابها بقسوة عليها. "أخري معروف يا بنت سليم. بس يا ترى أخرك بقا هيبقي على إيه؟ وإنتي بحالك ده؟ بالك إنتي لو أنا؟ هبقى دمي حامي ومش هقبل بواحدة زي كده. أما بقا لو الواحدة دي زيك فتستاهل الصراحة أرجع في كلمتي عشانها وأقبلها حتى ولو على..." صمت قاصداً قهرها. ثم أكمل سريعاً بوقاحة جعلت "عز" يندفع مردداً بانفعال بعد قوله. "حتى ولو على.. عيبها!!" "إسكت يا ***. إسكت. لسه باقيلك إيه تاني؟ لسه عايز يحصل إيه أكتر من كده رد؟" ابتسم "شريف" على حديثه بانتصار. ثم ردد بقوة عليه يوضح. "مبقتش عايز حاجة بعد ما خلاص وترت علاقتكم ببعض ودمرت أختك وحتى حبيبة القلب اللي سايبلها بصمة سودا مش هتنساها هي وأختها. مبقتش محتاج حاجة من الدنيا بعد سجن اللي ظلم أختي وقهر حياتي. لو محتاج حاجة واحدة بقوة لحد دلوقتي يا عز. وهبقى فرحان أوي لو حصلت وسمعتها هي إن يجيلي خبر موت أمك. ويا سلام لو ده حصل!!" حاول "عز" مسكه من خلف القضبان بانفعال وهو يسبه. وسرعان ما سحبته "فرح" و"جميلة" بعيداً. أما "فريدة" فبقت تطالع "سليم" بتقزز وهي تقول. "أنا عايزة أقولك قبل ما أمشي إني حاسة بالقرف. قرف إنك أبويا وإني بنت واحد زيك. ولو العالم كله كنت ظلمته وقرر يسامحك فأنا عمري ما هعملها وهبقي الوحيدة اللي كسرت القاعدة. سلام يا أستاذ سليم الاكرمي!!" لم تتردد أمي هي الأخرى كما فعلتها شقيقتها في السابق. يا لقسوة الوضع الذي يمر ببطء ونهايته كانت بقول "سليم" الساخر لـ "زينات" التي وقفت تطالعه بصمت بعد رحيل "فريدة" التي سندتها "عايدة". "معندكيش حاجة تقوليها يا زينات؟ عارفه ليه؟ عشان هتفضلي إنتي اللي شاركتني في كل قسوة وجمود عملتهم على غيري. حقيقة ومش هتتغير. ولو أنا وحش أوي بس لو مكان بنتك مش هسامحك بردو. هتعيشي وتموتي وحيدة!!" يندمها. يقهرها. ماذا يفعل هو الآخر؟ هبطت دموعها بحسرة وهي تردد بنبرة باكية وكأن وضعها ووضع "عايدة" قد عكس في ذلك الوقت. "عالأقل لسه قدامي وقت يا سليم. قدامي وقت أحاول فيه. لكن إنت خلاص!!" التفتت بعد جملتها تخرج بعد أن وجدت نفسها وحدها. حتى سمعت صوت ضحكة "شريف" الساخرة وهو يردد لـ "سليم" بإعجاب وجرأة لا تخلو من الوقاحة الظاهرة. "زوقك في الحريم يجنن يا سليم!!" وأضاف سريعاً بوقاحة شديدة قصد بأن تصل لمن وقفت بعد أن سمعت جملته. "حتى بنت اللي أنا ضيعتها.. أمها حلوه بردو زيها!!" جرأة ووقاحة لم تصدمها كونها هي الأخرى مازالت جريئة متبجحة رغم كل ما حدث. تشنجت ملامحها من حديثه على ابنتها. حتى التفتت "زينات" تهتف بنبرة حادة صادقة بتوعدها له من بين مسحها لدموعها بشدة. "لو كان المكان غير المكان. وكنت قدامي. كنت خدت حق بنتي بإيدي. كنت كلك بسناني." وواصلت بنظرات شرسة وحديث أوقح من وقحة كله حينما رددت ببطء بـ. "كنت هخليك متنفعش تاني!!!" جملتها الأخيرة أتت من شراستها. أتت الجملة بمنتصف جبهته. صدم من وقاحة امرأة مثلها ولكنه تذكر سب ابنتها له بأبشع الشتائم. عائلة قذرة إذن؟ وبها مختلف الأشكال والأنواع؟ ورغم غيظه ولأول مرة يؤثر به حديث أحدهم ولم تكن أحدهم سوى امرأة من وجهة نظره!! ضغط على فكه وهو يتصنع برسم ابتسامة لها ثم أرسل لها قبلة طائرة بوقاحة أخرى أصبحت معتادة. ولم يكن الرد منها سوى أنها اقتربت أمام القفص تبصق على وجهه. حتى أتى على وجهه ماء فمها مع رسم ملامح التقزز والإشمئزاز منها ومنه هو أيضاً. وهو يسمعها تردد بشراسة. "دا تمامك وتمام اللي جنبك!!" طالعتهم بشر قد عاد لها بعد فترة من الضعف. ثم أكملت "زينات" بتبجح وتشفي بأن واحد حينما ودعتهم قائلة. "سلام يا رد السجون!!" كانت هذه جملتها الأخيرة عندما بصقت عليهما معاً بجرأة ومن ثم انسحبت بعدها إلى الخارج. تاركة من لم يعاملهما بالعدل مع كتلة الشر. ومن ثم لمن سيكون البقاء!! فالخارج اجتمعوا معاً أمام السيارة. واخيراً استطاعت "فرح" أن تقف مع "جميلة" على بعد منهما مرة أخرى. لحظات من الصمت والبكاء أمام النظرات. نظرات موجوعة مع الجملة التي خرجت من "فرح" بعد صمت دام. "أنا آسفه!!" كلمتان أي تعتبر جملة. سهلة القول ولكن لم تفعل شيئاً. لم تعيد ما سبق من مر وتقوم بتحويله إلى سعادة ما! لم تغير الواقع الأليم. لم تكن هذه الفرصة مرة أخرى! ابتلعت "جميلة" ريقها بصعوبة. وكأنها التائهة بهذه اللحظة لم ترى سواه. تتلفت مثل الطفلة كي يقف بجانبها ويسندها بعدما أصبح السند هو الآخر لها. وقف على بعد يتركهما معاً. يتمناه بأن يصلح الحال بينهما رغم أنه لم يعطي هذه الفرصة لشقيقته ويقاطعها إلى الآن!! وسرعان ما وقف بجانبها وعقله يتشتت بين الاثنان. أخته. شقيقته. ومن يختارها قلبه عليهم جميعاً. وجدتْها تأخذ أنفاسها وهي تجيبها بقلة حيلة كبرى. ود لو يأخذ حروفها بمعناها، ومن ثم يحللها إلى كتاب. "عن أي خذلان نتحدث؟ ماذا عن خذلانها؟ خذلان حميلة!" "مش قادرة يا فرح، مش قادرة أعديها. ودي حاجة صعبة أوي على قلبي." كانت نبرتها الباكية شديدة. وهي تراه يحثها على التماسك بعينيه، ولكن خانتها دموعها وحديثها وهي تقول: "آسفة. آسفة صح؟ هترجع اللي فات؟ هتخلي علاقتنا زي الأول؟ طب هتغير اللي إنتي عملتيه؟ هتخفي كسرتي منك ومن أبويا؟ إنتي كسرتيني أوي يا فرح وأنا والله العظيم الدنيا كسراني بما فيه الكفاية!" آخر سبع كلمات بكل كسرة كبرى قد تواجهها من قبل. وعلى الرغم من قلة الحديث في هذه المواجهة، ولكن شعورها كان أصعب ما يكون. وجدتها تتوجه ناحيتها بلهفة وهي تترجى "عز" وتتراجاها ببكاء قائلة: "والله العظيم ما كان بإيدي. أنا لسه باقية، لسه باقية على اللي بينا يا جميلة. عشان خاطري اديني فرصة. ضياعك مني صعب صدقيني إنتي فارقة معايا أوي!" تمسكت بكف شقيقها وكف "جميلة". تترجاها، تود أن تسامحها وأن تغفر لها ما حدث، ولكن ما بقلبها حيلة. اعتدل "عز" وهو يفصل يديها من بين يدي "جميلة" لوجعه من هذه اللحظة. عزة نفسه تجبره على فصل شقيقته عن الأخرى حتى وإن كان يحبها. لن يقبل بأن تترجى أحدهم بمثل هذه الطريقة. ابتلع ريقه وهو يسمع "جميلة" تبتسم لها بألم كي تنسحب. وقبل أن تنسحب، رددت لها بمنتهى اللين: "محستش إني فارقة وطلعت مش فارقة. مش منك بس يا فرح. أنا مفرقتش مع حد في الدنيا دي غير "عز". "عز" أخوكي اللي بأمنك ما تعملي حاجة تبعديه عني بيها لأني مش هقدر!" فقدان الثقة ثم وماذا؟ ولم يعد شيء تفقده. وجدتها تكمل قبل أن تنسحب قائلة بوداع له ولها: "مع السلامة يا فرح. ومع السلامة يا عز." ثم أكملت سريعًا، تقطع التشتت الذي كان به في هذه اللحظة: "في اللحظة دي وجودك مع أختك هو اللي يفرق وهو الصح. مش هستناك تيجي ورايا. أنا بحبك وعشان كده فاهمة ومقدرة اللي إنت فيه ده. بس صدقني مينفعش تيجي ويا وتسيبها. بس ينفع تسيبني دلوقتي وتفضل معاها. هي معندهاش غيرك وأنا عندي عيلتي جنبي لحد ما تيجي بنفسك. توصلوا بالسلامة!" ابتسمت بوجع. وهو الذي وقف تائهاً. فقد كل شيء يعلمه ويوجهه أين الطريق. المقارنة صعبة وجاءت وهونتها هي عليه. في كل مرة تهونها بوجودها. وقفت "فرح" بيأس وخذلان جديد. هذه آخر مرة! كيف؟ كيف لها بأن ترفض وهي التي كانت تحاول بكل ذرة أمل لا تعلم كيف خلقت ولا كيف زرعت بها الآن! وجدته يمسك بكفها بخواء وسكون. سكون لكل ما حدث وهو يسحبها برفق دون نطق أي حرف، منتظراً سيارة أجرة. وعلى الجانب الآخر.. كان صمتهم عام. لم يتحدث ولم يتفوه أحد بشيء. الدموع التي تارة تهبط وتارة تتوقف كانت هي المتحدثة. بين أحضان "جميلة" و"عايدة" قبل أن تركب في الأمام وتتركها بين أحضان "فريدة" في الخلف. "فريدة" التي تتجاهل هي الأخرى مواساة والدتها إليها. وأما عنه هو.. فشعور أن الأركان قد ضاقت به كان الأقوى. حتى أنه صعب عليه أن يتنهد ويأخذ أنفاسه بصوت ومن دون صوت. ابتلع ريقه أصعب ما يكون. وللقسوة عليه والتي تشعره بالندم بأنه غير قادر على مواساة أي واحدة منهن. بل شرد بكل ألم مع بسمة السخرية عليه. وسؤاله بمتى اعتاد الراحة من الأساس! تأبى دموعه بالهبوط وحتى إنهياره. الشيء الوحيد الذي جاء على خاطره.. "هي". وعناقها. ورؤيتها وأحضانها واحتوائها. يود رؤيتها في هذه الثانية قبل الأخرى بأقرب وقت. يبدو أنني على حافة الانهيار. جملة معترضة يعلمها. لذا بدأ بأن يقود السيارة بأقصى سرعة ممكنة وعقله مغيب عن قول "والدته" الخائف المتكرر المتلهف وهي بجانبه ترى ضغطه وعروق يديه وتشنجات وجهه عندما نبست بخوف، ظهر للكل وله. حينها خرج أخيراً من شروده بكلماتها المتكررة عليه: "براحة ي بني!" *** تعلم وعلمت بأنه سيأتي. لذا انسحبت رغم تعبها من بينهم بعد تناول الغداء بقليل. وفي جلستهم مع بعضهم بحديث عشوائي، نهضت "ياسمين". وبيديها مفتاح شقة "عايدة". نظرت لهم مبستمة ثم قالت: "هستأذن أنا يا جماعة عشان حازم فاته جاي!" إنتبه لها البعض، خاصة "دلال" و"نيروز" و"وردة" التي نهضت هي الأخرى معها كي تذهب إلى شقة والدتها لوقت ثم تعود. إنتهت بخروجهم من باب الشقة. فبقت "نيروز" جالسة بمفردها توزع الأنظار خلسة عليه من على بعد وهو يهرب بنظراته منها كي لا يعبث رغماً عنه. تبتسم على خبثه التي باتت تعلمه. فاقت من شرودها على أيدي "دلال" الحانية وهي تشاكسها بقولها بعد أن رأت محط أنظارها بين دقيقة وأخرى: "للدرجادي بتحبيه أوي كده بعينيكي اللي فضحاكي في كل مكان دي؟" طالعتها "نيروز" بخجل وهي تبتسم. فوجدتها تمرح معها كي تخفف عنها توترها بما يخص والدتها إلى الآن! "يا ختي كان فيه جملة كده عمك حامد كان بيقولهالي علطول. كان اسمها إيه؟" صمتت تتذكر بمنظرها الخفيف المضحك. وسرعان ما تذكرت بسرعة وهي تردد بلهفة: "آه افتكرتها كانت "العاشق بتفتضح عينيه!" و أهو عينيكي فضحتك يا نيروز!" قالت جملتها بالعامية العربية وليست الفصحى. لذا ضحكت "نيروز" متحلية بالجرأة وهي تجيبها بخفة: "صح. يمكن تكون عيني فضحاني. جوزي بقا نعمل إيه؟ بس والله ساعات مبفهموش!" أعلنت عجزها رغماً عنها. وقد استشعرت "دلال" حيرتها. فربتت على ساقها باحتوائها وهي تحثها قائلة: "بكرة تفهموا بعض أوي. هي بس كل حاجة عايزة شوية وقت. حتى ولو بتحبوا بعض. وارد يحصل ده عادي. محدش بيسلم من المشاكل يا حبيبتي. ولا إنتي بقا. منكدة على ابني وأنا مش عارفة!" مرحت بآخر حديثها. فضحكت "نيروز" عليها. وجاءهم نبرته من أمامهم وهو يقف دون أن ينتبهوا له: "نكد إيه ي أم غسان؟ دي نسمة. خب تلاقي ودلع تلاقي. ومزاج رايق تلاقي. مش حارمة ابنك من حاجة أبداً!" كان من المفترض بأن يسخر بها. بينما ملامحه ونبرته ظهر بها الحب والصدق لوالدته كونه يعلم ما ستفعله بالكلمات ما إن تعلم بأن بينهما مشكلة ما. تنفست براحة. ومن منظره وحديثه حتى بعدما جلس بجانبهم. ومع نظرة "نيروز" الممتنة له. قصد عدم تقليلها وتعزيزها أمامهم. قصد رفع شأنها. أخرجت أنفاسها براحة وهي ترى أحضان والدته له بمرح وخفة وكأنه طفل صغير للتو. ولحنوه في هذه اللحظة كي لا يتركها تسأل نفسها وأين أحضان والدتي. فرد ذراعيه لها وهو يستند على والدته. فتوجهت هي بحرج تحتضنه وهي تستند عليه. وسرعان ما تأوت سريعاً من جرحه. فانتفضت قائلة بخوف: "أنا آسفة والله مخدتش بالي!" وبعدما جلس هو وهي معتدلة وهي بجانبه. فانحنى يهمس بخفة دون انتباه الآخرين له: "خدتي بالك فالمرة اللي قبلها يا قاسية!" نظرت له بتوتر. قربه الذي وسرعان ما اعتدل عندما وجد "دلال" تنهض ناحية المطبخ. ووسط انشغال والده وشقيقه و"شادي" بالحديث المرح مع بعضهم، وجده يطالعها بصمت. من ملامحها المرتبكة التي تخفيها بالخوف على والدتها، يشفق عليها في كل مرة رغم أنها تعكر الحديث والوضع بينهما. بل وكانت قد عقدت العزم على أن لا تضعه تحت ضغط. لذا سألته "نيروز" بترقب واهتمام تحاول إشغاله وإشغال نفسها: "هي وسام خرجت اتغدت ودخلت تاني بسرعة ليه؟ بقت بتختفي كتير وحاسة إنها زعلانة من حاجة!" يعلم بأن موعد امتحانها يقترب وقت عن وقت، ولكنه هو الآخر يلاحظ ذلك. كان سينهض من الأساس. حتى نهض برفق وهو ينظر لها. حتى أنه مد يديه يقدمها لها فوضعت كفها بكفه وهي تنهض هي الأخرى معه. علمت بأنه سيتجه لها في الداخل بغرفتها وهي معه. وقفا أمام الغرفة وبدأ هو في أن يدق الباب بخفة. وقد لاحظهما "بسام" الذي نهض خلفهم هو الآخر. فتح "غسان" الغرفة بعد أن دقها بخفة فوجدها تنتفض بسرعة ومن ثم وضعت هاتفها تخفيه وهي تزفر بارتياح. قد لاحظ هو فعلتها. فوجدته يقف وبجانبه "نيروز" التي ابتسمت لها بحنو وهي تسألها بخفة: "الحلو قاعد لوحده وواخد جنب ليه؟" من الطبيعي أن تجيبها بمرح وخفة مثلما سألت، ولكنها استشعرت نظرات "غسان" التي اخترقتها بقوة. من ما لاحظه دون الآخرين، وزعت عينيها بينهم هم الثلاثة خاصة عندما أمسك "بسام" أحد الكتب الخاصة بها وهو يطالعها. في حين أجابتهم هي سريعا وشعور الارتباك بها لا تعلم كيف، ولكن نظراته المتشككة نحوها تترصد: "مش واخدة جنب ولا حاجة، بس قاعدة بلم المنهج عشان الامتحانات زي ما انتي عارفة بتقرب والواحد متوتر أوي!" "متخافيش طالما بتعملي اللي عليكي يا ويسو!" كانت هذه جملة "بسام" الحانية لها وهو يضع يديه على خصلاتها برفق ومرح. في حين أيدته "نيروز" قائلة هي الأخرى: "صح، خليكي واثقة فنفسك وفقدراتك. وطالما عملتي اللي عليكي يبقي ربنا مش هيضيع ليكي تعب أبدا. وبعدين انتي الفنانة بتاعتنا خلاص، دا مسمياكي عندي ويسو الفنانة!" طالعتها بامتنان، فهي تخفف عنها رغم ضغطها وحملها الثقيل. تعمد "غسان" الصمت ليشعرها بالتوتر إذا كان ما بعقله صحيح أم خطأ. سيعرفها لطالما يعلم كل تفاصيلها. كان الحديث عشوائي عن المواد الدراسية والحصص وغيرها. وأما عنه فبقي ساكتا صامتا إلى أن لاحظ أحد الإشعارات المعلنة بقدوم رسائل كثيرة خلف بعضها على دقيقة واحدة. اعتدل بعدما سمعها تهتف بأنها ستخرج كي تتركها تذاكر بهدوء. حتى بدأت "نيروز" بالانسحاب بالفعل وبقي هو و"بسام" الذي قبل قمة رأسها بحب وهو يشاكسها مرددا: "شد حيلك يا كتكوتتنا علشان محدش هيزغرطلك غيري أنا وشادي لما تنجحي!" خرجت ضحكتها الخافتة وهي تغمز له. لاحظ هو سكون "غسان" المريب الذي وأخيرا قام برسم بسمة غير طبيعية عليه وهو يردد لها بنبرة شديدة الهدوء: "صح، اسمعي كلامه.. ولينا كلام مع بعض بعدين!" عقد "بسام" ما بين حاجبيه من طريقته الغربية واللينة بنفس ذات الوقت. في حين حركت رأسها بتوتر منه وهو يبتسم لها بهدوء. فأشار هو لـ "بسام" وهو يقول: "تعالى انت بقا عشان عاوزك بردو!" *** تحرك كل منهم إلى شقته. من "حازم" و"جميلة" و"عايدة" إلى "زينات" و"فريدة". كل منهم قد حان وقته للانفراد بوجعه من جديد. وخاصة هو "حازم" الذي وأخيرا دخل غرفته فوجدها جالسة بهدوء وسكون تنتظره هو وحده. أغلق الباب من خلفه ووقف للحظات قبل أن يلتفت ويطالع عينيها وينهار أمامها. ابتلع ريقه. والآن بين هذه الجدران الثلاثة والغرفة التي شهدت الكثير، ستشهد الأحزان القوية التي ستخرج. وكأن العالم أجمع يقسم على الوقوف ضده وضيق الأركان عليه. لوهلة يشعر بأنه محكوم عليه بالحبس خلف القضبان. وهذه المرة لم تكن القضبان حديدية بل قضبان من ألم، وجع، خذلان، خسارة. نعم كانت خسارة عليه من جميع النواحي التي يمكن بأن ينظر منها ولها وعليها. يعقد لسانه كما يتوقف عقله عن التفكير. لم يفكر ولم يشعر سوى بشيء واحد فقط. كما لو أن الحديد ينصهر الآن والبركان ينفجر. عندما أولاها ظهره ولم يلتفت إلى الآن، بل وضع ذراعه على الباب وأسند رأسه عليه بخيبة. وقد خرجت شهقته بألم ووجع. يسأل من يراه: "كيف لمثل هذه الشهقات بأن تخرج من رجل؟" بل ورجل مثله هو الذي عاش متحملا أعباء كثيرة. لم يسمع هتافها باسمه وهو يستند بكل ذلك الضعف. لم يفكر سوى بتشتته وندمه الذي بدأ يظهر. "لفلي، عمري ما هوقعك ولا هتخلى عنك لو سندت عليا. لو بتحبني متعملش كده!" تقصد انفراده بالوجع وهي أمامه لم تقوى على التقدم خطوة واحدة بل تريدها منه هو. تريد بأن الانهيار يأتي منه بمنتهى العزيمة. شعر بأناملها على ظهره من الخلف ولم يلتفت بعد. كيف سيظهر لها الضعف؟ يريد وكان يرى بأنها سهلة ولكنها لم تكن كذلك عليه. وجدها تقسم له مرة أخرى بنبرة متحشرجة من خلفه: "حضني جاهز ودموعي كمان يا بن عايدة. متوجعش قلبي أكتر من كده عليك!" هذه الجملة التي أوقعت دموعه بكثرة. ومن ثم دموعها هي الأخرى كانت عكس ما أردفته بنبرتها الباكية. التفتت بقهر فوجدها تفتح ذراعيها بشموخ. فأرتمى هو بها بسرعة فائقة وباندفاع وهو يردد ببكاء لها بداخل أحضانها: "أنا اللي قلبي اتوجع يا ياسمين. اتوجع ومبقاش حمل إنه يستحمل حاجة تاني. أنا وقعت.. والله العظيم وقعت وواقع من زمان أوي ومش لاقي اللي يشدني.. أنا عملت إيه لكل ده؟!" يسألها بقهر وببكاء لم يخرج من أعتاذ الرجال. تقهر وتقهر أكثر عندما وجدته يلوم الحياة بسؤاله لها مرة أخرى: "قوليلي أنا عملت إيه عشان يحصل فيا كل ده؟" شدت "ياسمين" بعناقها له وهي تردد بكل لهفة: "أنا هسندك، أنا هشيلك من كل ده والله.. أنا جنبك يا حازم، جنبك وعمري ما هسيبك أبدا!" شهق شهقات مكتومة وأخرى ظاهرة بقوة ولا يعلم هو كيف جاء على الفراش وهي بجانبه تضمه باحتواء وهي تربت عليه. مسدت على خصلاته بخوف وهي تتحدث بكل لهفة ويقين: "معملتش حاجة يا حازم، بس لسه هنعمل. هنعمل اللي محدش شافه. لما لازم نفضل متماسكين ومع بعض عشان ابننا اللي جاي. لازم تبقى ثابت عشانه وعشاني. صدقني كل ده هينتهي. إحنا ورانا حياة ودنيا ومستقبل واعدين بعض بيه إنه يكون أحسن بمحاولتنا مع بعض. ابنك مش سبب كفيل يخليك أقوى. قولي!" تستجوبه بكل لهفة، فحرك رأسه إيجابا وكأنه طفل صغير يتشبث بأحضان والدته لا يود الخروج منها. لم تجد منه ردا ولا حديث إلا بعد دقائق على ذلك الحال حينما ردد لها بخوف وكأنه طفل مرة أخرى لا يود رحيل والدته بجواره وكأنه حلم بكابوس أقصى ما به كانت أحد الكلاب تنبح عليه: "متمشيش!" كيف ستذهب وتتركه؟ لن ولن تقدر على فعلها. هبطت دموعها عندما وجدته يهتف بها بتشتت وتيهة لا يعي هو بماذا يردف من الأساس. كانت هذه جملته التي تذكرتها قبل أن تنتظم أنفاسه وهي تستشعرها على قمة صدره الذي يعلو ويهبط بخوف وبكاء ورأسه المغيب عن ذلك العالم تماما مستندة عليها هي. لأول مره تراه بأضعف حالاته الشديدة. كانت تتوقع بأن المواجهة سيكون بها حديث أكثر من ذلك ووقت أكثر، ولكن اتضح بأنه لا يعي بماذا يردف. اتضح بأن الحديث يهرب منه كما هرب منه صموده وثباته وتماسكه. لم يبق سوى ضعفه الذي لم يظهر سوى لها وحدها، شريكة الحياة وحب عمره الذي أفناه بمحاولاته الكثيرة على الصمود وهو يكبت إلى أن ظهر الانهيار منقطعاً في النهاية على مراحل معينة. وكل المراحل يعلم هو بأنها لم تمر سوى بوجودها هي وفقط بجانبه "ياسمين"!!!!!!!! "عز اسمعني ونبي، آخر مرة علشان خاطري. أنا مملتش أطلب منك تسامحني، بس قولي.. قولي أعملك إيه وتبقى مبسوط. بس بلاش كل المدة دي ولسه مقاطعني!!!" كلمات مختنقة من "فرح" خرجت له للتو لـ "عز" الذي وقف أمامها بعدما عاد معها من الخارج وأمام "والدتهما". كانت المواجهة. ابتلع ريقه بهدوء وهو يتنهد يأخذ أنفاسه بتعب، مردداً لها بهدوء: "ادخلي جوه يا فرح، أنا مش قادر صدقيني. مش مستعد أسمع أي حاجة لحد دلوقتي، كلها تبريرات واعذار سمعتها بس لسه مش عارف أتعامل معاكي زي الأول. سيبيني مع نفسي ولما أحس إني تمام من ناحيتك هرجع معاكي زي الأول. بس اديني وقت!!!" لأول مره منذ ما حدث يكون حديثه عليها لين، وذلك بسبب تشتته بينها وبين الأخرى وحتى بنظرات "حنان" له. نزلت دموعها بخيبة ويأس وهي تقول بحيرة: "والله العظيم يا عز أنا بحبك وبحبها ونفسي تسامحوني. مترفضنيش زيها عشان خاطري.. إنت أخويا يا عز!!!!!" تتوسله وهو الضعيف أمام بكائها ودموعها ونبرتها الضعيفة. كان حديثه يحثه على الخروج إلى أن خرج لها بسخرية لاذعة: "ولما أنا أخوكي يا فرح، مفكرتيش فيا ليه؟ مفكرتيش فـ كدة ليه غير دلوقتي وإنتي محتاجة حاجة بردو!! محتاجة مسامحتي اللي حتى إنتي بتصعبيها عليا في كل مرة. عمري ما هبقى حد عليكي يا فرح عشان إنتي أختي. ولو هي مش مراتي فأنا هبقى بردو متعاطف معاها أوي، للدرجة اللي تخليني أقعد أسب وألعن في الصاحبة اللي تعمل فـ صاحبتها كده وأنا معرفهاش!! وده بعيداً عن إني أخوكي واللي عملتيه يخصني وأذاكي طالني زي ما طالهم وطالها بالظبط!! بس إنتي كده طول عمرك معتمدة على غيرك وشايفة إن الكل عادي يشيل الحمل بس إنتي لأ. اتعودتي الحاجة تجيلك ع الجاهز ويوم ما فكرتي تاخدي قرار وتعملي حاجة بوظتي حاجات كتير أوي أنا نفسي عاجز عن تصليحها!!!" صمت بسكون تام وهو يقتنع بخطئه فيما قاله بعد سكونه حينما ردد لها وهو يوزع نظراته بينها وبين "والدته"!!!: "إنتي ضعيفة أوي يا فرح، ضعيفة وأنا وأمك اللي عودناكي على ده من غير ما ناخد بالنا. ضعيفة وأنا عمري ما كنت كده ولا كنت عايزك كده!!" الكل يعلم بأنها كذلك!! لم ولن يندم على قول الآتي حينما صمت ينظر نحو نظرات "حنان" الباكية بينهما بعجز وحسرة وهي تسمعه يخرج ما بداخله لهما: "ضعيفة عشان طلعتي ووعيتي على أم رضت وقبلت بحاجة ميقبلش بيها غير الضعيف اللي عايز أي سند وخلاص. وضعيفة تاني عشان شوفتي واحد بيحاول ويبذل كل جهده عشان بس يجيب القرش اللي بيفرق بعد كده. عارفة الضعف فين في كده؟ فإنك مجربتيش حتى الواحد بيطلع عينه عشانكم إزاي. ولا جربتي تقفي وتصدي قسوة الأيام عشان المرة والوحيدة اللي جاتلك الفرصة تواجهي وتصدي لوحدك وبدماغك.. ضيعتينا!!!!" "عديها يا ضنايا، عديها وقولي للوجع معتش يدق بابك وبابنا!!!" حديث من أم وتترجاه بعدما رأى شهقات ابنتها الضعيفة التي هرولت تغلق غرفتها من خلفها بعد سماعها لحديثه القاسي المؤلم!! علم نهاية قلبها الحاني. علم بأنها لم تشعر هي الأخرى بما يشعر به رغماً عنه. ابتسم لها "عز" بتعب وهو يتنهد ثم تركها وتوجه ناحية غرفته بصمت، مردداً كلمات اعتاد على قولها وحتى ولو انهار للتو: "متنسيش تاخدي الدوا يا أم عز!!!" جملته الذي قالها بإهتمام من بين وجعه جعلها تشفق عليه. في كل مرة يحمل الهم أثقال ولم يكن بيديها شيء هي الأخرى تفعله له!! "هنفضل باصين لبعض كده كتير؟ إحنا نجيب نيروز مراتك نبادلها نظراتك دي بدل الرعب ده. عديني!!" قالها "بسام" بخفة وهو يتخطاه من سكون الوضع بينهما حتى بعدما دخل معه الغرفة المفتوحة ودخل "حامد"، غرفته مع زوجته وهبط "شادي" بعدما طلب "يامن" كي يخرج به. وبقت "نيروز" في الصالة تجلس أمام الغرفة المفتوحة التي تسمع الأصوات بها والتي ترتفع مرة عن مرة عندما تحدث "غسان" بلهجة آمرة يقاطع سيره: "استنى!!!" التفت "بسام" ينظر له وقد علم ما يود قوله له عندما فكر بتلميحة له مع والدتهم قبل قليل. نظر له بصدمة طفيفة حينما وجده يصارحه دون مقدمات: "قبل ما تمشي بفكرك إن "فرح" أخت "عز" لأ.. وألف لأ يا بسام.. شوف بقا طريقك يلا!!" قال "غسان"، آخر حديثه وهو يشير له بغير اهتمام قصد بأن يظهره بعدما صارحه بما لديه. وأما عنه فبمجرد ما سمعت هذه الكلمات منه فتحت عينيها على وسعها بقوة من غرابة ما تسمعه!! وبالنسبة له عندما وجده يسيطر عليه بالكلمات وبهذا العناد دون الشعور به ضغط على فكه متحلياً بالصبر وهو يواجهه: "لأ.. "أه" يا غسان وبكرة هنشوف. عشان أنا بحبها. ومش من حقك بقا تقف فطريقي. أنا موقفتش فـ طريقك لما قولت إنك عاوز نيروز. رغم إنك طلبتها بردو فظروف مكنتش سامحة بـ ده!!!" يعاند مرة أخرى. تأكدت شكوكه عندما وجده ساكناً لا يعلم عن ذلك الموضوع شئ. تشنجت ملامح وجه "غسان" بشدة وهو يجيبه بإندفاع: "انت بتشبه "نيروز" بمين؟ بتشبه مراتي وظروفها بـ "فرح" واللي عملته؟ إنت شكلك كده مخك فوت منك تاني!!!" على مشارف العراك!! نهضت "نيروز" تقترب بقليل خوفاً من توتر الأجواء بينهما. فنظر له "بسام" بصمت ثم سأله بإستسلام: "انت عاوز إيه يا غسان بالظبط؟ عاوز إيه مني؟ أنا ما صدقت لقيت واحدة بحس بس بالراحة أول ما أشوفها. بحس إن يومي مبسوط طالما هي ظهرت فيه حتى من غير ما أتكلم معاها ولا هي تكلمني!! إيه يعني غلطتت ما كلنا بنغلط!!!" يبرر ويتمنى اللين والتفهم. حرك "غسان" رأسه بنفي ومعالم قلة الحيلة تظهر على وجهه بشدة حينما قال بصراحة كبرى: "متنفعكش يا بسام بقول!" وأكمل بعدها بعقلانية وجدية متعبة: "سيبك من الغلط. أخت عز مش حمل أي حاجة. مش حمل حتى كلام إنت ممكن تخرجه عليها فوقت صعب. مش حملك ولا حمل اللي ناوي تبدأ فيه عشان هي ضعيفة. والضعف متكتبش غير ليها وأنا قولتلك ده وسمعته مني قبل كده. بتعاند ليه وانت كمان مش حمل ده!!!" "لأ حملي وحمل اللي أنا ناويه. علشان أنا ناوي أعوضها عن كل وحش شافته. تعرف إيه إنت عنها؟ ولو على كلامك اللي مش عايز تقوله تاني وبتحور عشان تقوله فأنا بقولك إني بحبها ومش بعوض وجود حد بحد تاني!!" ابتلع "غسان" ريقه بنفاذ صبر وهو يرفع عينيه يواجهه بالحقيقة الذي عاشها هو: "مش هتستحمل ضعفها يا بسام. صعب عليك صدقني لو إنت بتحبها!!" قصد شعوره وشعور ضغطه عندما يرى ضعف "نيروز". ورغم أن ضعفها لا يظهر فالكثير ولكنه شعر بالقليل بأسوأ شعور. كيف للآخر بأن يشعر بنفس ما يشعر هو به بل وكل الوقت!!!!!!. وجده يعاند مرة أخرى بإصرار وقد خانته دموع عينيه المحبوسة: "هستحملها وهستحمل أي حاجة منها عشان بحبها. أنا مستعد أبقى معاها على الصعب والمر قبل الحلو!!!" صمت "غسان" بعجز والشعور الوحيد هو الرفض إلى الآن. وسرعان ما ترقبت ملامحه عندما وجده يسأله بإندفاع كي يبرر له ويجعلها وسيلة للإقناع بنقاط ضعفه الذي علمها ولم تكن نقطة ضعفه سوى هي التي تقف على بعد منهما فالخارج: "طب إنت ليه مستحمل "نيروز" لحد دلوقتي؟ ليه قدرت على عيلتها وإتجوزتها؟ ليه جازفت وحاولت عشانها؟ وليه قبلتها بكل حاجة رغم إنك عارف إن اللي منها فيهم شر ممكن يطول الكل؟ ترقبت جميع حواس "نيروز" بأعين يكتم بها الدمع، في حين رد "غسان" له بإختصار وصدق، ظهر بكل تفصيلة به: "علشان بحبها!!" سكن وصمت وهو يبرر له هو الآخر القول برفض غير مباشر حينما وضح: "وكمان نيروز مش ضعيفة!!" وأكمل سريعًا بصراحة وصحة بحديثه: "علشان كده عرفنا نكمل رغم كل اللي بيحصل. اللي بيحب بيضعف يا بسام. أنا أخدت واحدة الكل كان فاكرها ضعيفة بس هي أقوى ما يكون وإستحملت كتير. ولو كانت قوية شوية فبعد ما بقت ليا وحصل الظروف دي يمكن بقت أضعف بسبب كمية الضغوط اللي عليها. لكن إنت هتاخد واحدة ضعيفة قبل ما يمر عليكم كل ده. هيبقي باقي ضعف بعد كده. فرح هتستحمل. إنت نفسك هتقدر تشوفها كده طول الوقت!!" كان حديثه صحيحًا ومقنعًا بنسبة كبيرة. إبتلع "بسام" الغصة المريرة بحلقه حينما قال "غسان" برأيه الذي لا يراه الكل: "وإنت نفسك ضعيف. ضعيف عشان مش هتستحمل وجع تاني. وضعيف عشان عارف إن فرح محتاجة تتعالج وسايب ده على جنب وراكنه!!" ضعفها مرض وهذه حقيقة كبرى لا يعلمها سوى شخص يتفهم جيدًا هذه الموضوعات. حرك "بسام" رأسه بعشوائية ولم يستمع إجابته. طالع "غسان" بانتظار. وعندما وجده ساكنًا أضاف بعد حديثه السابق بـ: "ترضى لوسام تدخل دنيا وحياة ومسئولية لو كانت ضعيفة كده. تقبل إنها تاخد واحد مش متفهم الوضع بس هو عاوزها معاه وخلاص مجرد سد خانة؟" آخر كلمتين أثارا إنفعال "بسام" حتى أنه اندفع يردد له بنبرة مرتفعة مشيرًا له بيديه: "قولتلك مباخدش حد مكان حد. مبعوضش مكان حد بحد. إيه مبتفهمش؟!" أمسك "غسان" يديه وهو يتحامل على أن لا يتعارك وسرعان ما نفضها بحدة كي لا يشير بها كذلك مرة ثانية. يصبر عليه بشدة وصبر لا تعلم الواقفة كيف وصل له بخلقه الذي يضيق شيئًا فشئ مع الوقت. هز له "غسان" رأسه برفض ثم أردف له بنفس أول ما بدأ به: "و... لأ يا بسام. أنا مش موافق!!" "وأنا المرادي مش هسيبك تاخدلي قرار يا غسان. المرادي مصدق قلبي ومصر. ولو عرفت إنك عملت حاجة زي ما عملت ساعة تاج هتبقى لا إنت أخويا ولا أعرفك!!" يكسر منه مجددًا بطريقة غير مباشرة. لم ينصدم. بل وقف "غسان" بشموخ وهو يبتسم له بتعب وسخرية ولم يردد سوى كلمة واحدة أتت من عزم خذلانه الغير مباشر منه: "براحتك. إنت حر في حياتك. ربنا يوفقك!" رسم ابتسامة لينة هادئة رغم حزنه من داخله. لوهلة يندم الآخر على ما قاله. بل والأول يجعل بطريقته من أمامه يراجع نفسه للتو. لم يحاول التبرير. بل هرب ينفرد بذاته تاركًا له الغرفة. وفي طريقه وجدها تدخل وتقاطع سيره. لم يتفاجأ من نظراتها القوية التي تحدجه بها. قد رآها منها من قبل حينما رحل زوجها بسببه قبل ذلك وقامت هي بالمدافعة عنه. تخطاها بصمت. فدخلت هي له الغرفة. وللشفقة على حاله منها وجدته يرسم على وجهه بسمة واسعة وكأن شيئًا لم يكن حينما غمز لها مرددًا بمشاكسة متناسيا أخذه لموقف منها: "مش طالعلك صوت ليه يا رزقة؟ نفسك في خناق معايا ولا نكد الوقتي. قدامك الاختيار يلا!" ضحكت "نيروز" كي تراضيه وهذه المرة اندفعت تدخل بين أحضانه كلما تشعر بأنها تدين له بالكثير حتى بحديثه عنها قبل دقائق. ضمها وهو يتنفس بإرتياح وإطمئنان. يعلم بأنها سمعت الحوار لذا لم يتفاجأ من قولها: "متزعليش يا غسان. إنت أحسن أخ في الدنيا!" ابتسم على تشجيعها له وهو يخرجها من بين أحضانه، حتى وجدها تردد له مرة أخرى: "ومش عارفة كلامي ده صح ولا غلط. بس ليه ممكن نفكر بالطريقة اللي بنفكر فيها طول الوقت. صدقني أنا يمكن أكون متفاجئة من الموضوع. وإن فرح واللي عملته صعب أوي يتغفر. بس مش يمكن بيحبها! أصل أنا كمان حبيتك وأنا عارفة إن هيقف وواقف في طريقنا ألف سبب يمنع ده. بس كملنا رغم رفض اللي حوالينا. يمكن فعلاً يكونوا لبعض. ويكون هو قادر يغيرها وهي تقدر تتأقلم معاه بعيدًا عن الظروف دي!" ترسل له وجهة نظرها بمنتهى الهدوء. لذا تنفس بصوت مسموع وهو يوضح لها بإختصار والعجز يظهر في نبرته: "بسام مبيغيرش حد يا نيروز. بسام فاق من محنة وشايف إن الكل اتغير وكأن ده طبيعي. شايف إن أضعف واحدة أحسن واحدة طالما اللي قبلها كانت شخصيتها أقوى وجاحدة!" "مش يمكن القاعدة تتكسر وميكونش ده الوضع. في ألف فرصة ليهم. ساعتها هيتحدد ينفعوا يكملوا ولا لأ. يجربوا!" تقنعه بعدما فهمت طبيعة شخصيته وكيف تدخل وتخرج منها ولها. نظر لها "غسان" بحيرة ممزوجة بالإنهاك وهو يوضح مرة أخرى بيقين: "حتى ولو أنا مش موافق وهو كمل. أمي وأبويا ممكن يرفضوا زي ما أنا رفضت!" وجهة نظر أخرى يفكر بها كونه يحمل كل هموم العائلة هو الآخر. صمتت لبرهة بعجز وسرعان ما دافعت بقوة. دفاع أتى من حبها لهم: "بس أنا واثقة إن باباك متفهم. وبـ يقدر كويس. حاسة إنه لو عرف مش هيعارض ده وأديها تجربة يا تنجح يا لأ!" "في الحاجات اللي زي دي. عقل حامد وعقلي واحد يا بنت الأكرمي. الغريبة بالنسبالك واللي ممكن تصدمك بجد هي إن أمي اللي ممكن هتوافق!" فتحت عينيها على وسعها كانت تعتقد بأنها سترفض كونها ليست هينة معها في بعض النقاط. ضحك بخفوت على رد فعلها وهو يحرك رأسه يؤكد ثم قال بتفسير: "دايمًا ببقى في واحد بيصعب على الأم في عيالها. هي بتحب ولادها زي بعض بس في واحد بتحس إن الدنيا جت عليه فتبقي حنينة عليه وبتحكم بقلبها. ودي دلال مع بسام. دي دلال عامتا اللي بتحكم بقلبها بس من غير ما توازن حكم قلبها مع العقل. أهم حاجة عندها هتبقى راحته وسعادته وإنه لقى نصه التاني اللي اختاره بنفسه وعوضه زي ما هي هتشوف. مش هتفكر في مستقبله كـ راجل بعد كده معاها. راحته. مشاكله. حياته عامتا كلها. وهو بردو زيها بالظبط في الطباع وفي كل حاجة. أنا مبقتش فاهم حاجة يا نيروز!" أضاف "غسان" سريعًا بتشتت وهو يسند رأسه على كتفها بتيهه: "أنا حاسس بالعجز. حاسس إني متكتف من كل إتجاه. مش عارف أحل ولا أربط. لا معاكي ولا معاه ولا مع أي حد هنا. وكل ده بيرجع يحسسني بالندم إني مش عامل اللي عليا بيحسسني إني مبحاولش. ولما بحاول بفشل!" قلة حيلته كانت واضحة مع عجزه، لذا مررت يديها على وجهه وذقنه الخفيفة بحنو، وهي تحثه بلهفة: "إنت أكتر واحد بشوفه بيحاول وم بتاخدش قد ما بتدي يا غسان، بس أنا معاك وسانداك وشايفه إنك بتحاول علشاني ومش على الفاضي. أنا بحبك والله العظيم وأسفه لو زعلتك مني ف يوم وإتخليت عنك، أو حتى ظلمتك بمجرد تفكير. أنا نفسي تكون مرتاح دايما، وتفضل دايما جنبي وف حضني من غير ما نفارق يوم. انت فيك حب وإخلاص وإهتمام لعيلتك ولكل اللي بتحبهم. أنا نفسي بستغرب من قوته اللي حتى مبتقلش ولا بتتوقف ف وقت زعلك وخصامك. عدم وجودك فحياة حد خسارة يا بن البدري، ومكسبي الغالي والوحيد من الدنيا والأيام هو إنت. إنت ووجودك جنبي وف حياتي!" تعبر عن حبها بالكلمات التي تخرج أخيرًا، وهي تحاول مثلما يحاول. أتى ذلك من عزم شفقتها وحبها له. تنفس بعمق وهو يرفع رأسه ومن ثم عينيه وهو يردد بنبرة صادقة يذكرها بقول مضى: "قولتلك، معاك وف حضن بعض هي الغاية يا بنت الأكرمي!" "عمرك ما بتفشل تثبتني يا بن البدري! وعشان كده أحب اجدد تثبيتي بكلامك وأفعالك وحتي نظراتك اللي فضحاني أنا ومش فاضحاك إنت. عارفه ليه؟" "ليه يا بطل؟" غمز بها "غسان" وهو يردفها فضحكت وهى تراه يطالعها بجرأة فرددت بما كانت سترد به: "علشان إنت قليل الأدب وم بتكسفش. أنا اللي بتفضح بيك وعشانك ف كل مره!" صمتت "نيروز" ثم واصلت وهي تقترب تقبل وجنتيه بحب، مرددة بهمس صادق يخفف عنه ويشتته بفعلتها التي أخذتها منه: "ولو الفضيحه فيها ابن البدري يبقي ميهمنيش حاجه بعدها!" وأكملت سريعًا، ببراعة في تثبيته وهي تضيف بقية جملتها بـ: "غيره!" تتفاجأ في كل مره وهي تستشعر خفقات قلبه التي تتسارع بقربها وحديثها رغم ما يظهر عليه كان عكس ذلك. تعلم أنه بارع في إخفاء ذلك، ولكن هذه المره تعلثمت نظراته بها وكأنه لم يري سوى عينيها حينما ردد بهيام تحت تأثره من ما قالته ومن قربها منه: "ملامحك معتش يكفيها غزل يا نيروز. مبقتش عايزه غير حاجه واحده بس!" قالها تحت تأثر شديد. فاعتدلت "نيروز", وهي تضحك بخفة مجيبة إياه بتساؤل مهتم تلقائي: "عايزة ايه؟" إقترب من بعدها يقبل عينيها برقة، وبخفة بعدما إنحنى قليلاً. ومن ثم كانت القبله الثانية أسفل عينيها ومن ثم وجنتيها، بخفة ولطف اعتادته منه وهي تسمعه يجيب على سؤالها بالقول بعدما أجابها بالفعل: "عايزة تتباس.. تتباس من غسان!" خرجت ضحكتها منها وهي تضع يديها على فمها. في كل مره تخفي حرجها منه ومن بين نظراتها التائهه بعينيه. صارحته بما كانت تعقد العزم على أن لا تقوله كي لا تضغطه وخانتها نظرة عينيه حينما قالت بخوف من عدم إفاقة "سمية" والدتها إلى الآن: "أنا خايفه!" كان يعلم بأنها ستبوح له بخوفها لذا فعلها حبه لها وكان قد بدأ بتشتيت عقلها كي لا يتركها مع خيالها وهي التي تحاول تحديد شعور واحد فقط. أما التفكير بالخوف التوتر، أو إزالة كل ذلك بنظرة عينيه وقربه حينما قال وهو على وشك تقبيلها: "إزاي بس وانا جنبك والله ما ينفع الكلام ده. عيب!" ولمرة أخرى يردد عليها نفس الجمله الذي استخدمها بكل لين وهو يردفها لها، وهي التي لم تفكر بأي شئ مادام هو يجانبها. ونفس القلب بجوار قلبها. إعتدل سريعًا. بعدها وهو يمد يديه على بعد من على الطاولة كي يجلب علبة الدواء عندما إستشعر سخونتها من جديد، خاصة جبهتها وعينيها التي بدت ظاهره وكأنها باكية بسبب درجة حرارتها. إبتسم لها وهي تعتدل تنظر له بحرج. وجدته يمد يديه لها وهو يخرج برشامة معينة، وأعطاها لها مرددًا لها بنفس النبرة الهامسة متيقنًا بأنها ستأخذه ومن ثم ستنام بعدها بسبب وجود بعض من المنوم به: "علاجك يا رزة!" _____________________________________ "وتطيب الحياة لمن يسعى فينجح فيحمد. ثم يسعى فيفشل فيحمد. ثم يبتلى فيصبر فيحمد. ثم ينازعه القدر فيفهم فيحمد. ثم يستسلم لمن بيده مآلات الأمور فيطمئن فيحمد" مقتبس هكذا هو حالها. تحمد بعد أن تيقنت وتتيقن في كل مره بأن الله بجانبها. ولكن ليس على البكاء سلطان وهي تردد على سجادة الصلاة بحديث من بين شهقاتها الموجوعة. ترى بأنها "فريدة" ولكن مازلت "فريدة" من نوعها. رغم شراستها وشعورها بأن حقها قد أسترد بواسطة شقيقها منه. ولكنها تشعر بالقهر في كل يوم وكل ليله. ترضى. تحاول الرضا. التقرب أكثر. ويغلبها شعور العجز والقلة في كل مره. دموعها تهبط بكثرة وصمت. والشئ الوحيد التي تستطيع بأن تفهمه بأنها ترتاح فقط لأنها الٱن تتحدث معه. تتحدث مع الله وحده. وحده من يفهمها. وحدة من يقدر على محو ذلك الشعور المؤلم التي تشعر به في كل لحظة تمر عليها. ترى بأن الخير لم يكن بالأقربون منها. ولم ترى هي ذلك بهم. والدها. والدتها. شقيقها من الإثنان معا! وجدت السند من آخرين لم تكن تتوقع بهم ذلك. ورغم ذلك تكسر للمرة الألف بسبب ما حدث لها على يد صاحب الدناءة! ليس هين أبدًا على أي فتاة ذلك الشعور التي تشعر هي به! "ولقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب إليه من حبل الوريد" تتيقن بهذه الٱيه وبٱيات أخرى. تعلم بأن الله هو منقذها ومنقذ من يسقط في الهاوية بمفرده دون سند. هو السند. وحده من قادر على أن ينتشلها من بئر الضياع في شعورها وحزنها. لفظ الجلالة وحده من قادر على كل شئ. تعلم هي ذلك وتثق بذلك جيدًا. رفعت "فريدة" أناملها تمسح وجهها ببطء. ما أن وجدت "زينات" تدخل منسحبة للداخل. وببطئ انحنت تجلس أمامها على سجادة الصلاة. والدموع تترقرق في عينيها. والعجز رفيقها كونها لا تعلم ولا تستطيع أن تعوضها بطريقة هينة تراضيها: "تعالي في حضن أمك يا حبيبة أمك.. تعاليلي لو بتحبي ربنا وم ترفضنيش المرة دي أبوس إيدك يا بنتي!" تترجاها بوجع وضعف. رفعت "فريدة" عينيها بسكون مريب ولم تجيب وكأنها لم تسمع منها شئ. حركت عينيها بعشوائية كبرى. وهذه اللحظه فهمت "زينات" بأن تتركها تأتي لها بنفسها. ظلت منتظرة ولم تكف. وما بين عيني باكية وأخرى تحاول التماسك بقوه!! هزمها كل الشعور المناقض. هزمها كل شئ. وخانتها شراستها وقوتها وغلبت عليها حنوها. حينما تقدمت "فريدة" بخواء تستند على صدرها بسكون مريب تذرف الدمع بصمت فقط. تلهفت "زينات". وفرحت من مجرد ما فعلته. رفعت كفها تمسح دموعها بخوف. وهي تمرر يديها على ظهرها وكتفيها بحنان. لأول مره تشعره الٱخرى. التي تحدثت بخيبة بعد صمت دام: "نفسي اطلع من كل ده! نفسي يكون كل ده حلم يا.. ماما..!" بنبرة هادئة شديدة قالتها ومن ثم إبتلعت ريقها بعدها بتنهيدة موجعة وهي تسمع قولها المتلهف: "هتعدي كل ده. هتعديه يا حبيبة أمك وبكره تقولي أمي قالتها. بس ليني. ليني يا ضنايا وسامحيني عشان خاطري. أنا قلبي موجوعلك أوي يا بنتي!" إعتدلت ومهما مر ومهما حدث تبقي احضان الأم مختلفة بالطبيعة والفطرة. أعتدلت "فريدة" في جلستها حتى خرجت منها شهقتها وهي تندفع تتشبت بين أحضانها مرة أخرى بقوة وهي تبكي بصوت وأنين موجع. إندفعت "زينات" من أثر فعلتها ولكنها تمسكت بها بقوة ووقع فؤادها وضربت به للمرة التي لا تعرف عددها وهي تسمع بكاءها المسموع وشهقاتها ومن ثم حديثها المتقطع بكسرة: "أنا تعبانة أوي يا ماما. تعبانة اوي.. ومحدش حاسس باللي أنا حاسه بيه.. أنا ضيعت ومبقتش قادرة. أنا وحشه أوي!" حديثها ببكاءها صعب. لذا ضمتها "زينات" بقوة وهي تردد بدفاع: "سلامتك من التعب يا ضنايا. لا عاش ولا كان اللي يشوفك ويقول عليكي كده. إنتي احسن واحده فعيني.." أحسن واحدة في عين أمك، والدينا كلها. أوعي تقولي كده تاني! بكت بانهيار وهي تسمعها. وكل لحظة تمر عليها تتنفس هي بها بارتياح ووجع بنفس الوقت. أغمضت عينيها بتعب وهي تتمسك بها مرددة بصراحة، كونها تشعر بذلك لأول مرة: "حضنك حلو أوي يا ماما.. متخذلنيش تاني لو بتحبيني!" حديث غير متوافق، أوله غير آخره. لم يسعفها لسانها بأن تجيب عليها بسبب مدى ما وصلت له بنبرتها وهي تحثها على ما تخافه منها. وكأن الثقة لا ترجع بسهولة. تمسكت بها وهي تتنفس بصوت. وأخيراً تنهدت "زينات" تأخذ أنفاسها بوجع. ومن ثم تعمدت أن تظهر الأمل لها بردها الآتي حينما قالت ببكاء: "مش هسيبك يا فريدة. مش هسيبك لآخر يوم في عمري. هفضل معاكي للآخر وهعوضك. حتى ولو لقيتي عوضك وربنا بعتلك نصيبك. عمري ما هتخلى عنك. هقدملك كل اللي معملتوش للآخر. لآخر نفس فيا!" أمل جديد! وللسخرية ابتسمت "فريدة" بوجع وهي تستند على قمة صدرها مرددة على حديثها بخزي: "نصيبي! هو حد هيبقّبلني كده وبحالي ده؟ إنتي بتضحكي عليا تاني!" كسرتها في جملتها كان شديد، حتى أن "زينات" اعتدلت مندفعة بحديثها وهي تقول بمدافعة: "هيبعتلك نصيبك. متقوليش كده تاني. إنتي أي حد يتمناكي. أوعي تستقلي بنفسك. مسمعكيش تقولي كده أبداً. سمعاني!!!!" وجدت الشراسة بها لم تسطع سوى أن تومئ لها برأسها بسكون، منهكة. ومازالت تستند هي عليها. ابتلعت ريقها بشرود وهي تتشبث بملابس والدتها متذكرة لحظة هجومه عليها. تمسكت أكثر فيها بقوة وهي تردد بخوف وصل إلى الأخرى بقوة: "ضميني يا ماما. ضميني أوي.. متسبنيش!" لبت لها غرضها بسرعة متلهفة ودموعها تهبط. مشهدها وخوفها يشرح وضعها دون أن تبذل جهد للفهم بماذا بها. علمت بأنها تحملت ما لا يتحمله أحد، مستندة على والدتها التي تضمها بتبشت وقوة وكأنها ستهرب منها للتو. مع جلوسهما وإستنادهما معاً أرضاً على سجادة الصلاة! لأول مرة تشعر بالراحة والأمان. وعلمت بأن هذا الشعور لم يكن إلا في أحضانها. أحضان الأم! كل منهم يستند على صدر حاني، لين، هادئ عليهم وعلى قلبهم وعلى الأيام التي تمر وأغلب ما يمر بها هو المر!!!!!! قبل وقت مر، ينتظر منذ وقت كبير أمام مركز التدريب الخاص بها. جلب للصغير بعض المشتريات التي تسعده وجلس يطعمه إياها. داعبه بسعادة وفرح كونه يعشق الأطفال. بل وانتشله بعيداً عن جو والدته المشحون بالحزن والبكاء ووالده هو الآخر بعيد عنه. "يلا هات بوسة بقا لعمو شادي!" قبّله "يامن" وهو يضحك له بسعادة. فأخذ يداعبه بحب وهو يطعمه وياكل معه هو الآخر. نظر من الشرفة بعشوائية وما أن رأها تخرج بالفعل. خرج بسرعة وهو يحمل الصغير. ثم أغلق الباب خلفه. سار ناحيتها بخطوات سريعة وهو يشير لها كي تنتبه له: "بت يا منه أنا هنا أهو!" قالها "شادي" بصوت مرتفع قليلاً وهو يتوجه ناحيتها حاملاً على ذراعه "يامن". انتبهت له "منه" بتعب من التدريب بل وملابسها كانت ملابس التمرين التي كنت ستركب بها سيارة أجرة وترحل إلى منزلها. نظرت له بصدمة وهي تهتف بغير تصديق: "يخرب عقلك. إنت عرفت مكاني منين؟" "سر المهنة بقا. لما شادي يعوز حاجة بيعرفها." صمت سريعاً. ثم غمز لها بقوله وهو يطالعها بالكامل: "بس إيه الحلاوة دي!" حدّقته بتعنيف ولم تجيبه بل مدت ذراعيها تأخذ منه "يامن" بحب وهي تبتسم له برقة. نظر لها وهو يعطيها الصغير مردداً بمشاكسة: "ما إحنا بنعرف نضحك وحلوين أهو!" "جاي ليه إخلص!!!" لم يتفاجئ من فعلتها بل اعتدل وهو يجيبها بثبات: "جاي أملي عيني بشوفتك. وجاي أتأسفلك تاني من اللي حصل. وجاي أقولك إني قريب هاجي أتقدملك وإني منستكيش بس إنتي عارفة الظروف." قررت أن تلين وهي تقبل "يامن" ثم التفتت برأسها له وللصدمة أجابته برقة غير معهودة: "وأنا هفضل مستنياك يا شادي!" "من غير "بيه"؟" "ما إنت هتبقى خطيبي بقا هنشيل الألقاب. إنت تشيل "بت" وأنا أشيل "بيه"!" غمز لها "شادي" بإعجاب وهو يخرج من جيب بنطاله الشيكولاتة ليهديها لها بلطف. فحدّقته مطولاً ثم عادت ترفض قائلة: "عاملة دايت!!" ولأن غالباً طباعه مع حدة الشباب واحدة. أردف كلمة اعتراض لم تتفاجئ هي منها كونها تتوقع منه أي شيء بل سمعته يقول: "... دايت إيه؟ دا إنت مزة. هو أنا يعني خدت بالي منك من قليل!!!" حركت رأسها بثبات وهي تطالعه بنظرة حادة ثم أجابته قائلة: "هو حد قالك قبل كده إنك سافل ووقح؟" أشار لها ببديه بإندماج وهو يجيبها بمرح: "يوووه دا كتير أوي!!" سكن وأضاف بتثبيت لها وحب: "بس ولا واحدة قالتها بالحلاوة دي!" طالعته بخجل قليل ما يظهر وسرعان ما اعتدلت تقف عندما أخذه منها بلباقة وهو يردد: "هاتيه بقا. عقبال ما تجيبلي العيال!!" "عيال مين؟" "عيالنا!!!" خرجت ضحكتها الخافتة منها. فوجدته يحرك رأسه ناحية "يامن" الذي ردد له بنبرة طفولية: "بيبي!!" سأله بغير فهم في البداية وكأنه يسأل شخص ناضج: "بتقول إيه؟" "بيبي!!" "ياض مش فاهم!!" اندفعت "منه" بسرعة تعلمه بلهفة كبرى: "بيقولك عايز يعمل بيبي يا غبي. عايز يدخل الحمام!!!" اندفع سريعاً بذراعيه وهو يوجهه لها قائلاً عكس حديثه السابق: "طب خدي!!" "أخد إيه!" "العيال!!!" ضحكت وهي تأخذه منه بحب. ثم اعتدلت تردد له على عجالة: "هندخل جوه في حمام و.. هنيجي علطول!!" "ماشي. مستنيكم أنا هنا أهو. خدي بالك من العيال ي بت!!!" الساعات تمر. اللحظات أيضاً تمر!! وهي الٱخرى تستند على صدره عندما تسطح بجانبها على الفراش. كان مسطحا على الفراش وهي بجانبه تستند "نيروز" على صدره وذراعه يسندها على كتفها برفق. بيديه الأخرى هاتفه يعبث به. كانت قد غفت هي قبل وقت، منذ آخر مرة كانت بها معه. لم تفق إلا الآن عندما انتفضت جالسة مرة واحدة عندما شهقت وهي تحاول الصراخ. لم يخرج منها الصراخ بل خرج على هيئة اندفاع صامت مكتوم. وقع الهاتف من يديه أثر اندفاعها. ثم اعتدل هو سريعا يمسك كفها يدلكه وهو يضمها بخوف. مرددًا بتساؤل: "مالك يا نيروز؟!" أخذت أنفاسها ببطء وهي تحاول أن تنتبه له ولحديثه. إلى أن فعلت أخيرا وهي تأخذ أنفاسها بتقطع. فردد هو بعدها بلهفة وكفيها بين كفيه: "خدي نفسك، خدي نفسك براحة!" حاولت "نيروز" أخذ أنفاسها ببطء. فنهض هو سريعا وهو يتحامل على جرحه. ثم سار بخطوات سريعة يخرج من الغرفة بعد أن فتحها. حتى جاء بزجاجة مياه بسرعة فائقة بعد أن لاحظ نفاذ المياه بغرفته. عاد لها سريعا وهو يندفع يفتحها منحنيا يحثها بلهفة: "إشربي، إشربي منها براحة وإهدي!" أمسكتها منه بيديها المرتجفة تتجرع منها. فمد هو يديه يلتقط يديها الأخرى بين يديه يربت عليها بخوف. غفت فحلمت حلم من العقل الباطن. لم تتحدث بل بقت شاردة إلى أن اندفعت بقولها له دون مقدمات: "حلمت إنها مشت.. مشت وسابنتي ماتت!" خفق قلبه بقوة وسرعان ما نفى وهو يدفع رأسه ناحيته برفق. مرددًا بوضوح: "بس يا نيروز متقوليش كده! دي أحلام وعقل باطن من خوفك وتفكيرك السلبي للموضوع. أنا متأكد إنها هتفوق وهتبقى زي الفل. شيلي من دماغك كل ده وفكري في الأحسن ليها!" حركت رأسها وهي تومئ له بخفوت. طالع هو ارتجافة جسدها خاصة أن ملابسها مكشوفة قليلا من كتفيها وتشعر بالبرودة القليلة عليها. رغم أن الجو لم يكن كذلك. التفت يطوي الغطاء طبقتين وهو يضعه عليها وخاصة كتفيها. فابتسمت له "نيروز" بامتنان وهي تردد له بجدية وحنو: "شكرًا!" شكرته على فعلها. شعرت بالدفء قليلا. فابتسم لها بتشكك وهو يحرك عينيه ناحيتها. وهي تعتدل أسندها برفق. ثم عدل لها خصلاتها المشتتة على جبينها. حتى مررها عليها. انحنى يبحث عن هاتفه حتى التقطه سريعا وهو يتفحصه. ثم فتح لها أحد برامج للفيديوهات كي يشتتها ويلهيها. قدمه له بلطف وهو يتحدث لها قائلا بتفكيره الخبيث الذي حتما يخرج كل مرة عليها بقوله وفعله. ومرة تستشفه هي ومرات أخرى لم تستطع: "خدي اتفرجي على ما أعملك حاجة سخنة وأجي!" أخذته منه وهي تقاطعه بمحاولتها للنهوض وهي تقول: "لا، خليك، هقوم أعملنا أنا عشـ..." دفعها "غسان" حتى عادت من دفعه لها جالسة على الفراش. وهي تسمعه يرد عليها بتبحح: "كُني، كُني وارتاحي ها، مش أي عناد وخلاص!" وجدت نفاذ الصبر بنبرته وهو يحدق بها. تمسكت بالهاتف بقلة حيلة وهي تراه يفتح باب الغرفة ليخرج منها. تفحصت الهاتف بالفعل وكان ذكيا بهذه الحركة. فتحت عينيها على وسعها بذهول عندما قرأت آخر ما بحث عنه منذ فترة: "أكثر الألوان اللي بتكون حلوة في بدل الرقص" "إزاي أقول لمراتي ترقص من غير ما تتعقب" "أجمل ما قيل في حرف النون 'نيروز'" "بنهتم بالزرع أوي إزاي، وإيه اللي بيحتاجه طول الوقت عشان ميموتش ويطلع بسرعة غير الماية؟!" "سعر تجهيز مكان متوسط فالحجم بديكور هادئ كلاسيكي" "بما يتسم أصحاب العيون البنية الفاتحة!" "كل معاني اسم نيروز" "حفر الأسماء على الخواتم الدهب" "سلسلة الفراشة" "عودة الوصال بالانجليزي" "لوجو لـ 'The Return of Reunion'" لم تفهم الأخير. ولم تفهم البعض والبعض الآخر فهمته. وكأنها تنظر على العبث بعينيه عندما وجدت ما مضمون بحثه. وبان التأثر بها عندما وجدت أغلب البحث عليها ولها. بل وآخر ما وقعت عينيها عليه كانت جملته الذي كتبها مؤخرا بفشله في البداية من إخراجها بحالتها: "إيه الحاجات اللي بتبسط الستات غير غسان!!" تعالت ضحكاتها عندما وجدت عبثه وغروره الضاحك مع محرك البحث. مختل عقليا! ما يظهر عليه من ثبات وثقة وعلمه بما يفعله كان عكس ذلك. حركت رأسها بقلة حيلة وهي تكبت ضحكاتها. خرجت من كل ذلك وهي تضحك بخفة عليه وعلى مرحه حتى مع نفسه! فتحت معرض الصور بالرقم السري كي تتطلع أكثر على ما يرضي فضولها بالاستكشاف. واستكشاف هاتف مثل هاتف "غسان" تعتبر مشكلة كبرى بما ستراه من ذكريات! أعد كوبين من النعناع الساخن لهما وكوب آخر من الشاي لشقيقته التي تذاكر إلى الآن. أسند الكوبان الخاصان به وبها. وحمل كوب "الشاي" ليتوجه به أولا ناحية غرفة شقيقته. دق الباب بخفة ثم فتحه بعدها وهو يدخل بهدوء. اعتدلت وهي تبتسم له ولم تنس ما فعله معها قبل ساعات. بل تعمدت أن تظهر بالطبيعة حينما غمزت له بخفة وهي تقول: "شاي بنفسك؟ دا إنت مروق عليا عالآخر. دا أنا قولت دا بسام عاملي أكل ولا جايبلي كريب ولا شاورما ولا بطاطس ولا..!!" قاطعها "غسان" وهو يرسم ابتسامة هادئة مع قوله المتسائل بجدية بالغة جعلها تتراجع في الحديث المرح: "بتذاكري بقا وكده ولا مش عارفه ومنكدة على نفسك؟!" طالعته بصمت وغرابة. بل وجلس أمامها وهو يقدم لها الشاي محركا رأسه بانتظار الرد. فردت هي بخفة: "الإتنين والله، إدعيلي!" "بدعيلك أكيد، خصوصا إن الحمل زاد عليكي لما وقفتي تروحي سنتر وبقا كله أونلاين. هم صحابك موحشوكيش هناك ولا إيه؟!" تصنع الانشغال وهو يعبث بأحد الأقلام. ابتلعت ريقها. ولم تكن غبية كي تأتي له بالحديث. بل والمعروف بأنها تعلم قصده وتعلم ما يريد أن يصل هو له. تنفست بهدوء ثم قالت: "معنديش صحاب والله، الرحلة فردية!" مرحت مرة أخرى. فوجدته يحدق بها بصمت. ثم وزع نظراته بينها وبين هاتفها على المكتب. يثق بها وثقته لم تهتز. لذا استقام واعتدل وهو يحرك رأسه هاتفا: "طيب.. شدي حيلك!" أوقفته صوت الرسائل مرة أخرى والتي أتت خلف بعضها لإرسال المرسل علامات استفهام كثيرة! التفت فوجدها تفعله بوضع الصامت بصمت. ثم رفعت عينيها وتفاجأت من وقوفه حتى أنه لم يرحل. توترت ملامحها بشدة حين سأل هو: "دا مين اللي بيبعتلك رسايل من الصبح كده كتير؟ بقيتي شخصية مهمة وإحنا منعرفش؟!" عبثت في كوب الشاي دون أن تتجرع منه. وعلى لحظة عندما لاحظ بأنه سيقع منها بإرتباكها هذا. ردد مرة أخرى وهو يشير بعينيه نحو الكوب ينبهها: "الشاي!" "ماله؟!" "مش مظبوط.. و.. بيحور!" حاولت التماسك من تلميحه وقد علمت بأنه لا مفر من السؤال التي ستسأله له. وهذا ما كان يريده في البداية: "إنت عاوز إيه يا غسان؟ بتلف وتدور على إيه؟" طالعها "غسان" بصبر وهو يبتسم بلين عكس ما رد به عليها: "بلف وأدور عليكي وإنتي تلفي وتدوري عليا وأديها ماشية!" التفت ليسير ويتأكد كل مرة بأنها تخفي شيئًا كبيرًا لطالما هذه ملامحها التي تبرع في إخفائها مثله وظهرت! قاطع سيره نبرتها المندفعة وهي تقول: "إستنى!!!" وقف يبتسم بإنتصار طفيف عندما وجدها تهتف بذلك، وتلاشت سريعا عندما وقفت أمامه بعدما توجهت ثم قالت بحيرة: "عايزة أقولك حاجة.. بس متزعلش مني!!" "هي حاجة تزعل ولا إيه؟" خفف عنها بقوله ذلك وهو يبتسم، فحركت رأسها بتشتت وهي تقول: "مش عارفة الصراحة، بس اللي أعرفه إنك عرفت!!" "عرفت إيه؟" "عرفت إني مخبية حاجة عليك!!" ترقبت ملامح "غسان" وهو يمسك يديها يحثها على الجلوس برفق، ثم قال بلين عندما وجد الخوف بعينيها: "من إمتى وإنت كنتي بتخبي عليا يا وسام؟ أنا سامعاك قولي ومتخافيش!!" في هذه الأمور كانت تود الإنفراد بـ "بسام"، وليس هو، كون الآخر سيفهم ويبادلها الحديث بلين ونصيحة دون تعنيف حتى ولو طفيف. لم يسعفها الوقت وجاء لها به هو، بمن يخاف عليها وتعلم هي ذلك. ابتلعت ريقها وهي تحاول أن تسرد عليه بهدوء دون توتر وهو يسمعها: "الرسايل دي من ولد كان معايا في السنتر في كل الدروس. كنت بلاحظ نظراته من بعيد لبعيد، وحتى البنات كانوا بيبصوا لي بتركيز عشان كان هو بيبقى مركز. طنشته كتير ومحطتش في دماغي، بس من ساعة حادثة دماغي وهو دخل لي من رقمه وجاب رقمي من الجروب المشترك. سأل عليا. فأنا اعتبرتها زملا ورديت على قد السؤال بأخباري إيه. ساعدني من نفسه وبعت لي كل اللي فات رغم إني ما روحتش تاني. سألني كتير لو في حاجة مش فاهماها بس كنت بصده برد مختصر وخلاص. من ساعتها وأنا برد على القد بس الأيام الأخيرة بقى يسأل عني كتير أوي ويقعد يبعت رسايل كتير عشان أرد عليه وأنا معلقاه بقالي كام يوم ومش برد!!!" يعلم المرحلة التي تمر بها، ويعلم ما يفعله ذلك الشاب، كان يفعل مثله، وعينٌ تُدان بهذه النقطة. تنفس وتنهد من الأساس يخرج أنفاسه وهو يحرك رأسه بصمت، ومن ثم سألها بسؤال صدمها من كونه بقى هادئاً، بل وسؤال لا يتوافق مع تفكيره في العموم: "وإنتي حاسة بإيه؟ عاجبه بيكي؟!" حركت رأسها بصدمة ولوهلة تشعر بأن أحد غيره جالس أمامها، ولكن يعلم هو كيف سينقذ الوضع ببراعة. نفت سريعاً بذهول، وهي ترد: "إنت بتقول إيه يا غسان؟ عاجبة إيه؟ لا طبعاً!!" "ده اللي هو عاوزك توصلي له. تنفي حاجة عايزاها ومش عايزاها. بيشدك باهتمامه وبعد كده يرخي تاني بعد ما يعلقك بيه ويبدأ الاهتمام يقل. ده لو قولنا يعني إنك دوستي فالطريق ده. بس عشان عارفك، وواثق فيكي، عارف إنك مش هتعملي كده. لكن هيجي عليكي وقت غصب عنك زي الوقت ده بالظبط. والكل مشغول ومسحول وإنتي كمان مضغوطة من كل اللي عليكي. فتدوري في اللحظة دي على حد يفهمك ويهتم بيكي. يمكن أكون قصرت معاكي في الفترة الأخيرة بس صدقيني الواد ده بيلعب باحترافية الشباب أغلبها بتلعبها. لو هو جد مش هيعمل كده. ولو هو جد الجد كمان هيركز في مستقبله ومش هيشغل باله بالحوارت دي. زيك كده. إنتي اللي طول عمرك جد وهتفضلي جد وشايفة اللي وراكي ومستقبلك!!!" يسرد عليها بتفهم، وكان من يقف على بعد، "حامد"، خارج الغرفة بأكملها بعدما وجد الكوبان، وقدم واحد منهم إليها في الغرفة والآخر وقف يتجرع منه هو وهو يستمع لحديث أولاده معا. تأثرت من حديثه وتحمست بنفس ذات الوقت. حركت "وسام" رأسها بلهفة وهي ترد عليه بصدق: "أنا فعلاً جد يا غسان وهفضل جد عشان أحقق اللي نفسي فيه مش هتلفت ورايا وجنبي لكل ده. ومش هخون الثقة اللي خلتني مترددة ومتوترة بمجرد بس ما التليفون ماسكاه في إيدي عادي!!!" "وأنا واثق فيكي، واثق فيكي أوي وعارف إنك غسان البدري التاني يا جميل. فمش قلقان. سايب ورايا وحش!!!" ضحكت بخفة وهي تتوجه لتعانقه بحب، وبهذه اللحظة علم بأنه أنقذ الموقف باحتراف. كما علم "حامد" الذي وقف من على بعد ينصت ويتابع بتأثر منه. فهو لا يفشل بأن يثبت له في كل مرة بأنه نسخته الثانية، ونسخته الثانية تعانق نسخته الثالثة. قبل قمة رأسها بحب. وسرعان ما أمسكت الهاتف تفتحه ثم وضعت الرقم بخانة الحظر. لا يرى ما تفعله ولكنه يعلم ما تفعله وما فعلته هي. نهض بخفة. فاعتدل "حامد" يسير بعيداً تزامناً مع خروج "غسان" وهو يحثها على المذاكرة والصمود. بحث عن الكوبان. ثم خرج ووجد "حامد" يضحك عليه بخفة وهو يؤكد له ما خمنه: "أيوه أنا اللي أخدتهم. لقيتهم من غير أصحاب فقولت خديهم يا واد يا حامد واحد ليك والتاني للبنت اللي تعبانة. خبطت عليها وعطيتهولها وكانت يا عيني متغطية بالبطانية كلها على بعضها. فقولت لها هو ابني ما بيحضنكيش عشان يدفيكي ليه؟ قالت لي أصله قاسي أوي يا عمو. فقولت لها خشي يا قلبي في حضن عمو أنا مش قاسي أنا حنين!!!" يسرد بخفة ومشاكسة جعلت "غسان" يضحك رغماً عنه وهو يسأله بتشكك: "بقا هي قالت لك كده؟" أكد والده بكذب، وهو يضحك. فردد "غسان" بمرح وتبجح له وهو يتخطاه: "لا دا إحنا ندخل نغير الفكرة دي بقا!!" تخطاه وهو يردفها فأكمل "حامد" طريقه لغرفته هو الآخر. في حين أغلق "غسان" الباب خلفه. فوجدها تتردد بهجوم وهي تندفع بقولها له: "مين دي؟!!!!!" وجهت له هاتفه بصورة مع فتاة ما ذات أعين خضراء وشعر بني داكن طويل وكان هو بجانبها في الصورة. ابتسم بإستفزاز وهو يقترب ثم حرك كتفيه ببساطة وهو يرد: "دي سندس!!!" ضغطت على فكها بنفاذ صبر وهي تهاجمه بشراسة وسخرية منه: "يعني مين يعني؟!" "الإكس بتاعتي زمان!!" قالها بإعتراف. فحركت الصورة إلى صورة أخرى وكان "شادي" يمسك بها كف الفتاة. وجهتها له أمام عينيه وهو تواجهه مرة أخرى بـ: "أومال إيه ده؟" "ما هي إكس شادي هو كمان!!" رفعت شفتيها باستنكار وهي تجيبه بشهقة معترضة: "يا سلام! حتى دي بتتقاسموا فيها؟" "ما هي تستحق الصراحة. وبعدين إحنا زمان مكناش بنسيب حريمنا تروح لواحد غريب. رجالة ودمنا حامي!!" "فتقوم مرتبطة بيكم ورا بعض صح؟!" جلس وهو يتعمد رسم ملامح الهيام وهو يشرد. مصمص شفتيه برواقة، وهو يتذكرها حينما قال: "دي كانت حتة فـ...." وقبل أن يكمل وجدها تقذف الهاتف عليه بغيظ، وهي تقلب عينيها بملل، حتى توجهت لتجلس بعيداً عنه وهي تتحدث من بين ضغطها على أسنانها: "طبعاً.. مش غريبة من واحد عينه زاېغة زيك. عينها مش حلوة على فكرة وشعرها مش ناعم طبيعي عشان تكون عارف بس!!!" كبت "غسان" ضحكته وهو ينهض ليجلس بجانبها تزامناً مع رده وهو يذكرها: "ما أنا مكنتش بحب الشعر السايح أوي ده. فسيبتها ومن ساعتها وأنا بدور على واحدة شعرها زي شعرك. لحد ما لقيتك فوقعت فيكي!!!" علم كيف ينسيها الوضع. طالعته باستنكار وهي تعطيه كتفيها بأخذها موقف. فضحك هو وهو يسألها بمرواغة: "مش هتقولي لي طيب وقعت في حبك إزاي وشوفت شعرك إمتى أول مرة؟ بما إنك بتنسي الحجاب أكتر ما بتلبسيه!!!" سخر منها وهو يتغزل. فحدجته بحدة وهي ترد: "أنا مطلعتش بشعري أول ما جيتوا، كنت ملتزمة بالحجاب على فكرة. أنا ملتزمة بيه على طول واللي حصل ده من توهاني مش أكتر!" "لأ طلعتي بشعرك أول ما جيت، أفكرك!" اقترب في قوله الأخير يهمس. فأبعدت وجهها عنه وهي تطالعه مومئة برأسها بنعم. فاعتدل يجيبها بتذكر، وكأنه أمس حينما قال وطبيعته اللماحة في كل شيء تظهر: "أول مرة شوفتك فيها كانت بالفستان الأزرق اللي كان هياكل منك حتة، وإنتي بتقدميلنا العصير كان بحجاب!" وأكمل سريعاً بالإجابة: "هي تاني مرة بقى، لما جيت أودي الكوبايات ليكم وطلعتي إنتي فتحتي بشعرك. قعدتي تستوعبي إن في واحد واقف، فمديتي إيدك جنب الباب ولبستي الحجاب. كنتي عاملة كحكة فوق راسك بتوكة سودة حرير!" يسرد بالتفاصيل ذلك الجريء الوقح الذي لا يغفل عنه شيء بهذه الأمور أبداً. ضحكت بإستسلام وهي تتذكر حتى رددت بسخرية: "عينك دي هتوديك جهنم، إن مخرّفتهاش أنا ليك لو لسه واخد بالك من أي تاء مربوطة كده!" وأضافت سريعاً بسخرية دون وضع حساب بأنه سيجيب بالفعل عليها: "مش فاكرلنا بالمرة حاجة تانية، إمته كنت حاطة روج نبيتي مثلاً؟ لافة الطرحة لقدام كده يعني مادام ماشاء الله والله أكبر مركز أوي كده!" ضحك وضحكاته العالية تعلو حينما اعتدل بحماس وهو يجيبها بحب وصدق: "فاكر كل تفاصيلك وحافظها صم، عشان كده عارف إنك مبتحطيش مكياج غير الكحل اللي بيتعبني ده!" وأكمل بصراحة، وهو هائماً بها تائهاً في قهوة عينيها: "فاكر أول مرة شوفتك بالعباية السمرا اللي جننت اللي خلفوني. ساعتها كانت عينك متكحلة والكحل كان سايح وخدك كان أحمر. اليوم ده كان يوم الجمعة، هو اليوم اللي اعترفتلك فيه بحبي، عند شادي في الجنينة وسط الزرع والورد اللي بتحبيهم وقُلتلك بالإمارة 'لابسة الأسود ليه وأنا لسه حي'!" ضحكت "نيروز" بخفوت، متذكرة وهي تلين حتى أجابته بسخرية مرة أخرى: "قال يعني كان خدي أحمر من الكسوف، ما أنت عارف إنه من القلم اللي ضربهولي عمي على وشي!" "قال يعني وإنتي اللي اتكسفتي وتقلتي يا رزقة، دا فلحظتها لقيتك بتقوليلي وأنا كمان بحبك!" قصد البعد عن الحديث التي عادت تفتحه، وقصد بأن يثير شراستها. كانت خجولة، خجولة جداً ذلك اليوم. اندفعت تبرر وتوضح سريعاً: "لأ اتكسفت، وكنت متوترة أوي. بس قتلت التردد لما حسيتها وحسيت فعلاً إنك ممكن مترجعش وتفضل بعيد عني تاني بعد ما كنت اتعلقت بيك، خصوصاً كان ليك ضحكة بتفرح قلبي ومازالت كل ما كنت بشوفك وبتكلم معاك. ساعتها في غيابك كانت الأيام مملة أوي. وماشاء الله يعني يا ابن البدري مخدتش في إيدك غلوة ولا بقيت أعرف كسوف ولا سكوت!" ضحك بخفة وهو يمرر يديه على خصلاتها بحب. فتنفست هي بعمق وهي تطالع عينيه بلين. ثم سألته: "لسه مفيش أخبار عن ماما؟" "لأ.. بس خليكِ منتظرة إنها فاقت في أي لحظة!" قالها بحنو، وهو ينهض. ثم قال مجدداً بعد أن وجد أن لا فائدة من انتظاره لرؤية "حازم"، كما كانت هي مع "جميلة". علماً بأن الوضع المتعب جعل كلا منهما ينفرد بوجعه من جديد. أشار لها بعينيه مردداً: "طب يلا نطلع مادام الدنيا هادية خالص كده. دا حتى شادي من ساعة ما نزل وهو مرجعش بـ يامن!" نهضت ترتدي ملابسها الطويلة تزامناً مع ردها عليه بموافقة: "ماشي، ثواني هلبس!" توجه "غسان" يرفع ذراعيه ليساعدها برفق. وعبث. وما أن ارتدت ملابسها هتف بهمس يسألها: "بقا أنا قاسي يا قاسية!" عقدت ما بين حاجبيها بغرابة من ذلك القول وقبل أن ترد عليه وجدته يتحدث مرة ثانية بثقة: "كنت عارف إنك أهدى من إنك تقولي كده!" لم تفهم ماذا يقول هو ولكنها ابتسمت له برقة على أي حال. ومن ثم فتح هو الباب يضع الكوب في المطبخ كي يقوم بغسله سريعاً. بدلاً منها وبدلاً من القيل والقال الذي بدأ يخاف منه هو ويضع جميع التحسبات لكل حدث سيحدث. وضعها بمكانها. ثم خرج مرة أخرى فوجدها تقف من على بعد وبيديها هاتفه التي تتفحص هي به إلى الآن بغيظ منه. ويتضح بأنها لم تكن "سندس" فقط من كانت بذكرياته! حدجته بقلة حيلة ويأس ولم تسأله بل أغلقت الهاتف ثم لوت فمها بسخرية وهي تقدمه له كي تسبقه بعدما قالت: "خد يابتاع سندس!" "استني بس دا أنا ناوي أسمي بنتنا سندس!!!!" "تعالي يا ماما، مصحتنيش ليه عشان أنزل الورشة!" ردد "عز" جملته على "حنان" التي كانت واقفة على أعتاب الغرفة تدقه، تزامناً مع نهوضه من على الفراش وهو يحاول فتح عينيه بعد نومته هذه. اعتدل يغلق أزرار قميصه مع رفعه لكفه وهو يرجع خصلاتها إلى الخلف بإفاقة. ابتسمت له "والدته" بحنو وهي تجيبه تزامناً مع جلوسها بجانبه على الفراش: "أنا قولت أسيبك مرتاح يا حبيبي، ومسمعتش يعني تليفونك رن ولا حاجة. قولت بقى يبقى محدش محتاجك دلوقتي هناك!" تنهد "عز" يأخذ أنفاسه ببطء وهو يحرك عينيه ناحيتها وهي تجلس صامتة مرة أخرى بتردد. وضع كفه على كفها وهو يربت عليها ثم قال بثبات: "قولي يا أم عز عايزة تقوليلي إيه؟" اعتدلت في جلستها باهتمام وهي تعقد العزم بأن لا تتردد في قولها. تنفست بعمق وهي تتحدث قائلة بنبرة هادية لينة: "سامح اختك يا عز. عديها لها يا بني أنا مش مبسوطة وأنا شايفاكم كده!" صمتت ثم قالت بحماس عفوي: "مش يمكن لما تسامحها جميلة كمان تقدر تسامحها!" عند هذه الجملة نظر لها بغرابة ولوم بآن واحد فتعمد السرد بوضوح عليها كي لا تفكر بما تفكر به: "أول حاجة أنا مليش سلطان ولا كلمة على قلب حد. يسامح ميسامحش دي حاجة مش بإيدي. ولو أنا عديت، فأنا مش هعدي لمجرد إني بعدي عشان جميلة كمان تعدي. حبها شكل وحبكم عندي شكل تاني خالص ودي الحاجة التانية اللي عايزك تعرفيها. إنتوا مؤخراً بقيتوا عندي زي ما يكون واحد ولو ربنا كرم فعلى قريب هتكون جميلة هنا معانا. ومقارنة جميلة وفرح مع بعض متنفعش يا أم عز لا عندك ولا عندي. عشان دي أختي ودي مراتي وأنا مش هحب أختي عشان مراتي سامحتها ولا مش هسامح أختي عشان مراتي ماسمحتهاش! كل الحكاية وقت وضغط مش عارف إمته هيختفي ويروح!" عندما شعرت بأنه متمسك بالأخرى كثيراً، بدأت تفكر بأنه بالفعل غير طبيعي في حبها. بل وستبعده عنها وعن ابنتها الوحيدة رغماً عنها كان شعورها كونها لم يكن لديها سواه! حركت رأسها بقلة حيلة ويأس وتفهم. ثم غيرت مجرى الحديث سريعاً عندما سألته بمشاكسة: "شد حيلك يا حبيبي دا يوم المنى لما تتجوزها وتيجي هنا قريب على قولك. ألا قولي إزاي صاحبك العريس صحيح؟" قصدت "غسان". فابتسم لها بسخرية وهو يرد قائلاً: "صاحبي العريس ملحقش يفرح أصلاً يا أم عز. ربنا معاه. لسه أمه مفاقتش!" نظرت بحزن عليه وعلى حاله وحال الأخرى وهي تدعي لهما سراً بينها وبين نفسها. وسرعان ما انتفضت بخفوت وهي تتذكر ما لمحته قائلة: "صحيح افتكرت. أنا يا خويا كنت طالعة أنشر في بلكونة بت "فرح" عشان بيجي فيها شمس على الهدوم. لمحت كده حد من التوأم دول واقف. قولت يمكن بتهيألي ولا حاجة بس مش معقول هتخيله مرتين!" ترقب ملامحه وهو يعقد ما بين حاجبيه بغرابة ثم قال: "إزاي حد منهم؟ دا واحد قاعد جنب مراته مبيسبهاش عشان ظروفهم والتاني يعني دكتور ومن المستشفى للبيت والمستشفى اللي فيها أم مرات أخوه؟ تلاقيّك بتهيألك بس بتحصل!" "مش عارفه يا خويا يمكن!" كاد أن يتحدث مجدداً، ولكن قاطعه صوت أحد الرسائل الذي التقط هاتفه ليرى محتواها، ولم يكن المحتوى سوى الحالة الخاصة بوالدة "نيروز". وبنفس ذلك الوقت كان بالخارج بالفعل. لم تكذب ولم تكن تتخيل. في كل مرة تسوقه قدماه ناحية منزلها أسفل غرفتها، وكأنه يريح نفسه بذلك. فعلها أكثر من مرة، وكم يتمنى في كل مرة أن تظهر، ولكنها لم تظهر. في كل مرة تظهر والدتها، والتي ما أن يراها يحاول الاختباء خلف الشجرة الكبيرة كي لا تراه. لا يمل من فعلها رغم أن مجيئه هذا لا يعتبر مفيداً. بل وهاتفه الذي يمسكه بيديه على صفحتها الشخصية على الفيسبوك. يتذكر أول المرات التي راسلها عن حالها وردت عليه باقتضاب. سألها كونه طبيباً، ولم يكن يعلم بأنه سيسألها مجدداً بعد ما فعلته هي. من ضمن خمس مرات ردت عليه مرة واحدة، ومن ثم لم تجب. وهو الذي لا يمل في رغبته في الاطمئنان عليها. في كل مرة يكون فيها على مشارف اليأس، ولكن الإصرار لديه كان أقوى. لم يكن يتجاهلها ويعيش حياته وكأنها لم تكن، بها بعد حديث شقيقه الأول في السيارة. بل جاراه كونه يعلم بأنه لم يصمت، ولم يكل، ولم يمل من التفكير بها. لا يعلم هو ماذا فعلت هي له كي يحدث له كل ذلك. بل والامل الكبير في ثقته بأنها ستوافق عليها من أهله وعائلته، بل وأهلها. وهي من الأساس. لم ينظر إلى تعقد الوضع، بل نظر إلى شعوره وشعور قلبه تجاهها ويصدقه بالفعل. تلهف عندما سمع صوت هزات في جيبه بعد أن وضع الهاتف به. اعتقد بأنها هي من أرسلت، ولكن خابت ملامحه وترقب بشدة ما أن وجد أن الرسالة خاصة بحالة "والدة زوجة أخيه". الكل يهاتف من "بدر". الكل يبدأ في أن يعلم الحالة، أما فاقت أو ذهبت لعالم آخر مجهول بالنسبة لهم، ومعلوم لديها هي "الموت". لم تعلم "ياسمين"، و"حازم" بسبب ذهابهما لعالم آخر بنومهما. والكل يعلم بالفعل، ولكن كل منهم بشقته. وعند شقته هو، شقة "غسان"، والذي كان في المرحاض منذ دقائق. وكانت "نيروز" جالسة في الخارج، تقوم بترتيب مفرش الفراش، وإخراج ملابس لها من الخزانة كي تستعد للنوم بها، بعدما قامت بكنس طفيف لأحد الأركان بالخارج. اعتدلت بتعب وهي تأخذ بعضاً من الملابس الذي ألقاها هو بغير اهتمام على الأريكة قبل أن يدخل، ثم من ملابس أخرى من خلف الباب وعلى المقعد، وفي سلة الملابس التي توجد بجانب باب الغرفة. زفرت بضيق منه. فاتضح إنه يخلع ملابسه بأي مكان غير مرتب، إذن وسيتعبها. أخذت تهذي بكلمات غير مفهومة وهي تتوجه بالسلة الكبيرة ناحية غسالة الملابس الإلكترونية في المطبخ لتضعه بجانبها إلى الصباح. ومن ضمن الكلمات التي عادت تقولها وهي تدخل الغرفة مجدداً: "شخص مهمل قال علي هدومه في كل حتة، مش فاهمـ..." قطعت "نيروز" حديثها بغيظ ما أن لاحظت غيابه في المرحاض. توجهت لتقوم بالدق على الباب مرددة بضيق: "ما تخلص، إيه كل ده؟" وجدته يرد عليها بكلمات غير مسموعة، ولكنها قلبت عينيها بملل ما أن سمعته يحثها على جلب ملابس فوقية له. أخرجت له ثم وضعتها وهي تعلمه أنها بالخارج. تنفست بتعب وهي تقلب عينيها بإنهاك ما أن نظرت نحو صينية العشاء التي أعدتها قبل قليل. انتشلتها وهي تتوجه بها إلى المطبخ، ثم رتبتها أولاً، تضع الطعام في الثلاجة، ومن ثم بدأت بغسل الأطباق وهي تبتسم بسخرية على حالها. ومن ضمن شرودها قلدت نبرته وهي تتذكر قوله: "قال هساعدك قال، وهتعلم عشانك!" في بداية الزواج والطريق وتفعل كل ذلك. وبخفة وجدته خلفها بخصلاته المبللة بعدما ارتدى ملابسه بسرعة ثم خرج. ضحك وهو يقف بجانبها ثم رد قائلاً بصدق: "أنا كذبت في إيه طيب؟ عديني وأغسلهملك!" "آه عشان تسيبهم مش نضاف أوي زي ما مامتك بتقول. إنت متعلمتش من أخوك ليه ها؟" ضحك وهو يخلع عنها مريلة المطبخ ثم قال "غسان"، بنبرة ضاحكة: "لا هنضفهم حلو عديني بقا، وأخويا اللي إنتي فرحانة عشان بيعرف يعمل ده، هيطلع عين اللي هيتجوزها عشان بيحب الأكل وكل شوية هيقعد يلبص أطباق ويغسل أطباق ويعمل أكل وحوارات، لكن أنا غلبان باكل الموجود وخلاص!" طالعته باقتناع وهي تبتعد، ثم ابتسمت ما أن وجدته يغسل البقية بالفعل مع قوله الحاني لها: "وبلاش تقفي وإنتي تعبانة، روحي شوفي لو هتغيري هدومك، وعما أخلص أنا!" حركت رأسها بالإيجاب، وقبل أن تتوجه لتقبله من وجنتيه تذكرت ما فعله فرددت تشير له بيديها بانفعال: "انت عارف لو لقيتك راميلي هدومك في كل حتة كده تاني هعمل إيه؟" "إيدك دي متشاوريش كده بيها تاني قولتلك... فأخرجي برا أحسنلك بدل ما أقولك أنا اللي هعمل إيه!" التفت برأسه وهو يجيبها بجمود. نظرت له "نيروز" بضيق ولم تجبه، بل خرجت وهي تقاوم شعورها وتفكيرها بحالة والدتها. والتي ما أن دخلت تحمل ملابسها من على جانب الفراش، سمعت صوت يعلم بقدوم أحد الرسائل من هاتفه، وشاشته التي أضاءت على فجأة. تركت ما بيديها وهي تمد يديها تنظر نحو الهاتف، هي تلتقطه، وما أن نظرت به فتحته ولتنظر نحو مضمون الرسالة والتي كانت من "بدر". ابتلعت ريقها وهي تدخل المحادثة حتى وقعت بعينيها على الرسالة ومضمونها. ولأنها كانت تتوقع وشعور آخر لا يتوقع، وتتذكر ما مضى، صُدمت، ودقات قلبها تتسارع بقوة ويديها المرتعشة تهتز بالهاتف ما أن قرأت مضمون حالة والدتها بالرسالة المجهولة له، وهو واقف خلفها ينظر نحو ملامح وجهها الذي لم يفهمها إلى الآن. ولكنه كان يعقد العزم على أن ينتهي سريعاً، وهو يتحمس كي يخرج لها ما قد ابتاعه لها قبل الزفاف ولم يستطع تقديمه بسبب الأحداث. بل وظل كذلك إلى أن قتل التردد وهو يقرر بأن يهديه لها ويترك الظروف تسير كما تشاء. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي ترفع عينيها بتيهة حتى تقابلت مع عينيه. تيقن حينها أن الرسالة المجهولة وحالة والدتها المجهولة الذي لا يعلمها إلى الآن هي السبب القوي بمشهدها هذا. فما مضمون "الرسالة المجهولة"؟ "حينما ترافقنا الحياة بما نتشهي وما نريد تصبح الأيام لينة وأكثر سهولة تمر دون مر، وهذا ما نريده. ولكن يهزمنا الشعور في النهاية بالسؤال للأيام: ستظلين هكذا أم ستنقلبين في لحظة دون أن نشعر؟ سؤال نسأله ونحن نعلم جيداً أن لا وجود للأمان المستمر بها كونها سريعة الانقلاب دون ذرة واحدة من الشفقة عندما تسلب السعادة وتحل محلها وجع فيصبح أضعاف مضاعفة." كلمات وعكس كلمات. شعور وعكس شعور. ذاكرتها تهاجمها بأحداث ليلة أمس. ولكن هل كانت مهاجمة ذكرياتها معها أم عليها؟ هذا ما تعيده هي وهي تتذكر حينما.. ابتلعت ريقها وهي تدخل المحادثة حتى وقعت بعينيها على الرسالة ومضمونها. ولأنها كانت تتوقع شعوراً آخر لا يتوقعه ويتذكر ما مضى، صُدمت ودقات قلبها تتسارع بقوة، ويداها المرتعشة تهتز بالهاتف ما أن قرأت مضمون حالة والدتها بالرسالة المجهولة. وهو واقف خلفها ينظر نحو ملامح وجهها الذي لم يفهمها إلى الآن. ولكنه كان يعقد العزم على أن ينتهي سريعاً، وهو يتحمس كي يخرج لها ما قد ابتاعه لها قبل الزفاف ولم يستطع تقديمه بسبب الأحداث. بل وظل كذلك إلى أن قتل التردد وهو يقرر بأن يهديه لها ويترك الظروف تسير كما تشاء. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي ترفع عينيها بتيهة حتى تقابلت مع عينيه. تيقن حينها أن الرسالة المجهولة وحالة والدتها المجهولة الذي لا يعلمها إلى الآن هي السبب القوي بمشهدها هذا. فما مضمون الرسالة المجهولة التي أوقفتها بذلك الوضع؟ سقط الهاتف من يديها وهي ترفع عينيها له حتى أدمعت، ومن ثم تفاجأ هو بركضها من نهاية الغرفة لبدايتها وهي تنتدفع بأحضانه باكية. اندفع "غسان" من فعلتها بتفاجئ، فوجدها تبكي بصوت وهي تضمه حتى تنفست بعمق شديد وهي تتعلثم بالحديث قائلة بنبرة مرتفعة متعلثمة: "ماما فاقت يا غسان، فاقت والله العظيم. شوفت الرسالة، أنا شوفتها وهو بيقولك إنها اتكلمت معاه. أنا.. أنا مش مصدقة أنا فرحانة أوي أوي!!" تردف الحديث بدموع وفرحة وضحك وابتسامة. أخذ "غسان" أنفاسه بسعادة وارتياح وهو يعانقها براحة كبرى. حتى قصد هو ظهور اللهفة المبادة له منها كي يشعرها بالسعادة التي لم تراها منذ زواجهما: "كنت عارف، كنت عارف إنها هتفوق وهتبقى زي الفل يا نيروز!!" أيعقل أن يتبدل الحال؟ يرى البعض بأن رد فعلها قد يكون مبالغاً به، في حين بأن تفكيرها بضياع والدتها منها مثلما رحل والدها كان يهاجمها هذا الشعور بكثرة دون راحة. لأول مرة تستطيع أن تشعر براحة البال حقاً. خرجت من أحضانه بتيهة من ما فعلته حتى وجدته يبتسم لها باتساع وحنو وهو يرفع كفه يمسح دموعها. والرسائل وصوتها يعلو ودقات الهاتف منهم جميعاً يعلو دون الصعود لهما. فقد اعتبروهما من هذه اللحظة لهما الحق في أن يعيشا حياتهما كأنهما عروسين لطالما لم يسعدا معاً كذلك بسبب هذه الأحداث والظروف. تتذكر رده عليهما بعدم الصعود وحديثه المتبحح لهما والمرح بنفس ذات الوقت. حتى إنتهت بخروجها حينها من المرحاض بعدما بدلت ملابسها بشغف وسعادة كبرى. وجدته ينتظرها على المقعد، وما أن رآها خرجت وقف وقبل أن تتوجه لتمشط خصلاتها، واجهها وهو يقف بطوله أمامها. رفعت عينيها له بسعادة بالغة. يقسم بأنه لم يراها بهذا الحال من قبل. امسك "غسان" يديها يقبلها برقة، ثم توجه يقبل قمة رأسها برفق وهو يسحب يديها حتى جلست بجانبه. وجدته يطالعها بصمت فسألته هي بمشاكسة: "بتبصيلي كده ليه يا بن البدري؟!" طالعها ويطالعها بهيام وشغف قوي لا يعلم من أين أتى. والشئ الوحيد الذي يعلمه وجعله كذلك هو قوله لها بنبرة شديدة الهدوء حينما قال: "شكلك حلو أوي يا نيروز وإنتي فرحانة. يارب أقدر أخليكي كده علطول!!" تأثرت منه بشدة ومن حديثه. وبهذه اللحظة مدت يديها تمسك كفه بحب وهي تردد بنبرة صادقة له: "وأنا والله كده علطول طالما معاك إنت. أنا بحبك أوي يا غسان وعايزاك تعرف إن حتى ثباتي الأيام اللي فاتت كان بسببك إنت. أنا ما كنتش هقدر من غيرك ولا من غير وجودك جنبي!!" هو الذي سيطر على مسكة كفها حتى قبله مرة أخرى بحب وهو يغمز لها قائلاً: "طب وربنا ابن البدري كمان بيحبك ولولا وجودك جنبه ما كان ده بقى حاله!!" قالها بطريقة مضحكة فرددت هي تسأله بمراوغة وهي ترجع خصلاتها المبللة إلى الخلف: "ماله حاله بقى؟!" "عنده ارتفاع في ضربات القلب الوقتي بنسبة ٩٩ في المية!!" اشمئزت من غزله، في حين قالها هو بمرح شديد. انتهت بضحكاتها معه وقد غفل هو عن ما ينوي تقديمه لها بسبب حالتها هذه التي جعلته أشد سعادة منها، خاصة أنها أردفت له بحماس على فجأة: "أنا مبسوطة أوي ونفسي بكرة ييجي بأقصى سرعة عشان أشوفها!!" فقط ظل "غسان" ينظر لها غير مجمعاً الحديث. تاه بين بنتيها الاثنتين محركاً أنظاره بينهما وهو يرفع يديه يمررها نحو خصلاتها تحت تأثر عينيها التي سكنت وصمت لوقت. وقطعت هي ذلك القول وحتى الجلسة بقولها التلقائي السعيد والمتأثر: "أنا فرحانة أوووي. حاسة إني عروسة لأول مرة بعد كل اللي حصلنا ده!!" علمت بأن القول ما هو إلا نهاية وجواب لمشاعره ومشاعرها المختلطة. تشتت بين السعادة البالغة وأقصى ما يهمه هو أن يراها سعيدة. طالعها باهتمام وهي تعتدل ولم يردف سوى جملة واحدة يعتذر بها عن ما كانت رأته على هاتفه. لم ينسى ولم يعتذر هو مباشرة، كما يعلم عنه. ولكنها علمت ما أن سمعت قوله المتكرر لها بنفس ذلك الوضع من قبل: "عيني مبتشوفش غيرك يا بنت الأكرمي!!" تسارعت دقات قلبها كالعادة من قربه وهمساته هذه ولم تجد سوى كلماته المعهودة منه مرة أخرى حينما قالها ولكن بإختلاف نبرتها التي علمتها جيداً وعلمت أن النبرة ما هي إلا تمهيد لاستسلامها له: "ي حلاوة القلب لما يدق يدق!!!" "عودة لوقتها الحالي" عادت إلى وضعها الآن وهي تجلس بجانبه وهو مسطح على الفراش. نهضت من قبله ودخلت المرحاض وفعلت عدة أشياء وهو مازال نائم لم يستيقظ بعد. مررت يديها على رأسه بشرود وابتسامة هادئة تزين محياها كلما تتذكر وجوده بجانبها وبوقتهما معاً. وحتى ليلتهما التي مرت عليها كما لم تمر من قبل منذ هذه الأحداث. تمر في كل مرة ولكن خوفها من حالة والدتها كان رفيقها مهما كانت هي معه وبجانبه. ولكن ما مر وما مضى وهي تتذكر تعلم بأنها تشعر لأول مرة بأنها عروس حقاً. تنهدت "نيروز" تأخذ أنفاسها وهي ترفع الغطاء عنها حتى هبطت تنظر ناحية الإفطار التي وضعته على الطاولة بالداخل. خرجت وهي ترتدي عباءتها المفتوحة على ملابسها المكشوفة قليلاً كي تخرج الملابس من غسالة الملابس. وبالفعل أخرجتها وهي تتوجه بها وهي موضوعة بما يخص هذه الملابس كي تستطيع حملها ناحية شرفة الصالة المفتوحة والتي يوجد بها سطوع الشمس أكثر. بدأت بنشرها بشرود وهي الأخرى توزع نظراتها بين الزرع التي جلبت منه القليل هنا. تشعر لوهلة بأنه سعيد وزاهي مثلها هي الأخرى. تشعر بالحماس والعجالة كي تذهب إلى والدتها بالمستشفى ولكنها تنتظره بأن يستيقظ على راحته هو كونها ترى بأنه أخذ من الضغط منها ما يكفي. وحتى هو ومشاكله مع عائلته التي من الناحية الأخرى تحاول تعويضه وسعادته وعدم تفكيره القوي مثلما ترى هي! تمر الدقائق وهي مندمجة بما تفعله إلى أن انتفضت عندما سمعت صوته الخشن المرتفع كي يصل لها حينما قال بعدما نهض وبدل ملابسه البيتيه لأخرى: "مصممة تثبتيلي إنك ست بيت شاطرة وكده يا رزقة؟ ... طب حتى صحيني!!" التفتت "نيروز" بعدما كانت تنتهي من آخر ما تنشره. التفتت بعد أن انتفضت وسرعان ما رسمت ابتسامة على شفتيها وهي ترد قائلة بلين: "صباح الخير!!" ابتسم لها "غسان" بهدوء. وقبل أن يتحدث وجد رأسها مكشوفة بالفعل وهي تقوم بنشر الملابس في شرفة مفتوحة عكس الأخرى. لاحظت محط أنظاره وقبل أن يتحدث وضعت يديها فوق رأسها بمفاجأة وتذكر وهي ترد سريعاً: "والله توهت ما أخذت بالي!!!" وجدت ملامح الجدية عليه بعيداً عن نظراته الحادة والتي فرت هي مسرعة تتخطاه كي لا تفتعل مشاكل هي لا تريدها الآن. بالأساس تعمد هو الصمت. يقوى برأيه مرة ويرخي مرة أخرى كي تستطيع فهمه. وإن رخى فنظراته لها تكفي. تركها تذهب فتوجه هو يقف نحو السور كي يستطيع أن يأخذ أنفاسه أكثر. فيضيق هو صدره حينما يتذكر وضع "بسام" العنيد وكأن وضعه مع "تاج" يتكرر! يفكر بأمر ما وكلما يهاجمه قوله بأنه لو تدخل بشيء ما سيقطع علاقته به. حتى نبرته وهيأته في قولها كانت صارمة. صرامة لم يراها منه من قبل ولكنه يعلم جيداً أن كل ذلك أتى من محنته السابقة وكأن هذه النتيجة العكسية لما يحدث! خرج من شروده عندما وجد بالعمارة المقابلة منه والشرفة المقابلة له على بعد قليل. طفلان يقفان بالشرفة يلاعبان بعضهما وصوت الضحكات يتخلل إلى مسامعه بقوة. ومن حسن ذلك الحظ بأنهما على ما يبدو عليهما بأنهما توأمان. ولدان توأمان يذكرونه بشقيقه وذكرياته معه! في ذلك الصباح، الصوت لا يوجد ولا يُسمع في الكثير. وحتى الناس ستبدأ في أن تهبط لترى ما أحداث يومها هذا. لذا وجد أحدهما يشير له من على بعد بمرح. فرفع "غسان" ذراعه يشير له هو الآخر وهو يضحك بعفوية. هذه الأشياء العفوية الجميلة بطبيعة الناس التلقائية لا تخرج سوى من "مصر". ضحك وهو يتذكر انخراطهم بأي شيء مع أي شخص. التفتت برأسه وكامل جسده ما أن رآها وهي تضع صينية الإفطار في الطاولة من خلفه. ولم يرفع أنظاره لها سوى عندما سألته قائلة: "بتشاغل وبتضحك لمين كده يا بن البدري؟!" ارتدت حجاب وهذا ما رفع عينيه عليه. خرجت ابتسامة هادئة منه وهو يشير لها بذراعه عليهما قائلاً: "لـ دول... فكروني بيا أنا وبسام مش عارف ليه!" حيرة هائمة ببسمة هادئة وحزن على الذكريات. جلس ووجهت نظراتها نحوهم على بعد فوجدتهما يشيران لهما فضحكت وهي تبادلهم الإشارة. جلست وهي تحرك رأسها قائلة له: "لطاف اوي!!" "عقبال ما تجيبيلي زيهم!!" من المفترض أن يردفها هو بمرح، ولكنه قالها بهدوء شديد وهو يتناول الطعام. كان الرد منها بسمة هادئة دون حديث حتى وجدته يتحدث مرة أخرى بقوله المفسر لما حدث: "وبقولك كده عشان أنا نفسي فعلاً اجيب اطفال منك، وأعمل عيلة وأسرة، زي ما سنة الحياة بتقول. ولو كنت أديتك فرصة نكمل الكلام فـ ده عشان كنت عارف بقية كلامك، وأنا مش عايز حد فينا يكون مجبور على حاجة لمجرد إن التاني عايز ده. أنا بديكي كل الحرية وعشان كده كنت عارف أن كلامك ده كان وقت ضغط وخوف ومخرجش غير من خوفك ده. ولا عايزك فنفس الوقت تعملي حاجة من ورايا. عشان كده أنا سامعك الوقتي ولو مصرة علي رأيك قوليلي وأنا عندي الكلام والرد والتبرير على كل حاجة. عشان عارف ان الوقتي وفالوقت ده.. كلامك هيكون منك إنتي وبتفكير!" مالا تعلمه هي بأنه استخدم اللين وظهوره بأنه سيقدر ما تراه. وهذا الأسلوب عامةً يجعلها توافقه أينما حل. ومالا يعلمه هو بأنها اقتنعت بحديثه أمس لها حتى وإن كان جامداً عليها. ابتسمت له "نيروز" بلين وهي ترد عليه: "لأ أنا مش مصرة ولا كنت مصرة. أنا كنت بعرض عليك وأنا مش شايفة فعلاً غير الخوف. لكن لما رديت عليا حتى ولو كلام متعصب فيه بس فكرت تاني فاللي قولته، خصوصاً إن محدش ضامن وإن دي حاجة من عند ربنا ورزق!" صمتت ترى ملامحه الفخورة بتفكيرها ولم تستشف هي ذلك الفخر والحب إلا عندما واصلت تكمل بصراحة تعلمه بأنها لم تفعل من خلفه شيئاً ولا ستأخذ شيئاً يعيق حملها منه: "وأنا دلوقتي مش عاملة حسابي لحاجة، سايباها لربنا. ولو حصل وربنا أراد إنه يرزقنا أو هيرزقنا فأنا جاهزة من دلوقتي وان شاء الله خير!" كان ينتظر منها حديث كهذا. والأهم بأنه كان ينتظره كي يأتي لها بالحديث الآتي والذي كان لا يريد قوله لها كي لا تفكر به بطريقة ومنظور آخر. خاصة أنها في الفترة الأخيرة حساسة وكان يتحسب هو لكل حرف. أردف ما يقنع به وما يود قوله وما يبرر به على نفسه في نفس الوقت: "علفكرة أنا مقتنع جداً بإن أي اتنين مش عارفين بعض أو مش عايزين يظلموا أطفال بينهم يأجلوا الخلفه. بس أنا عارفك ومطمنلك وبحبك. وغير ده واثق فيكي. وحتى المشاكل والحياة اللي مهما عاندت معانا بس خلاص عرفت إن مهما بيحصل ومهما حصل ملناش غير بعض فالآخر. ودي تعتبر أقصى مراحل الأمان اللي أنا وصلتها معاكي. عشان عرفت إن خلاص مهما حصل بردو فلين قلبنا غالب!" طالعته بحب وهي تحرك رأسها تأييداً وتفهماً حتى انخرطت في الطعام. طالعته وهو جالس بصمت. بين الحين والآخر يبتسم لها فقط. وإنتهى صمته وهو يطالعها بعبث. مردداً: "بس إيه الحلاوة اللي إنتي فيها دي!!" تزامناً مع نهوضها كان قد قالها هو. ضحكت بخجل. وما أن رأت أنه انتهى. كادت أن تحمل الصينية ولكنه نهض يأخذها قبلها وهو ينبس بلين: "سيبيها هوديها أنا. روحي شوفي هتلبسي إيه عشان ننزل نروح المستشفي!!!" سار ليضعها بالمطبخ كما هي دون أن يغسلها. ومن ثم دخل عليها الغرفة بعدما وقف في الصالة دقائق. وجدها تخرج ملابس لها. وقد عقدت حاجبيها بغرابة منه فهرب بمرح من أنظارها وهو يسألها: "يلا خلصي بسرعة.. خلينا نمشي!!" "كنت فاكراك هتغسل الاطباق!!" "ما انا غسلتها!!" تجاهلت قوله الكاذب الذي لم يقله هو سوى أن يربح عقله وفقط. تعلم بأنه أهوج غير منظم ولم تعلم هي ذلك سوى بعد الزواج. رمقته باستنكار. تعلم أنه قد بدل ملابسه ما أن استيقظ سريعاً. ومن ثم أتى خلفها. وقف يطالعها بصمت. وهو يحدج ما أخرجته بيديها. لم تخرج ملابس جديدة بل أخرجت ذلك الفستان الذي كان ضيقاً عليها من منطقة الصدر. ابتسمت له بقلة حيلة ثم قالت سريعاً: "لا مش هلبسه متقلقش. أنا بس إفتكرته من كلامك امبارح. فعشان ضيق كده قولت أخده معايا وأنا نازله أعطيه لوردة!!" حرك رأسه بتفهم. فواصل هو يخبرها بما أثار غرابتها: "ماشي.. حاولي تلبسي حاجة خروج عشان شادي هيروح النهارده يتقدم لـ "منة"!!!!!" "إيه؟!" قالتها "نيروز" بغرابة. فابتسم "غسان". بسخرية وهو يوضح: "المتخلف جاله الخبر إنها فاقت وهو قاعد مع منة. راح قايلها هاجي بعيلتي واخواتي بكره نتقدم وقوللهم ده. هو كان مكلمهم هو وحامد بس إتأخروا عليهم بسبب الظروف دي!!" تعالت ضحكاتها عليه بخفة وهي تحرك رأسها بيأس. حتى سمعته يواصل مرة أخرى يكمل حديثه: "حتى هو امبارح مباتش تحت وروح. عشان بسام رجع من إجازة شغله للمستشفي تاني بعد ما كان أخد اجازه ساعة الفرح. ومشي يظبط نفسه ويجي آخر النهار عشان يمشي معانا من هنا!!" "صاحبك مجنون زيك بالظبط. ربنا يشفيكم. وأه لو منة تعرف إن كان فيه سندس قبلها!!" قالتها بكيد تهدده بطريقة غير مباشرة. فاعتدل هو كي يخرج من الغرفة تزامناً مع قوله لها بغير اكتراث: "قوللها!!" وأضاف سريعاً قبل أن يغلق الغرفة خلفه متعمداً عدم إحراجها كي ترتدي وتخرج سريعاً: "لو هتقوليلها سندس بس قوللها. دا في جيش بعدها وقبلها!!" التفتت بعدما وضعت الدبوس الأخير في الحجاب فوجدته يقف يطالعها بصمت من خلفها. تعلقت عينيها الخضراء بعينيه للحظات. ومن ثم لا يعلم هو كيف أمسكت كفه بذلك الحنو عليه حتى فعلت فعلتها المعتادة وهي تضعه على معدتها برقة. حتى همست بعدها بنبرة هادئة صادقة تحثه على الصمود: "أنا وهو بنقولك إن إحنا فخورين بيك أوي يا بابا." شعر بقشعريرة تسري بجسده ما أن شعر بالفعل بمدى كبر مكانة هذه الكلمة التي قالتها في آخر حديثها. وبالطريقة الذكية علمت كيف تخرجه وستخرجه من ما هو به. ترقبت ملامحه باهتمام وهو ينظر إليها بشغف. عندما ردت ياسمين مرة أخرى: "وبنقولك لازم تبقى جامد عن كده مادام إحنا جنبك. هتحتاج إيه تاني؟" تسأله بخفة ومرح طفيف. فضحك حازم بخفوت وهو يسحبها من يدها كي يعانقها مع رده عليها: "مش هحتاج حاجة تاني فعلاً. طالما معاكم وجنبكم." تنفست بارتياح وهي تخرج من بين أحضانه وسرعان ما خرجت نبرته عليها بحب حينما قال: "أنا مبسوط يا ياسمين صدقيني. وعايزك تبقي مبسوطة. عشان أنا فرحان إنها فاقت وإن شاء الله ترجع وتبقي وسطنا من تاني!!" تعلم بأنه يريد أن يخفف عنها. لذا ابتلعت ريقها وهي تردف قائلة بحديث يرتبط به هو الآخر: "أنا كمان مبسوطة. وعارف ربنا ممكن يقطع من حته ويوصل من حته تانية. امبارح كنا فـ إيه بس ربنا عوضنا بإيه؟ بحاجة كنت خلاص حاسه إنها ممكن متحصلش مع إني مش كده وكنت واثقة إنها هتفوق. بس لما لقيتك كده حسيت إن الدنيا كلها بتتقفل في وشي وكأن اللي حصل ده حصل فيا أنا مش فيك. أنا بتأثر بيك أوي يا حازم ونفسي تكون مرتاح وترمي كل ده ورا ضهرك زي ما عرفت ترمي زمان ومن فترة. أنا شايفة جميلة قوية عشان عز جنبها. عرفت ساعتها إن قرار رجوعهم لبعض كان أصح حاجة. وكل ما بقول على غسان مجنون بيرجع في كل مرة يعلى في نظري. كنت عارفه إنك خايف. بس عشان هو جنبها هي متماسكة زي بالظبط وأنا جنبك نفسي إنت كمان تكون ثابت. علشان نقدر إحنا الاتنين بتماسكنا ده نعوض فريدة ونقف جنبها أكتر وتشوف قوتنا فتكمل بقوة هي كمان. أنا عيلتي دي هي عيلتك. عارفه إنها هي هي يعني بس مش القصد. قصدي إن اخواتك اخواتي وهمهم همي أنا كمان. عشان كده بطمنك من ناحيتهم وبقولك لازم تكون مطمن إنت كمان ومتماسك عشانهم وعشاني وعشان اللي جاي لينا فالطريق يا بن عايدة الحلوة!!" يشعر بدفء الحياة بسببها هي في كل مرة. يعلم بأنها أقوى منه بالتحمل هي الأخرى لذا يطمئن في وجودها أكثر. لم تجد منه سوى التأثر الذي بان في عينيه وحديثه حينما قال: "بحاول. وهحاول يا ياسمين عشانك!!" "وانا معاك بكل محاولاتك!!" ضحك عليها وهي تردف ذلك بمشاكسة. قبل قمة رأسها برفق. وسرعان ما توجهت بعدما ابتسمت كي تفتح باب الغرفة. وجدت بالخارج عايدة وهي تقف مع عز الذي أتى وهو ينتظر جميلة كي تخرج من غرفتها في حين بقيت فريدة بشقة والدتها منذ أمس. "اقعد يا حبيبي على ما تخرج. فاتها خلصت!" "أنا هستنى برا مع غسان هو قالي إنه نازل فالاسانسير اهو.. وعلى ما حازم يخرج." وجد حازم يقف أمامه بسرعة ومن ثم فتح ذراعيه. عانقه عز بغرابة. وقد خلى المكان من النساء وهما يدخلان لـ جميلة كي تتعجل. ابتسم له حازم ومن ثم بدأ بالحديث دون مقدمات: "يمكن تتفاجئ يا عز من كلامي ده. بس عاوزك تعرف عشان ننهي الكلام في الموضوع ده. إنك غالي أوي عندي وإني يمكن أكون ظلمتك وعيشتك أوحش أيام ممكن كانت تمر عليك. بس عشان دي أختي وكنت خايف عليها أوي. مش ندمان إنك ليها. وإنك كمان جوزها رغم الظروف اللي موجودة واللي تمنع ده. بس انت الشخص الصح ليها. وبوصيك بعد اللي حصل امبارح ده إنك متجيش عليها يا عز ولا تعايرها وعارف إنك بتعوضها وهتعوضها. عشان صدقني وبقولهالك بكل صراحة هادية لو اختي جت فيوم وعرفت إنك جيت عليها بمجرد كلام مش هتكون ليك بعدها حتى لو مين حاول. مش عايز أكرر غلطات شوفتها وبعاني بسببها أعذرني.. وأنا عارف إنك راجل!!" تنهد عز يأخذ أنفاسه وهو يرد عليه بثبات وهدوء: "مش هقولك عيب منك تقول كل ده ولا هجادلك. بس الأيام هتثبتلك يا حازم بوجودها معايا. وعشان كده عايزين قاعدة كده نتفق فيها ع الفرح!!" لم يتفاجأ حازم من قوله بل حرك رأسه إيجاباً. كونه مجهز ويعلم أنهم مستعدون لذلك إلى أن تنتهي هذه الأحداث التي تحدث. شهقت جميلة من خلفهم ما أن سمعت قول كهذا وهي تردد بتوتر ونبرة مرتفعة: "إيه السرعة دي!!!" كان الخوف المضحك رفيق نبرتها لذا التفت وهو يضحك بخفة مع شقيقها وسرعان ما أجاب بخفة يحذرها: "وحياة حماتي اللي واقفة جنبك دي تسكتي خالص. أنا مصدقت موافق من غير أي اعتراض وتحكمات دماغه دي!!" كان باب الشقة مفتوحاً. وهم من أمامه. لذا رد غسان من على بعد وهو يدخل بتبجح حينما وقف معها يستمع إلى الحديث: "يلا كل واحد يبوس إيدي بالدور على اللي جمعهم من تاني بكتب كتاب على طول!!" دخلت خلفه وهي تبتسم بقلة حيلة منه ومن تبجحه مع ضحكاتهم في الداخل. فردد حازم بعدها له بثقة: "هو مش كتب كتاب بس اللي الواحد شايلهولك يا جميلة دا حاجات كتير يا غسان والله. ربنا يخليك لينا يا صاحبي!!" قصد ما فعله مع شقيقته وأحداث أخرى. عانقه كونه يراه أول مرة بعد ما حدث في المحكمة وعلم بها آخر الأحداث. عانقت نيروز النساء والفتيات. ودخلت وردة هي الأخرى تعجلهم مع يامن الذي حمله غسان وهو يقبله ويداعبه مع نيروز مردفاً عليها كلمات خاصة برغبته في الإنجاب سريعاً بطفل مثله. ووسط خروجهم للخارج حيث انتظار عائلة غسان وقفت جميلة في مواجهة عز الذي ابتسم لها بسمة رجولية زينت محياه وهو يقول: "أبيض بردو يا ملاك إنتي. هتروحي فين تاني بجمالك ده يا جميلة قوليلي!!" خجلت من تلميحه وهي تقترب منه. وتعمدت خروج حديثها دون حرج حينما ردت بقولها الذي أثار دهشته: "هروح بيتك يا عز!!" صفق لها بإعجاب. وقد تعلقت عينيها بعينيه لمدة دقائق يسمعها هما الأصوات في الخارج. وبقت هي تائهة إلى أن قالت له دون مقدمات: "كنت فاكراك هتاخد جنب شوية مني أو هتكلمني على قد الكلام وخلاص بسبب اللي حصل امبارح. وأنا آسفة يا وقت يرى بأن ما به غير منطقي للغاية، وأوقات أخرى يرى بأنه الصواب والكل من حوله على خطأ. يرسل لها رسائل مرة أخرى ولكنها لم تجب، لم تمسك الهاتف إلا نادرًا من الأساس. كان اليأس رفيقه وهو ينهد. ولحظة واحدة هزته وسارعت من دقات قلبه هي انتباهها له حينما هتفت عالياً من الشرفة وهي تقوم بأخذ الملابس من على الحبل: "إنت يا اسمك إيه؟!" لم تكن الكلمات سوى من "حنان" التي لاحظته، وكي تكذب وتصدق ما تتخيله هتفت تناديه رغم عدم علمها هو من بينهما خاصة أن ذقنه نبتت هو الآخر فأصبح مثل شقيقه! ابتلع "بسام" ريقه بصعوبة وهو يغمض عينيه يأخذ أنفاسه كي يتحلى بالثبات، ثم التفت ينظر ناحيتها على بعد. وما أن رآها تشير له بيديها، تحرك بضع خطوات وهو يرفع رأسه وكانت هي أعلى من الشارع بقليل. ابتسم "بسام" لها بسمة مهزوزة لم تظهر حينما قال بترحيب لها وهي تنظر له بابتسامة واسعة: "إذيك يا أم عز؟ إيه الأخبار؟" وضعه وكأنه متبجح وهو لم يكن كذلك طوال حياته، لذا سيخرج لها المبررات الذي رتبها بعقله لقدومه إلى هنا. سيكذب وهو الذي يتسم بالرزانة لمن لا يعرفوه، بل والانتظام أكثر على مبادئ جيدة عن شقيقه! ابتهجت ملامحها ما أن تأكدت من شكلها بوجود أحدهم أمام منزلها. رددت بلهفة تتحدث وتجيب عليه بترحاب حار: "الحمد لله، إذيك إنت يا حبيبي؟ تعالي أدخل اتفضل.. استنى هروح أفتح لك الباب ميصحش وقوفك كده!" وود لو يركض إلى منزله الآن. حاصرته ولم تعطيه الفرصة للرد بالرفض، بل وجدها اختفت سريعًا. لذا أُجبر على الدخول من الباب الرئيسي للداخل أمام باب شقتها التي فتحته ووجدته أمامها. مدت يديها ترحب به فمد يديه يصافحها رغم حرجه، ووجدها تردد مرة أخرى بلهفة: "تعالى أدخل يا حبيبي ميصحش تقف على الباب كده!" حاول رسم الثبات على ملامحه ثم قال بهدوء: "الله يخليكي يا أم عز. هو عز فين؟" "هو مش جالكم يبني؟" اهتزت ملامحه وهو واقف وسرعان ما أنقذ نفسه بتعلثم لعدم قدرته على الكذب: "آه.. آه جالنا فعلاً!" عقدت ما بين حاجبيها بغرابة منه ومن وجوده ولم تستطع قولها، بل راوغت وهي تردد مرة أخرى وهو واقف: "أومال.. طب هتفضل واقف كده.. ما تدخل يبني!" ضغط على أسنانه بندم من ضغطها ومن قدومه من الأساس. حاول الثبات للمرة التي لا يعرف هو عددها، وكانت ملامح الحرج عليها وهو يجيبها قائلاً بـ: "مرة تانية إن شاء الله. ميصحش أدخل طالما عز مش موجود. مع السلامه!" تصمم على الضغط عليه. ود لو يسب لأول مرة بحياته يسب نفسه لمجيئه إلى هنا! عندما قاطعت سيره وهي تمسك ذراعه قبل أن يرحل وهي تسحبه بعفوية وحزن: "انت زي عز يا بني أدخل ومتزعلنيش منك بقا يلا!" أُضطر للرضوخ وهو ينساق وراء حديثها. دخل خلفها وهو يهبط رأسه بحذر من جلوسها براحة في منزلها رغم لهفته برؤيتها. ومالا يعلمه هي بأنها لا تخرج من غرفتها بالأساس. انتهى بجلسته بحرج في غرفة الضيوف وهي تدخل عليه بعد وقت بكوب من العصير تضعه أمامه بلطف، ثم جلست مقابله وهي تردد عليه: "منور يا...." توقفت عن الحديث بتعلثم. فرمقها بلين وهو يبتسم مجيبًا إياها بلطف: "بسام.. معاك بسام!" "معلش يا بني استحملني لحد ما أعرفكم من بعض. إحنا يعني بقينا عيلة وحبايب بعد اللي عملتوه مع عز ابني!" يود الفرار الآن وبكل سرعة ولكن بعد فوات الأوان. رد عليها بلباقة تتناسب مع شخصيته: "متقوليش كده ده عز أخونا!" صمتت لا تعرف كيف تفتح الحوار. وقبل أن ينهض، سألته باهتمام وحرج مرة أخرى: "أنا بشوفك هنا بقالي كام يوم حتى قولت يمكن بتهيألك يا بت يا حنان بس لما شوفتك النهارده اتأكدت.. إيه سر مجيتك دي؟ لتكون يا خويا عايز تيجي لعز ومحروج.. لا البيت بيتك والله و...." يعلم أنها عفوية ومضحكة بل واتضح بأنها بغير حالتها بمرضها. شخصية أخرى بعد شفاها! قاطعها بكذب لينهي الحديث: "لا.. أنا كنت باجي لواحد صاحبي هنا ساكن جنبكم بشوية!" "دكتور بردو؟" قالتها باستنكار. فرد هو باندفاع دون تفكير: "آيوة" "والله غريبة اول مره أعرف إن أول الحارة فيها دكاترة كده وجيرانا كمان.. ابن مين ده؟" من بين مسكة للكوب وكي يعرف تصنع بأنه كان سيقع منه كي يلهيها. فنهضت تجلب له مناشف ورقية سريعًا وهي تقول بلهفة: "على مهلك يا بني.. حصل خير!" مسحت ما وقع بقليل فقط. وقبل أن ينهض مرة أخرى، هزمه عقله بالسؤال عليها حينما قال بلين: "وأخبارك وأخبار.. الآنسة.. فرح إيه؟" رمقته بحنو وهي تهز رأسها بحيرة مرددة بتنهيدة: "الحمد لله ماشي الحال.. شوية كده وشوية كده" وأكملت سريعًا بتلقائية: "ونبي يبني لو عرفت تقعد كده وتلين دماغ عز ابني من نحيتها عشان يسامحها ويرجع يكلمها قوله. البت يحبة عيني حالتها مش عجباني ونفسيتها وحشه خالص. أنا عارفه والله ان اللي عملته معاكم هناك مكنش سهل بس إنت واخوك بردو ليكم كلام على عز. وهو والله بيعتبركم أخواته وأكتر!" يشرد في حالها من جديد. لذا يشعر أيضًا بالشفقة عليها. حرك رأسه لها بموافقة وهو يجيبها حديث مطمئن ومن بينه جاء بآخره حينما سأل عنها بعفوية: "أومال هي فين.. أنا مستعد أقعد معاها وأكلمها عن اللي بيعمله عز معاها وخليها تطمن. كده كده هما أخوات وملهمش غير بعض!" كانت تتردد في قولها له بأنها نائمة. لذا نهضت ونظر هو بحماس عندما نهضت. وابتسمت وهي تقول: "هشوفهالك يمكن تكون صاحية ولو عرفت تهديها كده من حالتها دي هديها ي بني!" حرك رأسه بشغف. وبهذه اللحظة تبخر كل ندمه وهو يجلس ينتظر قدومها ويتمنى بسرعة على أن تنهض وتأتي له كي يشبع عينيه برؤيتها حتى وإن لم يتحدث معها. انتظر ومن بين جلسته وجد هاتفه يدق برقم شقيقه "غسان". تردد بأن لا يجيب ولكنه أجاب سريعًا قبل أن تأتي من الداخل: "ايه يا غسان؟" "انت فين؟ مش قولتلي هتحصلني على المستشفى؟ أنا وصلت ومستنين ندخلها كلنا ومش لاقيك!" يتردد في قولها وكيف سيقول بأنه الآن في منزلها؟ ذلك الغبي أوقع نفسه ولا محال من ذلك. وقد ذهب به تفكيره بماذا لو علم "عز" من والدته وعلم شقيقه بعد أن كذب عليه الآن.. سيصدق في القول عندما رماها على مسامعه مرة واحدة دون لين بأنها ترتمي على حدة الشباب: "أنا عند فرح بيتهم!" هنا وترقبت جميع ملامح "غسان" الذي كان يقف بجانبه "عز" مع "جميلة". من بين صدمته أردف مرة أخرى كلمة الاعتراض بصوت مرتفع أمام جميع الجالسين "انا حقاً اعترض" بأخذ أول حرف من أول كل كلمة. ضغط "بسام" على فكه منها وما أن رآها تدخل عليه أغلق الخط بوجهه سريعًا بعد هذه الكلمة!!!!!!!! وعلى الجانب الآخر عندما قالها "غسان" نظر له الجميع بصدمة كبرى. وكانت "نيروز" تقف بجانبه. وكزته سريعًا. فسار "حامد" نحوه وهو يحدجه بغرابة مرددًا باستنكار يعنفه: "ايه اللي انت عملته ده!" جنبك بنات واحنا فمكان عام !!!!"




تاه بين الحديث حتى أنه لم يسمعه كاملاً منه وهو يحاول أن يدق على هاتف شقيقه مره اخرى ولكنه اغلفه ، سب سبه بذيئه منخفضه ، وصلت إلى مسامع "نيروز" التي فتحت عينيها على وسعها كما فعلت "جميلة" ، بينما التفت "عز" وهو يعقد حاجبيه مردداً بتساؤل :




_" الله ، مالك ياض ؟؟"




أخذ عليه وعلى طباعه وأسلوبه ، لذا قال له هذا بعفوية وبنفس الوقت بجديةٍ ، إهتزت ملامح "غسان" وهو يحاول أن يخفيها ولم ينتبه لاهتزازه ذلك سوى "حامد ", وهو يسمعه يجيب الٱخر ببسمة هادئه :




_" لا مفيش ، هندخل إمته ؟"




وضعت "نيروز" يديها بكفه وهي تحركه بحنوٍ ثم أجابت بغرابةٍ من توهانه :




_" خمس دقايق يا غسان مالك كده مش مركز ليه ، هو حصل حاجه؟؟،"




تسأله بمنتهى اللين ، وقد ظهرت ملامح الضيق عليه وهو يترك كفها كي يسير بعيداً. عنهم بقليل محاولاً الاتصال عليه مره أخرى ، تفاجئت من فعلته الفاتره هذه ، حتى تقابلت عينيها الحرجة مع عيني"حامد" الذي ربت على كتفها يحاول إخفاء ما فعله هو وهو يقول :




_" استني كده يا حبيتي وأصبري عليه ، بعد ما نخلص نشوف في ايه !!!"




أومأت له بالإيجاب وهي تنتظر ، وانخرط الجميع بالحديث وهو واقف من على بعد يحاول الاتصال به .. قطع شرودها ونظراتها ناحيته صوت "حازم " و"بدر ", الذي كان يحمل صغيره ، قال أحدهما :




_" عشان إحنا كتير كل شويه هيدخلولها وبعد كده شوية تانين يدخلو! "




قالها "بدر" بمرحٍ وقد تعمد هو قولها بدلاً من الممرضه المبتسمه البشوشه ، ضحك الكل بخفه عدا هي والتي تاهت بين ما يفعله هو على بعد بتكوير يديه وضغطه علي أسنانه وحتى إمساكه للهاتف بآنفعال!! ، تركتهم يخططون من الذي سيدخل أولاً ومن ثم ثانياً وهي واقفه تنتظره ولم تدخل إلا معه ، كونها تتأكد من صمودها بسببه إلى هذه اللحظه ، دخلت النساء أولاً مع "حامد" ، إلا فتياتها "نيروز"و"ياسمين"و"وردة" والتي تعمدت كل منهن بالوقوف لتأخذ راحتها معها بإزالة الشوق وخروج من قبلهم بسرعه ، رغم عكس ما يفعلونه بدخولهن هن أولاً ، ولكن ما لاحظوه من ما تفعله "نيروز" بسبب "غسان" جعلتهما ينتظراها !!!!





_____________________________________




قبل دقائق من الٱن .. وجدها تدخل عليه بملابسها الطويلة وبحجابها الذي خرج منه خصلاتها بخواء دون. إهتمام بترتيبه ، بل خرجت بسبب ضغط والدتها عليها ، إبتلع "بسام" ريقه وهو يطالعها ، تتسارع دقات قلبه ويهاب هو بأن يسمعها أحدهم، تعلثمت نظراته بها وتعلقت وهو يطالعها بسكون مريب ، فقط فقدت وزن أكثر ما كانت تفقد وملامحها تغيرت بسبب إكتئابها ، كل ذلك لا يعتبر فارق معه ، بل هو يعجب بملامحها هذه حتى ولو كان هو اجمل منها!! فقط عينيها الذي يتشتت بها ، تلهيه عن الواقع ، بأهدابها الكثيفه وعينيها الواسعه التي تقرب للسواد !! ، دبلت؟ من الحزن ؟، لوهله يحرك عينيه بينها وبين الٱخرى ، فقد تشبه والدتها إلى حد كبير جداً




_" إنت سامعني يا بني؟؟ بقولك أقعد وفرح بتقولك إذيك يا دكتور ! إنت معانا ؟؟"




خرج من شروده بسرعه بحرجٍ وعندما شعر بإهتزاز الهاتف بجيب بنطاله وضعه على وضع الطيران !! ، وهو يجلس سريعاً. محركاً نظراته بقوله :




_" ايوه..إذيك يا فرح أخبارك إيه ؟"




_" الحمد لله"




لا يثير غرابتها سؤاله ، لا تهتم من الأساس بل تسكن وتصمت بطريقة مريبه ظلت ساكنه بعد قولها ذلك ، حتى تنحنح هو بحنجرته وهو يردد مجدداً ؛




_" إحنا ..قصدي مامتك وكل اللي بيحبوكي مش عايزين يشوفوكي بحالتك دي يا فرح ، ليه ممكن تعملي فنفسك كده لما ممكن تحاولي ترجعي عز زي ماكان معاكي وكمان صاحبتك ودراستك اللي سيبتيه وحياتك ،ومستقبلك !!"




كان صحيح في قوله جلست "حنان" تنظر بإهتمام ونظرة الأمتنان تنظرها إليه بشده ، وجدها تبتلع ريقها وهي تنظر بمكان ٱخر تثبت عينيها بشرود وهي تردد بخواءٍ :




_" حاولت!!"




يؤلمة قلبه بسبب حديثها وكسرتها هذه ، رغم أنه يعلم بأنها أخطأت ولكن شعوره بأن يهون هو عليها ويعوضها قوي لا يعلم كيف أتى وهو لا يراها كثيراً !! ، تنهد يخرج أنفاسه يحاول بقدر الامكان بأن لا يظهر ثباته حينما رد عليها بإصرار :




_" ونحاول تاني وتالت ورابع ، وعلفكره حتى لو عملتي إيه فربنا ييسامح يبقى عز مش هيسامح ؟؟..فكري فنفنسك ونفسيتك وحياتك ، وإعرفي إن أخوكي ملوش غيرك فالنهاية !!"




_"عز بيحبها أكتر مني !!"




صُدم من قولها ذلك ، وعلم إلى ماذا تلمح هي ، أدمعت عيني "حنان" منها ، فرد هو سريعاً عليها بـ :





_" مستحيل يا فرح ،عشان عز أستحمل كتير علشانكم وكان قدامه ألف سبب يتخلى عنكم بس هو راجل ، حتى اللي يثبتلك إنه مبيحبهاش اكتر منكم إنها كانت فارقه معاه أوي وكان عايزها بس محاولش ، خد جنب بعد اللي حصل وهو بينفرد بوجعه ، وقعد يقول نفسي احاول عشانها بس محاوش ألا بينا ، محاولش بنفسه عشانكم وعشانك بالذات!!!"




قصد الوضع التي فعلته هي !! ، أدمعت عينيها بتيهه وقد صمتت للحظاتٍ ، تسمع صوت أنفاسه وسكون والدتها ولا تعلم هي كيف رددت وكأنها تتحدث مع نفسها حينما قالت بإعتراف موجع :




_"بس انا محدش بيحبني !!"




هبطتت دمعتها بكسره ، فتقدمت "حنان" تضمها من بين الغصه المريره التي إبتلعها هو بحزنٍ وألم ، لا يعرف بماذا يجيب ، بل أمسك نفسه علي لحظه بأن يعترف لها بحبه ويردف بأنه هو الذي يحبها وهذا كفايةُ بالنسبةِ له !! ، خرجت من بين احضان والدتها ، وسرعان ما سمعته يتخذ نحو ٱخر غير النحو الذي كان يتحدث به بالحديث :




_"واحد أتاخد منه كل حاجه بيته ضناه فلوسه عيلته صحته و لسه بيقول "أرضيت يارب " ؟ ملكك يا رب خذ من دمنا وولادنا ، وطاقتنا عشان ترضى يارب ، وإحنا لو حصل لنا ربع دول بتعب بس بنقول إشمعنا أنا ..وبنقعد نندب كام سنه قدام ، أه الزعل موجود ..والحزن كمان ، وبيسيب علامات جوانا ،مش بتتشال بس مع ده كله لازم يكون الايمان قوي بإن اللي بيحصل ده إبتلاءات من ربنا وامتحانات أو حتى تكفير ذنوب ، أعتبري كل اللي راح واللي إستحملتيه إبتلاء وإمتحان ، واللي عملتيه من غير تفكير هو تكفير ذنب عشان فالٱخر تبقى الجنه سهله ، الجنه درجات يا فرح وعشان كده جينا هنا الدنيا نستحمل ونبني بيت لينا فيها فالٱخر بتحملنا وطاقتنا وصبرنا ده ، مش يمكن فالٱخر بعد كل اللي حصلك ده يبقي ليكي الجنه ؟؟ "




سرد عليها بكل يقين ، تأثرت"حنان " من حديثه ، بينما هي بقت ساكنه تحرك رأسها وفقط ، ومن ثم نهضت ببطئ تبتسم له حتى قالت بنبرة موجعه مخفيه بها الالم :




_"شكراً يا دكتور..عن اذنك!!




وكانت هذه جملتها التي قالتها قبل أن ترحل ، رغم ان والدتها رمقتها ولكنها تجاهلت هي تجلس بمفردها ، علم بأن الحديث معها لم يكن لديه فائدة ولكن رؤيته لها كان هذا الذي يريده ، إبتلع ريقه وهو ينهض هو الٱخر بحرجٍ ، فوقفت "حنان" تهتف بأسف بنظراتها ولباقه في حديثها :





_" لسه بدري يابني !!"




_" معلش يا ٱم عز ، ان شاء الله المره الجايه نقعد ونطول أكتر !!"




لما يلمح ذلك ؟ ، قالها بتلقائيه ثم سار من خلفها وهي تسمعه تشكره :




_"شكراً يا دَكتور "




ضحك عليها وعلى هتفها بلقبه , ورغم حزنه عليها وعلى حالها ولكنه يريد هو من يشكرها الٱن وليس هي ، واهٍ لو علمت هى!! ، أغلقت الباب خلفه بقلة حيلة ، واما هو فحاول أخذ أنفاسه براحةٍ ، ولوهله يعاتب نفسه لحدوث كل ذلك ، ماذا فعل القدر معه في حين بأنه كان يريد الذهاب ؟ البعض يري بأنه وافقه والبعض الٱخر يري بأنها ما هي سوى لبداية مشاكل جديدة لما يترجمه عقل "غسان" بفعتله الجريئة هذه !!




___________________________________________




أما الٱن بالجانب الٱخر ، خرج الكل من الغرفه وهي بالداخل تنتظر فتياتها الثلاثه. !! وقف "عز" بجانب "جميلة" وهو ينظر ناحية "حازم" الواقف يسند "ياسمين" حتى قال له بإذن رغم أن الأخرى تعتبر زوجته: "معلش هاخد مراتي كده نتغدي برا وهنرجع على البيت علطول!" قالها بمرح. فحرك له "حازم" رأسه بموافقة. ثم قال سريعًا قبل أن ينسى: "متتأخروش عشان زي ما إنت عارف شادي مأكد علينا كلنا إننا نروح معاه لأهل منة النهارده والبنات كمان هيروحوا يقعدوا معاها فمتتأخروش انتوا الاتنين وخلي بالك منها يا عز!" حرك رأسه بتفهم. ثم قال بهدوء قبل أن يرحل معها: "متوصنيش على مراتي يا حازم فـ عيني اللي مشافتش غيرها كده كدة!" ثبتها قوله وهي تلتقط ممكسه بكفه لترحل معه. وقبل أن يسير بطريقه وقفت هي مع "نيروز" وتقدم هو نحو "غسان" الذي لازال يحاول إلى الآن الوصول لشقيقه: "مالك يا غسان؟ لو في حاجة قولي وأنا معاك." وأكمل سريعًا بستجوبه بشعبية: "قولي لو في مشكلة حصلت ولا خناقة ولا حاجة؟ حد مزاولك؟" ابتسم له "غسان" باتساع قاصدًا. ظهور ذلك وهو يضع الهاتف بجيب بنطاله. ثم ضربه على كتفيه بخفة وهو يغمز له قائلًا بتبجح: "هو حد يقدر بردو يا عز؟ وبعدين هحتاجك ليه؟ إلا إذا كنت بجح مثلًا وخدتك معايا لأخوك نزاوله إحنا!" قالها بكيد وتبجح وهو يضحك فقد فعلها قبل ذلك مرة واحدة وتعالكا الاثنان معًا. غمز له "عز" ثم رد له الضربة بقوله الزاهي به: "على وضعك!" ابتسم له حتى حرك أنظاره ناحية "جميلة" التي أتت لتذهب معه بعد إشارة "عز" له بالوداع وإعطائه المفتاح الخاص بسيارة "شادي" ليركبها "بدر" بدلاً منه. استعدت كل من "ياسمين" وزوجها للدخول ومن ثم "وردة" وزوجها هو الآخر الذي لم يترك والداته لحظة واحدة. ومن ثم "نيروز" التي ابتسمت ما أن رأت "حامد" يتوجه ناحيتها هو وزوجته. في حين اقترب "غسان" محاولًا رسم ملامح عادية. طالعته بصمت واهتمام. حتى وجدت "حامد" يردد له: "إحنا كلنا هنسيبكم على تحت على ما تخلصوا!" هز رأسه بموافقة. ومن ثم لاحظ هو ذهابهم جميعًا حتى "زينات" الصامته التي كانت بجانب "فريدة" التي ترافقها بمحاولاتها بأن تجعلها أفضل مع الوقت. تعلقت عينيها بعينيه الذي يحاول هو ولأول مرة الهروب منها كي لا ينهزم. وما أن وجد سؤالها له بخفوت: "مالك؟" سحبها عقب قولها بعدهم كي يدخل بها دون الإجابة بل ابتسم لها فقط بإطمئنان. وما هي سوى لحظات ودخلوا إليها وهي مسطحة تستند على الفراش المريح. اندفعت "نيروز" أولًا ما أن رأتها بلهفة ولكن أمسكتها يد "غسان" سريعًا تمنع اندفاعها ذلك بقوله العقلاني لها وهو يهمس: "براحة وبلاش عياط عشان حالتها لسه فالأول، ماشي؟" حركت "نيروز" رأسها بنعم. وقد أنقذ هو اللحظة. لم تستطع أي واحدة منهن عناقها. بل وقف كل منهن بأعين مدمعة وبجانب كل منهن زوجها. وأول من تحدثت كانت "نيروز" وهي تردد لها بتأثر حينما أمسكت كفها: "أنا.. أنا مبسوطة أوي ياماما إنك رجعتي. كنت حاسة وخايفة. بس روقي بقى بسرعة عشان خاطري. البيت ملوش أي طعم من غيرك ومن غير نفسك اللي بتطمني!" في هذا الوضع لم تتحدث "سمية" كثيرًا بسبب وضعها ولكنها تأثرت وهي تردد بضعف لها: "أنا.. معاكي يا حبيبتي.. مش هسيبك!" ابتسمت لها بفرح وهي تنظر نحو "غسان" وكأنها تتأكد من اللحظة. حرك رأسه لها بسعادة من رؤيته لتأثرها ذلك. ومن ثم بدأت "وردة" تتحدث هي الأخرى وهي تقول: "حمدلله على سلامتك يا ماما وحشتيني أوي أوي!" ابتسمت وقبل أن ترد ببطئها هذا تحدثت "ياسمين" بإختناق رغم عكس حديثها: "وحشتيني يبنت الإيه.. وحشتيني يا سمية!" تعالت ضحكات الشباب وحتى شقيقتها وشقيقتها الأخرى. لم تقدر "سمية" على أن تخرج ضحكتها لذا ابتسمت لهن جميعًا وهي تقول: "ربنا يخليكم ليا يا حبايبي!" وقف "غسان" باعتدال وهو يردد لها بنبرة هادئة لطيفة: "حمد لله على سلامتك يا حماتي. ولينا قاعدة مع بعض نتصافى فيها على رواقة بسبب أسبوع العسل اللي طار في النكد ده. حرام عليكي يا شيخة دا أنا راجع الشغل كمان كام يوم. يرضيك؟" تعالت ضحكاتهم جميعًا بشدة هذه المرة. ومن بينها هتفت هي بابتسامة متعبه: "ربنا يسعدكم يا حبيبي!" ابتسم لها بهدوء وهو يسمع الآخران يرددان بحديث لطيف لها وعلى سلامتها وبالأخرى "نيروز" وشقيقاتها والحديث بينهم وبين بعضهم وهو ساكن صامت يشرد بوضع شقيقه وما فعله بغير فهم منه. خرج من شروده على قول إحدى الممرضات المتأسف لهم بـ: "أنا آسفة.. بس وقت الزيارة خلص!" "بسرعة كده؟" قالتها "نيروز" التي تتمنى بأن تجلس. وقبل أن تعترض "ياسمين" واصلت الممرضة تردد مرة أخرى: "بنتأسف بس حالة الوالدة متسمحش إنها تتكلم كتير. بعد إذنكم!" حركوا لها رأسهم بتفهم وهي تراهم يودعونها بحب وشوق لم يزول إلى الآن. وفي طريقة لخروجه نظر نحو ركن ما بشرود. حتى لمح رغمًا عنه ذراع الممرضة وهي تتخطاه. كان شارد بما حدث وما سمعه وبعالم آخر غير واع بذلك. وكزته "نيروز" بغيظ وهي تسحبه نحو الخارج مرددة له بانفعال: "إنت مفيش فايدة فيك وعينك دي!" وقبل أن يرد عليها بتبرير من ما فعله رغما عنه دون قصد منه بذلك وجدها تسير من قبله مع شقيقتها وقد تركته واقف ينظر ناحيتها بغرابة من ما فعلته. فقط التفت فوجد "ياسمين" تسير مع "حازم" ووقف "بدر" بجانبه يكبت ضحكاته وهو يسأله: "إنت علمت إيه؟" "والله ما عارف ولا واخد بالي. يلا خلينا نمشي!" سار معه وهو يكبت ضحكاته عليه و"يامن" هو الآخر يضحك على مظهر والده دون فهم شيئ. عقد "غسان" ما بين حاجبيه وهو يسألهما بمرح جاد: "وإيه اللي بيضحكك إنت وابنك كده؟ ضحكوني معاكم!" نظر بسخرية بآخر حديثه وهو يقدم له المفتاح الخاص بالسيارة ثم أخذ منه "يامن" وهو يسأله مرة أخرى باهتمام: "قولتلي هتطلع إمتى من المستشفى؟" "على أسبوع كده كمان وهتبقي زي الفل وتنفع تخرج!" سارا معًا بعدها إلى الأسفل ومن أمامها "حازم" معها. وانتهت هذه الدقائق بوقوفهم أمام السيارات وركب كل منهم مثلما في القدوم. وعاد معهم "بدر" هو الآخر بسبب القرارات وبسبب إفاقتها هي الأخرى فلم يكن هناك سبب آخر. سيذهبون لها كل يوم، البعض وكل منهم يوم ووقت إلى أن ينتهي كل ذلك. سارت الثلاث سيارات مرة أخرى. وفي سيارة "غسان" كانت هي تجلس في الخلف بجانب "دلال"، و"حامد" في الأمام والذي ترقب الوضع ومن ثم سأله سريعًا بتلقائية: "أومال فين أخوك.. مجاش ليه؟" "معرفش!" وكان ذلك القول الجامد منه وهو ينظر على الطريق من أمامه. نظروا إلى بعضهم بغرابة، خاصة "وسام" التي أتت معهم بسيارتهم. تقابلت عينيها مع "نيروز"، حتى وجدا هما قول "دلال" له المتسائلة: "مكلمتش أخوك يبني ولا إيه؟" تنهد "غسان" يخرج أنفاسه وهو يقود السيارة بلفها لجانب آخر ومازال يقود تزامناً مع قوله وإجابته عليها باختصار: "مقفول!" صمت الكل بغرابة من طبيعة رده الجامد، وخوف "نيروز" من هيئته هذه التي لا تراها إلا في القليل. كثيراً ما ترى حنوه عليهم حتى بوقفته المنفعل. ماذا يفعل الآن؟ وجد الغباء من "وسام" حينما سألته بإندفاع دون مراعاتها وتفكيرها بما تفعله كل مرة حينما يكون منفعل. تبتعد عنه: "هو إيه ده اللي مقفول؟!" إستشعر الغباء بنبرتها. وكأن هذا ينقصها الآن. رفع عينيه بالمرآة يحدقها بقوة حتى ردد بجمود: "بتعرفي تسكتي ولا مبتعرفيش؟!" تنحنحت بحرج من أسلوبه خاصة أنها توجهت لذلك أمام "نيروز" لأول مرة. صمتت سريعاً وعلمت بأن به شيء. في حين حدثه "حامد" بجدية: "إنت مالك كده متقفل كده وطايح فالكل ليه؟ قالتلك إيه هي عشان تكلمها بالإسلوب ده؟ احترم حتى ابوك وسنه!" خافت "دلال" وهابت بأن يتطور الوضع لعراك ويعود يتجنبهما من جديد. لذا تحدثت سريعاً: "خلاص خلينا نوصل على خير. حصل خير يا بني. ركز فطريقك!" لم يجب هو أي من والده ووالدته، بل بقى صامتاً. قصد بأن لا يخرج بأي حرف منه كي لا يتطور الوضع. لوهلة شعر بالندم من أسلوبه معها. فرفع عينيه ناحيتها بالمرآة حتى وجدها شاردة بشرفة السيارة. أوقف السيارة بهدوء أمام أحد المحلات الكبرى. حتى التفت يحرك رأسه لهم وهو يسألهم باهتمام دون مقدمات: "هجبلكم أكل وهاجي. حد عايز حاجه معينة؟" نفوا برأسهم. فنظر هو ناحية "وسام". حتى خرج ومن ثم فتح الباب الذي ناحيتها وهو يشير لها قائلاً بلين: "انزلي تعالي معايا!" هبطت معه بالفعل. ومن ثم أغلق الباب وهو يتوجه ناحية الداخل. في حين كانت تكبت "دلال" ضحكتها فخرجت وهي تقول بيأس منه: "غلبان يا حبيبي واللي فإيده مش ليه وميقدرش يزعلهم منه أبداً!" قالتها بفخر وحب أمام نظرات "نيروز"، الصامته بالابتسامة فقط. وقد تعالت ضحكتها حينما رد "حامد" عليها بحب: "طالعلك يا أم غسان. طيب زيك بالظبط!" "بتتريق ولا إيه يا حامد؟" "وأنا أقدر. طب إسألى حبيبة بابا كدة اللي جنبك دي أنا بحبك قد ايه!" تعالت ضحكة "نيروز" أكثر وهي تجيبها بمرح: "الصراحة يا طنط وشهادة حق. مبحبش فالدنيا قدك. يارب ربع حبه ليكي بس يروح لغسان!" ضحكت بخفة وهي توكزها بكتفيها قائلة: "إحنا هنحسد بقا ولا إيه؟ كل واحد يخليه فجوزه يا مرات ابني!" ضحكت عليها بخفة. ومن ثم وجدت نبرة "حامد" العاقلة تخرج إليها حينما قال بوضوح: "بيحبك يا حبيبتي. متزعليش منه. هو بس أكيد زعلان من حاجة وحاجة كبيرة كمان عشان بان عليه. بس نصبر كده ونشوف فيه إيه وإيه اللي مخليه كده!" إستمعت له بيأس وقلة حيلة. وبالأخرى "دلال" التي لم تفهم شئ من ما يفعله ولدها. وخلال دقائق عادت "وسام" معه وهي تركب ممسكة بيديها الأكياس كما كان يمسك هو حتى قدمها لهم في الخلف كي يستطع أن يقود. وما أن لاحظ الكل ابتسامة "وسام". علموا بأنه رضاها سريعاً قبل أن تراكم منه. سار مجدداً بالسيارة ولم تكن سوى دقائق معدودة وهو يركنها حتى هبط الكل منها وهم يرون السيارتين اللاتان أتا قبل سيارته بسبب تأخيره قليلاً. أمسك بعض الأكياس والبعض الآخر بيد "حامد" حتى صعدا معاً بالأعلى كل منهم بالمصعدان. تقابلت عينيه مع عينيها المهتمة. فرسم هو ابتسامة لها وشقيقته بينهما في ذلك المصعد. حتى فتح ووصل "حامد"، قبله بالمصعد الآخر حينما ركب قبله. ففتح هو باب الشقة ودخل الكل يجلس بإنهاك في الصالة. ترك لهم أكياس الطعام بالغداء ليتناولوا معاً. وانسحب هو من بينهما. فسألته "دلال" قائلة: "مش هتاكل يا حبيبي؟" "لا الحمد لله. بالهنا والشفا انتم!" تركهم يتناولون الطعام بصمت واستنكار. وحتى هي التي لم تتناول سوى القليل وبقت تحث "حامد" لها على أن تأكل جيداً. مردداً عليها بعض النصائح الحانية. وتفكيرها لا يخلو منه ومن حاله الغريب. وقف بالشرفة في الداخل بانتظار حار له. ومن كثرة انفعاله المكتوم أخرج من أحد الأدراج علبة سجائره. وهو ينتشل منها واحدة كي يدخنها. عندما يكون بوضع كهذا. استند على السور وهو ينفث الدخان من أنفه وفمه. مخرجاً الهاتف من جيب بنطاله يحاول الإتصال به مرات أخرى. لا يعلم هو بأنه خرج من المستشفى بنفس ذلك الوقت الذي دخل الآخر بها وهو على مشارف العودة إلى المنزل بعد وقت. وجد رسالة من "شادي" بأنه قادم في الطريق. فرد عليه وهو يغلق الهاتف. منتبهاً لصوت إغلاق الغرفة وهو واقف بالشرفة. توجهت "نيروز" بحذر. حتى وقفت خلفه ووصل إلى أنفها وعينيها الدخان من تبغته الذي يدخنها. إبتلعت ريقها بمفاجأة وهي تردد عليه حينما وقفت بجانبه تنظر له بغير تصديق: "انت إزاي تعمل كده؟ انت بتدخن من إمته؟" تردد بعفوية شديدة وصدمة. طالعها بتهكم. وقبل أن تتحدث مرة ثانية أجابها بغير اكتراث: "وانتي مالك!!!" علمت بأن الوقت لا يتوافق. فقط فعلتها قبل ذلك وازداد العراك بينهما بالحديث. إبتلعت ريقها تتحامل على نفسها وهي تسمعه يتحدث معها بهذه الطريقة. ولن تنفذ قوله حينما قال لها بأن تتركه حينما يكون بوضع كهذا. "مالي عشان عمري ما شوفتك بتدخن قبل كده ومالي عشان خايفة عليك وعلى صحتك. ممكن تقولي مالك وأنت سامعاك وجنبك!" تعمدت اللين وهي تنفذ ما قالته والدته عنه قبل ذلك. أطفأها وهو يضعها بالمكان المخصص لها على الطاولة. ثم اعتدل يخرج أنفاسه وهو يحاول الاتصال مجدداً. لاحظت بأنه يقوم بالاتصال على شقيقه. فرفعت كفها تمسح عرق جبهته. فحرك هو عينيه ناحيتها وهو يسمعها تردد له بتيه: "قولي مالك طيب.. فيك إيه؟" إبتلع ريقه من قربها. وهي الأخرى تعتقد بأنها علمت كيف تشتته وتجعله يأتي بالإجابة. لا تعلم هي بأنه المعلم الذي علمها ذلك. هو الماهر الأصلي لهذه الحرفة. لذا تفاجأت به يهبط يديها من على جبهته برفض لما تفعله كي يأتي لها بالإجابة رغماً عنه بتشتت! "إبعدي يا نيروز معلش دلوقتي، سيبيني مع نفسي شوية!" "مش هسيبك يا غسان عشان أنا قولتلك قبل كده، مش هسيبك عشان انت مبتسيبنيش في أي حاجة وفي كل حالاتي.. شاركني وأنا جاهزة، مش يمكن عندي حل؟" تريد سؤاله عن ما يخص "بسام" ولكنها ترفض كي لا ينغلق هو بالحديث التي تريد بأن يردده بإرادته. حرك رأسه بسخرية وهو يقول: "مبقاش ليها حل خلاص، مفيش حل ليه وأنا اللي كنت فاكر هيعقل!" علمت بأن الحديث على "بسام"، لذا سحبت يديه تربت عليها وهي تقول بلين: "طب هدي نفسك واتكلم براحة واقعد!" رفض الجلوس وهو ينظر نحو شاشة هاتفه للساعة. يأست منه ومن احتمالية بأن يتحدث، ولكنه عاد يضغط على فكرة بسب شقيقه عندما وجد الهاتف مغلق مرة أخرى! "أقسم بالله يا أنا يا أنت يا بسام!" صمتت تنظر بترقب وهي تقف أمامه بسكون. تنهدت تأخذ أنفاسها وهي تحاول الحل دون الفهم: "طب اصبر عما يجي، وابقى كلمه!" "ما هو مينفعش أصبر عما يجيلي، الغبي بيكملني من بيت عز وهو قاعد فيه وبيقولي بمنتهى البساطة إنه هناك. هناك إزاي؟ ورايح ليه؟ وإيه اللي وداه من أصله؟ غاوي وجع قلب، مبيبطلش يجيب الهم لنفسه، وأنا اللي بدوخ ليه في الآخر؟ قولته!! قولته متنفعكش وبرضو بيعاندي وكأني هضرة. في الآخر رايح لها وكمان عز مش موجود!! كل اللي بيعمله ده عك في عك!" قالها بهجوم وبنبرة مرتفعة أمام وجهها بانفعال من فعلة شقيقه. قصدت بأن يهدأ حينما قالت هي: "ممكن تهدى طيب؟ انت قولته إنك ملكش دعوة بيه وهو حر، سيبه يمكن هو صح!" "كنت كذاب.. بكذب على نفسي وأنا عارف إن بالي مش هيهدى ليه وهفضل خايف عليه. أقسم بالله ما هو حمل وجع تاني، دا قعد يتعافى سنين وبالشكل ده ياريته اتعافى..!" وجدت العجز في حديثه وقلة الحيلة حينما أمسك رأسه بتعب وهو يخرج أنفاسه بصوت. وكأن هو الآخر كل شيء ضده. رفعت "نيروز" ذراعيها تربطهما على ظهره من الخلف وهي تعانقه بحنو واحتواء. ضمته وهي تستند برأسها أسفل قمة صدره. تنهد هو يخرج أنفاسه وبعد لحظات بادلها العناق وهو يرفع يديه يمررها على ظهرها فوصلت إليه نبرتها الهادئة وهي تطمئنه: "كل ده هيتحل ويعدي، بس خليك هادي عشان كل حاجة تعدي بهدوء." وأكملت سريعا بخوف: "وعد؟" "لا مش وعد يا نيروز.. بسام محتاج يفوق لو مش من حاله معاها، يفوق بسبب اللي عمله النهارده ده!" لم تسأله ولكنها هابت من قوله هذا. خرجت من أحضانه ببطء تزامنا مع نظراته إليها. فسمع هو صوت "شادي" والذي أتى في الخارج. بل والذي جعل بسمته تخرج حينما سمع "وسام" تزغرط حينما قال هو لها هذا بحماس. ابتسمت "نيروز" كي تخرجه من ما هو به ثم قالت بتأثر له تذكره بما قاله: "مبروك مبدئيا على خطوبة خالك الوفي يا بن البدري!" ابتسم على قولها ولم يلين إلا بسببها هي وحتى عناقها الذي يشعر بالارتياح به. امسك كفها يقبله بحب دون نبس أي حرف، إلى أن أجاب بعدها بلين بسبب طريقته معها قبل دقائق: "انتي الوفاء كله والأمان يا نيروز. مبقتش ضامن بقى حد ليا غيرك، عشان كده متزعليش مني، بس إحساس العجز ده وحش وأنا مش عارف أعمل إيه واحل كل ده إزاي!" ريتت على شاش كفه المجروح ثم قبلته هي هذه المرة وقد غيرت مجرى حديثه المؤلم بـ: "هتبقى عيال يا بن البدري!" "طب قبل ما نجيب عيال ممكن نطلع نشوف اللي هايصين برا دول؟" ضحكت على حديثه حتى أومأت له وهي تخرج معه إلى الخارج. فتح الغرفة وهو يخرج وما أن خرج وجد "شادي"، يندفع بأحضان سريعا بحماس وهو يشاكسه تحت ضحكات الآخرين. وجد من بعدها "حازم" يدخل مع "ياسمين"، ومن ثم "بدر" و"وردة". أشار مجددا ناحية "وسام" كي تزغرط، فقامت بفعل زغروطة مرة أخرى عالية. فصفق الكل لها بإعجاب. وكان الحديث عشوائي إلى حد كبير فكل منهم بركن يتحدث مع الآخر ومن بين هذه الأصوات أدمعت عيني "دلال" وهي تقول: "فرحانة بيك وعشانك أوي يا شادي. ربنا يكملها على خير ويسعدك!" تأثر "شادي" من قولها ذلك، لذا رفع كفها يقبله بحب ثم همس بمرح جوار أذنها كي لا يسمعه "حامد": "انتي أمي التانية يا أم غسان، وربنا لو حامد مكنش جوزك لكنت شوفت مستقبلي معاكي. ده حتى مش باين عليكي إنك أم لـ 3 شباب زي الورد وبنت زي القمر بس عيبها إنها شبه حامد بس!" ضحكت بخفة عليه ويأس من حديثه المرح. فوجد من يفصلهم عن بعضهما بحنق وهو يقول: "احترم نفسك وابعد عن مراتي." "مراتك أه.. بس أمي.. أم العريس!" ضحك "حامد" ثم أيده بحب وهو يعانقه بمباركة قبل أن يتم أي شيء. لاحظ هو سكون "غسان" الغير عادي وهو واقف يحمل "يامن" بجانبها. فتوجه ناحيته وهو يداعب الصغير ثم ثبت عينيه ناحية "غسان" وهو يسأله: "مالك يا عم؟ متقفل ليه كده؟ لتكون مش موافق ع البت 'منة'؟" شاكسه فقد كان يعارض عليها من قبل بالفعل. حرك رأسه نفيا، وقد سمع هو قول "نيروز" له والتي قصدت بأن تلمح به لهما: "أه، موافق بس على سندس، يا بتوع سندس!" قالتها بسخرية، فضحك "غسان" عليها وهو يغمز له بأن يصمت دون أن يجيب. ولكنه أجاب وهو ينظر ناحية صديقه: "مالها دي!" وأكمل سريعا بعد إشارته على عقله: "ومين سندس دي مش فاكر." تعالت ضحكات "غسان" مع غيظها منهما. فسمعت زوجها يجيب الواقف باهتمام: "اللي عينيها خضرا." صمت "شادي" يتذكر ثم واصل بإندفاع: "اللي شعرها بني غامق." "أه القصيرة." "الكيرفـ.." بتر حديثه وقطعته هي بقولها له: "جميل أوي الكلام ده يا مستر شادي.. نبعت بقا التسجيل ده لـ 'منة' حالا، وميبقاش فيها لا خطوبة ولا جواز من أصله!" أندفع "شادي" يأخذ الهاتف منها بلهفة وهو يردد بتمني: "لا ونبي خلاص، أنا آسف يا مدام نيروز، آسف يا مرات الغالي! سندس دي كانت بت لزقة أصلا، وكانت عايزة ترتبط بـ 'غسان' وأنا كنت مرتبط بأختها التوأم، وكنا بنتلخبط بينهم وحاجة متعبه على الآخر والله يعني!" صمتت تنظر له بذهول، فقد قال لها الآخر بأنه نفس الشخص كي يثير حنقها أكثر. غمز لها "غسان" بثبات. حتى وجدت "شادي" يقدم لها الهاتف مرة أخرى وهو يحذرها قائلا: "خدي ولو شميت إنها عرفت حاجة خصم شهر ليكي و 3 شهور ليه!" "مكافأة لينا احنا الاتنين وهظبطك بكلام حنين وكويس!" قالتها بمرح، فضحك هو وهو يرى "غسان" يغمز لها بمرح. مرة أخرى مشاكسًا إياها بـ: "تربيتي يا رزقة!!" بادلته الغمزة ولم تندمج بالحديث إلا بسببه هو كي تخفف عنه وتجعله يندمج مع الوضع. تركتهما مع بعضهما عندما وجدت "شادي" يهتم بشدة ليعلم ما به وما حدث ليجعله كذلك. أخذت "يامن" ناحية "وردة" و"بدر". حمله "بدر" منها. فوجدتها "نيروز" اللحظة المناسبة لتشكره حينما قالت: "بجد يا بدر مش عارفة أقولك إيه. أنا بشكرك أوي على وقوفك جنب ماما وتعبك ده!!" ابتسم لها بلطف وهو يستند على "وردة" بمداعبته لـ "يامن" وهو يجيبها بلباقة: "متقوليش كده يا روز. أنا أخوكم هنا وابنها. وكله عشان خاطرها وخاطر 'وردة' الغالية على قلبي. ربنا يجعلها أيام سهلة وترجع بينكم وسطكم زي الأول عشان نسافر إحنا بقى ونشوف شغلنا وحياتنا..!" عند هذه النقطة أدمعت عيني "وردة" كلما تتذكر باقتراب موعد سفرهما بالفعل. ابتلعت ريقها بصعوبة. وقد استشعرت حزن شقيقتها التي عانقتها بحب. وتأثر جلي على ملامحهما معًا. قصد بأن يظهر ذلك كي لا تحزن بشدة. فالوضع لم يكن مفاجئًا. وأما هو فشرد بحالة شقيقه الذي يسأل عن حاله. وقد اقترب هو الآخر بأن يخرج. انتبه الجميع على دخول "عز" مع "جميلة" وتهليل الكل بالتصفيق والبهجة بسبب تجهزهم كي يتوجهون لمنزل "منة". اعتدل الكل وخرج "حازم" معه "ياسمين" و"جميلة" و"عز". ومن ثم "غسان" مع والديه و"نيروز" و"وسام" و"شادي" "بدر"، و"وردة" و"يامن". حمل "غسان" و"عز"، العلب التي توجد بها الحلويات وقطع الكيك وأخرى غيرها. أغلق "حامد" الباب خلفه وقد هبط الجميع بالفعل ببهجة وفرحة كبرى. وفي هذه اللحظة وقف "شادي" بشرود وهو ينظر لهم كل واحد يركب بمكانه المعروف بالسيارات. لوهلة شعر بأن يعوض بهم. وهم جميعًا عائلته حقًا. حتى بمن لم يكن بهم علاقته قوية. قوت مع الوقت وازداد قربهما وكان هو الذي بدأ بظهور أصله وإسنادهم ووقوفه بجانبهم. كل ذلك بسبب الحقيقة الثابتة التي لم ولن تتغير. حقيقة بأنه صديقه هو صديق "غسان" الذي يربطهم جميعًا بعلاقته مع الكل. وبعد أن ركبوا جميعًا. وقف ينتظر "بسام" بإصرار. خاصة أن "غسان" توقف عن المحاولة بالاتصال به. وقد فتح هو هاتفه فهاتفه "شادي". وما أن رآه قبل أن يدخل. رحب به بحرارة وهو يدخل بالسيارة. يجلس في الأمام و"وردة" و"بدر" و"يامن" في الخلف معًا. *** السقوط في الهاوية الكبرى أمر شديد الصعوبة حينما يتيقن بمن وقع بها بأنه وقع وقعة لا نهوض فيها. إذن إنه الضياع! وأن الحياة لم ولن تعطيه الفرصة مرة أخرى. حينما يعلم بأنه ميت ميت. حينما يتذكر بأنه لم يرى منها شيئًا يثير إعجابه الطفيف حتى. يرى قسوة ثم ظلم ثم ضغط ثم تشرد ثم دناءة ثم وثم وثم إلى أن يتوافق مع كل ذلك ويتطبع بهذه الطباع بكل حماس. وكأن الشر يرى بأنه رفيقه وما رفيق الشر إلا سواه هو. ضاع بسبب أحدهم وقبل أحدهم كان بطريق الضياع يتأرجح بين الاستقامة أو ما يظهر بعكسها. وطبيعة عقله غير الهينة كانت تهزمه كل مرة بأن يستمر في طريق الضياع. أهلك نفسه وأهلك صديق طفولته وأيامه معه. أين هو الآن وأين صديقه وأين عائلته وأين الخير الذي تجاهله وبادله بالشر؟ يعلم بأنها ليالي مليئة بالوحدة والخذلان والخطر القادم على حياته الذي يشعر هو بأن نهايتها تقترب يومًا عن يوم ولا يزال إلى الآن لم يأخذ حظ هو الآخر من نصيب اسمه الذي سماه له والده. "حسن" كان مجرد اسم في حين بأنه لم يفعل ولم يرى إلا عكس ذلك. وعكس الحسن الآن وهو يجلس بالركن المخفي المعروف مع أشباهه يحقنون من الضياع مثله تمامًا. وكم من "حسن" لا يعلم بأن الطريق نهايته ليست هينة. ولكنه كان يعلم ومازال يعلم بأن طريقه هو نهايته معروفة. مشاهد متتالية في عزم تشتته وانتشائه وأحداث تهاجم ذاكرته. آخرها مع "آدم". ينسى الكل ويتذكر بقوة صديق أيامه الذي كان هو الوحيد الذي يعتبر حانيًا عليه عكس الأيام وعكس من منه ومن يعرفهم. أين هو الآن؟ ولما يتذكره "حسن" مهما يفعله من دناءة. يبقى هو الركن الحاني من بين شروذه وهاتفه لكلمات غير مفهومة تهبط دمعته على دون فهم للذي يحدث ولكنه الشيء الوحيد الذي يعلمه بأنه بطريق عكس طريق الآخر وهذا ما يثير وجعه وندمه بعدما يثير غضبه وانفعاله. وغيظه. مشاعر متضاربة كون الشعور الأساسي بأنه لا يريد شخصًا أفضل منه. وعند ذلك يقف لمواجهة شعوره تجاه صديق أيامه. يعلم بأنه الوحيد الذي كان يشعر به وما بداخله. الشيء الوحيد الذي عارضا بعضهما به كانت المصحة وقبل كل ذلك. طلب صديقه شقيقته منه ورفض هو رفضًا قاطعًا كونه يعلم بأنه بطريق خطأ ويعلم مراوغته جيدًا. قديمًا كان بنصف عقل يفهم ويرى ويسمع. والآن باع شقيقته وصديقه وكل من له ومن تبعه ولم يعد لديه أي ذرة عقل واحدة. *** "وعلى جانب آخر عكس ذلك" "أناجيك ولست ببطن الحوت لكنني في جوف الليل أصارع وحشة أيامي لا إله إلا أنت دلني." - مقتبس "آدم" وما حاله إلا حاله تشرح العكس بوقت والاتفاق بوقت آخر. مصحة والتي جعلته يتعافى نسبيًا. في كل مرة يشعر بها بالاحتياج يسب شقيقه وكل من كان السبب في ذهابه إلى ذلك القبر الذي كان يعلم بأن صعب بالفعل ولكن ليس لهذه الدرجة ومن بين سبه لكل ذلك يسب نفسه هو الآخر كونه أول الأسباب التي أتت به إلى هنا. شعور البغض.. الحقد.. الكره.. وعكس ذلك عندما يكون بحالة هادئة ساكنة أثر ما يأخذه من أدوية صحية هادئة تسكنه قليلًا. يشعر بالامتنان والحب والتقدير له. يود أن يخرج ليقبل يديه وقدميه على هذه الفعلة ورد الفعل منه. يبكي في الحالتين. انهيار وشوق. ندم. ودعاء. صبر ورضا. إلى أن شعر بأنه بدأ في أن يتحسن بالفعل ولكن عدم خروجه بسبب عدم ثقتهم التامة به. وجلس رغمًا عنه ليكمل الأيام الباقية والتي من المفترض بأن يكملها صحيحًا كي يتعافى من الإدمان. لم تصل نهايته إلى هنا. كادت أن تموت أحلامه. كاد شغفه أن يقتل ولكنه يعود تدريجيًا. والشئ الفخور هو به بأنه كان قد اقترب من الله قبل هذه الأحداث. فكان رفيقه في حبسته ووحشته هذه هو الخالق. عندما يجلس هو الآخر على سجادة الصلاة ومن بين ذرفه للدموع التي لم تتوقف بالندم والحسرة. حينما يتذكر السؤال الذي سيسأل له "بما أفنيت عمرك يا بن آدم؟" بما أفنيت شبابك. وماذا أهدرت وبماذا من الأساس وكيف؟ رفع رأسه بذقنه التي بدت طويلة نسبيًا وهو يرفع عينيه نحو سقف الغرفة القاسية عليه. يحبس بين ثلاثة جدران ورفيقه هو الألم والندم. ومن ثم الدعاء الذي لا يتوقف هو عن قوله. الدعاء الذي طلب الورقة به وهو يتذكر إصراره على أن تدخل رغم منع ذلك وانتهى كل ذلك بحل شقيقه للمشكلة. رغم أنها لا تعد مشكلة من الأساس. ابتلع ريقه وهو يمسح دموعه. يفتح الورقة الذي كتب هو بها بخط يديه الأدعية الذي أملاها له الشيخ. وبدأ القول على أن يسمي الله ومن ثم: "ربنا رب الجمال أرنا إياه في تفاصيل أيامنا، ونداوة أعمارنا، وامنن علينا بشغف لا ينضب، واجعل قلوبنا مسافرة في رحابك حامدة على نعمائك." توقف بتمني لهذه الدعوة بكل شغف على أن تمر أيامه ومن ثم يأتي من بعدها كل الخير. وواصل بعدها يكمل بـ: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة." شعور لا يستطيع وصفه هو يقول الدعاء في كل مرة دون ملل. رغم أنه يحفظه ولكن دقته على أن لا يخطأ وهو يناجي ربه كانت قوية. وأكمل بعدها بالدعاء الثالث: "يارب أحينا حياة طيبة نتذوق فيها سخاء نعمك وجزيل كرمك ولذة رضاك. نسير فيها في واسع أرضك نتأمل جمال خلقك ونستشعر بها معنى استخلافك." نترك أثرًا طيبًا وعملًا باقٍ وعلمًا نافعًا. وأضاف مره أخرى بعد هتفة بكلمة "آمين" بكل لهفة: "يا رب لا تجعلني في حيرة من أمري يا رحمن اختر لي ولا تخيرني فإن الخيرة فيما اخترته لي، إني وكلت وفوضت أمري إليك يا رب أرح قلبي ونوّر بصيرتي وأرني عجائب قدرتك في تيسير أموري." يردد ويردد بكل أمل وثقة بأن الله يقبل العبد أينما حل وأكمل بعدها بدعائين خلف بعضهما وهو يقول: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين." "اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك من كل ذنب أعلمه أو لا أعلمه." أخذ يردد "آمين" "وآمين" لكل من ردد الدعاء بالفعل ويردده، لم يكن لديه هو وحده ولم يكن لمن اتخذ هذا الطريق، بل دعاء لنا جميعًا ولأننا سواسيه. الكل يخطئ، الكل يندم، الكل يتوب، أو البعض، ومن المحتمل الأغلب مع الأمنية على أن يكون الكل بالفعل يتوب. *** وقت آخر يمُر.. وها هي السيارات وقفت أمام منزل "منة" الحديث نسبيًا، هبط الكل من السيارات وأول من صعد مع بعضهم كانت الشباب و"حامد" ومن خلفهم الفتيات و"دلال" معهن. وقف "شادي" بحماس وهو يعدل ياقته دافعًا الٱخرين بيديه كي يقف "حامد" بجانبه وهو يردد: "يجدعان وسعوا لابو العريس.. أيوه كده!" "والله أنا حاسس إنك أول واحد تخطب فالدنيا يا شادي!" قالها "بسام" بسخرية منه، ولم يغفل "غسان" عن تحديجه بقوة متحليًا بالصبر إلى أن يرحلا معًا إلى المنزل كي يتناقشا ويتواجها. ضحكوا عليه، ووقف الكل بهدوء، ومن ثم فتح الباب بواسطة "والد منة". تفاجأ من العدد أمامه في البداية ولكنه رحب بهم ترحيب حار، وكل منهم يدخل تدريجيًا خلفه لغرفة الضيوف، ومن ثم خرجت "منة" تعانق الفتيات و"دلال" بفرحة كبرى وهي تأخذهم معها في غرفة أخرى أيضًا، متناسبة خاصة بالضيوف بعيدة قليلًا عن غرفة الرجال. جلست معهن والإبتسامة الواسعة تزين محياها، وكانت من تجلس بجانبها صديقتها "جميلة" التي ظهر على ملامحها الفرحة وهي تميل عليها قائلة: "بجد أنا مبسوطة عشانك أوي يا منة.. مش متخيلة فرحتي بيكي!" تأثرت فعانقتها أمام الفتيات ونظراتهن، وسرعان ما رددت "ياسمين" بإشمئزاز زائف لها: "أنا قولت فالأول ملهمش ألا بعض.. بس يختي ملقتيش غير الواد بتاع البنات الصايع ده!" وكزتها "نيروز" سريعا تحت ضحكات الٱخريات وخاصة "دلال" التي ضحكت بقلة حيلة عليها، وتزامنًا مع هذه الضحكات حاولت "نيروز" الحديث من بينها كي تثبت لها ما تراه: "سيبك منها يا منة.. والله بتاع البنات ده لما بيحب بيحب بجد!" "أومال فين مامتك يا حبيبتي!" جملة سألتها "دلال" كونها لاحظت وحدتهم وعدم وجود أحد معها غير والدها وفقط. نظرت لها "جميلة" بتردد لم تفهمه، ولكن رسمت "منة" بسمة واسعة على شفتيها ثم أجابت بثقة دون اهتزاز: "ماما الله يرحمها من وانا صغيرة، ومعنديش إخوات أنا وحيدة!" كانت كتومة للدرجة التي جعلتها لن تتحدث بشيء كهذا لهم جميعًا عندما تعرفت عليهم غير "جميلة" التي كانت تعلم جيدًا ظروفها، وحتى لم تعطي فرصة لـ "شادي"، بأن تتحدث معه في هذه الأمور إلا أمس! شهقت "دلال" وهي تتزحزح إلى أن ضمتها إليها بحب وعفوية ثم قالت من بين فعلتها هذه: "يقطعني يا حبيبتي والله ما كنت أعرف.. أنا امك بعد النهارده، والبنات دول إخواتك كمان!" ابتسمت "وردة" بعدها بحب ثم قالت هي الأخرى بلطف شديد: "أيوه طبعًا." وإن شاء الله الدنيا تمشي كده سهلة جوه معاهم ويجعلكم لبعض ومن نصيب بعض! "آمين" كانت كلمتهم كلهم بحماس تحت الضحكات والمشاكسات والحديث النسائي بعيدًا عن غرفة الرجال والشباب. وعلى الجانب الآخر في غرفة الرجال والشباب كان الحديث عشوائي في البداية إلى أن جاءت اللحظة المناسبة واعتدل "حامد" الذي كان يجلس بجانبه "شادي" ومن الناحية الأخرى "غسان" ومن أمامهم "عز" وبجانبه "حازم" و"بدر" ومن ثم أمام الأنظار جميعًا والد العروس "منة" الرجل الخمسيني المسمى بـ "طارق". ترقبت حواسه باهتمام وهو يرى تنهيدة "حامد" تحت صمت دام للحظات ومن ثم بدأ قائلاً بلباقة كبرى: "إحنا يشرفنا يا أستاذ طارق نطلب إيد الآنسة "منة" بنتك لإبني "شادي" ومعاكم فاللي تقولوه وتطلبوه وسمعنا رأيك وكلامك واحنا معاك للآخر طبعًا.. إحنا شاريين عروسة زي القمر وزي ما هي كده بقولك إنك برضه هتشتري راجل وسيد الرجالة كمان!" كان حديثه لبقًا، ولا يعلم لما يكبت "شادي" ضحكاته فوكزه "غسان" كي لا يجعله يضحك هو الآخر تحت نظرات التحذير من "بدر" و"حازم" وبسمة "عز" و"بسام" القليلة الحيلة منهما. حدّق "طارق" في "حامد" والآخر بتمعن ثم ابتسم وهو يحرك رأسه مع قوله: "في الحقيقة أول ما "منة" قالتلي قالتلي إنكم جايين تطلبوا إيدها مع عيلته. سألتها اسم حضرتك يا أستاذ "حامد" وسألت عليك وعلى ولادك هناك في العمارة وعرفت إنكم ناس محترمين ومش بتوع مشاكل ونعم يعني وسألت على شادي كمان!" صمت ثم واصل تحت ضحكة "غسان" المكبوته من جملة "ليس لهم في المشاكل!!!!!!". واصل بعدها يكمل بما جعل بسمة "شادي" تتلاشى تدريجيًا: "وعرفت برضه إنك مش والد الأستاذ "شادي". وبرضه المفروض أعرف أكتر عنكم وتعرفوني عن نفسكم!!" هو الذي لم يعطيهم فرصة في البداية والآن يسرد عليهم ذلك. ابتلع "شادي" ريقه وهناك من اندفع بهدوء وتبجح مخفي في نبرته ولم يكن سوى "غسان" حينما رد عليه بقوله دفاعًا عن ما قاله وسبب به اهتزازًا من ثبات صديقه: "أول حاجة يا أستاذ طارق إنت عرفت إن "شادي" محاسب قد الدنيا مش "أستاذ". تاني حاجة الأستاذ "حامد" والدي ووالد "شادي" ووالدنا كلنا هنا. وحقك طبعًا تعرفنا وتعرف هو مش والده علطول إزاي من صاحب الشأن نفسه. اتفضل يا باش محاسب شادي يا عريسنا!!" اغتَاظ "طارق" من طريقته المراوغة في اختيار الكلمات الملائمة دون أن يقع عليه ذنب، وعلم أنه أول شخص يعرفه ليس هينًا في هذه الجلسة عن البقية الذي لم يعرفهم إلى الآن. تنحنح "شادي" بحرج ثم تحدث بها بنبرة رجولية هادئة: "أنا فعلاً مش ابن الراجل الطيب ده بس هو زي أبويا. أنا والدي ووالدتي متوفيين من زمان جدًا من وأنا صغير. وعشت وكونت نفسي بنفسي وكان أبويا ومازال في الفترة دي هو "حامد" وإخواتي هم ولاده. عندي إخوات رجالة معنديش بنات بس هم مسافرين حاليًا وكل واحد في حياته. وقبل ما تسأل مجوش ليه فمحصلش نصيب يجوا. وإن شاء الله لو حصل نصيب هينزلوا على الفرح!!" "مقطوع من شجرة يعني!!" قالها "طارق" بتلقائية كبرى وهو يضع قدم فوق قدم تحت النظرات المستنكرة. قالها قاصدًا عدم وجود أحدهم بجانبه وحتى من عائلته. ضغط "غسان" على فكه بنفاذ صبر ثم رد عليه بوقاحة مخفية مجددًا: "اسمها "شجرة" بالسين يا أستاذ طارق. محتاج كورس لغة عربية. يشرفنا تيجي تديهولك أختي في ثانوية عامة وممتازة في العربي!!" أتت في منتصف جبهته وكي يسير الموضوع مرحًا تعالت الضحكات من الشباب و"حامد" الذي حدّقه بتحذير. وسرعان ما أجاب "طارق": "وماله. العلم نور. شكرًا على المعلومة يا.." "غسان... غسان البدري!!!" ابتسم له بتكلف ومن ثم وزع نظراته عليهما وقد لاحظ وجود توأم له. ابتسم له "بسام" وقد فهم معنى نظراته فتحدث أولًا يعرف نفسه: "أنا بسام أخو غسان وابن الأستاذ حامد وبشتغل دكتور!!" نظر له بإعجاب ومن ثم سمع تعريف كل منهم بنفسه وأولهم كان "بدر" حينما قال: "بدر البدري ابن عم "غسان وبسام" وأخو شادي الكبير. بشتغل مهندس!!" "وأنا حازم الأكرمي. محامي وصاحبهم كلهم وأخوهم. وأنا والباش مهندس بدر والباش محاسب غسان. متجوزين ٣ بنات أخوات. فكلنا إخوات مع بعض هنا!!" "وأنا عز الشرقاوي. ميكانيكي سيارات. صاحبهم وأخوهم. وكاتب كتابي على "جميلة" صاحبة "منة" وقريب إن شاء الله الفرح يتحدد وتنورونا!!" عرف كل منهم نفسه تحت نظرات "غسان" المغتاظة. وعندما جاء الدور عليه هو ابتسم باستفزاز وهو يرد: "غسان البدري ومحاسب تاني للتأكيد. وياريت نتقابل في الإنترفيو الطويل ده!!" ضحك عليه "طارق" وحتى الشباب و"حامد". فرد "طارق" بعد لحظات يقول: "بصوا يا بشوات. إنتوا طبعًا على راسي ودماغي من فوق. بس في شوية حاجات قبل ما أقول إني موافق لازم تعرفوها!!" رد "حامد" بلطف: "اتفضل يا أستاذ طارق. حضرتك تؤمر!!" "الأمر لله يا راجل يا طيب يا محترم. وأنا متأكد إنك أكتر واحد هتفهم كلامي ده. أنا معنديش غير "منة" ودي بنتي الوحيدة. وكل حاجة ليا بعد ما والدتها ماتت ورفضت اتجوز بعدها. ربيتها وعلمتها وكبرتها. يمكن فعلاً تكون شخصيتها قوية زيادة عن اللزوم وده لإني عودتها تسند نفسها بنفسها وتكون قوية حتى ولو ضعيفة عمرها ما تبين ده أبدًا. مسمحتش لحد يكسرها ويجي عليها. بس أنا شفت فعين بنتي شغف وحماس ما شفتوش قبل كده. واللي بيحب بيضعف وبيكون سهل أوي يتكسر. وأنا يا ابني نقطة ضعفي هي "منة" لو اتكسرت صدقني هبقى واحد تاني غير اللي قدامك ده!!!" تفهم الكل الوضع والبعض بشفقة كبرى. وحينها أجاب "بسام" عليه بتعقل: "واحنا نضمن شادي وقلب شادي كمان. مش هتلاقي أطيب منه ولا أرجَل منه يراعي بنت حضرتك ويصونها!!" "فعلاً.. وإن شاء الله يعمل بوصية رسول الله ويصونها وإحنا متأكدين من ده!!" قالها "بدر" بلباقة. وسرعان ما تحدث "عز" بقوله الهادئ: "يا أستاذ حضرتك بتشتري راجل. وشادي ونعم التربية اسألني أنا!!" وكأنه يقوم بالدق على طبلة كبرى له. نظر له "شادي" وهو يغمز له تحت ضحكاتهم الخفيفة. وأخيرًا تحدث "حازم" وهو يقول: "شادي راجل ويعتمد عليه وشايل مسئولية نفسه من بدري وفاتح شركة وعنده طموح وشغف. اللي يعمل كل ده سهل يحافظ على بنتك وميتخافش منه أبدًا عشان عارف إن الحاجة بتيجي مش بالساهل!!" تفهم "طارق" الوضع جيدًا. وعندما جاء عند الحديث لـ "غسان" ابتسم له باتساع ثم قال: "شهم وراجل وبرنس ومن الآخر مش هتعرف تلاقي زيه لبنتك. ها نقرأ الفاتحة بقا ولا إيه يا حج حامد؟!" تحدث "حامد" سريعًا بحماس وتأييد: "نقرأها. طبعًا بقا!!!" أيدوه الكل بحديثه. فاعتدل "طارق" في جلسته وهو يبدأ الحديث باهتمام: "أنا لسه مجبتش لبنتي أي حاجة.. وعامل حسابي أجيب لها كل حاجة مرة واحدة. فطبعًا هنصبر شوية. دا غير إنها في كلية طب ولسه لها كتير على ما تتخرج!!" "وربنا أنا ناسي إنها دكتورة يا غسان!!!" قالها "شادي" وهو ينحني فهمس له "غسان" بضحك: "أصلك عدي عليك كل الأصناف عدا صنف الدكاترة دا. دا إنت هتتروق نكد وضرب. مستنيك أنا بالشاش والقطن يا حبيب أخوك!" كان حديثهم منفخضًا بضحك مكتوم. إلى أن ترقب "شادي" قوله الأخير حتى اندفع يقول بسرعة: "وأنا مش عايزها تجيب أي حاجة. أنا عندي الشقة ومجددها قريب بحاجات جديدة." أنا عايزها هي وبس! كاد أن يعترض طارق، فرد حامد سريعا بالقول المعتاد: "يعني بشنطة هدومها يا أستاذ طارق!" "لا ولا حتى شنطة هدومها. أنا هنقلها الهدوم على مزاجي في وقت رايق. الحاجات دي تخصني أنا!" فتح الشباب أعينهم على وسعها وهلل حامد وغسان بضحك وصوت كي يخفوا ما قاله سريعا، ولكن الآخر كان قد سمع بقوة فاندفع يرد باستنكار: "أفندم؟" ترقبت ملامح الكل بتوتر، وسرعان ما أنقذ الموقف وهو يجيب بتغطية على ما قاله ولم يكن سوى غسان. حينما قال: "مش القصد يا أبو منة. قصده يعني شنطة هدومها حتى عليه. وهو بيحب ينقي الهدوم أصله بيموت في الإسدالات والعبايات والحاجات دي!" استنكر طارق دفاعه، فهتف يردد بغرابة منه: "بس أنا بنتي مش محجبة!" "ومالو يا أستاذ. ربنا اللي بيهدي وأنا متأكد إن الخطوة دي هتيجي بالهداوة والاقتناع عن طريق شادي بإذن الله!" "والله أنا نفسي يا أستاذ حامد بس زي ما قولتلك سايبها تاخد قراراتها بنفسها ومتأكد من تربيتها وأسلوبها وتعاملها مع الناس. وبالنسبة لمتجيبش حاجة فأنا يعني مش متعود على كده، على الأقل نجيب اللي علينا أو نصه!" عارض حامد حينما رأى نظرات الترجي من شادي: "يا أستاذ طارق، الراجل جاهز من كل حاجة ومش عاوز غيرها وبس. ولمؤاخذة.. شادي يعني ماشاء الله من عيلة حالتها المادية كويسة ومرتاحة وعندهم غالباً. إخواته واخدين بنات ناس زيكم كده. وإتجوزوا بنفس الطريقة من غير أي حاجة من دي وسافروا مع إخواته والحياة مشت. الأصول أصول وكل حاجة بس بيبقى في حالات معينة بتعدي. خصوصاً إنه مش ناوي يتأخر على الجواز!" بان الاقتناع نسبياً على ملامح طارق، وعند آخر الحديث اندفع يقول بتلقائية: "أيوه بس بنتي لسه بتدرس. معتقدش هتوزن حياتها بين الجواز والدراسة. وخصوصاً إن بنتي عندها طموح ونفسها تبقى أحسن وتشتغل!" "وأنا يا عمي معنديش أي مانع ولا هقف في طريقها. تيجي وتنور بيتها وأنا هتكفل ومسئول عن دراستها وعن كل حاجة. وإن طلبت أكتر من عيادة تتفتح فرقبتي سدادة!" أغراه قوله، فتردد، وكان شادي متحمس في قولها من الأساس. ابتسم الكل منتظرين قوله ورده، ولكنه أجاب بتردد مرة أخرى: "بس أنا بردو خايف على بنتي يكون الحمل تقيل عليها.. معتش حد بيعمل كده!" هنا اندفع عز سريعا يقول بتوضيح: "يا باشا.. أنا مراتي دكتورة زيها زي منة، وكاتب كتابي عليها من أخوها اللي قاعد ده. وقريب هنحدد الفرح، والناس أغلبها بقت بتعمل كده. ما أصل معتش حد بيتجوز بسهولة بردو الأيام دي، وشادي عريس لقطة يعمنا. نسمع بقا الموافقة واحلى زغروطة من جوه ونحدد الفرح يمكن الفرح يبقى فرح بعريسين وعروستين مع بعض. ها قولنا إيه؟" هلل الشباب بآخر حديثه بحماس، ولاقت فكرته إعجاب حازم وهو يومئ له بسعادة بالغة، فأشار طارق بصوت مرتفع يقول: "قولنا لا إله إلا الله. على بركة الله!" كان القول مرتفع مما جعل الفتيات في الخارج تقف، ثم تعالت الزغاريط بالضحكات والأحضان تزامناً مع قول شادي المتلهف: "خلاص يبقي الفرح آخر الشهر ده. يلا نقرأ الفاتحة الوقتي بقا!" كاد أن يتردد، ولكنه توقف عن حالته وما عرفه وفهمه عنه، قليل ما يجد مثله وقد أغراه، ولكن الآخر تعد إبنته الوحيدة، لذا رد بلطف وصدق: "وأنا حاسس إنك هتصونها يبني. شكلكم ناس محترمين وملقتش عفرابة عليك ولا عليهم.. وأنا موافق بس شوية تاخدوا على بعض وتفهموا بعض الأول!" "أنا فاهمها وبحبها وشاريها وعايزها النهارده قبل بكره في بيتي!" لم ينقصه شئ بالفعل، وطوال ما كان يفعله لم يشعر بإحداهن أن تكون زوجته سوى هي. هي التي شعر بها بأنها تستحق وتوافق أن تكون له غيرهن. وجد حامد يتحدث قائلاً له بحماس ولهفة: "ونجيب الدهب كمان أسبوع على ما الظروف تتحسن شوية ونعرف نعمل هيصة... نقرأ الفاتحه بقا يا أبو منة!" وأكمل غسان سريعا وهو يرفع يديه بعجالة يضغطه: "يا حج إنت لسه هتستأذن. في الحالتين حسنات هناخدها. يلا سموا الله وإقرأوا." بالفعل بدأ بقول السورة، فضحك الجميع عليه وبدأ الكل في قولها بهدوء، حتى الفتيات في الخارج. ومن ثم انتهت سريعا بقول الشباب في صوت واحد: "آمين!" نهض شادي بعدها يعانق والدها ومن ثم غسان وحامد والجميع. ودخلت منة بأكواب الشربات لهم وهي تقدمها بلطف. كانت رقيقة ترتدي فستان أبيض بسيط بثلاث أرباع كم وخصلاتها القصيرة تركتها فقط خلفها وفوق كتفيها، وكعب حذائها العالي تدق به وهي تسير نحوه تقدم له الكوب بخجل، فتلمسه هو يديها، فحدقته بتعنيف وهي تهمس له بتوعد: "لم نفسك بدل ما أقوله مش موافقة ويروحكم حالا، يا بيه!" اعتدل شادي سريعا يبتلع ريقه وهو يأخذ منها الكوب، وجلست هي بجانب والدها. ثم تعالت الزغاريط مرة أخرى وسط بهجة وفرح وسعادة كبرى. كانت الغرفة واسعة والحديث عشوائي ولم يكن الغريب سوى طارق. فدخلت الفتيات تقف كل منهن بجانب زوجها. ورحبن بوالدها ترحيب حار من على بعد وبلطف. وبقى غسان يطالع شقيقه من على بعد، والذي يهرب منه بالأنظار. طالع شادي منة بهيام، ووقف طارق يتحدث مع حامد، في حين ردد شادي لها بتيه بأعينها: "قنصاتك دي هتقتلني قريب بجمالها يا دكتورة!" "من غير بت!" رددتها منة بخجل، فاعتدل هو بحماس وهو يجيب بفخر: "لا ما خلاص بقا. بقيتي البت الدكتورة منة طارق خطيبة الواد المحاسب شادي بيه النجار!" ضحكت بخفة وهي تنظر له، ثم قالت بعفوية كبرى لا تخرج منها إلا قليل حينما اعترفت له قائلة: "بس أنا مبسوطة أوي.. وفرحانة!" "مش أكتر مني. لو أطول أبوس الواد حازم هبوسه عشان هو السبب، هو ومراته لما شوفتك أول مرة فحنتهم!" وأضاف سريعا بغمزة عين وتمني: "عقبال حنتك يا أم عيون قناصة!" يكملان الحديث بحب وكشف لمشاعرها أكثر عندما دخل هو بيتها من بابه حقاً وأمام من؟ والدها. هذا لا يشعرها بتاتاً بأنها تفعل شيئاً خطأ من خلف ظهره. لطالما تشاركه دائماً أحداثها العبثية وتفاصيل يومها. كان وسيكون صديقاً لها قبل أن يكون والدها. تعلقت عينيه بها وفخر وحب وتأثر لكبر ابنته الوحيدة ولم يجد هو سوى أيادي حانية تربت على كتفيه بتفهم وهو يقول: "أنا فاهمك كويس وفاهم إحساسك دلوقتي.. وإنت راجل ليك الجنة وكتر خيرك إنك ربيت وكبرت وعلمت لوحدك واحدة مؤدبة وجميلة زي منة بنتك!" تأثر طارق من حديث حامد. وعانقه بحب وقبول، رآه بوجهه كما علم بأنه رأى نفس القبول والارتياح بوجه "شادي". هو الآخر. وعلى جانب آخر بأحد الأركان، وقف يطالعها بشغف وهو يحمل "يامن" على ذراعيه. رأت نظراته لها فتعلقت بنيتها الفاتحة بالخاصة الداكنة له وهي تهتف بلغة تعلم بأنه حلها: "دماغك جابتك ليوم خطوبتنا برضه؟" "جابتني بكل تفصيلة يا رزقة. خطوبة يومين إلا وكتبنا الكتاب على طول، مفيش أسرع من كده!" "خطبتني وأنا مش موجودة، بس قلبي كان معاك يا بن البدري!" وأجاب "غسان" وهو يقبل "يامن": "ولسه معايا ومش هفرط فيه أبداً!" "ثبتني يا بن البدري!" ابتسمت له بحب عقب قولها، وقالتها هي بصدق شديد وليس بمرح ككل مرة. وهذه المرة قدمت خدها لـ "يامن" ليلبي قول "غسان" له وهو يحثه كي يقبلها. خالف توقعاتها وقبلها "غسان" على فجأة وباندفاع وليس "يامن". فابتعدت بحرج شديد خوفاً من انتباههم. ضحك "غسان" عليها وهو يلتفت حوله، بينما مال "طارق" يهمس بجوار أذن "حامد" وهو يردد له: "ابنك اللي هناك ده شكله مش سهل أبداً يا أستاذ حامد!" أيده "حامد" وهو يكبت ضحكاته ثم قال بتأكيد: "للأسف أه. ما ربيته. ربيت التاني اللي واقف هناك ده مرتين. معندكش عروسة ليه بقا؟ والله أدب وأخلاق وذوق!" ضحك "طارق" عليه وعلى حديثه بمرح. واستمرت الجلسة إلى كثير بحديث عشوائي هنا وهناك وركن وركن آخر، وكل طرف مع طرفه الآخر إلى أن وقف "شادي" أخيراً يأخذ الإذن من والدها بقوله: "طب أنا عايز أخرج مع "منة" يا عمي بعد إذنك طبعاً!" "لوحدكم؟" قالها "طارق" باستنكار. فرد "غسان" عليه سريعاً بـ: "أنا ومراتي معاهم وكل واحد ومراته. لسه عايز إيه كمان؟ تعبتنا والله!" ضحك "طارق" كما ضحك الجميع ثم هز رأسه موافقاً وهو يرد: "طيب، بس بلاش تأخير لو سمحتم!" أيده "حامد" ونهضت "منة" تعانق والدها بحب، وكل منهم يودعه. ولم تكن سوى دقائق وفتح باب الشقة وخرج منه الجميع لأسفل ناحية السيارات. ووقف "غسان" يهمس بجوار أذن "شادي": "طبعاً فكك من اللي أنا قلته فوق ده. شد أنت واقعد معاها براحتك بس بلاش دماغك دي تروح لبعيد. أنا بساعدك أهو وأنت خليك محترم الفترة دي بس لحد ما تبقي في بيتك. همشي أنا وهروح بيهم وخد عربيتي وأنا هسوق عربيتك عشان المكان والناس دي!" ضربه بخفة على كتفيه وعلم الكل بأنه قال ذلك أمام والدها فقط عندما غمز لهم وتفهموا الوضع. ضحك "شادي" وهو يتبادل معه المفاتيح وسرعان ما اندفع يقول بسرعة وخوف: "غسان! عشان خاطري يا جدع وخاطر الفرحة دي لتتكلم مع أخوك براحة وبلاش مشاكل ونكد من تاني الواحد ما صدق!" نظر له باطمئنان وهو يبتسم ثم ودعه بيديه. وأخذ السيارة كي يركب معه "حامد" و"دلال" و"نيروز" و"وسام" و"بسام" و"بدر" وصغيره. وبسيارة "حازم" معه زوجته وشقيقته و"عز" و"وردة". انطلقت السيارتان وركبت "منة" مع "شادي" بسيارة "غسان" بتوتر حتى نظر لها وهو يحرك السيارة قائلاً لها بلطف: "تحبي تروحي فين بقا يا حبيبة قلب شادي بيه؟" ضحكت على قوله بخفة وهي تنظر له. ولأول مرة تعيش هذه المشاعر التي عاشت تغلقها وتأبى أن تخرج لشخص غير مناسب. أتى هو بأقصر وقت وفعلها! سارت سيارة "حازم" وكما سارت السيارة الذي يقودها "غسان" وسط الحديث المنشغل ومن ضمنه. ترقبت ملامحه وحواسه حينما سألت "دلال" "بسام" باهتمام: "كنت فين يا حبيبي واتأخرت ليه كده؟" انتبه "حامد" المتشكك بأمره وانتبه "غسان" وهو ينظر بالمرآة. وخفق قلب "نيروز" ولا تعلم لماذا. تقابلت عيني "بسام" مع "غسان" باهتزاز. وسرعان ما ابتلع ريقه وهو يهرب بعينيه ثم نظر ناحية "والدته" وهو يجيب: "كنت في الشغل بعد الإجازة لقيت في ضغط في المستشفى وكده." الاهتزاز ظهر في نبرته. واستشفه "غسان" الذي نظر بالمرآة بسخرية يعلم تمام العلم أن شقيقه غير بارع في الكذب ولم يحب فعلتها بأي قول لذا يظهر عليه. نظرة عينيه، طريقة حديثه، هروب سهام عينيه التي تبقى ثابتة. كل ذلك ظهر بقوة له ولكنه صمت. وكما لاحظ هو لاحظ "حامد" هو الآخر ولكنه صمت يفكر بوضع الأول واهتزاز الثاني وعلم بأن الاثنين بينهما عقبة لم ولن تنتهي لطالما الذي يتحدث ويظهر وقاحته صامت معه من الأساس. وعندما سأله عن شقيقه الذي يعلم عنه كل شيء أجابه باقتضاب! ابتلعت "نيروز" ريقها وهي تداعب "يامن" بحب مع "دلال" التي تصنعت تجاهل توتر الأجواء الغير مفهومة منذ الصباح! ولم تكن سوى دقائق ووصلت السيارات بالفعل أمام المبنى. خرجوا بالتدريج كي يصعدوا. وبالفعل صعد البعض وكان آخرهم "بدر" مع زوجته وصغيره لشقة "سمية". وهبطت "جميلة" تقف مع "عز". في حين عقد "حازم" العزم على أن يرحل لشقته بعد الآن مع "ياسمين". وبقى "غسان" و"نيروز". صعدت "نيروز" مع "جميلة" بعدما ودعت الأخيرة "عز" الذي وقف بترقب ينظر ناحية "عز" الذي التفت حوله ينظر ما إن لم يصعد أحد أو لا. وبالفعل ما أن رأى الكل صعد. نظر نحو "غسان" الصامت ثم قال بلهفة طفيفة واهتمام: "خير يا غسان. قولي عايز تقول إيه سامعك!" تردد كثيراً في القول. وعندما طلبه على انفراد قطع التردد وقتله بالفعل. تنهد "غسان" يأخذ أنفاسه ثم نظر على الاستراحة في الطريق المقابل وهو يتقدم إلى أن وقف وهو يشير له قائلاً باختصار: "اقعد!" جلس "عز" بجانبه. وقد سمع "غسان" فوراً صوت دقات الهاتف الذي أغلقه "عز" كي يسمع الآخر بهدوء. ترقبت جميع حواسه وهو يردد مرة أخرى بقلق: "قلقتني يا عم ما تقول حصل إيه؟" اعتدل "غسان" بثبات وهو يطالعه بصمت. ثم بدأ بحديثه المبتدأ: "هقولك يا عز، بس قبل ما أقولك عايزك كده تفهم الوضع وتسمع اللي هقولك عليه بالحرف وللآخر!" حرك رأسه بموافقة. وقد وصل لأعلى مراتب الفضول ممزوجاً بالقلق. بدأ "غسان" برمي قنبلته الأولى عليه حينما قال: "انت تعرف إن بسام أخويا بيحب أختك فرح؟" نظر "عز" ناحيته بذهول. ولم يفكر بذلك من قبل. وكأنه الآن صدم من هذه المفاجأة. كيف ولما ومتى من الأساس؟ صدمته جعلته يصمت للحظات إلى أن واصل "غسان" يكمل بنفس النبرة الهادئة: "أو هو اللي حاسس وبيقول كده. بس هو لو اتقدم لأختك يا عز بأمانة كده وعلى بياض وكأني مليش علاقة بـ بسام. هتوافق؟" ابتلع "عز" ريقه بصعوبة كبرى وقد تشتت عقله. انتظره "غسان" يتحدث بصبر وهو يطالعه بانتظار إلى أن أجمع الحديث بتعقل رغم صدمته: "إنت صدمتني يا غسان. بس أنا مقدرش حتى أحدد حاجة زي دي دلوقتي. أختي مش جاهزة ومتنفعش بينكم بالبلدي بعد اللي حصل منها ده طول ما الوضع واقف كده. زائد إن لو على قولك وبسام اتقدم. فأنا مش هألاقي ليها أحسن منه بأخلاقه دي. لكن الوضع متلخبط وأنا مش... مش فاهم إيه اللي بيـحـ.." قاطعه "غسان" سريعاً بثبات وهو يردف قائلاً له يجيب حديثه: "وانت كده فاهم يا عز وعداك العيب. عشان قولت "أختي مش جاهزة طول ما الوضع كده". مش هقولك إن أخويا كمان مفيش زيه. بس من غير ما تفهمني غلط. فرح أختك محتاجة دكتور نفسي شاطر يقومها من اللي هي فيه ده ويفهمها ويخليها أقوى ويحل كل العقد اللي ممكن تكون جواها من زمان. وده مش عيب أبداً." كونك تفهم ده فإنت كده ميه ميه. لكن لو على أخويا والجزء اللي إنت مستغرب منه إني قاعد معاك دلوقتي مش هو وكأني بطلبها منك ليه فإنت فاهمني غلط. كان يفكر بذلك. رغم غرابة ما يراه ولكنه كان قد بدأ يقنع بذلك. حرك رأسه بغير فهم. فوجده يكمل بصراحة: "بسام أخويا، متسرع أوي في الموضوع ده. وعشان بعتبرك أخويا أنا قولتلـه لا مش دلوقتي ومش موافق. لسه في وقت يحكم تنفع ليك وإنت تنفع ليها ولا لأ. عشان كده فأي لحظة بعد ما شوفت عناده ده ممكن يجي يقولك أنا طالب إيد اختك فرح منك. وأنا عارف إنه هيعملها لو مين وقف فـ طريقه. كل اللي أنا عاوزه منك إنك ترفض حتى لو أختك بتحبه أو مرتاحة ليه أو مش مرتاحة ومش واخده بالها من اهتمامه فقولها ترفض فالحالتين دا لو هي جاهزة." عقد "عز" ما بين حاجبيه باستغراب وملامح وجه متشنجة وهو يرد: "مش فاهم قصدك. وضحلي. قصدك إيه؟" "قصدي كله إنك ترفضه وأنا اللي بقولك. حتى ولو إنت نفسك موافق عليه. عشانك وعشان فرح اللي أنا عاوزك تاخد خطوة بيها وتخليها تتعالج نفسيًا. ساعتها لما تبقي كويسة نقدر نحدد ونفتح الموضوع ده من تاني هم ينفعوا ولا مينفعوش. بغض النظر عن إني مش هلاقي زيك نناسبه. بس عامتاً، الوضع مش مترتب من كل ناحية. وزي ما شرحتلك حالة اختك. فأنا أخويا كمان مش عارف هو عاوز إيه. فالفترة اللي أختك تبعد وتتعالج بعد موافقتك واقتناعك بـ ده. يكون أخويا فاق من اللي هو فيه ده. بسام يا عز كان مر بتجربة صعبة وأيا كانت هي إيه. فهو خرج منها شايف إنه كده عادي وإن مفيهاش حاجة لو نفذ اللي عاوزه ده من غير حاجات كتير لازم يتفكر فيها بهدوء وعقل!" وأضاف سريعا بعقل واحترام وتقدير ظهر بكل تفاصيله للذي يجلس بجانبه: "وعشان أختك فرح زي وسام أختي فأنا مستحيل كنت هقبل تدخل فعلاقة زي دي فوقت زي ده ومع شخصية زي شخصية بسام اللي مش وحشة أبدا. بس هو عاوز وقت يحدد هو يقرر إيه وميقررش إيه وايه الصح وإيه الغلط. ولو فرح فعلا أختي يا عز. هبذل كل جهدي عشان ترجع إنسانة سوية قوية ولو بنسبة بسيطة. فاهمني؟" حرك رأسه بتفهم. وعاد يشرد بحالة شقيقته الذي يراها الكل كذلك وليس هو فقط. وبالأخر "بسام". والذي ما أن تذكر قول والدته اندفع يقول: "عشان كده كان بيجي تحت البيت عندنا وأمي كانت شافته وقولتلها إنه بتهيألها!" وكأنه يفكر بصوت مرتفع فخرج القول بإندفاع رغما عنه. بل وبغيظ مكتوم لم يظهر للآخر. لا يعلم بأن القول يهز من ثبات الآخر الذي يشعر بالحرج منه ومن ذهاب شقيقه لمنزله دون إذن ودون وجوده من الأساس! تنحنج يجلي حنجرته وهو يتصنع عدم الانتباه ثم نهض تزامناً مع قوله ولم يعلمه بأن الآخر قد ذهب لمنزله في عدم وجوده بالفعل! "وصلت يا عز ولا عندك كلام تاني عكس ده؟" "لا تمام وإتفقنا يا غسان. ولا كأنك قولتلي حاجة. وإن شاء الله تعدي على خير!" قالها بلطف. وهما يسيران معاً أسفل المبني. فقاطع "غسان" سيره وهو يقول بإصرار: "طب ما تطلع تقعد معايا شوية!" "معلش مرة تانية بقا. أصل هعدي ع الشغل كده ع السريع قبل ما أروح أرتاح. عايز حاجة؟" حرك "غسان" رأسه نفياً. وهو يشير له بالوداع ثم دخل المبني وهو يبتسم للعامل مردداً عليه كلمات مرحه بلطف. حتى ركب المصعد من بعدها كي يصعد لطابق شقة "والده" حيث المواجهة مع شقيقه "بسام"! *** بينما في شقة "حامد" جلس هو بالصالة معهم جميعاً. مع "دلال" و"نيروز" و"وسام" وحتى "بسام" الذي جلس يعبث بهاتفه متصنعاً الانشغال به كي لا يسأله أحدهم أي سؤال. توترت "نيروز" وتتوتر بالفعل وهي تبتلع ريقها من ما تخاف وتهاب بأن يحدث. تود أن تبعده الآن عن أن لا يأتي أو تشغل ذلك الذي يجلس أمامها. تتنفس بإرتياح كونه لم يأتي إلى الآن. تسمع حديثهم العشوائي مع بعضهم وبقت هي صامتة إلى أن سألها "حامد" بحنو: "ساكتة كده ليه يا حبيبتي؟ مالك؟" يعلم "بسام" بأنها تعلم لذا يرفع عينيه عليها بين الحين والآخر بترقب. وعند هذه الجملة اعتدل سريعاً. ولكنها نفت برأسها وهي تبتسم بإهتزاز قائلة: "لا مفيش عادي. عندي بس شوية صداع!" "أقوم أعملك شاي ولا وسام تقوم تعملك؟" سألتها "دلال" بإهتمام. فنفت سريعاً. وقبل أن تجيب. وجدت "وسام" تجلس بجانبها تشاكسها بالأحضان وسرعان ما شعرت ببرودة كفها. حتى سألتها بنبرة خافتة: "إيدك متلجة ليه كدة؟" ترتجف يديها وتثلج عندما تخاف. هذه هي عادتها. وطالما هو بعقبه تخافها فلها كل الحق بالخوف عليه. متذكرة دماء رأسه وكسر ذراعه من شقيقه. لم ولن تنسى هذه العقبة التي كانت في بداية شعورها بحبه. وفي البداية كانت لا تتحمل فراقه حينما فارق مؤقتاً. أما الآن فهو زوجها ومعها وازداد الحب أضعاف مضاعفة كيف سيكون الخوف؟ مضاعف بالطبع! "متقلقيش تلاقيني بس بردانه!" "بس الجو مش برد للدرجادي!" تحاصرها ومنقذها بهذه اللحظة صوت إغلاق الباب بواسطته. هنا اعتدل "بسام" في جلسته وهو يرفع رأسه له. في حين دخل عليهم "غسان" وهو يبتسم بلطف. حتى جلس بين "نيروز" و"وسام". نهضت "دلال" تقوم بتغيير ملابسها ومن ثم "حامد" بعدما اطمئنا على قدومه وعدم تأخيره. وظل الثلاثة ومعهم "نيروز" التي سألته بإهتمام: "كنت فين كل ده؟ مطلعتش علطول ليه؟" "كنت بتكلم مع واحد صاحبي. مطلعتيش فوق ليه؟ مش قولتي إنك هتطلعي تنامي؟" يطردها بالطريقة اللطيفة وتعلم هي ذلك بقوة. لذا عقدت العزم على أن لا تتركه حين انتهاء ذلك الجو المتوتر. لاحظت انسحاب "بسام" بخفة دون أن ينتبه له "غسان" الذي أمسك كفها كي تنتبه لقوله التي شردت به فوجد كفها بارد. دلكه سريعاً بغرابة. وهو يسألها نفس سؤال شقيقته: "ايدك ساقعة كده ليه؟ إنتي لسه سخنة؟" رفع أنامله الأخرى يتحسس درجة حرارتها فوجدها عادية. لذا دلك كفها براحة. دون أن ينتظر منها جواب. شعر بخلو المكان من حوله. فنهض يسحبها معه ناحية الغرفة. إلى أن دخلت فوقف حتى وجدها جلست. ابتسم لها بهدوء. ثم قال: "خليكي قاعدة شوية وهنطلع. هشوف بسام بس!" "إستنـ..." لم يعطها الفرصة للمعارضة أو أن تهتف بأن يتوقف. بل أغلق الغرفة خلفه سريعاً. وهو يتوجه بسرعة ناحية غرفة شقيقه الذي فتحها دون أن يدق عليها. التفت "بسام" وهو يرتدي تيشيرته الأبيض القطني ثم نظر له بغير اكتراث وهو يتجرع من زجاجة المياه إلى أن انتهي وهو يشير على الباب قائلاً بنبرة باردة ظهرت للآخر وبشدة: "إبقى خبط ع الباب الأول!" توجه "غسان" يقف أمامه وهو يقذف زجاجة المياه من يديه إلى أن وقعت أرضاً. فزفر "بسام" بصوت وهو يقلب عينيه. في حين ضغط هو على فكه وهو يسأله: "ايه اللي وداك عندهم؟ ايه اللي يخليك تعمل حركة زي دي يا و**!" تركه كي لا ينفعل عليه، كونه يعلم بأن انفعاله يخرج سريعا. لذا وقبل أن يتحرك أمسكه غسان من ذراعه بقوة وهو يضغط عليه مرددا بنبرة مرتفعة: "رد عليا!" "إنت مالك إنت؟ مش قولت إنك ملكيش دعوة بيا. وإني حر في حياتي، يبقى ملكش فيه وسيبني فحالي!" قالها بسام بنفس النبرة المرتفعة التي أخرجت والديه من غرفتهما وهما يقفان بجانب نيروز ووسام. ابتلع غسان ريقه وهو يجيبه بانفعال: "ومليش دعوة بيك يعني معاتبكش ولا أحاسبك على اللي عملته ده؟ بأي عين إنت تروح بيتها من غير حتى ما أخوها يبقى هناك؟ بأي وش تروح تقف تحت بيتهم كل يوم وكأنك العاشق الولهان وعايشلي دور مش دورك وإنت ولا كده ولا نيلة!" دفعه بسام عنه، فترنح غسان إلى الخلف ولم يتوقف عن إكمال الحديث وهو يصرخ به بغضب: "قولتلك أخت عز لأ وألف لأ... قولتلك فرح متنفعكش، تقوم تروح تعلق نفسك بيها أكتر.. بتتوهملي بحب واحدة ضعيفة عشان اللي قبلها كانت مسيطرة عليك وعلى عقلك يا غبي!" ذهل الجميع عداها هي، وهي تقف ترتعش خوفا. وسرعان ما صرخت حينما أثارت جملة غسان انفعال بسام، فرفع يديه يلكمه بأنفه التي نزفت من الدماء. وقعت ودُفعت نحو ملابس الآخر البيضاء. وضع غسان يديه على أنفه بتألم وقد تشنجت ملامحه. في نفس الوقت أمسكت به دلال ذراعه، وحامد ذراع الآخر وهو يسمعه يردد عليه بصراخ هو الآخر: "أنا محدش سيطر عليا سامعني؟ محدش سيطر عليا ولا حد يعرف يعمل كده، حتى إنت الوقتي وانت بترفض حاجة هعملها.. هعملها لو على جثتي وجثثكم كلكم!" أمسكه حامد كي لا يندفع نحو شقيقه كالمرة السابقة. فدفع غسان أيدي والدته الباكية وحتى أيدي شقيقته وزوجته وهو يندفع يزيح حامد الذي تركه بخوف عليه من تراخي أعصابه. أمسكه غسان من تلابيبه وهو يمسكه من أسفل عنقه، ثم رفع يديه يصفعه على وجهه بقوة مرددا بغضب هو الآخر: "لما أقول إنك محتاج تفوق يا*** يبقى محتاج تفوق ومحدش هيعرف يفوقك غيري!" أمسكته نيروز بخوف وهي تدفعه عنه مرددة بنبرة باكية تترجاه: "خلاص ونبي يا غسان، عشان خاطري كفاية، سيبه... سيبه ملناش دعوة إيه هو حر!" لم يعرها أي انتباه، بل ظل يقوم بلكم شقيقه. والذي سرعان ما رفع ساقه يدفعه بمعدته، فانحنى غسان بألم ثم وقع أرضا. وقبل أن يبرك عليه، أمسكه حامد سريعا بصراخ وغضب لاول مرة يظهر: "إبعد!" وأضاف سريعا وهو يدفعه من عليه بأمر: "بقولك إبعد!" سكن بين يدي والده. وسرعان ما نهض الآخر ثم بصق على وجهه وهو يهاجمه مرة أخرى بالحديث بأنفاسه العالية: "ترضاها على اختك وأمك يا***؟ ترضى راجل غريب يدخل بيتنا عليهم واحنا مش موجودين؟ راجل بيحب اختك ورايح عشان بس يشوفها من ورانا كلنا.. ياض دا شادي اللي متربي معانا مبيقعدش في البيت وأنا وإنت مش فيه يا و***! هتكبر إمته ها؟!" صمت غسان بأنفاسه التي تعلو وتهبط من صدره، ثم واصل وهو يحاول مسكه مرة أخرى من تلابيبه بغضب وهو يردد: "ولما إنت راجل أوي كده، بتعمل كده ليه من ورانا ووراهم؟ بتخبي ليه لما إنت عارف إنك صح ومفيش حاجة صح أكتر من إحساسك وإنت بتحبها؟ بتحب واحدة مريضة زيك؟!" ضغط بسام على فكه، ثم رفع يديه على فجأة يلكمه بوجهه. فامسكه حامد مرة أخرى كي يسحبه. ولكن يد غسان كانت الأسرع وهو يمسك يد شقيقه تزامنا مع رده الصحيح: "بتضربني وتعارضني تاني عشانها وعشان العك اللي بيحصل ده؟ بتمد إيدك عليا عشان بتحب واحدة لمجرد إنك لقيت حد أضعف منك؟ يا جبان!" سحبته يد نيروز ببكاء وهي تترجاه. ومن الناحية الأخرى شقيقته ببكاء. حاول بسام التملص من بين يدي حامد ولكنه كان يتمسك به بقوة. وبإعجوبة شديدة استطاعت نيروز ووسام سحب غسان إلى الخارج. والذي تركهم وخرج من الشقة بأكملها. حينها دخل بدر بغرابة مع بقية الشقق التي فتحت دون فهم للذي يحدث. قابله بدر، وعندما وجده يصعد إلى شقته في المصعد ولم يرحل، دخل إلى الداخل. فوجد بسام خرج بالصالة بمواجهة حامد الذي وقف يطالعه بصمت وخزي منه. وبكاء وسام كان الرد. حينها ارتجفت أوصال نيروز، فضمتها وردة سريعا التي دخلت مع زوجها. كان الأمر يتضح بأنه خاص، لذا أغلق بدر الباب سريعا. ثم دخل فوجد حامد يتحدث للآخر بلوم: "كل مرة بكتشف إنك إنت اللي متربتش يا بسام، ولا شوفت بربع جنيه تربية. مش أخوك؟ أخوك اللي خايف عليك وتعبان ليك، واللي عقله مشغول ليك. أنا قولت الحكاية فيها إن من ساعة ما لقيته متقفل كده، إنك تمد إيدك عليه دي تاني لوحدها كبيرة أوي وإنت بتكرر نفس الغلط. حب غلط تاني. فرح أخت عز اللي باعته يا بسام. وباعت الكل. بتحب واحدة مش مظبوطة نفسيا. بتضرب أخوك عشانها. بتعاند مين عشان مين قولي." صدره يعلو ويهبط أمام الجميع. وقف بدر بتشتت للذي يسمعه ويعلمه لأول مرة. وعندما سمع ذلك من والده ردد يجيبه باندفاع: "أيوه بحبها وبعانده عشانها. مهو عاند الكل كتير عشان مراته كان حد قاله حاجة؟ ولا هو بسام بس اللي بتيجوا عليه؟ وللعلم أنا هطلب إيدها وهتجوزها غصب عن عين الكل هنا!" كان أسلوبه وطريقته بيديه وإشارته أمام والده وكأنه لم يرى تربية من الأساس. رفع حامد كفه يصفعه كما صفعه من قبل. وهذه المرة صفع رجل أمام نساء! صفع رجل مسؤول له مكانه ولكن يتأكد بأن ليس له تربية! كور بسام يديه بغضب مكتوم. وسرعان ما وقف بدر بينهما تحت شهقات النساء. وكان قول حامد الحازم حينما قال: "الظاهر إنك فعلا محتاج تفوق زي ما أخوك بيقول مش أي كلام. دا إنت بجح للدرجة اللي مخلتكش تقف تكلمني بهدوء وتقولي أنا بحبها ونفسي أطلبها وتعالى معايا أخطبهالي، مش تقولي هطلبها غصب عنك! ولو كنت هوافق بعدين بالهداوة وكان في شوية اقتناع، فدلوقتي أنا رافض رفض محدش هيقدر يغيره، ومفيش جواز منك ليها، ومفيش قعاد في البيت عندي." صدم الجميع من قوله. ولم يعطيهم هو الفرصة بل أضاف سريعا وهو يسير نحو الباب بيديه: "إمشي اطلع برا لحد ما تفوق من اللي انت فيه ده، ساعتها أبقى ارجع. ارجع لعيلتك وناسك اللي محدش هيخاف عليك قدهم. وامشي وارجع ولما ترجع لازم تعرف إنها تبقى المرة الأخيرة اللي تكرر فيها نفس غلطاتك دي، لإما لا هتبقى ابني ولا أعرفك. سامعني؟" يستجوبه بجمود. وكادت أن تتحدث دلال دفاعا عنه، فحدجه حامد بتعنيف وهو يصرخ بها مشيرا نحو غرفته: "ولا كلمة سامعة! ادخلي جوه إنتي وبنتك حالا!" انسحبت بعد قوله ناحية غرفتها ببكاء. علمت بأن الرفض ليس بصالحها الآن. في حين وجدت نيروز نفسها وحدها بأحضان شقيقتها. فرد بسام عليه وعلى حديثه الذي اعتبره قاس: "سامعك يا أبو غسان. خليك طول عمرك كده حاسس بيه وراكني على جنب. خليك مفرق التفرقة اللي بتخليني أبعد وهمشي فعلا ودلوقتي!" اندفع حامد يصرخ به ومن ما يفكر به بالخطأ: "إنت بتهددني؟ ما تغور في ستين داهية! يكش ترجع بعدها دماغك فايقة وتعرف إن كلامك ده كله هبل!" حدجته نيروز بحدة بعدما استوعبت الأمر. حتى خرجت من أحضان وردة بشراسة وهي تشير له بيديها ببكاء: "هو إنت إيه؟ مش بتحس بأخوك؟ مش شايفه وهو خايف عليك وبيفكر لك تكون مرتاح إزاي؟ كل شوية غاوي تكسره؟ إنت إنسان أناني ومبتحبش غير نفسك وغبي ومش فاهم أي حاجة بتحصل حواليك!" ورغم إشارة وردة لها بالتوقف عن الحديث، ونظرات حامد العاجزة مع بدر، ولكنها واصلت مرة أخرى بصراخ قبل أن تخرج من باب الشقة وترحل: "كفاية بقا!" كفاية تقهروا في غسان وتكسروا فيه، وإنتوا محدش بيحس باللي هو بيحس بيه. سيبوه في حاله، حرام عليكم! أجمعت بالحديث دون دراية منها بأن "حامد" يقف. ثم رحلت وصفعت الباب خلفها بقوة وهي تمسح دموع عينيها. خرجت بعدما التقطت حقيبتها ثم رحلت وتركتهم. ولولا إشارة "بدر" المفهومة بصعودها شقتها لركضت "وردة" خلفها. نزلت دمعة "حامد" بعجز. عندما زفر "بسام" بصوت ورحل صافعًا باب الشقة خلفه دون أن ينبس أي حرف. نفس الصفعة بعدها، بل وأقوى، وكأنها هزت أرجاء المنزل. ولم يهتز سوى "حامد" الذي سار بخواء تاركهم واقفين. ثم دخل غرفته غالقًا إياه خلفه بصمت. أدمعت عيني "وردة" بيأس وحزن، فسحبها "بدر" داخل أحضانه يهدهدها وهو يخرج هو الآخر إلى الخارج بتشتت لكل ما حدث. *** خرجت "نيروز" من المصعد بلهفة وهي تتفحص حقيبتها كي تخرج بالمفتاح لتفتح الباب. فتحته بخوف ولهفة إلى أن فُتح، ثم دخلت بسرعة وهي تغلقه خلفها. ركضت ترمي أي شيء بيديها أرضًا وهي تبحث عنه بكل الأركان. لم تجده، أين هو؟ نزلت دموعها وخفق قلبها من فكرة عدم وجوده. خرجت تنظر في الصالة وبكل ركن إلى أن وصل إلى مسامعها صوت المياه المفتوحة دون وقوف أحد تحتها. علمت بأنه في المرحاض. وقفت أمام المرحاض بخوف، وقد انتبهت لعدم إغلاق الباب خلفه. كان مواربًا للدرجة التي مدت يديها تدفعه فوجدته يجلس على حافة "البانيو"، تاركًا المياه مفتوحة تسيل وكأن ذلك الصوت سيهزم أصوات عقله. حينما جلس واضعًا رأسه بين يديه بعجز، والدماء تسقط على رخام الأرض البيضاء. انحنت "نيروز" بلهفة ترفع ذقنه ورأسه. وقد رفعها "غسان" باستسلام وهو يطالعها بملامح وجهه الشاحبة، وأنفه وفمه وأسفل ذقنه الغارقين بالدماء. نزلت دمعتها على حاله وهي تنهض بخوف تمد يديها تضع من المياه على كفها لتمسح أنفه والدماء. كان مستسلمًا لها ينظر فقط بخواء وصمت. كُسر من شقيقه للمرة التي لا تعرف عددها. ابتلع ريقه وهو ينهض خلفها حينما انتهت وهي تسحبه خلفها. وصل إلى غرفتهما. حينها وقف هو ينظر لها بصمت ولم يتفوه بأي حرف. ولكن هي من بادرت، هي من بدأت حينما دفعته بقوة يدخل بعناق يريحه. دفعته إلى أن اندفع واصطدم جسده بجسدها من الأمام وقد شعر بيديها تتمسك بقميصه من الخلف وهي تضمه مرددة باختناق تذكره بقول مضى كان قد قاله لها حينما ضاقت به الأركان: "اعتبر نفسك ضغطت على الزرار وجالك حضني، أكتر حضن بترتاح فيه!" كان يقف بخواء مهبط كلتا يديه ولم يرفعها ليبادلها العناق. وما أن انتهت بقولها ذلك رفع يديه يضمها بقوة. قوة كادت أن تؤلم عظامها هي ولكنها تتحمل لأجله. تعلم أنه يخرج طاقته السلبية بأحضانها هي. شددت بعناقه وكما شدد هو بعناقها وهو يردد لأول مرة منذ أن رآها الآن وبهمس أتى من نبرته الضعيفة: "مبقتش عارف أعمل إيه!" نبرته أتت من عزم قلة حيلته وعجزه. ابتلعت ريقها ولا يعلم هو كيف أتت به ليجلس بجانبها على الفراش. أمسكت كفه تقبل باطنه برقة، وقد تعلقت عينيها بعينيه للحظات وهي تؤكد له قولها الآتي حينما أردفت بثقة: "بس كل ده هيعدي!" حرك "غسان" رأسه بخفوت. فوضعت يديها على أنفه بشفقة وهي تتلمسه بحنو تسأله: "بتوجعك؟" ضحك "غسان" بسخرية ممزوجة بالألم وهو يجيبها بتهكم مخفضًا يديها من على وجهه: "مش أكتر من اللي حصل!" لا تعلم لما تدمع عينيها الآن مجددًا وهو الذي يردف حديثه ببسمة على وجعه. رفع إصبعه الإبهام يمسح دمعتها أسفل عينيها التي سقطت ثم قال بقوله المعهود وهو يبتسم كي لا يشعرها بثقل: "دموعك غالية أوي يا بنت الأكرمي!" "ينفع تنسي كل ده؟ ينفع مشوفكش كده؟" تلمست مكان ضربات شقيقه على وجهه تزامناً مع قولها بهذه الكلمات الحانية له. يتجاهل كي لا يظهر ضعفه أمامها وفعل ذلك حينما همس لها بخفة: "ولو مينفعش، فـ نخليه ينفع عشانك!" ابتلع ريقه بعدها ود لو يصرخ كي يخرج ما بداخله ولكنه اعتدل بصمت. ومن ثم شرد من بين نظراتها، تائه بركن آخر غير واعٍ هو إلا لما يخصه مع شقيقه الذي يصمم على كسره في كل مرة. كان من الممكن بأن لا يتأثر ولكنه تأثر منه من قبل ولم يتعاف. اتهمه من قبل وكسره وظلمه، ووجعه والآن يفعل مثل الفعله الماضية بإختلاف الظروف بينهما. ود لو يتركه يفعل ما يشاء ولكن رغماً عنه عقله ينشغل. بل ويعلم هو ما النتيجة من القرار. تنهد يخرج أنفاسه بعمق، ولا يعلم هو كيف شرد من الوقت ليجعلها تبدل ملابسها وتأتي له بكوب من الشاي الساخن كي يشربه هو. وقفت أمامه تقدمه له بحنو. فخرج من شروده وهو يأخذه منها بابتسامة بسيطة هادئة. ثم اعتدل في جلسته على الفراش وهو يخلع عنه قميصه والتي اندفعت هي تساعده برفق حتى خلعته وتوجهت هي تضعه ومن ثم أتت له بسترة قطنية خفيفة يرتديها. أخذها منها ثم رفع عينيه ينظر ناحيتها بإمتنان. يشعر لوهلة بأنها سنده الآن وبجانبه ولم ولن تتركه على عكس الجميع. علمت معني نظراته فأدمعت عينيها بشفقة وهي تنحني تعانقه وهي تردد عليه بلين: "أنا هفضل طول عمري جنبك يا بن البدري، عمري ما هخليك تميل لو اتسندت عليا فيوم، فاكر؟" صمتت ثم واصلت تسأله بعمق: "فاكر أول مرة اطمنتلك ومخوفتش أحكي مخاوفي ليك قولتلي إيه؟" وأضافت سريعاً دون أن تعطيه الفرصة: "قلبي دايما جنبك وكتفي هيشيلك لو متلي عليه.. اطمنيلي ومتخافيش!" أسند رأسه بعدها على كتفها وكأنه يلبي قولها بذكرياتهما معاً. وقد تراخت يديه من مسكة للسترة. فجلست أمامه وبجانبه وهي تستمر بعناقه الذي تنفس هو براحة كبرى دون أن يتحدث حتى وجدها تتحول في نبرتها إلى الشراسة حينما واصلت وهي تخرج من أحضانه: "ومش هسمح لأي حد يجي عليك أبداً.. اللي هيجي عليك هاجي عليه!" ضحك بخفة وهو ينظر لها بفخر زائف. فوكزته "نيروز" بمشاكسة وهي ترجع خصلاتها إلى الخلف مرددة له: "أيوة كدة، وريني جمال ضحكتك ي عم!" "ضحكتي معرفتش الطريق إلا بوجودك!" غمزت له بإعجاب ثم قالت سريعاً تنبهه لما غفل عنه منذ فترة: "طب إيه؟ مش هتثبتي بكلام الست؟ مسمعتهاش منك بقالي فترة!" ضحك وهو يعتدل ثم أومأ لها بموافقة. فاعتدلت بحماس تقفز كي تجلس بجانبه وهي تفرد عليهما الغطاء حتى التفتت تعتدل ناحيته وهو يطالعها بلين وشغف أتي بعد قوله لها وهو يمسك كفها بحنو: "خليني أعيش.. خليني جنبك خليني.. فحضن قلبك خليني.." وسيبني احلم.. سيبني.. وكأنه يلمح لها بقوله، قالها من قبل ذلك حينما كان بحالة صعبة عندما كانت هي بغرفته مسطحة مريضة لأول مرة. فتحت ذراعيها ترد عليه بمرح، تلبي غرضه: "تعالى يا حبيب امبارح وحبيب دلوقتي!" "ماشي يا حبيبي لبكرة ولآخر وقتي!" "طب احكيلي قولي إيه من الأماني ناقصني تاني وأنا بين إيديك؟" "عمري ما دوقت حنان فحياتي إلا حنانك!" "ولا حبيت يا حبيبي حياتي إلا عشانك!" "وقابلت أماني وقابلت الدنيا وقابلت الحب!" كانا يرددان نفس كلمات الأغنية الذي بدأ هو يرددها، تارة هو مرة وتارة هي مرة من بين استناده على قمة صدرها. وبآخر قوله شاكسته هي بإستنكار، وهي تخفض عينيها تنظر نحو عينيه: "والله ومين أماني دي بقا اللي قابلتها إن شاء الله؟" تعنفه بمرح، على جملة وكلمة من أغنية معروفة مشهورة. لذا ما أن سمع هذه الكلمات المستنكرة منها، اعتدل وهو يضحك بقوة حتى أخذ أنفاسه بإعجوبة. وهي تطالعه بحب، مرددة بهيام، هي الأخرى به: "شكلك مفيش أحسن منه وإنت بتضحك يا غسان.. يارب ضحكتك دي متفارقكش أبداً طول ما إحنا مع بعض وجنب بعض!" شعر بصدق نبرتها الشديد ولا يعلم هو لما تأثر من حديثها بهذه القوة. ابتلع ريقه وهو يجيبها بصراحة: "أول ما قابلتك وإديتك قلبي يا حياة القلب، أكتر من الفرح ده محلاه وأكتر من اللي أنا فيه مطلبش.. يا نيروز!" "بعد هنايا معاك يا حبيبي، لو راح عمري.. أنا.. أنا أنا مندمش!" قالتها بغناء ومرح، وهي تهتف بصوت مرتفع قليلاً، تهز كفه بمشاكسة، وكأنها تجعله يختل عقلياً. يعلم بأنها تفعل كل ذلك بسببه هو. ضحك وهو ينظر نحوها ونحو خفتها. وسرعان ما تذكر ما قد نسى أن يهديه لها أمس حينما انخرط معها بليلتهما الذي يعتبرها هو الآخر استثنائية. نهض يفتح أحد الأدراج وهو يجلب العلبة الصغيرة، ثم عاد يجلس بجانبها، وهو يشير إليها قائلاً: "ممكن تغمضي عينيكي اللي كحلها تاعبني دي!" لبت غرضه سريعاً بحماس ولهفة. أغمضتها بقوة. ففتح هو العلبة متذكراً بأنه لم يجلب لها خاتم في خطبتهما وزواجهما، بل كانت قلادة ودبلة فقط. لذا نفذ وعده وجلب لها البقية. امسك يديها يلبسها الخاتم الذي حُفر به حروف أسمائهما معاً من الداخل وشكل رقيق من الخارج هادئ مثلها تماماً. خاتم من الذهب اللامع مثل عينيه التي تلمع الآن بحبها هي. فتحت عينيها سريعاً ما أن شعرت بما يفعله. ثم شهقت ما أن رأت رقة الخاتم. رفعت عينيها تطالع عينيه وابتسامته حينما قال: "كان نفسي أجبلك كل اللي نفسك فيه، وكان نفسي يكون ليكي شبكة معقولة زي أي بنت. مكنش راضيني حتى السلسلة والدبلة بس. عشان كده كملت بالخاتم ده وخليته مختلف لما حفرت حرفي وحرفك جواه. يمكن تكون بسيطة الوقتي لوحدها.. بس أنا معاكي وهفضل أراضيكي كل ما ربنا يفتحها عليا، عشان إنتي الرزق يا نيروز!" هبطت دمعتها سريعاً، وهي تنظر له ثم قالت بتحشرج: "بس شبكتي مش قليلة، وكده.. كده كتير عليا أوي!" مسح "غسان"، دموعها برفق، وهو يبتسم ثم أجاب بلين آخر تعهده: "ولا أي حاجة فالدنيا دي تكتر وتغلى عليكي. نفسي تقوليلي إنتي عايزة إيه ويكون عندك لو أنا أقدر عليه!" مسحت دموعها وهي ترفع ذراعيها ناحية رقبته كي تضمه بتأثر. وبهذه اللحظة أجابته على حديثه بصدق: "عايزاك كويس دايماً ومبسوط. عايزك جنبي ومتسبنيش.. تقدر على ده؟" "دا أنا أقدر على ده وأبو ده كمان!" قالها "غسان" بخفة وهو يهبط أنظاره ناحية عينيها التي أسفل ذقنه هو. تعلقت عينيه بها للحظات، وترك هو العلبة من يديه. رمش بأهدابه الكثيفة ثم أهبط شفتيه يقبل قمة رأسها ببر. ومن ثم اعتدلت هي تجلس كما كانت من قبل وهي تعيد النظر نحو الخاتم ثم عادت تنظر إليه وهي تردد بسعادة كي تظهر له: "شكله حلو أوي!" بادلها حديثها ببسمة هادئة وهو يتجرع من كوب الشاي بجانبه. فاعتدلت تنتشل الهاتف من على الفراش ولم يكن سوى هاتفه هو. حينما فتحت الكاميرا، وهي تشير له كي يشبك يديه التي يرتدي بها دبلة زواجه بيديها التي ترتدي بها الدبلة والخاتم. ثم التقطت صورة بالكاميرا الخلفية حتى فتحت برنامج الواتساب الخاص به تضعها قصة وهي تضع رمز خاتم وقلب أحمر. ضحك على فعلتها. وسرعان ما قال هو بسخرية: "إنتي واخدة راحتك أوي في تليفوني.. وكده مش هعرف أخونك!" "والله لو قدرت تعملها يبقى ليك الكلام!" "مقدرش فعلاً.. أنا مشكلتي إني مش عارف أشوف غيرك!" قالها بيأس. فاعتدلت تنظر له بحدة وهي تغلق الهاتف ثم ردت باستنكار: "وليه مشكلة بقا إن شاء الله؟" أشار لها ضاحكاً بخفة لتلتفت. فعلمت ما سيفعله. نظرت له بجمود زائف ولم يجيب هو. بل قام بفك عقدة شعرها كي يتركه خلفها وهو يبعده عن بعضه بيديه. ثم أهبط بعض الخصلات على جبهتها وكأنه يشغل عقله بما حدث بها هي. هي التي تستطيع بأن تنقذه من حفرة أحزانه. غمز لها "غسان" وهو يطالع شكلها وحتى خصلاتها التي هبطت على كتفيها المكشوفتين تسترهما بطريقة ملحوظة وحتى ظهرها وجزء من رقبتها. ابتسمت له بخجل. ومن بين غمزه قال هو بإعجاب قول معهود ومتكرر يردده دائماً لها: "كده أحلي.. كده بطل!" مد "غسان" ذراعه على طول كي تأتي كي تستند عليه وهي جالسة. فتوجهت بالفعل وقد نسي هو ارتداء سترته. بل تنفس بعمق وصمت دام للحظات. فاق على سؤال منها عفوي للغاية حينما قالت وهي تلاحظ: "هو إنت ليه مبتملش ولا بتتكسف يعني تظهر إعجابك زي معظم الناس أو الرجالة عامتاً؟ حتى لاحظت معايا ومع وسام. يعني شعري مش ناعم للدرجة اللي تخليك تحبه أوي كده. وكمان وسام بردو. إنت بتجاملنا ولا إيه يا بن البدري؟" ضحك "غسان" بخفة وهو يستمع إليها. ابتسم وهو يجيبها بإهتمام، محركاً يديه يمررها على خصلاتها المفرودة وكتفها وهي تميل ناحية صدره: "مبقصدش إني أعمل حاجة زي دي في كل الأوقات. بس بحب شعرك وبحب كل حاجة فيكي عشان بحبك. والحب مش بالشكل والمميزات اللي فيكي بس. بحبك بقلبك وبروحك قبل حتى شكلك وشعرك وجسمك وغيره. وعامتاً البنت أو الست بتبقى محتاجة اللي يقولها إنتي جميلة دايماً وإنتي مفيش زيك وإنتي حلوة. الكلمة الحلوة كفيلة تصنع يومكم من أوله لآخره يا نيروز. وأنا اتربيت على إني شايفكم حلوين ومختلفين وإن حتى البنت في بيت أبوها لازم تتعامل على إنها كده ملكة مفيش منها. عشان كده علاقتي بوسام كويسة شوية.. بحس بيها وببقى عارف امتى الوقت اللي بتحس إن ثقتها في نفسها بتقل. والحاجة اللي عشت أعملها هي إني محرمهاش من كلمة حلوة ونظرة حلوة وأسلوب كويس عشان مترجعش تحتاج ده من برا. كلنا حتى كنا بنحاول وما زلنا إننا نخليها شبعانة حنان عشان يوصلها للدرجة إنها لما تختار شريك حياتها متختاروش لمجرد إنه حنين وبيدي كلام حلو وبس!" عارفه.. كل مرة بحس وبشوف إن أبويا دا عظيم عشان وعاني وكبرني ورباني على حاجات أعملها وبعملها ومكنتش عارف أنا ليه لازم أعمل كده.. بس كل ما بكبر بعرف وبعرف إن اللي زيه قليلين أوي وإنه راجل مفيش منه وذكي وحنين.. وعمري ما اتمنيت حاجة عكس إني أطلع زيه ولما أخلف عيال أعرف أربيهم على اللي أنا اتعودت واتربيت عليه!! تأثرت من حديثه بشدة.. حتى إجابته بعفوية.. "إنت اتربيت أصلا!!!" كانت تردفها بتأثر عكس طبيعة حديثها المرح.. قهقه عالياً.. ولأول مرة تخرج ضحكاته بشدة بعدما حدث.. وليس ككل مرة يؤكد بأنه لم ير تربية.. بل هذه المرة أكد قولها بأنه قد لاقى تربية جيدة بالفعل.. فوجدها تكمل بنفس التأثر رداً على حديثه: "أنا كمان بحب باباك أوي.. وعارفة إني يمكن أكون أوڤر عشان مش عارفة أقوله يا "بابا" بس أنـ..." وقاطعه هو حديثها سريعاً.. وهو يبتسم باطمئنان: "وهو بيحبك ومش فارق معاه كل ده.. وحقك.. كلمة ابويا دي متتقالش لأي حد.. أنا عن نفسي أبويا حامد البدري بس ومستحيل أقولها لغيره.. دا إذا كنت بقولهاله أصلاً.. مبقولهاش فعلاً غير فوقت جد أو لما بكون متأثر أو زعلان.. ساعتها بيعرفني!!" ابتسمت له "نيروز", وهي تتنفس بارتياح.. تهاجم على أن لا تغفل عينيها ولكنه قد انتبه لها.. فجعلها تعتدل وهو يمد يديه يفرد عليها الغطاء يحثها قائلاً: "نامي.. وارتاحي.. تصبحي على خير!!!" "وأنا من أهلك!!" قالتها بنعاس.. تشاكـسه وهي تغفل عينيها في حين ردد هو بصدق.. وعمق.. وهو يعود وبنبرة خافتة علم بأنها لم تصل إليها: "إنت أهلي" انسحب يتسطح هو الآخر بعدما أغلق الإضاءة.. احتضنها وهو يضمها إليه بارتياح.. وقد ابتسم بخفة ما أن شعر بسرعة انتظام أنفاسها.. عاد يشرد من جديد بحالته وحالة شقيقه.. وما فعله معه والشئ الذي هاجم ذاكرته الآن وجعل قلقه يزداد بماذا أن علم شقيقه بأنه كرر نفس الخطأ معه مرة أخرى حينما انفرد بـ "عز", وصارحه!! يعلم بأنه يسيطر بشدة خاصة حينما فعل ذلك دون تفكير ولكنه يعلم بأن هذا هو الصواب ولا غيره.. صداع رأسه يهاجمه ولأنه يستشعر أنفاسها الدافئة ويشعر بدفء جسدها بجانبه وهي بداخل أحضانه استطاع أن يغفل بالفعل ويذهب لعالم آخر يتنفس به بارتياح.. كونه بجانبها هي.. والفكرة التي لم تغيب عن باله قبل أن يرحل لعالمه الآخر مثلها كانت بأنه بالفعل يكرر.. مرة أخرى نفس "الخطأ والصواب معاً"!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...