الفصل 34 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
26
كلمة
36,199
وقت القراءة
181 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18
لحظات حانية..وقلب لطيف..وقلبي أنا هنا.. يناديك بأن لا تفارقه.. استمر بكونك بجانبه وإن طال العمر ومر.. فلا ترحل أنت وقلبك حتى ولو رحلت أنا.. فمن اعتادك بجانبه كيف له بأن يستمر في الحياة من دونك! ستعدني بذلك حتى وإن عاندنا الوضع بأن يتغير..! كلمات بالنسبة لها هي "نيروز" عندما فتحت عينيها قبل وقت بتشوش فلم تستطع النوم في الليلة الماضية.. أما الآن فاعتدلت تجلس على الفراش وهي تتذكر أمس من بدايته لآخر أحداثه.. كان يومًا مشحونًا بالسعادة البالغة والفرحة من الكل.. بداية من رقصهم الهادئ إلى الجنوني والعبثي مع الأغاني الحماسية وحتى حركاته ورقصه معها وكلماته.. إلى أن أصبحا بمفردهما.. تتذكر حنوه وكلماته لها كي لا تهابه وتخاف حياتها وارتباطها به بداية من أمس إلى بعد الآن!! لين قلبه وكلماته وحتى أفعاله.. كما كان أسفه لها وكأنه يتأسف على كل ما حدث لها.. حتى حديثه القائل بأنه سيحاول جاهدًا بأن يجعلها سعيدة بكل الطرق ولم يأت الحزن لها.. تستوعب تدريجيًا بأنها أصبحت معه وبجواره بل وزوجته وحتى بعد الآن هذا هو منزلها وركنها الهادئ الآمن بعد أحضانه التي بقت بها تتنفس براحة.. أحضانه التي تعتادها واعتادتها من قبل ذلك.. آخر ما جاء بعقلها من لطف عندما نهضا يصليا صلاة الفجر سويا قبل ساعات معدودة.. وقد ظهر الشروق عليهما قبل أن يغفلا.. ولكن غفل كلا منهما ساعات إلى هذه اللحظة عندما نهضت واستيقظت وانتبهت لعدم وجوده بجانبها.. اعتدلت تنهض ببطء حتى استقامت تقف أمام المرآة تمشط خصلاتها البنية التي تركتها بعد أن كانت مبللة.. تتركها في كل مرة خلفها كما يفضل هو.. رتبتها وهي تنظر إلى وجهها بملامح وجه مبتسمة كونها تستوعب بأنها مع من اختارته وتحبه وليس أمر مجبورة ومرغومة عليه من الزواج بآخر مثلما كان سيفعل بها.. خلت عينيها من كحل العين فأمسكته تضع منه به كي يظهر عينيها التي أدمعت على الفور من شرودها بالجانب الذي هاجم ذاكرتها رغما عنها.. بأن ماذا إن وصلت إلى هذه اللحظة وتخطت كل هذه التجارب مع شخص غيره ولم يأت بعقلها سوى "حسن".. وحتى العريس الآخر الذي كان سيعقد قرانه عليها لولا هو ولولا وجوده بجانبها ولولا حبه لها وتمسكه بها.. ابتلعت ريقها سريعًا عندما سمعت خطواته الهادئة الخفيفة وهو يدخل الغرفة.. "غسان".. هو وبالنسبة له هو الحياة معها وبجانبها شيء آخر.. يتنفس بعمق.. وحتى سعادته بسببها هي حتى الآن.. وقبل الآن عندما نهض قبلها وفتح عينيه على وجهها هي وهي بجانبه وليست بعيدة عنه ككل مرة.. كانت بعيدة بخطوات.. والآن باتت قريبة لا يفصله عنها شيء.. نهض بكل لطف.. يعد كوبان من مشروب الليمون بالنعناع المفضل لديه.. رغم حيرته بأدوات المطبخ غير المعتاد عليها وحتى جهله وبحثه لمدة طويلة عن الليمون والنعناع.. وقف "غسان" يسند الصنييه الصغيرة اللامعة على الطاولة الحديثة الطراز ثم اعتدل في وقفته ينظر ناحيتها وهي توليه ظهرها.. أما هي فتتشجع لتخفي ما كانت تفكر به بل وكانت ترى بأن نظراتها من المخجل بأن تتقابل معه هو من خجلها منه وارتباكها وتوترها.. التفتت "نيروز" عندما شعرت بقربه وتوسعت بسمتها عندما غمز لها سريعًا وهو يمسك كفها يسحبها خلفه لتجلس على المقعد أمامه وهو يردد لها بمشاكسة: "على رأي الست.." وكفاية أصحى على ابتسامتك.. بتقولي عيشي".. صباح الخير يا رزقه !!!" طالعته "نيروز" بلطف.. فرفعت عينيها تحركها نحو الأكواب حتى ضحكت بخفوت.. وهي تضع يديها أعلى فمها مرددة من بين ضحكاتها: "بجد علطول كده.. من غير ما نفطر؟" مد "غسان" ذراعه يجلب الكوب الأول لها بمكعبات الثلج رغم شعورها بالإعياء من تغير الجو ولكنه معتاد على ذلك ولم يتحسب لذلك.. أعطاه لها برفق.. وهو يردد بنبرة مرحة يلومها: "دا بدل ما تشكريني يعني.. دا أنا طلع عين أمي وأنا بدور على اللمون والنعناع.. وبعدين دوقي كده دا من إيدي.. من إيد جوزك حبيبيك !!!" رمشت بأهدابها وهي ترفع الكوب ناحية فمها تتجرع منه.. وبالنسبة له هو تتعكر سعادته بشروده بما سيقال لها من ما يخص والدتها.. تعلقت نظراته نحو كتفها وذراعها المكشوف وعلامته الواضحة أعلى كتفها أثر جرح السكين الذي كان من المفترض بأن يأتي به ليقضي عليه.. لاحظت محط أنظاره.. فإنتهت من ما تشربه ببطء وهي تنظر له بحرج.. تسأله رغم عدم كبر الجرح ولكنه واضح بالنسبة لها: "شكلها وحش؟" تفاجأ من ما قالته نسبيًا.. حتى أنه ترك الكوب سريعًا.. وهو ينهض بخفة يجلس بجانبها ثم وضع ذراعه عليها كالعادة يقربها منه حتى بدأ بالحديث بعد شهقته الخافتة بالاعتراض: "شكل إيه اللي وحش يا نيروز؟ دي كام غرزة يعني بسيطة رغم إنها مش بسيطة عليا.. وياريتها كانت تيجي فيا أنا.. بس لو على قولك ده.. فمش وحشة.. أنت مفيش حاجة فيكي وحشة.. دا أنا حبيت الجرح ده.. حتى يعني كل ما أبقى متعصب أبص عليه وأفتكر إنك فديتيني فأرجع أحن تاني.. وللعلم يعني حتى لو كلك متعلم عليكي بمطاوي وسكاكين فإنت كده كده بطل !!!" مرح بآخر حديثه وهو يشاكسها حتى اقترب منها يقبل وجنتيها بمرح.. لم يشعرها بالنقص وهذا ما يعد أفضل شيء لدى أي أنثى.. طالعته بنظرات متأثرة وهي تستند على قمة صدره فرفع كفه هو يمرره على كتفها بحنو.. وهو يسمعها تتحدث بما تشعر به دون ترتيب لتعلثمها: "أنا بحبك يا غسان.. كنت الأول ممكن أهرب فأي مكان وممكن أرفض أشوفك عشان مفيش حكم بينا.. بس الوقتي كل حاجة اتغيرت وبقيت معاك وجوا حضنك أنت.. أوعدني إنك متقساش عليا أبدا وتكون عاقل فأي حاجة بتحصل فحياتنا.. علشان انت ضهري وسندى وحمايتي دلوقتي متخلنيش أهرب لمكان مجهول مفيش فيه ليا سند.. إنت عارف إن السند راح من زمان.. بس اتأكدت إن ربنا عوضني بيك أنت !!!" لفحت أنفاسه الدافئة خصلات شعرها البنية.. نظر لها بتأثر.. بعدما تحركت هي تعتدل لتطالع وجهه بعد كلماتها المرتبكة المتأثرة.. حرك رأسه بثقة لها ثم أمسك كفها متشبثًا به قائلاً كلمة واحدة صادقة سيحاول على العمل عليها: "وعد.. وعد يا مدام.. غسان البدري!!" ضحكت "نيروز" على لقبه فرد هو لها ضحكتها بضحكته وهو يمسح بأنامله ما أسفل عينيها من آثار كحل.. تنهد بعد إزالته بتعب.. وهو يردد: "هي كل حاجة بتهون جميلة كده زي القهوة وعينيك اللي تعباني دي؟" طالعته بحب.. وخجلها يقل تدريجيًا منه.. تعمدت أن تعتدل بحماس.. ثم مدت ذراعها إلى آخر وهي جالسة لتجلب أحمر الشفاه الطويل من على التسريحة التي كانت على بعد منها.. تلمسته بأطرافها حتى وقع ولم تأتي به.. فضحك عليها بخفوت.. وهو يمد ذراعه الطويل عنها حتى جلبه وهو يسأله بمرواغة: "هتعملي بيه إيه دلوقتي ده؟" "هقولك..!!" قالتها بحماس.. وهي تعتدل.. ثم سألته سريعًا باهتمام: "أومال تليفونك فين علشان نتصور بيه؟" نهض بعد لحظات.. من قولها دون أن يجيبها.. ثم توجه ناحيته "الكومدينو" الصغير الذي يوجد بجانب باب الغرفة حتى انتشله سريعا.. وهو ينظر على الوقت.. فصلآة الظهر كانت قبل وقت قليل.. اعتدل يغلقه وهو يحرك الباب ليجلب أي حجاب يسترها من فوق حتى لاحظ وجود "خمار جديد".. جلبه سريعا.. وهو يعود.. جلس بجانبها ثم قدمه لها مع خمار الرأس بقوله الهادئ: "إلبسي ده عشان كتافاك ودراعك ورقبتك اللي باينين دول.. هو التليفون برقم سري ميعروفوش غيرك وغير يامن.. بس مضمنش يامن ممكن يلعب فحاجة فيفتح الحاجات دي قدام حد رغم إنها برقم سري يعني.. بس إنتي عارفة إيد العيال بتبقى مبروكه أوي!!" أخذته منه وهي تضحك على حديثه الجاد.. فارتدته تزامناً مع فتحها للڤيديو التي عقدت العزم على أن تفعله.. وضعت الهاتف أمامها تستنده على المقعد الآخر ثم فتحت أحمر الشفاه توجهه نحو وجهها كي ترسم على خدها نصف قلب وقد فتحته يقوم بتصويرهما.. تذكر ذلك الڤيديو المشهور على منصات التواصل الإجتماعي.. فأشارت إليه ضاحكة وهو بجانبها يظهر في الڤيديو ثم أمسكت رأسه تقرب وجنتيه من وجنتيها حتى طبع نصف القلب.. فأصبح كل نصف منهما للنصف الآخر واجتمع القلب.. مع صوت ضحكاتهما معاً.. والتي انتهت بوضعها على فمها ثم توجهت تطبع بشفتيها على خده.. تفاجأ من فعلتها المندفعة الأخيرة.. بل وتوجه ينظر في الشاشة فوجد شفتيها بالفعل على خده.. أغلقت الڤيديو وهي تضحك على ملامحه المتعجبة والساخرة بنفسه.. اعتدلت تحفظه ثم أغلقته سريعاً.. ثم خلعت الخمار عنها وهي تنهض لتجلب المناديل الورقية لتمسح وجهها ووجهه مسحته بخفة وهي تضحك وكي تشتته وتلهيه عن ما فعلته قالت سريعاً.. تسأله بمشاكسة: "عارف الست قالت إيه بقا؟" ابتسم "غسان" وهو يراها تتحدث مثل حديثه، فهمها ثم أجابها بتساؤل: "قالت إيه كوكب الأرض يا رزقة؟" اعتدلت تفعل مثله، توجهت هذه المرة تخفض رأسها وشفتيها بجانب أذنه كي تهمس مثل همسته هو: "احكيلي قولي إيه من الأماني ناقصني تاني وأنا بين إيدك، عمري ما دُقت حنان في حياتي زي حنانك.. ولا حبيت يا حبيبي حياتي إلا عشانك!" كثرة الكلمات ومعناها بالنسبة لها كان صادقاً، بل تأثر بكلماتها وطريقتها التي تحاول تقليده بها، وحتى همسه الذي أثر به بشدة وهو يطالعها بشغف، وهي تقترب منه مثلما يفعل هو بمراوغة. ابتسم بحب، ثم غمز لها سريعاً بإعجاب، فاعتدلت تجلس مرة أخرى بغرور، وهي تعدل ياقتها الوهمية غير الموجودة من الأساس، بل تلمست عنقها وكأنها ياقة، بسماعها لجملته وهو يقلد نبرتها هذه المرة وحتى جملتها المعهودة: "ثبتيني يا بنت الأكرمي!" صمت "غسان" ينظر على مرحها وخفتها، وسرعان ما اقترب يهمس بهمس باتت تعلمه هي عندما اقترب مخفضاً من نبرته بجانب أذنها وهو يكمل بقوله الذي يجعلها تعلن الاستسلام له في كل مرة: "مع إن عيب والله اللي بيحصل ده!" *** بعد وقت، مر ما يقرب الساعة وأكثر، وفي شقة "سمية".. وقفت تتجهز للصعود، و"وردة" بجانبها مع "بدر" الذي كان يهدئ من بكاء "يامن" غير المبرر. نظرت "سمية" بحنو لـ "وردة" قائلة لها تحثها: "شوفيه يا بنتي مش بيبطل عياط ليه ده.. تعبان ولا إيه؟" وضعت "وردة" يديها سريعاً على جبهته فوجدت حرارته مرتفعة قليلاً، فشهقت هي بخوف ثم قالت بسرعة: "ده سخن يا بدر! أعمل إيه؟ علاج خافض الحرارة خلص والصيدلية اللي تحت مش بتفتح دلوقتي!" وضع "بدر" كفه يتحسس حرارته، يعلم بأنها تهاب وقت مرضه، تشعر دائماً بأن ليس لديها سواه ولم تستطع أن تنجب بعده.. وحيد والديه. اعتدل يحمله برفق، ثم وقف ينظر على مداعبة "سمية" له كي يهدأ، ثم قالت تقترح لهم تخفف خوفها أمام ابنتها: "استنوا حازم جاي.. هو عارف الصيدليات والأماكن هنا أكتر منكم!" حرك "بدر" رأسه نفياً، ثم اعتدل بوقفته وهو يتوجه ناحية الباب ليفتحه تزامناً مع قوله الجاد ليبعده عن توتر "وردة": "لأ ملوش لزوم.. أنا متأكد إني هلاقي العلاج ده عند بسام.. هروحلهم وأعطيه منه وهجيبهم وأرجع علشان نطلع لـ غسان ونيروز. ريحي مامتك يا وردة!" قال "بدر" حديثه بحنو، ولم يعط الفرصة لأي منهما بالحديث أكثر كي لا تتوتر زوجته. أغلق الباب خلفه، ومن ثم دق جرس شقة "حامد"، إلى أن فتح له "شادي" سريعاً وهو يستمع لصراخ "يامن" بالبكاء. أخذه منه "شادي" بلهفة كبرى وهو يربت عليه بحديثه المرتفع له: "بس.. بس يا حبيبي مالك!" خرجت "دلال" من المطبخ سريعاً، تزامناً مع توجه "بدر" لغرفة "بسام"، وخرج "حامد" من المرحاض بعدما تجهز للصعود. توجه يسأل "شادي" بلهفة وهو يأخذ الصغير منه بخوف: "ماله يا شادي؟ ماله بيعيط كده ليه؟" "مش عارف.. بس وشه سخن وجسمه دافي خالص!" انتشله "حامد" برفق، وبجانبه "دلال" التي كانت تفعل له حركات ليهدأ من البكاء. وسرعان ما خرج "بسام" سريعاً، وفي يديه الدواء وبجانبه "بدر" الذي حمله بهدوء، وهو يربت عليه بعد أن رأى بكاءه ينخفض تدريجياً. ما أن رأى والده، فتح "بسام" الزجاجة ثم توجه بها وهو يبتسم بمداعبة لـ "يامن" كي يفتح فمه تزامناً مع قوله له: "يلا يا يامن.. أفتح بؤك عشان تبقى شاطر ونسقفلك كلنا!" رفض فتح فمه أول مرة ولكنه فتحه وتجرع من الزجاجة حتى تشنجت ملامحه واغمض عينيه بقوة ثم فتحها سريعاً. ضحك "والده" على فعلته هذه كما ضحك الآخرون. فطمأن "بسام" "بدر" وهو يقول: "متقلقش يا بدر.. السخونية هتنزل علطول... وحتى فيه نسبة منوم يعني شوية هيهدى وينام!" ربتت "دلال" على جسد الصغير وهي تعدل له ملابسه من الخلف ثم أمسكت كفه تقبله بحنان. فاعتدل "شادي" يدير له من الخلف كي يشاكسه، تحت نظرات "حامد" المتأثرة بخوف "بدر" على صغيره. وسرعان ما اعتدل سريعاً وهو يشير لهم بلطف: "طيب يلا عشان نطلعلهم.. البيت وحش من غير ابن الكلب ده والله!" "متشتموش يا بوب ولا تشتم أبوه!" قالت "وسام" حديثها وهي التي خرجت للتو من غرفتها بعدما تجهزت. توجهت تحمل "يامن" لتستعلم عن سبب بكاءه. فانسحب "شادي" للخارج ومن ثم هم من بعده إلى أن أغلق "حامد" الباب. ورأى الكل اجتماع "عايدة" و"جميلة". سألتهم "دلال" بغرابة: "أومال فين الباقي؟" "ياسمين وحازم وطنط سمية ووردة طلعوا فالأسانسير وهستنونا قدام الباب لحد ما نطلع كلنا عشان ندخل مع بعض!" ضحك الكل على التفاصيل في الحديث عليها، حتى هبط المصعد من جديد. فدخل "حامد" به مع "دلال" و"عايدة" و"بدر" وصغيره. ثم صعد مرة أخرى. وبقت "جميلة" و"فريدة" و"شادي" و"بسام" و"وسام". استنكر "شادي" شيئاً سريعاً حتى هتف بإندفاع يسألهم: "طب الأسانسير التاني ده بيعمل إيه مش فاهم؟" تحولت أنظارهم عليه فأجابه "بسام" سريعاً بأسف دون أن ينتبه لشئ معين: "عطلان بقاله يجي ٣ أسابيع للأسف.. فأقف بقا نستني التاني على الله محدش من السكان يركبه ونفضل ملطوعين!" استندت "جميلة" بجانب "فريدة" بعدما أومأ له "شادي" بتفهم. ثم اندفع سريعاً عندما تذكر ما حدث في الصباح: "أستنى ي جدع إزاي؟ انا نزلت الصبح الشغل ورجعت بدري ولما جيت أطلع لقيت واحدة حلوة أوي قصادي من الناحية التانية بتركبه!" تذكرها من الفتاة إذن وليس لشئ. كبتت "فريدة" ضحكتها عليه. فاندفعت "جميلة" تشير لهم بصحة قوله: "دا بجد فعلاً.. لأني نور ونزل حالا.. تعالوا بسرعة نستناه شكله اتصلح ومحدش عرف مننا!" توجهوا ليقفوا أمامه حتى انتظروا بضع دقائق إلى أن صعد لهم بالفعل. أشار لهما "بسام" بالدخول أولاً، ثم دخل هو و"شادي". وبدأ بتحريكه لرقم طابق شقيقه. إلى أن بدأ في الصعود بالفعل. وبسرعة فائقة فتح وخرجوا منه عليهم وهم واقفين ينتظرونهم. اتسعت بسمة "حامد" وهو يسألهم بسخرية مرحة: "اتأخرتوا ليه ي كلاب وجعتوا رجلينا وإحنا واقفين. مش عاوزين ندخل من غيركم!" أما في الداخل: وقبل وقت قليل، علم "غسان" بمجيئهما قبل قليل. لذا نهض الاثنان. وكان هو آخر من خرج من مرحاض الغرفة وهو يضع المنشفة على رأسه وخصلاته المبللة وبعدما بدل ملابسه في الداخل. تطلع إليها وهي تجلس تقوم بعمل استشوار لخصلاتها المبللة. إلى أن انتهت وهي تنهض. ابتسمت له وهي تقف فوجدته يزيح المنشفة يضعها على المقعد. ولكنها أمسكت المشط بخفة تمشط له خصلاته إلى الخلف بمرح. وقف بسكون إلى أن انتهت فنظر لمظهر بالمرآة الطويلة بإعجاب، ثم قال بغرور: "برنس والله!" "ده أكيد يا غس!" أيدته "نيروز" بالفعل. وبخفة اقترب "غسان" منها ليقبل وجنتيها بمرح. ولكن عاقه سوار يديها التي لم تفتحه منذ فترة. حتى وجهت النصل الحاد منه ناحية عنقه وهي تردد بتحذير تعلمه ما تجاهل عنه: "الجرس بيرن.." "احترم نفسك يا بن البدري وروح افتح على ما ألبس واطلعلهم!" لم يتفاجأ "غسان" من فعلها، قبلها بتحدٍ ثم نظر لها وهو يغمز لها بعبث، بعدما اعت دل بوقفته: "البتاع ده بقا خطر عليا يا رزقه!!" حركت "نيروز" كتفيها ببساطة ثم تعمدت عدم الاهتمام بأن يظهر في نبرتها عندما توجهت تجلب ملابس الاستقبال من الدولاب وهي تفتح بجر لها: "انت اللي جبته لنفسك يا حبيبي!!!" حرك رأسه بموافقة، ليست هينة وهو يحدجها بمشاكسة، التفت كي يخرج بعدما ضحك بخفة عليها، بل وتعالت ضحكاته عندما سمع صوت "شادي" من خلف الباب يعلو بقوله: "ما تفتح يا عريس رجلينا وجعتنا يعم!!!" سمع ضحكات الفتيات والشباب وحتى النساء، لذا تنهد يأخذ أنفاسه وهو يفتح لهم، وما أن فتح تعالت زعاريط "دلال" و"وسام" وحتى "عايدة" و"وردة"، احتضنه "حامد" أولاً بحب، ثم من بعدها شقيقه وشقيقته ووالدته، رحب به الجميع بفرحة، ثم أغلق الباب عقب دخولهم حتى توجهوا يجلسون جميعاً في الركن المخصص للجلوس بأعداد كبيرة، وبعدما أخذ كل واحد منهم الوضع للجلوس، سألته "سمية" سريعاً عليها بلهفة: "أومال فين نيروز يا حبيبي؟!" كان سؤال شقيقاتها ووالدته والكل أيضاً، عدا الشباب، ابتسم لهم بلطف، ثم أجابهم بنبرة هادئة: "طالعة حالا، متخافوش يعني لسه مقولتلهاش حاجة!!" صمت الجميع تحسباً لقدومها من الداخل، ولكنها خرجت على المطبخ مباشرة حتى أتت لهم بكؤوس المشروبات، دخلت عليهم بخطوات هادئة بطيئة، فنهض "غسان" يأخذ منها الصينية الكبيرة يضعها أمامهما، تزامناً مع احتضان "سمية" وزغاريد البعض لها عندما ظهرت، عانقتها والدتها عناق مطول بتأثر، ربتت عليها "نيروز"، حتى عانقت الفتيات من بعدها، فتحدثت "ياسمين" لها سريعاً بنبرة مشاكسة: "وحشتينا يا روز، سيبك منه ومن الجواز وبجد انزلي أقعدي معانا!!" "هتخرب على شقيقتي؟!" حدجتها "سمية" بتعنيف، في حين تعالت ضحكاتهم عليها فأكمل "غسان" لها بتبجح: "اللي يقعد مع غسان البدري معتش يقدر يسيبه، إنسيها بقا وخليكي فحالك وحال حازم جوزك وابنكم اللي جاي!!" قالها بمرح، فضربه "شادي" بخفة ومرح، في حين بأن وقف "حامد" يفتح ذراعيه لها ليعانقها بعاطفة أبوه، وهو يسمع "ياسمين" تجيب ولده: "اقتنع شوية إنها أختي قبل ما تبقى مراتك.. ماشي!!" "بس بقت مراتي.. خلينا فـ الوقتي وسيبنا من اللي راح!!" يتحداها فتتحداه وكل ذلك بمرح، قلبت عينيها بملل منه، فأشار له "حازم" إشارة بمعنى لا تأخذ على حديثها، ضحك وهو يفهم ما يقال بالإشارة، وإن جئنا إلى المخفي فحالتهم هذه مصطنعة لحد كبير بسبب ذهاب "سمية" للمستشفى في المساء، تحدث الشباب معه بحديث شبابي وهم يجلسون بجانب بعضهم كما كان حديث النساء أيضاً، لاحظ "غسان" سكون "يامن" على ساق "وردة" فنهض يأخذه برفق وهو يمد يديه له ففرد الصغير ذراعه ليذهب له، حمله "غسان" بغرابة وسرعان ما وضع كفه على جبهته حتى نبس بنبرة مرتفعة انتبه لها "بدر": "دا دافي يا بدر!!!!" "آه ما إديلته دوا من عند بسام عشان كده هدى شوية!!" قبله "غسان" بحنو وهو يحرك رأسه لتستند على كتفيه ثم ربت عليه بحنو وهو يتوجه به ناحية شرفة الصالة الكبيرة حتى فتحها بكفه وهو يشير للشباب بأن يأتوا بالفعل خلفه، فتحها وتبعه شقيقه وصديقه وحازم وبدر وحتى والده وترك النساء والفتيات مع بعضهن، جلس "غسان" على الكرسي الخشبي وهو يرى "حامد" يحرك الستار قليلاً حتى لا تطولهم الشمس، جلس الكل حوله وتلك هي حالته الطبيعية منذ أمس من الأساس رغم فرحته بها وكونها معه لكنه شارد أغلب الوقت بخوفه عليها، سأله "بسام" بلطف بصوت خافت: "قولتلها؟" حرك "غسان" رأسه بسخرية من سذاجة السؤال، ثبث عينيه نحو عيني شقيقه ثم اجابه بتهكم: "يعني ولو كنت قولتلها كانت فاتها طالعة بتضحكلكم من الودن للودن كده!!!" "عارف إنه حمل تقيل عليك يا صاحبي.. بس إنت قدها وقدود!!" نظر هو إلى "شادي" بإمتنان، فتحدث "بدر" له وهو يردد بتعقل: "المهم يا غسان.. تكون عندك طولة بال عليها.. علشان انا عارف إنه مش سهله للدرجة اللي تعاملك عادي وإنت مخبي عليها حاجة زي دي بعد ما تعرف فاهمني؟ جيب ٱخرك معاها..!!" حرك رأسه بخفوت وهو يبتسم له ثم ربت على "يامن" الذي نهض "بدر" يأخذه منه، ثم وقف سريعاً يفرد ذراعيه له ليحتضنه بقوله: "يلا أنا هنزل انا ويامن علشان ميعديش حد وكفايه كده أنا كنت جاي أطمن عليك.. وبردو إنت محتاج تبقى معاها لوحدك عشان تعرف تعرفها وتبقى تنزل تشوف مامتها بعد ما تعرف قبل ما تمشي.. عاوز حاجه؟!" عانقه بإهتمام، ثم حرك رأسه بالنفى، وكل منهم سيهبط بعد وقت تدريجياً بالمصعد، خرج "بدر" من الشرفة مع "حازم" الذي هتف له قائلاً باطمئنان قاصداً قوله: "هتبقى عال يصاحبي!!" في حين تحركت عيني "حامد" نحو "بسام" و"شادي" حتى قال لهما بخفوت: "سلموا عليه وإنزلوا عشان عاوزه لوحده يلا!!" "عيب يا حامد والله أنا سمعتك.. لسه بدري ما تسيبهم قاعدين إنتوا جايين فـ إيه وماشيين فـ إيه؟!" تحدث بها "غسان" بمرح، فضحك "شادي" وهو يقف بجانب "بسام" ثم هتف له بمشاكسة ليخفف عنه: "يعم ميصحش إنتوا عرسان بردو.. المهم أنا تحت أهو وربنا معاك يصاحبي!!" ضربه بخفة كتشجيع، فرد له "غسان" فعلته، ثم نظر نحو "بسام" الذي قال له بتحفيز: "متشيلش الهم كده يا غسان وتفائل خير وخليك واثق فربنا.. هتعدى والله!!" آخر ما سمعه من شقيقه ومن ثم ودعه حتى لاحق "شادي"، اقترب "حامد" من "غسان" يحتضنه بعاطفة أبوه، تفاجئ "غسان" من فعلته المتأثرة هذه بوقت كذلك ولكنه اعت دل سريعاً يوضح له بأول حديثه وهو يسرد: "أنا عارف يا غسان إنك راجل وقد المسئوليه، حتى أنا ربيتك على كده.. وعارف قد إيه بيحس الراجل بتقل الحمل لما يحس إنه مضغوط من حاجة.. وإنت يبني حتي طول عمرك كده الفرحه مبتلحقش معاك تاخد وقتها.. استغفر الله العظيم يعني واللهم لا اعتراض بس أنا عرفتها كده منك.. وده مش حاجة وحشة ده من علامات حب ربنا ليك.. فإنت مش وحش وربك هيسهلها صدق ابوك!!" ابتسم "غسان" له وهو يربت على كفه ثم تنهد يأخذ أنفاسه وهو يجيب والده برضا: "الحمد لله يا حج حامد راضي.. متشيلش هم ليا وبعدين يعم أنا فرحان والفرحه مش سيعاني يعني بزمتك كده إنت كنت حاسس بـ إيه وأمي اللي حبيتها بقت معاك وليك وفبيتك وفحضنك؟!" "كنت طاير يا بن الكلب من الفرحه لحد ما جابلتي انت وأخوك وأختك وفضلت طاير من الفرحه مش عارف أنزل!!!" ضحك "غسان" عليه وعلى حديثه بمرح، وسرعان ما أمسك كفه يربت عليه وهو يسمع "والده" يحثه بلطف: "هتعرف والدنيا هتمشي وأمها هتخرج منها بخير.. وهتعيشوا حياتكم وتجييلي أحفاد بقا ياض.. إنت عارف إن الست أقل حاجة بترضيها.. خليك صابر عليها كده واتحملها كلمة هادية حضن حنين وإنت بتقولها يخلي الدنيا تعدي وتهون شوية من الصدمة عليها وإنت عارف إن إنت الوحيد اللي ينفع تحتويها ومحدش هيقدر يقولها ولا يحتويها غيرك إنت يا بني!!" حرك رأسه بتفهم، ثم ابتسم له بخفة وهو يحدجه بمشاكسة قائلاً له بوقاحة يعتادها الٱخر منه: "تربيتك يا حامد يا جامد!!" "طبعاً ياض.." ابن حامد البدري مفيش حاجة صعبة عليه. يلا، أنا هنزل وهاخد أمك وأختك عشان بردو ينزلوا كلهم والدنيا تهدى. وتقولها خليها تلحق تشوفها بردو وتقعد معاها! اعتدل بوقفته، فدخل "غسان" هذه المرة بين أحضانه بإمتنان. ثم خرج يمسك كفه كي يقبله تزامناً مع قوله له: "ربنا يخليك لينا يا حج ويديك طولة العمر!" ابتسم "حامد" له، إلى أن تلاشت بسمته عندما شعر بدماء أنفه تسقط على كفه. أمسك وجه "غسان" سريعاً وهو يهتف بنبرة سريعة لينبهه: "مناخيرك بتنزف!" حرك "غسان" عينيه نحو كف "والده"، فنظر سريعاً حوله حتى وجد علبة المناديل الورقية على المنضدة الخشبية. انتشل منها عدة مرات ثم أمسك كف "حامد" يمسحه حتى سمع قوله المتساءل له وعليه بقلق: "إيه حكاية مناخيرك دي يا بني؟ ما تروح تكشف عليها بدل ما كل شوية نلاقيها بتنزف كده!" ابتسم له "غسان" بإطمئنان، وكاد أن يضع المنشفة الورقية على أنفه ولكنه توقف سريعاً عندما وجدها تهتف بلهفة وهي تتجه نحوه، تاركة كوب الشاي الذي يفضله "حامد" على الطاولة، ثم سألته بخوف: "دم من مناخيرك تاني؟ استنى.. متتحركش!" من عزم خوف "نيروز" لم تأخذ بالاً للمناديل الورقية التي توجد بيديه، بل انتشلت هي تحت أنظار "حامد". مسحت أنفه بسرعة ولهفة، ووقف هو ساكناً بتعب من ما تفعله. تخاف وتهاب نزف دماء، ماذا إن علمت ما بوالدتها؟ انتهت وهي تمسح كفه الذي تلطخ أيضاً، فوجدت "حامد" يطمئنها بقوله سريعاً: "متخافيش يا حبيبتي، بسيطة!" "أصلها مش أول مرة.. دي.. دي حصلت قبل كده!" فهم ما تخافه، فرد "غسان" عليها يوضح، يقتل تخمينها بوجود أي شيء ما يجعله ينزف: "مفيش حاجة يا نيروز، متخافيش. هو بس من ساعة ما يوم ما كنت بتخانق مع بسام والمكتبة وقعت عليا، مناخيري اتخبطت في رف الخشب ومن ساعتها وهي بتنزف. هبقى أكشف عليها بعدين، متشغليش بالك. أنا كويس." صمتت، لم تعِ ماذا تجيب، ولكنها زفرت بصوت وهي تحمل الكوب تعطيه لـ "حامد" قائلة بلطف: "أنا آسفة يا عمو، اتلخبطت ونسيت أقولك على الشاي.. اتفضل!" "طب ينفع أخده وأنزل؟ وأبقى أطلعلك الكوباية فوق وقت تاني، أصل لازم أنزل عشان ورايا شوية حاجات كده لازم تتعمل!" قالها بكذب كي يتركها معه ولا تشتد بإصرار عليه وعلى الآخرين. شتتها بما يود فعله، فوافقت بهزة رأسها فقط. وفي لحظتها، تعالت ضحكاتهما عندما سمعت قول "غسان" له بتبجح: "خلي بالك من الكوباية يا حامد.. ابنك ماضي على قايمة!" تعالت ضحكات "حامد" وهو يخرج من الشرفة. خرجا من خلفه، فرأت الجميع يقف حتى يودعوها مؤقتاً. احتضنتهم بحب، حتى شددت في عناقها لوالدتها ومن ثم رافقتهم معه نحو الباب. خرج الجميع، وآخر ما قالته لهم: "ابقوا اطلعوا تاني، متسيبونيش زي القرد لوحدي كده!" تحدثت "ياسمين" قائلة لها بمرح قبل أن تدخل المصعد: "يستي، معاكي غسان أهو يسليكي. سلام إحنا!" قالتها، فنظرت لها "جميلة" و"فريدة" بيأس منها. وكانت قد ركب البقية المصعدان عدا "عايدة" معهم و"وسام". ودعت شقيقها، فنظر هو عليهن حتى هبطا بعض دقائق بعد نظرة "ياسمين" له الذي فهمها جيداً. نظرة لم يراها منها من قبل، ولكن معناها بالخوف والامتنان إن قال لها واضح جداً. أغلق "غسان" الباب، فوجدها تخلع حجابها بضيق من عدم أخذ أنفاسها براحة. التفتت فوجدته يقف خلفها بشرود. اتجهت بضع خطوات تمسك كفه بلطف، ثم سحبته خلفها ناحية الغرفة ثم المرحاض. كان يسير خلفها بصمت بعدما توقع ما ستفعله. فتحت هي صنبور المياه ثم مدت كفها تضع عليه المياه حتى تلمست وجهه وأنفه بها. تأثر من حركتها الحانية حتى أنه وقف ساكناً إلى أن انتهت هي، ثم خرجت معه تجلس على الفراش مهبطة ساقيها على الأرض مثلما جلس هو. ابتسمت له "نيروز" بإطمئنان ثم قالت: "الأكسجين في الماية مهم وبيريح على فكرة. يمكن مَعدتش تنزف النهارده. بس لازم نكشف عليها، بلاش الإهمال ده!" طالعها "غسان" بإهتمام وهو يهز رأسه لها، ثم تحدث لها بعبث: "عادي يا رزقة، متقلقيش بقى.. عادية يعني!" زفرت بصوت، تتجاهل شعورها بأن به شيء مخفي منذ فترة. بل كانت تود سؤاله ولكنها خجلت كونه معها هي. ستقتل التردد وتسأله بإندفاع مرة واحدة الآن عندما وجدت يعود شارداً مرة أخرى ويحاول الظهور باللاشيء. "غسان، هو إنت مش مبسوط؟ مش مبسوط معايا؟" تفاجأ من سؤالها حتى أنه نفى برأسه سريعاً وهو يردد بنبرة مندفعة لها: "ليه بتقولي كده؟ يا ريت كل اللي بحبهم يفرحوا زي ما أنا فرحان إنك بقيتي معايا وليا. أنا بس بفكر في موضوع كده شاغلني ومش عاوز يخرج من دماغي أبداً." استغل الفرصة رغم شفقته عليها بسؤالها. ترقبت ملامحها وهي تعتدل مربعة ساقيها حتى اعتدل هو يستند على الوسادة وهو يسمعها تتحدث له بشغف: "طب احكيلي وأنا هسمعك!" "للآخر؟" "لآخر العمر يا غس.. هسمعك لآخر العمر يا ابن البدري!" كان الصدق ظاهر بنبرتها بقوة. تعشقه وعشقها لا يظهر إلا في القليل. بالأساس يسعد عندما يرى اهتمامها يغلب اهتمامه، ولكن ليس بمثل هذه الأوقات العصيبة. قرر قولها لها ولكن تدريجياً، داعياً ربه في كل صلاة قام بأدائها بعد علمه لذلك الموضوع بأن تكون الجملة هينة لينة عليها، بأن تستطيع الفهم والوعي تدريجياً. ترقبت كل حواسها بإنصات عندما بدأ هو بقوله لأول جملة يسألها: "فاكرة صاحبي اللي قولتلك عليه اللي كان متعلق بمامته وماتت وهي عندها القلب، وباباه بعد فترة طلع عنده القلب وهيعمل عملية بس ميعرفش لسه؟" تابعت بألم لأجله، هزت رأسها كي تجعله يسترسل في الحديث، فأكمل هو بعدها بنبرة هادئة مترقبة: "أهو صاحبي ده لسه ميعرفش، ووالده هيعمل العملية بكرة وهيروح المستشفى من النهارده بليل. مش عارفين يجبهالوا إزاي؟ خصوصاً إنه كان بيتجوز معايا فنفس اليوم وصباحيته النهارده وفرحان أوي وكل اللي حواليه موجوعين يعرفوه إزاي عشان فرحته متتكسرش. عندك حل؟" سكنت "نيروز" بتشتت ولم يأت ببالها الآن بأن وضع صديقه مثلها ستستوعب تدريجياً بعد الآن. أخذت أنفاسها وهي تجيبه بحديث يعقد من المعضلة: "الموضوع ده صعب أوي.. يعني حرام عليهم عشان فضلوا قاعدين ميعرفوش لحد اللحظة دي. اللي بيتمناه أي حد من إحساس الفرحة اللي فيها. هو هيبقي كسر خاطر عليه بس لازم يعرف. معندوش حد قريب حنين بيحبه يقوله مثلاً؟ مراته؟ هي مراته تعرف؟" رغم عدم منطقية حديثه ولكنها صدقته. الرجل لديه طاقة تحمل هذه الأشياء عن الأنثى ولكن بنسب مختلفة، قد يكون التعلق منهم أيضاً. ولأنها مرت بنفس التجربة لم تركز بأنه رجل ومستقل عنها ولو قليلاً. تسأله بترقب. فأخذ "غسان" أنفاسه بصوت وهو يتنهد ثم قال بصدق: "قالولها.. هو لسه ميعرفش بس قرايبه قالولها!" خرجت منه الجملة بألم، استشفته وكأنها الآن في بداية الشك. تداهمها أشياء كثيرة ولكنها نفضت من عقلها وهي تختبره سريعاً سؤالها الثاني: "طب.. طب مراته دي بتحبه صح؟ مينفعش تعرفه هي بطريقة حنينة عليه؟" التخمين بعيد عنها بقليل، ولكن بإجابته الثانية الذي أردفها للتو وترتها قليلاً. وهي تنظر إليه وهو يردد عليها ونظرات حبه بها وحدها تظهر: "بتحبيه أوي.. ومحتارة تعرفه إزاي.. لدرجة إنها نفسها تاخد كل الوجع اللي فيه ليها لوحدها.. وخايفه.. خايفه تقوله ليحصله حاجة عشان هي بتحبه أوي لدرجة إنها قاعدة معاه دلوقتي بس مش عارفه تجبهاله إزاي!!!" ارتبكت من جملته الأخيرة، لذا عبثت بيديها بتوتر فلاحظ هو ذلك. صمتت للحظات، ولا تعلم لما في هذه اللحظة أتى إلى عقلها بقوة مرض والدها الراحل وحالتها التي دخلت بها، نفسيتها. هتف البعض بأنها مختلة عقلياً، شماتة البعض بها، تعلقها الشديد به إلى الآن!! ومن ثم، كان زفاف صديقه معه، ولم يتحدث لها بشيء كذلك، بل وأصدقائه جميعهم كانوا بزفافها كما قال. صباحيته اليوم معها، ويجلس معها الآن كي يعلمه زوجته. داهمها مجدداً، والدها ووالدتها. فتحت عينيها على وسعها من تذكرها لإرهاقها وتعبها في الفترة الأخيرة. الدواء التي لم تعرف مكانه!! وحتى عدم ذهابها معهم للكشف عليها عند الطبيب وذلك بحجج بأنها تظل في المنزل. الأقارب لدى صديقه تعلم عدا هو. هي صديقه، ورفيقه، وهو الزوج وليس الزوجة. بل وهو الذي يتألم لأجلها لفترة بشعورها بأنه يخفي أمر ما عليها!! تعمدت تجاهل كل ذلك سريعاً، وهي تسأله بنبرة مهزوزة: "كان متعلق بمامته.. و.. وفرحه كان معانا.. وحالته كانت صعبة لما هي ماتت. قرايبه مخبين عليه.. صح.. أيوه صح.. إنت قصدك صاحبك ومش حد تاني أكيد!!!" لديها أكثر من ثلاثة دلائل لذا رددت حديثها بخوف. وسرعان ما وضعت يديها على أذنها كي لا تسمع إجابته التي لا تريدها. حرك عينيه وهو يرفع رأسه يديرها ناحيتها فوجدت عينيه لامعة بالدموع وهو يحرك رأسه بنعم. منهكة ثم رماها عليها بعدما عجز عند الحديث بالمراوغة أكثر: "قصدى إحنا.. قصدي إنت يا نيروز.. بس أنا متأكد إنك متفهمه.. صح. متأكد إنك هتهدي وحتى هي هتخرج وهتبقى كويسه!!!!!" يعلم بأن عقلها ليس غبياً، ذكية بنسبة ما لذا تعمد التلميح إلى أن تعلم بنفسها. ورغم إرادتها بأن لا تسمع قوله ولكنها سمعته وهي تتمنى بأن تكون الإجابة ليست التي أتت في عقلها. ولكن ماذا حدث؟ هبطت يديها المرتجفتان وهي تحرك رأسها بنفي، منه ومن حديثه. ضمها سريعاً بذراعه ناحية صدره يهدأ من إرتجافة كفيها، حتى وقع فؤاده عندما رددت هي باختناق، مندفع بخوفها: "إنت كذاب يا غسان.. كذاب.. عشان أنا مش هقدر أخسرها.. مش هتموت وتسيبني أنا مش عايزاها تروحله.. كل ده كدب!!!!!" تنفى.. وكأن الدموع تأبى الهبوط، لذا إن هبطت فهبوطها تأكيد لما قاله وما وصلت له بعقلها. وجدته يضمها أكثر بين أحضانه وهو يشدد بعناقها بتعب. ثم قال سريعاً بلهفة لها: "والله هتخرج وهتبقى كويسه.. حتى بصي.. بصي هي حلوه وبتمشي وبتحرك وبتتكلم مكنتش زيه.. مكنتش نايمه على السرير زيه يا نيروز.. فكري فالخير. علشان يحصل لو بتحبيها.. ولو بتحبيـ..." وكأنها تستوعب تدريجياً. خرجت من بين أحضانه سريعاً بإندفاع. ثم وقفت بكل سرعة أمام الفراش وهو يجلس حتى نهض بسرعة لها عندما وجدها تصرخ به بتعنيف. وقد هبطت دموعها هذه المرة: "خـبيــت عليا.. مقــولتليـــش ليــه؟" ما أتى بعقلها الآن صعب على أي أنثى خاصة. أنها تيقنت بأنه إنتهز الفرصة. إبتلع ريقه وهو يمد يديه يمسك كتفيها كي تهدأ ولكنها رجعت خطوات إلى الخلف سريعاً وهي تعنفه وتعنف كل من أخفى عليها: "حـــرام عليــكم.. مش عاوزيـــني أعرف وأقـعد معاها.. ليـــه؟ دا مكــانش حق من حقوقي.. مكنش من حقي أعرف!!!!" الوضع يتعقد كما خمن هو. إبتلع "غسان" الغصة المريرة التي توجد بحلقه وهو يقترب منها يردد لها بهدوء كي يخفف عنها مع خوفه الذي ظهر وهو يوضح: "نيروز إنتي كنتي تعبانه ساعة باباكي.. خافوا ترجعي للي كنتي فيه. خافوا عليكي عشان بيحبوكي!!!" وفي هذه اللحظة رمت اللوم عليه هو عندما جلست أرضاً بإنهاك. فركع على الفور يأخذها بين أحضانه ببكاء. وهو يسمعها تردف من بين بكاءها بتعب له ولوم مقهور: "وإنت لما عرفت معرفتهمش ليه إني مش مجنونه؟ مقولتش ليه إني بقيت حاجة تانية غير زمان. صدقتهم. صدقت إني مجنونه صح وممكن أرجع للي كنت فيه. مش إنت وعدتني إنك مش هتشوفني زيهم. وعدتني إنك مش هتشوفني كده ولا هتسمح لحد يشوفني كده!!!!!" تقلب اللوم بحديث خطأ. بالأساس كان خوف. ضمها "غسان" أكثر وهو ينفي سريعاً برأسه مردداً بلهفة سريعة: "والله ما شوفتك كده ولا حد شافك كده.. أنا خوفت عليكي.. كان خوف بس.. وهم كانوا خايفين عليكي عشان بيحبوكي.. إفهمي إفهميني يا نيروز.. إنتـ..." بترت جملته عندما دفعته عنها بعزم ما لديها من ثم استندت لتقف وهي تحذره بقولها الباكي: "إبعد عني.. متقربش مني لو سمحت.. إبعد علشان متاخدش جنان من واحدة زيي.. طالما الكل بقا شايف كده.!!!!!" ذُهل "غسان" من قولها المنكسر ذلك ليس من الحديث ولا من فعلتها. لفت حجابها بإنهاك. فوجدته يعتدل ليضمها مجدداً. ولكنها رجعت خطوات إلى الخلف مرة أخرى وهي تصرخ به بتحذير مره اخرى: "قـــولتــلك متقــربش مني!!!!!" "إهدي يا نيروز.. إهدي وإستهدي بالله علشان خاطـ.." بترت جملته مجدداً عندما ابتسمت من حديثه بسخرية منه وقد رددت بحديث متتالي خلف بعضه وقع عليه وكأن دلو من الماء البارد وقع عليه: "خاطرك صح. وخاطري أنا مكنش مهم عندك. حتى لو هم خبوا عليا فأنا مش قادره اعطيهم سبب محدد لكن إنت. تعرف وتخبي حتى لو هتعمل عملية وهتمشي يوم صباحيتنا. مفكرتش غير فنفسك صح. مسبتنيش ليه معاها." صمتت "نيروز" بهستيرية ثم أضافت بنبرة أكثر ارتفاعاً: "ما تقول مسبتنيش ليه. ولا أقولك أنا." لا يود سماع الأتي منها. مادام توقع ما وصلت إليه هي بغضبها وهستيريتها. أغمض "غسان" عينيه بألم من ما يسمعه حينما أضافت سريعاً بوجع وعقلها مغيب عن ما تردفه هي بالخطأ: "عشان انتهزت الفرصه.. ومدورتش ولا فكرت فيا ولا فغيرك.. فكرت فنفسك.. وإنت بتقرب مني وإنت عارف إيه اللي مستنيني.. إنت أناني ومدورتش على حاجة غير نفسك!!!" تلك هي الجملة التي أوقفته ساكناً. لو تسمع هي صوت تهشيم قلبه قبل قلبها هي بهذه اللحظة. فتح عينيه بخيبة أمل من حديثها. لم يرد التبرير. فكان هو الطرف المظلوم بهذه النقطة. عرض على والدتها ورفضت. داهم نفسه وحاصر نفسه على أن لا يقتربها ولكن لم تكن لديه الأسباب المبررة ناحيتها ولها!! حتى هي!! لم يردف هو سوى تبرير إعتبرته ساخر حينما قال بنبرة شديدة الهدوء: "أنا مش حيوان.. قربت عشان بحبك.. عشان ده الطبيعي لحد دلوقتي.. بس بردو مشكلتك إنك مش عارفه إنتي بتقولي إيه.. حتى لو عارفه فالكلام ده فيه طلاقك.. بس أنا مش هعمل كده دلوقتي.. أنا فاهم حالتك ومقدرها.!!" أضاف سريعاً وهو يطالعها واقفه صدرها يعلو ويهبط من كثرة ما تشعر به مع بكاءها الغير متوافق مع حديثها فقط متوافق مع ما يحدث لوالدتها: "مقدرها ومقدرك.. علشان أنا كنت ومازلت بتوجع ليكي حتى من قبل ما تعرفي.. عندي كلام كتير أوي ٱجي عليكي بيه.. بس هكون أحسن منك زي كل مره ومش هاجي عليكي بالكلام. هسيبك تشوفي اللي مستنيكي وهبقى معاكي عشان جوزك!!!" رفع ذراعيه يضمها بوجع ولوم. ثم نبس ورأسه أعلى كتفها مما أظهر كرامته الذي شعر بأنها تُهدر منها فسلبها سريعاً بقوله: "ولو شيفاني وحش كده مستعد أعملك كل اللي عايزاه.. بعد ما نعدي الأزمه دي!!" كان الوجع عليه مماثل لوجعها من كل ما حدث. ابتعدت عنه ثم رفعت كفها تمسح دموعها حتى إعتدلت تخرج من الغرفة وتتركه. خرجت إلا أن سمع بعد لحظات. صوت إغلاق باب الشقة. هبطت بملابس إستقبال عرسها وحجابها الأنيق التي لفته بغير إهتمام. وجع ثم كسرة. كافيه لشرح ما تشعر هي به. أما هو ففي هذه اللحظة لا يعلم بماذا يشعر. بالألم؟ أم الكسرة؟ لها وعلى ما وصلت له وما علمته وما شعرته وما تذكرته.. أم كسرة منها ومن حديثها التي أردفته دون وعي منها تعلم أنه يحبها وأنه ليس كذلك ولكن في هذا الوقت تبدلت الأماكن وكان هو بشخصيتها وهي بشخصيته عندما تحدثت بحديث وقت غضبها وحزنها!!.. إعتدل يغلق سحاب سترته الذي فتح رغما عنه من دفعها له، ثم تنهد يخرج أنفاسه وهو يمد يديه يلتقط هاتفه كي يهبط للأسفل هو الآخر. في الأسفل بشقة سمية، تعمد الكل الاجتماع لديها، فجلس الجميع بترقب، حتى سمية التي جلست بجانبها كل من ياسمين ووردة الباكيتين وتلك هي حالتهما الحقيقية، فقد تصنعا الفرحة من أجل نيروز. جلست دلال بجانب حامد بصمت، ووقف بسام بجانب شادي، وعايدة بجانب جميلة التي كانت تتماسك بأعجوبة. وقف شادي على بعد قليل من النساء بجانب بدر، أما فريدة فكانت تجلس بتوتر جلي على ملامحها، وحتى وسام التي تركت مذاكرتها لتشاركهم ما يحدث. زفر حازم بصوت يقطع الصمت حينما وضع يديه على كف ياسمين بقوله: "كفاية يا ياسمين عياط عشان صحتك." "صح يا بنتي بلاش وجع قلب أكتر من كده انتوا كده بتتعبوني أكتر حرام عليكم." قالتها سمية بتعب، فربتت عليها وردة وهي تمسح دموعها حتى كادت أن تتحدث ولكن قطع شرودهم وصمتهم جميعا دقات الباب العالية وحتى جرس المنزل الذي كان يعلو دون توقف. خفق قلب البعض والبعض الآخر يعلم بأنها اللحظة الحاسمة. ابتلعت سمية ريقها هي ووردة وجميلة. تحرك حامد وهو الوحيد الذي نهض وفعلها عنهم. نظر لهم نظرة فهموها جيدا. توجه وهو يسمع دقات باب العالية منها. لم يستمر الوقت منه بل مد يديه يفتح الباب ووقف لم يفسح لها الطريق. وقفت نيروز بعينيها المتجمع بها الدموع وفي هذه اللحظة كأن أركان الحياة ضاقت بها. طالعها حامد بصمت وشفقة إلى أن فتح ذراعيه لها كي تدخل بين أحضانه يحتويها بأسف عن ما يحدث لها. دخلت سريعا بين أحضانه بوجع حتى خرجت شهقاتها العالية التي مزقت منهم بالخلف. ربت على ظهرها بحنان وهو يطمئنها بنبرته المهتزة من شهقاتها: "إهدي يا حبيبتي..هتبقى كويسة والله وهتخرج منها." وجد هو غسان يقف من خلفها وقد هبط للتو من بعدها. خرجت من بين ذراعيه تنظر نحوهم جميعا. اعتدلت تسير بخطواتها البطيئة لهم وخاصة لـ سمية التي وقفت كما وقف الجميع. ارتمت نيروز بين أحضانها بوجع وهي تلومها بنبرتها الباكية: "إكذبي يا ماما عليا..إكذبي وقوليلي إنك مش زيه..مش هتمشي وتسيبيني صح؟" تسألها بكل وجع حتى هبطت دموع الكل. أخفى غسان وجهه سريعا وهو يبتلع ريقه بصعوبة عليها وعلى مشهدها الموجع فوقف بجانبه شادي وبسام سريعا. كما وقفت وردة بجانب بدر وياسمين بين ذراعي حازم. نزلت دموع سمية منها بعجز. ثم خرجت الأخرى من بين أحضانها حتى أمسكت الأولى كفيها باحتواء وكأنها الصغيرة المدللة لديها بالفعل: "متخافيش يا نيروز..متخافيش يا حبيبتي أنا كويسه..وهخرج منها كويسه بس بلاش تعملي كده لو بتحبي أمك." حركت رأسها نفيا ثم نفضت يديها منها وهي تنظر نحو الجميع بلوم حتى قالت بنبره مرتفعة خائبة حزينة: "بتضحكوا عليا؟ ليه؟ بتخبوا عليا وأنا اللي المفروض كنت أعرف من بدري؟ جايين بعد ما معتش قدامكم حل غير إنكم تقولولي؟ ليه هو أنا مش بني آدمة زيكم ومن حقي أعرف وأقعد معاها؟" سكنت نيروز بوجع وقد رأت ملامح الصمت العاجز عليهم. فـنظرت نحو ياسمين تلومها هي الأخرى بألم وكأنها تستوعب كل ما مر عليها معهم: "إنتِ بتكذبي عليا من زمان أوي ايوه. هنزل مع ماما يا نيروز وخليكي فالبيت عندها برد..أصل هنعيد الكشف وملوش لزوم تيجي..هننزل نجيب شوية حاجات..صح؟ وشنطة العلاج اللي كنتوا بتخبوها مني ايوه؟ وأجازات الشغل الكتير..وتعبك فالفتره الأخيرة؟" وكأنها تستوعب تدريجيا تأبى ياسمين الرد عليها، ولكن نظرت لها بأسف وهي تردد لها بتبرير: "نيروز احنا خبينا عليكي عشان خايفين عليكي والله العظيم." صرخت بها نيروز سريعا تعنفها بصوتها المرتفع المتألم: "بـــــس ..أُســـكــتـــــي!!!!" صراخها المرتفع بقولها لها حاول غسان ضمها ليسحبها بعيدا ولكنها أبت عندما نظرت نحو وردة هي الأخرى وهي تقول بنبره أهدأ وكأنها خُذلت وخدعت بها هي الأخرى: "حتى إنتِ يا وردة؟ إنت اللي طول كنتي مسافره وبعيده عرفتي قبلي وأنا هنا معرفش..إنتِ اللي طول عمري عارفه إنك بيصعب عليكي أي حاجه. مصعبتش عليكي وأنا معرفش غير في اللحظه دي وانتوا بتقتلوني بالبطئ؟ بتعرفوني بعد فرحي بيوم؟ قاصدين تعملوها فيا عشان توجعوني وتكسروا فرحتي؟ مسبتوليش حتى الفرصه اقعد معاها وأفهم منها أو حتى أودعها؟ بتحاصروني وكأن مليش حق زيي زيكم؟" حديثها الأخير كان صحيحا لحد كبير. حاولت وردة التبرير ولكن وكزها بدر وحدجها بتحذير من أن تجيبها كي لا تصرخ وتنفعل الأخرى أكثر. وجدت نيروز جميلة تهتف بإسمها كي تبرر لها هي الأخرى بوجع من بين دموعها، ولكنها أشارت لها بأن تتوقف عندما تحركت تقف أمامها بخيبة وهي تردد لها: "و إنتِ كمان يا جميلة؟ بتخبي عليا زيهم؟ ليه؟ دا انا عمري ما خبيت عليكي حاجة..كل أسراري معاكي دايما..إنت الركن الهادي بتاعي وكل مره كنت بجري عليكي إنتي قبل حتى ياسمين ووردة..أنا زعلانه منك أووي أووي.. زعلانة منكم ومش مسامحاكم." الوضع يتعقد أكثر والبعض يحزن لأجلها والآخر يرى أن هذا كان الوقت الصحيح. تحدثت عايدة سريعا لها تهدأها: "يا بنتي هم خبوا عليكي عشان بيحبوكي وخايفين عليكي..خبوا عليكي لحد وقتنا ده عشان حتى تفرحي وتكوني مبسوطه إنتي وجوزك." حركت نيروز رأسها بسخرية من قولها عليها حتى اعتدلت تتحرك بصمت ناحية غرفتها دون نبس حرف آخر. قاطع غسان سيرها فوقفت تنظر له بكسرة وإستفهام موجع. وفي هذه اللحظة فتح باب الشقة وخرج منه الكل عدا سميه ووردة وياسمين وأزواجهما. التفتت برأسها ناحية والدتها حتى أمسكت كفها تسحبها خلفها ناحية غرفتها بصمت. وتركتهم جميعا بالخارج. حرك بدر وحازم نظراتهما نحو غسان الذي انسحب من بينهم بصمت إلى أن أغلق باب الشقة خلفه بهدوء. وكلما يهدأ الحال ينقلب مرة أخرى رأسا على عقب. انتظروا بالخارج، بينما في الداخل جلست نيروز بأحضان والدتها ببكاء صامت والآخرى تربت عليها بقولها الموجع: "عرفتي مكناش عايزينك تعرفي ليه؟..علفكره أنا عارفه إنك زعلانه مني بس مش قادره تقوليها عشان اللي مستنيني..بس بصى كده شوفي احنا قاعدين إزاي..أنتي اللي فـ حضني وإنتي اللي بنتي وأنا اللي عارفاكي.. حاسه بخوفك ده عشان كده هقدر اقولك..لو بتحبيني بجد..لازم تقفي قويه وتستنيني أرجع من تاني." اعتدلت نيروز بلهفة تمسك كفها المجعد بين كفها ثم قالت سريعا لها ببكاء: "الأكيد إني هستناكي وهاجي معاكي ومش هسيبك بس أرجوكي تخرجي سليمة..متسبنيش يا ماما.. علشان خاطري متسبنيش أنا مستحيل أقدر أعيش من غيرك..لو بتحبيني إنتي مترحلوش المره دي." حديثها يكسر قلب من يسمعه بل ويسمعونه من بالخارج عندما وقفوا خلف الباب. بتعب ضمتها سمية ببكاء هي الأخرى حتى أجابتها بتأثر: "ادعي ربنا يا حبيبتي محدش بإيده حاجة..احنا بنسلم أمرنا لـ ربنا..والخير منه هو اللي بيحصل..وأنا مش هسمح تيجي معايا يا نيروز المستشفى عشان تكوني عارفة." "إنتي بتقولي إيه يا ماما..مستحيل أسيبك أنا أسفه مش هقدر أعمل كده." تعمدت سمية أن تقسوا عليها بالحديث كونها تعلم ما تهابه وبل ومازالت عروس. هتفت سريعا لها بنبره جادة من بين دموعها التي توقفت تدريجيا: "أنا اللي آسفه يا نيروز..مش هينفع تيجي المستشفى..ولا حتى تقعدي هنا لوحدك من غير جوزك.. مش هسامحك لو عملتيها وجيتي..محدش ليه ذنب فاللي بتعمليه ده..حتى غسان كان عايز يعمل اللي محدش بيعمله..كان عايزك تيجي بفستان فرحك على بيتي هنا وتقعدي معايا وتاخدي وقتك لحد ما أمشي وتكوني أحسن..بس أنا اللي رفضت عشان مفيش حاجه بتحصل كده..عاوزاكي تفرحي وتتبسطي يا حبيبتي إنتي عروسة.. عروسة لسه وغسان عمره ما هيكون وحش أبدا." تتتفهم ما أوصله عقل ابنتها لذا بررت لها دون أن تعلم ما حدث بينهما. ابتلعت نيروز ريقها بوجع وهذه المرة وجع له لـ غسان التي ظلمته هي دون أن تترك له الفرصة في كل مرة. استندت على صدر والدتها بعجز منها وقد تعمدت عدم قص أي شيء بينها وبين زوجها وكذلك هو. ابتلعت ريقها بألم، لها وهي تردد من بين استنادها: "إنت بتظلميني أوي فكل مرة. زيهم.. أنا من حقي زيي زيهم أجي وأشوفك قبل ما تدخلي حتى العمليات بكرة!" ربتت "سمية" على رأسها بتعب وهي توافقها بجزء معين حديثها عندما قالت: "هتيجي يا نيروز.. بس هتمشي ساعتها بسرعة، مفيش بيات معايا في مستشفيات ولا هتقعدي تستني لإما هيحصل زي ما قولتلك.. اسمعي كلام أمك وريحي قلبها عشان خاطرها عندك بقى.. وصدقيني أنا هبقى زي الفل كمان وهعيش لحد ما تحملي. تخلفي وأربي وأكل معاكي وأكبرهم معاكي، هتبقى أم جميلة يا حبيبتي.. بس بلاش تزعلي.. أنا نفسي أشوفك مبسوطة ومرتاحة إنتي وإخواتك دايماً.. هتحققيلي أمنيتي دي فيكي دلوقتي وبعدين؟" بهذه الدقيقة تحديداً، اعتدلت "نيروز" تقبل كفها بتشبث ثم قمة رأسها ببرود وهي تكتم الدموع كي لا توترها، وأخيراً تفوق هي تدريجياً، ولكن الوجع مازال موجود. ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها بخفوت. وبهذه اللحظة فتح الباب أكثر بواسطة "وردة" و"ياسمين" عندما هرولا ليجلسا بجانب والدتهم معها. نظرت لهم "نيروز" بصمت، من أخذها للموقف، ثم سكنت بجانب أنفاس والدتها معهم. قبل ساعات قليلة، يفتح عينيه في حين يتردد القدر بإغلاق أخرى أم لا. طوال الأيام الماضية بعالم غير العالم الواقعي، أحلام أخرى وردية معها ومع من يريد أن يذيقه المر بسبب ما به. لا يعلم بأن من أحبها حب تملك صورياً فقط. أصبحت زوجة من فعل به كذلك وجعله مسطحاً على الفراش لا حول له ولا قوة. "حسن" ولم يرى ولم يفعل حسن بحياته أكملها. يعلم منذ فترة بأنه محاصر تحت أعين تترصد إفاقته. يعلمون بأنه بين الوعي واللاوعي وقت آخر. ولكنه يعلم تمام العلم الآن بعد إفاقته من ما هو به بقوة. يتصنع الإعياء وذهابه لعالمه الآخر لطالما الإهمال كبير في هذه المستشفى الحكومية. لاحظ غياب "شريف"، ويتذكر جيداً ما حدث. "شريف"، الذي لم تنتهِ نهايته بعد بالطبع لها تكملة كبرى! يزال مسطحاً في حين بأن الآخر نهض وشبه نهايته قد حانت وهو إلى الآن كذلك! يضع جميع التحسبات في المساء، عندما يعلم جيداً كيف يمر الوضع قبل يومين. لذا سيقرر الفرار اليوم لطالما يقدر بنسبة ما بأن يسير على قدميه رغم جرحه بها بالمطواة وخياطته. كل هذه الأيام تكفي لتداوي جرحه. ولكن جرحه من حدة الشباب عميق. يود الأخذ بالثأر له في الحال. وهي.. هي التي اختارته عنه. في كل مرة يزداد شره سوءاً، فكيف ستمر هذه المرة؟ وكيف له بأن يحكم كل هذه الأفكار الشيطانية لطالما بالتأكيد إن لم يطلب جسده الجرعة فسيطلبها عندما يقف ويسير هروباً وفراراً من تلك المستشفى المقززة بالنسبة له. لا يعلم بالكثير الذي مر بغيابه وكذلك كان عقله المشتت بالأفكار السامة.. فكيف ستكون ما أن يعلم البقية؟ سجن والده مؤقتاً إلى حين جلسته النهائية، ومرض والدته الآن.. وسجن صديقه وحتى ما حدث لشقيقته. زواج "نيروز" من "غسان". ذهاب "آدم" إلى مصحة. وإن علم حتى فلم يعنِ له شيء إن شعر بأن من ضمن هذه الأحداث أحداث تفوق عليه فيريد التفوق هو بالسوء كما اعتاد أن يفعل. وأول من يتحسب له بعقله دون الاهتمام لكل ذلك وإن لم يعلم.. كم هو وهي.. القصة التي ما أن تكاد أن تنتهي بمشاكلها يظهر مشاكل وعقبات أخرى جديدة. لم يرجع إلى الوراء حتى وإن رأى ماذا فعل به حدة الشباب! حتى وإن أعلن له وأعلمه بأن الأخرى ملكه.. ماذا يريد الآن؟ الموت؟ أم الجلوس بالعجز على الفراش ينتظر الموت أيضاً. لم يكل ولم يمل عن خروج سوءه المترتب عليه تعكر وانقلاب حياة آخرين غيره! تولول كالعادة بخيبة رغم تحدي "حامد" لها واعتراض "بسام" لما تفعله من الأساس. جلست "دلال" تبكي بقهر على تبدل الحال سريعاً. و"وسام" تنظر بخيبة كبرى لعدم وجود الحل بيديها خاصة لشقيقها الذي انسحب يقف بشرفة غرفته. تابع "شادي" الوضع بحزن على صديقه. وسرعان ما سمع نبرة "حامد" التحذيرية لها: "خلاص يا دلادل خلصنا.. إنتي مالك إنتي باللي بيحصل.. ابنك طبيعي يزعل عشانها مش كل ما ياخد جنب ويحصل حاجة تقعدي تندبي حظك عليه وعلى اللي بيحصله هو ومراته.... اسمعي.. ولا كلمة تخرج منك مش ناقصين الوضع يبوظ بينهم من ناحية تانية بسبب كلام تاني إنت مبتحسبيش ليه.. لو خرج من الأوضة بؤك ميتفتحش بكلمة إلا إذا كانت متفكر فيها!!!" يهاب ويخاف بأن ينقلب وضع تحزن بشدة على "نيروز" وتحزن أكثر لتعكر فرحة "غسان" ولدها. لأول مرة يتحدث معها بمثل هذه الطريقة الحادة القوية. نظرت له بلوم. ووقف "بسام" ينظر بصمت في وقت غضب "حامد". أخرج حديثه اللين لوالده سريعاً ليخفف من حدة الوضع الغير مفهوم: "يا بابا ماما متقصدش.. أكيد زعلانة عشان نيروز. وكمان عشان غسان. واللي حصل المرة اللي فاتت هي فاقت عنه وقالت إنها غلطت لما قالت كده. الوقتي الوضع متغير.. هي مش عايزة غير راحة غسان ومراته وبس. إهدي بس وهدي نفسك معاها!!!" "أمك مش عايزة غير فرحة وراحة غسان ابنها وبس. حتى لو خايفة على نيروز وزعلانة عشانها بس بتموت وهي شايفة ابنها كده.. تبقى تسكت متقعدش تتكلم وتحس برضه أكتر بالبنت اللي برضه فرحتها اتكسرت زي ابنها. عارف إنها متقصدش حاجة.. بس أنا بخليها تاخد بالها من كلامها اللي بيخرج ده!!!" نهضت "دلال" تلومه بجملتها الباكية الضعيفة له: "عمرك ما هتحس بيا عشان مش هتعرف تحط نفسك مكاني.. أنا مبفضلش حد عن حد ولا بظلم في حكمي على حاجة.. بس زي ما هي صعبة عليا.. بس برضه ابني صعبان عليا زيها وهو مبيلحقش يفرح!!!" زفر بصوت منها ثم تعمد الصمت كي لا يتطور الحوار أكثر. جلسوا بهدوء ينتظرون خروجه دون الضغط عليه. أما هو ففي هذه اللحظة كان يقف بشرفته. ينفث دخان سيجارته الذي أشغلها قبل دقائق. كلما يشعر بضيق أنفاسه يفعلها ورغم تحذير شقيقه وصديقه ولكنه كالعادة يفعلها بين وقت وآخر. يتألم لأجلها. وكلما يتذكر جملتها له يثور داخله باللوم لما بدأه. لوهلة يشعر بشعور متعاكس. ولكنها جرحته وجرحت كرامته كرجل دون وعي منها. أخرج دخان سيجارته حتى نظر لها عندما أتى آخرها بالنسبة لها. ألقاها بعدما أطفأها بسور الشرفة. ثم حرك أنظاره ناحية شرفتها المغلقة بل والتي خلت من الورد والزرع! اعتدل ينظر بهاتفه الذي انتشله. فبمجرد مرور ساعات قليلة ستتجهز "سمية" للرحيل إلى المستشفى. تعمد هو ترك "نيروز" كي لا يضغطها. تركها وراحتها ثم سيذهب لها بعد وقت. فتح هاتفه بدلاً من الذهاب كي لا تنهار بسبب وجوده. وطلب "بدر" وهو ينتظر رده كي يطمئن على حالها الآن مع والدتها!! بعد مرور عدة ساعات وفي موضعها الآن وعلى سجادة الصلاة. يداهمها شعور كان رغماً عنها ظهوره. وفي وسط هذه الأحداث تلح عليها والدتها. الكل يحزن لأجل والدته وهي.. هي التي لاحظت وانتبهت لغيابها. انتبهت لعدم مجيئها بعد آخر مرة حدث بها ما حدث! ابتلعت "فريدة" ريقها ثم أخرجت أنفاسها بصوت محاولة عدم التفكير بكل ذلك. نهضت من على سجادة صلاتها بعد أدائها ركعتان لله كي تدعو الله بأن تمر هذه المحنة عليهم وخاصة على "نيروز" ثم الدعاء التي لا تكف عن قوله وإردافه بأن يسامحها الله على كل ما مر. لا تكل ولا تمل.. والكل يتمنى بأن يثبتها الله على هذا الحال. لا تعلم ماذا تفعل كل لحظة بعد الآن يلح عليها النهوض لتطمئن عليها.. شعور ما بداخلها يحثها بأن والدتها ليست بخير. أم أن مشهد "نيروز" مع والدتها يؤثر بها وبعقلها الباطن؟ تعلم بأن مجرد ساعة وأكثر والكل سيجتمع ليودع "سمية" حتى ترحل. ولكن قبلها ستعقد العزم على فعلها! نهضت "فريدة" تطوي سجادة الصلاة ثم التفتت سريعاً تنظر نحو "جميلة" التي وقفت أمام المرآة تعقد حجابها الأبيض. سألتها "فريدة" سريعاً بغرابة: "هو إنتِ راحة فمكان دلوقتي؟" ابتلعت "جميلة" ريقها بضعف. فوضع زوجة عمها وحتى كلمات "نيروز" تؤثر بها بقوة. حركت رأسها بنفي وهي تحاول الابتسامة لها ثم أجابت لها توضح: "لأ.. كنت بكلم عز.. وقالي إنه جاي في الطريق بعد ما عرف اللي حصل وكده.. فبلبس عشان أكون جاهزة في انتظاره!!!" لاحظت حزنها. فتوجهت تفتح ذراعيها بقولها السريع لها: "تعالى!!" دخلت "جميلة" بأحضانها تحت أنظار "عايدة" من على أعتاب باب غرفتهما. تنفست "جميلة" بعمق. ثم سمعت حديث "فريدة" لها وهي تطمئنها قائلة بلين: "أنا عارفة إنك زعلانة.. عشان طنط سمية وعشان كلام نيروز. هبقى كذابة أوي لو قولت إن تأثري زيكم بالظبط.. بس أنا عارفة غلاوتك عند نيروز وهتسامحك عادي سيبك من الهبل اللي بتقوله.. بس المحنة دي تعدي وكل حاجة هتبقى تمام. وبالنسبة لطنط سمية فأنا بدعيلها في كل صلاة وإنت كمان اعملي. عرفت مؤخراً معنى إننا نتعشم في ربنا ونحط. عشمنا كلنا فيه في ميخذلش أي حد فينا أبداً. وبالنسبة لـ عز اللي جاي ده فـ هوني على نفسك وعلى الواد ده أصل حرفياً كده.. صعبان عليا مش لاحق يتبسط.. انبسطي يا جميلة وخليكي واثقة في ربنا وإعطي فرحتك بكتب كتابك حقها.. العياط مش هيعمل حاجة." أحسن حاجة إننا نعرف ندي الفرحة حقها حتى لو موجوعين من جوه ومقهورين. ومن علامات النضج اللي بجد إنك تفكري لما تعقديها يعني كده هتتحل؟ لا طبعًا. كله بيتحل من عند ربنا، علينا بس السعي. والسعي مننا هو إننا نرضي ونتقبل كل حاجة بتحصل وهتحصل، فهماني؟ تفتخر بها وبما وصلت له من عمق تفكير ناضج عكس ما قبل ذلك. ابتسمت لها بتأثر ثم توجهت تقبل قمة رأسها بفخر، وهي ترد بقولها الهادئ: "أنا بجد فخورة بيكي وباللي وصلتي له، فخورة بتفكيرك وتغييرك، يا بخت أي حد إنت في حياته يا فريدة!" "دي حقيقة يا حبيبة أمك!" قالت عايدة جملتها لهما. التفتت فريدة برأسها لها ثم نظرت لها بلطف، حتى عانقتها. طالعتها عايدة بتأثر. فتحدثت فريدة بعد لحظات، تسألها بتردد: "هو فين المفتاح اللي حازم سابهولي، مفتاح شقتنا؟" ترقبت جميع حواس جميلة ومن ثم أجابت عايدة سريعًا، بلين: "متعلق جنب الباب يا حبيبتي، رايحة هناك ولا إيه؟" "أه هشوف ماما مختفية بقالها شوية ليه." أومأت لها. في حين فرحت جميلة بما تفعله شقيقتها. خرجت فريدة ببطء، إلى أن أسرعت بخطواتها عندما وجدت باب الشقة يدق بخفة. انتشلت المفتاح بخفة ثم فتحت الباب حتى وجدت عز أمامها. في الأساس رأته من قبل، ولكن هذه المرة هي قريبة منه ووجهه تنظر إليه هي. لوهلة شعرت بشريف الذي كانت ملامحه مثل ملامح عز بطريقة ملحوظة. ابتلعت ريقها. وفي هذه اللحظة شعر هو بما شعرت به كونه يعلم الشبه الذي بينه وبين شقيقه، بل ويعلم هو تمام العلم بداهة ما فعله الآخر بها. خرجت ابتسامتها أخيرًا، رغما عنها. أما هو فأخفض نظراته بخفوت، بطريقة ملحوظة. تنحنح بحرج. فأفسحت له المجال سريعًا، وهي ترحب به بكلمة خافتة. إلى أن ظهرت عايدة من خلفها وهي تبتسم له ترحب به بحرارة. دخل فأغلقت فريدة الباب من خلفها، وهي تتوجه خطوتان لتضع المفتاح بباب الشقة، إلى أن فتحته ببطء ثم دخلت تنظر من حولها. المكان ساكن إلى حد كبير. التفتت حولها بريبة من قسوة الصمت. بماذا تشعر والدتها إذن؟ سارت ناحية غرفة والديها حتى فتحتها سريعًا، ولكنها لم تكن موجودة هنا وقد خفق قلبها رغما عنها. ابتلعت ريقها بصعوبة. أيعقل أن تكون لبت لها غرضها ورحلت وتركتها؟ نظرت حولها بخوف من الفكرة. ثم خرجت سريعًا لتبحث بباقي الغرف إلى آخرهم. وكانت غرفتها هي. فتحتها بإندفاع، ومن ثم رأت ما وجعها ووجع قلبها بشدة. فقد كانت مسطحة على فراشها بعالم غير عالمها وتحتضن وسادة فراش فريدة، ومن ثم الوسادة الثانية التي جلبتها من غرفة حسن. لم تشعر فريدة بنفسها إلا عندما فرت منها دمعتها الوحيدة وهي تركض سريعًا ناحيتها بعدما وجدتها تقوم بقول كلمات غير مفهومة. حركتها برفق، وهي تضرب وجنتيها ببطء كي تفوق من ما به. وسرعان ما دب القلق بها عندما وجدت جبهتها ساخنة. درجة حرارتها مرتفعة جدًا، لذا تهذي بجمل غير مفهومة. تعلم ذلك دور الإعياء المتشر هذه الأيام من تغير الأجواء. ولكن درجة حرارتها مرتفعة. تتحسسها بأصابع مرتجفة من الخوف المقلق، لذا هتفت بتعلثم لها تردد كلمة واحدة بخوف: "مـامـا..!" بالفعل تفتح زينات عينيها ولكنها تغلقها على الفور. لم تستطع فتحها بسبب شدة سخونتها. ولكنها شعرت بها وبأنفاسها بجانبها. حركت يديها بحركة انتبهت لها فريدة التي مسحت دموع والدتها سريعًا. تنهر نفسها وتهاب ما بها. نهضت سريعًا تجلب صحن من الماء الفاتر وقطعة قماشية كي تراعيها. داعية ربها بفطرة حبها لها من داخلها بأن تدوم لها. ومن المذهل بالنسبة لها فقط أنها بكت وهي تجلب ما تجلبه كي ترعاها. إذن خافت فقدانها وتخاف بالفعل، وكل منهم يهاب الفراق بإختلاف الظروف! بعد مرور وقت بشقة عايدة. كان يجلس عز بالفعل ومعه جميلة التي تشرد بين وقت وآخر. انتفضت بخفة عندما هتف هو باسمها وهو يضرب كتفها بأنامله بخفة. وقد كان يجلس حازم بالفعل على بعد منهم بعدما جاء من شقة سمية. حركت جميلة رأسها ناحيته بأسف. ثم قالت سريعًا له: "معلش يا عز، سرحت غصب عني.. أنا خايفة أووي!" كانت تبرر إلى أن وجدت نفسها بالفعل تخرج له بشعورها، بل وقالتها بكل اهتزاز وصل إليه. اعتدل عز ينظر لها سريعًا. ثم مد يديه لها فوضعت كفها به. ربت على كفها بحنو، وهو يحاول بأن يطمئنها بالحديث عندما قال: "مش عاوزك تخافي، عارفه ليه؟ عشان أول حاجة مرات عمك هتبقى بين إيدين ربنا. مفيش ألطف من كده أبدًا. إحنا قدامنا إننا ندعي ربنا ونستودعها وإن شاء الله هتخرج بصحتها كويسة. أنا مجرب كل التوتر والخوف اللي إنتوا فيه ده لما أمي دخلت العمليات، بس ثقتي فربنا مقلتش. ولو على تاني حاجة، فعايز أقولك إن كل واحد بيعمل بأصله والأصل غلاب في الآخر. وإنت عارفه إن نيروز بتحبك وكويسة معاكي. أكيد مش هتفضل كده طول الوقت، بس قدري حالتها وقفي معاها ومتسيبهاش. ولا تسيبيني تاني علشان أنا مكنتش كويس من غيرك يا جميلة!" قلب الحديث بآخره كي يخفف من توترها. تشبثت بكفه متحلية بالثبات رغم اهتزازها. تنفست بعمق وهي تصارحه هي الأخرى بصدق: "أنا كمان مكنتش كويسة من غيرك يا عز. كل يوم كنت بصحى من النوم فيه كنت بفتكر أنا كنت ببقى عاوزة الجامعة تيجي إزاي عشان بس أشوفك. لكن بعد اللي حصل غبت كتير حتى يوم الشهادة اللي قولتلك عليها راح عليا ومردتش أخد حد معايا، عشان إنت بس اللي كنت تستحقها بالنسبالي. أنا بحبك أوي ومعرفتش إني بحبك أوي كده غير في غيابك. كنت بحاول أخفي وجعي عشان محسسش حد بيا بس كله كان باين عليه إنه عارف اللي فيها. مكنتش بفكر في حاجة غير فيك. حتى كنت بدور على أي حاجة وحشة عملتها تخليني مفكرش فيك وأبطل أحبك ملقتش. عرفت ساعتها إني خسرتك. ولما خسرتك كنت كل ليلة بتمنى نرجع بأي طريقة، حتى كنت بدعي بكده رغم الظروف والكلام اللي كان عكس ده. فجأة لقيتني بقيت ليك وكتب كتاب وحاجات كبيرة أوي من عند ربنا. هفضل أشكر ربنا على النعمة دي وعليك دايما، علشان إنت العوض. حتى لو إحنا الاتنين عندنا الأسباب اللي ترجع كل واحد في العلاقة دي بس أنا متمسكة بيك بعد النهارده حتى بعد اللي عملته. فرح. وبالنسبة للموضوع ده فسامحني يا عز. أنا.. أنا مش قادرة أنسى. وبقيت خايفة من كل صحابي. فرح كانت أقرب حد ليا فيهم. أنا مخذولة أووي منها!" خذلان الأصدقاء! أصعب ما يمر على المرء! ابتلع ريقه بتأثر من كل حديثها. وعندما أتت بآخره تألم لأجلها. كيف سيعدل بين شقيقته وحبيبته بل وزوجته؟ الوضع صعب بالنسبة له حتى ولو خذلته شقيقته هي الأخرى. حاول التحدث بهدوء وتعقل لها هو الآخر بحديث لين: "وأنا كمان متمسك بيكي رغم اللي حصل. عارف إن فرح كسرتك. وصدقيني مش بدافع عنها بس دي أختي. أنا مش قادر مكلمهاش ومش قادر أكلمها وتايه بين حاجتين. عندها التبريرات اللي تخليني أسامحها وإنتي كمان. الحاجة الوحيدة اللي تشفع لها عندي إنها متقدرش تاخد أي خطوة ولا حتى قرار. كانت ضعيفة وخافت منهم. وعند التبرير ده أنا بس اللي هحس بيها وممكن كمان أسامحها. لكن إنت لأ. أنا مش بضغط عليكي تعطيها فرصة. بس أنا أتمنى الحال يتصلح عشان لما تعيشي معانا تكوني مرتاحة. إنت مهمة عندي زيهم بالظبط يا جميلة!" لم تجد سواه لتخرج له الكلمات وستستمر بذلك كونه الركن اللين لها. استمعت إلى حديثه بألم حتى انتهى فتنفست بعمق. وقد لاحظت نهوض شقيقها. لا تعلم لما تخرج له الحديث الذي بداخلها ولكنها ستخرج بما تكتمه له لأول مرة من جديد: "عارف يا عز.. عـ .." قاطعها سريعًا عندما قال بخفة بجملته المعهودة بالنسبة لهما: "لا مش عارف، بس هموت وأعرف والله العظيم!!!" خرجت ضحكتها الخافته وهذا ما كان يريده. اشتاقت لحديثه ذلك. تنفست بعمق، فأنصت لها باهتمام أتى من حبه لها عندما تعمدت سرد ما تراه لها وبها: "عمري ما كنت ضعيفة، بس اتعودت إني أسكت. من أول كلام بابا ليا وفرضه حاجات عليا لازم تتعمل غصب عني، لكلامه الصعب اللي كان بينزل زي سكاكين تلمه لحد ما حدت في الآخر واندفعت عليه. بس كل ده كان مع سكوتي برا عشان أريح دماغي وأعيش. كنت بسكت في البيت عشان كده، رغم وجعي، بس كأني اتعودت على كده. فكنت برضه بسكت برا. كنت هجومية ومندفعة بس فين وفين على ما يظهر ده. سكوتي كان أكتر بكتير. من بداية كلامهم برا ليا اللي كان بيجرحني ويكسرلي خاطري وبرضه كنت بعدي. أنا كان بيتقالي إنتي بتلبسي كده ليه؟ رغم إن لبسي كان كله طويل وواسع شوية وجديد وشكله حلو. أنا برتاح في كده بس ده مكنش ردي. كان ردي السكوت. كانت واحدة بتقولي إنت شكلك وحش أوي." رغم إني سمعت من ناس كتيرة أوي إن ملامحي حلوه وشكلي حلو، بس مجرد جملة زي دي بتكسر قلب الواحد حتى لو كان واثق في نفسه. كانوا بيقولولي إني تنكه ومتكبره عشان مكنش عندي اهتمام أتعرف على حد. اشتريت فمرة نضارة عشان نظري كان قل خالص وعيني تعبت من العدسات، لآني كنت ببطل أجيب نضارات زمان عشان لما بيضربني بالقلم كانت تتكسر. جتلي عقده منهم وبطلت أشتريهم وروحت عملت عدسات ولبستها فعلاً لحد ما عملتلي مشكلة في أعصاب عيني، فرجعت أجيب نضارة تاني. قالولي إن شكلي وحش فيها أوي، مع إني أتذكر إن وقتها البنت بتاعت المحل صورت عيني بيها وإتفاجأت إنها قصتها ونزلته على بيدچ المحل ده. قالتلي إن عيني فيها حلوه عشان مسحوبه وكأنها متكحله، فظاهرة في العدسات بتاعت النضارة. كان عندي أسباب كتيرة تكذب كلامهم الوحش ليا، بس طلع إن الكلام الوحش بيسيب أثر أكتر من الحلو. طلع كل دول في الآخر اتقالي عنهم إنهم بيغيروا مني، وكلام مصدقتوش أوي ساعتها. قاطعها "عز" سريعاً، بصراحة: "لأ صدقيه، وده مش كلام من حد بيجاملك، دي الصراحة. الصراحة اللي بقت من حقي أقولها عشان بقيتي مراتي. إنتي إسم على مسمى ودي حقيقة. لحد ما وصلت إن عادي الناس تشوفك مش حلوه، كفاية أنا أشوفك أجمل واحدة في البنات، وده عشان بغير عليكي فعلاً قبل أي حاجة. كل كلامي ده صراحة مش كلام حبيبة قاعدين بيشربوا عصير على النيل. وأنا محتاج أعرف مين اللي قالولك كده. لو شاورتيلي بس بصباعك على حد مضايقك أنا هشوفه بنفسي. أنا وعدتك يا جميلة، وعدتك تكوني مبسوطة ومرتاحة، وأوعدك تاني بـ كده، أوعدك إن وشك ده ميشوفش ضرب من تاني ولا ودانك تسمع كلام مؤذي خارج من مرضى نفسيين زي كده. أنا حتى لما كنت شاب صغير عن كده ومكنتش ملتزم زي دلوقتي كده، كنت بقعد أعاكسك بس في السر، أصل الشيخ بتاع الجامع كان قالي إن الكلام ده بيترد في أختكم. كنت جاهل أنا في الحاجات دي ملحقتش أتعلمها، بس إتعلمتها والدنيا علمتني وجابتلي اللي كنت بعاكسها في السر عشان تكون على إسمي. وعلى فكرة دا سر مخرجش غير ليكي وبعد ما بقيتي على إسمي!" تتأثر من حديثه ودفاعه فبررت له سريعاً ما كانت تفعله: "أنا بس فكرة إنّي مبعرفش أكسف حد ولا أكسر خاطر حد دي خدت من حقي كتير، كتير أوي!" "تردي تكسفي عند الوقت المناسب من غير ما تكسري خاطر حد. كلنا على الله بس في حدود محدش يتخطاها، وطالما انتي كده يبقي إنتي إنسانه سليمه وفي السليم وجميله زي إسمك، وزي الملاك في الأبيض كالعاده!" قال آخر حديثه لها وهو يتطلع إلى حجابها وملابسها. ابتسمت له بخجل وهي ترمش بيديها وعينيها الحانية عليه، فوجدته يقسم بحيرة من حديثها سريعاً: "مش عارف مين المتخلف اللي شايف إن عيون زي عيونك دي مش حلوه في النضارات والله!" إعتدل سريعاً عقب قوله يخرج من جيبيه ما نساه. إعتدل مرة أخرى عندما أخرجهما معاً. أشار لها بأن تعطيه يديها، ففهمت سريعاً أنها شبكتها التي أعطتها له عند آخر مقابلة. مدت له يديها اليمنى، فحرك رأسه نفياً سريعاً وهو يردد: "الشمال بقا، ما انتي بقيتي مراتي، ولا نسيتي؟" "عمري ما أنسى اللحظه دي!" أعطته كفها فـ ألبسها دبلتها ثم خاتمها. وسرعان ما اعتدل هو وهو يمد لها كفه الأيمن بقوله: "خدي خرجيها من اليمين وحطيها في الشمال.. وعايزك تعرفي إني مقلعتهاش خالص من ساعة اللي حصل لحد دلوقتي!!" انتهت تزامناً مع قوله، فإبتسم بفرحة كما ابتسمت هي. نهض ببطء يعبر لها عن سعادته بهذه الفعله ثم سحب كفها كي تنهض ثم دارها وهو يلفها بحب بردائها الأبيض. شاهدهما "حازم" و"عايدة" معاً بابتسامتهم السعيدة بهما رغم ما لديهما من محنة. فتح "عز" ذراعيه لها بلطف تزامناً مع قوله لها: "بصراحه اللي يجرب حضنك مره معتش يقدر من غيره.. تعالي..!" دخلت بين أحضانه بخجل، حتى أن وجهها قد اشتعل من سخونته بخجلها منه لولا أنه وضعها أمام الأمر الواقع لرفضت، كونها تخجل بشدة منه. ولكنها دخلت تزفر براحة كبرى. ضمها بحنو، ولم يخشي وجود أي شخص كونه يفهم جيداً معني أنها أصبحت على إسمه قولاً. تنحنح "حازم" يجلى حنجرته وهو يظهر أمامها. حاولت "جميلة" الخروج سريعاً وكأنها تقترف جرماً للتو. عاند "عز" فعلتها وهو يتمسك بها كي لا تخرج. تعمداً لظهور ذلك أمام "حازم". الذي آبتسم له "عز" بحنو وهو يشير له وكيده هو الآخر يظهر بخفوت قليل ليرسله له بين ثغرات الحديث: "تعالى يا حازم إنت كمان أما أحضنك مع مراتي!!" "سيبها.. وإحترم إنك في بيتها!!" ضحك "عز" على قوله المرح، حتى أنها خرجت من بين أحضانه وهي تسمعه يردد بلباقة رغم عكس ما يردفه: "غلطان عارف ليه؟ عشان بيتها بعد كتب الكتاب المفروض يبقى بيتي.. يعني أنا سايبها معاكم هنا بمزاجي.. فهمان؟" حدجه "حازم" بابتسامه حانية ظهرت أخيراً له بل والأسف الذي استشفه. ولكنه سمع حديث "عايدة" له عندما قالت بمعارضة: "لأ طبعاً.. على بيتك بعد الفرح والليله الكبيره.. ولا بنتي متستاهلش فرح.. لتكون عايز تاخدها كده وبتلمح يا واد يا عز؟" إبتسم لها بخفة وهو يحرك أنظاره ناحية "جميلة" ثم ردد بنبرة صادقة: "جميلة قيمتها ليلة فرح متعملتش قبل كده.. ربنا يقدرني وأعملها في أقرب وقت!!!" طالعته بحب، كما كانت سعادة طفيفة بحديثه عليها. إعتدل "حازم" سريعاً ثم قال بهدوء: "طب يلا اللي هيجيي عشان نشوف طنط سمية قبل ما تجهز وتروح المستشفى!!" نهض من على فراشه بعدما تسطح عليه بتعب قبل وقت. إعتدل يقف ومن ثم نظر "غسان" إلى الساعة بهاتفه لم يجد إلا القليل على ذهاب "سمية". تنهد يخرج أنفاسه ثم عدل من ملابسه الفوقية قبل أن يتوجه ناحية باب غرفته ويفتحها. وما أن فتحها بالفعل وجدهم مجتمعين بصمت بصالة المنزل أمام غرفته هو. خرج من الغرفة وهو يقف ثم وجد "دلال" تقف بلهفه وهي تنظر إليه قائلة بتساؤل متلهف: "إنت كويس يا حبيبي؟" ابتسم لها "غسان" كي يراضيها ثم حرك رأسه بنعم يوافق ما قالته حتى أمسك كفها يطمئنها. وسرعان ما عقد بين حاجبيه سريعاً عندما لم يجد "شادي" حتى سألهم بإهتمام: "أومال شادي راح فين؟" "كان سمع يامن بيعيط من شوية فـ راح يشيله عشان بيسكت معاه.. وأهو يلهيه عن وردة وبدر شوية على ما سمية تمشي بالسلامه!!!" بالفعل رحل عندما تعمد بأن يتركه وحده. وجد "بسام" يقف بجانبه بصمت، إلى أن حرك عينيه سريعاً عندما وجد سؤال "والده" له: "سايب مراتك ليه يا غسان وقاعد هنا؟" بعد الآن أسراره معها وبينهما لا يود كشفها كما يود بأن يفعل. تنفس بصوت خافت وهو يجيبه بنبرة هادئة: "مسيبتهاش.. أنا بس شوفت إنها محتاجة تقعد مع مامتها الكام ساعة دول.. وعدم وجودي في لحظة زي دي معاهم أحسن.. على الأقل تقعد وتتكلم وتعبر عن كل اللي بتحس بيه ليها وبراحتها عادي يعني يحج حامد متشغلش بالك بينا إحنا كويسين مع بعض مفيش حاجة!!!" يفهم عقل "والده" الغير هين مثله تماماً. تعلم ولدها عندما يخفى شئ بداخله لذا لم يترك لأي منهم فرصة للحديث. بل أشار لهم بقوله وهو يستفهم منهم: "طب يلا لو رايحين؟" عدلت شقيقته ووالدته حجاب رأسهما وهما يساندان بعضهما حتى سبقا بالفعل. بينما وضع هو هاتفه بجيب بنطاله سريعاً حتى كاد أن يتحرك سريعاً، ولكن أوقفته نبرة "حامد" حتى وقف "بسام" هو الآخر: "محدش بيسيب مراته في وقت زي ده يا غسان.. إنـ.." بتر جملة "والده" عندما تعمد السير متصنعاً عدم سماعه. رغم تبجح فعلته ولكنه لا يود سماع شئ آخر يأتي على طاقته. يحزن بالأساس لأجلها. يتألم منها ولها ولكنه ابتعد كي تجلس بأريحيه مع والدتها. لم ولن يتحمل حديث أحدهم حتى ولو كان من والده. ضغط "حامد" على فكه بعجز، فقد شعر بمدى ثقله. يود أن يهون عليه وينصحه ولكن لم يعطه الآخر فرصة. اعتدل عندما أمسك "بسام" كفه وهو يربت عليه بحنو، بعدما سبق "غسان" ثم قال له بأسف: "معلش يا بابا.. ميقصدش، انت عارف هو مضغوط قد إيه.. متعتبش عليه.. إنت أكيد مقدر حالته وحالة مراته في يوم ووقت زي ده!!" كان رغماً عنه الصمت. هو الآخر يحمل هم ولده وكأنه لا يزال صغيراً. استند على سنده الآخر كي يخرج من الشقة بأكملها متوجهاً ناحية شقة "سمية". وبالشقة بالفعل، دخل "غسان" وهما من خلفه. كانت غرفة "سمية" مفتوحة وهن بها جميعاً. وقف "حازم" بالخارج مع "بدر" و"شادي"، كما وقف معهم "حامد" الآن. خرجت النساء تدريجياً من الداخل، وأما هو فأخذ ركن يقف به بهدوء، ساكن بحزنه عليها. سيظهر بمثل هذه الأوقات أنه يخاف ويهاب على من منه بشدة، حتى ولو كانت والدة زوجته! خرجت "وردة" عقب خروج "ياسمين" ولم تخرج "نيروز". بل نادت "وردة" "غسان" بقولها المختنق: "غسان ممكن تخش جوه لماما.. عاوزاك!!" حرك "غسان" رأسه لها بالإيجاب، ثم بدأ بالفعل بالسير إلى غرفتها حتى وقف يدق الباب المفتوح. فابتسمت له "سمية" بحنو وهي تشير له بأن يجلس. حرك عينيه نحو "نيروز" التي طالعته بضعف والدموع من عينيها تنهمر. وضع ذراعه عليها وهو يربت على ظهرها بحنو. ثم وقف يبتسم لها فتحدثت هي سريعاً له بأسف: "أنا اللي حطيتكم في الحالة اللي إنتوا فيها دي يا بني.. بس ربنا اللي يعلم، طالما اختارتك إنت يبقي إنت بقيت حاجة تانية عندي. أوعى تزعل بنتي أمانة عليك ولا حتى تعبر هبلها وعبطها. خليك حنين عليها وهي برده.. أنا حالفة عليكم إنتم الإتنين ما تيجوا مستشفيات إلا بس بكرة قبل ما أدخل العمليات وتمشوا علطول بعد ما أدخل متستنوش.. وده موضوع مفهوش نقاش.. وحتى نيروز مش هتقعد في مكان من غيرك.. إنتوا لسه عرسان ومن حقكم تفرحوا.. وأنا واثقة إنك بتعرف تفرح بنتي.. بنتي برده اللي أنا وصيتها عليك.. مش كده يا نيروز!!!" بجملتها الأخيرة، نظر نحوها بلين. ثم نظر إلى "نيروز" التي نظرت له بأسف، ولكنه تعمد عدم فهم نظراتها. وما لا يعلمه هو أن "نيروز" قصت بطريقة غير واضحة ما قالته له من حديث ليس هين عليه، لوالدتها التي عنفتها بهدوء وفهمتها الوضع كونها جاهلة لا تعي ما تردفه جيداً. التزمت بوعدها له ولم تقص، ولكنها لمحت لها. عارض "غسان" سريعاً باهتمام لأول حديثها: "مينفعش اللي بتقوليه ده.. أنا مجهز العربية حتى كنت لابس هدومي عشان آجي أوصلك.. ولو على نيروز خليها.. بس سيبيني آجي معاكي دلوقتي!!!!" "لأ ولا حتى إنت ولا مراتك ولا ياسمين.. بدر وحازم ووردة اللي هيجوا معايا. ومتعارضنيش بقى يا حبيبي.. كل واحدة هنا وعندها ظروفها وأنا مش هسمح بـ ده غير اللي قلت عليه!!" اعتدلت تقف. فنهض هو بلهفة يسندها مع زوجته، حتى تماسكت جيداً. فانحنى يجلب الحقيبة المتوسطة بالحجم التي ستأخذها معها. ثم خرج خلفهما سريعاً. حتى وجد الجميع يودعها بالفعل، وكانت آخر كلمات الوداع من "ياسمين" التي بكت بتعب وهي تقول بنبرتها الباكية: "عشان خاطري يا ماما متخذلنيش.. أنا هستناكي أنا واللي جاي في الطريق عشان يقولك يا تيته. أوعي تمشي وتسيبينا..!!" لم تقوى على إرداف كلمات متأثرة. بل عانقتها والدتها بتأثر. ثم جاءت من خلفها "وردة" التي تأثرت أكثر هي الأخرى رغم ذهابها معها: "أنا مقدرش من غيرك يا ماما.. فمش هسيبك إلا لما تخرجي لنا بالسلامة!!" إحتضنتها "سمية" بألم. ثم خرجت يحتويها "بدر" ومن ثم عانق "حازم" "ياسمين" وهو يحثها. وقفت "نيروز" بجانب "غسان" الذي مد يديه يدلك كفها البارد كالعادة. ثم أشار لها بعينيه بأن تقوى على فعلها وتودعها هي الأخرى بالكلمات حتى ولو كل منهم سيذهب إليها. تقدمت بعدها بخطوات بطيئة ثم رفعت يديها تمسح دموعها حتى بدأت هي الأخرى بالحديث وهي تردف بكل خوف: "أنا مش بقولك هترجعي.. أنا متأكدة إنك هتبقي كويسة من تاني.. بس عشان خاطر بنتك ولو بتحبيني بلاش يحصل العكس.. بلاش توجعيني تاني.. أنا مش هقدر.. اوعديني!!!!" كيف ستعدها وهي لم تتأكد من حدوث ذلك. وقف الجميع بترقب. فهذه الإجابة منها إن قالت لها العكس سينهار الوضع. وقف "غسان" يتابعها بتعب حتى تقدم يمسك كفها وهي تنتظر الإجابة. لم يحاول تشتيتها. ليس بصالحه الوضع، خاصة أنها تنتظر الإجابة بكل اهتمام. شهقت "جميلة" بوجع. فربت "عز" على ظهرها. ثم تقدم ينهي الوضع المتوتر كونه فهم ما يحدث. وقف أمامها ثم اخفض نظراته بطريقة ليست ملحوظة عندما وزعها بينها وبين والدتها. وبدأت بالحديث وهو يبتسم بإطمئنان لها: "لما 'أم عز' دخلت العمليات كنت زيك كده وأختي كمان يمكن كان نفس الكلام بالحرف. جت عند كلمة الوعد وأنا اللي قلت لها أوعديني تخرجي من تاني عشان مش هقدر أعيش من غيرك. وكنت متلهف ترد عليا بسرعة وتقولي أوعدك ومتقوليش كلام يوتر أكتر زي ما الحال واقف كده زي الوقتي. قالت لي اتعشم في ربك هو اللي بإيده كل حاجة. سبتها لله عشان مفيش أحن منه عليها هي وهي بين إيديه. خرجت لي ومراحتش مني وبعد وقت بعد كويسة. وطول المدة اللي كانت غايبة فيها ثقتي في ربنا مقلتش ولا عشمي فيه قل إنه يرجعها لي عشان مليش غيرها من بعده. هتعملي كده إنتي كمان؟؟ ده المفروض يبقى وعدك ليها أصلاً مش هي!!!" قلب "عز" الحديث بخفة. فعل ما لم يقدر "غسان" فعله بسبب ألمه عليها وعلى وضعها. انشرح صدرهم وخرجت الأنفاس عندما وجدوا شبه ابتسامة صغيرة على وجه "نيروز" الذي أثار حديثه يقينها بعودتها. حتى أنها هزت رأسها بيقين لها ثم قالت: "هستناكي وأنا متعشمة في ربنا اللي مش هيخذلني. متغيبيش عليا!!" عانقتها فور انتهائها من جملتها. فنظر "غسان" ناحية "عز" بإمتنان. وبهذا الوقت رد له "عز" عناقه الذي عانقه به عندما كان بشقة "شريف" يوم الواقعة. عانقه بحب أخوي ثم قال له بخفوت بجانب أذنه: "كل حاجة هتبقى تمام يا خويا يا غسان يا عريس!!" إبتسم له "غسان" بخفوت. وقد رأى الكل يتوجه ليخرج من باب المنزل. حتى ودعوها بالدموع والبكاء مرة ثانية عندما دخلت المصعد مع "وردة" و"بدر" و"حازم" الذي أخذ الحقيبة. هبط المصعد. وعند هذه النقطة شعرت بخلو المكان من حولها من أنفاس والدتها رغم وجود الجميع. ولكنها نظرت بألم إلى أن وجدته يقف أمامها والدموع يحبسها بمقلتيه. فتح "غسان" ذراعيه لها حتى دخلت بين أحضانه ببكاء. أمام بكاء "ياسمين" بأحضان "عايدة" وكذلك "جميلة" و"عز". سحبتها "عايدة" معها إلى شقتها سريعاً. وأشار "حامد" له ولهم ليدخلوا شقته. حتى فتحها "بسام" ودخلوا بها وسحبها "غسان" خلفه تحت ذراعه. أخذت "دلال" المفتاح الخاص بشقة "سمية" ثم أغلقتها خلفها هي الأخرى وابنتها حتى توجهت إلى شقتها. كان "شادي" يحمل "يامن" حتى استغرق بالنوم على كتفه. جذبت "وسام" زجاجة المياه سريعاً حتى قدمتها لـ "غسان" الذي فتحها ثم وضعها على شفتيها فتجرعت "نيروز" منها ببطء. حتى اكتفت. أمسك كفها يدلكه بحنو. فأخذ "حامد" يد "دلال" خلفه لغرفتهما. ووقف "بسام" يشير نحو "وسام" بأن تأتي خلفه لتساعده بفعل شئ ما. وبالفعل كان قد سار "شادي" ليضع الصغير بغرفة "بسام". فوقف "غسان" يسندها حتى وقفت ثم فتح باب غرفته وسحبها معه إلى الداخل ثم أغلق الباب. جلست هي على الفراش بمساعدته فجلس بجانبها واضعاً ذراعه على كتفها وهو يطمئنها بالحديث قائلاً: "هترجع يا نيروز وهتبقى كويسة وزي الفل.. هتعيش لحد ما تشوف أحفادها منك انت.. متعيطيش بقى وإطمني" صمت "غسان" ثم أضاف سريعاً لها بقوله المطمئن وعينيه لا تفارق عينيها: "متخافيش أنا معاكي وجنبك!!" يخرج حنوه رغم أخذه لموقف منها بسبب كلماتها. وهذا ما. تخافه عندما يتعمد تجاهل ذلك إلى حين المواجهة. ابتلعت ريقها ببطء ثم أردفت تجيبه كمحاولة للأسف: "مش خايفة طالما معاك!!" تنتظر رده عليها كالعادة ولكنه أومأ لها فقط دون حديث. مد يديه يخلع حجابها. ثم نهض يمد كفه لها فنهضت هي الأخرى حتى أشار لها بلطف كي تستريح: "إقلعي عبايتك عشان تعرفي تنامي!!" بالفعل ترتدي ملابس محكمة الغلق ولم تستطع النوم بها على الفراش حتى ولو كانت مجرد راحة. ابتلعت ريقها وهي تومئ له. حتى مدت يديه تخلع عباءتها عنها ببطء فساعدها هو بفعلها حتى أخذها منها يضعها على المقعد بجانب فراشه. استشعرت بالحرج منه وهي تعيد على مسامعها ما قالته له. طالعها بهدوء وهي تتسطح على الفراش فدخل هو بجانبها يجلس. تعمدت أن تجلس بجانبه ففرد هو الغطاء عليها ثم قال بلطف: "لو حابة تنامي شوية نامي.. وهبقى أصحيكي!!" نفت برأسها. ثم نظرت نحوه حتى قالت آسفة على ما قالته دون مقدمات: "غسان أنا أسـ.." "ارتاحي يا نيروز مش وقته كلام من ده!!" قاطعها وكان يضع بحسبانه أن يقاطعها بلين ولكن خرجت منه جملته بحدة عليها. حتى أدمعت عينيها تلومه وكأنها بهذا الوقت تقلب الوضع متعاكسا: "كلام من ده.. أنا بتأسفلك يا غسان عشان اللي قولتهولك.. لدرجادي مش مهم عندك.. أنا عارفة إنك زعلان مني.. متتجاهلنيش لو سمحت أنا مش قادرة!!" تعمد هو التجاهل عندما مرر يديه على خصلاتها ثم قال وهو يتنهد: "عشان مش قادرة.. خليكي مرتاحة وبلاش كلام كتير يتعبك!!" اعتدلت "نيروز" سريعا تنظر إلى وجهه بصمت. ثم سألته بلوم قبل أن يتحول وضعها لآخر: "يعني دا آخر كلام من عندك ليا؟" هز "غسان" رأسه ببطء. ثم قال وهذه المرة خرج برود نبرته عليها بقسوة لم يقصد فعلها ولكنها تيقنت بأنها جرحته عندما نبس بنبرته وخوفه عليها لم يخلو: "آخر ما عندي تكوني مرتاحة دلوقتي.. نامي وارتاحي يا نيروز!!" تجمعت الدموع ببنيتها بضعف عندما وجدته غير متهاون. تحركت بسرعة من جانبه وهي ترفع الغطاء عنها تحت نظراته حتى توجهت بطريقها لتخرج من غرفته فأوقفها نبرته الرجولية سريعا وهو يسألها: "راحة فين؟" إلتفتت "نيروز" تخفي دموع عينيها. ثم هاجمته وألمها المخفي عن ما يحدث عامة لها لا يخلو: "خارجة.. ماشية طالما مش طايقني!!" مختلة عقليا بالفعل.. كيف ستخرج وإلى أين وكيف بهذه الملابس!! كيف لم يطيقها وهو يعاملها بالطريقة الحانية رغم ما فعلته وما قالته. تنحنح يجلي حنجرته وهو يستوعب ما قالته للتو حتى نظر نحو ملابسها وهو يشير بعينيه ناحية ماترتديه وناحية جسدها: "خارجة فين باللبس ده!! وماشية إيه!! إنت فاكرة نفسك لسه مكتوب كتابك؟!" ضغط على فكه متحليا بآخر ذرة تماسك بصبر لديه. ثم أكمل قوله مجددا بنبرة جامدة يحثها مرة أخرى: "قولتلك اقعدي ارتاحي وريحي نفسك ونفسيتك شوية.. وشوية ونطلع.. صعبة عليكي.. مش عارفة تفهمي؟!" في كل مرة يتعمد أن يحنو عليها بوضعه هذا. حتى عندما تضغطه بما تفعله. وقفت تنظر له بلوم من طبيعة نبرته الجامدة عليها. فقد حثها أكثر من مرة. نظرت إلى ملابسها سريعا التي كانت ستخرج بها دون وعي. ستخرج وكتفيها وعنقها مكشوف. أم ببنطالها بيجامتها القصير. ابتلعت ريقها ثم حركت رأسها ناحيته فوجدته ما زال يطالعها باهتمام. ينتظر ردها رغم أخذه لاحتياطاته. تعمدت أن تخرج منه الحديث بطريقتها الخبيثة عندما حركت كتفيها رغما عنها وهي تتظاهر بإكمال سيرها مرددة بتبجح أخذته منه: "آه.. هخرج كده.. عندك مانع؟" "لأ!!" أردف "غسان" كلمته باقتضاب وببساطة شديدة جعلتها تفتح عينيها على وسعها بصدمة من رده الغير مبالي بما تفعله. وقفت أمام الباب تمد يديها بتردد كي تفتحه. بهذه الدقيقة بالذات تخاف من ما ستفعله منه. ستخرج بمثل هذه الملابس وصديقه وشقيقه بالخارج!! وقفت تستند بجانب الباب كي تثير حنقه حتى تفتح الباب دون أن يراها من بالخارج. وجدت الباب مغلقا بالمفتاح من الداخل. وهو من فعل ذلك خوفا. إن تطور الوضع بإنفعالها معه وتخرج وتتركه دون أن يسيطر هو على الوضع. أخذ جميع احتياطه إذن!! إلتفتت سريعا حينما وجدته يسألها بنبرة ساخرة متهكمة: "ها.. خلصتي شغل العيال ده ولا لسه؟" تكتم الدموع من جديد بأعجوبة وهذه المرة تعمدت الشراسة حتى وإن كانت تقهر لوضع والدتها ولكنها تعمدت أن ترد عليه بهجوم لما يفعله وما يحدث بينهما من الأساس: "إنت قافل الباب بالمفتاح ليه؟ افتحه حالا.. خليني أخرج من هنا.. طالما إنت مصمم تتعامل معايا بالبرود ده." ضغط على فكه من أسلوبها. حتى اعتدل يقف وهو ينهض من على الفراش. ثم مد يديه يعطيها ملابسها كي ترتديها بعدما توجه ليقف أمامها. أخذتها منه ببطء وعينيها لم تفارق عينيه. حتى أنها تمسكت بكفه وهو يعطيها لها ثم نبست مجددا بأسف: "أنا مكنتش أقصد اللي قولته فوق يا غسان.. متزعلش مني!!!" تشبثت "نيروز" بكفه. فابتلع ريقه بصعوبة من تأثيرها عليه. يعتقد بأنه لم يتهاون هذه المرة وسيفعلها رغما عنه لتعلم بعد ذلك ماذا تخرج من فمها وعقلها الأهوج وقت انفعالها وحكمها على الأمور بالخطأ. أشار لها بعينيه بصمت كي ترتدي ملابسها. ثم انتشل حجابها وهو يعطيه لها هو الآخر. وجدت اليأس مجددا منه. فجلست على المقعد بخيبة وهي تدفن رأسها بين يديها. ولأول مرة يراها تستسلم أمامه بهذه الطريقة. تستسلم بالفعل بالبكاء. تشعر بأن الأركان تضيق بها حتى وإن كانت مخطئة. زفافها.. مرض والدتها.. تعامله معها.. ذهاب والدتها.. إخفاء الكل الأمر عليها.. ما قالته بغباء وتندم هي عليه الآن.. تعتقده حانيا وكان ذلك ولكنها من أخرجت ضجره وعدم اهتمامه بما قالته.. حتى رأت التجاهل وما أصعب أن يشعر المرء بأنه يتجاهل من شخص ما في أكثر الأمور أهمية. وجدت أن لا مفر من البكاء بصوت. وشهقاتها العالية من بين يديها تخرج وهي تجلس القرفصاء تهذي بكلمات خافتة غير مفهومة أمامه ولكنه سمع نبرتها بوضوح وسط ذهوله بما فعلته: "آنا تعــبت.. أنا معتش قادره.. كل ما بصــدق إن خلاص كل حاجــه بدأت تبقى تمام.. بتبـوظ تانــي.. أنا عايزه أرتــاح بقـا.. نفسي أرتاح.. نفسي كل ده مكانش يحصل من الأول!!" يشعر البعض بأنها ما هي سوى كلمات عشوائية.. ولكنها كانت نابعة بصدق من داخلها من تعبها وتشتتها. هي التي كانت تتعمد عدم هبوط دمعتها أمامه.. بل وتجعل كرامتها فوقه عندما تتعمد في كل مرة عدم التهاون والعناد بعقلها أمامه وأمام تفكيره. فقط صدم بسبب استسلامها وضعفها. يعلم بأنها تخفي ضعفها ولكن الآن تظهره له وحده. ركع "غسان" سريعا يمسك رأسها يرفعه ثم مد أنامله يمسح دموعها برفق. وهو يتنفس بعمق هون عليها بالحديث: "إهدي يا نيروز.. أنا معملتش حاجة تخليكي تعملي كل ده.. أنا قولتلك إني معاكي وجنبك.. وتعالي نأجل كلام فالموضوع ده بعدين.." أكمل سريعا بهدوء يجعلها أهدأ وهو يعاتبها: "قولتلك بعدين ومش وقته وإنتي اللي أصريتي تستفزيني!!!" رفعت عينيها المليئة بالدموع نحو وجهه وعينيه التي عادت لينة. ولكنه أصر مجددا على عدم التهاون حتى ولو احتضنها الآن. تنفست بعمق. فرفعت كفها تمسح وجهها وهي تبرر له مجددا: "أنا قولتلك إن غصب عني.. صدقني مقصدتش أقولك كده.. أنا عارفة إني كنت صعبة بس أنا اتوجعت أوي لما جيت تحكيلي حاجة زي دي.. وكأن الدنيا اتقفلت فوشي وملقتش قدامك غيري.. ليه بتقصد تحسسني بالندم وإنت جنبي حتى لو وجعتك في كل مرة؟" إنتفضت بسرعة على صوت دقات الباب من جانبها، حتى تمسكت بكفه. علم أن نفسيتها على شعره، بسيب كل ما يحدث. لذا ربت على ساقيها، ثم نهض يقف تزامناً مع قوله الهادئ: "هنبقى نشوف الموضوع ده بعدين، قومي إلبسي علشان افتح الباب!!!" أسندها ولاحظ هو ارتجافة كفها وهي تنهض معه. لذا رفع يديها يقبلها كي تهدأ وتسكن، رغم تجنبه ذلك الموضوع إلى الآن. ابتلعت ريقها، تأخذ أنفاسها، حتى بدأت ترتدي ملابسها على ملابسها الأخرى المنزلية كعروس. ارتدتها، حتى بحثت بعينيها على حجاب رأسها، فوجدته يعطيه لها بحنو. أخذته ترتديه سريعاً دون اهتمام. مد غسان أنامله يمسح أثر كحل عينيها. ثم اعتدل يفتح الباب عندما أخذ المفتاح من جيب بنطاله. فتحه سريعاً إلى أن ظهرت شقيقته. حيث كان بسام يقف على بعد كي لا يستطيع رؤية من بالداخل، احتراماً لشقيقه وزوجته. كانت تقف بالمقدمة وسام كونها فتاة. أشارت له شقيقته بعينيها، فظهر هو وهو يمسك صينية الطعام. أفسح له شقيقه المجال، ونيروز تقف من خلفه. إلى أن دخل بسام، متعمداً المرح كي يخفف عنهما: "احلى صينية عشا.. لأخويا ومرات أخويا.. أبو موته بيضحي يجدعان!!!" خرجت ضحكة غسان له. فابتسمت له نيروز بامتنان، هو والأخرى، إلى أن تحدثت سريعاً لهم بشكر: "شكراً.. بالهنا والشفا انتم.. أنا مش جعانة!!" "إلحق يا غسان.. دي مراتك متعرفش إن اللي مبياكلش من أكلي بعد ما بتعب فيه بيحصله إيه!" قالها بسام. فضحكت وسام وهي تسحبها خلفها كي تجلس على المقعد بقولها: "أحسن حل تقعدي.. عشان دكتور بيسو مش سهل زي ما إنت شايفه. وبعدين أنا تعبت معاه والله أنا كمان. وشادي ساعدنا وبوظنا المطبخ خالص ولو ماما شافتنا وشافته هتجري ورانا. يرضيكي متاكليش معانا بعد التعب ده كله؟!" وقف غسان في هذه اللحظة، ثم وضع ذراعه على كتف نيروز وكتف وسام، ثم قال بنبرة مرحة هادئة: "لا ميرضناش عشان كده هتقعد تاكل ومش هتكسفكم. يلا إقعدوا على ما أنادي شادي!!" فهمت ما يرسله لها، فجلست رغماً عنها، وهي تبادل بسام الابتسامة وكذلك وسام. تنحنح شادي من الخارج يجلي حنجرته. فأشار له غسان سريعاً حتى قال على عجالة: "أقعدوا على ما أجيلكم!!" لم يعطي فرصة لشادي بأن يتحدث. جلس وهو يشاكس بسام، تحت نظرات نيروز المبتسمة. ثم وزعت نظراتها عليه وهو يخرج من الغرفة. إلى أن خرج بالفعل. ثم دق غرفة حامد حتى فتحها. ابتسم لهما وهما جالسان بجانب بعضهما، وعلى ما يبدو آثار البكاء على وجه والدته التي نهضت تقف بلهفة. ابتسم وهو يعلم ما يجري من خلفه جيداً. حتى أشار لهم وهو يقول: "يلا العشا مستنيكم.. ولا النحنه تغلب!!" ضحك حامد عليه بخفوت. فالتفت غسان في طريقه لغرفته مرة أخرى، حتى جذب مقعدان من الخارج للداخل. وضعهما ليجلس والده ووالدته. دخل الاثنان وهما يبتسمان لها. جلست والدته ووالده. فجلس هو بالمقعد الفارغ بجانب نيروز. التفت ينظر لها باطمئنان، وهو يحثها بقوله الهادئ: "كلي يلا!!" كان الحديث عشوائي إلى حد كبير. إلى أن رفع حامد يديه بمرح نحو فمها وهو يقول بخفة يشاكسها ويشاكس ولده: "كلي يا حبيبتي ودوقي من إيدي.. خليكي معايا أنا.. شايفه الحركات الرومانسيه.. اللي معملهاش الواد ده. أصل احنا أشقيه بردو وبنفهم!!" ضحك الجميع عليه. فرد عليه غسان سريعاً وهو ينظر إليها تأخذ من بين أيدي والده الطعام بفمها: "أنا ملحقتش والله يا حامد. خليك فحالك بقا وحال مراتك وسيبلي فرصه أعمل حاجه!!" نظر إليه حامد باستنكار. وقد غمز له غسان. سريعاً، ففهم حامد ما يود قوله كي تأكل هي. لطالما لم تتناول شئ. عبس وجه حامد. ثم تحداه قائلاً بسرعة ينفذ ما فهمه: "طب تحدي يا بن الكلب.. تاكل من إيد مين فينا؟!" "أموت أنا في التحديات!!" قالها شادي وهو يصفق بحرارة. ضحكت نيروز عليهما. فابتسمت لها وسام بحنو. وبسام يتابع بابتسامة معها. حرك غسان رأسه بموافقة. ووجه كل منهم يديه لها. فخجلت هي بشدة. حتى تعمدت بأن لا تقوم بإحراج. فمدت يديها تنتشلها من يد والده كي تراضيه. ثم أخذت بفمها منه هو وهي تبتسم لهم بإحراج. حتى قالت بلين: "كده تمام؟" "كده ديموقراطية!!" قالها بسام بمرح. فتحدث غسان بكيد لوالده: "أصل مش هتكسفني. دا أنا حبيبها بردو. ولا إيه يا رزقة؟!" حرك حامد رأسه وهو يضحك. حتى وجدها تندمج بالفعل معهم بالحديث وهي تأكل من الطعام ببطء مع تطعيم غسان لها. ابتسم بهدوء، حامداً الله على هذه النعمة بالفعل. لاحظ غسان سكون دلال فابتسم لها بلطف. وهو يحثها قائلاً بتساؤل: "كلي يا أم غسان. سرحانة فـ إيه كده؟!" "باكل يا حبيبي. المهم إنت ونيروز. أكلها لاحسن شكلها بقا هبطان خالص من الكام ساعه دول!!" يعلم هو وأشقائه ووالده بأنها طيبة القلب في النهاية. ومن اللطف بأنها قطعت من الخبز وبه من الجبن. حتى مدت يديها لها كي تأخذها نيروز منها. وفي هذه اللحظة تلح عليها وصية سمية لها على ابنتها: "كلي يا حبيبتي وبلاش تفكري فحاجات سلبية. كل حاجه هتبقى كويسة متخافيش!!" نظر غسان إلي وجهها بحنو وامتنان لما فعلته للتو. أما حامد فآفتخر بها وبقلبها. تنفست نيروز بعمق. وهي تهز رأسها بالإيجاب. حتى وجدت مشاكسة وسام لبسام وهي تبدل ملامحها للاشمئزاز الزائف: "عليك شوية بامية يا بيسو.." تموت الواحد من المغص !!!"




تعالت ضحكات الجميع بقوه حتى "نيروز"، فخرج صوت "شادي" سريعاً يؤيدها:




_" أدعم يا وسام يا أخت الغالي !!"




شهق"بسام" بخفوتٍ وهو ينظر إليهم، فتحدثت "نيروز" قائلع بصراحةٍ :




_" لا بصراحة الأكل جميل ، لما غسان قالي إنك بتعرف تطبخ مكنتش اتوقع إنها للدرجة دي ، تسلم إيدك !!!"




نظر إليها بإمتنانٍ وهو يعدل ياقته ثم نظر نحو شقيقه بكيدٍ ، فرفع "غسان" كتفيه بإستسلامٍ وهو يعيد القول :




_" ما أنا قولتلكم !!!"




_" قــــولت إيـــه ؟!"




قالوها بصوتٍ واحد ، عدا هى التي باتت تعلم ما يجري بعقله ، نظر إليهم ببساطه ثم حرك عينيه نحوها قائلاً بهدوءٍ :




_" إنٌي مبعرفش أعمل أي حاجه ..هتقولولي أومال بتعرف تعمل إيه ..هقولكم بعرف أحب!!!"




_" تحب مين؟!"




_" أحبها!!"




قالها وهو يحرك عينيه يثبتها ناحيتها ، لم تتوقع بأن عبثه سيخرج الٱن ، نظرت بخجلٍ عندما هلل الكل ، ونهض "بسام " من على الطعام ثم صفق بحرارةٍ له ، نظر له "حامد " بفخرٍ وهو ينهض هو الٱخر حتى قال:




_" ابني ..مفيش كلام !!!"




_"إبنك يا حامد..بنتعلم منك !!"




قالها "غسان" وهو يغمز له ، حتى لاحظ نهوض الجميع كما نهضت هي وهي تجمع الطعام معهم، ولكن أوقفتها "دلال" سريعاً بقولها :




_" والله ما هتمدي إيديكي فحاجه ..إنت عروسه لسه بقا ده ينفع ؟؟!!!"




كادت أن تعاندها ولكنها لم تترك لها الفرصة ، وخلت الغرفه بالفعل عدا منه هو وهو يقف ينظر بشاشة هاتفه، إعتدل ينظر بوجهه ناحيتها فوجدها تنهض ، وهي تنحني سريعاً بعدما وجدت "يامن" يسير ناحيتها وهو يدخل الغرفه ، حملته وهي تحتضنه بحبٍ وتأثرٍ بنفس ذات الوقت ، فقد تركته "وردة" معهم بالفعل هي و"بدر" ، هبط "غسان" بشفتيه ليقبل الصغير بمرحٍ ، إلى أن حرك عينيه ناحيتها بلطفٍ وهي تداعبه ، حالهما من حال بعضهما فكل منهما يفقد والدته تدريجياً باختلاف الظروف!؟ ، وأما عن الصغير فكان يشعر بالإعياء بسبب درجة حرارته ولكن يواظب "بسام" على إعطاءه الدواء .. بالأساس عند "نيروز" ذلك الدور ، وتشعر منذ تناولها في الصباح المشروب الخاص به. بألمٍ بحلقها والٱن تعطس ، تتجاهل دور الإعياء هي الٱخرى بسبب إنخراطها في الأحداث. ، عادت "دلال" تأخذ "يامن" من بين يديها لتطعمه ، فوقفت هي تحرك رأسها. ناحيته فوجدته يطالعها بشرودٍ ، إعتدلت "نيروز" ثم تنهدت تخرج أنفاسها بتعبٍ تحاول تجاهله وتجاهل الشعور به ، إبتلعت ريقها سريعاً ثم قالت له بهدوءٍ :





_" أنا هروح أتطمن على ياسمين ..مش هتأخر !!"




رغم حزنها منها ولكنها تخاف عليها. حرك رأسه بموافقةٍ حتى تحركت بالفعل، من الغرفة ثم من الشقة بأكملها..ومن ثم خرج هو بعدها يجلس مع "والده" و"شقيقه" و"شادي" ، وقبل ذلك إنسحبت "وسام" تذاكر دورسها !!!




_________________________________________




جلست "ياسمين" بأحضان "عايدة" تهدأها بعدما أعطت لها كوباً من مشروب الليمون ليهدأها ويهدأ أعصابها ، لا تعلم هى بأن منذ ما إن إستندت عليها غاصت بأحلام غير واقعها هذا ..بسبب إرهاقها ، و"حازم" ليس موجود من الأساس ، وخرجت "جميلة" مع "عز" قبل وقت عندما رأى حالتها عرض عليها السير قليلاً ، أسندت "عايدة" رأسها على الأريكة من خلف جلستها عندما سمعت صوت دقات الباب الخافته ، نهضت بخفه وهي تتعمد أن لا تفعل أي صوت كي لا تستيقظ ، فتحت الباب لها وما أن رأتها ابتسمت لها بحنوٍ وهي تشير لها بالدخول ، دخلت "نيروز" بالفعل وما أن رٱتها تستند كذلك ، توجهت بلهفه تجلس بجانبها تتفحصها بخوفٍ ، طمئنتها "عايدة"بخفوتٍ عليها فأشارت لها هى كي تسندها ناحية غرفة "حازم" ، رفعت "عايدة" ذراعيها ، تضرب وجه "ياسمين" بخفه إلى أن فافت نسبياً ، أسندتها "نيروز" معها ناحية الغرفه ، حتى سارا معاً للداخل وتسطحت "ياسمين" على الفراش بالفعل ، ساعدت "نيروز" "عايدة" وهى تفرد عليها الغطاء بـ راحةٍ إلى أن انتها بالفعل وتوجه كل منهما للخارج ، أمسكت "نيروز" رأسها بتعبٍ فدوار رأسها يداهمها منذ الصباح بسبب دور الإعياء ، تتجاهل إلى أن نظرت نحو "عايدة" التي إلتفتت تنظر لها بحنوٍ ثم قالت :




_" مالك يا حبيبتي ..تعبانه ؟؟"




صمتت ثم واصلت سريعاً بلهفه ما أن رٱت ملامحها المرهقه:




_" ثواني أعملك كوباية عصير تفوقك !!"




_"لا لا ..أنا همشي أنا .!!"




صمتت سريعاً ثم سألت بتلقائيه :




_".أومال فريدة فين ؟ مشوفتهاش خالص غير الصبح !!!"




سألتها "نيروز" بترقبٍ ، فنظرت "عايدة " لها بحنوٍ ثم أجابتها بنبره هادئه تطمئنها :




_" راحت شقتهم لمامتها ومن ساعتها مجتش ..يمكن الحال إتصلح بينهم أنا بقول كده يعني ..وجميلة نزلت مع عز !!!"




حركت رأسها بغرابةٍ وقد دب بها الخوف التي لا تعلمه ، فعدم مجيئها يوترها كونها لم ولن تثق بـ "زينات " حتى لو كانت والدة "فريدة" ، تهاب وتخاف بعد الٱن على من تحبهم ..وأصبحت "فريدة" منهم بالفعل ، قصدت عدم إظهار ذلك حتى أومأت لها بابتسامة صغيره مردده لتودعها :




_". طيب أنا همشي يا طنط .. خلي بالك من ياسمين!!"




_" مش محتاجه توصية يا حبيبتي ، وإنتِ كمان اهدي كده وإستهدى بالله وخلى بالك من نفسك ومن جوزك..وإسمعي كلام مامتك واعملى بكلامها !"





توصيها هى الٱخرى بطريقة غير مباشرة لطالما تعلمها تمام العلم منذ الصغر !! ، هزت رأسها موافقه ثم توجهت سريعاً تخرج ثم أغلقت الباب خلفها ، ترددت بأن تتجه ناحية باب شقة "زينات" ، حثت نفسها أكثر من مره على أن تسير بإتجاه شقة والد زوجها ، ولكن ثمة شعور بداخلها يحثها على الإطمئنان ! حتى ولو كانت مقبله على خطر بسبب تفكيرها ؟! ، رفعت يديها تنهى التردد وهي تدق الباب عدة دقات متتاليه ، ثم وقفت تنتظر بتوتر ، حتى فُتح لها الباب ٱخيراً بواسطة "فريدة". التي ابتسمت لها محاولة بأن تخفى بكاءها الغير محدد من ماذا ..فقد شعرت هي الٱخرى بالاختناق فبكت وهي تراعي والدتها ، دخلت "نيروز" تلقائياً حتى أغلقت "فريدة" الباب ، وقبل أن تتحدث سألتها "نيروز" بترقبٍ :




_" إنتي معيطه ؟!"




حركت "فريدة" رأسها سريعاً تهرب من سؤالها ثم غيرت مجرى الحديث سريعاً وهي تتحدث بأسفٍ :




_" أنا ٱسفه بجد يا نيروز كنت المفروض أسلم علي مامتك قبل ما تمشي بس جيت هنا ولقيت ماما تعبانه أوي ومن ساعتها بحاول أخلى حرارتها تنزل ، ينفع أروحلها بكره معاكم ؟!!!"




طالعتها "نيروز" ببسمة بسيطه وهي ترفع يديها تربت علي كتفها قائله:




_" عادي أنا مقدره ..أنا جيت أطمن عليكي عشان لقيتك إختفيتي ..، مامتك بقت أحسن ؟!"




سألتها بترددٍ.، فحركت رأسها تومأ لها بهدوءٍ ، حتى بدأت "فريدة" بأن تتحرك نحو الداخل ، والأخرى وقفت ثم تحركت عندما وجدت اللهفه بالمساعده لها حينما قالت:




_" طيب ممكن تيجي كده تشوفي حرارتها معقوله ولا إيه ..أصل إديتها علاج وفوقها شويه وبعد كده نامت!!!"




الحيره..ثم الخوف والخوف أولاً على من ؟ والدتها ؟؟ ..تحركت "نيروز" خلفها رغم صداع رأسها وألم جسدها وحلقها هى الٱخرى ، ستحاول أن تفيدها مادامت تراها كذلك بهذا الوضع وكذلك الخوف ..تشعر جيداً كيف يشعر المرء عندما يصيب من منه أذى ..أما هى. لم تشعر بذرة خوف عليها لطالما فعلت بها الكثير ..!!!




__________________________________________




تنتهي لحظته وخطته بالدخول إلى المبني بالفعل ، بعدما ذهب لمنزل "ٱدم" الذي كان بجوار المستشفى بقليلٍ ولم يأخذ رد ، يسير مستنداً على عصاه خشبيه طويله بين الحين والٱخر ، بسبب جرح ساقه ، جسمه الهزيل وحتى ملامحه التي باتت وكانت منهكه من ٱثر ما يأخذه ، يأتي دائماً في جميع الأوقات الغير مناسبه ، لديه من الشر ما يكفي لٱخر ما يتذكره حينما رقد ولم يفوق من ما هو به إلا قبل يومين ، يتابع من يدخل عليه ومن يخرج ، إلا أن فعلها وخرج من المستشفي وسط إهمال وفوضى معروفه!! ألقى العصا التي معه بإحدى الجوانب ثم وقف أمام المصعد ينتظره إلى أن فتح له ودخل به. يديه ترتجف بعد وقت تام من السيطرة على طلب جسده. ابتلع ريقه وهو ينظر بالمرآة من أمامه بغير اهتمام. فتح المصعد وخرج منه على الطابق بهدوء، متعمدًا عدم حدوث صوت منه كي يدخل شقته ويتفهم ما الوضع جيدًا. إلى أن لا يعلم أحدهم أنه عاد، خاصة "غسان" الذي يريد أن يأخذ رد لحقه منذ آخر مرة، ولكنه لا يجد مساعدة من أي شخص الآن، خاصة أنه يفقد التواصل مع "شريف" وحتى "آدم". وقف بعيدًا عن الباب تحسبًا لشيء أو رؤية أحدهم من الداخل له من الخارج. دقة دقات متتالية دون راحة وانتظر للحظات حتى فتح له الباب بواسطة "نيروز" التي لم تعلم من الطارق ولكنها فتحت دون تفكير، فقد اعتقدتها شقيقتها أو "عايدة" أو من المحتمل "جميلة". لا يعلم هو بأنها هي ولكنه دفعها إلى الداخل سريعًا دون صوت ثم أغلق الباب وهو يسند ظهره عليه من الخلف. وجه نظراته نحوها وما أن علم أنها هي ابتسم بشر ومفاجأة من كونها هي. أما "نيروز" فما أن رأته تبدلت ملامح وجهها لخوف، حتى كادت أن تصرخ ما أن رأت شره بعينيه ونظراته. وبخفة وضع "حسن" كفه على وجهها وخاصة فمها وهو يأخذها تحت ذراعه مرددًا بخفوت لها يحذرها: "ولا كلمة.. لو طلعلك صوت هموتك فيها!" تعالى وهبط صدرها من أنفاسها المكتومة الذي سرقها هو برهبتها هذه أمامه. في حين ركضت "فريدة" من الداخل تنظر بذهول له ولهيئته ولوضعه وهو يمسك الأخرى بمثل ذلك الشر. ابتسم "حسن" ما أن رآها وهو يمسك ذراعي الأخرى بيديه واليد الأخرى على فمها. تحدث وهو يطالعها من أعلاها لأسفلها بتهكم: "أهلا أهلا.. كان فينك.. وشك ولا القمر يا فوفو." كانت نبرته ساخرة إلى حد كبير. تشنجت ملامح "فريدة" بتقزز. ما أن وجدته يعنفها بنبره أقوى وهو يسألها: "كنتي فين يا بت؟" تعمدت أن تظهر قوتها بردها بينما كانت "نيروز" ترتجف بأوصالها وتحاول التملص ولكنه يحكم مسكها ببراعة. ابتلعت ريقها ما أن وجدت "فريدة" ترد عليه بنبره تعتقد بأنها تثير استفزازه بها: "وإنت يهمك أوي كنت فين.. انت فاكر نفسك مين عشان تيجي زي الحراميه وتمسكها بالمنظر ده.. خايف من مين ياراجل!" "راجل" كلمة تعمدت أن تتقطع بها وبهتفها بكل بطء لترسل له رسالة مبطنة يعلمها الكل بالطبع. إنفعل بمسكته حتى تأوهت "نيروز" في حين ردد هو بنبره حاده عليها ليجيب على كيدها له التي تحاول ظهوره: "أقسم بدين الله لو جاتلي الفرصة أمسكك تحت إيدي ما هرحمك.. أمك فين يا بت.. إنطقي!" حاولت "نيروز" دفعه عنها. ولكن كانت نظرات "فريدة" ناحية يديه المرتجفة التي لاحظتها فابتسمت بسخرية ثم أشارت له بعينيها ناحية "نيروز" متعمده الصراخ بآخر حديثها لتخرج إرتباكه بسبب خوفه من علم غيرهما بمجيئه: "سيبها بدل ما يحصل اللي يزعلك.. سيــــبــــها حـــــالا بقـــولك!!!!" صرخت بعزم ما لديها من قوة قاصدة بكل ذكاء كي يسمعها من بالشقق المجاورة. ابتلعت "نيروز" ريقها بوجع أسفل يديه. أما هو فعدم تركيزه جعله مشتتًا بعدم التفكير من كونها لم تفعل ولم تصرخ كذلك. انتفضت "نيروز" من صراخها المفاجئ. وقبل أن يتوجه لها خرجت ليخرسها بالفعل. فلتت منها ضحكة خافتة تثير إنفعاله بها ثم صرخت مجددًا صراخ لا يتوافق مع جرأة ما تفعله وهى تردد بنبره أكثر ارتفاعًا وكأنها تختل عقليًا للتو: "ســــــيــــب نيـــــروز يـــا حــــســن!!!!" تعمدت بأن تردفها بهلع. رغم خوفها على "نيروز" أسفل يديه إلا أنها تثير إرباكه وتوتره. سحب "نيروز" من شعرها أسفل الحجاب. ثم توجه يدفع "فريدة" بذراعه بإنفعال إلى أن سقطت أرضًا وهي تتأوى بألم. دفعته "نيروز" عنها ثم توجهت تنحني بلهفة لتطمئن عليها. في حين التفت سريعًا ما أن سمع صوت فتح الأبواب من الخارج. انتشل المفتاح من على المسمار المعلق ثم أدخله في الباب كي يغلقه بقفله. هنا وسقط قلب "نيروز" التي أسندت "فريدة". نهضت "فريدة" تنظر له بجرأة معهودة منها ثم إحتدت عينيها وهي تستفزه بقولها: "قفلته ليه يا جبان.. قفلته ليـــه ياللي عاملي فيها راجل!!" رفع "حسن" ذراعه يضربها على وجهها بقوة حتى انزلق حجاب رأسها بسبب خصلاتها الناعمة. أمسك خصلاتها بين يديه غير عابئ بدقات الباب العالية عليه. ثم هتف بفحيح بجانب أذنها يعنفها بشرر بعد سبها لها بأبشع الألفاظ: "إخرسي خالص.. ولا كلمة بدل ما أدفنك هنا.. أدخلي هاتي فلوس من معاكم بدل ما أقلبهالكم دم!!!" وصل إلى أوج الاحتياج حتى أنه لا يعي ماذا يفعل. ومن يهددها أكثر من وصف بالعناد مقابله وأمامه. حركت "فريدة" رأسها برفض وعينيها الحادة لا تفارق عينيه التي تمتلئ بالشرر. ركضت "نيروز" تفتح الباب بسرعة ولكنه أغلقه. وصل شهقاتها وبكاؤها الخافت التي لم تشعر هي به. لمن بالخارج وصل لأذنه وهو يقف. وأما عنه فوقف "غسان" مع "حامد" و"بسام" و"شادي" والنساء بالخلف. لا يعلم أي منهم بأن "نيروز" بالداخل فـ هو يعتقد بأنها بالداخل مع "شقيقتها" لدى "عايدة". و"عايدة" تعتقد بأنها رحلت لشقة "حامد". ما أن سمع صوت "فريدة" تحذر "نيروز" بالإقتراب مع محاولات فتح الباب وصوت شهقاتها وبكاؤها توقف عن رفع يديه ليدق الباب. بل نظر سريعًا حوله بصدمة ثم قال وكأنه يستوعب الوضع: "نيروز جوه!!" علم الجميع. وأما عنه فالخوف قد دب به كونه علم بأنها في الداخل ويسمع صراخه وتهديداته. دفع "شادي" و"بسام" عن الباب وهم يدقان عليه ثم انحنى يهتف باسمها عاليًا إلى أن اقتربت فدفعها هو من الداخل حتى سقطت أرضًا وهي تتأوى بصوت مؤلم. انتفض "غسان" حتى اعتدل يشير لـ "عايدة" بلهفه أمام النظرات ثم قال سريعًا يسألها: "فين البلكونه اللي عندك اللي جنب بلكونتهم؟!" دخلت "عايدة" إلى الداخل سريعًا تزامنا مع ردها: "فـ الأوضه الكبيره دي!!!" ركض "غسان" و"بسام" من خلفه بعدما أشار لوالده بأن يستمر بالدق على الباب مع "شادي". فتح الغرفة حتى أن بابها قد اصطدم بالحائط من خلفه بصوت. في حين يسمع الصراخ من الناحية الأخرى. وبعدما جذب "حسن" السكين من المطبخ كما اعتاد على فعلها ثم دفع "نيروز" يسندها بحقد بعدما سمع ما قالته "فريدة" من زواج الأخرى من خصمه بالفعل! كي تثير انفعاله بحقدها عليه هي الأخرى. وضع السكين أسفل عنقها بتهديد وهو يسألها بمرض هستيري: "اتزوجك؟.. ردي عليا اتجوزك زي ما بتقول؟" تتعمد الجرأة هي الأخرى رغم خوفها منه التي عاشت يرافقها ذلك الشعور. لم تهاب السكين تحاول رفع سوار يديها عليه ولكنه يحكم مسك يديها بذراعه الآخر. هزت رأسها بنعم رغم الخوف. فصرخ هو بها مجددًا: "لـــيــه؟ فيـــه إيـــه أحســن مني ده؟ أنــا اللي كان من حقي إنك تكوني ليــا... بعد ما سيبتك لمزاجك.. كنت عارف إنك بتاعتي حتى بعد ما كتبتوا كتابكم.. مبيحبكيش.. ده مبيحبكيش.. أنا بس اللي بحبك!!!!!" حاولت "نيروز" التملص في حين وقفت "فريدة" بخوف على ما تراه يفعله ومسكه للسكين. دفعته عنها ولكنه أحكم مسكها حينما قالت هي بصراخ لتبعده عنها: "إبــعد عني يا حيوان.. إبــــعد!!!" "ما أنا بعدت.. بعدت وبيعت نفسي وسيبتك إنتي.. كل حاجه ببقى عاوزها مبتجيش.. بس إنتي الحاجه اللي سيبتها على راحتها وكنت عاوزها لأول مره بالهداوة.. كنت بحبك عشان كده مردتش أقربلك بالإجبار مع إني كان بإيدي ده. فـ انتي عملتي إيه؟" يسألها ومشاعره الميتة بالفعل تأخذ دورها بسبب ما يتجرعه من هلاك يجعل الأمر مهول لدرجة كبيرة. يسألها بهيستيرية مع تنشج وجهه. صرخ مجددًا يسألها بل وينتظر الإجابة بالفعل: "عمــــلتي إيـــه إنتي ردي؟" سكن وصمت عن هزها ثم ردد سريعًا بنبره أهدأ يعلن عن خيبته بعدم الفوز بها وكأنها مسابقة يحق له الفوز بها أمام العدو اللدود: "أقولك عملتي ايه؟!" اختارتيـه عني..لحد ما حبيتيه وأنا اللي كنت قدامك بحاول أكسبك. إختارتيه لحد ما كتبتي كتابك..وبعدها إتجوزك وخليتيه يقربلك وأنا اللي كان من حقي كل اللي راح ده! خرجت التي إستندت على قدر الإمكان بإعياءها ثم وقفت تنظر بخوف إلى أن أسندتها "فريدة" وهي تسمعها تحثه بخوف: _ سيبها يا حسن.. سيبها وأنا هعملك كل اللي إنت عايزه.. بس سيبها.. اسمع كلام أمك المرادي بس! شدد "حسن" مسكة السكين الحاد ثم حرك أنظاره عليها بسخرية لاذعة. سقط حجاب "نيروز" أرضا، حتى أن ملابسها التي من المفترض أن ترتديها يوم فرحتها تمزقت من كتفيها وجوانبها. تبكي بحسرة وهي تسمع صوت التمزيق الذي أتى من حركتها ومسكته. تراخت يداه فأحكم شدتها سريعا. وبلحظة اللا وعي هبطت عينيه نحو عينيها وملامح وجهها حتى هبط برأسه وكأنه مخدر بهذه اللحظة تحت تأثيرها. فحركت رأسها سريعا ما أن تنبأت بما يود فعله. ضحك بتهكم وهو يعدلها ثم أمسكها من خصلاتها من الخلف وهو يرجع رأسها فتأوهت "نيروز" بعد قولها الصارخ له بإشمئزاز: _ إبعد عني يا قــذر.. إبـــعد عني.. ســيبني! وتحت هبوط دمعة "فريدة" خوفا من تهوره اتجهت لتدفعه فرفع ساقه سريعا يهوش بها فتعمدت التقرب أكثر إلى أن ضربها بساقه السليم فترنحت إلى الخلف حتى شهقت "زينات" بلهفة خائفة وهي تنحني رغم تعبها لتتفحصها. سمع صوت فتح الشرفة بالقوة حيث كانت مغلقة، شرفة بحجرة "والده". إلى أن سمع صوت شئ ما يقع ويتهشم أرضا. فتح "غسان" الشرفة أخيرا وتبعه شقيقه إلى أن توجه بركضه سريعا ليفتح باب الغرفة حتى ظهر أمامهم جميعا بذلك الوضع. وقف بصدمة ما أن رأى السكين على عنقها وأول من يلاحظ بأنها خدشت بعنقها فتلطخت ياقة عباءتها بدماء حمراء خافته. اقترب بسيره الهادئ يحاول السيطرة على ما يراه من شعور بالصدمة والخوف. وقبل أن يقترب منه أكثر رجع "حسن" بها إلى الخلف ثم قال لها بتهديد: _ لو قربت أكتر هسحبها على رقبتها وأموتهالك وأقهرك عليها! صمت "حسن" يلاحظ ملامحه الثابتة الذي يخفي بها توتره. بينما لاحظ ملامح وجه "بسام" هو الآخر. واصل يكمل سريعا بقوله: _ ولا عاوز يوم صباحيتك بردو يا عريس يبقي أول يوم عزا لعروستك. هو مش النهارده صباحيتك بردو علي حسب ما عرفت منها! أشار بٱخر حديثه على "فريدة" التي جلست أرضا. تحركت نظرات "غسان" إليها وهو يسبها سرا على ما قالته له بوقت كهذا. أخرج "غسان" أنفاسه وهو يحاول بكل الطرق أن يطمئن "نيروز" بنظراته لها ثم توجه ينظر بعينيه نحوه هو حتى قال بتهديد مخفي هو الآخر: _ سيبها يا روح أمك بالذوق عشان لو مسيبتهاش مش هتلاقي غير زعلك مني فالٱخر.. دا لو طلعت منها سليم. أكمل "غسان" سريعا بصوت مرتفع ليكثر من إرتباكه ولا يود الاقتراب خوفا عليها وتحسبا لتهوره: _ ســيـبـها! _ أقسم بالله لو ما سيبتها ما هرحمك أنا يا حسن. سيب مراته وتعالالي! كان الٱخير قول "بسام" المنفعل ليوتره أكثر بل ويهدده وهو يعلم بأن شقيقه لم يترك له الفرصة بأن ينقض عليه. لا يعلم هو بأنه هو من سينقض على شقيقه وتوأمه بعد دقائق معدوده من تهور الأول على ذلك الحقير. تتوتر ملامح "حسن" كونه يعلم تهديده جيدا بل وهو الذي جاء قاصدا اخفاء خبر قدومه بسببه فقامت بفضحه شقيقته. إبتلع ريقه وهو ينفى برأسه بطريقة خافتة بل ويرجع إلى الخلف بتوتر ما أن وجده يقترب منه أكثر. أشار لـ "بسام" بعينيه ليسير حتى يحاول هو تشتيته بكلمات لأول مره يعلمها حينما قال تزامنا مع تحرك "بسام" شقيقه: _ طبعا إنت جاي وإنت على الله كده.. يعني متعرفش إن ابوك الخروف مثلا اتسجن؟ ولا صاحبك شريف بردو اتسجن؟ شريف اللي كان واخدك كوبري عشان يقرب من أختك اللي جيت تعمل نفسك راجل عليا عشان قال إيه.. أنا اللي خاطفها.. وطلع فالٱخر اللي إنت واكل معاه عيش وملح هو ال خاطفها والباقي بقا إنت هتعرفه.. أصل يعني من غير لمؤاخذه اللي هياخد بت عنده فشقته ويستغفل صاحبه هيعمل فيها إيه؟ الحديث ليس هين عليها.. علي "فريدة" التي إبتلعت ريقها بخذلان. ولكن الفكره الاولي والأخيره تبريرا لذلك لديها بأنها الحقيقه ولا بد له من قول ذلك لـ شقيقها كونها تعلم ما يفعله بكل خبث. سمعته يردد مره ثانيه بكيد يوضح له أكثر: _ يعني أبوك أتسجن وصاحبك.. وإتغفلت زي الخروف برده وآدم....!! توقف "غسان" عن الحديث ليهيج الارتباك به أكثر والفضول حتى أكمل سريعا ما أن رأي تركيزه وتراخي قليل من يديه بسبب ذهوله من ما يسمعه: _ ٱدم يا أبو على قرر ينضف ويروح مصحة يتعالج من القرف اللي إنتوا بتعملوه. متأكد مليون فالميه إنه قلبه مجابوش عشانك إنت وكان هيفضل يقعد معاك على القرف اللي إنتوا بتاخدوه. عارف عشان ايه؟ عشان ٱدم عمره ما كان شبهك بس إنت اللي *** وبتجر اللي زيك واللي مش زيك للطريق الـ *** ده. بس بص كده فالٱخر.. راح وقرب يبقي تمام لكن إنت بقا ٱخرك إيه؟ بجسمك اللي بيترعش وحتى إيدك اللي أنا لو قربت منك هجيبك على الٱرض ومش هتاخد فإيدي غلوه.. فـ.. وقبل أن أن يشتته أكثر بالحديث ورغم دقات الباب العاليه التي لم تتوقف فعلها "بسام" ودفعه عكس اتجاه "نيروز" وعكس اتجاه توجيه السكين لها. ترنح إلى الخلف في حين سحب "بسام" ذراع "نيروز" كي لا يتوجه لها مجددا حتى اندفعت خلفه وهو يقف يري "غسان" يمسكه من تلابيبه مندفعا بكل سرعه وهو يهزه بانفعال تزامنا مع سقوط السكين أرضا منه: _ إنت مبــتزهـــقش يا حيلة أمك؟ إنت ناقص ياض؟ أنـــا مش حذرتك وعلمت عليك وقولتلك اللي يقرب من حاجه تخص غسان بيحصل فيه إيه؟ إستندت "فريدة" لتقف ثم مدت يديها مع مسك "غسان" له وضربه بوجهه. بحثت عن المفتاح بعينيها حتى نظرت نحو إصابع "حسن" الذي تمسك بالمفتاح بها. نهضت تشير له بقولها المرتفع: _ هات المفتاح.. هاته منه! قالتها بلهفه سريعا لـ "غسان" الذي أمسكه بشرر. نظر "غسان" نحوها بانفعال حتى أمسك كف الٱخر بتقزز وهو يخرج من بين إصبعه المفتاح لها بقوه خدشت من أصابعه وكفه. وقبل هذه اللحظه كسرت شراعة الباب الحديديه بواسطة "شادي" الذي جذب حديده صغيره حاده من شقة "حامد". مد يده ليفتحه فوجده مغلقا من الداخل. دفعه "عز" عن الباب الخارج. "عز" الذي أتى قبل دقائق بغير فهم للذي يحدث ومع تجمع بعض من السكان فالخارج. أشارت لهم "فريدة" بلهفه حتى وضعت المفتاح بالباب لتفتحه. في حين سقط "حسن" من كثرة ضرب الٱخر له باللكمات من وجهه. فجثى فوقه "غسان" و "بسام" يحاول الفصال بينهما بالصراخ عاليا يوجه شقيقه: _ قوم.. سيبه يا غبي كفايه... كفاية.هيموت مفيهوش نفس! لم يعي "غسان" حتى أنه وسط أرتجافه وجلوس "نيروز" أرضا بإنهيار غير واعيه لكل ذلك. مد يده ينتشل السكين حتى رفعه لٱخر ظهر وكاد أن يطعنه بموضع قلبه بالفعل. ولكن إذ بساق "بسام" كانت بالمرصاد وهو يضرب "غسان" بقوه بها بجانبه حتى وقع "غسان" أرضا بالناحية الٱخرى على جانبه. فعل ذلك ليخرجه عن حالة اللاوعي التي كان بها. ولم يتوقف عن ذلك بل إنحنى "بسام" بعصبية بالغه من صدمته من ما كان ينوى الٱخر فعله بكل بساطة. انحنى يمسك "غسان" من تلابيبه كي يفوق من ما هو به حتى ردد له بتعنيف وهو يضربه بوجهه: _ عايز تموته يا غبي.. عايز تودي نفسك فـ ستين داهيه يا متخلف.. هتبطل شغل الجنان ده إمته! توقف عن ضربه حتى أن "غسان" خرج عم حالته بتأوي من ضرب الٱخر له الذي ما زال وهو يعنفه أكثر بعدما جثى فوقه: _ ما ترد يا غبي.. رد! عايز تتسجن وتضيع نفسك وحياتك!!!!!!" وفي هذه اللحظة التي كان يترقب لها "زينات"، فتح الباب سريعًا. أخيرًا، توجه "عز" و"شادي" يفصلان "بسام" عن "غسان" الذي كان بحالة اللا وعي مرة أخرى بصدمته من ما يفعله به شقيقه. و"بسام" الذي ما أن يخرج انفعاله لا يهدأ بسهولة. أبعدوا الاثنان عن بعضهما ووقف "حامد" بينهما. فأخذ "عز" "بسام" سريعًا بشقته. دفعهم "غسان" عنه ثم توجه لها هي التي ترتجف ويقف من حولها "جميلة" و"عايدة"، والكل في الخارج ينظر بترقب. توجه "شادي" يحدجهما بحدة ليخرج كل منهم لمنزله كي لا يتجمعوا كذلك. في حين، ربت "غسان" عليها وعلى كتفها بلهفة وهو يردد باختناق، وخوفه الشديد يظهر بعدما انتبه لها كذلك: "نيروز.. أنا جنبك.. أنا هنا معاكي متخافيش!!" نفت برأسها ودموعها تهبط دون صوت. حالة جديدة عليها لا تعلمها ولكنها تعلم ما يجري حولها وتتحدث. أرتمت بأحضانه وهي ترتعش بخوف. فأشار لهم بحزم كي يبتعدوا عنه. حتى رمى نظرة حادة ناحية "حسن" الذي كان يتسطح على الأرض. اعتدل "غسان" وهو يدخل ذراعيه أسفل ساقيها ليحملها بعدما رأى أن احتمالية إسنادها ضعيفة برعشتها كذلك. حزمه بنظراته جعل من ينوي الرحيل خلفه مترددًا. أوقفهم "حامد" خاصة "جميلة" و"فريدة" و"وسام" حينما حملها "غسان" بعيدًا عنهم. وهذه المرة توجه يقف أمام المصعد الٱخر الذي لم يكن مشغول. حتى فتح له و دخل به كي يصعد لطابق شقتهما مادام مفتاحه بجيب بنطاله حيث كان ينتظر عودتها ولم تعود. بل ذهب هو وياليته ما ذهب لتلك المعركة!! مدت "زينات" يديها تتحسس تنفس ونبض "حسن" كما توجهت "جميلة" من قبلها تفعل ذلك رغما عنها بخوفها اللا إرادي التي كانت تقتنع بأنه ليس موجود لديها بالفعل. خرج "حامد" كي يبعد نفسه عن عيظه من "حسن"، ومن منظره. حتى توجهت "دلال" و"وسام" الباكيتين. وبقت "جميلة" التي خافت رغما عنها أن يلفظ شقيقها أنفاسه الٱخيره رغما عنه. أشارت لـ "فريدة" أن تساعدها ولكنها نفت برأسها وهي تقف بعيدًا مع هبوط دموعها بحسرة من كل ما حدث. تتوقع اجابتها القاسية. لذا نهضت "زينات" تساعدها رغم ضعفها الجسدي بتعبها. وقفت "فريدة" من على بعد تتابع لين قلب لم يكن لديها حتى بأصعب الأوقات وهذا ما أثار صدمتها الحالية بوضعها كذلك!!!!! صدق مشهده وهو يفعل بشقيقه المرة السابقة كذلك بحالته العصبية. من كثرة خوفه على شقيقه ضربه ليجعله ينتبه لما كان سيقترفه. صدره يعلو ويهبط بانفعال. إلى أن وقفت بجانبه "دلال" أخيرًا وهي تربت عليه بأن يهدأ. فمنذ أن دخل وهو يردد بكلمات وحديث يسب به شقيقه وعلى ما كان سيفعله بلحظة غضب. شدد "عز" من مسكته بكتفه رغم غرابة ما يراه من مشهد. فـ "بسام" الطبيب ينفعل! بل ويفوز بالضرب على شقيقه الذي كان يعتقده "عز" أشد منه. في الحقيقة الٱخر لين عنه بقلبه وحتى بطباعه المخفية الغير مرئية. جذب "شادي" معقدين حتى جلس "حامد" وهو ينظر إلى ولده التي كانت ملامحه متهجمة. ثم سمع هو قول "عز" ليطمئنه: "حصل خير يا بسام.. كل حاجة راحت فثانية ٱهو.. وغسان معملش حاجة دا حبة ضرب يعني.. اللي لو أنا كنت مكانه كنت ضربته اكتر من كده.. كويس إن لسه فيه النفس.. هدي نفسك إنت بقا!!!" "مكنش ليه لزوم تمد إيدك علي أخوك كده يا بسام!!!" قالتها "دلال" بخيبة وهي تلومه على ما فعله. في حين حدجها "حامد" بغيظ. فنظر "شادي" نظرة بمعني أن تصمت ولكن خرج صوت "حامد" الساخر منها وهو يرد على حديثها بـ: "أه.. يبقى يضربه وهو متكلبش في السجن بقا.. وهو واخد إعدام فقتل واحد!!!" نظرت له بقلة حيلة باكية بدموع عينيها السائلة. يأخذ موقف هو الٱخر. ولكن خرج صوت من دافع عنه سريعًا ولم يكن سوى "شادي" حينما قال هو الٱخر: "أنا مش معاه فاللي كان هيعمله.. بس خدو بالكم يعني إنه معملش كده وهو فـ وعيه.. متجوش عليه وهو جايب أخره من اللي إسمه حسن ده.. وخلاص فضوا الموضوع بقا مادام محصلش حاجة.. متكبروش الحوار وهو خلصان!!!" "مخلصش!!" كلمة واحدة نبس بها "بسام" أمام نظراتهم جميعًا. نظروا له بغرابة وقلة حيلة بنظرات البعض. فردد "بسام" مجددًا بنفس النبرة الحادة: "غسان مش هيسكت..!!!" لم يترك لهم فرصة للحديث ٱكثر بل تركهم وخرج من الشقة بأكملها حتى صفع الباب خلفه تاركًا المبنى بأكمله ليخرج عن الجو المشحون. بل وتركهم بعد قوله ذلك الذي يزيد حتمًا من خوف "دلال" و"وسام" الساكنة. اعتدل "شادي" ثم تحرك سريعًا ما أن سمع بكاء "يامن" من على بعد بغرفة "بسام". واعتدل "عز" بحرج وهو يتنحنح ثم وجه نظراته الحرجة ناحية "حامد" الذي ظهر على ملامح وجه التيهة بقلة الحيلة والعجز لكل ما يحدث لهم: "أنا هستأذن أنا يا أبو غسان!!" لم يقوي على العناد أمامه. بل ٱتى "حامد" بٱخره من كثرة الأحداث عليه. لذا فاق من شروده على غلق باب الشقة خلف "عز" وعلى إندفاع "وسام" بأحضانه بتلقائية معهودة منها ما أن شعرت بمدى الثقل الذي يشعر به والدها. وفي هذه اللحظة أكثر من كان يحتاج الاحتواء كان هو وهو يتنفس بعمق بل وهي التي تضمه وهي تردد على مسامعه بقولها المختنق: "متزعلش نفسك يا بابا.. أكيد كل حاجة هتتصلح!!" إحتضنته هو كونها تعلم طيبة قلبه وخوفه علي الكل. وليس بطبيعة الٱم التي تفضل أولادها وفقط رغم حزنها وقهرها أيضًا. وكي لا تشعر والدتها بالحزن رددت عليها هي الٱخرى نفس الكلمات وهي تضمها!!!!! أسندها "غسان" قبل دقائق على المقعد الطويل ما أن دخل شقته وأغلق الباب خلفه بساقه. شعوره بالخوف عليها ٱصعب شعور يمكن أن يمر عليه. أخذ أنفاسه تدريجيًا عندما وجدها تشهق وهي تحرك نظراتها بعينيها الباكيتين خلفها. ضمها إلى صدره بقوة وهو يمرر يديه نحو خصلات شعرها وظهرها ثم قال يحفزها بالأمان: "متخافيش يا نيروز.. أنا هنا.. أنا جنبك!!" الكلمة التي تخرج منه لها تعلم هي معناها جيدًا. تحركت تدريجيًا تنظر نحو عينيه اللامعة. هبطت دموعها أكثر وهي تضع يديها على جرح رقبتها محاوله إبتلاع ريبها وحتى ملابسها الممزقة. بهذه اللحظة تصعب عليها نفسها وحالها. هذه الملابس التي من المفترض أن ترتديها بوقت فرحها وأمانها معه. كيف مر الوضع!! تخذل من كل النواحي. إبتلع ريقه بتفهم لهذه النظرات حتى أنه اعتدل يجلس بلهفة وهو يمسك كفها باحتواء: "أنا معاكي يا نيروز حتى لو إيه حصل.. والله العظيم ما هسيبه.. مش هسيب اللي حسسك بالإحساس ده.. بس متبصيش ولا تعيطي كده علشان خاطري.. هجبلك غيرها.. بس أهم حاجه إنت!!!" يحفزها وكٱنها صغيرة فقدت لعبتها التي كانت سعيدة من أجلها بشدة!! يعلم بأنها لا تقهر على ملابسها بل على الوضع والشعور والكسرة والمهانة!! وشعورها صعب بهذا الوضع. في البداية كسرة فرحتها والٱن وضعها مع عودة ذلك الحقير. وحتى حالها بملابسها ينقلب رأسا على عقب في الوقت الذي كان به الهدوء والسكينة عكس ذلك. شهقت بخفوت وهي تترك يديه ثم رفعتها تمسح وجهها بكسرة وهي تردد بوجع: "أنا تعبت.. إشمعنا أنا.. أنا من حقي أفرح وأرتاح.. لكن كده كتير أوي.. كتير عليا أوي يا غسان.. أنا.. أنا مبقتش قادره!!!!!" تنهد بوجع يأخذه من نبرتها فقط من مجرد نظرة عينيها وعجزها وكسرة فرحتها يقسم هو بذلك. حالها صعب بنفسيتها هذه. إبتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقه حتى هزها بلهفة وهو ينبها لما تفعله من إعتراض ثم قال بنيرة متلهفة: "متقوليش كده يا نيروز.. أوعدك إن لسه قدامنا الوقت اللي تفرحي فيه.. بس متعمليش كده.. متعترضيش.. كل اللي بيحصلنا ده معناه إن ربنا بيحبنا أوي صدقيني والله!!!" ينبهها بالطريقه الحانية ويقسم بكل يقين. حركت رأسها بتعب. فـ نهض "غسان" بلهفة وهو يمسك كفها ثم سحبها لتقف بعدما استجمعت قوتها قليلا. أمسك كفها سندها ثم لف ذراعه الٱخر حول خصرها متوجهًا بها ناحية الغرفة إلى أن دخلتها بالفعل معه. إبتسم لها بحنو وهو يسندها إلى أن دخل بها مرحاض الغرفه. فتح صنبور المياه. يأخذ بكفه منه وهو يمسح وجهها ثم مد يده يرفع ذقنها ليظهر عنقها بجرحه الخافت. مسحه رغم ألمها وهي تتأوى. نظر ناحية ملابسها الممزقة من جوانب مختلفة صغيرة وحتى صعودها من غير حجاب. أسندها إلى أن رآها تقف تمد يديها لتغرق نفسها بالمياه على رأسها وما أن رٱها إنسجمت. خرج سريعاً من المرحاض متوجهاً ناحية خزانة الملابس الخاصة بها. جهله بما ترتديه هي لم يساعده على جلب ملابس لها أكثر من عدة طوابق، بل جلب سريعاً من الخزانة الفوقية "السويت شيرت" الكبير بطوله الخاص به هو. أخذه سريعاً وهو يتوجه به لها مرة أخرى، ودخل عليها فوجدها تستند على حافة "البانيو". انحنى يمسح وجهها ثم قال يحثها: "غيري لبسك لـ ده على ما تفوقي. إتعدلي براحه.. براحتك!!" قالها بآخرة وهو يشير لها كي تعتدل، حينما أمسك ذراعها لتقف كي تخلع عباءتها. خلعها عنها بخفة ثم ألقاها ناحية صندوق الغسيل الموجود، فظهرت هي بملابسها البيتية. ابتلعت ريقها بتعب ونظراتها تتحرك بعشوائية إلى أن فتحت عينيها على وسعها عندما اعتدل هو يمسك ذراعيها ليخلع ملابسها هي الأخرى. تحركت بخفوت ثم قالت بحرج وهي تأخذ منه ملابسه: "هغير أنا. أنا هقدر. متتعبش نفسك!!" لم يتعمد إحراجها بهذا الوقت، لذا تصنع فهم ما تظهره من عدم حرج. ولكنها كانت حرجة حتى ولو كان زوجها. نهض ببطء، يطالعها باهتمام، حتى سار غالقا الباب من خلفه. ثم خلع عنه سترته هو الآخر سريعاً، إلى أن بقى عاري الجزعين والصدر وهو يقف أمام المرآة. ثم التفت ينظر إلى جانبه الذي لم يظهر عليه أي آثار ضرب، ولكن ضربة ساق شقيقة "بسام" كانت قوية عليه. تنهد يخرج أنفاسه ثم توجه وهو يتذكر ما أعطاه شقيقه له من دواء يجب وضعه بأي منزل. فتح الدرج ثم أخذ منه الدهان يدهن بأصابعه وهو يقف أمام المرآة. تركها على "التسريحة" ثم سار باتجاهه للخارج بعدما سمع صوت حركتها بالداخل وإلقاءها لملابسها من على بعد بصندوق الملابس. فتحت "نيروز" الباب ثم خرجت منه. ما ترتديه كونه قصير قليلاً، ولكنها لم تقصد الاهتمام والخجل كونها متعبة. وجدت دموعها تهبط بحسرة وهي تتذكر الوضع. أمسكت رأسها بتعب وهي تجلس على الفراش حتى أن خصلاتها تسقط المياه على الفراش دون وعي منها. لم تقوى حتى على تمشيط خصلاتها. تنهك تستنفذ طاقتها وللمرة التي لا تعرف عددها تظلمه ويبقى معها للنهاية!! وما أن شردت بآخر ما فعلته معه هي الآخر وجدت صوت خطواته. مسحت دموعها سريعاً وهي تقوم بـ مط ما ترتديه على ساقيها أكثر. قام بتشغيل المكيف بيديه الخالية من حمل الكوب، ثم ترك المحرك وهو يتوجه ليجلس بجانبها. قدم لها الكوب بحنو. رفعت أنظارها ناحيته فوجدت سخونة جسده العلوي المكشوف تستشعرها هي. حركت نظراتها نحو يديه ثم قالت بتعب مع نبرتها المختنقة: "مش هقدر أشرب..." قاطع جملتها عندما أمسك رأسها بين يديه ثم أشار لها بحزم أن تفتح فمها ففتحته حتى تجرعت ما يوجد بالكوب. كان مشروب من الليمون الدافئ فقط، بسبب تغير صوتها من الزكام الذي ظهر وعلم أنه لديها. انتهت من تجرعه، فوضع هو الكوب على الطاولة الصغيرة من أمامه. ثم حرك "غسان" عينيه ناحيتها مجدداً، مع رفع كفه ليرجع خصلاتها إلى الخلف برفق، وهو يردد لها بابتسامة حانية ماسحاً آثار دموعها بيديه الأخرى: "قولتلك دموعك دي غالية يا بنت الأكرمي!!!" يحاول تشتيتها باللين كي لا تفكر بشيء. نظرت له "نيروز" بلين وهي تتنفس بعمق، ولم تجيبه، ولكنها تشعر بالذنب ناحيته. وجدت عينيه تتحرك على ما ترتديه ثم قال لها بنبرة هادئة لا تتوافق مع طبيعة حديثه: "لبسي عليكي يجنن العاقل!!!" خرجت ابتسامتها الهادئة. وهذه المرة اعتدلت على الفراش ثم اعتدل هو، فأسندت رأسها ناحية صدره بخصلاتها المبللة. كان سينهض لارتداء تيشرته ولكنه بقى واعتدل وجذب الغطاء عليهما وعلى ساقيها المكشوفتين. لفح أنفاسها صدره، فهتف هو وهو يربت عليها بلين: "ارتاحي ومتفكريش فحاجة...و ارمي كله ورا ضهرك... أنا متأكد إن مامتك هتكون كويسة وهتفرحي وتتبسطي. هحاول أعملك كل اللي أقدر عليه بس متحسسيش نفسك إنك قليلة حتى فالفرحة. متوجعيش فنفسك عشان أنا اللي بتوجع عشانك يا نيروز!!" تنفست "نيروز" بعمق، وهي تكتم الدموع من جديد حتى رددت تجيبه باختناق: "انت كل مرة بتثبتلي من غير قصد وبقصد إني وحشة أوي معاك يا غسان. بس صدقني المرادي مكنتش أقصد اللي أنا قولته. متزعلش مني!!!" لم تأخذ منه رداً سوى أنه ربت على ظهرها وكتفيها. ولفحت أنفاسه قمة رأسها بخصلات شعرها. بالأساس يضغط على فكه من ما حدث قبل وقت. بداية من "حسن" ونهاية لتركه دون تصفية حسابه. يشعر بالخوف عليها. بل والشفقة لما يمر عليها من أحداث صعبة متتالية ليست هينة عليها. أنفاسها بجانب أنفاسه وهذا يكفي لمرور الأمر. ولكن كيف سيمر الأمر ومازال الآخر موجود بالفعل!! شعر بانتظام أنفاسها فحرك رأسها ينظر ناحيتها حتى وجدها ذهبت في سبات تتهرب به من الواقع. تحرك ببطء حتى أسند رأسها على الوسادة. ثم نهض من الناحية الأخرى يلتفت كي يزيح خصلاتها بعيداً عن عينيها ووجهها. جذب الغطاء أكثر يدثرها به. ثم نهض بسرعة حينما تذكر ما كان ينوي فعله. انتشل المرطب ثم فتحه يأخذ منه على أصابعه. حتى توجه ينحني يرفع ذقنها ليمرر إصبعه على جرح رقبتها. ثم عدل رأسها من جديد. وضعه بمكانه مرة أخرى وهو يمسح يديه بالمنشفة الورقية. حتى عاد ينظر على وضعها وهي نائمة. لا تشعر بمن حولها والغريب بأنها ذهبت في سبات عميق من عزم ضغطها النفسي. ابتلع ريقه وهو يتنهد ليأخذ أنفاسه ثم انحنى يقبل قمة رأسها برفق. حتى مسد على رأسها. اعتدل "غسان" يجلب تيشيرت له كي يرتديه ثم ليتوضأ ليؤدي ركعتان لله حتى ينعم بالراحة. وأي راحة وهي وضعها كذلك!! بالأساس يحزن لما تشعره وليس مجرد حزن بل حزنه مثل شعور كما تشعر هي الآخر. هو رجل ويشعر أيضاً بمدي ثقل هذه الأيام. ماذا عنها هي!. عندما يشعر بأن فرد من عائلته به مجرد خدش يخاف. ويهاب بأن يمسهم سوء. وحب الأم مختلف عن أي فرد وأي شخص. ماذا عن والدتها!! ماذا عن شعورها وهو اليوم الثاني من الزفاف؟ ماذا عن نفسيتها وضغطها هي الأخرى مهما فعلت ومهما قالت تبقى هي الشخصية الذي يشفق عليها وعلى حالها بعيداً عن كونها حبيبة أيامه وزوجته بعد الآن!. هي وبالنسبة له الكل. وأما عنها فـ في هذه اللحظة تنتظم أنفاسها وتذهب لعالم آخر كونه بجانبها. كونها مطمئنة لأجله ومعه هو. كون قلبه جوار قلبها وأنفاسه الساخنة كانت تلفح فروة رأسها التي تؤلمها. يوم مشحون بالأحداث والضغوط عليها ومهما كان تستمر بالصمود حتى وإن لم تقدر علي ذلك. تستمر كونها في كل مرة تخوض بها احداث عصيبة مثلما تخوض معركة و يكون "هو" قائد معركتها" هي.. "قائد معركة نيروز" "عاهدتك على أن لا تتركني وتترك قلبي وحيداً وترحل..ورغم ذلك كنت أنا السبب القوي ليجعلك تفارقني..وأما عن قلبي.. فـ يقسم لك بأن لولا وجودك بجانبه لاختلفت الأوضاع وإنهارت الأحداث وفارقني الكل وبت أنا لأصبح وحيدة بوحدة قاسية من دونك!!! عهد ووعد مرة أخرى على أن لا تفارق حتى بشعورك!" "نيروز" كما تسمى بنيروز الحب. الوردة. البهجة. وحتى السعادة البالغة التي لم تراها لوقت يكفيها!! كل ذلك يتبخر عنها ويبتعد. كونها مسطحة على الفراش منذ أمس. يلاحظ انتفاضها بجسدها بحسرة توجعه. لطالما تنام على بكاء وألم قلب. نهض "غسان" بالأساس قبلها. منذ أمس ولم يهبط بل بقى بجوارها حتى استغرق في نومه هو الآخر بجانبها آخذاً إياها بأحضانه يضمها باحتواء. كلما تنتفض هي رغماً عنها دون شعورها بذلك. اما الآن فهو يفتح ستار ما أمام الشرفة كي يضئ المكان عندما لاحظها وهي تتحرك بخفوت. طالع صينية الإفطار البسيط الذي أعده دون بذل جهد مع مشروب ساخن لديها وآخر بارد له. ينتظرها بكل صبر كي تنهض بنفسها عندما يكتفي جسدها من الراحة. لديه من القول ما يكفيه والذي تعمد تجاهله أمس عن فكرة ذهابها لـ "حسن" من الأساس! اعتدل بوقفته يفتح أحد الأدراج ليجلب منه أحد الأقراص مرة أخرى كي تخف هي من دور الإعياء. فتحت عينيها ببطء وتشوش. وبعد لحظات. اعتدلت تجلس وما أن هبطت عينيها عليه تنفست براحة. كبرى. وجدته يلتفت وهو يبتسم لها بحنو، ثم جلس على طرف الفراش بجانبها حتى وجدها تتحدث بنبرة تغيرت أثر النوم: "صباح الخير!" في هذه اللحظة، توجه يقبل قمة رأسها برفق، ثم سألها بهدوء بعدما رد عليها جملتها: "لسة تعبانة؟" حركت رأسها نفياً، رغم شعورها بالإعياء بكامل جسدها، ولكنها فعلتها وأومأت بالنفي. أبعدت عنها الغطاء ثم تحركت بهدوء إلى أن بقت جالسة بجواره. تحركت عينيها إلى ما ترتديه من ملابسه ثم ابتسمت بلطف وهي تحرك عينيها ناحيته فوجدته يحدق بها بصمت، إلى أن تحدث سريعاً وهو يرفع يديه يزيح خصلاتها إلى الخلف: "قومي اغسلي وشك وتعالي على البلكونة أكون حطيت فيها الفطار!!" حركت "نيروز" رأسها بموافقة، حتى نهضت باتجاه المرحاض. طالعها هو وهو جالس بصمت، إلى أن تعمق النظر بها وهي تنهض وحتى ما ترتديه من ملابسه التي كانت جذابة عليها. نهض "غسان" بعدها حاملاً صينية الطعام ثم فتح الشرفة بجرها إلى أن فتحت، ووضع ما بيديه على الطاولة الخشبية الحديثة، ثم رفع ذراعيه يهبط من الستار أكثر كي لا يراها أحد وهي كذلك. أمسك دورق المياه من بعدها ثم سقى الورد والزرع الخاص بها وهو يبتسم بشرود. كان يسقيه خلسة من شرفته بشرفتها، والآن يسقيه معها وهي معه بنفس المنزل. وجدها تدخل من خلفه مرددة بجملة حزينة أتت بتلقائية من اهتمامها الشديد بذلك: "ما سقيتوش وتوهت عنه!!!" ترك ما بيديه ثم توجه يمسك كفها حتى أجلسها على المقعد ومن ثم تحرك ليجلس بجانبها. أشار لها "غسان" بلطف ثم قال: "أنا سقيته بقا، كلي يلا!!" بدأت "نيروز" بتناول الطعام ببطء كي لا ترفض ويحدق بها بحزم وينتهي الوضع بتحدي منه. رغم كونها لا يوجد لديها أي طعم لأي طعام، ولكنها اندمجت ما أن رأته يشير لها. حتى استمر الوضع كذلك بصمت. لاحظت صمته المريب فسألته هي بترقب: "هو انت لسه زعلان مني؟" "لأ!!" خرجت منه باقتضاب رغماً عنه وسريعاً قبل أن يتحول الوضع، سألها عندما انتهز الفرصة بسؤال يود سؤاله لها منذ أمس: "إيه اللي وداكي عند حسن امبارح؟" سألها "غسان" بجدية بالغة. فتوقفت هي عن مضغ الطعام وهي تنظر له بغرابة، ثم أجابته توضح له: "أنا ما روحتش عند حسن، أنا روحت لفريدة ومامتها أتطمن عليهم!!!" لم يرفع "غسان" عينيه إلى عينيها بل تصنع الانشغال بما يفعله، إلى أن رفع رأسه ينظر لها بصمت دام للحظات، ثم رد عليها باستنكار هادئ: "فريدة وأمها؟ يعني "زينات" اللي انت مبتقبلهاش راحة تطمني عليها مش كده؟" "أنا مش فاهمه إيه الغريب في كده. أنا مبقبلهاش ومش عاطيالها اهتمام بس لاحظت غياب فريدة عرفت إنها هناك روحتلها... لحد ما لاحظت إن مامتها تعبانة وكانت قاعدة مع مامتها عشان كده!!!!" بنفس الاستنكار أردفتها "نيروز"، فتنهد هو يخرج أنفاسه بنفاذ صبر مع قوله لها: "فتقومي قاعدة عندهم وواخدة راحتك؟ راحة تقعدي عند واحدة انت اصلا مبتبديهاش الأمان! ورحتي وانتي عارفة إنك مش بتثقي فيها ولا أي حد هنا بيثق فيها. ومع ذلك قعدتي لحد ما الناقص ابنها جه وكنتي ممكن تروحي تحت إيده في ثانية. وكل ده وانتي قايلالي إنك راحة تشوفي اختك ومش هتتأخري!" أردف "غسان" حديثه من عزم خوفه عليها. ابتلعت "نيروز" ريقها سريعاً، فهذه النقطة كان معه كل الحق. كانت تتردد في الدق على الباب، أتخبره أم لا، أتتأخر أم لا، وكل ذلك تبخر عندما قتلت التردد بنفسها ودخلت رغم شعورها بأن هناك ثمة شيء ليس طبيعياً. حاولت التماسك ورغم كونها تعلم أنها مخطئة، ولكن هاجمته بردها سريعاً وهي تسأله باندفاع: "انت عاوز تتخانق معايا وخلاص؟" تعمد الصمت الساكن، حتى تنهد يخرج أنفاسه بنفي هادئ وهو يخرج لها حديثه بوضوح كي لا يضعها تحت ضغط مرة أخرى بظروفها هذه: "مسمهاش عاوز أتخانق معاكي وخلاص، اسمها خايف وخوفت عليكي، عشان أنا مضمنش المرة الجاية ممكن يحصل إيه. بنبهك لحاجات بتعمليها من غير ما تاخدي بالك من النتيجة. بقولك إنك طالما مش واثقة في حد متديلهوش اهتمام وبنت عمك كانت هتظهر هتروح فين يعني! قعدت أقولك ارتاحي ونامي وريحي نفسك ونفسيتك بس مصرة تتعبي وتجهدي نفسك ونفسيتك بردو. مبسوطة وانتي من ساعة اللي حصل من الناقص ده قاعدة تتحسري طول الليل وتشهقي بكلام مش مفهوم؟ ولا انتي مش فاهمة إني خايف عليكي لسه؟" ابتلعت "نيروز" ريقها بتعب، وقد تركت الطعام وهي تعتدل ثم أجابته باختناق: "أنا نفسي أرتاح من كل حاجة.. حتى من كلامك اللي زي ده. وحتى ولو عشان خايف عليا.. بس أنا مبقتش قادرة أستحمل!!!" وكأن طاقتها تستنزف بالفعل. لم يقصد ضغطها بل خاف وهاب ما فعلته. يؤلمه حتى حديثها ذلك. نهضت ببطء تنسحب، فأغمض "غسان" عينيه بنفاذ صبر من كل ما يحدث. لم يعد بإمكانه الحديث معها بطبيعية في هذه الأوقات، نفسيتها على شعرة واحدة رفيعة، بل وكونها أصبحت حساسة من كثرة الضغوط هذا يضغطه هو شخصياً بالأساس. يعبر لها ويعاتبها على الطريقة الطبيعية بينهما. ما حدث من تغير مؤلم من كل ما حدث كان منها هي. نهض تاركاً الإفطار هو الآخر حتى خرج من باب الشرفة غالقاً إياها خلفه كي يخفي إضاءة الغرفة تدريجياً. وجدها تفتح الخزانة بخواء كي تجلب لها ملابس ترتديها. توترت سريعاً عندما وجدته يقف خلفها ثم رفع ذراعه يحاوط خصرها مردداً لها بنبرة لينة: "أنا مش عاوزك ضعيفة كده يا "نيروز"!!" تستشعر قربه منها كذلك، لذا التفتت تطالعه بعدما وقف ينظر لها بصمت. وما أن رأى دمعتها تهبط حتى أنها توجهت تسند رأسها على صدره، فربت عليها وهي تتحدث بأسف: "أنا قوية بيك يا غسان.. عشان كده متزعلش مني على اللي حصل. أنا مكنتش أقصد وزعلك مني بيضغطني أكتر.. وحتى الوقت ده اللي المفروض أكون مبسوطة ومرتاحة فيه بقيت مضغوطة ومش قادرة. يعني ا..." تستشعر ضمه لها أكثر، لذا وجدت نفسها تجلس على طرف الفراش بعد لحظات وهو بجانبها. أخرج أنفاسه وهو يسألها بلين واهتمام مع قطعه لحديثها بمراوغة: "يعني إيه؟" "يعني أنا مقصدش اللي قولتهولك ده والله العظيم. أنا كل ما بفكر في الحاجة الحلوة والوحيدة اللي فرحتني في كل ده إني بقيت معاك انت وفحضنك انت. وحتى مراتك انت مش حد تاني مجبورة ومغصوبة عليه. أنا بحبك ونفسي متسبنيش ونعيش حياة هادية سوية من غير ضغط ومشاكل وحوارات من دي. أنا مبقتش حمل ضغط من ده.. أنا عايزة أشـ..." توقفت عن إرداف الحديث أكثر عندما وجدته يقبل ما بجانب عينيها برقة شديدة ثم قال وعينيه لا تفارق عينيها: "إيه يرضيكي ويخليكي مبسوطة ومرتاحة يا نيروز؟" سألها هو بكل اهتمام وعينيه الشغوفة بها لا تفارق عينيها المتأثرة وهي تجيبه بنبرة صادقة توضح له بها ما تريده: "مش عايزة أي حاجة غير إنك متبعدش عني ومتسبنيش. إنك تكون هادي وحياتنا هادية بعيدة عن المشاكل!!!" لا تريد فراقه حتى وإن قال لها بطريقة غير مباشرة أنه سيفارقها ما أن تنتهي المحنة. تهاب هذه النقطة رغم قوله لها دون التنفيذ وهو يعلم أنه لن يقدر على فعلها. تريد حياة أكثر راحة. والآن تهاب نقطة مستقبلية جديدة ما أن علمها هو سيتبدل لآخر وتعلم هي ذلك. لم تأخذ الفرصة بقولها كونها تتأثر تحت حديثه ونظراته وحتى أفعاله وكلماته. خرجت من شرودها سريعاً عندما وجدته يمرر يديه على ظهرها بحنان، مردداً بنبرة صادقة يحثها: "خلاص متقلقيش.." قومي غيري عشان نروح المستشفى لمامتك وأنا هلبس وهستناكي ننزل مع بعض. إبتلعت "نيروز" ريقها بتردد وهي تهز رأسها بموافقة. ثم قالت بتردد آخر قبل أن تنهض: "أنا كنت عاوزة أقولك حاجة." تنهد "غسان" يتنفس بعمق. ثم أمسك يديها المرتجفة وهو يهتف بنبرة مطمئنة: "إنسي اللي فات بقى، متضغطييش نفسك من تاني، إطمني خلاص مفيش حاجة، قومي غيري يلا." اعتقد بأنها ستفاتحه مجددا بأسف لما تريد قوله من ما فعلته، ولكنها كانت تقصد شيئًا آخر تخاف أن تفاتحه به وتخاف من ردة فعله مرة أخرى. لذا ترددت، إبتلعت ريقها وهي تهز رأسها رغما عنها دون أن تنبس بحرف. حتى نهضت بعدما ترك كفها برفق، وهو يطالعها إلى أن أخذت ملابسها من الخزانة وتوجهت بها ناحية المرحاض. نهض هو الآخر يأخذ ملابسه المناسبة للخروج من الركن الخاص به، ثم توجه بها للخارج حيث المرحاض العام بالشقة. سيرتديها بسرعة عنها بالطبع، ثم ليهبط بعدها يرى ما آخر الأحداث معها. وللنظرة القادمة ياليته ما هبط! ________________________________________________ قبل وقت من الآن، لم تفتح هي عينيها منذ الأمس بسبب إرهاقها وتعبها. وحتى ما حدث أمس من صراخ وعقبه أتت عليهم لم تسمعه هي، بل كانت في عالم غير عالمهم الواقعي ذلك. وعدم وجوده بجانبها لا تنتبه له هي من الأساس. تفتقد احتوائه، وحتى أنها ترى أن شقيقتها قست عليها بالحديث، لا تعلم بأنها جاءت لها من أجل خوفها عليها. فتحت "ياسمين" عينيها بتشوش، حتى انتفضت بسرعة ما أن رأته يجلس على طرف الفراش بجانبها. اعتدلت تجلس بسرعة، فأسندها "حازم" بسرعة بتعنيف: "براحة على نفسك يا مجنونة!" ما أن استوعبت وجوده، حركت رأسها بعشوائية وهي تتنفس، ثم سألته بسرعة باهتمام وصوتها المختنق ما زال يظهر: "إنت جيت من إمتى؟ أنا فكرتك مش هتيجي وهتبات معاهم لحد ما أجيلكم أنا!" يرى الضعف إلى الآن بنبرتها وحديثها، وحتى دموعها المحبوسة رغما عنها. يعلم بأنها أكثر من وصفت بلين القلب الذي لا يحتمل موت زبابة. إلى ذلك التشبيه، رغم تبجحها. إبتلعت ريقها وهي تتنهد بارتياح ما أن أخذ رأسها يضمها بذراعه ناحيته، ثم أجابها باطمئنان: "جيت قبل الفجر بشوية، لما لقيتهم بيطمنوا عليها جاهزة ولا مش جاهزة بالفحوصات وكله كان تمام. بدر أخد أوضة مع وردة وكنت هاخد أوضة بس رفضوا وقالولي روح خليك مع ياسمين. وبصراحة أنا كنت هموت من القلق عليكي لحد ما كل شوية كنت بتصل بـ عايدة. ولما جيت لقيتها صاحية قصاد أوضتك منامتش وعرفتني اللي حصل!" انتهى حديثه بقبلة على رأسها برفق. فخرجت هي تسأله بغرابة من آخر حديثه: "حصل إيه في إيه مش فاهمة!" "قومي إلبسي بس وهفهمك." قالها "حازم" بلين، فحركت رأسها موافقة على ما قاله، حتى نهضت ببطء، فأمسك ذراعيها يسندها كي تنهض من على الفراش. أما الآن وبعد ذلك الوقت بخارج غرفتهما، وقفت "جميلة" بصالة المنزل بعدما تجهزت كي تقوم بزيارة زوجة عمها. وقفت مع "فريدة" و"عايدة"، منتظرين خروج "حازم" و"ياسمين". حدقت "عايدة" "جميلة" مطولًا، ثم قالت لها بضغط مرة أخرى: "يا بنتي روحي شوفيه عشان خاطري، بيقولك ما بينطقش من إمبارح. إسمعي كلام أمك وروحي ربنا يهديكي!" تضغط عليها منذ وقت بأن تذهب لشقيقها. تعلم بأنها مطلوبة من "زينات" لتراه بواسطة "فريدة". راقبت "فريدة" الوضع، بينما اندفعت "جميلة" بسرعة: "ما أنا شوفته إمبارح، خلاص يا ماما بقى متضغطييش!" نظرت لها "عايدة" بخيبة وقلة حيلة، ووقفت صامتة، هي والأخرى تنظر على التردد بعين ابنتها. إلى أن فُتح الباب بعد دقائق، باب غرفة "حازم"، وهو يهدئ "ياسمين" ويطمئنها على حالة "نيروز". التفت كل منهم للآخر ينظرون لبعضهم. بينما وقف "حازم" يشير إلى "عايدة" بقوله: "خليكي معاها كده يا ماما على ما نيجي." كادت أن تعترض "ياسمين"، فحدجها "حازم" بنظرة حازمة حادة جعلتها تصمت. أشار هو لـ "جميلة" بيديه، فسارت من خلفه دون كلمة اعتراض واحدة. فُتح الباب، التفت يمد يديه لـ "فريدة" كي تعطيه المفتاح. أخذه منها ثم فتح الباب، وبدأ في السير نحو الداخل، وهما من خلفه تاركًا الباب من خلفه مفتوحًا. فتح غرفة "حسن" ثم دخل بها، حتى وجد "زينات" تجلس بجانبه تراعيه على المقعد المريح. تنهد "حازم" يخرج أنفاسه، فرفعت هي عينيها وهي تنتفض ما أن وجدتهم أمامها. إبتلعت ريقها بترقب. فسألها "حازم" بنبرة هادئة: "عامل إيه دلوقتي؟" رأى الجهل بنظراتها، فاعتدل ينظر لـ "جميلة" ثم قال لها بأمر: "شوفييه!" توجهت تنفذ ما قاله لها شقيقها، في حين وقفت "فريدة" ساكنة. فاعتدل "حازم" يشير بعينيه نحوها قائلًا بجمود: "اسمعي اللي هقولهولك ده كويس، ابنك يفوق وتقوليله يغور من هنا قبل ما عيني تقع عليه وهو فايق، عشان لو حصل حاجة منه تاني هطردك إنتي وهو من هنا، حتى لو الشقة مكتوبة باسمك قادر أعملها و آخد منك اللي وراكي واللي قدامك. مش بعيد تكوني إنتي اللي بعتاله بعد ما فاق وجبتيه وسميتي بدنه بكلام من كلامك المقرف ده!" فقدان الثقة ثم التقزز من الشخصية كونها حقيرة في بعض الأوقات. تعتاد الطريقة، وحتى هو لا يستبعد شيئًا كهذا. لم تستطع التبرير، بل إبتلعت ريقها بضعف. ثم تفاجأ بهجوم "فريدة" بردها وهي تقول بتلقائية أتت من دفاعها عنها: "بس هي معملتش كده." تبرر بصدق ليس للدفاع فقط، فقد كانت مريضة مسطحة على الفراش بدور إعياءها، كيف لها بأن تطلبه ليأتي، بل ولم تكن تعلم أين المستشفى الذي كان هو بها. حدجها "حازم" بحدة ثم أشار لها بعينيه قائلًا بحزم: "مسمعش منك ولا نص كلمة!" أكمل سريعًا وهو يشير بعينيه ناحية "جميلة" التي اعتدلت بترقب من حالة "حازم" الحادة. وجدته يسألها بنبرة هادئة: "فايق؟" "لأ هو لسه مغمي عليه، شوية وهيفوق." حرك رأسه بتفهم، ثم التفت يسير مرة أخرى باتجاهه للخارج بعدما حدج "زينات" بقوة. بالأساس يستخدم التهديد بشخصية حادة كي تهاب وتحذر الآخر. خرج من الشقة بأكملها حتى وجد "ياسمين" تتشبت بأحضان "نيروز" التي هبطت للتو مع "غسان". بكت بأحضانها وهي تسألها بكل لهفة: "إنتي كويسة صح؟" هزت "نيروز" رأسها بموافقة، وهي تحرك عينيها بلهفة عليها مرددة باطمئنان أمام الأنظار: "أيوه أنا كويسة والله، بلاش تعيطي بقى." إبتلعت ريقها ثم سكنت تدريجيًا عندما وقف بجانبها "حازم" يسندها برفق. تقابلت عينا "جميلة" و"نيروز" فتعمدت "نيروز"، الإصرار على موقفها تجاهها. تحرك "غسان" بطريقة خافتة يجلب هاتفه من جيب بنطاله. فوجد هو "نيروز" تمسكه سريعًا خوفًا من تهوره ليدخل إلى الداخل حيث "حسن". تخاف بطريقة شديدة قوية، حتى أنه يتألم من هوسها ذلك. مرر يديه على كفها بحنو، ثم اعتدل يريها الهاتف بخفة. فنظرت نحوه بتشكك، لا تريد ضغوطًا أخرى. فوقف "حازم" مرددًا بنبرة هادئة لهم: "طيب أنا هسبق أنا وهم، وهنستناكم هناك. عاوزين حاجة قبل ما نمشي؟" "لأ بالسلامة إنتم، هنحصلكم." رد عليه "غسان" بقوله ذلك سريعًا. انتظر إلى أن دخل بعضهم المصعد والبعض الآخر هبط على السلم. وجدها تنظر إليه بصمت. الحيرة ترافقه هو في أمرها. لا يرى سوى هي وراحتها، لذا لم يفكر سوى بكيف سيريح أعصابها المشدودة هذه. زفر بصوت وهو يمسك كفها إلى أن دق باب شقتهم بصوت هادئ وهي بجانبه. وقف للحظات إلى أن فتح له الباب بواسطة "شادي" الذي كان يحمل "يامن" الساكن معه. نظرت له "نيروز" بلهفة وهي تنتشله منه ثم دخلت به إلى الداخل سريعاً. أما هو فدخل ببطء محركاً أنظاره نحو الصالة الصامتة. وإلتفت يسأله باهتمام: "أومال هم فين؟" "مشوا من بدري هناك للمستشفى وصلتهم ورجعت عشانك وعشان مش ضامنك لما تنزل إنت وبسام هتعملوا إيه. عاوزك تعقل كده واعرف إنه خاف عليك و..!!" حرك "غسان" رأسه بعبث منه ثم قال يوضح له سريعاً: "مش هعمل حاجة.. هو فين أصلاً. خلينا نمشي!!" قالها بعجالة فأشار له نحو غرفة "شقيقه" وقد دخلت "نيروز" لـ "وسام" بغرفتها. فتح "غسان" غرفة "بسام" دون أن يدقها فوجده يقف أمام المرآة يمشط خصلاته بعدما انتهى من ارتداء ملابسه. لم يلتفت هو لشقيقه بل تحدث بجدية ومازال على وضعه: "في حاجة اسمها نخبط قبل ما ندخل لو بتفهم فالذوق وبنقدر الحالة وبنعمل حساب للحياة.. مش هيصة هي!!" لم يكن يقصد الباب ودقه عليه بل يلمح له عن ما فعله. وجده سريعاً خلفه. سمعه "غسان" وكان "شادي" يترقب الوضع. نظر له "غسان" بسخرية لاذعة وهو يسأله بتهكم: "وأنا من إمتى وأنا كنت بخبط عليك.. بلاش حورات من دي ولو عندك حاجة لفلي كده وقولهالي فوشي!" أغمض "بسام" عينيه بغيظ من طريقته وبالأخص أنه فهم أن الآخر يرسل له بطريقة غير مباشرة أنه غير نادم على ما حدث أمس. إلتفت يهاجمه سريعاً بتعنيف: "الحوارات دي إنت اللي بتعملها ومفيش غيرك بيعرف يعملها. هتموت وتوقع نفسك فمصايب ودواهي. مبتخافش على نفسك وحياتك ومراتك ومستقبلك!!!" طالعه "غسان" بصمت للحظات ثم حرك عينيه نحو يد شقيقه الذي يتحدث بها. تلك الحركة المستفزة الذي يكرهها منه ومن "نيروز" هي الأخرى. تنفس ببطء وهو يجيبه بنبرة تعمد أن يثير بها استيزازه: "وإنت خسران إيه من ده كله. إنت مالك أصلاً. عاوزني أقف ساكت ومراتي بتتهان. إنت بتفكر إزاي." إندفع "بسام" يمسكه من ياقة قميصه بانفعال ثم قال بنبرة مرتفعة جعلت شقيقته وزوجة الآخر يهرولان لهم: "مالي عشان أخوك وخايف عليك يا غبي. ولا مالي وأنا مقولتلكش متعملوش حاجة. إنت واعي كنت عايز تعمل فيه إيه. هتقتله عشان ترتاح وتريح مراتك. مراتك اللي من ساعة ما دخلت علينا وإنت ماشي توقع نفسك فمصايب وبلاوي مبتجيبش أي حل ليكم!" في كل مرة ينفعل بها يعكر من الحديث. ما أن سمعت هي ما قاله عنها ابتلعت الغصة المريرة التي توجد بحلقها. فصل بينهما "شادي" سريعاً وهو يحاول إمساك "غسان" عنه كي لا يندفع عندما صاح عالياً له بإنفعال مماثل عندما سبه بأول وآخر جملته: "إنت عارف إنت بتقول إيه يا *** إنت!" فصل بينهما "شادي" بأعجوبة وتوجهت "وسام" تسحب "بسام" بعيداً عن "غسان" الذي فهم قول شقيقه بالخطأ. أهبطت "نيروز" الصغير أرضاً وهي تتوجه سريعاً لتمسك ذراع "غسان" الذي فاض به هو الآخر من كثرة الضغط عليه. سمع هو قوله الأخير له و"وسام" تمسك ذراعيه: "إفهم يا بني آدم إنت.. أنا خايف عليك. خايف يا متخلف!!!!!!" نفض "غسان" يدي "شادي" عنه ثم وقف يتنفس بصوت مسموع حتى وجه عينيه ناحية "نيروز" الذي أشار لها بأن تخرج بقوله الجامد كي لا يجعل بحديثه علاقة زوجته وشقيقه حساسة بعد الآن: "أخرجي برا إنتي وهي!!!" تعلم شقيقها لذا أمسكت كف "نيروز" تسحبها رغماً عنها رغم عنادها وإصرارها. أغلقت "وسام" الباب خلفها ببطء. فوقف "شادي" خوفاً من تطور الوضع بينهما. ومن ثم تنهد "غسان" يخرج أنفاسه ثم بدأ برده على قول شقيقه الأخير: "خوفك ميدكش الحق تتكلم عن مراتي كده فوجودها.. ولا يديكم الحق من أساسه تفكروا بكده بسبب بس إنها بقت مراتي ومسئولة مني. وعشان كفاية اللي بيحصلنا ده أنا هسكتلك يا بسام زي ما سكت المرة اللي فاتت وانت برضو بتتكلم من غير ما تعمل حساب لكلامك اللي خارج ده خارج لمين وقصاد مين وبتضغط وتظلم مين بيه. وأنا راضي بالمشاكل. المصايب اللي مبتجيبش حل ليها ولا ليا. ومبسوط بحياتي معاها حتى لو بدخل فحورات تعباك أوي كده. خليك براها. !!!" أردف حديثه متحلياً بآخر ذرة صبر لديه. فوجد الآخر يندفع بصراخ مفاجئ يفهمه ما يعنيه: "إنــت مجـــنون يا بني. مــجنون ومش فاهم حاجة!!!!!!" صرخ به "بسام" بإنفعال كونه فهم وهلل الأمر للتضخيم. بهذه اللحظة فقد السيطرة على نفسه بل رفع يديه يدفعه عنه بعيداً تزامناً مع رده المرتفع هو الآخر: "إنت اللي مجنون ومش عارف إنت بتقول إيه. عشان لو عارف فبعد كلامك ده مش هلاقي غير كلمة "طلقني يا غسان" اللي أنا بحاول أمشي الدنيا بينا عشان متوصلش تاني للحظة دي. اللحظة دي اللي حصلت لما هي حست إني محطوط فمشاكل ومصايب بسببها. واللي إنت جاي تقولها الوقتي قدامها بكل سهولة زي ما أمك عملتها قبل كدة.. وإنت زي المتخلف مش فاهم أي حاجة!!!!!!" أردف "غسان" حديثه له بعدما أمسكه من تلابيبه تراخت يدي "بسام" عنه فسحب "شادي" "غسان" مرة أخرى بعيداً عنه وهو يهدأه. فوجده يتحدث مرة أخرى وكأن فاض به الكيل: "كل مرة بسكت وبعدي حاجات محدش شايف إنها بتحصل أو ممكن يحصل بسببها حاجة. بس أنا بقول كفايه بقا.. كفاية من ساعة ما قولت محدش عاد يتدخل فحياتي وبردو مصممين علي الخراب. أعملكم إيه تاني أنا. أتصرفلكم ازاي وأعدل بين كل ده ازاي!" أعلن عجزه بنبرته التي بحت في آخر حديثه. بالأساس عبر الآخر عن خوفه بالطريقة الخطأ الذي يعلم بأن شقيقه سيفهمها آخر لا محال بل وبالخطأ. فتح "شادي" الباب وهو يسحب "غسان" خلفه بقوله له كي يهدأ الوضع: "كفايه كده.. إمشي يا غسان.. إمشي إنت ومراتك.. وإحنا هنبقى نيجي وراك.. بس إمشي دلوقتي يلا!!!!" وقف يطالع شقيقه بصمت. "بسام" الذي نظر له بلوم لعدم فهم خوفه والآخر الذي ينظر له بلوم آخر مختلف. لوم لحدوث وإنقلاب أشياء أخرى بسبب حديثه. ولوم لضغط جديد عليه. ضغط لجبل الضغوط الذي لم يعد يتحمل كل ما يحدث. ورغم صبره بسببها الآن يضغط حزناً عليها للمرة الذي لا يعرف عددها. وجد هو "نيروز" تدخل وهي تحبس الدموع بمقلتيها. وما أن سمعت قول "شادي" تحدثت وهي تمد كفها تمسك كفه: "يلا نمشي يا غسان.!" قالتها بنبرة مختنقة ضعيفة. شعر هو بها وبثقلها. يريد في كل مرة تهدئة الوضع بينهما وحتى هذه اللحظة عندما عاتب شقيقه أخرجها من الغرفة. حملت "وسام" "يامن" كي تطمئنها. فسار "غسان" بجانب "نيروز" إلى الخارج إلى أن أغلق باب الشقة خلفهما. وبقت "وسام" تقف أمام "شادي" و"بسام". تحركت عيني "وسام" بلوم ناحية "بسام" وهي تقول: "ليه كده يا بسام. دا إنت إللي بتقعد تقول لماما كل شويه إن مينفعش اللي هي بتقوله ده.. تقوم تروح تفهمه خوفك عليه بالمنظر ده. إنت عارف غسان طالما فهم حاجة صح غلط هتبقي عنده زي ما فهمها وخلاص.. إحنا بجد ما بنصدق الدنيا تكون تمام. قال "شادي" عقب ما قالته بإختصار لينبهه لما إقترفه رغما عنه: "شوف بقا الوضع لو باظ هيوصل لفين بالذات عند نيروز لو إنت مش فاكر لما سمعت حاجه شبه كده راحت لغسان وقالتلله يطلقها بسرعه ساعة حادثة وسام أختك. مش إحنا اللي هنفهمك يا بسام نيروز بتخاف وحساسة فالموضوع ده قد إيه. وكمان حسن ظهر من تاني وكل مره بتقعد تقول أخوك مضغوط فيها. أهو إنت إللي ضغطه دلوقتي من غير ما تحس!" زفر بصوت مسموع عقب قوله ثم إلتفت يشير لـ "يامن" حتى جاء له وهو يضحك دون فهم أي شئ من الأوضاع. يتمنى الكل بهذه اللحظه أن يكونوا مثله هو. لم يرد عليهم "بسام" بل لاحظ خروج "شادي" مع الصغير ثم قول "وسام" الساكن له: "يلا يا بسام!" نصف ساعة تمر وهي تفكر بماذا تهدي الحياه لشخص مثلها؟ ماذا أخذت وماذا فعلت؟ ليحدث لها كل ذلك. تكتم دموعها بأعجوبة وهي جالسه بجانبه بالمقعد في السياره. تريد شهقاتها أن تخرج ولكن تأبى الخروج فتنتفض هي بطريقة غير ملحوظه. تود ترك كل ذلك والذهاب بعيدا حيث لا يعرف لها ولتعبها طريق. إتضح أنها الٱخرى لم تأخذ نصيب من إسمها لم ترى البهجة ولا الفرحه ولا حتى العيد بعيد ما هي به. شردت بشرفة السيارة تنظر إلى الخارج بصمت ولم تتحدث عن أي شئ حدث. بل صمتت صمت يوجعه هو قبل أن يوجعها. ينظر إليها ويتابع ما تفعله بترقب وإهتمام. يعلن عجزه لأول مره عن إبداء حل لما هي به. كلما يهدأ ويسكن الوضع بينهما يعود منقلبا مره أخرى. تنهد يخرج انفاسه ببطئ. وهو يركن السيارة بإحدى الجوانب ثم أوقفها وأخرج المفتاح وهي مازلت شاردة بموضعها. إلتفت برأسه ينتظرها وما أن وجدها ساكنه مره أخرى مد أنامله يدفعها بحنو كي تنتبه فإنتفضت وهي تشهق بقوه. إعتدل "غسان" سريعا بخوف يسندها كي لا تصطدم رأسها ثم قال بنبره سريعه متلهفه: "مالك يا نيروز؟ مالك. متخافيش!" قالها منحنيا وهو يفتح باب السياره. سكنت تدريجيا وهي تعتدل بين يديه ببطئ إلى أن أخذت أنفاسها بصوت وهي تحرك عينيها ناحيته. حالها يصعب عليه هو حتى أن الدموع تتجمع بمقلتيه فأصبحت لامعه لها وهي التي تنتبه في كل مره لم تنتبه له هذه المره. حركت رأسها تردد بضعف تحاول إخفاءه والتماسك: "أنا كويسه مفيش حاجه!" إعتدلت هي عقب قولها ففتح لها "غسان" الباب وهو يمد ذراعه ثم أسندها كي تتوقف. فخرج من الباب الٱخر غالقا إياه من خلفه وهو يلتفت للناحية الأخرى. مد يديه يمسك كفها برفق وهو يدفعها فنهضت ثم أغلقت الباب خلفها. فأغلقها هو إلكترونيا. ثم سار بجانبها ممسك بكفها البارد بين كفه وكفه الٱخر ممسك به هاتفه الذي يتحدث به مع "حازم" ليعرف المكان تحديدا. وكأنها الغريبه في هذه الدقيقه لا تعرف سوى يديه هو ولو كان الوضع بوضع ٱخر لإرتمت بأحضانه للتو بسبب ما تشعره. ركبت معه المصعد بسكون ليصعدا لغرفة والدتها بالطابق في الٱعلى. دلك كفها في لحظتها بحنو وقد لاحظ إرتجافة يديها التي تزداد فأردف سريعا وهو يدلك كفها الذي يرتجف بشدة: "بس.. بس.. إهدي أنا جنبك.. أنا معاكي يا نيروز سيبك من اللي بتسمعيه. سيبك من أي حاجه!" يطمئنها بألم. أما هي فتمسكت بكفها به ثم رفعت عينيها المرهقه له حتى وجدت الخوف واللهفه بها. إبتسمت له إبتسامة مهزوزه وكأن ذاكرتها تسترجع أيام ذهاب والدها المستشقي ورقده على الفراش بتعبه الشديد. لا يمكن أن تعيد الأيام نفسها بهذه الطريقه وبالأخص بتلك العقبه الشديده القاسيه عليها. مرر "غسان" كفه على ذراعها وكتفها بإحتواء فوجدت نفسها تخرج له حديثها بتعلثم وخوف لأول مر يظهر: "أنا.. أنا خايفة!" "وأنا جنبك.. مش هسيبك!" يؤكد لها إن حدث أي شئ فهو بجانبها. فكيف لها بأن تخاف؟ ابتلعت ريقها ببطئ ما أن فتح المصعد. أسندها هذه المره وقد رأى جلوس "بدر" و"حازم" و"حامد" و"عز" بالخارج أمام الغرفه في الطرقه. أسندها برفق وهو يسير معها إلى أن وقف ومد يديه يشجعها كي يفتح الباب. فتحه ثم أشار لها بالدخول حتى دخل فدخل "حازم" و"بدر" و"حامد" و"عز" من خلفهما. وما أن وقعت عينيها على "ياسمين" الباكية بأحضان "سمية" ثم "وردة" إهتزت. وجدت الكل يقف يفسح لها المجال من النساء والفتيات. إعتدلت "سمية" بهدوء وهي تجلس على الفراش الطبي مرتدية الملابس المتجهزه لإجراء العملية. فتحت لها ذراعيها حتى وقفت "نيروز" بتردد تنظر له هو في هذه اللحظه حتى شجعها "غسان" بنظراته وكأنها طفله بهذه اللحظه حينما قال وهو يسحبها: "روحي.. روحيلها يلا وهترجعلك متخافيش!" وجهها وقدمها إلى أن إرتمت بأحضان والدتها ببكاء صامت فربتت عليها "سمية" بتعب وهي تقول: "متخافيش يا حبيبتي هرجعلك.. بس كوني مبسوطه ومرتاحه.. متعمليش فنفسك كده!" تشبتت في أحضان والدتها بهذه الثانيه وهي تردف بعمق وضعف جعل البعض يبكي بقلة حيلة عليها: "بس أنا خايفه أسيبك ومترجعيش!" جملة عاجزه متعبه بعد كونها منهكه. أنهكت منها ومن والدتها وحتى منه هو "غسان" الذي دار وجهه سريعا قبل أن تهبط دمعته مع هبوط دمعة والدته وكل النساء والفتيات. وشقيقاتها. وحتى عين "حازم" التي أدمعت وهو يحتوى "ياسمين" ومن ثم "عز" الذي تنفس بتعب كونه يفهم مدي تصل صعوبة هذه اللحظه وهو يربت علي كف "جميلة". لاحظ دخول "وسام" و"شادي" بالصغير التي أخذته "وردة" بلهفه وهي تقبله بإشتياق مع "بدر" الذي إحتضنهما بهذه اللحظه. دخل "بسام" يقف بصمت مترقب. إلا أن لاحظ لمعة عين "غسان" وهو يأخذ أحد الأركان في الغرفه. وبعد كل ذلك وتزامنا معه تحدثت "سمية" لها تجيبها ومن ثم تجيبهم: "لو خوفتي يبقي هرجع بإذنه.. بإذن الله يا حبيبتي!!!" ضمتها إلى صدرها تعلم أنها تعاني بوجع من أجلها ومن أجل كل ذلك. تحركت بخفوت فتمسكت بها "نيروز" بعناد ما أن سمعت قول إحدي الممرضات بهذه المشستشفي وهي تدخل مع أخريات متحدثين برسمية ولباقة: "بنتمنى تكوني جاهزه عشان نتحرك لغرفة العمليات..!" صمتت الأولي ثم أشارت الممرضه الٱخرى بلباقه لهم: "بعد إذنكم!" خرج الجميع ينسحب واحد تلو الٱخر وواحدة تلو الٱخرى. وكل ذلك ولم تتحرك "نيروز" من أحضانها بإصرار. وقفت "وردة" تدفعها بذراعها الحر التي لا تحمل به صغيرها ومن ثم وقفت "ياسمين". يميلان ليحتضنوها حضن ٱخير. تشبت الثلاثه ببعضن وبينهم صغير من إحداهن!! مشهد صعب بعد كونه جميل من الخارج وفقط. ضمتهم "سمية" بتٱثر وقد خانتها نبرتها المختنقه وهي تظهر بضعف لهن قائله: "خلي بالكم من بعض. كل واحده أمانه عند التانيه ليوم الدين!!!" وصية ومسئوليه!! خرج الإثنان بأحضان أزواجهما الذين بقوا وفقط. ولم تخرج أيضا "نيروز" التي شهقت بوجع وهي تقول بقهر جعلت دمعة "غسان" تهبط عليها الٱن حينما قالت بخيبة وتمني للحزن لطالما تود بقاء "والدتها" وفقط: "مستعدة استناكي وهستناكي حتى لو كل الأيام فيها وجع و مش هينتهي!!!" عن أي دموع بعد الٱن تهبط منهم. وماذا ينتظرون هم بعد أمنيتها بالحزن الدائم مقابل عودة "والدتها" إلى أحضانها الدافئه لتسعد من جديد. عجلتهم الممرضات وهي بإصرارها ترفض تركها رغم تهدئة "سمية" لها ولكن الٱخرى تأبى حتى وإن تحدثت بحديث متعقل. خفى "غسان" أثار دمعته سريعا ثم تحرك إلى أن وقف بخفه ومد ذراعه يدفعها عنها بسرعه وإندفاع داخل أحضانه هو ثم كتف حركتها سريعا وهو يحثهم بتعب مشيرا لهم بعينيه مرددا بإنهاك: "شوفوا شغلكم..!!" حركوا الفراش المتحرك وهي عليه. وتزامنا مع تحركها نظرت لكل زوج من فتياتها نظره يعلموها جيدا. حاولت "نيروز" التملص والتحرك بقولها الباكي سريعا: "لأ يا ماما إستني.. أنا لسه عندي كلام كتير والله متمشيش عشان خاطري!!!" أكملت سريعا بوجع بعدما أستسلمت لتستكين بداخل أحضانه بإستسلام مع نبرتها الباكية: "متمشيش أنا خايفه مترجعيش!" ضمها "غسان" بهذه اللحظه بشده حتى كادت أن تسكر ضلوعها. في حين كان بكاء "ياسمين" يرتفع و"حازم" يهدهدها كما كانت "وردة" و"يامن" الذي بكي ما أن رأي والدته تبكي!!!! "كفايه يا نيروز، كفايه عشان خاطري بلاش اللي بتعمليه ده!" "غسان" يترجاها لأول مرة بمثل هذه الطريقة، معلنًا ضعفه بينهما. وما أن رأى "بدر" بكاءه، بكى هو الآخر. كما بكى "حازم" بصمت وهو يسحبها للخارج. بكاؤه وهي بأحضانها جعلها تربت عليه بوجع، وهي تسأله بترقب: "هترجع صح؟ قول لي إنها مش هتسيبني يا غسان، نبي، وما توجعنيش!" حرك "غسان" رأسه بنعم، وهو ينفي جزء ويؤكد جزء دون أن ينطق بكلمة. أسندها ليخرج بها كي تعود إلى المنزل كما أوصتها "سمية" ووصته. فوجد هو "والدته" واقفة، في حين ذهبت "دلال" مع "وسام" و"شادي" ليعودوا بهم إلى المنزل بسبب كثرة الأعداد، ومع "عايدة" و"فريدة". وجده يقف بجانب "عز" الذي احتضن "جميلة"، وبجانب "حازم" و"ياسمين"، و"بسام"، و"بدر"، و"وردة". توجهت "وردة" تمد ذراعيها لتأخذ "نيروز" بين أحضانها. فتحرك هو يقف بجانب "حامد" الذي ضرب كتفيه يحثه على الصمود. فاستجمع هو قوته في إردافه على القول، ثم قال بهدوء، مع نبرته المختنقة: "يلا يا حج عشان تروح!" "مش هروح يا غسان.. أنا هنا مكانك ومكان أمك اللي مش هتقدر ولا حتى إنت ولا مراتك. روح انت مع مراتك زي ما أمها وصتكم، وأنا هنا هفضل مع "بدر" و"حازم" وهطمنكم كل شوية!" يعلم بأنها وصية يجب تنفيذها بعدم انتظاره هو وهي تحديدًا، لذا يجب أن يأخذها تاركًا المستشفى. ومن ثم ستعود "ياسمين" مع "وردة" مع "حازم"، ثم سيعود هو مجددًا لهم مرة أخرى. استند على الحائط بإنهاك، ثم تحرك سريعًا لها ما أن لاحظ ارتجافة يديها. تركتها شقيقتها، فتوجهت هي بنفسها تستند عليه، على ظهرها وسندها بعد الآن وقبل الآن، في أي شيء يخصها. أشار لهم بأنه سيذهب بها، وسحبها بالفعل وهو يسندها برفق، يرمي عليها كلمات تجعلها مطمئنة. في حين أمسك "عز" رأس "جميلة" وهو يعدل حجابها الذي تحرك بخفوت، ثم قال لها بنبرة مطمئنة: "خلاص بقا متعيطيش.. تعالي أروحك يلا!" حركت رأسها بسكون، فاعتدل "حازم" يعطيه المفتاح وهو يتحدث له قائلاً بنبرته الهادئة: "خد يا عز المفتاح أهو وروحها مع ياسمين ووردة!" أومأ له بهدوء، يوافق ما يقوله وهو يأخذ منه المفتاح. ودعت كل منهما زوجها، وهما يعلمان تمام العلم أن المعارضة بالجلوس ليست في صالحهم، بل والفراق بهذه اللحظة وهي بالداخل في غرفة العمليات، صعبة، ليست هينة على الثلاثة فتيات. انتهت برحيلهن معه كونه محل ثقة بعد الآن. ومن ثم بوقوف كل من "حامد" و"بدر" و"حازم" لينتظرون الساعات القادمة أن تمر بخير، حتى وإن كانت ستمر بصعوبة. --- انتهت بجلستها بجانبه في السيارة مرة أخرى بعد مرور وقت قليل. الآن تداهمها الذكريات الغائبة عنها منذ فترة. بين لحظة والأخرى تتأكد من وجوده بجانبها وهو يطالعها بلين، لولا أنفاسه المتلهفة، ولولا خفقات قلبه بسببها التي سمعتها هي بشدة وهي داخل أحضانه. يقود هو السيارة، ولم تكن سوى دقائق معدودة وسيركنها بجانب سيارة "شادي" التي توقفت أمام المبنى. التفت برأسه يسألها بلين مرة أخرى واهتمام: "أحسن؟" يسألها عن ارتجافة يديها وتوترها. ابتلعت ريقها وهي تسمع صوته، ثم التفتت "نيروز" برأسها تومئ له بنعم، مع ركنه للسيارة. انتظرت للحظات، إلى أن هبط ثم دار ليقوم بسندها براحة كبرى. وقفت وخرجت من السيارة. فحرك "غسان" عينيه ناحية يديها التي هدأت، حتى تنفس بعمق، وهو يمسك يديها أسفل ذراعه كي يسير بها، وهو يلتفت برأسه مرددًا لها بحنو: "براحتك.. امشي براحتك وأنا معاكي للآخر!" لو كانت بوضع غير وضعها ذلك، لتحدثت بحديث جعلت به دقات قلبه تتسارع فرحًا بما تراه به. في كل مرة لم يقصد هو التخلي عنها. يساندها، يعاملها بالطريقة الحانية التي كانت تعتقد بأنها غير موجودة وزالت للأبد. دخلت المصعد معه، وما هي سوى دقائق حتى أوقف هو المصعد عند طابق شقة "والدتها" و"والدتها". خرجت معه بهدوء، وقد لاحظت فتح شقة "والده" هو. سحبها خلفه، فوقفت للحظة تنظر له بترقب، وحديث شقيقه يتردد في أذنها. ابتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقه من علمه لما دار بعقلها، ثم قال سريعًا بنبرة صادقة: "تعالي متخافيش، محدش يقدر يهوب نحيتك طول ما أنا معاكي.. أدخلي!" أشار لها "غسان"، ومعاملته لها بكل ذلك الهدوء تؤثر بها، ولكن ليس بالطريقة المهللة كونها بحالة غير حالتها الطبيعية. وجدته يتحدث بصراحة مرة أخرى، وهو يبتسم لها بسمة صغيرة مطمئنة: "أدخلي عشان ده بيتك قبل ما يبقى بيتي والله يا بنت الأكرمي!" أكمل سريعًا، يرسل لها شغف ويذكرها بركن حانٍ آخر غيره، كونها ترى به والدها: "بيت أبوكي.. وأي كلام وحاجة تانية سيبك منها!" كانت سهلة لتفعلها كي تدخل دون توقف، ولكن كونها أصبحت حساسة يؤثر بها أضعف الأشياء. توقفت، وهي تتذكر كل من كان يشعر بثقل تجاهها، حتى والدته. يرجع إلى ذاكرتها كل ما مر من مر فقط. يتظاهر بالتماسك أمامها، وهو الذي يسأل لها هذه المرة: "ماذا فعلت هي ليحدث لها كل ذلك؟!". تنفس بارتياح، ورغم كونه قادر على إجبارها بالدخول، ولكنه يريد بأن تأتي منها هي. دخلت معه من باب الشقة المفتوح، حتى وجد هو صوت "دلال" تعنف به "بسام" بعدما علمت ما حدث منه ومن "شادي". توقفت عن الحديث بلهفة، ورغم كون عقلها مثل عقل ولدها، ولكنها بالنهاية امرأة وأم يؤثر بها أقل شيء. وقفت بلهفة تتجه ناحية "نيروز"، وهي تأخذها بأحضانها باحتوائها، وكأنها هي الأخرى والدتها. ربتت عليها بوجع. وفي عقارب الساعة التي مرت إلى هذا الوقت تحديدًا، تستطيع أن تردف بأنها شعرت بها وشعرت بمدى ثقلها وضغطها. لوهلة وضعت "وسام" مكانها بحالها، فلم تستطع المقارنة أكثر، فقد آلمها قلبها من كم كسرتها! تركها مع "والدته" ثم ذهب إلى المطبخ وهو يشير إلى "وسام"، حتى وقفت بجانبه وهو يعد كوب من عصير الليمون فقط كي تستطيع بأن توزن نفسها. ثم قال لشقيقته باختصار: "إعمليلها سندوتش يا وسام!" أعدت ما قاله لها تزامنا مع إعداده لكوب العصير البسيط، إلى أن خرج هو سريعًا، فوجدها تجلس بين ذراعي "دلال"، وكان "بسام" يقف من على بعد بجانب "شادي"، الصامت هو الآخر. انحنى يعطيها الكوب برفق، فتراجع سريعًا ما أن استوعب حالها بيديها المرتجفة، ثم أشار لها بأن تفتح فمها. لم يترك لها فرصة بالاعتراض، بل تجرعت منه بما يكفي حتى انتهت تدريجيًا. مع أخذه من يد شقيقته حتى أعطى لها ما فعلته، وهو يردد بلين: "كلي ده يلا.. عشان تقدري تقفي على رجلك!" انتشلته منه بسكون، وقد اعتدلت فوقف يسندها معه إلى غرفته. وقبل أن يدخل بها، تقابلت عينيه التي بدت حادة جامدة مع عيني "بسام" الصامت. نظرة بمثابة رصاصة، ولأول مرة يرى الآخر به ذلك الخوف والدفاع منه عليها، بل وهو الذي عاش لم يبق أحد على عائلته، جاءت هي وفضلت عليهم بالفطرة وبطبيعة القلب عندما يعشق! أغلق خلفه باب الغرفة، ثم وقف أمامها يزيل دبوس الحجاب كي يخلعه عنها، حتى خلعته بالفعل. ابتسمت له "نيروز" أخيرًا، ابتسامة صغيرة كي تراضيه، ثم قالت بأسف، وعينيها تهبط الدموع المحبوسة منذ أن خرجت من المستشفى: "أنا بتعبك معايا أوي.. أنا أسفه إني بحطك تحت ضغط كل شوية، وأسفه إني من ساعة ما عرفتني وإنت مبتشوفش يوم حلو. كل شوية بيحصل حاجة بسببي تودينا فألف داهية زي ما أخوك بيقول.. هو عنده حق، أنا فعلا مجبتلكش غير الهم والمصايب من ساعة ما عرفتني لحد ما اتجوزنا يا غسان.. أنا آسفة!" قاطع جملتها سريعًا بلهفة من أسفها المتزايد الذي لم يظهر من قبل بهذه الكثرة. علم أنها مرهقة وموجعة من آخر ما حدث. قاطعها سريعًا باختناق، وهو يضمها بقوة مرددًا بصدق نابع من فؤاده يصحح لها: "أوعي تقولي كده تاني. إنتي من ساعة ما دخلتي حياتي وأنا حياتي دي اتغيرت وبقيت مبسوط وفرحان عشانك إنتي.. من أول ما جيت وشوفتك وسرقتي قلبي مني من غير ما أعرف، لحد ما اعترفت ليكي بحبي لما خلاص عرفت إني حبيتك، لحد كتب الكتاب اللي كنت فيه هموت من الفرحة عشان فجأة بقيتي ليا بخطوة كبيرة زي دي، ولحد يوم الفرح وأنا مكنتش مصدق نفسي، ولحد ما بقيتي مراتي فعلا، بردو مكنتش مصدق نفسي ولا عيني وإنتي جنبي وفحضني." مبسوط عشان أنا معاكي دلوقتي في اللحظة دي. مبسوط عشان وقتنا الصعب بنعيشه مع بعض، ومش أي بعض، ده أنا غسان معاكي إنتي بس. إنتي يا نيروز اللي لو جابوا ألف واحدة مكانك مش هتنفع. أنا بحبك يا نيروز ومش هسمح لحد يقولك حاجة تزعلك وتيجي عليكي. بحبك ومش عاوزك تحطي أي كلام بيتقال في دماغك. تأثرت من حديثه بشدة، وسرد عليها مراحل علاقتهما بكل شغف، وكأنهما ما زالا في البداية. لفت ذراعيها تربطهما على ظهره بتشبث، هي تتنفس بعمق، حتى خرجت منها شهقة تمزق منه للمرة التي لا تعرف عددها. يحتار بكيف يراضيها ويحاول ويفعل كما يفعل كل مرة، ولكن هذه المرة صعبة عليه. ابتلع ريقه ما أن قال حديثه الصادق. فاعتدلت تخرج من بين أحضانه، ومن ثم رفع هو أنامله يمسح دموعها برفق، وهو يسمع سؤالها المترقب الخائف: "يعني أنا مش خطر عليكم هنا؟ أنا.. أنا خايفة.. خايفة أوي وحاسة إن كل الدنيا ضدي وعليا!!!" تتعلثم بحديث أوله غير آخره. نزلت دمعته هو أخيرًا من تشتتها وضعفها الشديد الذي ظهر عليها بنبرتها وبكونها تائهة شريدة. هبطت على وجنتيه، دمعة خائبة لما تشعره هي، وهو يحرك رأسه نفيًا، ولم يخجل من خروج نبرته الضعيفة أمامها وهو يرد عليها بصدق. قوي ظهر بنبرته الضعيفة: "عمرك ما كنتي ولا هتكوني خطر علينا.. إنتي أحن وأجمل حاجة في الوجود!!!" أكمل غسان سريعًا بالإجابة الأخرى على الشق الآخر من جملتها المنكسرة بقوة: "ولو كل العالم ضد نيروز، فأنا لوحدي اللي معاها!!!" حديثه لين عليها، وصدقه نابع بشدة. تنفست بعمق من تأثرها بكلماته لها. ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه وإلى ملامحه وعينيه وحتى دمعته، وإلى هنا رفعت أناملها تمسح وجهه مع دموعها وهي تسأله مرة أخرى بعفوية: "إنت بتعيط عشاني؟" ابتسم غسان من بين دمعته الأخرى التي هبطت وهو يهز رأسه بجرأة مرددًا بصراحة هو الآخر مع خيبته: "أعمل إيه.. وقعتيني فيكي خلاص، وقعتي غسان ووقعتي دموع غسان، ومبقاش ليكي أي حل!!!" يردفها بعبث من بين دموعه. توسعت بسمتها رغم ألمها على حديثه العبثي الذي عاد كي يشتتها. تنهدت تخرج أنفاسها برفق وهي تزيح خصلاته السوداء إلى الخلف متعمقة النظر به وهي تجيبه على حديثه بكل صدق وتلقائية: "المرادي كل حاجة ليها حل إلا عيونك إنت.. عيونك اللي دموعها نزلت عشاني.. أنا آسفة!!!" تصر على هبوط الدموع دون توقف. وهذه المرة احتضنته هي وهي تأخذه بعناق مريح يريحه ويريحها. تدين له بالكثير وفي هذه اللحظة تتيقن بأنها الطرف الأصعب والغير هين بالعلاقة. اعتدل غسان وهو ينظر ناحية المرآة، جذب المشط وهو يلتفت ثم بدأ بتمشيط خصلاتها إلى الخلف وهو يتركها خلفها دون عقدها. تنفست بعمق من اهتمامه وهي تطالع نفسها. تتفهم ما يفعله من تشتيت كي تتناسى وضع والدتها الآن. لا يريد أن يتركها هي وتفكيرها. وضع مشط الرأس مكانه ثم التفت لها وهو يمسك رأسها بين يديه حتى قبل قمتها برفق. هذه المرة ثم ردد عليها حديثه اللين مرة أخرى: "إنت احلى حاجة في العمر كله عدت عليا، وأغلى حاجة عند غسان. عشان كده عاوزك تغيري تفكيرك وخوفك لحاجة في صالحك وصالحنا. عارفة نعمل إيه؟" طالعته بتساؤل بعينيها وهي ترد: "إيه؟" تنفس غسان براحة، ثم أشار لها بعينيه مرددًا بيقين: "يعني لو قمنا وتوضينا وصلينا وقرأنا قرآن.. وقام ربنا مستجاب لينا دعائنا.. تخيلي هيحصل إيه؟" استخدم طريقة أخرى تفيدها، طريقة يأخذ بها منها اليقين. وجد ملامحها تتبدل بالتدريج إلى الترحيب بالفكرة بهدوء. فابتسمت بسكون وهي تجيبه بيقين: "هيحصل إيه؟" "هنرتاح شوية.. وعاوزك تعرفي إن الحياة مبت ومشيش من غير مشاكل وإحنا.. دورنا بقا إننا نرضى باللي بيحصل ونكون ثابتين ومنعلنلش ضعفنا من أول حاجة تمر علينا. خلينا نعدي كل ده ونشتغل على مشروع حفيد لـ حامد هيموت ويبقى ليه حفيد يرضيكي أرفض له طلب!!!" إنقلب الحديث إلى آخره بعبث. طالعته ببسمة واسعة، فضحك هو بخفة وهو يردد عليها حديث آخر صادق رغم إنه يشتتها به ولكنه صادق: "تخيلي لو ربنا كرمنا.. وبقيتي أم فعلا يا نيروز.. متخيلك أم لعيالي من أول يوم شوفتك فيه وحبيتك.. وربنا لو كانوا وهيكونوا من واحدة غيرك ما عاوزهم!!!" خرجت ضحكتها الخافتة وقد نجح بإخراجها من ذلك الجو المشحون بالخوف والتوتر والإرتباك. تنهدت تخرج أنفاسها براحة من وجوده. ثم سألته باهتمام أتى من حديثه: "يعني أنا ينفع أبقى أم دلوقتي؟" لم يفهم مقصدها ولكنه حرك رأسه بشغف، يؤكد قائلاً بكل حب: "تنفعي تبقي أم في كل الأوقات.. أم لولاد غسان البدري بس!!" انحنى غسان يقبل وجنتيها عقب ما قاله. ابتلعت ريقها وهي تحرك عينيها ناحيته ثم رددت جملتها التي أتت بتلقائية من تفكيرها الذي ذهب لوالدتها: "أنا خايفة!!" انحنى سريعًا يهمس بجانب أذنها بعبث كي يشتتها أكثر مرددًا بتساؤل وهيام بها أتى من مرواغته: "إزاي بس وأنا جنبك والله ما ينفع الكلام ده!!" توترت من قربه وهي تطالع عينيه التي تحركت نحو عنقها وهو يقبلها برقة، مرددًا بنبرة منخفضة: "مش عاوزك تخافي طول ما أنا معاكي!!" حبست أنفاسها من قربه فوجدته يعتدل سريعًا ليقف ثم أسندها تقف وهو يحثها بشغف: "يلا ادخلي اتوضي عشان نصلي وندعيلها!!" حركت رأسها موافقة، وقد عادت لها أنفاسها بهذا الوقت المضغوط. دخلت المرحاض كي تتوضأ. فاعتدل هو وهو يخلع عنه قميصه بعدما فك أزراره كي يبدل ملابسه لأخرى مريحة من ملابسه التي بقى بعضها في خزانته القديمة إلى الآن!! بينما في الخارج: جلست دلال بصمت وحزن على الأريكة وبجانبها شادي الذي كلما يود تركهم والرحيل يتأزم الوضع فيظل بجانبهم. نظر ناحيتها بصمت، فتنهدت هي تخرج أنفاسها بلوم، وكأنها تحدث نفسها: "ليه كده بس يا بسام.. يارب هون علينا كل ده وعديها على خير!!" وما أن أردفت حديثها وجدته يخرج من غرفته متجهزًا للخروج. وقف يطالعها بصمت، قبل أن يفتح باب الشقة. فوقفت تسأله بريبة: "إنت رايح فين دلوقتي وسايبنا؟" لم يجيبها بل طالعها بصمت، إلى أن لامته مجددًا بقولها كما قالت من قبل وكأنها لم تمل: "بقى كده.. تقول لأخوك ومراته الكلمة اللي كانت هتخرب عليهم قبل كده؟ ليه مصمم تجيب التعب لينا يا بني؟ أهو خد جنب مننا من تاني ومش معبرني حتى.. ليه؟" حرك بسام رأسه بعشوائية، ثم ردد يجيبها بوضوح: "هو اللي فهمني غلط. أنا كل اللي قولته له إني خايف عليه وشايف إنه متهور وكان هيودي نفسه في داهية بسبب حاجات عايزة العقل حتى لو التاني بيجي عليها مش لازم يندفع ويموته عشان يرتاح ويريحها يعني!!!!" "بس إنت عارف أخوك.." عارفه وعارف إن الوقت ده كان بلاش منه!! اندفع يجيبها من دفاعها عنه بسرعة تلقائية ونبرة صادقة في قولها: "هو اللي جه وأصر نمسك في بعض، كنت أعمل إيه ساعتها وأنا بحاول أتجنبه وهو اللي في كل مرة بيروح للمشاكل برجله!!" نظرت له "دلال" نظرة قلة حيلة وحسرة، في حين نهض "شادي" يقف أمامه ثم قال هو الآخر: "خلاص الموضوع خلص، إهدوا بقى شوية وشوف انت رايح فين يا بسام يلا!!" سمع من بعدها صوت إغلاق باب الشقة بواسطة "بسام" الذي خرج، في حين أسندها "شادي" برفق وتوقف عن السير عندما سمع صوت دقات الباب مرة أخرى. وقفت هي بينما عاد خطوات إلى الخلف ثم مد يديه يفتح الباب وما أن فتحه وجد "وردة" ممسكة بيد "يامن"، ابتسم لها وهو يشير لها بالدخول، فالتفتت "دلال" تنظر إليها بحنو. في حين داعب "شادي" الصغير بحب كي يلهيه عن والدته المنهكة. في شقة "زينات" وقفت "فريدة" في المطبخ تعد وجبة ما لوالدتها التي ظهر على ملامحها الإعياء إلى الآن ولم ينتهِ، في حين بقت "زينات" في غرفة "حسن"، تترقب وضعه وهو يتحرك بخفوت تلاحظه هي، ابتلعت ريقها بضعف والآن دموعها تسقط على حاله بقوة وحال الأخرى، لم تستطع زرع الخير بهم، لم تحاول ولم تفعل. نشأوا على سوء سبب لهم قسوة قلب حتى عليها هي، عاشت هي على قسوة فاعطتهم أشد قسوة، لم تأخذ الكبرى حبًا لذا لم تعطي سوى أولادها حبًا، ولكن بالطريقة الخاطئة، فلّت زمام الأمور منها بشدة. "هتصوريني!!" قول متبجح وقح خرج منه هو للتو بعدما فتح عينيه وفاق أخيرًا. وجدته يتحدث فخرجت من شرودها سريعا وهي ترفع كفها لتمسح وجهها من آثار الدموع وللقسوة عليها هي وجدته يعتدل بألم ولم يترك للسخرية بأن تخفى بل طالعها بتهكم مع خروج نبرته الساخرة وهو يسألها: "إيه ده.. إنت دموعك بتنزل زينا؟!" سألها "حسن" وبقسوة مرة أخرى وجدت منه السؤال جاد رغم كونه متهكمًا، ابتلعت ريقها بضعف وهي تجيبه بإختناق: "بعيط على حالك وعلى اللي وصلتله.. بعيط على شكلك وعلى جسمك، بعيط بحسرة عليك يا حسن.. ليه كده يبني!!!!" تشنجت ملامحه من ما تفعله من دراما بالنسبة له هو، حرك "حسن" رأسه بعشوائية ثم وضع أصابعه على وجهه الموضوع عليه لاصق طبي في كل اتجاه تزامنا مع قوله الساخر مرة أخرى بنفاذ صبره: "ونبي بلاش الشويتين دول.. جايه تسأليني بروحك دلوقتي؟!" أكمل سريعا وهو يعتدل ليقف ببطء: "ولو يهمك حالي أوي كده فـ أنا اللي بقولك ملكيش فيه.. ملكيش دعوة بيا!!" نفت "زينات" برأسها سريعا ثم قالت جملتها رغم كونها صعبة عليها: "مليش دعوة إزاي.. هتموت.. هتموت كده يا حسن، إنت ابني وخايفة عليك!!!" "راحة.. حتى الموت راحة منكم ومن اللي شبهكم، فـ فكك مني عالآخر وملكيش دعوة بيا سمعتي؟!" وقف أخيرًا وهو يعتدل ثم نظر بالمرآة على وجه بتشنج ثم إلى اللاصق الطبي الذي وجد بيديه أثر حقنة ما، يعلم بأنه خلال دقائق ولم يتحمل الوقوف كذلك بسبب احتياج جسده منذ فترة كبيرة. التفت يشير لها بلهجة حادة مرددًا: "قومي بقى زي الشاطرة هاتيلي فلوس خليني أغور من هنا!!" وعلى جملته الأخيرة دخلت "فريدة" وهي تضع الصينية التي توجد بيديها على الطاولة، تزامنا مع ردها الساخر له: "ما إنت فعلا لازم تغور عشان حازم مستحلفلك.. أما بقا فلوس فإحنا خلاص بطلناها الشغلانة دي من زمان.. مش هتاخد ولا جنيه واحد!!" تتعمد العناد أمامه لا تعلم بأنه الخطر نفسه عليهم الآن، وبخفة أمسكها من خصلاتها بقوة وهو يرد عليها من بين ضغطه على فكه بإنفعال: "حازم مين اللي بتهدديني بيه يا بت.. أنا مبخافش من حد هنا، وإتظبطي كده وقوليلي كان إيه اللي وداكي عند شريف وعمل فيكي ايه يا ***" نهضت "زينات" تقف وهي تشير له بخوف، فقاطع قولها إجابة "فريدة" عليه بنفس الغل والحقد: "وإنت مالك إنت.. ولا أقولك تاني أصل شكلك مصدقتوش لما قالك في وسط الكلام إن صاحبك غفلك وضيع أختك!!" رفع كفه يصفعها على وجهها بتشنج، تزامنا قوله المرتفع بسؤاله لها: "قرب منك؟ قربلك يعني يا رخيصة؟!" قالها بإنفعال، فتطايرت خصلاتها بقوة أثر ضربة لها، لفحت وجهه خصلاتها السوداء الطويلة، فأمسكها هو منها مرة أخرى بشدة، حتى تأوهت وهي تأبى هبوط دموعها. أجابته بنبرة جامدة على حديثه وكأنها لم تردف شيئًا خائبًا للتو: "والله إنت وزوقك.. حد ضحك عليا وعلى عقلي وخدني الشقة عنده هيكون عايز إيه؟ لأو وضحك عليك كمان وخلاك تمشي فالطريق ده كله، وكل ده ومكفهوش وكان عايز يعمل فـ جميلة زي ما عمل فيا.. إيه رأيك في اختياراتك إنت وأبوك!" دفعها برأسها وهو يصفعها مرة أخرى صارخًا بها بنبرة مرتفعة وهو يسبها بأبشع الألفاظ: "يعني قرب منك وضيعك يا ***.. ضحك عليكي وإنتي ضحكتي علينا وهربتي منها عشانه.. بعتي نفسك بالرخيص يا زبالة!!!!!!" هزت رأسها تؤكد بجرأة، فسحبها من خصلاتها خلفه مرددًا بشرر وتهديد: "وديني لاقتلك فيها.. ياللي جيبتيلنا العار يا ***" سحبها "حسن" خلفه بحقد، فهرولت "زينات" تصرخ عاليًا ما أن فتحت باب المنزل وهي تردد بارتفاع في نبرتها الباكية مما جعل الشقق تفتح بسرعة: "إلحـــــقونــا يا خلق..إلحـــقـــونا..هيقتلها..هيقتل بنتي يا نــاس!!!!" جملتها الصارخة جعلت "دلال" تفتح باب الشقة كما فتحت شقة "عايدة" وخرج منها "جميلة" و"ياسمين" بهلع مع "عز". دفعت "زينات" في حين هرول "شادي" إليها بعدما ركض "غسان" من داخل غرفته وهو ينهض من على سجادة الصلاة معها. ركض الجميع إلى الداخل بعدما دفعوا "زينات"، وبقت "وسام" مع "يامن" بعيدًا في شقتهم، بينما اجتمع الجميع في صالة منزل "زينات"، التي انهارت أرضًا بتعب وبجانبها "عايدة" تسندها بخوف. توقف المشهد مجددًا عندما جذب هذه المرة مطوته هو من أحد الأدراج في الخارج بالصالة، ثم صرخ بها "حسن" كي تنهض وما أن رآها اللحظة المناسبة لتهديدهم قال سريعًا بمرض: "أقسم بالله اللي هيقرب ما هيكفيني دمها بس.. هـــاتوا الفلوس خليني امشي!!!!" وقف "غسان" بصمت، و"نيروز" تمسك ذراعه بخوف، في حين نزلت دموع "جميلة" وبجانب "غسان" كان يقف "عز" الذي حل محل وجهه الهجوم، و"شادي" من وسط كل هذه النساء. رددت "فريدة" بحقد أسفل يديه ونصله الحاد على رقبتها كمثل موضع الأخرى في السابق: "لو راجل إعملها.. ما آنت مبتتشطرش غير على الستات وبس!" وقفت "ياسمين" تراقب مع "وردة" الخائفة بجانب "دلال"، في حين شدد من مسكة مطوته بشر وهو يجيبها: "إخرسي يا زبالة يا رخيصة يا ضايعة.. فوقي يا بت لنفسك.. إنتي خلاص معتيش نافعة!!!!" "ما هو الراجل ما بيقولش ولا بيعمل كده.. لو راجل سيبها وتعالالي ولو خرجت منها سليم ليك كل اللي فجيوبنا كلنا!!!" كان قول "عز" الذي يتماشى مع من مثله تمامًا، كونه يرى مختلف الأشكال والألوان. تعالت ضحكات "حسن" بهيستيرية ثم هز رأسه نفيًا بقوله: "إحنا هنحور على بعض.. الكل عارف إني طالع منها خسران، فتتصرفوا وتدوني فلوس خلوني أمشي من هنا وأسيبهالكم مع ان مش عارف هتعملوا بيها ايه.. ما خلاص!!!" يخوض بشقيقته دناءته وصلت لأقصى حد مع حقارته الفائقة، تفوق على من يتشبهون بأشباه الرجال ليس إلا. تشنجت ملامح وجه "غسان" حتى أنه نفض ذراع "نيروز" وهو يقترب منه بنظرته الحادة له حتى نبس بنبرة هادئة جامدة: "إحنا قولنا قذر وماشي.. مقرف وماشي.. ناقص وبردو ماشي.. خروف ومعروفة.. لكن اللي بتعمله دلوقتي ده إسمه حاجة واحدة بس.. هبقى أقولهالك إحنا والرجالة لوحدنا عشان عيب قدام الحريم." قصد سبع بذيئة قالها بعد قوله بخفوت لم تصل إلى مسامعهم. وكي يخلو الجو المشحون، التفتت ينظر نحو الآخرين وهو يردد: "ولا إيه؟" التفت بآخر حديثه يحدج "شادي" و"عز". ففهم هو إشارته لذا، أشار "عز" للنساء بأن تخرج. فخرجت كل منهم بخوف، عدا "نيروز" التي بكت بضغط. فأشار لها "غسان" باطمئنان. سحبتها "دلال" خلفها بخوف للخارج. فبقت "زينات" واقفة تنظر بخيبة على المشهد. واقترب "عز" يقف بجانب "غسان"، وهو يردد جملته الأخيرة له: "ها كنا بنقول إيه بقا يا حسن!" "إدوني فلوس خلوني أمشي وريحوا وإستريحوا!!!!" تأوّهت عندما شدد من مسكته. فاعتدلت "زينات" بخوف. تردد له بلهفة: "طيب.. أنا هجيبلك الفلوس.. بس تسيبها. سيب أختك!!!" صرخت "فريدة" بها بعلو كاد أن يتقطع من أحبالها الصوتية حينما قالت لها بتهديد، وهي تضع يديها على يد شقيقها: "مش هتجيبي حاجة. خليه يمشي محنى زي الكلب وهو مش لاقي كيفه. لو جيبتيلوا فلوس أقسم بالله لـ أنا اللي هموت نفسي!!!!!!" العناد بهذا الوقت ليس في صالح أي منهم. لذا ما أن رأتها مستعدة لذبح نفسها، خرجت صرخة من "زينات" جعلت "غسان" يحذره سريعاً: "سيبها وكلمني راجل لراجل وساعتها هديك فلوسك!!!" ابتسم "حسن" بسخرية من كذبه. ثم تعمد تخويفهم أكثر، خاصة أنه الآن وفي هذه اللحظة في حالة غير حالته. مد يديه يحرك نصله للحاد ثم انحنى يسحبها على ساق "فريدة" حتى صرخت بألم بصوت مرتفع. ارتبكت ملامح "زينات"، فركضت بخوف إلى الداخل لتجلب له الأموال رغم صراخ "فريدة" لها بأن لا تفعل ذلك، ولكنها تنزف الآن من الدماء ما جعلها تنصعق من الأمر. "عناد بعناد يا عيلة ***. يلا إتفرجوا عليا وأنا بطير رقبتها عشان تتبسطوا!!!" سبهم سبة بذيئة. ثم ضحك هو بمرض. ولم ينتظر قدوم والدته من الداخل، بل رفع المطواة ناحية رقبتها أمام أنظار "عز" المذهول من شدة وصول احتياج جسده إلى "شادي" الذي ابتلع ريقه بخوف. وبالفعل كاد أن يسحبها على رقبتها فعاقه "كف" "غسان" وهو يندفع سريعاً يضعها أسفل رقبة "فريدة" كي يدفعها ببطء لم يسعفه. كونه لم يستطع هذه المرة دفعه كالمرة السابقة، جاءت نصف السحبة قبل أن تتوقف على كف "غسان" الذي فتح ونزف الدماء. حركه بأقل من الثانية. دفعها "غسان" عنه بذراعه الآخر. فأمسك "غسان" كفه بألم. وقد تأوّه هو بصوت. ولم ينتبه بهذه الثانية له وهو يوجه المطواة بأقل من الثانية ناحية جانبه ليسحبه بل بطعنة بها وسط إسناد "عز" و"شادي" لـ "فريدة" التي نزفت الكثير من الدماء من ساقها حتى امتلأ ما أسفلها بدماءها الغزيرة. وبخفة سريعة وسط انشغالهم بأقل من الثانية، جاءت الطعنة في جانب "غسان" بسحبها ففتحت كجرح مع سقوطه أرضاً بتأوه مرتفع. انتفض "شادي" بصراخ وهو يلتفت بعلو صوته: "غـــســـان!!!!" قالها بخوف وهو يرى الآخر ينزف الدماء بعدما وقع أرضاً وكأنه سقط صريع. اعتدل "حسن" بعدما وجدها تأتي من خلفه. دفعها ثم أخذ من بين يديها الأموال. حتى ركض وسط انشغالهم يفتح الباب الذي أغلق ودقوا عليهم من الخارج، فتحه أمامهم ثم دفعهم وهو يهرول للأسفل. بينما تفحصه "شادي" و"عز" سريعاً مع قول "عز" الخائف: "تعالى نشيله بسرعه!!!! شيل معايا قبل ما دمه يتصفي!!!!" وفي هذه اللحظة وقفت "دلال" تصرخ عالياً ببكاء عالٍ وهي تهتف باسمه: "غسان... ابني!!!!!" تراخت أعصابها وهي تنظر إليه يحملانه إلى شقتها. وفي هذه اللحظة وضعت "نيروز" يديها على أذنيها بخوف وهي تركض خلفهم ببكاء. وما أن رأت "جميلة" تهرول بحقيبة الإسعافات الأولية الخاصة بها، انحنت تبكي أرضاً بقهر وخوف. أسندتها "وردة" و"ياسمين" إلى الداخل ببكائهم هما أيضاً. في حين هرولت "جميلة" إلى الداخل. بينما قد أغشي على "دلال" التي أسندتها "عايدة". وضع "عز" بسرعة فائقة قطعة قماشية على جرحه كي يكتم الدماء في حين أعدت "جميلة" الأدوات بسرعة و"شادي" يخلع عنه تيشيرته حتى بقى عاري الصدر تحت بكاء "وسام" بعيداً بخوف من الاقتراب. بكت بأحضان "يامن". تركتهم "نيروز" وهي تركض وما أن رأته مسطحاً كذلك يفتح ويغلق عينيه بتشوش قبل أن يغشى عليه. هرولت تحتضنه من رقبته بخوف بالغ وهي تصرخ باكية: "غسان... لا متسبنيش عشان خاطري. يـــــارب لااا!" سكتت ثانية واحدة ثم صرخت بعلو صوتها بقهر وهي تتشبت به مع نبرتها الباكية المتقطعة: "يــــارب أنا تــــعبـــت والله.. معتش قــــادرة. ااه!!!!!" آهات موجوعة ومقهورة من هوسها بفقدة. احتضنته بهستيرية وبكاء هستيري. وأما عنه فهو بين الواقع وغير الواقع. رغم عدم عمق الجرح بكثرة ولكنه أنهك وتشتت بنظراته بسبب ما حقنته الأخرى من مخدر كي تستطيع خياطة الجرح سريعاً. سحبها "شادي" بعيداً عنه بخوف هو الآخر للخارج مع شقيقتها وشقيقتها الأخرى إلى أن أغلق الباب من الداخل. يعلم بأنها ستهشم الباب من كثرة الدق عليه ولكنه أخرجها كي تستطيع "جميلة" بدأ ما تفعله. جاء "عز" من داخل مرحاض الغرفة وهو يعطي لها دورق المياه لتمسح به. ورغم ارتجاف يديها ولكن كان "عز" يشجعها بالكلمات والنظرات حتى تبدأ ما تفعله. دقت "نيروز" الباب حتى كادت أن تهشمه. لأول مرة تعيش هذه الحالة به ومعه هو. في كل مرة هي من تتأذى لأجله وهذه المرة هو من تأذى لأجل أخرى بالدفاع عنها برجولته من شقيقها! جلست بخواء أمام الباب وهي تدفن رأسها بين يديها. جلست القرفصاء بوهن وضعف ولم تتوقف عن البكاء. انحنت كل من "ياسمين" و"وردة" ببكاء. ولا مفر من التعب والإنهاك. رحل "بسام" ولم يأت إلى الآن لذا الوضع بطيء جداً. جلست مستندة على الباب بضعف. ومن الناحية الأخرى يخيط جراحه هو ولم تستطع فعل شيء له. وأما "دلال" فلم تقوى قدماها على النهوض. و"وسام" تبكي!!!!! شعورها ليس هين. قاسٍ. كاسر بفرحتها التي تتهشم كل مرة. عقارب الساعة تمر ببطء وقسوة وحتى عجز. بين دقيقة والأخرى تلتفت لتدق على الباب بيديها بضعف. إلى أن وقفت "ياسمين" بجانب "وردة" ينظران عليها وهي جالسة لا حول لها ولا قوة، تأبى وترفض النهوض. إلى أن انتفضت مرة واحدة عندما شعرت بفتح الباب من خلفها بواسطة "عز" و"شادي". حمل "عز" أشياء "جميلة" وهي تسير بسرعة لترى جرح شقيقتها. في حين أسندتها "ياسمين" لتنهض مع "وردة". نهضت "نيروز" بوجع وهي تسير بسرعة إلى الداخل. فوقف "شادي" ينظر إليها بشفقة. أغلق الباب خلفها وهي وحدها من دخلت وفقط. في حين ذهب ليقطع نهوض "دلال" كي يطمئنها فقط. دخلت "نيروز" بلهفة تفرد ذراعيها وهي تنحني لتحتضنه. ما أخذه من مخدر يخدره لفترة قصيرة بل ويجعله منتبهاً بنسبة صغيرة لما يحدث دون الشعور بخياطة الجرح. قاوم على أن لا يغلق عينيه ولكنه أغلقها وهي تضمه إليها ببكاء شديد لم يأت فقط من حالته هذه، بل بكاء قوي وصل لهم بالخارج وكأنها تبكي على كل ما مر عليها. كل مرة يزداد عليها الضغط بإنهاك لم تعد تقدر عليه هي. شعرت بأنفاسه تلفح عنقها وحتى كفه الذي رفعه يضعه على ظهرها وكأنه يطمئنها رغماً عنه بسبب عدم قدرته على فتح عينيه ولكن عقله معها هي وواعٍ هو لما يحدث حوله. شهقت شهقات متمزقة وما أن استوعبت أنها تسند عليه بثقلها نهضت سريعاً تجلب غطاء رقيق تضعه على نصفه العلوي الذي كشف تخفي الجرح الذي لم يكن عميق بل وجرح يديه هو الآخر التي لفته الأخرى بشاش. لأول مرة تشعر بأنه غالٍ بهذه الطريقة. لأول مرة تذوق مرارة فقده بمجرد التخيل. بل وبأقصر وقت. ابتلعت ريقها ولم تسعفها قدمها على النهوض بل تسطحت بجانبه على الفراش تفرد عليها هي الأخرى الغطاء ثم لتشعر نفسها بالأمان والإطمئنان. هذه المرة لفت ذراعيها حول معدته وخصره وهي تتشبت بالغطاء وكأنه سيهرب منها للتو. أمسكت كفه الآخر بين يديها وقد هبطت دمعتها وهي تدلكها له بحنان. ثم شبكت أصابعها بأصابعه وهي تردد الدعاء الذي خرج بتمزق ونبرة مهزوزة وصلت إلى مسامعه أثر خوفها وثقلها من كل ما حدث: "اللهم لا ضرر إلا ضرك، ولا نفع إلا نفعك، ولا ابتلاء إلا ابتلائك، ولا معافاة إلا معافاتك، يارب إشفيهم وخليهم ليا." أنا مقدرش والله العظيم أعيش من غير حد فيهم. يارب استجب ليا بس المرة دي متوجعنيش فيهم، عشان خاطري يارب. ترددت بتمني وترجي مؤلم. ابتلعت ريقها بوهن وضعف، وهي تحاول أن تشعر بالراحة بجانبه رغم شدة أعصابها من كم هذه الأحداث. زفالخارج سحبت وردة وياسمين خلفها، وبقيت دلال تجلس بجانبها وسام. ومن الناحية الأخرى، يطمئنها شادي عليه بأن حالته ليست خطرة. استندت تقف، ومن ثم ساعدتها وسام التي سارت معها ناحية غرفته. مدت يديها دون أن تدق على الباب، فقد كان مغلقًا ولكن ليس بالكامل. نظرت، وما أن رأته مغطى ونائم وهي بجانبه تتشبث به بهذه الطريقة، وقفت. لم تستطع الدخول، بل طالعته من على بعد ببكاء، وقد تيقنت بأن حالته لم تصل للخطورة بالفعل. ابتلعت ريقها وهي تتحامل على نفسها لتتوجه ناحية المطبخ تعد له طعامًا صحيًا. في حين أغلقت وسام عليهم الباب بهدوء دون صوت، وهي ترفع كفها تمسح دموعها. ابتلعت ريقها بألم، وهي تفتح هاتفها تحاول الاتصال على أحدهم، فوجدت نبرة شادي لها يحثها بقوله من خلفها: "بلاش تقولي للحج حامد عشان ميقلقش. هو كويس والله صدقوني. ادخلي يلا ذاكري وكل حاجة هتبقى تمام. أخوكي أسد يا أخت الغالي، فمتشيليش هم!" مرح كي يخفف عنها. ابتسمت له تجامله وقد أنصتت إلى حديثه بالفعل. في حين انسحبت ببطء. فاعتدل هو ما أن سمع صوت دقات عالية على باب الشقة. فالخارج ولا رد. توجه بخفة يفتح الباب فوجدها هي بالفعل. للصدفة تأتي في كل مرة يحدث بها عقبة ومشكله كبرى. تحركت عيناه نحوها وهو يردد لها بخفوت وصل إلى مسامعها: "أهلاً!" التفتت منة تنظر له بغرابة. فمنذ آخر مرة لم تعرف عنه أي شيء، ولم تعطه الفرصة ليتحدث معها هاتفيًا، فقد حظرته من كل النواحي. ابتسمت له بسمة مصطنعة، ثم وجهت له نظرة حادة، فمنذ آخر مرة فعل فعلته وضربته على وجهه تأخذ منه موقف. أعطته كتفها بغير اهتمام وهي تكمل دق على الباب بنفس الانتظار، فوجدته يتحدث مرة أخرى بسخرية: "محدش هيرد عليكي. خلي عندك ذوق، هم 3 مرات بس إن محدش رد، لفي وامشي!" التفتت تنظر له بغيظ من طبيعة حديثه، فوجدته يحرك كتفيه ببساطة. ثم ترقب قولها الذي خرج سريعًا له بتبجح: "وإنت مالك إنت؟ أنا كنت جيت خبطت على بيتك ولا عبرتك من أصله. خليك في حالك لو سمحت، وحاول تخف شوية وتحسن من نفسك عشان أنا مش هقبل بواحد سافل زيك كده!" "بس بتحبيني!" قالها شادي باستفزاز، ولم يتحرك من مكانه. فوجدت ملامحها تتشنج برفض، وكأنها مختلة لا تعرف ماذا تريد: "لأ.. مبحبكيش. مبحبش واحد قليل الرباية شايفني واحدة جاية من الشارع. الوقت اللي المفروض تخليني أثق فيك تقوم تعمل القرف ده!" تلومه بطريقة غير مباشرة. علم هو سريعًا ما تفعله، لذا غمز لها بخفة وهو يجيبها: "هو أنا عملت حاجة؟ ما إنت ما شاء الله إيدك سابقة ومسمعة!" وأكمل سريعًا بأسف: "وأنا قولتلك مكنش قصدي ساعتها. كانت لحظة طايشة على شوية حماس. لكن والله ما شوفت واحدة زيك، ونفسي تبقي ليا. بس كل مرة ببقى خلاص هاجي وأتقدم، يحصل ظروف تخليني أأجل!" تفهمت الوضع دون أن تسأله ماذا جرى. فقد علمت عملية "سمية" من "جميلة". وقفت تنظر بصمت. فوجدته يقترب مبتسمًا بهدوء يوضح لها: "صاحبتك مش هنا. بتخيط جرح أختها وكلهم في الشقة التانية دي!" يبتسم بغباء وكأنه يردف شيئًا عاديًا للتو. اعتاد على مثل هذه الحوادث لطالما يعاشر الآن عائلة مثل عائلة "الآكرمي". يعتاد بعد أن اعتاد صديقه. نظرت له بصدمة، ثم دفعته عنها وهي تدق جرس الشقة الأخرى بخوف على صديقتها بعدم فهمها لما حدث بالتحديد. بينما وقت هو ينظر بصمت وهو شارد، إلى أن انتفض ما أن أغلقت الباب خلفها عندما فتحت لها أحدهم وتركتها تدخل. تنحنح يجلي حنجرته بصوت، ثم توجه باتجاه الشقة تزامنا مع خروج بسام من المصعد بلهفة ما أن حدثته وسام: "غسان فين يا شادي؟ كويس ولا إيه اللي حصل؟ طمني!" قالها بخوف شديد ما أن رآه أمامه. صدق شعوره بألم في موضع قلبه دون تفسير لذلك منذ الصباح. لقد شعر به، شعر بتوأمه. تنفس بقلق، وهو الآخر يطمئنه، فتركه سريعًا وهو يهرول إلى الداخل. ثم وقف يدق الباب بصوت مسموع ولم يعر لحديث شادي اهتمام عندما قال: "إهدي يا بسام.. بسيطة متخافش!" أكثر من يحبه ويخاف عليه ويهاب أن يمسه سوء. ولكنه عندما عبر عبر بالطريقة والحديث الخطأ أو الصحيح الذي فهمه الآخر بالخطأ رغم عنه. ابتلع ريقه وهو ينتظر بأن يفتح له الباب. فوجدها تفتح له الباب بسكون بعينيها الحمراء، وحتى حجابها التي غفلت هي عنه فظهرت بخصلاتها بخواء. تركها وهو يتخطاها، ثم دخل يتفحصه سريعًا وهو ينظر على الجرح، ثم مسك كفه بخوف. وما أن شعر بتململه، رفع هو كف غسان المصاب يقبله ببر وهو يردد له بأسف: "أنا آسف يا غسان.. بس فوق. فوقلي كده وإعمل اللي إنت عاوزه فيا. شوفت أنا خوفت عليك إزاي؟ كنت حاسس والله كنت حاسس إنها مش هتنتهي غير بحاجة زي دي!" يسترسل في الحديث، وعندما وجده يشدد مسكته بكفه، علم أنه ينتبه، وسينتبه بشدة بعد دقائق. ابتلع ريقه وهو يزيح خصلاته السوداء إلى الخلف. ثم تركه وهو يسير بخطوات سريعة إلى غرفته ليجلب حقيبته الطبية. تاركا نيروز واقفة بجانبه مع وسام التي دخلت تقبل قمة رأس شقيقها بحزن. وجدا هما شادي يدخل مع بسام وهو يخرج زجاجة وعلبة لتطهير آخر كونه مهووس بالتطهير بمثل هذه الأشياء. رفع اللاصق يفعل أسفله كما فعل بكفه بخوف من تطور الجروح للالتهاب. التفتت "نيروز" بسرعة تجلس بجانبه ما أن وجدت ملامحه تتشنج من أثر حرقة الجرح، ومن ثم عينيه التي فتحت أخيرًا. للحظات يفتحها ويغلقها، وما أن فتحها ثبتها على عينيها الحمراء التي سقطت دمعتها على وجهه. هو فابتسم لها بألم وهو يشعر بيديها تتمسك بكفه، وما أن شعرت بانتباهه الكلي عانقته على الفور وكأن الأمان قد عاد لها. نبس هو بخفوت سريعًا لها بجانب أذنها يطمئنها، مع قبلته لها على عنقها بخفة وهو مسطح: "أنا كويس والله.. كويس متخافيش!!!" تنحنح "شادي" يجلي حنجرته ثم قال بحرج زائف: "ما تهدي يا عم.. إهدي على نفسك إحنا واقفين!!" خرجت ضحكة "غسان" منه بخفوت حتى تألم بسبب الجرح وهو يجيب صديقه: "هو أنا لسه عملت حاجة؟!" خرجت ضحكته وحتى ضحكة "بسام" على عبثه. وجدوا هم "دلال" تدخل بصحن به طعام ما قد أعدته سريعًا، وما أن لاحظا افاقته هرولت سريعًا تعانقه وهي تنحني مرددة بلهفة: "إن شاء الله عدوينك يا ضنايا!!!" تنفس براحة في عناقها، حتى اعتدلت تنظر له بلهفة كبرى، وقد انحنت "وسام" تقبله وهي تردد له بتأثر كلمات توحي بخوفها عليه. تحرج "بسام" من الوضع خاصة أن زوجة الآخر جالسة بجانبه لا تود تركه وكأنها لا ترى سواه هو. خرج مع "شادي" من الغرفة، ومن ثم بعدهم "وسام" ما أن أشارت لها "دلال" عندما قالت لهم "نيروز" بلهفة: "سيبيها أنا.. أنا هأكله متتعبيش نفسك يا طنط انتي!!" لم تتركها سوى عندما حدجها "غسان" وهو يشير لها بأن تترك ما بيديها لها، خاصة أنه يتجنبها مثلما قالت، كما تجنب شقيقه هو الآخر بسبب حديثهم عليها ولها دون شعورهم بالنتائج منه. ابتسمت لها بتأثر وهي تتركه لها على الطاولة ثم أغلقت الباب خلفها. حرك بؤبؤيه الداكنه لها هي إلى خاصتها المليئة بالدموع المرهقة. ابتلعت "نيروز" ريقها بضعف ثم رددت له وهي تنظر له: "وقعت قلبي.. أنا.. أنا مبقتش قادرة من غيرك يا غسان.. معتش تجازف تاني عشان خاطري حتى لو عشاني أنا!!" هبطت دمعتها على كفه. وللحظة المتأثرة أنها في هذه اللحظة تناست وضع والدتها بوضعه هو وهو أمام عينيه. أمسك كفها بعمق ثم ضحك وهو يشاكسها بخفة كي يلهيها: "متقلقيش.. مش قولتلك غسان جنبك ومش هيسببك.. أنا متبت فيكي يا بنت الأكرمي والله.. بس إيه الشغل العالي ده.. ده انتي طلعتي بتحبيني وبتخافي عليا أوي!!!!" خرجت ضحكتها الخافتة وهي تعتدل ثم أجابته بصدق ولوم بآن واحد: "يعني أنا مكنتش بحبك!!!!" "تؤ.. أنا اللي بحبك.. أنا اللي حبيتك الأول إنتي وعينك.. عشان كده حرام تنزل منها دموع وتبهت بعد ما كانت بتهون الأمر!!!" تنفست بعمق من أثر كلماته وهي تجلب الصحن. اعتدل هو بنفسه بعدما حاولت إسناده ولكنه أسند نفسه بخفة. فتح فمه لها وهي تطعمه برفق وعينيها لا تفارق عينيه الشغوفة بها. قليل ما يرى بها الخوف عليه ويسعد لرؤيته للهفتها عليه. سألها بعد لحظات بترقب للوضع: "فريدة بنت عمك بقت كويسة؟!" آخر ما يتذكره دماءها التي كانت تنزفها من ساقها. يعلم بأن الحقير قد هرب، لذا لم يسأل وتعمد تجاهل الوضع أمامها كي لا تضغط هي. حركت عينيها بتيه وهي تطعمه براحة ثم قالت: "معرفش.. معرفش أي حاجة.. أنا كأني إتضربت على دماغي من ساعة اللي حصل.. مكنش في بالي ولا عقلي إلا إنت وبس.. آخر حاجة سمعتها إن جميلة خيطت جرحها لما مشت من هنا بعد ما خيطت ليك جرحك!!!" "أصيلة جميلة دي!!" تعمد بأن يستفزها ويستفز غيرتها. ابتلع ما في فمه وهو يكبت ضحكته عندما وجدها تتعمد عدم الاهتمام، ولكنها أجابته ببراعة في الرد: "أصيلة عشان بنت عمي.. نفس الدم ونفس العيلة يا بن البدري!!" لم تتحدث بها برقة بل كانت لهجتها حادة جامدة عليه. صمت وهو ينظر لها ثم قال بصدق من مدافعته عن "فريدة": "أنا عارف إنك زعلانه ومش قادرة تعاتبي عشان هي بنت عمك مش حد غريب.. بس حسن فعلاً كان مش واعي للي بيعمله.. كان هيموتها في لحظة.. بس ربنا ستر.. ولو هجازف فكل ده عشانك إنت.. جازفت عشان الحمد لله كفاية اللي عندنا وراضيين..!!" "أنا مبقتش عايزة حاجة من الدنيا غير الراحة.. راحة البال والعقل.. أنا الأيام دي تقيلة عليا أوي.. بس لولا وجودك جنبي مكنتش هقدر أعديها.. نفسي تعدي على خير وماما تقوم منها ويبعد عنا أي شر.. ونعيش في هدوء.. ده كل اللي محتاجاه مش محتاجة حاجة أكتر من كده.. أنا قاعدة دلوقتي مش قادرة أخلي بالي مع اتنين.. هي وهي في العمليات وأنا مرعوبة وإنت وإنت بحالك ده وبردو مرعوبة.. الحمل تقيل عليا أوي يا غسان.. مكنتش أعرف إن بمجرد ما بس عرفت إنها هتدخل عمليات وكل حاجة نازلة عليا بقسوة أوي.. مبخدش الفرصة حتى أرتاح.. أنا نفسي أرتاح وبس.. حتى الأيام اللي المفروض تكون بالنسبة لأي عروسة فرحة.. أنا مكانش ليا نصيب فيها.. مش قادرة حتى وأنا شايفاك بتتعب كل ده عشاني.. وكان من حقك تفرح بس اتحطيت في كل ده بسببي.. كل مرة بيحصل فيها مشكلة بتبقى بسببي ومني.. أنا مش مبسوطة حتى وأنا شايفة إن أهلك خايفين عليك مني وبسببي.. كل مرة بحس فيها إن أنا خطر عليكم حتى لو الدنيا بقت تمام.. أنا مش عايزة حد يخاف مني ومن وجودي.. مش عايزة حد يتقل مني ويضغطني ويحملني سبب أنا بتقهر عشانه.. عشان بس بتتأذى عشاني.. ومش هقدر.. مش هقدر لو جيت في مرة قولتلي إنك مشوفتش يوم عدل بسببي ومن ساعة ما عرفتني.. أنا مبقتش حمل كسرة قلب وتعب.. ولا بردو حمل إني أبعد عنك ولا كمان حمل إن حد يشيلني ذنب أنا ببقى هموت وميبقاش ليا دخل بيه.. أنا مبقتش فهيماني ولا فاهمة اللي بيحصل.. ولا حتى فاهمة اللي حواليا.. أنا نفسي مش فهيماني وأنت كـ.." قاطع الحديث عندما تحدث "غسان" سريعًا بمقاطعة مندفعة يرد على حديثها بصراحة: "بس أنا فاهمك.. فاهم إنك مليكيش ذنب في حاجة.. وجنبك حتى لو قولنا إنك بتأذيني مع إن دي مش حقيقة.. بس معاكي للآخر ومش هسمحلك كلمة إننا نبعد عن بعض عشان بردو زي ما إنتي مش هتقدري أنا مش هقدر من غيرك.. ومش عايزك تخافي عشان مش هيأثر فيا كلام حد.. أنا مش شايف غيرك ولو شايفه إنك بتدمري.. فدمرى وأنا أصلح وميهمكيش أي حاجة بعد كده طالما أنا في ضهرك.. مش أنا السند والضهر زي ما بتقولي.. أنا غسان السند التاني بعد أبوكي وملقتيش حد زيه غيري.. مش ده كلامك يا بنت الأكرمي؟" يستجوبها باهتمام فحركت رأسها تؤكد حديثه. وما أن رأى تأكيدها تنفس باطمئنان يحرك رأسه بأمان رغم أن حديثها يضغطه ولكنه يشعر بضغطها. سمعه يتحدث مرة أخرى بدفاع وتبرير يوضح به: "خلاص يبقى سيبى الحمل عليا أنا.. وأنا راضي بأي حاجة منك.. حتى لو تقل.. مع إن إنت خفيفة خف الريشة عليا وعلى قلبي.. صدقي كلامي يا نيروز وإعرفي إنه مش مجرد كلام.. إنتي مراتي وشريكة أيامي وحياتي وبحبك قبل ما تكوني كده.. وسيبك من الكلام العبيط اللي بتسمعيه ده والله لو عاشرتيهم أكتر هتفهمي إن بسام ده بيقول كلام وقت عصبية أكتر مني أنا وبيبقى ملوش أي تلاتين لازمة.. زي أمي بالظبط.. بس في الآخر أصلهم وطيبتهم بتغلب.. متكونيش حساسة ناحيتهم.. بيحبوكي ومش محملينك أي ذنب.. يمكن بس عشان جديد عليهم حياة تانية بتتضاف عليهم ومسئولية أكبر.. رغم إني مش حابب إن حد يتدخل في حياتنا ومش عاوز ده لسه.. لكن عارف في النهاية لو حصل حاجة فأنا هبقى سايبك وسط ناس أصيلة ونضيفة وبيحبوكي.. من أول حامد لحد وسام.. إنتي فرد جديد دخل علينا وطبيعي في أي بيت الواحدة بتاخد وقت على ما تفهم طبيعتهم وشخصيتهم.. بس مستعد أعملك أي حاجة وأضمنلك إن عمرك ما هتلاقي الجحود في بيت حامد البدري.." توقف عن الحديث لبرهة ثم أضاف يوضح لها أكثر ما يراه تجاهها وتجاه أي أنثى: "بيحصل ياما اللي يحصل بس في الآخر بنبقى عارفين إن ملناش غير بعض ومحدش هيخاف على التاني غير عيلته واللي منه.. لو أنا عارف إن أهلي مش كويسين معاكي مكنتش اتجوزتك إنتي يا نيروز ودي حقيقة عشان أنا أكتر حاجة بخاف عليها هي حرمة البيت.. وبحط أي واحدة مكان اختي و عمري ما بقبل إن حد يتظلم عشان بس راحة حد بحبه.. حتى لو أخويا وعاوز واحدة والواحدة دي هتتظلم معاه بقف ليه.. جميلة بنت عمك لما حسيت إنها مظلومة وقفت معاها عشان اعتبرت إنها أختي بعد ما بقى عز أخويا.. مبحسش ناحيتهم إنهم ضعف كل اللي بحسه إنهم بيبقوا مسئولية حلوة حتى لو محدش ليه علاقة بيهم.. تلقائي بحطهم مكان أختي.. زي ما بحطك مكان أختي دلوقتي.. عشان لو راحت قالت لجوزها إنها عايزة تسيبه عشان هو بيتأذى منها ووافق هيبقي ندل وجبان ومحبهاش.." وأنا بحبك ومش هندم ومش هسيبك ولا هسمع كلامك الأهبل اللي عايزة تقوليه. وقت الضغط، إنسي كل ده وساعدي نفسك معايا إنك تكوني أحسن. متقفش على الواحدة وعلى الكلمة. وصدقيني لو حسيت إن حد جه عليكي بقصد، أنا نفسي مش هسمح بده يحصل. وحتى لو حصل، حقك هيرجع وهيرجع في لحظتها يا بنت الأكرمين! وضح لها بكل شغف واهتمام، ولم يمل من الحديث بكثرة. عانقته عقب حديثه وهي تأخذ أنفاسها بعمق، دون أن تردد أي حديث. استطاع أن يبسط لها الوضع بطريقته الحانية البسيطة في شرح وجهة نظره هو، بدفاعه عنها. توسعت بسمتها عندما وجدته يردد لها بتساؤل يأخذ منها بعض من الضغوط: "طب عارفة غسان البدري قال إيه؟" همهمت بانتظار، وهي تعانقه. فردد هو بصدق، يغازلها: "يقسم بأنه لم ير بخفتها من قبل، حتى وإن زادت الهموم أثقالاً.. فثقلها لا يزن أبداً.. وإن وزن، فالثقل بثقلها أكبر خفة، أو وربنا ما بحور زي ما بقولك كده!" صدق، فلم يشعر تجاهها بأي ثقل. خرجت مبتسمة له بحب، وعينيها تعانق عينيه. أمسكت كفه المجروح، ثم رفعته تقبله. ولأول مرة تقبل هي كفه عندما شعرت بمدى شهامته وإصراره على أن يبقى بجانبها حتى ولو على الموت. "إنت الحاجة اللي هفضل أحمد ربنا عليها إنه بعتهالي في الوقت الصح عشان تكمل معايا حياتي. إنت اللي برجع له في الآخر ومببقاش ليا غيرك إنت. عشان كده الست قالت فين أشكيلك فين.. عندي كلام وحاجات وكلام!" خرجت ضحكته من تركيب جملتها الغريب، فغمز لها "غسان" سريعاً بعبث، وهو يردد: "وربنا أنا اللي عندي كلام وحاجات وكلام ومحتاج أقوله في أسرع وقت ممكن!" "محتاج تقول إيه؟" "محتاج أقول إني هموت وأدخل الحمام. اسنديني!" قالها بمرح جاد. ولأول مرة تخرج ضحكاتها بهذه الطريقة منذ فترة. اشتاق لضحكاتها بعد كل ذلك الضغط. أومأت له سريعاً، وهي تعتدل، ثم أبعدت الغطاء عنه وهي تمسك ذراعه إلى أن وقف وهي بجانبه. أسندته برفق وحنو. وهذه هي الحياة بينهما، تارة يسندها وتارة تسنده هو، كونهما معاً هي الغاية. لم تكن بالقوة الكافية للصمود دائماً، كما كان هو غير مثالي للدرجة التي تجعله قوياً متماسكاً في كل الأوقات. بالأساس يأتي لكل فرد منا وقت وينهار. هذه هي طبيعة الحياة القاسية. لم تعطي لأحد قوة كاملة بشيء محدد. وللأسف الكبير، عندما تعطينا الفرصة في حب الأشياء بكثرة، نُهزم بها في النهاية ويتبخر كل ذلك وتنتهي باللا شيء. فعلاً هما بصعوبة التي عاندت به الحياه كي تفعله ولم تقدر على فعله. لم يُهزم بها ولم تُهزم به، بل صمدا حتى إنهزما بالفعل معاً. ولكن انهزما من كثرة هموم وحمول الحياه التي من المفترض أن تكون في بدايتها معهم. يؤكد لهم الوضع بأنهم سيصمدا أكثر معاً. لطالما لم تبدأ معهم الحياه باللين الشديد بل جاءت لهم بصفعة تلو الأخرى، وكانا معاً متمسكين ببعضهما. انتظرته عندما يخرج وهي تلف حجابها بانتظام. ما أن سمعت صوت دقات الباب، خرج قبل أن تفتح هي. فوقف ببطء وهو ينظر لها تفتح خزانته آتية منها بقميص أبيض مفتوح. اختارته بعشوائية. فرد ذراعيه لها كي تلبسه إياه، وبالفعل ارتدته. فوقفت "نيروز" أمامه تغلق الأزرار. ثبت نظراته عليها بحب وراحة، إلى أن توجه يقبل وجنتيها. طالعته بلطف، ثم قالت له تعلمه: "شكل عز برا رجع تاني وعايز يشوفك!" "أصيل "عز" مش كده؟" "ابن حلال فعلاً. ربنا يخليه لـ "جميلة" ويتمم عليهم بخير!" سحب منها الحديث بذكاء إلى هذه النقطة، فأكمل يوضح لها بتفهم: "طالما قلبك عليها كده، يبقى ترجعي تكلميها وتعامليها كويس. ولازم تعرفي إنهم خبوا عليكي عشان بيحبوكي مش العكس. يعني ينفع تدعيلها وإنتي مقاطعاها؟ وحتى أخواتك.. كلنا هنا بنخاف عليكي وبنحبك. فبلاش المخ بتاع عيلتكم ده وإفهمي الدنيا فيها إيه. متشيليش من حد يا نيروز. كله على قلبك في الآخر. اتعودي ترمي ورا ضهرك عشان ترتاحي وتعرفي تعيشي!" تنفست بصوت وهي تحرك رأسها له بموافقة على حديثه، ثم رددت له كلمة واحدة صادقة: "هحاول!" أسندته من بعدها إلى فتحت باب الغرفة. اتجه له كل من "بسام" و"شادي" وحتى "عز" يسندونه بمرح كي يخففوا من حدة الأجواء. في حين وقفت هي بركن بعدما تركته معهم. تنفست بعمق وهي تقاوم تعبها. ثم نظرت بإتجاه باب الشقة كي تخرج. وجهت نظراتها ناحيته فوجدته يحثها بعينيه على أن تخرج لشقيقاتها. حركت رأسها له بخفوت وهي تتوجه بطريقها، حتى فتحت الباب وخرجت منه بالفعل وهي تغلقه مرة أخرى خلفها. عاد بنظراته اتجاههم، ثم سألهم بإهتمام به من القلق ما يكفي: "إيه الأخبار؟ خرجت من العمليات ولا لسه؟" يسألهم عنها بقلق. فأجاب "عز" سريعاً: "لسه مخرجتش. كنت بكلم حازم من شوية وقالي إنهم لسه مستنينها ومطلعتش. حتى كنت هقوم أروحلهم بس قولت أجي أطمن عليك قبل ما أمشي!" ابتسم له "غسان" بإمتنان وهو يربت على كتفيه. بينما صمت الآخران. في حين تبدلت ملامح "غسان" للقلق وهو يشير لـ "شادي" بأن يجلب له هاتفه كي يهاتف "حازم" و"بدر" للإطمئنان. جاءت "دلال" من الداخل بأكواب العصير لـ "عز" والآخرون، كنوع من أنواع الضيافة له هو. أما الآخر فشرد مرة أخرى بها وبوالدتها التي حتماً ستتأخر في غرفة العمليات. دخلت بعدما فُتح لها الباب، باب شقة "والدتها". وجدت "ياسمين" تقف مندفعة لها بلهفة، ومن ثم ارتمت هي بأحضانها وهي تأتي بالبكاء. "ياسمين" تبكي. وأمامهما فاض بها كونها تشعر بمشاعر مختلطة تحت ضغوط أخرى هي الأخرى. ولكن خطر كل ذلك الذي يمر خطر عليها. ربتت عليها "نيروز" بلهفة، ومن ثم وجدت هي "وردة" تعانقهما وهي تفرد ذراعيها عليهما مرددة بصوت مختنق وكأنها والدتهم في هذه اللحظة رغم كونها أضعف منهما: "أنا متأكدة إن كل ده هيعدي.. وماما هترجع لنا بألف سلامة!" ضمتهما إليها بتشبت وهي تقاوم البكاء. لذا اعتدلت "ياسمين" بوقفتها، ثم رفعت كفها تمسح وجهها وهي تتنفس بإرتياح. ما أن رأت نظرات "نيروز" التي عادت حانية إليهما. اعتدلت "نيروز" ثم تنهدت تخرج أنفاسها ببطء وهي تردد: "طب تعالوا نطمن على فريدة نشوف بقت كويسة ولا إيه!" اعتدلت "ياسمين" ثم تمسكت بيد "نيروز" التي رفعت كفها تمسح به دموع شقيقتها التي ظهر على ملامحها الإرهاق بشدة. تعلم هي عندما تحزن "ياسمين" تحزن بشدة، بل وعلاقتها بـ "والدتها" علاقة قوية مترابطة مهما حدث من شغب ومن عبث، تبقى "ياسمين" محط اهتمام وخوف "سمية" بسبب طبيعتها الكتومة. أغلقت "وردة" الباب خلفهن وبيديها الأخرى تمسك كف "يامن"، وهي تطالعهما يدقان باب شقة "زينات". دقيقتان وتم فتح الباب الذي تم تصليحه من ما حدث أمس. فتحت لهن "جميلة" التي كانت حالتها ساكنة بعد خوف وتوتر دام. مجتهدة في عملها ودراستها، ولديها الأدوات بالإسعافات الأولية. ولكن في كل مرة يحدث بها أمر أشبه بالخطورة، يكون فيها "بسام" هو المتولي زمام الأمور ومراعاتهم عندما ينزف أو يُجرح أحدهم. هذه المرة هي التي كانت أمام وجه المدفع. ولولا وقوف "عز" بجانبها لما فعلت ذلك بسرعة دون خوف يؤثر على تماسكها. دخلن الثلاثة، ووقفت "نيروز" تحتضن "جميلة" التي بكت وهي تتأسف لها دون مقدمات. ربتت عليها "نيروز" بتأثر، ثم قالت لها بنبرة مختنقة متلهفة: "بس.. بس يا جميلة أنا مش زعلانة. بالعكس، أنا عايزة أشكرك على اللي عملتيه مع غسان. أنا كنت مرعوبة أوي مش عارفة أقولك إيه!" قالتها بهلهفة وهي تبرر لها وتبدأ بخطوات مدروسة منه هو في تشجيعها على عدم الوقوف على كل شيء، وأن تتهاون وتجعل قلبها ليناً أكثر من طبيعتها. تدين له بالكثير. هو الآخر يحثها ويشجعها، يصبر عليها، يقف بجانبها. لوهلة شعرت بأن أحد غيره، وكان زوجها بالفعل، لما فعل كل ذلك. تيقنت بأن حبها في قلبه فاق الكثير والكثير، حتى عنها هي. في كل مرة تقتنع بأنه الوحيد من يستطيع أن يخفف عنها. تعيق أمامه ولا تستطيع التوضيح بما يجري بداخلها، ولكنه يفهمها. في كل مرة يتأزم الوضع بعدم التعبير مثله بالكلمات والأفعال. ولكن الحقيقة التي تفهمها كل يوم عن الذي قبله أنها لم تر مثله هو، لم تر مثل حدة الشباب، اللين معها وحدها، لين لم تعهده من أحد قبله من قبل ولا من بعده. كل ذلك هاجمها بقوة عندما وجدت نفسها تقف أمامهن جميعاً. وكلمات "جميلة" كانت الأولى عندما ردت عليها بعدما هدأت ودخلت معها إلى الداخل لهن أكثر، بعدها رددت بنبرة صادقة ممتنة: "أنا اللي آسفة عشان حاجات كتير يا نيروز.. وآسفة عشان غسان واللي حصل واللي عمله عشان فريدة." "أنا مش هنسى في حياتي إنه شالها من الموت من إيد واحد مبيرحمش ومفتري!" الآخر بضعف وخيبة، وكلما تتذكر بأن غدًا مواجهة أخرى مع من أنجبها تتعقد أكثر. تتجاهل ذلك. رمقتها "زينات" بأسف وهي تجلس بجانب "فريدة" ثم قالت بخذلان من نفسها: "أنا لو قعدت من هنا لسنة قدام أتأسفلك، عارفة إنك مش هتسامحيني. وعارفة إن جوزك مبيبلعنيش. بس أنا.. أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان اللي عمله ده يا بنتي!" ابنتها.. بعد كل ما فعلته لها.. ابتلعت "نيروز" ريقها بصعوبة، وقد استشعرت أكثر مدى تعرضه للخطر. ماذا إن تبدل الوضع؟ تحمد الله كل ثانية بعد الآن. انحنت تعانق "فريدة" بحب وتأثر، ثم قالت لها سريعًا: "ألف سلامة عليكي يا فريدة!" جملة واحدة أردفتها وأردفت مثلها شقيقتها وشقيقتها الأخرى. بعدها أمسكت "عايدة" "ياسمين" بخوف عليها عندما شعرت بعدم توازنها. بل انصرفت من بينهن إلى شقتها معها دون أن تنتبه لها إحداهن. بينما نظرت "فريدة" لـ "نيروز" بأسف، وقد تجمعت الدموع بمقلتيها وهي تردد لها: "أنا آسفة يا نيروز.. آسفة بجد على اللي حستيه وعيشتيه. أنا السبب، متزعليش مني. أنا عارفة اللي بتمري بيه بس والله مش عارفة أقول..." قاطعت "نيروز" حديثها سريعًا وهي تربت على كتفيها بإطمئنان، ثم قالت: "ولا يهمك يا فريدة، متقوليش حاجة.. الحمد لله إنها عدت!" قالتها وهي تعتدل، ثم نظرت نحو "منة" التي وقفت بجانب "جميلة" بركن ما. ابتسمت لها وكأنها تعبر عن أسفها من عدم رؤيتها في البداية. أشارت لها "منة" وهي تردد عليها كلمات كانت: "شدي حيلك وإجمَدي كده يا نيروز.. وإن شاء الله مامتك هتطلع منها زي الحصان.. اسمعي مني أنا!" مزحت كي تخفف عنها، فضحكت "نيروز" عليها بخفة. سمعت صوت دقات الباب، فاعتدلت تستأذن بالانصراف، فخرجت "جميلة" معها ومع "منة" هي الأخرى. فتحت الباب فوجدته "عز" الذي وقف بركن ما. أغلقت "جميلة" الباب وهي تبتسم له بلطف، ثم سارت معه ناحية شقتها وهي تشير لـ "منة" التي وقفت بجانب "نيروز" أن تتبعها، التي تابعت الوضع. فقد كان "شادي" يقف على أعتاب الباب الخاص بشقة "حامد". تعمدت تركهما مع بعضهما، ثم انسحبت تدخل بعدما أفسح لها "شادي" المكان قليلاً لتدخل. "إيه.. تحب تاخد الصورة بالألوان ولا سادة؟" قالت "منة" جملتها بسخرية منه، فقد كان يطالعها "شادي" بصمت وفقط. رمقه "شادي" بنظرة غير مهتمة، عكس حديثه الذي خرج للتو وهو يغازلها بعبث: "أكيد بالألوان عشان لون قمصانك تبان يا أم عيون قناصة!" أتت الجملة بإعجابها وهي ترمش بأهدابها بخجل قليل ما يظهر. شجعه فعلتها هذه، وبخفة اقترب منها وهو يسألها بمراوغة: "أنا ليه بحبك؟" "عشان أنا أتحب.. وإبعد عني متلزقش فيا كده!" قالتها بحدة، وقد قتلت به شغفه بمسك يديها بطريقة حانية رومانسية. اغتاظ من طريقتها، وما جذبه لها هذه الحدود التي وضعتها. من بين من يعشقون الغير، هيّن. يتضح ذلك لها. ولكن التي عرفته هي جيدًا أنه أحبها بصدق من نظراته بعيدًا عن عبثه الشديد. ابتلعت ريقها من عينيها المتجهة ناحية عينيها بقوة، تعلم أنه يريد الأسف عن ما بدر منه للمرة التي لا تعرف عددها هي. توترها نظراته لها وحتى وقوفه بجانبها، غير واثقة بعبثه هو الآخر. تنحت ثم أشارت له أمام وجهه وهي تردد: "إيه روحت فين؟.. أنا ماشية!" قاطع سيرها سريعًا وهو يقف مجددًا مرددًا بنبرة سريعة: "رايحة فين بس؟ هو أنا لحقت أقعد ولا أتكلم معاكي؟" "هقول لـ "جميلة" إني همشي.. وهروح بقى عشان متأخرش!" اعتدل "شادي" بوقفته، ثم سار يمد يديه يغلق باب شقة "حامد"، ثم التفت يردد بلطف: "طب قوليلها وأنا معاكي وهاجي أوصلك!" *** تأخذ الدواء ورغم ذلك تشعر بألم أسفل معدتها، تتجاهل عنه. لذا من شدة الألم تشعر بدوار رأس لم تنتبه له سوى "عايدة" التي جلبت لها دواءها. تأخذه مع كوب من العصير وشطيرة بسيطة تطعمها لها. انتهت "ياسمين" من تناول ما جلبته لها، ثم نظرت لها بإمتنان صادق، ولم تسطع إرداف الحديث أكثر. بل سمعت هي قول "عايدة" وهي ترد على "حازم" في الهاتف: "حاضر يا حبيبي في عينيا.. بس لما سمية تطلع كلمني وطمني وأنا معاك بردو على الخط!" لم تجد سوى إجابة لطيفة منه مع توصيته على "ياسمين" بخوفه عليها، ثم أغلق الخط. زفرت "ياسمين" بتوتر، ولم تشعر هي بدمعتها التي سقطت، بل للمفاجأة إنها شعرت بأذرع حانية تضمها، ولم تكن سوى "عايدة" التي ربتت عليها بإطمئنان، قائلة بنبرة آمنة: "هتطلع وهتبقى كويسة يا حبيبتي وهتعيش لحد ما ولادك يكبروا.. هتشوف حفيدها وحفيدي أنا كمان.. بلاش تعملي كده بقى عشان صحتك!" تنفست بعمق وراحة، تعهدها عندما تضمها الأخرى. أكثر من تكون قريبة من "عايدة" عن الأخريتين. لذا تشعر بها وبحديثها المطمئن. تنفست بصوت وهي تبتسم لها بسمة صغيرة باهتة عندما وجدتها تجلس بجانبها. ولصمت دام لدقائق شعرت بدموعها تسقط، ومن ثم الحديث الذي بدأ بالخروج لها وكأنها الدرع الآمن لها بعد فراق "حازم" و"سمية" عنها المؤقت! "أنا حاسة إن روحي بتتسحب مني بالبطيء.. ماما دي كل حاجة بالنسبالي.. عمري ما لقيت حد بيحس بيا وعارف إيه اللي جوايا غيرها.. دايما فهماني وسمعاني بقلبها.. شايلة همي والهم كله.. كانت مسئوليتنا صعبة عليها ومع ذلك كملت وربت وعلمت.. عارفة لما تحسي إن الركن اللي بيفهمك من غير ما تقولي ولا حرف بيفارق.. بيختفي بس مش عارفة لحد إمته!! لما تكون اللي إنتي عيشتي طول عمرك على صوتها ونفسها وشكلها وخانقنا.. أنا بحبها أوي وعمري ما هعرف أعيش من غيرها.. هي الوحيدة اللي ضحت وعملت حاجات كتير أوي عشاني أنا واخواتي!" ربتت على كفها باحتوائها كمثل والدتها، ولكنها وجدت نفسها تسترسل في الحديث مجددًا بشرود وتأثر: "لما بابا مات اتكسرت أوي.. كسرة محدش هيفهمها غير اللي جرب.. بس لقيت نفسي مسئولة، والاصعب إني لقيت نفسي مجبورة إني مبينش إني اتكسرت عشانها وعشان وردة ونيروز.. يمكن كلامهم ليا بإني السند ليهم لما يحصل أي حاجة هو اللي عمل ده بعدين، وهو اللي ضغطني بس عمري ما فكرت فيهم إنهم حمل.. اتجبرت أقف زي الجبل وأنا شايفة كل واحدة فيهم كانت عاملة إزاي.. كان عندي سبب أقف وأبين إني متكسرتش.. من أول ما ماما رجعت تقعد من الشغل بسبب حزنها على فراق بابا، لسفر وردة تاني، لـ تعب نيروز اللي كلنا غلبنا فيه، لقسوة عمي فالوقت ده.. لما جه علينا وخد أكتر من حقه وسكتنا.. الحالة كانت ماشية.. بس مستنتش تقف على رجليها غصب عنها من تاني.. لما نزلت اشتغل مع دراستي عشانهم كان قدامي كام حاجة تمنع ده، أولهم عمي بس هو كان عارف إني مش همشي ورا كلامه وكملت لحد ما وقفت كل واحدة على رجليها.. كان عندي سبب أكمل عشانها.. عشان ماما اللي كنت عارفة إنها هترجع.. دلوقتي لو راحت مني مش هيبقالي سبب أكمل عشانه.. المرادي هتجبر أبين كسرتي لو ده حصل!" تقسم والدة زوجها بأنها لم تر ذلك الضعف منها من قبل. كثيرًا ما تسمع الأقوال التي ترمي على مسامعها بصعوبة شخصيتها لتكون زوجة ولدها أو خطيبته بالبداية. لم تسمع لكل ذلك. تعلم بأنها طبيعة في الواقع القيل والقال. لذا تعتبرها في كل مرة مثل ابنتها. رأت الضعف غير الشراسة والتماسك المعهود منها. أين ذهب كل ذلك؟ ضمتها إلى صدرها بلهفة وحزن عليها وعلى حالها، ثم أجابتها سريعًا تحثها وتصحح لها بتشجيع للنظرة الإيجابية: "لا.. لا متقولش كده يا حبيبتي.. هتقوم وتفوق منها وهتبقى زي الفل، فكري فالأحسن ليكي ولينا عشان ده اللي يحصل.. ربك كريم أوي يا ياسمين بس إنتي خليكي واثقة فيه وعمره ما هيخذلك أبدا.. وبعدين في أسباب تكملي عشانها.. عشانك وعشان اللي فبطنك وعشان حازم وأخواتك وكل اللي حواليكي.. الدايرة بتكبر يا بنتي مبتفضلش زي ما هي.. بيت وأسرة وحياة بتتبني وكل ده هتعيشه سمية معانا بس إنتي بس اتفائلي خير وإتطمني وطمني نفسك مش تقهريها كده.. كده مينفعش!" ترمي الحديث بلهفة واحتواء، والآخرى تشهق بتمزق من بين ضم "عايدة" لها، التي بكت هي الأخرى دون صوت وهي تسمع صوت شهقاتها وصوت بكاءها الضعيف التي تقسم بأن إخفاءه كل هذه المدة كان أهون وأفضل من أن تشعر بها وهي كذلك بمثل ذلك الضعف. "الكل يحزن ويسعد.. الكل ضعيف وقوي.. الكل متماسك وغير متماسك.. الكل يعيش ولا يعيش!" كل ذلك الشئ وعكسه مع شخص وشخص آخر معه يجعله يصمد! تلك هي الحياة! الشئ الوحيد والأمنية التي لا يودونها بأن تختفي وتزول هو الشخص الأقوى الشخص الذي يواسي ويقف صامداً بجانب شخصه الآخر! وعلى الجانب الآخر بعيداً عن غرفة الأحزان بغرفة الضيوف البعيدة كانت تعانقه نفس عناق من في السابق.. هو وهي "عز وجميلة" التي وكأنها تفرغ طاقتها السلبية معه هو ما يمر عليها ضغط هي الأخرى! ضمها عز بحنو له ثم وضع يديه على ظهرها يربت بها عليها مردداً بنبرة هادئة: "لازم تبقي أقوى من كده يا جميلة، إنتي أحسن واحدة فالدنيا دي، أنا فخور بيكي أوي، وبالذات النهارده.. شوفتي بقا إنك محطوطة فمكان صالح ليكي." خرجت من أحضانه وهي تنظر له بعينين باكيتين، فهو الآخر اتضح بأنه بارع في التشتيت كي يجعلها تنظر بطريقة أخرى. لوهلة شردت بحديثه، وجدته يبتسم لها بإطمئنان، ثم ردد لها بثقة وهو يحرك رأسه يؤكد حديثه بنفسه: "عارف إنه وقت صعب أوي عليكم كلكم، وفي حاجات كتير داخلة فبعض ولخبطة بس هتعدي زي كل صعب فات وعدى.. وعايزك تعرفي إني جنبك وساندك.. وعمرك ما هتميل يا جميل، يا واقف جنبك عز الشرقاوي بذات نفسه!" توسعت بسمتها من خفته في الحديث، يظهر لها جوانبه اللطيفة كلما يمر الوقت. تنفست بعمق وهي تمسح عينيها، بل وجدت كفه يسبق كفها وهو يمسح دموعها وأهدابها برفق. رفعت عينيها بلحظة تأثر، ثم قالت له بصراحة، كبرى ظهرت بنظرة عينيها: "أنا بحبك أوي يا عز!!" "الجمال عدى الكلام والله.. تضحكيلي وتاخدي كام؟!" أردفها بخفة، أخرى مرة أخرى وهذه المرة خرجت ضحكتها عليه، ثم اعتدلت تجيبه بصدق: "أنا خدت كل اللي عاوزاه من الدنيا بوجودك، خلاص مبقتش عاوزة حاجة!" هذه المرة وجد الصدق والتأثر. يحاول رفض طلب عقله العبثي الذي يظهر هو الآخر. تعلقت عينيه بعينيها ثم قال بتلقائية: "بس أنا عاوز!!!" "عاوز إيه؟" رفض بأن تتحرك عينيه بجهة أخرى غير عينيها هي وهو يجاوبها بهيام: "عاوز بوسة!!!!" شهقت "جميلة" بصوت مسموع وهي تفتح عينيها على وسعها تتذكر حديث "نيروز" لها عن ما يفعله "غسان" من عبث بعد عقد قرانهما. بل وتعلم في العموم بأنه لم يرى تربية من قبل. أكان مثله؟ أم سيكون؟ أجابته بعفوية لا تخلو من صدمتها به: "إنت طلعت قليل الأدب زيه ولا إيه؟!" عقد "عز" حاجبيه بغرابة منها وهو يسألها: "زي مين؟" "غسان!!" ورغم تفاجئه من الإجابة ولكنه ضحك بخفة حتى رأت غمازته الرجولية تزين خده. تعمد العبث معها أكثر وهو يجعل تركيزها نحو عينيه هو وهو يجيبها بجرأة لم تعهدها منه من قبل في الحديث: "عاوز أقولك إني قليل الأدب أكتر منه.. هو أبوه رباه لكن أنا ملقتش أب يربيني فريّت نفسي بنفسي.. وتربية عز غير!" اخفض نبرته في آخر حديثه وهو يغمز لها. طالعته بخجل. وقد تعمد هو إرداف أي حديث ليجعلها تنصدم به. رغم صدقه في الشق الأول ولكنه صادق في قولها. يعلم في الأمور الشعبية أكثر من الآخر بل وبما يسمي بهذه اللغة "ابن الشارع" وحتى طبيعة مهنته جعلته أكثر تفهماً مع الغير بمختلف الأنواع في شخصياتهم. وجدته يعنفها مرة أخرى بخفة: "وبعدين أنا طلبت إيه غير بوسة بريئة يعني من مراتي عشان تقولي قليل الأدب؟ دا أنا محترم وبستأذنك قبل ما أبوسك من غير ما أطلب عشان أنا ساعات ببقى عايز أبقى قليل الأدب كده ونفسي بتهفني أعملها بس بيصعب عليا كسوفك اللطيف ده!" أشار لها بيديه سريعاً ثم قال بنبرة مندفع أثر ما فعله للتو: "حتى شوفي.. مع إنها متعتبرتش حاجة بس نمشيها يلا!!" وما أن قالها توجه بوجهه يقبل خدها بسرعة ثم اعتدل مرة أخرى. ابتلعت ريقها بخجل منه وهي تتهرب بأنظارها بمكان آخر غير عينيه. وجدت ضحكاته تعلو بإنجذاب وهو يقف يعدل من هيأته تزامناً مع قوله لها بنبرة ضاحكة: "دا إنتي بتتكسفي خالص وأنا والله ابن ناس!!" واصل مجدداً وهو يستعد كي يخرج من الغرفة مردداً بوضوح بنفس نبرته الضاحكة: "همشي أنا هعدي على الشغل وبعد كده هروحلهم المستشفى.. مع السلامه يا أجمل واحدة بتلبس أبيض في حياتي!" قالها بآخرة وهو يلتفت بوجهه ينظر نحو تنورتها البيضاء وحجاب رأسها الذي كان من نفس اللون. لأول مرة تتعايش هذه المشاعر والحديث. تيقنت بأنه يخفي الكثير من طباعه الذي كان يخفيها إحتراماً لعلاقتهما في البداية. سمعت صوت إغلاق باب الشقة من خلفه وضحكته الهادئة لم تختفي حتى أنه يعلم تدريجياً بأنها هي الأخرى وقعت به بقوة بل وتيقن بأن بما فعله استطاع التخفيف عنها ولو بشيء بسيط! بعد مرور ساعات قليلة وفي غرفة "غسان" كان مسطحاً على الأريكة ساند رأسه على فخذها. مرت "نيروز" يديها بخصلاته بشرود. وقد شعرت هي بانتظام أنفاسه قبل ساعة واحدة من الآن. شعرت بثقل في صدرها وحتى أنفاسها التي تتنهد وتخرجها بصوت بين الوقت والآخر. ولمره أخرى تشرد بأنها تدين له بالكثير. فقط أعطى لها "المصحف" تقرأ به كي يخفف من توترها كما كان يقرأ هو بهاتفه وهو يستند عليها بسبب جرحه. غفل وبقت هي على نفس الحال منذ أن تركها وبين وقت والآخر منذ أن غفل تأخذ هاتفه تهاتف "حامد" به كي تطمئن على حالة والدتها التي غابت لفترة طويلة. شعرت به يتملل في نومته بتأوه خافت منه ومع تشنج ملامح وجهه. وجدته يفتح عينيه ويفلقها. لذا تحركت بخفوت كي تعتدل وتعدل رأسه. فتح "غسان" عينيه بإنتباه لغفلته وهو في ذلك الوضع. اعتدل ينهض ببطء أمام أنظارها الحانية أسند ظهره بخفة وهو يستند عليه بجانبها. التفت برأسه ينظر لها فوجدها تطالعه بعمق ظهر في عينيها. ابتسم لها بحنو وهو يسألها بلوم: "كده تسيبيني أنام كل ده يا مفترية!" "أنا بردو اللي مفترية.. أنا سيبتك تنام لانك شكلك تعبان.. بقيت أحسن؟" قالت "نيروز", آخر حديثها بحنو وهي تسأله بلطف. فحرك رأسه لها بإطمئنان. وقد علم بأنها تخفي الدموع عنه. تود بأن تذرف الدموع دون توقف بسبب الحال وما يجري. ولكنها تتوقف وتنهر نفسها بعد الآن كونه يضغط بسببها هي! ابتلعت ريقها بتوتر وهو ينظر لها بعمق. تنفس "غسان" بصوت مسموع وهو يطالعها بنظرة متفحصة. فقد كانت عينيها مرهقة لحد كبير. كما أن بنيتها اللامعة لم تنطفئ بعد بسبب الدموع. ولو انطفأت فيعلم أنها تنطفئ حزناً ولا أكثر من ذلك! أما هي فتشعر بثقل من المكان ومن الأحداث رغماً عنها. في كل مرة تبكي بها من الأساس تلوم نفسها بعدها. لاحظت بأن أنفه تنزف كلما وضعت هي بضغط وليس هو. وقت بوقت آخر يمر عليها وتعلم أنه يعاني لأجلها وليس لأجل نفسه. كيف ستعوضه عن ذلك. وهي التي لديها وسواس بتفكيرها بكونه لم يكن سعيداً معها؟! أنفاسها التي تأخذها بتقطع توحي له بالكثير. علم أنها تود التحدث أكثر تود إظهار الحزن أكثر رغم أنها تظهره ولكن ليس كافياً بالنسبة لها. فكل ما يحدث لها كثير وكبير عليها وعلى طاقتها. رفعت يديها ترجع خصلاته التي هبطت على جبهته. أرجعتها إلى الخلف برفق واهتمام. وهي تهبط عينيها لـ عينيه التي لم تتحرك من عليها. ومن ثم سمعت نبرته العميقة وهو يهتف لها بلوم: "لو دموعك مخلصتش.. تنزل يا نيروز مع إنها غالية تنزل بس لو هترتاحي عيطي. أنا هبطت أقولك متخافيش وأنا جنبك. بس لو دي الطريقة اللي تخليكي مرتاحة عيطي.. أنا عمري ما هتقل منك أبداً.. وخلّيكي عارفة إن مهما حاولت تخبي عليا عمرك ما هتعرفي." واصل بعدها بترقب: "كلمتيهم؟" قصد بأن يغير مجرى الحديث يوصل لها رسالة وعكسها. كي تبكي ولا تبكي بنفس ذات الوقت. هزت رأسها بنعم، فتبدل سريعا وبدل حديثه وهو يغمز لها مرددا بعبث: "طب ومالك كده حلوه النهاردة وبطل كدة ليه؟" ولمرة أخرى تعلم بأنه يعزز بها ثقتها بنفسها، والنقطة الجديدة التي تدين له بها بأنها عروس من المفترض، ومعها يفترض بأن يكون سعيدا، لا يحمل معها كل هذه الهموم! بل ويصبر عليها إلى أن تصبح بنفسية أفضل بعد الآن. لا يريد سوى سعادتها قبل سعادته، وراحتها قبل راحته. والجديد بأنها ستبدأ في أن تحاول مثلما يحاول أن يسعدها. لذا ابتسمت له باتساع تراضيه ثم قالت بتساؤل له: "حلوه بدموعي وبكآبتي ونكدي عليك؟ بتطبلي يا بن البدري؟" اعتلت ضحكاته الرجولية عليها وعلى حديثها، حتى أنه مد يديه يدفع رأسها برفق كي تستند على كتفيه مرددا بمرح: "لو مطبلتش لمراتي أطبل لمين؟ لمراتي التانية؟ تؤ ميصحش!" حركت "نيروز" رأسها باندفاع ثم رمقته بحدة وهي تردد بسخرية: "تعملها وتتجوز عليا؟ مش بعيده عليك يعني ما إنت عينك زايغة!" "دا حتي حرام.. دا إنتي لوحدك بـ أربعة!" نظرت له ضاحكة بتشكك وفخر بغرور مرح طفيف وهي تسمعه يكمل دون توقف: "عمري ما هتجوز عليكي يا نيروز ولا حتى عارف أبص لغيرك بصة الحب دي اللي كنت بقول دي نظرة متصنعة بتطلع من واحد موراهوش حاجه وبيحب ينحنح زي أبويا وأمي كده، لقيت نفسي مرة واحدة ببصها ليكي غصب عني وخسرت الرهان معاهم وبقيت نحنوح عشانك وبسببك. معتقدش يعني هتيجي واحدة غيرك تخليني أعمل حاجات كنت براهن متحصلش وحصلت!" توقف لبرهة ثم واصل يسرد بحديث تعلمه لأول مرة حينما بدأ بقوله الصريح: "كنت بقول إن مش هتجوز الوقتي وهعيش حر بدماغي ورايق كده، والكل كان عارف كده مع عدا حامد. كانوا بيقولوا إن بسام هو اللي هيتجوز بسرعة وهيعمل نفسه أسرع ويستقر.. عشان كانوا شايفين فيا شوية طيش كده، رغم إنه يبان إنه طايش أكتر مني بس الأصل كان هو اللي ينفع يتولي مسئولية أكتر مني. وعلفكرة هو حب وحب بجد بس مش الإنسانه الصح. إنسانه وقعت بينا وكانت حوارات وبعد دا كله كانوا بردو مقتنعين انه هيعمل بيت قبل مني عشان كان بدماغه مصاحبش كتير يشغلوه عن اللي هو فيه. هدفه متحدد ومكانش عايز من حد حاجة ولا شاغل باله أوي بخروجات وصحاب وارتباط وغيره.. أنا اللي كنت بشده عشان يبقى إجتماعي ويتعرف ويحب الناس ويعمل صحاب. طول عمري صحابي غير صحابه وعمري ما عرفت أتأقلم مع صحابة القليلين المختلفين دول بس كنت بستحمل عشانه وأحاول أشارك الحلو اللي المفروض دا وقته السعيد. وفوسط كل دول معرفش يصاحب صحابي بردو علفكرة.. غير شادي بس عشان شادي عنده قبول بيخلي اللي قدامه إنتباهه يتلفت ليه ويحب يتكلم معاه ويعرف عنه أكتر. وشادي الوحيد اللي أقدر أقول عليه إن زيه زي بسام بالظبط!" توقف "غسان" عن الحديث وهو يسرد عليها معلومات لأول مرة تعرفها وما أن رأى أنه قد شتتها بالفعل ونظرة عينيها بالفضول له كي يسرد أكثر، ابتسم عليها ومن ثم أكمل سريعا مرة أخرى: "ليه زيه بقا دي؟ ده السؤال اللي ليه إجابة كتيرة أوي عليها. من أصلها إنه هو الوحيد اللي أستأمنه على أهل بيتي وحتى وأنا مش موجود فيه. مع إنه أهوج ولسه فيه شوية طيش بس عارف إنه جدع أوي فالآخر. فأي محنة كان هو ببقى فيها ضهري وسندي. الوقت اللي مبعرفش فيه بسام في حاجة عشان بردو كان عنده أزمة تخليه مكتئب. كان هو اللي بيعرف ويساعدني. بس كل ده هتتفاجأي منه فالآخر لما تعرفي إن اللي بيضحك ويهزر كتير ده أكتر واحد موجوع من الدنيا. وكأن كل ما الدنيا تيجي عليه أكتر يكتر الضحك أكتر.. الظاهر عكس الباطن." تابعت بحزن وشفقة من نبرته التي تغيرت فسمعته يكمل بعدها بشرود وتأثر: "إخواته أكبر منه بكتير وهو أصغر واحد فيهم. إتيتم بدري أوي من ابوه وأمه. وبعد كده إخواته كل واحد شاف حياته وسافروا وسابوه لوحده مبيسألوش عليه غير فين وفين. ده اللي يليق عليه كلمة وحيد. بس حظه ونصيبه ومن كرم ربنا إن حالتهم المادية كانت حلوة وأهله كانوا سايبين ليه فلوس إتعلم بيها وكمل تعليمه وإشتغل بعدها لحد ما صنع نفسه بنفسه. وزي ما انت شايفه عمل شركة. مع انها صغيرة بس شغالة واتعرفت ودخلت معاه وإشتغلت عشان نفس المجال وساعدته ومسبناش بعض مهما مر علينا. عرض عليا أدخل شريك معاه وأبقى ماسك فرع تاني صغير بس أنا اللي رفضت من خوفي لـ الشغل ده يفرق بينا. ياما فرق بين اخوات وعيلة كمان. قولت أحافظ عليها وكنت مصر مدخلش نفسي معاه فحاجة راس بـ راس. أشتغل عنده أه وأمسك كمان فلوس الشركة الداخلة والخارجة وأعرف كل ذرة فيها لكن شريك ورئيس كبير ليها لا!" يسخر من نفسه بالوضع الذي إن قارنه بالنهاية سيعلم بأنها متوازنة ولكن كانت وجهة نظره صحيحة. أضاف يكمل ما كان يسرد بـ: ".. محتاجش من إخواته فلوس وكان بيرفض منهم أي حاجة. إتربي معانا هنا وأبويا كان ومازال أبوه وحتى أمي أمه. أول ما مشيت من هناك وجيت هنا أنا كنت أكتر واحد قرفان ومتدايق أكتر منهم. مبينتش ده بس لما جيت مكنتش كده فالأول كنت ساكت وحاسس بغربة مع إني كبير وواعي وفاهم. ومع ان بردو دا مكاني الأصلي وبيتي. بس فراق أي حاجة صعب. حتى ولو مؤقت. فكان فراق صاحبي عليا وحش أوي. بس بعد كده عرفت إن البعيد عن العين قريب عادي مني ومن قلبي. كل دي حاجات مجرد تعود بس لما الدنيا تكون سالكة وصافية. وعمري ما شوفت من شادي حاجة وحشة عشان كده لسه باقين لبعض لحد دلوقتي. شادي ده لو كنت سببته لوحده من زمان مكنش دا بقا حاله. كان هياخد طريق عكس كل ده والعكس بردو. كان كل ما واحد فينا يحس إن التاني واخد طريق هيضيع فيه التاني يكون فايق ويشده ويحذره إننا بنلعب فأول الطريق بس لكن ندخله لا. ومشى بينا الحال هو يسندني مرة وأنا مرة. هو ينصح مرة وأنا مرة هو يبطل مرة وأنا أبطل مرة لحد ما بقينا ناصحين شوية وعرفنا إن مستقبلنا لازم نشتغل عليه وكل ده مكنش بيسلم من الخناق والشكل والحورات بس مكنش يوم بيعدي إلا وإذا كل واحد مراضي التاني فيه. مكنش حد بينام زعلان من التاني. شادي ده خلي الوفي مش مجرد صاحب حاجة صعب تتعمل تاني وصعب ألاقي زيه وصعب نفارق حتى لو الدنيا شغلتنا. هو دايما يقولي كده "يا بخت اللي بتحبه يا غسان. حب يلاقي. اهتمام يلاقي. سند تلاقي". وكنت اخاف منه ومن غمزته ليا فآخر كلامه المريب بلمساته بقا وهزارة اللي مبيفشلش يضحكني فيه فوقت ما الدنيا خلاص بتجيب آخرها معايا. وحشري بطريقة لا تطاق!" الأصدقاء ثم الأصدقاء ولم يكن الآخر له سوى خله الوفي! وكذلك هو له. لا يوجد أفضل من شعورك عندما تصنع صديق صادق. وفيا. تأثرت "نيروز" من حديثه بشدة، خاصة الجزء الذي لم يسرد منه الكثر بأن لولا وجوده بجانب صديقه لاتخذ طريق آخر. ابتلعت ريقها وهي تنظر له بتأثر ثم قالت بصدق: "إنت وجودك فحياة أي حد بيغيره للأحسن. وبيهون عليه كل المر اللي في حياته. إنت جدع أوي يا غسان وكل شوية بكتشف فيك حاجة مختلفة. عكس الظاهر وعكس الكلام اللي ممكن أكون بسمعه. بس إنت مكس وجامع بين حاجات كتير عكس بعض والأهم إنك فالآخر أحن واطيب حد في الدنيا. لا عمري كنت بطمن وأرتاح لحد بسرعة كده بس لما شوفتك من تاني حسيت بالراحة والثقة كمان اللي تخليني مرة واحدة أركب معاك العربية بثقة مني ومن ماما ومن العيلة برغم إننا عارفين بعض من زمان بس لما تغيب فترة كبيرة وترجع دا كان محسسني إنك شخص تاني. بس متغيرتش وإنت هو هو غسان. بقلة أدبه وعبثه في الكلام والحركات. عارف إنت إن أول مرة أقف في البلكونة وأشوفك فيها مكنتش انت؟" أثار حديثها الأخير فضوله. فرمقها بغرابة وهو يبتسم لها. ولكنها إعتدلت بحماس غريب وهي تكمل: "أيوه.. كنت بعيط.. ولما لقيت حد واقف بيسألني إنتي بتعيطي وكأنه يعني مش سامعني. مكنش إنت. كان أخوك بسام. مكتش بعرف أفرق بينكم بس بعد كده عرفت إنه هو اللي كان واقف في أوضتك وبلكونتك وحتى طريقته معايا كانت هادية ومحترمة. تقريبا المرات اللي بعدها كانت إنت بس المرة اللي أثرت فيا." ساعتها مقولتش السبب، ولما لقيت طريقة الكلام صعبة وبتلف وتيجي في الكلام، مسألتنيش عن السبب. إنت عرفته بنفسك لما سألتني وقلتلي: "عارف ربنا قال أحسن حاجة إيه عن الموت؟" ساعتها سألتني السؤال ده بعد ما كنت بعيط بصوت مكتوم وأنا ببص للسما. قولتلي قبلها جملة كده مش ناسيها: "في معلومة بتقول إن اللي بيبص للسما كتير يا إما بيحب حد يا إما فقد حد غالي عليه!" توقفت عن الحديث وهي تنظر على ملامحه وابتسامته حينما تذكر هذه المرة بقوة. وجدها تسأله بلطف: "فاكر قولتلي إيه لما سألتني "عارفه إيه أحسن حاجة ربنا قالها عن الموت" بعد ما عرفت إن السبب كان سابني عزيز عليا؟" كادت أن تسترسل في الحديث دون أن تعطيه الفرصة، ولكنه قاطعها بثقة وهو يردد بنبرته الهادئة وابتسامته تتسع بيقين: "وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۚ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ" رددها "غسان" بيقين، فجاءه صوتها وهي تجيبه قائلة بتأثر كما قالت له من قبل: "صدق الله العظيم." "الدنيا دي محدش بيدوم فيها للتاني. فبنموت عشان نبقى لبعض ومع بعض في الآخرة طول. فاهمة حاجة؟" جملة رددها الاثنان معًا بنبرة ضاحكة وهما يتذكران ما قاله هو في الماضي. كانت هي نفس جملته! وما أن انتهى من قولها قبلها، فرد ذراعه فتوجهت تستند بضحكتها على قمة صدره. تنفس بعمق وهو يتحدث بعدها بسخرية محببة: "الغريبة إننا إحنا اللي بقينا لبعض في الدنيا. ويا رب نبقى لبعض في الآخرة يا بنت الأكرمي!" رفعت رأسها وذراعيها تضمه وتعانقه بحب. والسعادة الوحيدة التي تشعر بها الآن بأنها بجانبه وأنفاسه تلفح وجهها هي. هي التي أصبحت له وحده. أهبط "غسان" شفتيه يقبل قمة رأسها برفق، ومن ثم خدها الذي كان تجاهه حتى ردد بعدها بغمزة عين: "عارفة كوكب الأرض قالت إيه بقى؟" "قالتلي قوليله "وقابلتك إنت لقيتك بتغير لي كل حياتي!"" قالتها بمراوغة، أخذتها منه واستطاع هو بأن يجعلها تطبع بطباعه العبثية. ضحك بخفة وهو يغمز لها: "ده كده عسل أوي وإن شاء الله هنجيب عيال!" خرجت ضحكتها وبهذا الوقت أكثر ما رأى بها بأنها استطاعت أن تخرج عن حالتها التي كانت، وبلحظة التأثر بحديثها وعينيها تعانق عينيه. اقترب منها أكثر حتى هبط بشفتيه وقبل فمها برقة سريعة، ثم اعتدل يرجع رأسه إلى الخلف، تعبيرًا عن حبه لها بهذا الوقت. ابتسمت له بخجل وهي تعتدل، فوجدته يتحدث مرة أخرى بغمزة عين جديدة وبإصرار يلمح لها بأنه يريد أطفال بالفعل دون تأجيل شيء كهذا، ولكن بطريقته العبثية: "طب إيه مش هتبقى عسل ونجيب عيال بقى؟" "قول إن شاء الله!" قالتها له وهي تعنفه بمرح خفيف. لذا ضحك وهو يحرك رأسه ناحيتها بعبث. انتشل هاتفه ما أن وجده يدق بصوته العالي باسم "عز". اعتدل ببطء بعدما اعتدلت هي. وأما عنه، فيعلم بأن هذه المكالمة التي ستوحي له بخروجها من العمليات أم ماذا. عندما قال له بأن يهاتفه فورًا عندما تخرج! ابتلع ريقه وهو يضع في حسبانه كل التوقعات. ولحظة كانت هي تراقبه باهتمام. تعلم أن الآخر معهم بالمستشفى. لذا ابتلعت ريقها وقد خفق قلبها بقوة وهي تهاجم شعورها، رافعة إصبعها مع حركة عينيها وهي تقول بنبرة مهزوزة: "رد عليه وافتح الإسبيكر عشان أسمع إنها خرجت كويسة يا غسان.. أرجوك!" تترجاه بأن لا ينهض بعدما فهمت ما يود فعله. ابتلع "غسان" ريقه بصعوبة وهو ينظر لها بشفقة والتوتر رفيقه بسببها هي! تركه يدق مرة أخرى وهو يعانقها مشددًا بعناقه تحسبًا لسماعها لشئ يحزنها، رغم أنه أمر ضعف فتظهر النتيجة بعد إفاقتها! حاولت التماسك وهي تخرج من بين أحضانه، ثم أشارت له مرة أخرى بأن يجيب. فتح "غسان" الخط ثم وضعه على وضع مكبر الصوت. ومن ثم رد بنبرة هادئة عكس ما يخفيه من اهتزاز هو الآخر: "أيوة يا عز. إيه الأخبار طمني؟" "خرجت أخيراً من العمليات. مبدئياً العملية ناجحة بس لسه لازم تفوق عشان نشوف وضعها إيه وشكلها مش هتفوق دلوقتي لسه وقت. المهم ممنوع الزيارات ولا حد ينفع يقعد غير بس الأوضة اللي فيها حازم وبدر. هم عرفوهم دلوقتي اللي عرفتهولك ده. دعواتك يا صاحبي تكمل على خير وتبقي كويسة. طمن مراتك. ولو احتاجت حاجة كلمني أنا معاك في أي وقت!" ما أن سمعت بأنها خرجت على خير وفقط دون الانتباه للباقي، أدمعت عينيها تأثرًا بغير تصديق وهي تبتلع ريقها بشكر. وحتى وإن علمت بأن النتيجة في القادم، ولكن فكرة بأنها خرجت حية ترزق هذا يكفي بالنسبة لها. خرجت من شرودها عندما وجدته يقف مستندًا بنفسه بعدما رد عليه وأغلق الخط. ثم فرد ذراعيه لها فدخلت هي بين أحضانه وهي تسمعه يردد بنبرة هادئة متأثرة: "إن شاء الله هتبقى أحسن وأحسن يا نيروز. أنا متأكد وواثق في ربنا. اطمني وطمني قلبك!" شدت "نيروز" عناقها له وقد سمعت هي صوتهم بالخارج الذي كان مرتفعًا إلى حد ما. علمت بأن الكل علم بأنها خرجت على خير منتظرين بقية النتيجة. مسحت دموعها بسرعة وهي ترفع عينيها للأعلى كعلامة للدعاء والحمد لله وشكره على هذه النعمة، متمنية أن يمر بقية الوضع على خير! طالع فرحتها العارمة بتأثر وعلم بأن أبسط ما يسعدها أن يكون من تحبهم بخير وفقط، وكانت مثله بهذه النقطة! من عناق للآخر وهي بعالم غير العالم والأفكار المتداخلة تتشتت بها وتتوه بين توقع والآخر. لتجد نفسها محاصرة بين أحضان شقيقتها التي دخلت الغرفة معهم بعدما فتح لهم "غسان" وهو يسير ببطء وهي واقفة بمكانها. ومن عناق والدته وشقيقته وحتى "جميلة" التي هرولت إليهم. وحتى "ياسمين" التي جاءت مع "عايدة" رغم تعبها الظاهر والمخفي بنفس الوقت! لم تشعر بهذه اللحظة سوى بما سمعته وبما وصل إلى مسامعها قبل قليل. ووسط الحديث المتداخل والعشوائي والأصوات العالية بالغرفة، لم تتحرك عينيها سوى نحو عينيه من على بعد وهو يقف مع "شادي" و"بسام" على بعد منهما. نظرات حب ثم ثقة بأن حتمًا سيتغير الوضع للأفضل لطالما هو بجانبها هي! وبالنهاية تقتنع مرة أخرى بأنه سند بعد الآن. كما كانت وتكون بالفعل العائلة سند هي الأخرى، ولكنه السند المختلف لها. "السند الدائم"!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...