الفصل 29 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
23
كلمة
25,450
وقت القراءة
128 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18
تلاحقنا عواقب أفعالنا أينما كنا، حتى وإن فعلنا شيئًا لا يستحق العواقب له. ثمة اختيار يوافقك بينما لم يوافق غيرك، أو نظرة معينة لشيء في حين الآخرين لم ينظروا كذلك. ومن ثم لم يأتِ سوى الوجع لأفعال كنا لها وإليها نرضى. وقف أمام الغرفة بضياع، يذهب في طرق مختلفة عن الأخرى، وقلبه المنهك الذي أذن له بالوجع لم يهدأ. وضع يديه أعلى رأسه بألم، ثم حرك رأسه نفيًا لأفكار عقله التي تعلو بقوة. يديه ملطخة بدمائها، وحتى ملابسه منذ آخر مرة حملها. حتى جاءت له نقلة تنقلها في الأسفل. دخل بسام معها إلى الداخل حيث غرفة الطوارئ ومن معه من أطباء متخصصين يعرفهم هو. ولم يقف بالخارج سوى غسان، الذي وقف بأعجوبة وساقيه لا تحتمل الوقوف. هبطت دموعه بضياع، حتى أنها تهبط دون توقف. استند على الحائط ودموعه لا تجف، في حين ظهرت هي ووالده من على بعد يركضون ناحيته بعدما عرفوا أين سيكونون هم. وقفت نيروز بلهفة تنظر له بتعب، ولم تسأله بل رأت الغرفة مغلقة ومضاءة بضوء أحمر من الدائرة أعلى الباب. وقف حامد يستند على الحائط بعجز، ودموع عينيه تهبط هو الآخر. أسنده شادي الذي حاول التماسك قبل أن يقع أرضًا، ثم أجلسه على المقعد. بينما وقف غسان بخواء ولم يستطع أيًا منهم إخراج الحديث. ارتجفت يدي نيروز من بين دموعها بقوة، حتى أنها حاولت جاهدة أن ترفعها لتمسح دموعه من على وجهه. دفعته كي يدخل بين أحضانها، ولم تكن أحضانها سوى النجاة الوحيدة من تشتته وألمه. ضمته بقوة حتى سمعت هي شهقاته الخافتة، بل وتسمع تأوه بكائه. بكت هي الأخرى بتعب، ثم تحدثت له بنبرة ضعيفة خرجت له: "هتبقي كويسة والله، والله هتبقي كويسة!" رفع يديه يزيح خصلاته إلى الخلف بتيه، ثم رفع كفه يمسح دموعه تزامناً مع قوله المتحشرج الذي ضرب فؤادها من رؤيته بمثل ذلك الضعف: "أنا خايف، خايف يا نيروز." الخوف! يأتي على الإنسان وقت يخرج ضعفه دون حرج لمن اختاره فؤاده. أما الأخرى فهي شقيقته، الأقرب دائمًا لفؤاده الذي أنهكه الآن. هزت رأسها له بلهفة ثم ربتت على كفه من بين دموعها: "متخافش!" لم تقوى على إرداف أكثر من ذلك. أخرج أنفاسه بصوت مسموع، وبان الإنهاك بكل تفاصيله. أما حامد فقد كان يجلس بخواء، لم تهبط منه سوى دموعه حتى حديث الآخر له لم يسمعه. مشهد الدماء لم يغيب باله. التفتت نيروز باندفاع عندما وجدت نفسها ستخرج منها شهقاتها. وضعت يديها على فمها ثم حاولت بأن تكتم دموعها أكثر. ولكنها تفاجأت بسؤاله الذي سأله لها وكأنه طفل ينتظر الجواب الإيجابي من والدته: "هتبقي حلوة يا نيروز صح؟" هزت رأسها تراضيه وهي تبتسم من بين دموعها، ثم رفعت يديها تمسك يديه باحتواء. تشبثت يديه بيديها وكأنه التائه من عائلته، الطفل الذي فقد كل الطرق التي تؤدي لمنزله. ثم وجد النجاة بها هي وحدها. أما عقلها فلن ينصرها في هذه اللحظة عندما وجدتها تفكر بالشخص الوحيد الذي يمكنه فعل ذلك. وضعت يديها على رأسها بألم، ثم أنزلتها ترفعها ناحية وجهه وهي تزيل دموعه التي تنهمر ولا يعرف لها طريق محدد. سحبت يديه خلفها كي يجلس بجانب والده، وبالفعل تحرك بخواء. ثم حرك رأسه بعجز ناحية حامد الذي لم ينظر إلا على باب الغرفة من أمامه. رفع غسان ذراعه يوجه وجه والده ناحية صدره حتى ضم رأسه له بوجع، وهو يهتف من بين دموعه بنفس النبرة المختنقة: "هتبقي كويسة والله يا حامد..!" وكأنه يثبت لنفسه هو الآخر الحديث. وقفت نيروز تنظر على المشهد من أمامها بألم. رأس حامد تستند ناحية صدر غسان، وشادي يضع يديه ليربت بها على ساق حامد. أخرجت نيروز هاتفها تفتح القرآن الكريم لتقرأ منه رغم دموع عينيها التي تتجمع بين كل لحظة والأخرى. تذهب في الطرقة وبيديها الهاتف تقرأ بتوتر، حتى أن صوتها قد وصل لهم وهم جالسين. تفاجأت بمن يركض خلفها. التفتت بسرعة تنظر ولم يكن سوى بدر وورده التي أمسكت يد دلال. أجاب شادي على اتصال بدر بالتأكيد! وقفت دلال تنظر بقهر والمشهد أمامها وضح لها بشدة. كادت أن تصرخ بوجع، فنهض غسان سريعاً يسندها وهو يأخذها بين أحضانه. بينما ارتتمت نيروز بأحضان ورده في هذه اللحظة. وقف بدر حتى جلس بجانب حامد الذي يهز ساقه وفمه يتحرك بالذكر من بين دموعه وفقط! بكت دلال بصوت في أحضان غسان الذي ضمها بألم. يضم الجميع في حين أنه هو الذي يريد ضمه واحدة لا يخرج منها أبدا. توجب عليه فعل ذلك منذ أن كان صغيراً. تحدثت بوجع وصوتها من بين البكاء أرسل لهم جميعاً بعض من وجعها: "أنا كنت حاسة، والله كنت حاسة وقلبي وجعني من أول اليوم! قولتلها بلاش تنزل وكأن قلبي كان حاسس!!" ربت على ظهرها من الخلف بقوة ثم أخرجها برفق، يمسك يديها كي يجلسها على المقعد بجانب والده الذي تحركت أنظاره أخيراً لها هي. من بين حبهما الذي بقى لكبر سنهما. شعر المحب بأنفاس حبيبه بجانبه. نظر لها بخواء فوجدتها تردف من بين دموعها بتعب: "وسام يا حامد، وسام بنتنا، قلبي بيوجعني أوي.." طريقتها في قول كلماتها جعلت الدموع تهبط حتى دموع بدر الذي توجه يضم رأسها بين يديه برفق، وهو يهتف لها بإطمئنان. وقف غسان على بعد منهم ينظر بصمت، حتى توقفت دموع عينيه تدريجياً. ولم يذهب عقله سوى له هو تحديداً، ولتهديده الذي علم به الجميع الآن. من يمكنه فعل شيء كهذا سوى حسن الذي برع في قلب الأحوال. إحتدت عينيه الباكية وهو يضم كفه بتوعد، وإذ كان ما يفكر به نفس ما كانت وصلت إليه والدته التي أشارت لـ نيروز من بين دموعها: "قولت، أنا قولت إن ولادي مش هيطلعوا منها على خير مادام المشاكل بدأت من ساعة ما حبها واتجوزها!" نظرت لها نيروز من بين بكائها. أغلق غسان عينيه بقوة من ما يسعه من والدته حتى توجه ليقف أمامها وهو يحذرها بنظراته فوجدها تسترسل كلماتها الموجوعة بغير وعي: "مش هقدر أشوف ولادي بيضيعوا مني والله، قولتلك يا غسان طـ.." وقبل أن تكمل حديثها حدجها غسان بتحذير موجع وهو يهتف: "إسكتي، مش وقته!" حركت رأسها بخيبة وهي تبكي، حتى توقفت عن ما كانت تردفه. أما نيروز فلم تفهم معنى آخر ما كانت ستردفه. ولكنها استشفت بأن الذنب يوجه إليها وحدها. إبتلعت ريقها بإنهاك، ثم تركت يد ورده وهي تتوجه لمقعد بعيد كي تجلس بمفردها هي ودموعها المتشتتة من ما يحدث! لم تشعر سوى بشهقاتها العالية التي وصلت إليها وهي تتذكر كل ما مر عليها في الحياة. أين العدل وأين الراحة التي وجدتها هي؟ حركت رأسها تنظر على غسان الذي ثبت نظراته عليها من على بعد. جسده أمام الغرفة التي توجد بها شقيقته كما أن عقله انقسم إلى أنصاف متعددة. أحدهم مع من بالداخل وآخر مع والديه وآخر معها، وآخر به وبمن يشك به حتى يفعل بشقيقته ذلك. وضعت نيروز يديها على أذنيها بتعب تنفي الأصوات الخارجة ثم رددت مع نفسها آيات قرآنية علها تهدأ من روعتها. توجهت ورده ناحيتها كي تضمها إليها بعاطفة أخوة، وهي الأخرى تبكي بصمت. عقارب الساعة تمر لساعة كاملة مرت عليهم وكأنها سنوات. هو يستند على الحائط بتوتر، تارة تهبط دموعه وتارة يمسحها بقوة عندما ينظر إلى وجه والديه. وحامد يجلس مستنداً على كتف بدر وشادي يمسك يد دلال وهو يربت عليها بحنان. ونيروز ترتجف يديها بين يد شقيقتها التي تهدأها بين وقت والآخر. وقف الجميع والتفت من كان لا ينظر على باب الغرفة الذي خرج منه بسام للتو. وحده! رأى التساؤلات في عين الجميع في حين هزّه غسان بقوة قبل أن يتساءل الجميع ثم صرخ به بقوله وهو يتساءل: "طمّني يا بسام، بقت كويسة صح!" أمسك بسام كف شقيقه ثم نبس بنبرة ضعيفة خرجت لهم جميعاً: "خيطوا الجرح وحطوها تحت جهاز تنفس، وهتفوق كمان شوية عشان نعرف دماغها ونظرها اتأثروا ولا لأ.." وما أن قالها ضم هو غسان بقوة فهو لم يعطي فرصة لنفسه بأن ينهار. بكاء الاثنين بأحضان بعضهما كان له صوت مرتفع بشهقات كل منهما. ضمه غسان إلى صدره بوجع، في حين بكت دلال في أحضان شادي الذي هتف بتحشرج يطمئنها: "مفيش حاجة هتتأثر والله، متقلقيش هتبقي كويسة وهتقوم من تاني أنا متأكد!" وبين أحضان والأخرى، بدر وعمه، ونيروز التي نهضت بلهفة ثم احتضنت شقيقتها. أخرج غسان شقيقه من أحضانه ثم رفع أنامله يمسح دموعه، يترك دموعه هو ويمسح دموع شقيقه! فعلها ثم قال بنبرة جاهد هو بأن تبقى ثابتة: "خليك جامد يا بسام، خليك ثابت، أختك هتبقى كويسة، هتبقى كويسة والله!" قسمة هو الوحيد الذي خرج بترجٍ وضعف، ثم ترك شقيقه وهو يسحب يد نيروز التي كانت ترتجف من بين أحضان شقيقتها. توجه بها يجلسها على المقعد، ثم نظر لها نظرة لينة. ثم توجه هو ناحية بدر وهتف بنبرة هادئة له: "روح يا بدر وخد مراتك ونيروز معاك وخد أمي عشان مينفعش التجمع ده." وقبل أن يكمل باقي حديثه وجد دلال تقف باندفاع وهي تشير له بقهر: "مش همشي فحتة وأسيب بنتي، سامعني يا غسان!!!" توجه بسام يسندها برفق، في حين خرج صوت حامد أخيرًا وهو يقف يؤيد حديث ولده: "إمشي يا بدر وخد المفتاح وخلى ورده تدخل تجيب لبس لوسام، وأدخل إنت هات لبس لشادي وغسان. أنا مش عارف أبص على الدم ده يبني!" أسند غسان والده في حين أومأ له بدر وهو يأخذ منه المفتاح، ثم أشار لورده التي اتجهت. ومن ثم قاطع سيرهم، توجه غسان يقف أمام نيروز وهو يردد: "روحي يا نيروز معاهم." "مش هسيبك وامشي مستحيل!" قالتها بجدية شديدة وهي تمسح وجهها. وجد الإصرار بنظراتها حتى أهبط نظره على كفها الذي يرتجف بطريقة ملحوظة. أمسك يديها يدلكها بلطف، ثم أشار لهم بأن يرحلوا. أخذ بدر مفتاح سيارة شادي كي يستطيع الذهاب والعودة بسرعة. أسند غسان نيروز برفق، ثم أخذ زجاجة مياه من يد بسام الذي انتشر حاله في المستشفى. ومن ثم ساعده الممرضات المعروفين منه وكذلك بعض الأطباء. وكان التجمع يسمح به رغماً عنهما كونه أحد الأطباء المعروفة بالمشفى. وضع على يديه ثم رفع يمسح وجهها بحنو. ومن ثم وضع بعض المياه على يديها كي تهدأ رجفتها. نظرت له بشفقة. ففي لحظة وجعه وألمه لم يعطي نفسه الفرصة ولا الوقت للإنهيار وحده، بل تتحرك أنظاره واهتمامه ناحية الجميع ولم يكن مهم لديه هو سوى بالنهاية! وأين النهاية إذن؟ ستفعلها هي كي لا يتأذى منها؟ عقلها بين قرارات كثيرة مصيرية! خرجت من شرودها عندما سألها بكامل اهتمامه وهو يمسك رأسها برفق: "بقيتي أحسن؟" هزت رأسها له دون حديث، ثم وجهت نظراتها ناحية ملابسه الموجود عليها الدماء. نهض يسير ناحية والده ثم مسد على خصلاته البيضاء يرجعها إلى الخلف. فتفاجأ به ينهض ببطء ثم أشار لبسام بقوله: "وصلني أوضتك يا بسام.. خليني أتوضى وأصلي!" أمسك بسام يديه يسنده وهو يومأ له، ثم سار معه لنهاية الطرقة. ومن ثم نهض شادي يذهب للمرحاض في الأسفل ليغسل وجهه ويديه. ولم يتبق سوى دلال التي لم تتوقف دموعها إلى الآن، هي الوحيدة من بينهم. رفع غسان كم ملابسه يمسح وجهها ثم هزها بحزم وهو يقول: "خلاص يا ماما بطلي عياط بقا، هتفوق وهتبقى كويسة إن شاء الله متقلقيش!" لم تتحرك أنظارها ناحية نيروز التي وقفت على بعد منهم، بل نظرت في عين غسان وهي تردد: "مفيش غيره حسن هو اللي عمل كده يا غسان، حسن اللي أنا عارفه إنه مش هيسيب حد منكم في حاله بعد ما كتبت على مراتك. إفرض أختك كانت راحت فيها، أنا مش هقدر، مش هقدر يا غسان تعالى نسيب البيت ونروح نسكن في مكان..." "إهدي، إهدي مفيش حاجة هتحصل بعد كده ولو هو فـ أنا مش هسيبه!" وكأنه يزيد من قلقها أكثر، نظرت له بلهفة ثم أجابته بإختناق: "لا، متهوبش نحيته، أنا مش مستعدة أخسر حد فيكم. سيبهاله لو هي اللي فارقة معاه أوي، سيبهاله وهو نصيب والله يبني!" حديثها التي تردفه هي دون وعي منها لا تعلم بأن عواقبه عليه هو صعبة. لم يقف لها في الحديث ولم يوقفها عند حدها، كونها بهذه الحالة. ولكن الحديث كان عليه هو أصعب ما يكون. تنهد يخرج أنفاسه بتعب، ثم أومأ لها دون تركيز، وهو يوزع نظراته عليها وهي تجلس من على بعد منهم. إعتدل ثم توجه ليستند على الجدار وما أن فعلها وجد بعض من الأطباء يخرجون من الغرفة ومعهم إحدى الممرضات. توجه غسان يقف بلهفة في حين كانت قد فعلت نيروز هي الأخرى ذلك. أجاب أحد الأطباء الواقف من أمامهم بهدوء: "هتفوق كمان شوية بس مش هتتنقل من الأوضة ألا ما نشوف الأول نتيجة الخبطة دي إيه بعد ما تفوق. مش عاوز أقول إن الزيارة الكتير دي ممنوع أصلاً لدكتور بسام يزعل مني ولا حاجة، بس أنتم أكيد فاهمين الحالة. ربنا يشفيها إن شاء الله." وما أن قالها تحرك من أمامه ومن معه أيضاً. بينما وقف غسان بتيهه ينظر على باب الغرفة ومن ثم تجاهل حديث الطبيب وهو يفتح الغرفة ليدخل بها هو ووالدته من خلفه التي توجهت نيروز لتسندها برفق. دخل غسان فوجدها منقولة على فراش أخر نظيف غير الآخر وبعيداً عنه بقليل. فقد أخذت الممرضات وقت لتنظيف المكان. وقف غسان أمام الفراش في حين تراخت قدم دلال التي جلست على بعد منها بعجز. أمسك غسان كفها الدافئ بين كفه البارد وهو يتشبت بها وقد تجمعت الدموع بمقلتيه من جديد وهو ينظر على رأسها الملتفة بالشاش على المكان المصاب والغير مصاب. لاحظ وضع الأكسجين كي تستطع أخذ الأنفاس. ومن ثم لاحظ تمسكها بيديه بقوة وتشنج ملامح وجهها وكأنها تستنجد بأحد. تلمس جسدها بلهفة وخوف عندما وجدها تتحرك بطريقة غير ملحوظة للكل. في حين دخل عليهم الغرفة سريعاً بسام الذي عاد بسرعة. وقف هو الآخر يبتلع ريقه ثم قال بنبرة خافتة من خلف شقيقه: "بتفوق!" نظر لها غسان بلهفة شديدة عندما وجدها تغمض عينيها بقوة ومن ثم رمشت بأهدابها عدة مرات حتى فتحتها بتشوش وهي تنظر على سقف الغرفة ومن بعدها تتحرك أنظارها على شقيقها وشقيقها الآخر. صداع رأسها وصوت صفارة في أذنها كان شديد حتى تأوت هي بخفوت. ومن ثم تركت يد غسان بيديها وهي ترفعها لتزيح ما يوجد على أنفها وفمها. جاهدت بخروج صوتها الضعيف لهم وهي تقول: "أنا فين!" وما أن قالت الكلمتين هبطت دموعها وهي تحاول بأن تعتدل ولكن أوقفها بسام بحزم وهو يسندها هو بطريقة صحيحة. ومن ثم نهضت دلال تتظر بحزن وهي تتحدث بلهفة: "حمد لله على سلامتك يا حبيبتي." قالتها وهي تقف بجانبها نيروز. أما غسان فوقف بترقب ليعلم حالتها كما كان بسام. هتفت هي من بين دموع عينيها برهبة وهي تتمسك بيد بسام: "مشيني من هنا يا غسان، إنت عارف إني مبحبش المستشفيات وبخاف منها، عشان خاطري مشيني!" أخطأت في الأسماء كون تركيزها مهزوز. لاحظ غسان بأن الكلمات من المفترض بأن تكون له في حين بأن الآخر يعتاد المستشفى! هز لها بسام رأسه. بينما أمسك غسان يديها وهو يطاوع ما تفكر هي به: "حاضر هخليكي تمشيكي من هنا بس اصبري يشوفوا الأشعة اللي هتتعمل على دماغك وهنمشي علطول ماشي؟" نظرت تستشف مدى صدق كلماته. بينما هبطت دموع عينيها. فتوجهت نيروز تربت على قدمها بإطمئنان فوجدتها تهتف باسمها قائلة: "قوليله يا نيروز يمشيني عشان خاطري!" هزت رأسها لها بلهفة ودموعها لا تتوقف ثم تصنعت بأن تنظر على بسام كي لا تقلقها على نفسها حتى هتفت له بتصنع: "إسمع كلامها يا غسان لو سمحت، مشيها من هنا." خرج غسان على الفور من الغرفة وهو يكتم دموعه حتى وجد أطباء الأشعة يقطعون طريقه تفهم هو بأنهما جاءا من الإنذار. خرجت من بعده نيروز التي أمسكت كتفه بموساه. بينما أمسك بسام يد والدته يسندها للخارج. والكل في الانتظار من النتيجة السريعة التي ستحدد إن كانت ستمكث أم سترحل...!! ربتت هي على يد "جميلة" بمواساة، و"عايدة" تحمل "يامن". لاحظ الجميع صوت رجل يجلي حنجرته عند باب الشقة المفتوح، ولم يكن سوى "عز" الذي هاتف "جميلة" قبل قليل وعلم منها ما حدث حتى جاء سريعاً. نهضت "جميلة" بسرعة، كما حثه البقية على الدخول. دخل بحرج، ثم رحب بـ "عايدة" التي ابتسمت له قائلة: "اتفضل أقعد يا بني!" جلس "عز" بجانب "جميلة" التي ظهر على ملامحها القلق، فهتف هو بنبرة هادئة يطمئنها: "متخافيش يا جميلة، إن شاء الله خير." حركت هي أنظارها ناحيته ثم هتفت بخوف ظهر بنبرتها: "مخافش إزاي يا عز دي بيقولو مضروبة على راسها ربنا يستر، وكمان لو اللي فـ دماغي هو الصح مش هيبقي فيها خير أبداً." المواساة كيف بدون أحضان ومسكة يد؟ هو الذي لا يحق له فعل ذلك الآن. نظر لها بهدوء، ثم نبس بنبرة لينة يطمئنها: "إيه اللي فـ دماغك؟ إهدي كده وإطمني وإتفائلي خير." "لا، اللي عمل كده مفيش غيره، هو حسن، حسن اللي بعد ما حصل اللي حصل وأنا معاك تحت طلع قل الدنيا هنا وعمل مشاكل بين نيروز وغسان ووقع الدنيا فبعضها وهدد غسان بإنه مش هسيبه ولا هيسيب اللي منه!" قلقها الظاهر يقلقه هو شخصياً. اعتدل في جلسته ينظر لها باهتمام، حتى يخرج منها توترها وهو يقول: "جميلة بصيلي، شيلي من دماغك الاحتمالات دي الوقتي، دي حاجات مش هتجيب غير مشاكل. إنتِ أكيد مش محتاجة غير صحة قريبتك وإنها تكون بخير. قومي تعالي معانا نروح لهم المستشفى. أنا كنت هروح لـ أمي وفرح بس لما عرفت اللي حصل رجعتلك هنا!" نظرت له بتيه، ثم رأته يقف وهو ينظر قائلاً لهما بلباقة: "عن إذنكم، هروحلهم عشان لو حد محتاج حاجة. وبعد إذنك هاخد جميلة معايا عشان تشوفهم!" أومأت له "عايدة" دون أن تردف حديث. ارتباكها كان أقوى من ذلك. نهضت "جميلة" بخفة ومن ثم سمعت "منه" وهي تقول: "استنوا خدوني معاكم!" أخفض "عز" أنظاره على الفور، فأومأت لها "جميلة" وهي تمسك يديها ليتحركا معاً خلفه وهو يخرج من باب الشقة، ومن ثم أغلقت "منه" الباب خلفها. وقبل أن يتوجه كل منهم للمصعد، تفاجأوا هم بخروج "بدر" و"وردة" ومعهم بعض الأكياس بيديهم. هتفت "جميلة" تساؤلاً لهما: "انتوا هنا من امتى؟" "جينا بسرعة نجيب لبس ليهم، انتوا رايحين؟" هز "عز" رأسه لـ "بدر". فنفس بعمق، وهو يجيبه بلطف: "طب انزلوا هاخدكم فالعربية معايا!" سبقت "جميلة" مع "منه" على السلم ومن أمامهم "عز" الذي أخذ الأكياس من بين يدي "وردة" بلباقة. ومن ثم دلف الاثنان المصعد ليهبطا حتى يتوجه كل منهم إلى الوجهة المحددة. *** بعد مرور بعض الوقت، وقف "غسان" ينتظر بينما دخل شقيقه معهم بالداخل مرة أخرى. أمسكت "نيروز" كفه بمواساة وهي تقف تنتظر. بينما كان "حامد" يقف بلهفة ينتظر خروج من بالداخل كي يرى ابنته. جلست "دلال" تنظر بترقب. ففتح الباب مرة أخرى ووقف الجميع. بينما لم يعط "حامد" الفرصة لهم بل دخل بسرعة فائقة للداخل. في حين وقف "غسان" يبتلع ريقه حتى سحبته "نيروز" إلى الداخل. بينما وقف "شادي" فالخارج ينتظر، حيث كانت الدماء عليه أكثر شيء. في الداخل وقف "بسام" في أحد الأركان يسمع حديث الطبيب الذي رأى الأشعة على الفور. هتف لهم بنبرة هادئة مطمئنة: "الحمد لله مفيش أي حاجة حصلت فالدماغ وده من ستر ربنا. كان ممكن يحصل فقدان مؤقت في الذاكرة وكان ممكن يأثر على حركات معينة فالجسم بس مفيش حاجة خطر ظهرت قدامي. هي بس تركيزها هيبقي مش قد كده ليوم قدام وإحذروا الحركة الكتير ليها. ممكن عادي تروح مفيش مشكلة بس بلاش إجهاد لأن الصداع مش هيروح دلوقتي من عندها ولا وجع الأذن. عن إذنكم، وخدوا أسماء العلاج المعين اللي هتاخده من دكتور أحمد تحت!" تنفس "غسان" براحة وهو يبتسم له كما فعل "بسام". فتوجه "غسان" سريعاً ينظر إليها، فوجدها تبكي بانهيار في أحضان والدها الذي بكى هو الآخر وهو يهتف من بين دموعه: "كده بردو يا وسام، كده توقعي قلبي عليكي!" تشبثت بأحضانها في حين أمسكت هي يد والدتها من الناحية الأخرى حتى خرجت من أحضانهم وهي تنظر للواقف من أمامها كونها تعلم بأنه الوحيد الذي سيلبي ما تريده: "مشيني من هنا يا غسان عشان خاطري، مش قادرة أقعد، روحوني بقا!" وهذه المرة نظرت له. ابتسم لها باطمئنان، ثم حرك أنظاره فالغرفة انقسمت إلى نصفين كبيرين، مما جعلها لم تتحرك منها إلا من فراش لآخر وفقط، بل وبها من الأجهزة الكبيرة ما يكفي. وقف "حامد" ببطء ثم أمسك يد "نيروز" يربت عليها بحنان، وهو يهتف: "معلش يا بنتي تعبناكي معانا. في لبس هيجي لوسام عاوزك تساعديها تغيره عشان زي ما إنتِ شايفة دلال أعصابها مش فيها!" نظرت له "نيروز" بلهفة ثم حركت رأسها بالإيجاب وهي تقول: "انت بتقول إيه يا عمو؟ تعب إيه وسام زي أختي وأكتر. حاضر بس هي فين الهدوم دي؟" وما أن قالتها وجدت من يدق الغرفة عليهم ولم تكن سوى "وردة" التي تنهج بصوت مسموع. فقد بذل كل منهم أقصى ما لديه من سرعة كي يأتوا من قيادة "بدر" للسيارة والبقية بالخارج. تفهم الجميع ما سيحدث الآن، حتى خرج "بسام" وهو يسحب يد شقيقه، ثم خرج "حامد" وهو يسند "دلال"، وبقت "وردة" و"نيروز" كي يتكفلا بتغيير ملابس "وسام" ومعهما ممرضة واحدة فقط. في الخارج توجه "شادي" و"غسان" ناحية المرحاض لتبديل ملابسهما الفوقية. أما "حامد" فوقف ينظر إلى "دلال" التي شردت بتفكيرها. نظر لها بحنو، ثم أمسك يديها قائلاً بتساؤل: "إنتِ كويسة يا دلال؟" "كويسة يا حامد بس قلبي واجعني مش مطمنة. خايفة على عيالي. أعصابي مبقتش فيا." احتضنها بحب ما أن رأى قلة حيلتها. ابتلع ريقه ثم همس لها بجانب أذنها: "كل حاجة هتبقي كويسة إن شاء الله." "بطل شقاوة بقا يا عمي مش فالمستشفى كده!" قال "بدر" حديثه، أمام نظرات "جميلة" و"عز" من على بعد، وكذلك "منه" التي نظرت بلطف لعلاقتهما. ضحك "حامد" بخفة، ثم نظر لآخر الطرقة ووجد "غسان" يأتي بجانب "شادي". ومن ثم فتح باب الغرفة سريعاً، حتى دخل "غسان" بها بسرعة. بينما هبط "بسام" منذ قليل ليجلب الأدوية التي كانت بالأسفل. وقف "غسان" أمام نظرات شقيقته التي ترجته بنظراتها. أشارت له الممرضة بأن يحملها. توجهت "نيروز" تسندها برفق لتجلس. ومن ثم اعتدل "غسان" يحملها ببطء بين ذراعيه وهو يبتسم لها باطمئنان. فر "شادي" سريعاً للأسفل حتى يجهز السيارة. بينما توجه "بدر" يدفع حساب المستشفى كون كل منهم فر خلفها وخلف دمائها دون تحسب لذلك. أسندت "نيروز" "دلال" برفق. في حين سار "عز" بجانب "جميلة" و"منه" التي نظرت بشفقة على حالهم ثم إعجاب بلهفة "شادي" على صديقه ووالدي صديقه. دقائق بسيطة وقد خلى المكان، ومن ثم من الواضح بأن المعظم سيرحل ليعود إلى المنزل بمواصلة وسيارة أجرة. ساعات قليلة، وفي نفس الوقت كانت أكثر من الكثرة عليهم في مرور الوقت. وقف "حسن" يمسك زجاجة المياه بعد مرور وقت كبير على الاثنين معًا خارج المنزل. وضع بعض الماء على يديه كي يغسل بها وجهه، كما نظف الآخر ملابسه من الدماء بأعجوبة. زفر "شريف" بضجر وهو يقول غير عابئ بالمارة على الطريق من جانبه، وهو يسبه قبل أن يردد بحنق: "مبناخدش منك غير القرف وخلاص!" نظر له "حسن" بغير اهتمام، ثم قلب عينيه بملل وهو يسأله بجدية شديدة: "هنعمل إيه دلوقتي؟" توقف "شريف" عن ما يفعله، ثم نظر له باستنكار وهو يقول: "إسمها تعمل إيه إنت. أنا مليش فيه، أنا قولتلك على الطريقة وشد إنت بقا. تستخبى في بيتك، في بيت آدم، أو عند أي حد من الشلة، أو قهوة أبو تميم، المهم برا عني خالص وعن وجع الدماغ ده!" قالها قاصدًا المقهى الذي كان يجلس به معه ومع الشباب. نظر له "حسن" بغضب، ثم هتف باستنكار: "إنت كل مرة تسحبني للحاجة وتسيب أمي كده! هتبطل عوالة إمته!" "ليه يا خويا كنت واعدك بإيه أنا وخلّيت بالوعد؟ أظبط كده عشان منزعلش من بعض. وخليك فاكر إنك اللي جيت وقولت أنا عاوز آخد حقي يا شريف وعاوز أقهره وأحزنه على اللي منه. مش ذنبي بقا إنك خرع ومبتعرفش تاخد حق لنفسك لوحدك. إن كان في دي أو في اللي قبلها فأنت كده كده غبي ومبتعرفش تتصرف يا بو علي!" ضغط "حسن" على فكه بغيظ منه، ثم أشار له بإنفعال وهو يتحدث بصوت مرتفع: "إنت مش بتفكر! مبتديش عقد نافع ليه بعدها؟ بقولك أستخبى فين؟ تقوللي آدم. أول مكان هيكون فيه عندي هو مكان آدم. إنت عبيط!" توجه "شريف" يقف أمامه، ثم حرك أنظاره عليه وهو يهتف بهدوء: "مش عاوز أقولك يا حسن إن لو حد لقيانا وشافنا هنتروق فيها. بس آدم الوحيد اللي ينفع نروح نقعد عنده، فخف كده وإهدى!" "إنت عبيط؟ ما هو هيجيلنا هناك ولو لقيانا هنتروق!" إحتدت عيني "شريف" وهو يطالعه، ثم أجابه بحده ظهرت في نبرته: "يروق مين؟ ما توزن كلامك إنت كمان. متخلنيش أروح أمسكه أموته في إيدي. قادر وأعملها خد بالك، فاسكت بقا!" "طب أقعد في جنب طيب الوقتي، وإسكت خلينا نشوف هنعمل إيه في الورطة دي!!!" قالها بغير اهتمام. فطالعه "شريف" بتحدي من كلماته الغير مهتمة بقدرته. ضغط على فكه ثم قال بعناد: "متخلنيش يا حسن نروح عند آدم وتشوف هيحصل إيه!!" "إنت غبي يا بني؟ لو غسان ملبوخ دلوقتي بعدين هيجي يطربقها على دماغنا!" قال "حسن" حديثه بتحذير. فوجد "شريف" يشير له بغير اهتمام، ثم وقف ينظر بعينيه بشرر وهو يقول: "طب لو روحنا عند آدم وغسان جه وشوفت شغلي معاه، وإن حصل حاجة منه هواديه في ستين داهية من غير ما نلبس. هتقول إيه؟" نظر له "حسن" بغير فهم، ثم قلب عينيه بملل وهو يشير له بضجر: "أنا دماغي مش فيا يا عم إنت. أنا ماشي. لو هتيجي عند آدم تسكت خالص ومتتكلمش عن اللي حصل عشان هو على آخره وممكن يمشينا من البيت وساعتها مش هنضمن نروح عند حد تاني. وأنا معنديش في الآخر غيره عشان دماغي بتروق هناك وأنا محتاج الوقتي وطظ بقا!" صمت "حسن" يأخذ أنفاسه، ثم قال: "هنروحله دلوقتي وبعد ما ناخد اللي فيها نطلع على مكان من اللي قولت عليه. يلا أنا مبقتش قادر!!!" تشتت عقله من فكرة احتياجه. بل ويديه ترتجف بقوة الآن وخرج آخر الحديث عندما شعر باحتياج جسده لجرعة ما من المخدر الذي تأخر عن حقنه. قال كلماته وهو غير عابئ بالآخر ولا لكلماته المتوعدة التي خرجت منه. بل سار من أمامه بعدما أشار له. ترك "شريف" الزجاجة من يديه تقع أرضًا، ثم سار هو الآخر وعقله ليس منشغل إلا بأفكاره. فقوله لكلماته المتوعدة دون حساب لها أتى من تهيج الدماء بعروقه. لم يفعل ولم يكن بعقله خطة، ولكن إن مسه حدة الشباب بسوء سيفعل ما يتوجب فعله عليه لطالما ورط نفسه مع "حسن". المرة السابقة لم يتدخل هو، وإن حدث بمرة أخرى وعلم الآخر بأنه مشترك بما فعله الآخر بشقيقته فحتماً سيتوجب عليه الوقوف له للدفاع عن نفسه غير مهتم بصديقه! عندما قلب الأفكار بعقله لم يجد هو سوى بيت آدم وفقط! كل من الأماكن الأخرى لم تستمر طويلاً. ولكنه سيفكر في الأمر! وقفت سيارة تلو الأخرى أسفل المبنى. مابين سيارة "شادي" وسيارات أجرة أخرى أتت خلف سيارة الأول من المشفى. توقف "بدر" عن قيادة السيارة وهو يركنها على إحدى الجوانب. ففتح "غسان" الباب برفق، ومن ثم هبط حتى فرد ذراعيه يحمل "وسام" رغم قدرتها على السير، ولكنه أصر على حملها. سار بتمهل للداخل وأول من دخل المصعد كان هو وهو يحملها ومعه "دلال" التي أسندتها "نيروز" برفق. إلى أن وقفت حتى رأت المصعد يصعد. نظرت على أثرهم بشرود. ومن ثم وجدت أحدهم يضع كفه على كتفها. التفتت لتجده "حامد" الذي ابتسم لها بحنو. أمسكت يديه لتسنده بلهفة، فنظر لها بتأثر وهو يتحدث بنبرة متعبة تزامناً مع صعودهما على الدرج: "إنت بنت أصول يا نيروز، وصحيح بيبانوا أوي في وقت الشدة يا بنتي. عمري ما هلاقي أحسن منك لإبني!!" ابتلعت ريقها بتأثر، وعقلها يتضارب من ما تفكر به هي. ستجيبه بما يجري بعقلها؟ صعدت معه بصمت. في حين توجه "بدر" للداخل بجانب "ورده" بعدما أعطى مفتاح السيارة لـ "شادي" الذي وقف يرتب سيارته بهدوء. ومن ثم وجدها تقف تنظر له بتمعن. اعتدل في وقفته ثم نظر لها وهو يعقد حاجبيه بجدية شديدة. فوجدها تتوجه ناحيته وهي تشير إلى وجهه ناحية خده ثم قالت بهدوء: "في دم هنا لسه!" رفع "شادي" يديه ناحية ما تشير إليه وهو يضغط بيديه كي يزيل أثر ما تقوله. ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها له. بينما وقفت "جميلة" على بعد منهما مع "عز" الذي كان يطمئنها بالحديث. "متوتريش نفسك يا جميلة. اطلعي يلا وإهدي كده عشان تذاكري لامتحان بكرة ده!" لا تغيب عنه التفاصيل إذن. ابتسمت له بحنو. ثم أومأت له قائلة بلين: "حاضر يا عز. مع السلامه!" قالتها وهي تشير له كي تصعد. فهز رأسه هو بابتسامة واسعة ثم أشار بيديه بلطف لـ "شادي" قبل أن يرحل. بادله "شادي" الوداع وهو يقول بلعثمة: "مع ألف سلامة يا عز. متحرمش منك يا صاحبي. تعبت نفسك والله." بادله "عز" المجاملة ثم أشار بيديه لـ "جميلة". في حين نظرت "منه" لـ "شادي" باستنكار وهي تردف: "صاحبك!! انت تعرفه؟" "احنا أي حد معدي من جنبنا كرجالة يبقى صاحبنا!" خرجت ضحكتها منها. في حين وقفت "جميلة" بجانبها. فهز هو رأسه بهيام وهو يردد: "ضحكتك عالم تاني وربنا يا أم عيون قناصة!" حركت "منه" رأسها بقلة حيلة منه وهي تبتسم ثم احتضنت "جميلة" بوداع. حتى خرجت. وقبل أن تسير من أمامهم هتفت بنبرة ضاحكة لينة تشير له: "مع السلامة يا شادي.. بيه يا بصباص يا بتاع البنات!" كبتت "جميلة" ضحكتها من حديثها. فوجدته يرفع يديه يشير لها مع قوله المرتفع وكأنه صدق ما فعلته من ابتسامة: "سلام يا قلب شادي بيه البصباص بتاع منه!!" توقف عن الحديث ثم قال بخفوت: "ضحكت يعني قلبها مال.." صمت ثم حرك رأسه ناحية "جميلة" التي اعتدلت لتسير. وقبل أن ترحل وجدته يتساءل كي يؤكد: "صح؟" ابتسمت له بلطف. ثم حركت رأسها منه وهي تلتفت لتدخل إلى الداخل كي تصعد. بينما تحرك هو من خلفها مباشرة. *** بينما في الأعلى. وقف الجميع في صالة شقة "حامد" بعدما أسند "غسان" شقيقته على أريكة مريحة أمام أنظارهم. جلست "دلال" تمسك كف "وسام" بخوف ظاهري. اما "حامد" فجلس الناحية الأخرى حيث جانب "وسام" وهو يضع يديه على كتفها. اما "سمية" وقفت تتحدث قائلة بحب: "حمد لله على سلامتك يا حبيبتي. طنطك عايدة راحت تعملك حاجة ترم عضمك كده وتعوض الدم اللي نزفتيه لأن شكلك مرهق أوي!" ابتسمت لها "وسام" بتأثر. في حين وقف "بسام" يعطي لها كوب الليمون حتى تستطيع أخذ أنفاسها أكثر. دخلت "ورده" ترتب فراش "وسام" قبل أن تدخل إلى غرفتها. أما "بدر" فوقف يحمل صغيره الذي كان لا يتوقف عن البكاء. دخلت "جميلة" عليهم تجلس بجانب "وسام" بمواساة. اما هو.. وقف ينظر عليها بين الجالسين. وجدها تقف على بعد تنظر بصمت. وما أن تحركت أنظارها إليه وجدته ينظر إليها بتعب بان في عينيه بقوة. تنهد "غسان" يخرج أنفاسه. ثم تجاهل حديث كل منهم الجانبي غير المهم. ومن ثم نظر إليها مرة أخرى فوجدها تقترب تمسك يد "سمية" ومن ثم احتضنتها باحتياج. أحضان الأم تريح وبشدة. وعندما احتاجت هي لذلك احتضنتها بهدوء. ربتت والدتها على ظهرها بغرابة. فخرجت "نيروز" وهي تتنهد ثم نظرت حتى وجدت والدتها تجلس بجانب "دلال". توجه "غسان" يمسك كف "نيروز". فابتسمت له بحنو. ثم سارت بعيدًا عنهم بطريق الشرفة التي توجد بالصالة بعيدًا عن التجمع. دخلت لتقف بصمت ومن ثم دخل بعدها. فوجدها تطالعه بهدوء ومن ثم وجد نفسه على فجأة يُدفع بأحضانها حتى قالت بتأثر له: "حاسة بيك والله. عيط يا غسان. عيط ومتكتمش كل اللي انت حسيت بيه من أول اليوم. وأنا آسفة آسفة بجد لأن أنا السبب!" ضمه إليه بغير تصديق. ألهذا كانت صامته بعيدة لا تتحدث؟ ابتلع ريقه ولا ينكر هو بأن الراحة أتت له للتو بين أحضانها. وجد الدموع تتجمع في مقلتيه دون سبب محدد الآن. بل يبكي مرة أخرى مما شعر به تجاه شقيقته. لم يشعر بأن أحد سيشعر بما به دون أن يتحدث ولكنها تبدو مبررات لكسره! ضمه إليه بشغف. ثم خرج ببطء من بين ذراعيها يمسح وجهه برفق وهو يقول بهدوء مدافعًا عن ما تقوله: "سبب إيه يا نيروز. متقوليش كده!" أما هي فاعتبرت أنه العناق الأخير بعد قرارها! ابتلعت ريقها وهي تنظر بعينيه مرددة بنبرة هادئة عكس ما بداخلها: "أنا عارفة إن أنا السبب من غير ما نضحك على بعض يا غسان. أختك محدش عمل فيها كده غير حسن اللي عشت طول الفترة اللي فاتت خايفة منه ليعمل حاجة. انت عارف لو كانت راحت فيها أنا حالتي كانت هتبقى إيه؟" ضغط على فكه من أسلوبها الذي يظهر بأنها تحمل نفسها الذنب دون أن تفهم جيدًا بأنه لا يراها كذلك! هتف وهو يتحامل على نفسه: "اسكتي يا نيروز. هنبقى نتكلم بعدين!!" هزت رأسها نفيًا. ثم هبطت الدموع منها وهي تخرج له ما يوجد بداخلها دون مراعاة لحاله الآن: "هو ده الوقت المناسب يا غسان. ده الوقت اللي خلاني أتأكد إن علاقتنا ماشية تأذي فينا وخلاص. أنا مش مستعدة أخسرك ولا أكون السبب في خسارة حد بتحبه. أنا تعبت أنا كمان ونفسي أرتاح الراحة اللي مشوفتهاش لحد دلوقتي. لما قابلتك وقلبي اتحرك ليك انت بعد ما كنت ركناه قولت هرتاح بوجودك. وفعلا حصل بس مش لكثير. مشوفتش الراحة دي مكملة. لحد دلوقتي لحد وسام!! حبي ليك أذاك وأذى اللي منك وأنا واقفة مش عارفة المفروض أعمل إيه. أنا خلاص هاخد القرار اللي المفروض هيريحني ويريحك ويريح أهلك. عالأقل علاقتي بمامتك متبقاش كويسة عشان مكونش السبب في تعب حد تاني!!!!" قلبه يُطعن منها الآن. حتى أنه لم يكن لديه القدرة على مقاطعتها في الحديث. نظر لها بتعب. ثم ردد بتساؤل والتشتت رفيقه: "إنت.. بتقولي إيه؟؟" أما عنها فالثقل عليها كان كثير حتى أنها تجاهد بأن تجعله براحة وأمان كي لا يتأذى. الفراق.. أهذا ما كانت تقصده؟ ابتلعت ريقها والدموع تنهمر منها مع قولها الضعيف المختنق: "يعني قُربي منك مبقاش ينفع بعد كده. مش هستنى لما ألاقيك ميت بين إيدي أو أخوك لاقينه ميت أو مضروب. أو حتى وسام مرة تانية إن مكانش ربنا سترها فدي. أنا مش قادرة كده. مش قادرة.. يا غسان!!" الضعف خانها عندما ظهر بقوة في نبرتها. ابتلع غصة مريرة بحلقه ولم يستطع جمع الحديث الآن. هل حقًا تريد الفراق؟ بعدما حاول من أجلها؟ أغمض عينيه بإنهاك وغضب دفين تجمع بداخله عندما هتفت هي من بين دموعها صراحةً وكأن الوضع كان ينقص ذلك!!: "أنا.. مش هقدر أكمل!!" صمتت "نيروز" تبتلع ريقها. فنظر هو لها باستفهام مؤلم لما أردفته. هتف "غسان" بنبرة ضائعة يتحدث رغم ألمه. يتساءل لضعفها مرة أخرى: "تقصدي إيه؟ نبعد؟" صمت "غسان" بألم. ثم واصل بعد لحظات عندما استوعب عدم التصديق من قرارها السريع: "نبعد بعد كل ده؟!" حان الآن قولها لتكسر قلبه وتنهك فؤاده كما تُنهك هي بالبطء. جمعت شتاتها ثم نظرت بعينيه بضعف وقلبها يحذرها من قولها ويسبها من تركه وحيدًا وهي تتخلى عنه. أما عقلها فنظر للصواب من الناحية الواحدة. أيقنت بأنها السبب والعله في كل شيء يحدث له. كُتب على علاقتهما بالمعاناة في بدايتها بل وصمد هو في كل مرة رغم وجعه المخفي وهي كذلك. أيقنت بأنها الخطر نفسه عليه وعلى عائلته. ماذا سيحدث إن كانت شقيقته قد رحلت عن الحياة؟ ، بارعه في تحميل نفسها كل ذنب ليس لديها ذنب به ، وجع ضميرها وصوتها الداخلي ينهرها من كونها ترسل له الألم أضعاف بحبها له ، طالعت عينيه التي بدت لها وكأنه لا يريد السماع من شئ سيفتك به ، أما هي فحاولت أن تضغط على وجعها كما ضغطت على ألمه وهي تقول بنبره هادئه عكس ما بداخل كل منهما من ثورة الٱن :




_" طلقني يا غسـان !!"




تداهمنا الفواجع مره واحده. ، واحده تلو الٱخرى وهذه كانت حقيقته هو ، فـ في تلك اللحظه يتساءل هو أين حدته ؟. وأين شبابه ؟. ، لم يشعر بحبس أنفاسه كمثل الٱن ، نظر لها بغير تصديق يجاهد بالثبات التي هزته هى ، تحدث بنبره حاول بأن تخرج ثابته ، يهاجمها بتعبٍ به من الهجوم التلقائي بما يكفي:




_" أطلقك ؟؟ ، بكل سهوله كده قدرتي تقوليها ؟ ، عاوزه تبعدي بعد كل اللي عملته عشانك وعشان تبقي معايا ؟ ، هتبعدي عني عشان بردو حسن واللي منه !! ، عاوزه تفارقي بعد ما جهزنا كل حاجه عشان نبقي مع بعض ؟ ، مشوفتيش حبي ليكي ؟ محاولاتي بإنك تكوني معايا ؟ ، انا قولتلك إنك السبب؟ قولتلك إني هسيبك لو حد إتأذى بسببك؟؟ ؟"




حرك رأسه وكأنه لا يعي ما تقوله هي ، لاحظ نفي رأسها بقوه فلم يتحمل الإنتظار صرخ بها سريعاً ليجعلها تخرج بالمبررات :




_" مــــا تنـــطقـــي ..سِـكــتــي ليــــه ؟؟؟!"




خديث خلف الأخر يخرج منه بغير تصديق مؤلم ، هزت رأسها بالنفي ودموع عينيها تهبط ثم رددت بنبره مرتفعه ضعيفه تذكره بقولها:





_" لا مقولتش ، أنا اللي قولت إني مش هبعد غير لما أشوف إن كل واحد بيتأذى من وبسبب التاني ، وده حصل أكتر من مره ، وانا مش هرضي أكون سبب في تعب حد ، كفايه لحد كده ، أنا من ساعة ما إنت رجعت وإنت ولا أنا شوفنا كويس ! ، بالعكس أنا اللي خطر عليك طول الوقت ، إنت مش شايف الحال إتقلب إزاي وكل واحد بقا شكله عامل إزاي من ساعة اللي حصل لوسام ، ومش فاكر لما حسن كان هيجيب السكينه فيك وكنت هتروح فيـها ، أنا مبقتش حمل الضغط النفسي ده أنا تعبت ، تعبت ومعتش قادره "




انهيارها بحديثها وصل له حتى وصل لمن بالخارج في صوت بكائها الذي جعل الجميع ينهض منها ومن صوت صرخته المؤلمه بها على فجأه ، كان الجميع بالخارج يقف بالمساحه الواسعه التي وجدت أمام الشرفه ، أما هو فنظر لها وحدها بخيبة أمل كبرىٰ ، نظر لها بتعبٍ ثم ردد بنبره مرتفعه مُنهكه :




_"عند أول مطب هتبيعي ؟ عرفتي إنك أنانيه ومبتفكريش غير فـ نفسك وبس؟؟ ، مفكرتيش فيا ولا فـ ضغطي النفسي اللي بردو زي ما إنتي بتعاني أنا كمان بعاني ، خلاص بتقرري لوحدك وكأن مفيش غيرك خسران ؟ ، أنا مفرقش معاكي ؟ قولتلك هبقي معاكي ومش عاوز غيرك وغير راحتك وإنك تبقي مبسوطه ومش شايله هم !!، ليه مصممه توجعيني وتيجي عليا طول الوقت ؟؟؟ "




صُدم الجميع من ما فهموه ، حتى ظهر لهم بطريقه غير مباشره ، طالعته بقهرٍ ثم رفعت عينيها تطالع عينه اللامعه بالدموع الذي كتمها هو بها بالقوه ، تحشرجت نبرتها وهي تجيبه بإندفاعٍ كي يتركها لما تشائه رغماً عنه :




_" عشان أنا بوجعك بقولك نبعد ، عشان بتعبك وبتعب اللي حواليك بسببي يبقى لازم نبعد ، كفايه لحد كده يا غسان أرجوك.. !"




حرك أنظاره بألمٍ حولهما حتى وجد الجمع ملتف بصدمه ، نهر نفسه للحظه بأنه كان بإمكانه أن يحكم قلبه كي لا يدق لها من البدايه وهل للقلب سلطان ؟! لمحه بسيطه ساخره عندما إندفع بكل ما يمكن فعله كي تبقى له هو وحده ليس إلا ..، تنهد يخرج أنفاسه الثقيله من على صدره ثم هتف يوضح بملامحه المنهكه :




_" كفايه يا نيروز ؟! كفايه وكأنك كنتي حباني غصب عنك!! ، مكنتش وحش للدرجادي معاكي عشان تتخلى عني بالسهوله دي"




لوم وعتاب يوجعها هي نفسها حتى أنها لم تستطع إيصال شعورها وخوفها له ، سمعته يهتف بتأكيد قوى وكأن ضغطها عليه فعل القسوه بسرعه فائقه :




_" بس إنتِ عندك حق فكل كلمه قولتيها ، أنا بوجعك وإنت بتوجعيني فعلاً ، بس عمر الوجع ما كان وجع غير فاللحظه دي وإنتِ بتقوليلي أطلقك فأصعب أوقاتي ، وأنا قولتلهالك !"





شهق من كان لا يفهم جيداً عندما سمعوا كلمة "طلاق" ، لم يعطي أحدهما الفرصه للتدخل، ردد هو يكمل بوجعٍ وهو يذكرها هو الأخر بحديثه :




_" وأنا قولتهالك ، قولتلك إني عمري ما هحاول مع حد مبقاش عايزني وبيطلب مني أسيبه وأبعد عنه ،. مش هرمي نفسي على حد مبقاش عايزني !"




لما يقهر قلبها الٱن ، شهقت بقوه عندما أيقنت جيداً معنى كلماته ، كاد أن يتدخل البعض ، فأشار لهم "غسان" بيديه للتوقف ، هبطتت دمعته التي جاءت من قسوتها عليه في مثل ذلك الوقت ، ما أكثر الأسباب كي تهبط الدموع !!!! وخانته أمام الجميع ، حتى صُدم البعض من ما فعله هو بعدها ،عندما احتضنها بألمٍ ، عانقها كي يعلمها بأنه العناق الٱخير منه ، وعناقه شئ ٱخر شعرت بأه ضلوعها ستُكسر بين ذراعيه ، يتحلى بٱخر عناق مؤلم ؟. ، بكت بصوت في أحضانه التي ظلت للحظاتٍ فهمس بجوار أذنها بألمٍ قبل أن يخرجها من بين أحضانه التي كانت دافئه ولوهله شعرت بالأمان يحاوطها ثم الوجع عندما همس بجوار أذنها بندمٍ :




_"كُنت عارف إن حبي ليكي أكتر بكتير أوي من حبك ليا ، بس أنا اللي عملت عبيط ! "




جمله هشمت من قلبه قبل أن تنزل عليها بوجعٍ خرجت من بين أحضانه ببطئ ثم مدت يديها تخلع دبلتها حتى أمسكت كفه تضعها به وهي تردف بتحشرج:




_" أنا أسفه ، ده اللي لازم يحصل!!"




تمسك بكفها بين كفه حتى سحبته هي منه وقبل أن ترفع يديها لتخلع القلاده له وجدته ينسحب من أمامها ومن أمامهم جميعاً ، توجه "بسام" و"شادي" من خلفه بسرعه ولكنه أغلق باب غرفته بوجههم جميعاً ، خرجت "نيروز" هى الأخرى تبكي ثم سارت بخطواتٍ سريعه كي تخرج من الشقه ، وقبل أن تخرج وجدت "حامد" يمسك كفها أمام. أنظار "سُميه" الباكيه هي وابنتها :




_" ليه كده يا بنتي !"




التفتت تسحب يديها من بين يديه ثم رفعت عينيها المليئه بالدموع وهي تجييه بنبره مختنقه :




_"كفايه !! ، عشانَّا وعشانكم "




نظر بأثرها عندما هربت سريعاً من أمامهم ومن خلفها "سُميه" و"ورده" و"جميله " وحتى " عايده" التي أتت ، توجه"حامد " يجلس بجانب "وسام" التي كانت تسمع الحديث من مكانها بغير تصديق ، أما"دلال" فوقفت تبكي حتى توجهت بلهفه أمام أنظارهم تدق باب غرفة "غسان" الذي أغلقه كي لا يسمع ما لايريد سماعه:




_" افتح يا غسان ، إفتح وفهمني حصل إيه ..متقهرش قلبي عليك يا بني !!"





جملتها كانت مليئة بالبكاء ، في حين توجه "بسام" و"شادي" يحتضنوها بمواساه وصدمه مما يحدث بٱن واحد..!!




_____________________________________________




دخلت سريعاً بعد أن فُتحت لها الشقه وهي تضع يديها تكتم شهقاتها ، أوقفتها "ورده" تقاطع سيرها حتى وقفت تدخل بين أحضانها بألمٍ ، وأمام أنظار "سُميه" التي وقفت تبكى بصمتٍ وهي تردد بعجز لتسألها :




_" ليه كده يا بنتي ، ليه يا نيروز !!"




خرجت "نيروز" من بين أحضان "ورده" ثم وقفت تتحلى بالتماسك أكثر وهي ترفع يديها ثم مسحت دموعها تزامناً مع قولها لهم :




_" أنا حره وده قراري ، وبتمنى محدش يضغط عليا ، ولا يفتح معايا الموضوع ده بعد الوقتي !"




نبرتها المتحشرجه لم تفشل بأن تخرج ، لم يتحدث سوى "بدر" الذي أنزل الصغير أرضاً وهو يتحدث بعقلٍ :




_" لا يا نيروز ، أنا هكلمك وكأني أخوكي مش ابن عم غسان ، إنتِ دوستي عليه دلوقتي ووجعتيه ، وحتى خوفك عليه ميخليكيش تاخدي القرار ده كده وبالطريقه دي !!! "




نظرت له بتيهه من بين دموعها التي تهبط، أما "عايده" فاسندت "سُميه" وهي تجلسها ثم سمعتها تقول بلومٍ من بين بكائها هي الأخرىٰ :




_" عملت فيكي إيه يا بنتي ، قوليلي عملت أنا فيكي إيه عشان وجع القلب ده ، عايزة تتطلقي وإنتِ لسه متجوزتيش ! ، عقل إيه ده بس ياربي !!"




كلماتها وهي تولول بحسره ، أثارت "نيروز" التي إنفجرت صارخه بهم قائله بهجومٍ :




_" هـــو ده كـــل اللي يهمـــكم ؟ ، أنــا مش هستحمـــل وجع تاني بعد ده ، أنـــا تعـبـت ، إفهــموني بـقـا .. توجهت جميلة تمسكها كي تهدأ من صراخها الغير مفهوم الذي صدم الجميع. نظرت لها سميه بحسرة. في حين نظر بدر بذهول على إنهيارها المفاجئ. بكت ورده وهي تأخذها بين أحضانها تربت على ظهرها وفقط. هي وجميله. تركتهم نيروز بسرعه ثم توجهت مندفعة ناحية باب غرفتها تغلقه خلفها بسرعه قبل أن يدخل خلفها أحدهم. وقفت ورده تنظر بضياع. حتى توجه بدر يربت عليها بحنو. في حين هتفت سميه بتعب هي الأخرى: "حرام عليكي يا نيروز. حرام عليكي تحطينا فالتعب ده كله يا بنتي ربنا يسامحك ويهديك." حديثها من قلة حيلتها. لم يكن لديها القدرة على النهوض بسبب أعصابها. هتفت جميله بتأثر من حديثها وهي تقول بوضوح للأخيرة: "وهى ذنبها إيه يا طنط؟ المفروض تقدري إنها تعبانه ومضغوطة. أنا بعترف إن حسن يتساب بسببه ألف واحد زي غسان رغم إنه ميستحقش ده. بس هو السبب فكل اللي بيحصل ده. وخبطة وسام دي كان فيها موته. قدروها وحسوا بيها عشان لو كان حصل حاجه أسوء من كده. نيروز مكنتش هتكمل بالمنظر ده!" قالتها جميله بدفاع عن رفيقة دربها. توجهت من بعدها تدق باب غرفة نيروز بإصرار وحزن ممزوج كي تفتح لها ولا تنفرد بنفسها. نظرت عايده بقلة حيلة ثم نبست بنبره هادئه كي تهدأ الوضع: "متتعبيش نفسك يا سميه. والله كل حاجه هتبقى تمام وزي الفل. إهدي إنت بس وارتاحي عشان صحتك!" --- وقفت تبكي بحسره على حال أولادها. يسندها شادي. في حين أسند حامد وبسام وسام للغرفه الخاصه بها. توجه شادي بها إلى غرفتها ثم مسد على حجابها بحنان وهي تجلس على الفراش الخاص بها. إبتلع ريقه ثم رفع كفها يقبله ببر. يعتبرها والدته التي رحلت من الحياه بأكملها وتركته وحيدا دون أم. قبل كفها بحنان. ثم قال بتأثر من حالها: "هتروق والله والحال هيبقي تمام. بس ريحي نفسك بس كده." هزت رأسها بتعب. وقد لاحظت دخول زوجها وابنها الآخر وهي تردف بحسرة: "لا يا شادي. غسان إتكسر كسره عمري ما شوفتها. حتى الكسره الوحيده اللي قهرت قلبي وخلتني مش مصدقه يوم خناقه مع بسام. بس الوقتي غير. الوقتي ابني أنا سمعت قلبه وهو بيتكسر." نظر لها بسام بحزن من فتحها لحوار قد أغلق وتلك عادة أغلب الأمهات بعاطفتهم التي تظهر مدى اهتمامهن وتذكرهن لكل ثقيل يمر على من حملتهم بأحشائها. ابتلع شادي ريقه. في حين وقف حامد يلومها بنبره هادئه جاده: "فكرتي فيها يا دلال الوقتي؟ عرفتي إن الكلام اللي بيخرج مننا ببقي ليه سلطان بعد كده؟ أديكي قولتيله طلقها ومشوفتيش غيره وكأنك مستعجله على الوجع والتعب ليه؟" فاض به هو الآخر حتى وان لم تكن لديها سبب وحتى عدم علم نيروز بما تريده لانفصالهما. فالقرار أتى من نيروز نفسها وليس هي. نظرت له بغير تصديق ثم لامته وهي تشير على نفسها: "بتلومني يا حامد؟ بقا كده؟ أنا هتمنى الوجع والوحش لإبني بردك؟" صمت حامد بتيهه فوجد بكاءها يزداد. نظر له بسام بترجي كي يصمت. حتى توجه يربت على والدته التي كانت مثله في الطباع. أما الآخر فينهكه فؤاده لأجل ولده الذي لا يعبر عن ما بداخله يقسم الآن بأن الوجع لم يسمى وجع إلا بإنفراد الآخر بمثل هذه الطريقة. بل وسيره منكسرا بينهم بعد أن كان هو الوحيد من بينهم الذي يتحلى بالثبات ومن داخله الضعف ينهش ببعضه. ما بين ضعفه لشعوره من أجل الآخرين. وما بين ضعفه الذي ينافسه كي لا يأتي على كرامته كرجل ويلبي لها ما تريده من فراق. خرج من الغرفة ثم أغلقها خلفه بإصرار. كي يذهب له وإذ به عندما شعر غسان بأن الجميع انسحب خرج من غرفته. لم ينتبه حامد إلا عندما وجده يمسك كيس الدواء ثم دخل غرفة وسام حتى أغلقها خلفه. أيقن بأنه سيتعامل وكأن شئ لم يحدث. سينافس الوجع ويكتمه. وضع حامد يديه على رأسه بانهاك. ثم جلس على المقعد تتضارب الأفكار بعقله فلم يعطيه الآخر الفرصة في قوله لشئ بل انتشل الكيس ثم هرب يدخل غرفة شقيقته وهو يغلقها خلفه قبل أن يخرج حرف واحد من فم والده. دخل غسان الغرفة عليها فوجدها تشهق شهقات خافته. اعتدلت وسام في جلستها فوجدها تنظر له بلهفة وهي تهتف باسمه. نظر لها بحنو. ومن ثم توجه ليجلس بجانبها في الناحية الأخرى وهو يرفع يديه ليمررها على خصلات شعرها مرددا لها بتساؤل حاني وكأن شئ لم يكن: "بتعيطي ليه يا وسام؟" تحركت أنظارها المشفقة نحو عينيه اللامعة. أكان يبكي؟ يتظاهر بالتماسك على آخر ذرة. هتفت بتحشرج تجيبه: "عشانك. وعشان ني..." بترت عبارتها عندما تنحنح هو ثم قال بحزم وهو يخرج الدواء من علبته: "الكلام ده مش وقته الوقتي. أهم حاجه تاخدي علاجك وتبقي كويسه عشان تقدري تقومي من تاني وتذاكري وتشوفي مصالحك. وسيبك مني خالص!" استشفت وجعه في نبرته حتى وإن حاول إخفاءها. أخذت الأقراص من بين يديه ثم نظرت له بشفقة وقبل أن ترفع يديها نحو فمها إجابته بضعف: "أسيبني منك! متعملش مش فارق معاك يا غسان وإنت موجوع. اتكلم معايا عشان خاطري وبلاش الإسلوب ده!" نظر لها غسان بتمعن. ثم تنهد يخرج أنفاسه وقد قرر تجاهل حديثها حينما أردف بمجرى آخر يسألها بترقب: "مين اللي عمل فيكي كده يا وسام؟" تحركت أنظارها بخوف من طريقته التي ظهرت عندما سألها. ابتلعت الأقراص بالمياه. ثم اعتدلت تنظر بمكان آخر وقد استغرقت لحظات. فإنتفضت هي بطريقة غير ملحوظة حينما ظهرت الحدة في نبرته وهو يكرر: "بــصيلي وردي عليا!" صمت ينتظر تحرك عينيها نحوه. فرفع يديه يحرك رأسها ليرفعها تجاهه وهو يردف بتساؤل مختنق: "حسن صح؟" ابتلعت ريقها. والمضحك بأنها قد فهمت بأنه لم يسألها. ولكنها غفلت عنه وعن ما لديه من حدة الشباب. رفعت أنظارها المترددة له ثم أجابته بتعلثم: "ملحقتش أركز بس هما كانو إتنين ومنهم حسن. و..واحد كان مكتفني على ما حسن يضربني!" فتحت عينيها على وسعها عندما سمعته يسبهما سبه بذيئة ثم اعتدل يهز رأسه وهو يومأ لها قائلا بحده من داخله: "مين ده اللي كان ماسكك شوفتيه هنا قبل كده؟" هزت رأسها نفيا. فأخرج هو أنفاسه الساخنة ثم اعتدل يرفع يديه يربت على وجنتيها بحنان. فرددت هي بإندفاع تسأله بلهفة: "هتطلقها؟" ابتلع غصة مريرة بحلقه ثم تنهد بتعب وهو يرسم ابتسامه زائفه على وجهه يجيبها محاولا تغير مجرى الحديث التي بدأته هي: "نامي يا وسام. مش وقته الكلام ده!" "لأ وقته. أنا السبب فـ كده صح؟ أنا الي خليتها تقول كده عشان حسن ابن عمها عمل فيا كده وحاول يأذيني. قول إن الكلام ده صح. وأنها هتسيبك عشان اللي حصل ليا!" قالتها بإنهيار تحمل نفسها ذنب خراب حياة شقيقها. تفاجئ من طريقتها. اندفع سريعا يأخذها بين أحضانه وهو يهدهدها بالحديث قائلا: "لأ مش صح. نيروز اللي خافت وبتخاف زياده عن اللزوم. إنت ملكيش ذنب فـ حاجه. ولا ليكي سبب فبعدي أنا وهي. هى اللي خدت القرار ده وهي اللي إختارت تبعد وأنا مش هغصبها تبقى معايا عافيه!" يكذب على نفسه. يخدعها. ود لو جعلها معه رغما عنه. ولكن ماذا حدث الآن. خرجت تنظر له بغير تصديق وهي تنفي بلهفة قائله: "لا يا غسان متسمعش كلامها. نيروز بتحبك وإنت بتحبها. مستحيل تسيبك بالطريقه دي. فكر فيها عشان خاطري!" تنهد يخرج أنفاسه بتعب، حتى هي ببكاءها تضغط عليه هي الأخرى. سـ يساع المكان لكتم بداخله من جديد. ابتلع ريقه ثم أجابها بوجع، وهي بين أحضانه وهي الوحيدة التي جعلته يردف الحديث دون أن يتصنع اللامبالاة: "أنا حبيتها أكتر، كنت متمسك بيها لحد اللحظة وهي اللي سابت وباعت. كسرت قلبي وأصرت تضغط عليا وتجرحني وأنا لسه مفوقتش من توهتي عليكي! هي اللي سابت وقررت تسيب بعد ما قربنا نوصل لنص الطريق سوا. أنا مبقتش قادر أتكلم أكتر، مبقتش عارف أقولها خليكي وأنا بحبك وعاوزك. الأذى مش هيطولك، محدش هيجي جنبك، هحاول عشانك، متخافيش عليا ولا على أهلي، إطمني أنا جنبك. كل ده مفرقش معاها، رغم إن كل حرف كان بيطلع كان صادق أوي من جوايا. حقها ترتاح يا وسام، بس مش من حقها تسيبني تايه في أقصر وأصعب وقت عدى عليا دلوقتي. خلتني أشك في نفسي إني مش قادر أحميها ولا أحبها زي ما هي عايزة، مع إني حبيتها يمكن أكتر ما هي حبتني!" تتوجع وتأخذ من وجعه، وإن كان هذا الوجع الذي بداخله يصل إليها فلم تتحمل هي إذن! ضمته إليها باحتواء، وقد شعرت بمدى إنهاكه ومحاولاته المعروفة والغير معروفة، المرئية وعكس ذلك! رددت بلهفة تجيبه بتأثر: "إنت تستحق تتحب يا غسان، إنت تتحب والله ومحدش زيك في الدنيا دي، أنا بحبك أوي!!" تواسيه وهو الذي كان لم يخرج هذه الكلمات أمام أحد، أما هي قريبة منه القرب الذي يعلمهما الاثنان ماذا يجري بداخله الآخر دون أن يشعر أو يبذل الجهد في الشرح. وجدته يتحدث مرة أخرى والتعب لم يترك نبرته حينما قال: "لما فكرت فيها دلوقتي عرفت إننا فعلاً تاعبين بعض على الفاضي. حتى الحب مش كفيل يخلينا نكمل. أنا اتمسكت بما فيه الكفاية واستحملت إني أشوفها عاملة حساب لكل حاجة. جيت على نفسي زي ما باجي في كل مرة وأنا شايف توترها وعدم راحتها وارتباكها وخوفها في كل خطوة بناخدها، حتى لو حاولت تخفي ده، بس أنا كنت عارف وكنت فاهم. يمكن أنا اللي وحش وأنانى ومشفتش غير نفسي عشان مش عاوز أشوفها كده. رغم إني عمري ما جيت عليها في مرة عشاني أنا، بالعكس كله كان عشانها. نبعد عشان بتتعبني وبتتعب نفسها. بس دلوقتي مش فارق معايا غيرك وبس لازم تكوني كويسة وتقومي من تاني!!" غير مجرى الحديث بآخره، وهو يخرجها من بين ذراعيه ثم نظر لها. تعمدت تجاهل حديثه ثم نظرت له بعجز من عدم استطاعتها لقول شئ، بل هزت رأسها فقط دون أن تتفوه بحرف. نهض بعدما رفع الغطاء قليلاً عليها ثم أشار على الصحن بجانبها وهو يقدمه لها. ود لو يجلس ليطعمها كما كان يفعل مع "نيروز"!! ولكن عقله وصداعه لا يحثه على ذلك!! خرج وهو يغلق الغرفة من خلفه بعدما أومأت هي له بطاعة. وجد شقيقه بجانب صديقه يقف ووالده يجلس ينظر بشرود. تصنع اللامبالاة ولم يتعمد التجاهل لوقفتهم، بل نظر لهم باستفهام وبكل برود هتف يسألهم بجدية مع ابتسامة صغيرة رسمها على شفتيه: "واقفين كده ليه؟ مالكم؟" عقد "شادي" ما بين حاجبيه كما فعل "بسام"، في حين فهم "حامد" بأنه لا يفعل ذلك إلا من عزم الوجع. وقف يبتلع ريقه ثم سأله بخيبة: "مالك إنت يبني!" "أنا كويس وعادي أهو. ادخل نام يلا تصبح على خير!!" ببساطة شديدة قالها وكاد أن يتوجه فوجده يمسك ذراعه يقاطع سيره مع حديثه الذي ظهر حزنه: "بلاش كده وقولي حصل إيه؟ أو هتعمل إيه بس متسكتش كده!" يشفق على حاله في حين بأن ولده لم يظهر تأثره أمامه. حرك "غسان" كتفيه بغير اهتمام زائف يتآكل بداخله ثم ردد بوضوح لهم جميعاً: "أنا مسكتش ومش هعمل حاجة. هي اختارت وأنا هنفذ من غير ليه، وربنا يوفقها. محتاجين مأذون في أقرب وقت بس بعد ما الحق يرجع!!" ترقب والده ما يتحدث عنه، ورغم صدمتهم بجدية ما قاله إلا أن خوفهم من آخر ما قاله كان أقوى. هز رأسه يؤكد بجرأة وقد قرر الاتفاق على المكشوف والظاهر: "أيوة بعد ما أخد حقي وحق أختي من اللي عملوا فيها كده عشان هي أهم من أي حاجة دلوقتي!!!" رأى "والده" بعينيه الإصرار. تنهد يخرج أنفاسه بقلة حيلة وعجز هو الآخر فلم يعد لديه قدرة على إخراج حديث، وحتى شقيقه وصديقه الذين تركوه يدخل إلى غرفته ومن ثم أغلقها خلفه. وما أن دخل ابتلع المر وخلع عنه كل زائف قد تظاهر هو به. أغمض عينيه بألم ولم يقوى على الخروج للشرفة أو الوقوف بمنطقة ما، بل توجه بعقل تائه يتسطح على الفراش. التفت برأسه ينظر على دبلتها الذي وضعها هو على الطاولة بجانبه. أخرج أنفاسه بثقل، ثم حرك عينيه وهو يبتسم بسخرية امتزجت بالوجع. رفع كفه ينظر على السوار التي عقدتها هي بكفه منذ أيام قليلة. حروف اسمها بين يديه هو، وهي التي تريد الذهاب وتركه!! لم يخلعها، يعذب نفسه لطالما لم يخلعها! وخاتم الزواج، دبلته السوداء في يديه اليسرى!! إلى الآن لم يعي جيداً ماذا فعلت هي من أجله. لما لم تحاول كما حاول هو من أجلها، بل والمرة الوحيدة التي حاولت هي بها، ضغطت عليه وجرحته جرح سيزال ينزف سراً، عندما قررت بأن تتركه ومن ثم التخلي!! تضيق به الأركان، ولم تضيق كمثل هذه الساعات عندما تأتي الصدمات واحدة تلو الأخرى وكأنها تسقط على رأسه وقلبه وتهشمهما تهشيم!! سيأتي النوم لزيارته هذه الليلة، يستطيع هو بأن يغفل عينيه! أم ستداهمه الأفكار وسيضغط عليه ضميره وعقله؟ وإن لم يحدث كل ذلك، فكيف للقلب أن يهدأ وهي مازالت رفيقته! أنيسه حتى أنه لم يدق لأخرى سواها حتى الآن!! كيف الفرار من الحقيقة الموجعة بالنسبة له؟ كيف الفرار منها ومن ما فعلته بأقصر وقت بينما كان عليه هو أقسى وقت يمكن أن يمر على المرء!! لم يسأل نفسه سوى سؤال واحد بسخرية لاذعة، ليس السؤال سؤال متى كانت الأمور سيئة لهذه الدرجة، بل الأصح من ذلك هو.. متى كانت على ما يرام من الأساس! أخذ قرار كان بين الحين والآخر يلح على عقلها هي! فكرة بأنه سيتأذى منها لم تغيب عن بالها قط! بين وجع والآخر وبين ألم وتعب كانت هي محاصرة، ثم ضغطت لتحاصر نفسها أكثر بأخذها لمثل ذلك القرار بهذا الوقت وبهذه السرعة! ستفكر هي بكيف العيش بدونه بعد أن اعتادت على وجوده ووجود الأمان التي تتمنى بأن يدوم ولكن أحدهم لديه رأي آخر كي يخرب حياتهما! الدموع لا تفارقها لطالما شعرت بأنها تود فراق قلبها عن جسدها! لم تجب أي من الدقات التي كانت على باب غرفتها، لم تمل من الإصرار كي تنفرد بنفسها حتى والدتها التي بكت كي تراها وتأخذها بين أحضانها! ماذا لو علمت هي بأنها مريضة قلب، ستفعل ذلك بها وبنفسها؟ تعلم هي بأنها تظلم نفسها وتظلمه أكثر، لطالما تعلم جيداً مدى ظهور حبه الصادق التي لم ترى منه مكروه قط، ولكن هي تريه المكروه وتمثل له الخطر على حياته، كما تعتقد ولم تتنازل! لم تجف الدموع، واليوم كانت بمثابة شلالات تنهمر بكثرة لا تعرف هي أين الطريق لها! وقفت بتعب تنظر في المرآة وهي ترفع يديها تتحسس بأناملها قلادته، واحدة بل كانت قلادتين! واحدة منذ الصغر والأخرى منذ أن كتب عليهما بأن كل واحد منهم ليس إلا للآخر، والآن تبدلت الأحوال! تأخذ قرار يوجعها ويوجعه ومن ثم تشتت الكل، تعتقد بأن هذه الراحة، ولكنها تقسم بأن الشعور الآن فاق حدود الوجع ليس إلا. خلعت ما برقبتها ثم وضعته على "التسريحة" من أمامها. حتى التفتت تمسك موضع قلبها بتعب وشهقاتها لا تهدأ، بارعة في تعذيب نفسها وتعذيب من حولها، وللحق أكثر من تبرع بذلك. جلست على الفراش التي وضعت عليه الدفتر الخاص بذكرياتها في الماضي ومن ثم الحاضر والمستقبل! أمسكت القلم بيديها المرتجفة وقبل أن تفتح صفحة جديدة تدون بها بتاريخ جديد لشعور وقرار جديد، قررت أن تبحث بين صفحات الماضي. فتحت صفحات عشوائية ثم انتبهت على ما يوافق حالهما الآن عندما كان يرسل لها أحد الخطابات بعد مشكلة طفولية برع في إنقاذها منها: "نيروز ممكن تردي عليا؟ أنا مكنش قصدي أزقك كده، بس لما لقيت حسن بيرفع إيده يشوح طوبة كانت في إيده كانت هتيجي في دماغك فلما زقيتك لقيتك وقعتي والفستان اتوسخ روحتي معيطة. أنا آسف والله وبحبك. سلام. بس افتكري إن مكنش قصدي.. أنا كان قصدي أحميكي منه!" يبدو أنه يشعر بالمسؤولية خاصة عليها منذ زمن!! آخر كلمتان تأثرت بهم بشدة في حين بأن الوضع قد تغير الآن وهي التي فعلت ذلك لتحميه منه هو!! كذلك تعتقد!! قلبت بين صفحة والأخرى بابتسامة صغيرة من بين دموعها ثم قرأت: "صباح الخير يا نيروز. كل سنة وإنت طيبة عشان رمضان. جيبتلك فانوس صغير لونه وردي زي الورد اللي بتحبيه بس كنت عارف لو كنت بعته كنتي هترجعيه. عشان كده إديته لبابا يدهولك. بس هو مني أنا على فكرة. بحبك وكل رمضان وإنتي حلوة وعالفكرة أنا مش هبطل ابعت جوابات حتى لو مش بتاخديها." ابتسمت باشتياق لأيام الطفولة، والتي كانت لا تحمل هم بها، وعلى الأقل كان بأيامها والدها الراحل!! هبطت دموعها عندما نظرت على الصورة الورقية التي وجدتها معلقة في الصفحة المقابلة. تلمستها بحنو وتذكرت. فتلك الصورة كانت هي تقف ممسكة بيد والدها وبجانبها هو "غسان" الذي امسك بيد "حامد" واليد الأخرى كان بها توأمه الآخر "بسام". ومن ثم بجانبها من الناحية الأخرى شقيقتها "ياسمين" والأخرى "ورده". ومن الخلف "دلال" و"سمية" ظهر على ملامحهما الشباب لم تكن مجعدة كمثل الآن. صورة تذكرت بأنها مأخوذة في أحد أيام الشهر الكريم عندما كانت بعزومة بشقتهم. تذكرت ذلك اليوم عندما جلست بجانبه ببراءة على سفرة الطعام فحاول هو إمساك كفها. لم تعطه الفرصة بل نظرت له بغيظ. ولأول مرة يخرج منها في ذلك اليوم. شردت بذاكرتها إلى سنوات ماضية مضى عليها الكثير. كان الجميع ملتف حول مائدة الطعام الكبيرة خاصة أنه الآن شهر رمضان المبارك حل عليهم بالبركات والبهجة. الصغار من حولهم. و"سالم" والد "نيروز" يجلس على بعد منها فقد كانت "نيروز" تجلس بجانب "غسان" و"بسام" ومن الناحية الأخرى "ياسمين" و"ورده". الحديث الجانبي والبهجة تملأ المكان. في حين نظر "غسان" لها فوجدها مندمجة في تناول الطعام بهدوء. وأسندت كفها الأخرى على ساقها. فرفع يديه هو وسط انشغال الحديث ثم حاول وضعها على كفها وهو يسألها بنبرة خافتة: "مش ناوي تردي على الجوابات يعني يا رزقة؟" سحبت كفها بسرعة ثم خرجت من براءتها وهي ترسم على ملامح وجهها الغيظ حتى أردفت تعنفه بقولها الذي سمعه والدها ووالده: "لو سمحت عيب كده. بابا قالي إن كده حرام." "أنا عملت إيه؟" قالها بتساؤل وقد خرجت نبرته واضحة صريحة للجالسين جميعاً. وترها بسؤاله وقد ارتبكت هي. فأخرج أنفاسه من توترها لعدم قولها لشئ. ولكن خرج صوت من تعرف بالشراسة منذ يومها. دفعت "ياسمين" شقيقتها برفق. ثم نظرت بغضب له وهي تقول رغم امساك "ورده" لها كي لا تفتعل شجار: "إنت اللي متربتش. أنا شوفتك وإنت بتمسك إيدها. وبعدين قاعد جنبها ليه. قوم من هنا." نظر لها "غسان" بنفس الغضب ثم قال بوقاحة هو الآخر كونها في منزله: "وإنت مالك إنت. ما تقومي إنت من هنا." وقفت بإندفاع. ولكن أوقفها نبرة "حامد" الذي كبت ضحكته هو ووالدها ثم رسم على ملامح وجهه الغضب الزائف وهو يشير لـ "غسان" بعينيه: "في حد بيقول كده لحد فـ بيته؟ إتكلم معاها كويس وإتأسفلها حالا." "تمام هتأسف بس تتأسف هي الأول هي اللي غلطت الأول!" قال "غسان" حديثه بعناد. فضحك "سالم" وهو يحرك رأسه بقلة حيلة ثم أهبط رأسه يتحدث بخفوت بجانب أذن "حامد": "الواد ده مش سهل ليه يا حامد. شكله طالع يفكرك بكل كبيرة وصغيرة كنت بتعملها فـ شبابك وبعدين بصراحة عنده حق بنتي اللي غلطت فيه الأول وإنت عارف ياسمين. ده الواد يعم. الواد اللي مخلفتوش فـ أنا مش مسئول بقا!" كبت "حامد" ضحكاته ثم نظر على زوجته فوجدها تضحك هي الأخرى هي و"سمية" وهما ينظران علي النظرات فيما بينهم. أنقذ "بسام" الوضع وهو يقول بهدوء: "متزعليش يا ياسمين هو مش قصده. هو مدايق بس عشان نيروز مش بترد عليه في الجوابات اللي بيبعتها ليها." كان يعلم "سالم" ذلك الأمر. تصنع عدم الإنصات كما فعل البقية. ولكن إلتفت "غسان" ينظر لشقيقه بضجر. فهتفت "ياسمين" بغير اهتمام كي تكيده: "ميهمش. هي كده كده عمرها ما هترد عليه عشان دي قلة أدب!" "يـــاسمين!!" قالها "سالم" بتحذير. فنظرت إلى والدها بصمت. وقد فهمت إشارة عينيه. "إتأسفيله إنت الأول يلا. إنت اللي غلطانة إنت كلمتيه بإسلوب مش كويس!" نظرت إلى والدها بغيظ طفولي ثم نظرت إلى "غسان" حتى قالت له بغير اهتمام: "أنا آسفة. يلا دورك!" قلب "غسان" عينيه بملل ثم حرك أنظاره من عليها حتى ثبتها على وجه "نيروز" الصامتة وهو يقول: "أنا أسف.." أسف غير مباشر أرسله لها هي كونه يرى أن الـ أخرى لا تستحق الأسف. لم ينتبه لفعلته سوى والديه الذين ابتسموا بلطف. وقلة حيلة منه. إندمج الجميع فالطعام مرة أخرى. في حين أنه نظر إليها بلطف. ثم همس بنبرة خافتة وصلتها مما جعل وجنتيها حمراء وبشدة: "بردو بحبك" لاحظ إحمرار وجنتيها فردد هو بالقول الذي ثبت معه إلى أن مر الزمان وقاله لها أيضاً بنفس الطريقة: "بيدق جامد ليه؟" "هو إيه؟" "قلبك!" حديث جانبي طفولي بريء لاحظه الجميع حيث كانت الضحكات الخلسة عليهم وهم يتهامسان معاً ببراءة. وللحق براءتها هي. فكان هو "غسان" الذي عرف بعبثه حتى منذ الصغر. ولم يكن معنى اسمه واقعاً إلا عندما رحل وعاد لمنزله القديم. عندما عاد لها ودخل بين المشاكل فأصبح حدة الشباب كي يحميها هي ولكن هي من تعمدت الآن بتركه هي تفعل نفس الأمر. مي تحميه!! ابتسمت بإشتياق وألم. ثم تذكرت كلمته المعهودة والتي أوقعتها به عندما كان يردد في بداية علاقتهما الغير مفهومة بتساؤل لماذا يدق قلبها؟ والآن يدق قهراً وألما ليس إلا. لم تساعدها أناملها للغوص في الذكريات أكثر. بل أمسكت القلم تفتح صفحات أخرى بيضاء نظيفة جديدة. حيث كان الدفتر ضخم ليسع كل هذه الذكريات. ثبتت صفحة أمامها ثم دونت التاريخ واليوم المحدد وحتى الساعة التي نظرت على الحائط كي تستعلم الوقت ومن ثم بدأت في كتابة حروف مؤلمة بالنسبة لها أخيراً. "قد أنهك فؤادي بما فيه الكفاية في عدد ساعات قليلة بعد قرار البعد. فراق مؤلم وعناق مؤلم وعلاقات مؤلمة. فكيف الهروب من الألم؟ وأنا .. هنا مناصرة بين الحقيقة الموجعة. الخطر .. والضياع ومن ثم التشتت والحيرة بكيف لنا أن نجتمع وكل منا يمثل الأذى للآخر. كيف التحمل وأنا أشعر بأن فؤادي يغادر جسدي الهش الضعيف ببعده عني. مجرد فكرة مؤلمة لم يمر عليها الكثير ولا أعلم كيف سأتحمل القادم من دونه. ولكن ثمة شئ له صوت بداخلي لا يرحل عن إلحاحه بقوله عندما يعلو صوته فجأة بعقلي حينما يقول ربما هذا الصواب لا غيره! وأنا هنا الآن بين أمرين.. الصواب والتعب. لم أعد أستطيع التحمل أكثر. أنهك وأستنفذ طاقتي في شئ لم تكن نهايته مرضية لنا وهذه هي الحقيقة!" حروف جدية تخرج بكل ألم. تركت كل ما بيدها ثم جذبت الغطاء ودموعها تهبط دون توقف. والحقيقة الموجعة والمعروفة بالنسبة لها بل والتي تعايشها الآن. هي انها تفارقه فيعنفها قلبها! فصلها "حازم" عنها بإعجوبة. في حين وقف الجميع بصدمة. توجه الكل ليهدأ من الوضع بينما وقف "غسان" يتابع بصمت. وما أن تحركت عينيه تحركت نحوها هي وهي تقف تنظر بصمت قاتل وعينيها المتورمة من كثرة البكاء كفيلة لشرح حالها. "أنا مش فاهمه حاجة إنت بتقولي إيه!" قالت "زينات" حديثها بغضب وهي تمسك خصلات شعرها بألم. في حين أحكم "حازم" مسك "ياسمين" كي لا تتوجه ناحيتها وهو يهتف بحزم: "إهدي بقا. إسكــتي!" "لا مش هسكت. مش هسكت للصفرا دي هي وعيالها. إنت عاوزه إيه مننا بقا. ما كفايه! نفسي تخليكم فحالكم بدل القرف ده. إبنك القذر فين الزبالة اللي عمل فـ وسام كده. فين اللي خرب على أختي ومش هيرتاح ألا ما يموتها بحسرتها هي وأمي!" وقف "حامد" وعائلته بسكون وترقب. في حين حركت "زينات" رأسها نفياً باستنكار. ثم رددت تجيبها بنفس الانفعال: "أنا معرفش حاجة عن اللي قولتيها دي. وحتي مكنتش فاهمه حاجة امبارح لما كله طلع يصرخ ويجري فجأه. حسن مشى من هنا من ساعة ما كان جوه عندكم!" قالتها ولم تغفل عن الشماتة التي خمنت بداخلها بأنه ليس سوى ولدها من فعل ذلك. تعلم تمام العلم بل وهي التي سببت له بأن تهيج الدماء بعروقه أكثر قبل أن يرحل منذ ان كان موجود بالفعل في شقته وحتى مواجهته مع والده! تمسك "حازم" بزوجته بحزم وهو يحذرها، في حين وقفت "نيروز" تطالع "ياسمين" بهدوء مريب. ثم أجابت على جميع الحديث بنبرة هادئة ساكنة: "مفيش غير حسن اللي عمل كده. هو اللي عاوز يوجعني ويخربلي حياتي لحد ما عملها فعلا. وهتطلق عشان يبقي مبسوط ويبعد عننا بقا بـ شره لو دا راضيه.. فـ ده هيحصل." صمتت "نيروز" تأخذ أنفاسها، ثم توجهت بالحديث نحو شقيقتها الممسك بها زوجها. حتى أكملت "نيروز" بحديث اعتبره البعض غبي للغاية منها بذلك الوقت وأمام تلك التي تشمت: "وأه يا ياسمين أنا حياتي اتخربت. بس أنا اللي عملت كده بمزاجي وأنا اللي قررت أبعد. فـ إنتي مش محتاجة تدافعي عني بعد الوقتي. ولو حسن ظهر مش هتعرفي تعملي له حاجة. أنا خلاص رضيت وقررت بالوضع كده. الحق من حسن مش بتاعنا.. يلا ندخل." ضغطت على جرحها كي تجعل الكل يصمت. أغمض "غسان" عينيه بغضب مكتوم. حيث تحركت جميع الأنظار عليه وهو واقف، وكان بعضها شفقة وتعاطف. نظرت لها "ياسمين" بذهول، ثم ردت بإنفعال: "إنت مجنونة؟ هتسيبيه عشان واحد حيوان تربية زبالة زي ده؟ هتخربي حياتك وتدمريها عشان مين؟ إنت مستوعبة؟" "أه مستوعبة وقولتها وبقولها إن ده الصح واللي لازم يحصل." "ادخلي جوه!" قال "حازم" حديثه لـ "ياسمين" بأمر. فكادت أن تعترض هي، ولكن نظر لها بحده حتى وقفت مجددا بعناد. فأمسك كفها يسحبها خلفه كي لا يتأزم الوضع منها. في حين وقفت "زينات" تنظر بشماتة ظهرت بنظراتها. أشارت "سمية" لـ "غسان" كي يدخل خلفها الشقة بقولها: "معلش ييني عاوزاك دقيقتين بس." وجدت الرفض بنظراته، ولكن تحرج من قوله. في حين نظرت له بترجٍّ فسار خلفها بهدوء. بينما صفعت "زينات" في وجههم الباب. في حين تحرك "شادي" خلف "حامد" و"بدر" إلى شقة "سمية" المفتوحة من أمامهم. "إنت اتهبلتي في مخك شكلك كده!" قالتها "ياسمين" وهي تمد يديها تهز "نيروز" بكتفها أمام الجميع. نظرت لها "نيروز" بخواء ولم تتحرك نظراتها من على وجه شقيقتها. فتوجهت "ورده" تفصل بينهما، ولكن تمسكت "ياسمين" بيد "نيروز" بقوة وهي تهتف لها بنبرة متفعلة امتزجت بالتوضيح: "إنت مش واعية؟ مش واعية حتى إني ضدك الوقتي؟ أنا كنت إمتى ضدك؟ فوقي يا نيروز، سمعاني؟ فوقي ده مش حل عمره ما هيكون ده الحل!" نفضت "نيروز" يديها ثم قالت بنفس النبرة الهادئة: "ملكوش دعوة بيا. أنا حرة وأعمل اللي أنا عاوزاه. إنت عمرك ما هتحسي باللي انا فيه ولا حد هنا هيحس باللي أنا فيه. افهمي بقا!" حرك "حامد" رأسه بقلة حيلة هو وزوجته، وحتى "شادي" الذي عجز عن إبداء حل. الوضع معقد إذن! طالعتها "ياسمين" بلوم. في حين وقفت "ورده" بالمنتصف. فالتفتت "نيروز" تنظر إليهم جميعًا حتى هتفت بنبرة واضحة لهم: "مش مضطرة أوضح ليكم. بس أنا تعبت حرام عليكم. أنا بحبه وعشان بحبه عمري ما هرضى لأذيته. قربه مني وحتى قربي أنا منه مش أمان. وسام كانت هتروح فيها بسببي وحتي هو كان هيروح فيها برضو بسببي. وأنا بتعب كمان بسبب العلاقة دي. كده كده حسن مش هيسيبنا في حالنا. أنا قررت أبعد عشان أنا الخطر هنا عليكم. وعلى عيلته مش هستنى لما حد منهم يروح فيها وأقف أنب نفسي وضميري بإني لو كنت بعدت مكنش هيحصل ده من الأول." وقف "غسان" يبتسم بسمة ساخرة على مبرراتها التي لم تتماشى معه. صمت الجميع ووقع الفؤاد حينما أخذ أنفاسه بصوت مسموع، ثم قال بهدوء شديد وبرضا لم يراه أحد به كمثل الآن: "حاضر يا نيروز. فأقرب وقت هحاول أجيب مأذون عشان نخرج منها بهدوء زي ما دخلنا. بس خليكي فاكرة إنك دوستي على جرح عمره ما هيتداوى بسرعة. عشان أنا بتمنالك الرضا ترضي. وقفت وحاولت أخليكي متخافيش ومتحمليش هم اللي جاي وبردو صممتي على التعب لحد اللي وصلنا ليه دلوقتي. خليكي عارفة وفاكرة إني قبلتك بكل عيوبك اللي إنتِ شيفاها سبب للبعد. عيبك إنك بنت عم حسن؟ اللي عمري ما فكرت فيها بالطريقة دي. بس إنتِ اللي صممتي توصلينا للنقطة دي رغم إن مكنش فارق معايا. بس تمام اللي إنتِ عاوزاه وأنا مبخليش حد معايا غصب. ولا بشتري حد بياع!" تمسكت أمامه كي لا تهبط دموعها. ابتلعت ريقها من حديثه. فابتسم هو عقب قوله. حتى وجد "حامد" ينظر إليه بشفقة كبرى، حاول الهروب منها بنظراته. في حين وقفت "دلال" تبكي بعجز. وقد تحدثت لها هي الأخرى بوضوح: "ليه يا بنتي كده؟ أنا ملقتش سعادة ابني غير معاكي إنتي. ولما خوفت عليهم زي أي أم بتخاف على عيالها قولتله يطلقك طالما بتتعبوا بعض. مكنتش عارفة بقول إيه ساعتها بس الكلمة خليته يقاطعني. يعني كنت عارفة إنه بيحبك بس لما حصل ده عرفت إنه بيحبك أوي!" "كنت!!" قاطعها "غسان" باختصار. فلم تستطع الوقوف أكثر كي تستمع لما يفتك بها وبقلبها بالألم. بل توجهت سريعًا نحو الداخل حتى تهبط دموعها كما تشاء. سحب "حازم" "ياسمين" خلفه نحو غرفتها. في حين خرج "حامد" يسند زوجته الباكية. وقد هدأ الوضع هدوء مريب. في حين قد خلى المكان له ولوالدتها التي صعب عليها الأمر بعدما سمعت كلماته. وقبل أن تبرر له بكلماتها وجدته يوضح بتعب لم يخجل من ظهوره أمامها: "بنتك اللي اختارت تبعد وتبيع. أنا حاولت أخليها أمانة في رقبتي زي ما قولتيلي لحد دلوقتي لحد اللحظة دي. بس هي اللي أصرت تدوس عليا من غير ما تحس باللي جوايا." صمت يعم مدى تعب حديثه، ثم هتف بغير تصديق مما تفعله به وكأنه يستوعب الأمر تدريجيًا: "دي حتى مستنتش عقلي وقلبي يهدوا وأنا تايهلها وبفكرلها إزاي هجبلها حقيقة مرضك بطريقة تبقى حنينة على قلبها ومتوجعهاش. راحت بكل بساطة هي اللي وجعتني. بس أنا كنت عارف إن بنتك من البداية محبتنيش زي ما حبيتها. كنت عارف إني خسران طالما اديت أكتر ما خدت!" ابتلع ريقه وعندما علم بأنها لم تستطع إرداف حديث توجه لينحني ثم قبل قمة رأسها بعاطفة وشفقة لحالها وكوداع لشيء كان سيربط بينهما. اعتدل يقف مرة أخرى ثم التفت بعدما رسم على محياه ابتسامة زائفة. توقف عندما سمع باب غرفتها يفتح وقد أتت من الداخل وهي تحمل بيديها علبة المجوهرات! نظرت لها "سمية" بلوم. في حين مدت يديها بألم وقد خلعت القلادة الذهبية لتعطيها له كما أعطته الذي أخذها أمس "الدبلة". وقف يحرك أنظاره بين عينيها اللامعة بالدموع وبين ما بيديها المرتعشة بطريقة ليست ملحوظة، لاحظها هو كما يلاحظ أصغر الأشياء. انتبه على صوتها المتحشرج وهي تقول تزامناً مع تقديمها له بالعُلبة: "اتفضل خد دهبك!" ود لو يضحك بسخرية لاذعة ولكنها خرجت منه بابتسامة واسعة جريئة لا تتماشى مع الوضع. الآن وحرفيًا إن كانا مخطوبين فقد فسخ ما بينهما الآن بذلك. وبالنسبة لعلاقتهما فتقرر نهايتها هي من جميع النواحي حتى يأتي ما عليه بقدوم المأذون! مجرد تخيلها لهذه اللحظة يؤلمها ولكنها تتعمد ضغطها على جرحها وجرحه هو الآخر. وجد نفسه يردف تلقائيًا بسخرية ظهرت في نبرته وحتى كفه الذي دفع كفها للخلف مما يعني بإرجاع ما تود تقديمه: "خليهملك مش عاوزهم!" أصرت على رفع يديها مرة أخرى ثم نظرت تواجه عينيه التي رأت بها الوجع المخفي أضعاف ثم قالت بعناد: "مينفعش دا حقك. زي ما حقي تجيب مأذون عشان ننهي اللي بينا بما يرضي الله." تتعمد القسوة في كل مرة عليه هو وحده! مرغومة على أمرها إذن. فإن كان يوجع هو فالوجع لديها شيء قاسي أيضًا باعتبارها أخذت قرار يهلكها بالكامل قبل أن يهلكه. ماذا يوصلها عقلها؟ حرك رأسه ومن ثم خرجت نبرته المتهكمة وهو يطالعها باستهزاء: "العادي! لإنك أصلاً مبتتهاونيش وفاكرة أخد الحق حرفه من الشخص الغلط وبس. بس لو ده حقي فـ لأول مرة هسيبه. عشان ليكي." يعترف بطريقة غير مباشرة بأنها غالية ولها مكانة لم ولن يصلها أحد بعد ما فعلته هي. صمت "غسان" يأخذ أنفاسه ثم واصل يكمل بنفس نبرته الساخرة: "وبقولك مش عاوز منك حاجة. اعتبريهم مكافأة نهاية الخدمة!" حديث ليس هين عليها بل يهينها. وأين الموجودين؟ لا يوجد أحد إذن. تركتهم "سمية" ينفردان بالحديث عل أحدهم يلين! ولكن يصعب الوضع أكثر. طالعته بإشمئزاز من آخر ما أردفه. كانت البداية هادئة ومن عزم وجعه أخرج وقاحته عليها. قلبت عينيها بغضب، ثم أشارت له قائلة بهجوم: "احترم نفسك معايا، أنا مكنتش عبده عندك عشان تقولي مكافأة نهاية الخدمة، ولا حبيتك بتمن ومقابل، كل اللي قولته إنه حقك وأنا مبجيش على حق حد!" لم يتقبل بعد الآن طريقتها معه، كيف سيخرج حبها من قلبه؟ لم يقدر على فعلها من الأساس، طالعها بثبات، يهزها هي، ثم حرك رأسه يؤكد لها حديثه: "لو كنتي حتى عبده كانت فاتها قدرت عن كده، بس معلش.. القلب خالي ومبقاش حد غالي!" صمت يخرج أنفاسه، وعندما شعر بأنه اكتفى من أخذ الوجع منها، قرر تركها وترك الحديث بنبرة ساخرة وهو يودعها بجملة بها لقب من المفترض بأنه كان يثبتها به بعبثه وغزله بها وليس يودعها بعد وجعه كمثل الآن: "سلام.. يا بنت الأكرمي!" وبالبساطة المتعبه له من داخله قالها كي لا يظهر تعبه أمامها، اعتبرته بمنتهى البرود واللامبالاة فعلها هو! انتفضت عندما سمعته يغلق باب الشقة بقوة، حتى أن دموعها المحبوسة هبطت على الفور دون أن تعلمها بأن رحل من كانت تأبى الهبوط أمامه! لا يوجد أحد معها بالمنزل، وحتى زوجها ذهب إلى مكتبه بعمله منذ الصباح، أخذت الغرفة بسيرها المتعاكس بشرود، أمسكت هاتفها ثم حاولت لأكثر من مرة أن تطلب رقم "حسن"، ولكن لا رد منه وهاتفه مغلق من الأساس، انتهت الحلول وقد قررت إرسال رسالة تحذره منها من عدم القدوم أو حتى عدم المكوث عند "آدم"، ابتلعت ريقها ثم خرجت بسرعة عندما سمعت صوت إغلاق باب الشقة، وجدته يدخل بهدوء، ثم وقف ينظر عليها وهي واقفة، عقد حاجبيه من ملامح وجهها غير المفهومة ثم قال بتساؤل وهو يجلس على الأريكة: "واقفة كده ليه مالك؟" "حسن ابنك ضرب بنت حامد وكانت هتروح فيها وبحاول أوصله عشان ميرجعش ولا يقعد عند آدم، عشان هدوء اللي اسمه غسان ده مش مريحني، شوفلك صرفه!" قالت حديثها باندفاع، على مرة واحدة، فنظر لها "سليم" بصدمة ثم وقف يسألها بغير تصديق: "ضرب مين؟ وعمل إيه؟ إنت بتقولي إيه؟" "اللي سمعته يا سليم، لازم نشوف نحل نبعد ابنك عن إيد غسان، قلبي مش مطمن!" تشنجت ملامحه بإنفعال، وهو يسير يقف مشيرا أمام وجهها بنفاذ صبر قائلا بنبرة مرتفعة: "ما لازم قلبك ميطمنش، عشان ابنك المتخلف اللي مصر يودي نفسه فستين داهية أكتر ما هو!" تفاجأت من انفعاله الغير معهود على أمور خاصة بضياع ولدها، وجدته يردف مرة أخرى وعدم اهتمامه خاصته قد أرسل لها بشفرة حديثه: "إنت تشيلي من دماغك خالص إني ممكن أوصل لابنك وأشيله من تحت إيد ولاد حامد البدري، أنا قولتهالك وبقولهالك تاني، أنا شايل إيدي من أي زفت يخص ابنك، كفايه بنتك اللي ماشية ومحدش عارف ليها طريق لحد دلوقتي، بوظتيهم هم الاتنين وخربتي حياتهم وإنت واقفة بمنتهى الهدوء وكأنك أم زي الناس، اسكتي بقا، اسكتي مش ناقصين هم يا شيخة!" يرمي لها اللوم الآن، اندفعت بغيظ، تردف هي الأخرى كي تجيبه: "لا ما إنت متحملنيش ذنبهم لوحدي بعد ما مش لاقيلهم حل، إنت كمان سبب في اللي كل واحد وصله هنا، مترميش لوم إنت السبب فيه من الأول!" نظر لها "سليم" بإنفعال، وقد قرر إخراج ما يراه، تحدث بغضب، وهو يشير بيديه أمام وجهها كعلامة للانفعال: "سبب فـ إيه ها؟ كنت باخد من فلوسي وأعطي لابنك وأقوله إنزل شوف اللي إنت عايزه وارجع فالوقت اللي تحبه، كنت بديه فلوس عمال على بطال يجيب بيها شرب وقرف. كنت بقول لبنتك ده غلط وده ميتلبسش وأزعقلها علي حاجات محدش في سنها يعملها ولا إنت اللي ماشية مخلياها جريئة وتلبس إيه ومتلبسش إيه، وتخرج فين ومنخرجش فين؟ أنا اللي خلتهم بالجحود اللي هما فيه ده ولا إنت؟" "عالأقل كنت بخليهم يحسوا بنفسهم ويقدروا نفسهم، بدل ما كنت بتيجي عليهم فالوقت اللي تحب تمشي فيه جنانك وتحكماتك عليهم، كنت بحاول أخليهم ميحملوش هم ويعيشوا سنهم، كنت عاوزاهم يشوفوا نفسهم، مش مجرد عيال من زوجة تانية، كنت بقولهم إنتم أحسن من إخواتكم وهم مبيحبكوش عشان دي الحقيقة، رغم إنك معانا هنا بس بردو إحساسي إنك دايما قلبك مع عايدة وعيالها أكتر مني مكنش بيروح، عدلت إمته بين عيالك؟ وكل كلامك عن الاحترام والهدوء كان على جميلة اللي انت نفسك مبتعملش باللي بتقوله ده قدامهم وقدامها، الكلام عن الادب والطاعة كان علي البيه حازم اللي إنت محبتش أحسن منه ولحد دلوقتي بتضعف قدامه، لسه معاك هو دلوقتي؟ سامعك وواقف جنبك، وحتى مراتك واقفه معاك هي وبنتها. محدش حبك هنا ولا قدرك غيري أنا وعيالي رغم ظلمك لينا." توبيخ مع قلب اللوم، وأي لوم ونصف حديثها منطقي والآخر عكس ذلك، نظر لها بغير اهتمام ثم وجه لها نظره من أعلاها لاسفلها وهو يردد: "كل ده مش هيخليني أجري على إبنك، يكش يموته فإيده أو يتحط فقلب سجن عشان نرتاح منه ومن قرفه، وكلمه زيادة هرميكي برا البيت ده، أنا معنديش حد غالي يا زينات، وحسابك معايا بيتقل، فإقعدي فجنب وفكري كده لو بنتك مشت من هنا عشان اللي جه فدماغي واللي فدماغك أقسم بالله لهكون مموتها فإيدي وكلمه اعتراض هتكوني محصلاها، جاتكم القرف، مشفتش منكم حاجة عدلة فحياتي!" بمنتهى البرود قالها، لم تطالعه بذهول فقد تعلم إلى مدي يصل اهتمامه في الأمور العائلية، القسوة جميعها له هو وحده فقط! تنتظره بأن يشفق وأن تثار عاطفته بينما هو بدون قلب من الأساس! نظرت بحسرة على حالها وحتى حال أولادها ولم تخلو الحسرة من الحق على عائلة "حامد" التي ما أن أتت انقلبت الأمور رأسا على عقب! وقفوا في شقة "حامد" ينظرون على "غسان" الذي خرج بعدما بدل ملابسه، لم يكن "بسام" موجود من الصباح حيث كان من المفترض بأن يذهب لعمله، بينما وقف "شادي" بجانب "حامد" و"وسام" بغرفتها، وضع "غسان" مفاتيحه بجيب بنطاله ثم أمسك زجاجة المياه المثلجة يتجرع منها بغير اهتمام حتى وقعت بعض قطرات المياه على صدره ورقبته المكشوفة من فتحة لأول ثلاثة أزرار من قميصه الأسود، ابتلعت "دلال" ريقها من تعامله اللامبالي، ثم هتفت تسأله بترقب: "رايح فين دلوقتي يا غسان؟" خرجت نبرتها المهزوزة كونها تتوقع الإجابة، التفت برأسه ينظر إليها وهي تقف بجانب والده و"شادي" يسندها، تنحنح يجلي حنجرته ثم أجابها باختصار: "رايح مشوار!" "بلاش جنان يبني واعقلها وأصبر نشوف مين فعلا اللي عمل كده!" قال "حامد" حديثه بهدوء، فوزع "غسان" نظراته عليه وعلى "شادي" الذي وقف بتردد ومنذ أن أتى من الخارج من ما كلفه "غسان" به منذ الصباح وهو يتردد بأن يريه، حرك عينيه ثم وقف يشير لـ "شادي" وهو يهتف: "عملت إيه يا شادي؟ ولآخر مرة هسألك ما كان فاتني نزلت وعملت المهمة دي بدل ما إنت عمال تتهرب مني كده!" حاصره "غسان" بقوله الصريح في حين أثار الحديث فضول والديه، فهتف "غسان" معلنا الصراحة لهم حينما قال باحتراف هادئ: "طيب حيث كده، إنتوا لازم تعرفوا إني مش هسيب حق وسام، بعت شادي يشوف الشارع ده كاميراته شغالة ولا لأ ويجيب منهم لحظة دخول وسام فيه، ونزل وجه ومقاليش أي حاجة لحد دلوقتي، فأنا أنزل بقا أشوف مصالحي بنفسي ومعتمدش على حد فيكم هنا!" قال حديثه بسخرية من كونه يحاول وكل منهم في كل مرة يرى محاولته بالخطأ، ابتلعت "دلال" ريقها بخوف، في حين هتف "حامد" بتساؤل مترقب: "يعني إيه؟" "يعني بنتك مكنش عليها حسن بس يا حج حامد، عارف يعني إيه؟ يعني لو كانت دماغهم وزتهم شمال أنا كنت خدت إعدام من بدري فيهم، وأنا عارف إنه حسن لكن اللي معاه أنا معرفهوش، فـ لو معاك الفيديو تطلع بيه يا شادي بدل وعزة جلالة الله هطلع أموت أبوه وأمه قبل ما أوصل لـ *** ده!" علم جيدًا كيف يهددهم، يهددهم بنفسه هو بالخطر! اهتزت ملامح "حامد" في حين نظرت "دلال" برهبه. فأخرج "شادي" الهاتف من جيبه، ثم قاطع سير "غسان" بسرعة قبل أن ينفذ ما قاله. قدم له الهاتف وهو يفتحه على مقطع الفيديو دون صوت. انتشله "غسان" من بين يديه وهو ينظر له بحدة امتزجت بالألم. وقف ثم أخرج أنفاسه ومن ثم ضغط على علامة التشغيل ليفتح الفيديو. ومن جانبه "حامد" وزوجته عندما تحركا ليشاهدان ما حدث بتعب. نظر بغيظ على الفيديو، وقد تبدلت ملامح وجهه للشرر. رفع رأسه بعدما استوعب من معه ثم قال وكأنه يؤكد ما رآه: "ده شريف اللي كان مع حسن يوم ما كنا عند آدم. شريف أخو عز." صُدم "حامد" هو وزوجته حتى أن الصدمة كانت جاهلة دون علم! هز له "شادي" رأسه بتأكيد. ثم أخذ الهاتف من بين يدي "غسان" الذي وقف متحليًا بالصمت. اعتدل في وقفته وهو يأخذ أنفاسه ثم حرك أنظاره على وجه "شادي" وهو يردد بتبره شارده غريبة أتت من غرابة ما رآه: "حلو أوي الكلام ده!" توجه ينحنى بجانب الباب ليرتدي حذائه. ثم اعتدل يفتح باب الشقة ولم يعطي فرصة لوالديه بالمقاطعة. حتى أنه دق باب شقة "عايدة" بصوت مرتفع. جعل شقة "سمية" تفتح عندما توجهت "دلال" تدق عليهم بخوف غير مفهوم. فتحت "عايدة" الباب وقبل أن تتحدث هتف "غسان" بنبرة جامدة: "بنتك فين؟" طالعته "عايدة" بإستغراب. وقبل أن ترد وجد "حازم" يسأله من خلفه بنبرة جادة: "وإنت عاوز إيه من أختي إيه يا غسان؟" وقبل أن يجيبه وجد "سليم" يفتح باب شقته هو الآخر. لم يعطي له "غسان" الفرصة بل سحبه يمسكه من تلابيبه وهو يردد هو الآخر رغم علمه بجهله لمكان ولده: "الزباله اللي إنت مخلفه إنت كمان فين؟" فصل "حازم" سريعًا بينهما في حين وقف البقية ينظرون بترقب وفقط. حتى "بدر" الذي وقف يطالع "غسان" بتفهم لتهيج أعصابه. وجد "حازم" يصرخ به قائلاً بصوت عالي: "ده مش أسلوب ولا دي طريقة!" ضغط "غسان" على فكه بغضب. ثم هتف بصراخ هو الآخر يشير له: "وإيه الطريقة لما أخوك يطلع على أختي هو وأخو خطيب أختك التانية ويضربوها على راسها ويرموها فالأرض زي الأندال ويطلعوا يجروا!" صُدم الجميع حتى "نيروز" التي خرجت تنظر هي الأخرى بعدما سمعت صوت صراخه. لهفتها عليه جعلتها تركض من داخل غرفتها للخارج. هتف "حازم" بغير تصديق. في حين وقفت "عايدة" مصدومة بشدة: "شريف إزاي؟ ويعمل كده ليه؟ طب حسن وماشي لكن أخو عز ليه؟!" قالها بتشتت. فهز له "غسان" رأسه بتأكيد ساخر. في حين هتف "شادي" يرضي رغبتهم في فهم ما يحدث وما العلاقة: "أيوه شريف يا حازم. شريف صاحب حسن أصلاً من قبل ما عز يجي يتقدم لأختك!" هز "حازم" رأسه بعدم استيعاب. فهتف "غسان" مرة أخرى بنبرة حادة لـ "عايدة": "قولتلك فين بنتك؟" إغتاظ "حازم" من طريقته في حين وقفت "ياسمين" وشقيقتها تنظر بغير فهم قوي. نبس "حازم" بنبرة حانقة مغتاظه: "إنت بتكلم أمي كده ليه؟" "تعالى اخلي أخويا يخبط أختك ويحاول يموتها ونشوف هتبقي حالتك عاملة إزاي معايا!!" قال "غسان" حديثه بقهر داخلي واندفاع خارجي. لا يعلم "حازم" أن يغضب من ما أردفه للتو أم يتعاطف معه! هتفت "عايدة" بهدوء متفهم قبل أن يحدث من وضع سئ: "سيبه يا حازم. معذور يبني.. جميلة جايه فالطريق مع عز كان عليها امتحان واخر مرة كلمتها قالت إنها واقفه تستني تاكسي وعز جاي معاها. يعني اللي انت عاوزه جاي فالسكه من غير صوت عالي ولا مشاكل!" هدأ انفعاله بالتدريج عقب سماعه لمثل هذه الكلمات. فوجدها تبتسم له برضا. حرك أنظاره من عليها ثم وجهها على "سليم" حتى خرجت منه نبرته المتساءلة بتهكم والإشمئزاز لا يخلو منها: "ما إنت لو خلفتك منها عَدله مكنش ده هيبقي الوضع. بس نقول إيه الناقص بيجيب ناقص زيه بالظبط.. بالذات لو مراته ناقصه بردو!" قصد أبنائه وزوجته الثانية. شهق البعض من وقاحته. بينما حاول "سليم" إمساك رقبته فأمسك "غسان" يديه ضاغطًا عليها بقوة ثم قال بنبرة هادئة: "انا إتربيت أه. بس متربتش أوي عشان أراعي سنك ده. فأركن فـ جنب وكفايه عليا إبنك وبعد كده نبقي نفوقلك ونفوق لأمثالكم اللي ماشين يخربولي فـ حياتي!!" ترك يديه بنفور في حين تماسك "حازم" كي لا ينفعل. بينما حرك "غسان" أنظاره عليها وهي تقف تطالعه بلوم. حتى أنه انتبه على نبرتها المتساءلة له: "ليه؟ ليه مصمم تجيب التعب لنفسك؟" قالتها "نيروز" قاصدة هجومه كذلك في كل مرة. ابتسم لها أمام أنظار الجميع ثم هتف يجيبها بثبات زائف: "مش مشكلتي إنك ضعيفه. والضعيف ملوش مكان فـ حياتي!" "إسكــــت!" قالها "بدر" بحزم. مكان ما كان سيردفه "حامد". قلب عينيه بإصرار ثم ثبتها على وجه "بدر" و"نيروز" التي طالعته بخيبة وحسرة من ما أردفه عليها للتو: "عرفت إني لازم أسيبك!" "بيكي ومن غيرك يا نيروز. هجيب حق وسام. وسيبك بقا من حوار انا خايفه وأنا خطر عليك وحسن وزفت و مش هيسيبك. لأ.." صمت ينفي ثم واصل يؤكد بجرأة: "لأ صدقي إنك إنت اللي بتعتيني وصممتي تكوني جبانه. وإنسي يكون في أمل إننا نرجع. أنا مبمسكش فـ حد ندل وأناني كده. بالذات لو زيك!" إندفعت "ياسمين" تصرخ بوجهه هي الأخرى كي توقفه عن حده: "اخرس خالص. أنت مفكرها إيه؟ مدلوقه عليك؟ فوق من اللي إنت فيه وبتقوله ده!!!" سحبه "شادي" بعيدًا عنهما فدفعه "غسان" عنه وهو يبتسم لها بفخر. ثم أشار لها قائلاً بهدوء: "أنا اللي إتدلقت فيها ومش عارف أنسي اللي عملته واللي بتعمله. قوليلي أخرس إزاي وأتأقلم مع حقيقة إنها بياعه ورفضتني فأصعب أوقاتي!" تراجعت "ياسمين" في حديثها في حين سحب البعض "سمية" بعيدًا عن الحديث. طالعته "ياسمين" بصمت. ورغم نظرة "حازم" لها بتحذير من أن تصمت. هتفت توضح له بألم من ما تعانيه شقيقتها وحتى هو: "إنتوا اللي عملتو كده فنفسكم. وهي قالتلك مبقتش عايزاك رغم إني ضد الفكره بس هي اللي إختارت تبعد. فمتقعدش تقطمها فـ قرار هي حره فيه حتى لو هي مش صح بس هي حره ودي حياتها!" حديثها النابع من مدافعتها عن شقيقتها أينما فعلت. شعرت "نيروز" للحظه بأنها لها سند وظهر. ولكن وقفت تنظر بصدمه. عندما سمعتها تلطخ كل ذلك بجملتها التي أصابته بقلبه حينما قالت: "إيه؟ هتفضل مع واحده مش عايزاك. وقالتلك تطلقها؟ قولي لو إنت بتحبها وروحك فيها هتقبل تخليها علي ذمتك إزاي وهي ممكن تكون بطلت تحبك؟!" كل منهم يردف الحديث دون وعي منه بماذا يقول، ولكنها ضغطت على الجرح بقوة. حتى أن "نيروز" اندفعت تقول: "لا يا ياسمين أنا مبطلتش أحبه، بالعكس أنا بتوجع ومش عارفه أعمل ده بس ببعدي عنه هو الصح لينا!" بسمة ألم زينت محياه وهو يحرك رأسه بعبث من ذلك الحوار الذي ينهكه ليس إلا. لم يجيبهما بل حرك أنظاره على من حوله، فوجد "حازم" يغلق باب شقة "زينات" بعدما أدخلهما بسرعة كي لا يتأزم الوضع. ومن ثم وقفت "عايدة" في حين وقف "حامد" بصمت، أما زوجته فدخلت مع "سمية" هي و"وردة" إلى الداخل. تشبثت نظراتها به ثم هزمها قلبها عندما اقتربت تمسك كفه تترجاه بنظراتها وحتى حديثها: "عشان خاطري متروحش لحسن، متعملش حاجة أنا خايفه عليك!" خوفها عليه دائم. ظنت إنها ستعتاد الراحة بعد الآن، ولكن بما فعلته قد صعبت من الأمر. لم تعِ ما فعلته من عزم حبها له. حتى وقف البعض يطالعها بحيرة. ابتعد "غسان" عنها بألم وهو يرجع خطوات إلى الخلف، ومن ثم سحب كفه من بين يديها بتعب. ثم ردد بهدوء مريب يذكرها: "متنسيش إنك طالبة الطلاق!" وجدها تهز رأسها بإصرار. ثم هتفت من بين دموعها التي هبطت: "طلبته ولسه طالباه، بس ده ميمحيش خوفي عليك!" تشتتها يتعبُه ويتعب قلبه. تضغطه نفسيًا لأقصى حد بذلك دون أن تعلم. حرك رأسه نفيًا، ثم ابتسم بألم: "مش من حقك لو فيها طلاق، وملوش لازوم الخوف!" انسحب الجميع من حولهما، وبقيت هي معه ولا تعلم كيف تقف تطالعه بألم أمام باب شقته من الداخل المفتوح ويطل على الخارج. ابتلعت ريقها تضغط عليه بحديثها وهي تقول بنبرة ضعيفة: "أنا بحبك، والله العظيم بحبك وعشان كده قلبي مش مطاوعني أفضل عشان أذيك وخلاص، أنا ببعد من حبي فيك!" لم يشعر بنفسه إلا عندما صرخ بها بقوة وهو يدفعها من كتفيها ومازال ممسكًا هو بها مع كلمته الصارخة التي خرجت منه بقوة: "كــــفـــايه!" وقفت لم تتحرك، يعي جيدًا ما فعله ولم يفعل ذلك سوى للتعبير عن غضبه وتعبه. هبطت دموعها بحسرة عندما سمعته يوضح لها ما تفعله هي: "كفايه، إنتِ إيه؟ مبتبطليش تدوسي عليا بكلامك وطريقتك دي؟ إنتِ أصلاً مش عارفه إنتِ بتعملي إيه ولا عارفه إنتِ عايزة إيه بالظبط. لو مش عارفه إن بكلامك ده بتتعبيني تبقي مشكلة، بس ماشي، أنا هطلقك وهبعد زي ما بتقولي!" انتهى بحديثه عندما رفع يديه الاثنتان يهزها من كفتها بهستيرية. وقفت ثابتة لم تكن خائفة، بل رأت كل شعور بالكسرة بعينيه. تركها وهو يرجع خطوات إلى الخلف، ثم هتف قائلًا بنبرة هادئة على فجأة: "هعملك اللي إنتِ عايزاه وبعدها تبعدي عني، مش عاوز أشوفك ولا عاوز أسمع كلامك وكل واحد يبقي من طريق زي ما إنتِ عايزة." دق قلبها بعنف، والآن جاءت للحظة التي تريدها وبنفس الوقت لا تريدها. وقبل أن يردد لها بكلمة طلاقها وجدت "وسام" تندفع له قائلة بترجّي: "لا عشان خاطري يا غسان، متعملش كده، إدي نفسك فرصة حتى لو مش هتديها هي فرصة!" قالتها وهي تدفعه بمكان آخر غير الذي وقف به. لا يعلم هو بأن ألمه منعه عن قولها حتى هذه اللحظة. لاحظ خروجهما من المصعد حيث كان المكان الذي يقف به بجانب باب الشقة من الداخل. وقفت "نيروز" تنظر بصمت ودموعها هي التي تتحدث. ابتلع "غسان" ريقه ولم يعلم هو سوى فكرة واحدة، بأنه كان من إمكانه قولها الآن أو من قبل ذلك. بينما لم تكن هينة عليه قولها. تركته بأصعب وقت يحتاج به أن يرى احتوائها، وهذه هي النقطة الفارقة معه. طالعها بكسرة ظهرت أمامها وهو يمسك كف شقيقته كي يسندها حتى لا تخونها رأسها وتسقط. هتف بعد أن ابتلع ريقه وهو ينظر لها: "خليكي فاكرة إنك إنتِ اللي وصلتينا لكده يا نيروز!" طالعته بصمت، وقبل أن تبرر بحديث يضغط عليه، أوقفها بحزم وهو يردف: "متتكلميش، أنا معتش هستحمل منك كلام، كفايه لحد كده، طلاق وهطلقك وهبعد عنك مش هخليكي تشوفي وشي عشان نبطل نوجع بعض!" توجه "غسان" عقب حديثه، ثم أجلس شقيقته على الأريكة وهو يشير لها، ثم قال بهدوء: "إرتاحي ومتقفيش فترة طويلة كده تاني." أومأت له "وسام" بحزن طغى على ملامحها عندما رأت حاله. غفل هو عن التجمع القليل على السلم في الخارج عندما تركوه يدخل بها إلى الشقة التي فُتحت وسمع من بالخارج كل ذلك. كل مرة يتأزم الوضع أكثر، وحتى لم يعد بيديهم الأمر. توجه بخطوات ثابتة كي يخرج، وكانت هي من تقف لتقطع طريقه بوقفتها رغما عنها. رسم على ملامحه الجدية، ثم نظر لها حتى خرجت منه نبرته الهادئة وكأنه لم يصرخ منذ لحظات: "عديني، عاوز أخرج لو مفيهاش حاجة مني!" نظرت له بلوم من ما يفعله. ابتلعت ريقها بإنكسار عندما هتف هو بابتسامة تهلكه من الداخل: "..ومش محتاج أقولك إن البيت بيتك وبراحتك يعني، حتى لو هتبقي طليقتي إن شاء الله!" ابتعدت عن طريقه عندما تفحصها بنظراته من أعلاها لأسفلها. ثم ثبت نظراته على خصلات شعرها التي خرجت بها بسرعة دون وعي منها عندما سمعت صراخه. أشار لها بعينيه ثم قال بحده: "المفروض إنك لسه مراتي فـ تحترمي ده لحد ما تخرجي من على ذمتي!" ثبت نظراته على رقبتها وعلى سترتها المنزلية التي فُتح سحابها من الأمام حتى ظهر عنقها. لم يحرك أنظاره من عليها وكأنه يودعها بذلك. أخرج أنفاسه ثم هتف بسخرية وبنبرة خافتة عندما اقترب يهمس لها: "مكنش خسارة فيا تكوني معايا بجمالك، بس إنتِ اللي إستخسرتيه فيا يبنت الأكرمي!" يغازلها بسخرية لاذعة. يعلمها بطريقة ما بأنه لم يرى مثلها. يجعلها تندم بطريقته المؤذية في إرداف الحديث. هربت بأنظارها منه، ثم دخلت تجذب حجاب والدته كان موضوعًا على المقعد من أمام أنظارها. طالعها بتهكم ثم هز رأسه لها قائلًا مرة أخرى: "وابن البدري.. عمره ما هيلاقي واحدة تانية يحبها ويقدرها زي ما كان بيعمل معاكي.. بس للأسف كله كان رايح في المكان الغلط!" يهشم خواطرها بجملة تلو الأخرى. تصنعت الشراسة من إردافه لحديث يأتي عليها. هتفت بهجوم وهي تشير له قائلة بنبرة مندفعة: "وإنت ملكش عزيز وبياع!" "بياع... مقولتش حاجة! أصل هتكوني إتعلمتي البياعة دي من مين غيري يعني عشان تبيعيني في لحظة وبسرعة كده. أما مليش عزيز، فـ أنا بردو مليش عزيز.. غيرك. بس كنت... كنت يا نيروز!" تركها بعدما قال حديثه ولم يعطِ لها فرصة بأن تهاجمه أكثر. خرج من الشقة بأكملها فوجد "عز" يقف بجانب "جميلة" ومعه "حازم" و"ياسمين" و"حامد" و"بدر" و"شادي" فقط. سمع هو قول "بدر": "تعالى بس يا عز ندخل جوه، حتى الوضع يبقي أهدى تعالى!" تحرك "بدر" والجميع نحو الداخل كي يدخل "عز" من خلفهم. بينما وقف هو ينظر إلى "غسان" الذي وقف يطالعه بصمت تام إلى أن هتف يسأله: "فين أخوك شريف يا عز؟ فين اللي ضرب أختي على دماغها وطلع يجري زي الجبان!" تحركت أنظار "عز" عليه بتيه وعدم فهم. بينما لم يأتِ بعقله من كل الحديث الذي علمه منهم بأن شقيقه يفعل ذلك ليوجه له شررًا وأذى كي تخرب حياته لا أكثر. احتدمت عيناه إلى هذه النقطة ثم اعتدل بوقفته وهو يجيبه بنبرة جاهد بأن تخرج هادئة ثابتة: "أنا معرفش حاجة عن الموضوع ده. وحتى معرفش شريف أخويا فين بيته ولا معايا ليه أرقام!" طالعه "غسان" باستنكار، ثم هتف باندفاع وهو يمد يديه يمسك ياقة قميص الآخر: "وحياة أمـــك!!" تشنجت ملامح وجه "عز" في حين تحرك من حوله من الرجال كي يفصلوهما. فهتف "عز" وهو يهبط يدي "غسان": "أنا عشان فـ حتتك مش هقولك حاجة تزعلك، عشان أنا أقدر أزعلك مني أوي، بس إحنا بنفهم فالأصول، ومش محتاج أعرف إنت مين عشان دي مش أخلاق دكتور بسام المحترم!" "حلو..." أنا غسان وعاوزك تزعلني أو حتى تفهمني يعني إيه أخوك وملكوش أرقام مع بعض ولا تعرف حتى طريق بيته. إحنا هنحور على بعض! أهبط يديه من عليه بإرادته عندما فصلوهما عن بعضهما. فتنفس "عز" بعمق. ثم أشار له قائلاً بتفسير: "هقولك اللي فيها ولو بعد اللي حكيته لسه شايفني بداري عليه تبقي مبتفهمش!" ترقب "غسان" كما ترقب الكل باهتمام. قرر قص ما رآه وما تهتف حياته على "حازم" أيضاً. رأى أنها قد جاءت الآن اللحظة الحاسمة لقول كل شيء لا يجب أن يداريه. سمع نبرة "غسان" الهادئة وهو يشير له نحو شقته قائلاً: "ماشي. مستعد أسمعك. بس بعد كل ده هتيجي معايا ندور على أخوك و تقف قصاد أخوك اللي مش هيفلت من إيدي وهجيبه كده كده هو والناقص اللي معاه..!!!" هكذا كان حديثه وهو يشير له كما أشار له "حامد" بهدوء. ومن ثم سار معه "حازم" و"بدر" و"شادي" إلى شقة "حامد". أما "عز" فيعلم تمام العلم بأن شقيقه يمكنه فعل ذلك والأصعب والأقسى من ذلك. *** منذ أمس ولم يتحرك أي منهما من منزل "آدم" ويعد إقناع "شريف" للجلوس كون حدة الشباب منشغل بما فعله من جرم هو والآخر. كان "آدم" مرحباً بهم بفتور. فقط. حتى أنه لم يصبح كثير الحديث. وحتى تناوله الهلاك. حاول بأن يتأخر على الجرعة الذي يأخذها. نجح مرة وفشل مرات كثيرة منذ أن قرر. يبكي. يبكي لعدم قدرته على أخذ القرار. فعندما يصر يجد عوائق بطريقه. الطريق إلى الاستقامة كفاح إذن!! جلس بغرفته ثم رفع يديه يمسح دموعه وهو يرفع أنظاره المترجية للأعلى ثم دعا بقوله الذي ظهر به التشتت: "يـارب. دلني على الصح من غير تعب. نفسي أبطل والله نفسي أبطل بس مش عارف..!!!" نبرته المختنقة الحائرة أتت من عجزه. مع العلم بأن بإمكانه أخذ القرار النهائي وأن بيديه يذهب لشقيقه ويحثه على فعلها كي يضعه بمصحة. وعندما يصل إلى هذه النقطة يرجع أميال إلى الخلف لمعرفته جيداً بكيف سيكون الألم. ولكن الاختيار كان بيديه من البداية! لما الوجع ولما الندم الآن.. هذا ما قاله عقله له. نهض يخفي آثار دموعه سريعاً. ثم عدل من ملابسه أكثر قبل أن يخرج لهم متظاهراً بهيأته العادية. وصل إلى مسامعه نبرة "حسن" الضاحكة وهو يقول بمنتهى الدناءة على إحدى الفتيات: "دي البت دي كانت مقضياها مع كله وفالأخر خدها الغلبان ده. عارف لو يعرف ماضيها والله ما كـ..." بتر "آدم" حديثه عندما هتف بملامح وجه بها من الضجر ما ظهر لهما: "بس يا حسن إسكت. حرام!!" حرك "شريف" أنظاره بغير اهتمام ثم نظر على الآخر فوجد ضحكاته تتعالى. فضحك هو الآخر. عندما هتف "حسن" بسخرية لاذعة: "شيخنا.. من إمتى ده ياعم. ده إحنا دافنينه سوا..!!" "بصراحة يا آدم معاه حق. يعني أنا لما جيتلكم وقربت منكم من فترة. كنت إنت خاربها على الآخر معرفش مالك نخيت ليه كده ورجعت لورا..!!" قال "شريف" حديثه بنبرة ضاحكة أثارت غيظ "آدم" الذي هتف يوقف ما هم به: "منختش ولا رجعت لورا. كل الحكاية إن عيني إتفتحت وعرفت الصح من الغلط والحرام من الحلال..!!" "وهي السجاير اللي بطلتها دي مش حرام. ولا الضرب والحقن هما اللي حلال يا دومي!!" بكل استفزاز قال "حسن" حديثه. فتعالت ضحكات "شريف" الذي يجعل الأمر أكثر استفزازاً بضحكاته. نظر له "آدم" بصمت. ثم قال متحلياً الثبات: "لا مش حلال. بس عالأقل بحاول عشان ملقاش نفسي ميت وملاقيش حد جنبي. أو بلحق نفسي عشان موصلش لمرحلتك دي.." صمت عن قول حديثه وهو يطالع "حسن" الذي طالعه بغير اهتمام. فوصل يكمل مرة أخرى ليواجهه: "إنت مصدق نفسك؟ مش شايف نفسك عامل ازاي؟ دا إنت لو حد نفخ فيك هتموت يا غبي يا متخلف. سيبك من شريف ده. مش هينفعك والله ولا عمره هيوصل نفسه للمرحلة اللي بقيت فيها دي!!!!" وقف "شريف" ببطء ثم أشار لـ "آدم" بتمثيل ضاحك: "كده إنت بتغلط فاللي بيعملك دماغك. هتبقي قدها لو قولتلك معنديش ليك كيف لما تيجي تطلب والجزمه فوق رقبتك!!" كبت "حسن" ضحكاته وهو يخرج اللفافة من فمه ثم نفخ الدخان من أنفه. تزامناً مع قول "آدم" الغير مهتم: "عمري ما هتذل ليك يا شريف عشان تبقى عارف بس!" "ولو حصل والكيف ذلّك" صمت "آدم" ثم هرب بأنظاره كي يجلس على الأريكة التي كانت على بعد منهم. ثم أخرج هاتفه ليفتحه هو وحده بعيداً عن ما يفعلانه الاثنان. لم تكن لحظات إلا وقد تبدلت ملامحه للصدمة عندما قرأ إحدى الرسائل المرسلة ولم تكن الرسالة بمحتواها إلا من "زينات"!!! هل ما قرأه الآن صحيح؟ حسن يهرب؟ ومن معه؟ وضرب ابنة عمه؟ ولم يجيب على اتصالات والدته بسبب إغلاقه لهاتفه. وعندما وصل لآخر جملة وقف بإندفاع عندما قرأها صراحةً.. "وقوله غسان مش هيهدى ألا ما يمسكه يموته. لو عندك يا آدم خليه يمشي بسرعة. شكل غسان ابن عمك ده مش ناويله علي خير..أمانه لتقوله." نظرا له الاثنان باستغراب من وقفته السريعة المندفعة بل ونظرات الغضب في عينيه. وقبل أن يسأله أحدهم وجد نفسه يتوجه سريعاً ليمسك "حسن" من تلابيبه وهو يردد بصراخ: "عَـمـلـت إيـــه تـــاني يا متخلف!!" إستشف "شريف" بأنه علم لا محال. بينما طالعه "حسن" بغضب هو الآخر وهو يدفعه بعيداً عنه مردداً بنبرة منفعله: "عملت إيه فـ إيه؟" "بنت عمي. بنت عمي يا واطي. طب غسان ولما تضربه هياخد حقه منك لكن هي. عملتلك إيه عشان تعمل فيها كده! جاي تقعد عندي بالحداقة وتغفنلي" قال "آدم" حديثه بنبرة مرتفعة جعل "حسن" يطالعه بصمت. بينما وقف الآخر ينظر بترقب. إلى أن هتف "آدم" مرة أخرى: "كل ما أقول هتبطل غباء وجهل بقا ترجع تبوظ الدنيا وتعكها علي دماغنا فالأخر يا ***" تشنجت ملامح "حسن" من سبه. في حين أشار له "آدم" بإنفعال: "مش هقولك تقعد المرادي يا حسن. وأحب اقولك جهز نفسك بقا إنت والأستاذ وإمشوا من هنا عشان غسان مش ناويلكم علي خير. وياريت معتش ترجع خالص طول ما إنت مصمم تبقي غبي كده!!!!" نظر "حسن" باهتمام. ثم رفع عينيه يوجهها نحو "شريف" الذي هتف بمنتهى الهدوء: "متزقش كده يا عم. أنا ممكن أقعد وأشوفلك غسان مين ده اللي جايلنا وناويلنا على الشر وأعرفه مقامه قد إيه! ...بس هناخد نفسنا ونمشي من هنا بالذوق أصل شكلك يعني كده والله أعلم بتطردنا..!!" نظر له "آدم" بإستهزاء. في حين توجه "حسن" يسحب "شريف" خلفه وهو يقول على عجالة غير عابئ بالحديث: "يلا بسرعه. اخلص.." سار "شريف" من خلفه هو الآخر ثم ارتدى حذاء قدمه من الداخل حتى وضع يديه يتمم على هاتفه الذي كان بجيبه ومن ثم غمز لـ "آدم" ببرود. وهو يردد بنبرة ليست هينة: "لما تطرد شريف. تبقي لازم تعرف انت كنت فـ إيه وهتبقي فـ إيه. إبقى قابلني لو عبرت دماغك تاني. "سلام!" "طظ يا شريف!" قال آدم حديثه بجرأة فوجد شريف يهز رأسه له ومن ثم سحبه حسن بسرعة خلفه كي لا يأتي ما قاله الآخر. سمع صوت إغلاق باب المنزل. في حين جلس هو بإنهاك. ومهما حدث لم يستطع هو محو خوفه الصادق على صديق أيامه. ولكنه أيقن بأن حسن لا يوجد منه أمل ليسحبه معه للطريق الصحيح. بل قربه منه يؤخر ما يفعله من صواب من الأساس. ثم يعود السؤال لهم هم وهم يتساءلون بنفس سؤال من رأى المعاناة. جلس الجميع على المقاعد ومر وقت قليل عليهم. صوت عز في سرد ما رآه وما نشأ عليه أثار شفقة البعض والبعض الآخر يهتف لنفسه. أيوجد تضحية كمثل ذلك؟ أيقن البعض بأنه رجل بل وعز الرجال كما يرى الغير. تحركت أنظار غسان عليه بشفقة لم تظهر ثم هتف يقول بنبرة هادئة وهو ينهض: "أنا كمان يا عز موجوع على أختي. بس قولي سبب كافي يخلي أخوك يعمل فيها كده؟ قولي حتى لو حد عمل كده لأختك هتفضل قاعد كده؟" يحاصره بل وذلك الغير هين يعبر له عن أسفه لمعاملته قبل قليل بطريقة غير مباشرة. علم عز غايته الأخرى من الحديث. في حين وقف شادي يأخذ أكواب العصير من يد دلال. ثم وضعها على السفره بجانبهم. وقف عز يحرك رأسه بهدوء ثم قال بهدوء متفهم: "أنا مقدر خوفك يا غسان. بس أنا مليش علاقة بشريف غير الدم فعلاً. وأنا معاك في أي حاجة تحكمها عليه. عشان لو حطيت نفسي مكانك عمري ما هسكت على حق أختي!" يثير نقطة شراسته. وبخه حامد بنظراته. فـ أخيراً قد رأى سكون ولده الآن يأتي أحدهم وشجعه. وقف غسان ثم نظر إلى بدر قائلاً له بنبرة شديدة الهدوء: "أنا رايح عند أخوك يا بدر. ولو لقيته يعرف حاجة عن الموضوع ده مش عايزك تزعل!" وقف شادي وحازم الذي ود لو ينفرد بـ عز بعد أن سمع مختصر حياته. تحركت أنظار بدر عليهم جميعاً ثم وقف تزامناً مع قوله: "أنا جاي معاك يا غسان. وعاوز أقولك لو آدم يعرف حاجة عن الموضوع ده من قبل ما يحصل هعرفه أنا وهسيبك ليه تعمل اللي تعوزه. بس أنا أضمن أخويا عشان هو نضيف وعمره ما يطلع منه حاجة زي دي!" هز غسان رأسه له ثم اعتدل بوقفته وهو يشير لهم بقوله: "يلا!" قالها وهو يخرج من باب شقتهم. سار من خلفه شادي وعز وحازم. في حين وقف حامد يوصي بدر بخوف وهو يقول: "خد بالك يا بدر. متسبهوش يا ابني يعمل حاجة يودي نفسه في داهية. إحنا مش ناقصين!" "متقلقش يا عمي. اطمن!" آخر ما سمعه من ابن شقيقه ومن ثم خرج. جلس حامد مرة أخرى بتعب على المقعد وقد سمع صوت شهقاتها من خلفه. وقبل أن يدير رأسه لها وجدها تأتي لتجلس بجانبه هي الأخرى بتعب وقد ظهر الخوف في نبرتها الباكية عندما قالت: "أنا مبقتش حمل القلق ده ياربي!" كذلك كان القول المتحشرج بالبكاء. وهي تعلن عجزها وقلة حيلتها بما يحدث أمامها. رفعت أنظارها للأعلى من وسط نحيبها ثم قالت بخوف مرة أخرى: "أستر يارب..!" نظر لها حامد بسكون ومن ثم رفع يديه يمسح دموعها ثم ربت على كفها قائلاً محاولاً بث الإطمئنان بها: "هيسترها يا دلال. هيسترها متقلقيش.." "عرفتي إن نيروز كانت لازم تعرف من الأول. مبسوطة وإنتِ كل شويه فقلق وهم كده وإحنا مش عارفين هيحصلك إيه!" توبيخ من ياسمين إلى والدتها. بعيداً عن غرفة نيروز التي دخلت لها جميلة لتواسيها. ولم يكن التجمع الآن سوى من ياسمين وسميه وورده وعايده. حركت سميه رأسها بخيبة ثم تنهدت تأخذ أنفاسها. في حين هتفت ياسمين مرة أخرى بلوم: "عاوزة أفهم. فهميني يا ماما. فهميني إيه اللي بتعمليه في نفسك ده؟ مش بنتك اللي خدت القرار اللي كلنا ضده. جايه توجعي قلبك أكتر ما هو موجوع ليه؟" نفت سميه برأسها لها ثم قالت بنبرتها المتحسرة: "أفهمك وأقولك إيه؟ أنا تعبت يا بنتي سيبني في حالي. عايزة أختك تبقي اسمها مطلقة وماشية قاهرة في نفسها لحد ما هتطُب ساكتة مرة واحدة ومش عايزاني أتقهر ولا أبكي على حالي ده!" "حرام يا ماما كده. ارضي وإن شاء الله كله هيبقي تمام. إنتِ اللي تاعبة نفسك!" حديث كان من ورده التي حاولت بأن تهدأ الوضع بين شقيقتها وياسمين التي أردفت مرة أخرى توبخها بتعب: "حرام عليكي نفسك وتعبك إحنا ما بنصدق تبقي كويسة. تقومي تاعبة نفسك أكتر. دا مش عقل والله. والله ما عقل أبداً. اللي إنتِ وبنتك فيه ده!" إنفجرت توبخها من خوفها عليها. فلم تعطي ورده فرصة لوالدتها بأن تتحدث بل خرج اندفاعها لشقيقتها وهي تقول بحزم: "كفايه يا ياسمين بقا. كفايه حرام عليكي سيبيها في حالها وكلميها بطريقة أهدى من دي شوية. هي كانت عملت إيه يعني؟" نهضت عايده في حين نظرت ياسمين لشقيقتها ثم وزعت نظراتها بينها وبين الأخرى تزامناً مع قولها: "لا عملت. لما كل شويه تعيط وتقعد تندب كده يبقي مفيهاش بعد كده صحة. كل شويه بنقول ياماما صحتك! ياما قلبي. ياما متعيطيش! نعمل إيه تاني؟ مش بنتك اللي عاوزة كده وقررت كده ما تبقى مطلقة هنعمل إيه؟ هنقعد نبكي على الأطلال بقا ونركن في جنب عشان هتبقي مطلقة وخدت قرار مش ماشي على هوانا. ما هي حرة يا ستي. هي حرة.. بس كفايه وجع قلب بقا من كل ناحية الواحد معتش مستحمل كده!" أردفت حديثها بنفاذ صبر. بينما نظرت لها ورده بصمت لم تستطع إرداف حديث أكثر. بينما أنصتت سميه لحديث ابنتها وهي تجيبها بنبرة باكية: "مش هتحسي بيا ولا بوجعي على أختك واللي بيجرالها. ما إنتِ مش في مكاني." "كفايه عياط وحزن بقا. كان في إيدنا إيه؟ أو بإيدنا إيه نعمله وهي راكبة دماغها. ليه مش قادرة تفهمي إن اللي إنت بتعمليه ده بيوجعك ويتعبك أكتر!" صمتت تنظر بسكون وهي تستمع لحديث ابنتها ثم رفعت يديها تمسح دموعها تزامناً مع نهوضها وحدها لتذهب ناحية غرفة نيروز. أمام أنظارهن. نظرت ورده ناحية ياسمين التي وقفت تخرج أنفاسها ثم قالت: "براحه شوية يا ياسمين. أومال لو مش عارفه إنها تعبانه!" حركت ياسمين رأسها بقلة حيلة ثم اندفعت بقولها لها: "ما عشان عارفه إنها تعبانه بقولها كده. إنتِ مش واعية لو فضلت كده حالتها هتبقي عاملة إزاي. إحنا ما بنصدق تكون كويسة وفحال كويس تقوم هي منغصة عليها حياتها. وبردو أختك الغبية اللي مش فاهمه هي بتعمل إيه. كل اللي إنتوا فيه دا عك. عك من أول ما خبينا على نيروز مرض ماما. قوليلي لو كانت تعرف كانت هتبقي كده وهتعمل اللي عملته ده؟" تستجوبها بهجوم. فصمتت الأخرى بعجز. حتى واصلت الأولى تقول مجدداً بنفس الإندفاع: "عرفتي إن كل اللي ماشيين فيه ده غلط!" "ولو سيبتكم هنا يوم واحد الدنيا بتبوظ. كان فإيدك تبعدي ماما عن كل ده. كان في ايدك تتصلي بيا وتقوليلي اللي حصل مكنتش هتأخر ثانية. عالأقل بأي طريقة كنت وقفت التخلف اللي بيحصل بين اختك وغسان. ما أنا مش راضية بردو عن اللي بيحصل ده. بس طبيعي لما تقف قصاده وتقوله مش عايزاك هقف مع أختي اللي محدش فيكم حاول يفهمها هنا. كله سابها تعك وتعمل اللي هي عايزاه من غير ما تاخد رأي حد. ده صح ولا ده غلط؟ محدش عارف إنها هتتعب من كل ده ومش هتستحمل التعب النفسي ده بردو. حتى هي وهي بتاخد القرار مش عارفة هي ممكن تحس بـ إيه ولا إيه اللي ممكن يحصل من ده. وكل ده فالٱخر مش حمل الا عليها وعلى ماما اللي كل شوية بقول هتروح مننا فأي لحظة قبل ما تعمل زفت عمليات." أخرجت "ياسمين" كل ما تود قوله دفعة واحدة لشقيقتها التي نظرت لها بحزن. ومن ثم هبطت دموع عينيها منها وهي تلومها بقولها: "كنتي عاوزاني أعمل إيه يا ياسمين؟ كنت هتدخل وهعمل إيه وهي بتقول حرام عليكم سيبوني فحالي أنا معتش قادرة أنا تعبت. كنت أغصبها على إيه؟ وأودي ماما فين وكل اللي حصل كان قدام الكل." ابتلعت "ياسمين" ريقها ثم وجدت "عايدة" تتوجه لتربت على يد كل منهما وهي تقول بهدوء: "إهدوا ي حبايبي. إهدي يا ياسمين يا بنتي متكبريش المواضيع أكبر ما هي. ومتلوميهمش على حاجة حصلت غصب عننا وعنهم. ونيروز أختك حتى لو القرار غلط بس هي مش صغيرة عشان تقولي كده. هي مسئولة وكمان مكتوب كتابها يعني هي اللي تقرر وتتحمل نتيجة قرارها حتى لو هتتعب زي ما بتقولي. وحتى وردة محصورة بينها وبين جوزها وابن عمه هتعمل إيه يا بنتي ما كله جه مرة واحدة كده." تركتهم "ياسمين" وهي تتوجه ناحية غرفة "نيروز" هي الأخرى. بينما ربتت "عايدة" بحنو على "وردة" التي مسحت دموعها بسرعة ما أن رأت "يامن" وهو يخرج يهتف باسمها من غرفتها. ابتسمت له ثم توجهت لتجلس وهي تشير له ليأتي لها. دخلت "ياسمين" عليهن الغرفة ثم أغلقتها من خلفها بهدوء. وجدت "سمية" تحتضن "نيروز" التي خرجت بسرعة من أحضان والدتها ما أن رأت "ياسمين" تدخل. نهضت "جميلة" وقد تفهمت معنى نظرات "ياسمين". انسحبت بهدوء لتخرج. في حين وقفت "سمية" أمام "ياسمين" التي هتفت لها وهي ترسم عليها ابتسامة زائفة: "كفاية دموع ياماما. وسيبيني معاها شوية." نظرت لها بقلة حيلة ثم وزعت نظراتها المحذرة لها بما بعقلها. حتى انسحبت تخرج من الغرفة بخطوات هادئة. سمعت "نيروز" صوت إغلاق باب الغرفة. بينما جلست "ياسمين" وهي تطالعها بهدوء. ثم خرج سؤالها لها على فجأة: "مبسوطة كده؟" وجدت السؤال يوجه إليها. ولم تفعل سوى أنها حركت رأسها بنفي. ثم جلست تحاول الثبات أمام نظرات الأخرى التي عرفتها جيداً. جاهدت بأن تخرج منها نبرتها المختنقة وهي تجيب: "لأ." "طب ليه يا نيروز؟ مش هقطعك بس هقولك الحقيقة اللي لازم أقولهالك عشان خايفة عليكي." ترقبت "نيروز" ما ستردفه الأخرى عقب قولها. فأخذت "ياسمين" أنفاسها ثم بدأت بقول حديثها الهادئ العقلاني: "مش هقولك عملتي ليه كده بس هقولك إن غسان نفسه ميستاهلش منك ده خالص. دا بدل ما تقفي جنبه؟ تحتويه؟ حتى لو القرار عاوزه تاخديه وتقوليه بس عمره ما كان ينفع في وقت زي ده! أنا وحازم كنا الخناق بينا أكتر من أي حاجة. بس لما كانت تحصل مشكلة كنت بركن أي خلاف وأروحله لما أحس إنه موجوع ومداري مش ظاهر ده كمان. وبعد كده بنرجع نتعاتب وأتهاون بقا متهاونش على حسب الحاجة. بس عمري ما قولتله يسيبني على أول مشكلة كبيرة حصلت. رغم إن حسن كان ولسه بيكرهني وأنا كمان بكرهه وياما قال وعاد وزود ونقص بس بدل ما كنت بهرب كنت برد عليه. عمك كان بيحاول يعمل أي حاجة عشان يبعدنا عن بعض ومكنش عايزني لابنه. بس وقفت بكل بجاحة وأنا اللي اتمسكت بـ حازم. عارفة إن الوضع متغير وإن حسن عندك اتصرف تصرف تاني غير معانا بس هي هي الحاجة لو. وقفتي وأصرتي على تمسكك بيه مش تظهري إنك بعتيه زي ما هو شاف. إنتِ أختي وممكن أقول عليكي غبية ومبتفهميش. بس قدامه عمري ما هسند ولا هقف إلا معاكي إنتِ وبس." صمتت تأخذ أنفاسها وهي تنظر على ملامحها المنصتة. ثم واصلت بنفس العقلانية: "وخوفك ده مش مبرر قوي عنده أو عند أي راجل عموماً. عشان هما أساساً. مهما كانوا بيحسوا ومهما كانوا بيقدروا برد نقطة الإحساس دي مش هي التمام والأساس عندهم. دول بيحكموا على إنك تقفي جنبهم وتديهم حلول وتسنديهم مش تحسي إنك خايفة عليه وسيبتيه عشان كده. ساعتها مش هيقول غير إنك أنانية ومبتحبيش غير نفسك وبس!! كل واحد فينا عنده طريقة تفكير مختلفة. وغسان أصلاً. أول واحد عايز احتواء وكلام كده حماسي بإنك عمرك ما هتسيبيه ولا هتتخلي عنه. أصل ده واحد مسك في كل اللي. قدامه عشان بس عاوز يجيب حق أخته!! يعني العبيط اللي يقول إنك مش هتبقي فأمان معاه!! كان ممكن يقولك من ساعة موضوع السكينة اللي جت فيكي إنه يسيبك عشان انتي اتأذيتي بسببه بس هو عمل إيه؟ باعك؟ قالك همشي عشان خايف عليكي؟ قالك هسيبك عشان انتي كنتي هتروحي فيها؟ بالعكس أنا شفت إنه اتمسك بيكي أكتر. ده خوفت منه ليضربني ولا يعمل حاجة لما قولتله اطلع برا على ما أغيرلها لبسها. مستحملش يبقى بعيد عنك الكام دقيقة دول وكأنه لو بعدتي إنتي هيجرالك حاجة!! دلوقتي إنتي بعدتي وكسرتيه بكلامك وعلفكرة اللي إنتي قولتيه برا عالسلم لما كنا واقفين مش صح وجيتي عليه بكلامك بس وقفت معاكي عشان إنتي لسه ليكي ضهر وسند ومهما تعوزي وتختاري فأنا هقف معاكي وهدعمك في الحاجة اللي مش هتأذيكي ولا تتعبك وتتعب اللي حواليكي." سكنت في حديثها ثم أخرجت أنفاسها بهدوء. بينما نظرت "نيروز" إليها بتشتت. ومن ثم كتمت الدموع بعينيها من فكرة أنها تائهة. ابتلعت ريقها ثم بررت لها بقولها العاجز: "وأنا تعبت يا ياسمين ومبقتش قادرة. أنا كده وهفضل بخاف كده. بس والله خوفي عليه أكتر بكتير من أي حاجة. يمكن قصدت أبينله إني بياعة عشان يسيبني بس أنا مش هستحمل أي كلمة منه بعد كده في وسط الكلام. مش عاوزة الماضي ده ولا اللي بيحصل دلوقتي يأثر بعدين ويرجع كل ده بسببي في الأول وفي الآخر عشان دي حقيقة ومش هتتغير. حسن إيده طايلة حتى لو هو نفسه مش عارف يحمي نفسه بس شره أقوى منه ومعندوش قلب وحتى لو مش موجود فلما بيظهر بيقلب الدنيا وأنا مش هقعد كل شوية على أعصابي استنى أشوف هيحصل إيه. وفأي لحظة ممكن يأذيني في غسان. حتى لو هنتجوز وهنخلف ونعمل بيت فكرة إن شره بينا دي أنا مرعوبة منها. أنا نفسي أعيش في سلام نفسي وراحة بال ومش أشغل دماغي بحاجة ويوم ما حبيت اخترته بكل حاجة فيه من غير ما أبص إنه مش بيتهاون في حقه وإنه ساعات ببقى متهور وممكن يموت اللي قدامه ويروح فيه في داهية. دا غير إنه مش بينسي. حتى لو اتصلح حالنا وحصل اللي بتقولي عليه فـ مش هينفع مش هيغفر. اللي أنا عملته غصب عني عشان منتوجعش في بعض!!" رفعت "ياسمين" ذراعيها تضمها إليها عندما وجدت الانهيار بآخر ما أردفته. ربتت عليها بتعب وهي تهدهدها ثم قالت بنبرة لينة عميقة: "بس اهدي. اهدي يا نيروز. وإستني نشوف هيحصل إيه. إن شاء الله خير وبس اللي هيحصل. بس هوني على نفسك. هوني عليها ماشي." بكت في أحضانها بعجز. حتى أنها لم تكن لديها القدرة على الموافقة بهزة رأسها. لم تأخذ منها سوى المواساة وفقط. لطالما كانت "ياسمين" وستكون خير السند لها. رفيقة الأيام الشديدة عكس رفيقة دربها اللينة "جميلة". دائماً ما تقدم شقيقتها الحلول. تشعر بها دون أن تخرج بالحديث. حتى وإن خرج انفعالها عليها ولكن في النهاية تصبح لديها الرهبة والخوف والاهتمام على ما يصلح لشقيقتها وفقط. لطالما كانت الرجل وبنفس الوقت المرأة. وبالسرعة الكافية قبل قليل، وقف كل منهم بعدما هبطوا من سيارة "شادي". يقف كل منهم أمام منزل "ٱدم". ترقبت الأنظار في حين رفع "غسان" يديه يدق الباب دقات متتالية، بل ويحكم نفسه وأعصابه لأقصى حد. وقف "عز" بجانب "حازم" و"شادي" في الخلف، في حين كان "غسان" بجانب "بدر" في المقدمة. لم تكن سوى لحظات، وظهر من خلفهم "ٱدم" وهو ممسك بسجادة الصلاة. فقد خرج للمسجد وأتى بعد انتهاء الصلاة. التفت "غسان" سريعًا على الصوت، بينما وقف "ٱدم" ينظر بقلق من الوضع والتجمع. سمع هو نبرة "غسان" الساخرة له: "حرمًا، مش غريبة كل ما أجيك ألاقيك بتصلي؟" صمت ثم قال سريعًا قبل أن يجيبه: "دعيت لحسن المرادي ولا لأ؟" قلب "ٱدم" نظراته بغيظ مكتوم، في حين هتف "بدر" يقول بوضوح: "حسن فين يا ٱدم هو واللي معاه؟ وعرفني حالًا. إنت كنت عارف اللي عملوه وساكت ولا حكايتك إيه بالظبط؟ لأما هقل منك وسط الناس دي كلها وفي قلب الشارع!" قال "بدر" حديثه بحزم. فابتلع "ٱدم" ريقه وقد رأى غاية كل من "غسان" و"بدر" في الفتك به. هز رأسه بنفي ثم قال بدفاع عن نفسه: "أنا معرفش حاجة، إنتوا بتتكلموا عن إيه؟" توجه "غسان" يمسكه من تلابيبه ثم قال بإنفعال خرج منه بعد أن فقد السيطرة على كتمه: "ولّا، مش عايز استعباط. اخلص قول فين حسن واللي معاه؟ وكنت عارف اللي عمله في أختي ولا لأ؟" وقف "بدر" بمكانه ينظر بانتظار لإجابة شقيقه. الذي نظر بخوف غير واضح لهم، حاول أن يداريه ثم أجاب بنبرة هادئة بها من الاهتزاز ما ظهر لـ "غسان" الممسك به: "والله ما كنت أعرف حاجة. هم جم امبارح عندي من غير ما أعرف اللي عملوه. لحد ما أم حسن بعتتلي رسالة من شوية وقالتلي لو هو عندك خليه يمشي عشان غسان مش ناويله على خير. وقالتلي اللي حصل في وسام. وبعد كده قمت زعقت فيه وقولتله يمشي من هنا عشان متجيش تقوم عليه." كل معاني الغباء وضاعت به هذه اللحظة. رفع "غسان" سريعًا كفه يصفعه على وجهه بانفعال وهو يصرخ به بتوبيخ: "وقلتله يمشي يا غبي! قلتله يمشي يا متخلف يا واطي؟ دا المثل بيقول أنا وابن عمي عالغريب يا ***" اندفع "بدر" و"حازم" يفصلانهما عن بعضهما تزامنًا مع قول "عز" الهادئ وكأنه لا يرى عراك من أمامه: "طب ولما مشى هو وشريف اللي كان معاه راحوا فين؟" "معرفش. والله ما أعرف. أنا قولتلهم إمشوا وحسن قام وشد شريف بسرعة قبل ما غسان يجيله!" قالها بنبرة مرتفعة وهو يعدل من ملابسه ناظرًا نحو "غسان" الذي أمسكه "حازم" و"بدر". طالع "غسان" بغضب ثم عنفه بقوله وهو يسأله باندفاع: "راحوا فين يا واطي؟ راحوا فين انطق!" "ما قالك معرفش. خلينا نفكر وإسكت شوية وإهدى!!!" نظر إلى "بدر" بشرر ثم حرك رأسه بالنفي وهو يشير بيديه لـ "آدم" مع قوله له مرة أخرى: "أنا مش هستنى. إنت هتيجي معانا دلوقتي وتعرفنا وتودّينا كل مكان ممكن يكون موجود فيه القذر ده. عافية ذوق هتيجي يعني هتيجي!" هز له "ٱدم" رأسه بخفوت. في حين صمت البعض وقد رأى بهم التأييد من قراره السريع ذلك. ولكن هتف "غسان" مرة أخرى بنفس الغضب: "أول مكان تتوقع يكونوا فيه إيه؟ إنجز وقول يلا!" تحامل "ٱدم" على نفسه من طريقة الآخر التي لم تروق له. وجد "بدر" يحدجه بتحذير كي يجيب "غسان". فأخذ أنفاسه وهو يجيبه قائلًا: "في قهوة هنا جنبنا بشوية. ممكن يكونوا راحوا قعدوا فيها من جوه عشان فيها مكان مستخبي كنا بنقعد فيه." "نركب لها ولا هنمشيها يا ٱدم دي؟" سأل "عز" سؤاله بعقل. فأمعن "ٱدم" النظر بملامح وجهه ثم اجابه بهدوء: "اللي تشوفوه وأنا معاكم!!!" "نركب يا جماعة عشان نوصل بسرعة. يمكن يكونوا هيمشوا من هناك ولا حاجة!" لم يكن الحديث المقترح سوى من "شادي" الذي أشار لهم وهو يتوجه نحو السيارة. أومأوا له وكل منهم يتجه خلفه. ولم يكن آخر من سيتوجه سوى "غسان" الذي دفع "آدم" بكتفه وهو يردد بخفوت قبل أن يسير قبله: "أقسم بالله ما نجدك من إيدي غير أخوك يا زبالة يا عويل!!" توقف لحظات ثم أردف مجددًا بتقزز: "إنت اللي بيجري في عروقك ده إيه يالا مايه؟!!!!" نظر له "غسان" عقب قوله بإشمئزاز ثم سار من قبله وهو يسمعه يجيب على حديثه بقوله المستفز: "بردو ملكش فرص معايا أقبلك يا غسان. ومش جاي معاكم عشان خاطرك ولا خاطر سواد عينك. عشان بس عمي وبنت عمي وأخويا مش أكتر من كده!" تعمد تجاهل حديثه وهو يبتسم بسخرية تزامنًا مع دخوله السيارة. ومن ثم دخل "ٱدم" من بعده. دقائق بسيطة ثم بدأ "شادي" بتشغيل محرك سيارته التي أخذتهم جميعًا حتى يبدأ بالتحرك نحو المقهى الذي قاله "ٱدم"!!!! لم تتحرك منذ أن تركها وحدها حبيسة سوى من ساعة واحدة فقط قبل الآن. نهضت تجلب ملابس طويلة تسترها ثم دخلت المرحاض الكبير بالخارج. جسدها الهش الضعيف بطاقتها التي تنفذ لم تعد تقدر على ذلك. وحتى الطعام ترفض بأن يدخل فمها. انكسرت بكل معاني الكلمة من انكسار. كل لحظة تمر عليها توبخ بها نفسها وبقوة. أين كان عقلها؟ وأين ذهب قلبها؟ له. لذلك الحقير الذي اعتدى عليها بكل وحشية. من آمنت له وجعلت منه أميرًا له سلطان على القلب والعقل. ماذا فعل بها هو في النهاية؟ انتهت بجلستها الآن على الأرض بالغرفة الأخرى التي كانت تجلس هي بها. توضأت وفعلتها. رغم جهلها من الأساس بكيف تجري هذه الأمور. كيف يجري القرب من الله؟ لم ينظر بأنها قواعد وقوانين بل نلجأ إليه في كل وقت لفظ الجلالة موجود. يقبل العبد أينما فعل وأينما حل عليه. بسخرية لاذعة ابتسمت هي عندما بحثت على سجادة صلاة لتصلي عليها. لم تجد من الأساس. ومن البداية لم تهتم هي. وضعت أمامها حجاب رأس أبيض غير التي ترتديه هي كي تسجد عليه. ركعتين لله فعلتهما هي ببكاء مرتفع ينهك من قلبها إنهاك. عجزت عن الدعاء وحتى عن قراءة ما تيسر من كتاب الله كي يخفف عنها. بل بين الوقت والآخر تردف هي لخالقها بأنها تعلن قلة حيلتها وتنتظر منه الفرج. وأي فرج سيأتي من عند الله لطالما كنت أنا البعيد لا أفقه شيئًا. تفوتني كل صلاة! لم تجد من ينصحها في حياتها بل لم تقابل هي سوى توبيخات كثيرة على أشياء أكثر تستحق ولا تستحق. ليتها استمعت لحديث شقيقتها. شقيقها. نصائح زوجة والدها التي كانت تدخلها "عايدة" بين الحديث كونها تشفق عليها. كل ذلك يرجع إلى ذاكرتها وبقوة. يدهمها كل صواب غفت هي عنه. حثتها ساقيها هي على النهوض عندما أتى بعقلها فكرة من المحتمل بأنها ستنجح. وان نجحت. كيف الفرار من تهديده الصريح لها. ستفعلها أولًا. وإن نجحت ستفكر في الأمر. جذبت سكين رفيعة جدًا من بدايتها ثم توجهت ناحية الباب تدخل به طرفه الحاد الرفيع كي تحاول بأن تقوم بفتحه وهو مغلق بقفل. تحاول مرة واثنتين وأربعة. وسبعة. كل ذلك ولم تأخذ من كل محاولة سوى الفشل في فعلها. تضيق الأركان أمام نظراتها ومن ثم. جلست أرضًا بوهن وعجز. ثم تركت السكين تقع أرضًا منها بخيبة وصوت شهقاتها يعلو مرة ثم مرة أخرى البكاء بصوت. وصلت السيارة بسرعة أمام المقهى. أوقفها "شادي" ببطء ومن ثم تحرك ليهبط وهو يشير لهم. أول من هبط كان "غسان" الذي سار بجانب "عز" ثنائي كفيل لبث القلق إلى من يعرفهم جيدًا. فذلك هو المندفع والآخر الذي ما أن يخرج انفعاله لن يهدأ بسهولة. لطالما وصف بالعقل في أوقات معينة. بل والأول لين القلب عن الثاني وهذا الغير معروف. دخل "غسان" يبحث بانظاره وقد كان بجانبه جميع الشباب. وجه نظراته لـ "ٱدم" ثم قال بنبره خافته: "مين صاحب القهوه دي!" رفع "ٱدم" عينيه يشير إلي ذلك الجالس مع بعض الرجال. أومأ له "غسان" ثم حرك أنظاره بتمعن يبحث عن ما يود أن يجده. إستصعب الأمر عليه في حين قال "عز" بذكاء: "إنت قولت فين المكان المستخبي ده؟" وجه سؤاله لـ "ٱدم" الذي إبتلع ريقه وهو يقول: "المكان اللي جوه ده محدش بيدخله كتير عشان لو في كبسه أو الحكومه جت فمره محدش يعرفه. ولو دخلت كده علطول صاحب المكان هيمنعك ومش هيقولك أصلا." وجد علي ملامحهم الحيره في حين هتف "حازم" قائلا وهو يقترح: "طب ما نكرمشله فـ أيده كام ميه!! هيرضى." "مش هيرضى. هو هيضمن منين إنك مش ظابط ولا مخبر. مفيش حل غير إن ٱدم يدخل جوه!" هكذا كان جواب "غسان" الذي نظر بحيره. أشار لهم بالجلوس على المقاعد كي لا يكونو نقطة شك بين الناس من حوله. جلس كل منهم وعلى ملامحهم الترقب. فأشار "شادي" لـ "غسان" وهو يردف له قائلا بغير فهم كما كان البقيه: "مش فاهمك يا غسان وضح!" فهم "عز" ما سيقترحه الٱخر. أخذ "غسان" أنفاسه ثم أشار لهم برأسه وهو ينظر نحو "ٱدم" تزامنا مع خروج نبرته وهو يسرد ما يجري بعقله: "ٱدم اللي عارف المكان وهو اللي كان بيدخل يعني محدش هيعرف يدخل جوه ألا هو. اما بقا إزاي فركزوا معايا وبالذات إنت." لهجته كانت جاده. جامده. فنظر له "ٱدم" بغيظ مكتوم في حين أكمل "غسان" بقية حديثه بنبره هادئه كي لا يصل صوته للٱخرين من حوله: "إحنا هنقوم من هنا وهنروح نقف فشارع جانبي نستني ٱدم بعد ما يجيبهم لو هم جوا. وأنا متأكد إنهم جوه طالما في مخبأ زي ده. هتخش إنت وتقولهم إن إحنا كنا عندك من ساعة وعرفنا القهوه اللي حسن بيقعد عليها وهيجولك بعد ما هيدروا عند أصحابكم وبعد كده القهوه دي زي ما أنت هتقولهم إنك اللي قولتلنا الأماكن وتوهتنا فالأول!" فتح "ٱدم" عينيه علي وسعها ثم نفى برأسه سريعا بإندفاع: "أنا مش هعمل كده. لو حد فيهم حس بغدر مني مش بعيد يقوم الباقيين عليا وأولهم شريف. وهم مش هيبقوا لوحدهم هناك دا لو كانوا هناك." "هتسمع اللي قولته وهتروح. عشان اللي يعمل حركه زي دي في أختي ويطلعوا يجروا زي الجبنه يصدقوك عادي. انت مش صاحبهم؟" نظر "ٱدم" إلى "غسان" بتشتت في حين خرج صوت "حازم" أخيرا يوضح: "حسن هيقوم معاك يا ٱدم وهيجي. حسن جبان حتى لو شراني بس جبان دا غير إن منظره ده مش هيساعده إنه يقعد يستني حد يجيله يحط عليه!" حرك "بدر" رأسه ثم نظر صوب "ٱدم" قائلا بثقه: "هيجوا معاك يا ٱدم. قوم يلا!" ابتلع "ٱدم" ريقه في حين هتف "عز" أخيرا بثبات يوقف نهوض "ٱدم": "بس شريف أخويا مش هيدخل عليه حاجه زي دي!" "هتدخل عليه مادام جه عنده هو وحسن عشان يهرب معاه. جرئ إنه فضل ومروحش بيته بس هيجي عالأقل أول ما ٱدم قالهم إمشوا قامو مكركيين ومشوا بسرعه!" قالها "بدر" بعقلانيه. فهز له "عز" رأسه بإقتناع ليس بالكامل. نهض "غسان" سريعا ثم رفع ذراعه نحو شارع علي بعد منهم وهو يقول: "هنبقى هناك كده هتخش يمين هتلاقينا علطول!" هز له "ٱدم" رأسه بخفوت ثم جلس بمكانه متظاهرا بمسكه للهاتف إلى أن يتحرك الشباب جميعا. أصبح بمفرده بعد دقائق. فأمسك هاتفه ثم نهض يفعل صفاره من فمه متوجها نحو ذلك الرجل الذي يجلس حتى خرج صوته بترحيب حار ليجعله يفهم ما يريده: "أبو تميم. فيــنك يا عم..!!" "عم ٱدم! فينك انت ياض. أنا اللي فيني بردو يا واطي بقالك فتره غايب وحارمنا من طيفك ليه. لتكون عقلت ياض. لأ فوق كده لسه بدري!" قالها ذلك الرجل بخشونه ونبرته في قول حديثه كانت غريبه سوقيه للغايه. مع ضحكاته السمجه. حاول "ٱدم" أن يجيبه بتبرير مقنع ومن ثم التلميح له بما يريد أن يدخل بمكان ليس معروف للكل. إجتمع "غسان" والشباب في الشارع الجانبي متراصين بجانب بعضهما في وضع الإنتظار. هتف "بدر" أخيرا يقطع الصمت ثم قال لـ "غسان" الذي وقف ينتظر: "أنا بقولك من دلوقتي يا غسان أهو. حقك متتكش فيه أوي. إحنا لا سوابق ولا بتوع سجن عشان متروحش فـ داهيه. عارف إن أنا لو مكانك مش هفش غلي غير بإيدي وأنا برجّع حق أختي بس لدرجه إن حد يموت فـ إيدي يبقي لأ." طالعه "غسان" بصمت ثم تظاهر بالاهتمام كي يصمت في حين هتف "حازم" يقول: "بدر عند حق فالحته دي. وكمان حسن مش حمل نفخه. غير إنه أخويا ومش هتمناله الشر بس هو يستاهل يا غسان!" "في صداع هنا ي جماعه احترموا ده بقا!" قالها "غسان" بتبجح وهو يشير بإصبعه ناحية رأسه. وبخوه بنظراتهم في حين طالع "بدر" "عز" الساكن ثم ردد يسأله: "ساكت ليه يا عز. ما تتكلم تقول حاجه إنت كمان!" رفع "عز" أنظاره ثم وجهها ناحية "غسان" الذي وقف يضع يديه علي جيبه وهو ممسك به. علم "عز" ماذا يضع هو بجيبه. ابتسم له بإعجاب. في حين إستشف "غسان" نظراته. فردد هو بنبره هادئه صريحه: "ساكت عشان أنا الوحيد بينكم اللي مش حاسس بأي ذرة خوف علي أخويا شريف. فمش هتكلم وأقول لغسان خلي إيدك حنينه عليه. لو عليا نفسي أخفيه من علي وش الأرض بس مش بإيدي. وساكت بردو عشان مستغرب علاقة حسن أخوك يا حازم بشريف أخويا. دا حتي فرق السن بينهم شويه! دا شريف أكبر مني أنا شخصيا." "عادي يا حبيبي الواطيين بيتلمو علي بعض من غير سن." قالها "غسان" بسخرية. في حين هز له "عز" رأسه بتأييد وهو شارد. إعتدل سريعا بوقفته عندما سمع صوت أقدام من علي بعد. عقد الكل ما بين حاجبيهم باستغراب. فأشار لهم بأن يعتدل كل منهم ليستند خلف الحائط. واحد. إثنان. ثلاثه. دخل "ٱدم" الشارع أولا وهو بهتف بلهفه زائفه لم تكتمل: "بســرعه. تعالو بســرعه من هنــا..!!!" وقعت الفئران في المصيده. يمكن قول ذلك إذن. دخل "حسن" يركض من قبل "شريف" خلف "ٱدم" وما أن دخل سحبته يد "غسان" سريعا وهو يحاصره على الحائط ثم وضع يديه علي فمه وهو يخرج مطوته ليضعها أمام رقبته. في حين تصنع "شريف" الذكاء وما لم يسمع هو صوت دخول بقدميه الشارع فسحبته يد "شادي" هى الأخري وهو يفعل نفس فعلة "غسان" الذي هتف الشرر قد تملك منه: "أهلا. أهلا بالناقص!" حاول "حسن" التملص فأمسكه "بدر" في حين وقف "حازم" ينظر. بينما دفع "شريف" "شادي" بإحتراف وهو يرفع ساقه ليضربه به حتى تأوى فتوجه "عز" يقرب من النصل الحاد الذي انتشله من "شادي" سريعا ثم وجهه صوب رقبة "شريف" وهو يبتسم قائلا بنبره ليست هينه: "مش هتهرب منها يا شريف. خليني أعرفك بقا المره دي. إنك مؤذي بجد. وأنا قولتلك لو حصل منك حاجه تخص حوار خطوبتي هزعلك مني!" طالعه "شريف" الذي سكن بين يديه عندك ثبته الأخر بتمكن. نظر له بابتسامه ساخره وقد إعتلت أنفاسه لما فعله قبل قليل. بينما خرجت نبرة "غسان" الذي عنف "حسن" وهو يصرخ به: "تعمل كده فأختي أنا يا ناقص. فاكرني مش هجيبك يا زباله. دا لو في بطن زينات هجيبك يلاااا!" لم يعطيه "غسان" فرصه للرد عليه بل إنقض عليه بالضرب في جميع أنحاء جسده. والأخر يتأوى وفقط. رفع يديه يلكمه بوجهه ثم أحكم مسك مطوته وهو ينحني له بعدما سقط "حسن" أرضًا. يفرد ساقيه. ففتح "غسان" النصل الحاد ثم ضربه بها بساقه وهو يسحبها بشرر. وبنفس الوقت كي لا تكون خطر عليه، خرجت صرخة "حسن" منه في حين بدأ التجمع من حولهم يأتي أمام الشارع. "دي عشان تفتكر بيها يا و** اللي يقرب من اللي يخص غسان البدري بيحصله إيه !!!!!!" قالها بشرر وقد تعالت أنفاسه. وكاد أن يوجه مطوته ليسحب بها على وجهه وهو يهتف بنفس الانفعال قبل أن يسحب: "ودي هتبقي علشان بردو اللي بيقرب بـ نظرة بس لمرات غسان البدري يا ناقص. اللي يجي جنب حاجه متخصوش ويحاول يخرب حياتي. واللي يتكلم علي مراتي نص كلمه يبقي لازم يحصله أنقح من كده.. إتعدل.. إتعــدل يـــاض بــــقولك !!" إعتدل "حسن" وهو يحاول التملص وقبل أن يكمل "غسان" سحبه بما يوجد بيديه، أمسكه "حازم" و"بدر" بعيدًا عنه بسرعة. حتى هتف "حازم" قائلاً بصراخ: "كــفايه هيـــموت من الــضرب ده إن مكــنش من المطــوه اللي فإيـــدك !!" تأوى "حسن" وهو يتسطح على الأرض. بينما نهض "غسان" الذي كان يعلو صدره ويهبط بشده أثر انفعاله. قرر تركه ثم توجه لمن يكتفه "شادي" ويثبته "عز" وهو يقول: "قولــي سبب واحد غير إنك دلدول الناقص ده. عملت فأختي كده ليـــه ؟" تعالت ضحكات "شريف" بإستفزاز فتوجه "غسان" يصفعه على وجهه بإنفعال. لم يتأثر "شريف" بل ابتسم بعناد. ثم قال يستفزه: "لو راجل أوي كده...خليهم يسبوني وقابلني راجل لراجل يا غسان !!" وجد التحدي بعينيه بقوة. وكيف له بأن يتحدي حدة الشباب!! أشار لهم "غسان" وهو يدفع "عز" من عليه. ثم رفع أنظاره نحو "شادي" ليتركه. إعتدل "شريف" بوقفته ثم طالع وجه "غسان" وهو يردد بنفس الإستفزاز كي يشتته: "لو كنت قولتلي من الأول يا ٱدم إنك ناوي على غدر كنت جيت بردو. مكنش ليه لزوم الفرهده دي. وشارع مستخبي وبتاع وكلام. و.." تعمد الإسترسال في الحديث كي يشتتهم. وعلي فجأه رفع يديه سريعا. بكل إحتراف يديرها على "غسان" حتى داره بسرعه فائقه وأصبح هو الذي يحاصره بعد أن انتشل المطواه من يد "غسان". علم "عز" بعقله الغير هين. لطالما يعلم ذلك منذ زمن. تعالت ضحكاته وكل منهم قد تصنم بمكانه حتى "ٱدم" الذي وقف ينظر بغير تصديق!! طالعه "غسان" بملامح وجه خاليه ولكن نظرة التحدي كانت بعينيه حينما هتف "شريف" بنبره قصد بأن تخرج بارده: "وعاملي فيها بقا المان والجمدان. فين ده يا راجل!! بقا عاوز تثبت وتوقع شريــف. إنت عبيط ؟" صمت "شريف" ثم واصل يشير بعينيه نحو شقيقه الذي وقف بسكون و"غسان" الذي أسفل يديه: "هو عز أخويا مقالكش.. إن اللي بيدوس لـ شريف على ربع طرف بس مبيشوفش حـلو بعد كده. تؤ...غلطان أوي يا عز. مش تنصح صاحبك. وكمان نسيبك !!" "ولا يفرق معايا أي نمره من دي. المهم إني عرفت انك مش راجل عشان تقابل راجل أصلا.." قصد "غسان" بأن يلعب على نقطة ضعف الرجل. عندما يهدده برجولته. تبدلت ملامح "شريف" للغيظ الذي كتمه ثم هز كتفه ببساطه حتى هتف بحزم: "نتقابل راجل لـ راجل حالا. بس لو تضمن إنت إنك هتخرج زي ما تدخل !!" ظهرت شبه ابتسامه عبثيه على وجه "غسان" عندما تركه "شريف". وهو يتجهز. وقف الإثنان أمام بعضهما. وكل الأنظار تترقب منهم من كان خوف ومنهم من كان جهل لما يحدث وكأنها حلبه وليس عراك لأخذ وإسترداد حق من المفترض. إبتلع "عز" ريقه بترقب. في حين كان التجمع من بداية الشارع به بعض من الشباب والأطفال. وثلاثة رجال أتوا من المقهي أثر الصراخ. خلع "شريف" سترته ثم قذفها أرضا. وهو يدور أمام "غسان". أشار له "شريف" كي يخلع قميصه فابتسم "غسان" بتهكم. ثم قال بكل وقاحه: "خلينالك القلع. أنا مبقلعش يا حبيبي !!!" أتت بمنتصف جبهة "شريف" عندما ضحك بعض من الشباب المتجمعين على بداية الشارع. على قول "غسان" المفهوم!! هز له الٱخر رأسه بغير اهتمام وعلي فجأه وجه له لكمه بوجهه فترنح "غسان" إلى الخلف ثم وقف يثبت سريعا. وهو يتوجه ليردها له!! تفاداها "شريف" أول مره وعلى حين غره دفعه "غسان" من نصف ساقه من الخلف حتى ركع من أمامه ثم فاجئه بكلمه أصابت وجهه حتى وضع "شريف" يديه وهو يتأوى. حيث كان يتظاهر بذلك عندما رفع ساقه ينهض بسرعه ثم ضرب "غسان" بساقه هو الآخر. كان يتحسب لفعلها وما أن فعلها حاول بأن لا تخونه قدمه ليركع. فأصبح الإثنان واقفان أمان بعضهما الأن من جديد! ابتسم "شريف" ثم قال وصوت أنفاسه يعلو: "ده انت مش سهل بقا زي ما بيقولوا..أومال مش شايفك اللي هو يعني !!" إبتسم "غسان" له كي يثير إستفزازه ثم اجابه بنبره متهكمه مع خروج أنفاسه العاليه: "مش ذنبي إنك متجيش حاجه جنبي !!" هلل الشباب مره أخرى من الخلف. فغمز له "شريف" تزامنا. مع قوله: "لا حلوه دي!! عارف انت لو النصيب مكنش خلاك خصم ليا. كنت صاحبتك وعملنا شغل جامد مع بعض !" رفع يديه بعدها ليلكمه بوجهه فأمسكه "غسان" تزامنا. مع رده الذي لم يخلو من ابتسامته التي اتسعت: "مستنضفش !!!" رفع قدمه مره أخرى يدفعه بها وهو يلوي ذراعه حتى وقع "شريف" أرضا. من بعدها. حيث كان "شريف" بنفس طول وجسد "غسان" عكس "حسن" الذي كان قصير عنهم وكتفيه وجسده هزيلان من المخدرات. لم يتحمل "غسان" الإنتظار. بل ضربه بمعدته وجانبه ضربه تلو الأخرى ولم يعطيه الفرصه لينهض مره أخرى كي يواجهه وبعد أن فعل ذلك جثى فوقه بسرعه وقد تشنجت ملامح وجهه للانفعال وهو يمسك وجهه بين يديه مرددا. بشرر. وهو ينهج: "لازم تفكر مليون مره قبل ما تختبر صبري يا ***. وقبل ما تفكر تقرب من أختى !!!!!" إنحنى سريعا. يمسك "المطواه" التي وقعت أرضا. بجانبه ثم أرجع يديه للخلف كي يوجهها نحو كتف "شريف" الذي حاول الفرار منه ولكن كتفه "غسان" وهو يبرك فوقه. سحبها ناحية كتفه كما فعل قبل ذلك بالٱخر ثم نهض بسرعه ولم يفعل أكثر من ذلك كونه تقابل معه وجه لوجه! ابتلع ريقه وقد خرجت أنفاسه وهو يطالعهم الآثنان مسطحان بجانب بعضهما لا حول لهم ولا قوه!! سحبه "شادي" و"عز" خارج الشارع في حين وقف "بدر" يبتلع ريقه وهو يحرك أنظاره من عليهم ثم قال لـ "ٱدم" من بين أصوات التهليل بالفائز: "تشوفلهم عربيه تاخدهم لحد المستشفي الحكومي اللي على أول الكوبري وبعدين لما نخلص من اللي إحنا فيه ده هعرفك إن الله حق. ليك روقه معايا يا ٱدم !!" تهديد صريح من "بدر" الذي ظهر الغضب بنظراته حينما انفرد بشقيقه. هز له "ٱدم" رأسه بخوف. مكتوم ثم مد يده ينتشل الأموال الذي قدمها له "بدر" بتقزز. ومن ثم أشار لـ "حازم" كي يذهب معه. وقبل أن يفعلها "حازم" ويذهب خانته يديه وهو ينحني يتحسس تنفس "حسن" فوجده يتنفس ومن ثم تحركت يديه. نهض سريعا. ثم سار بعدما نظر لـ"ٱدم" بسكون ثم مال عليه يقول: "رقمك عشان أبقى أكلمك !" خانته عاطفته بالخوف علي شقيقه. أخرج له "ادم" الهاتف ولم تمر سوى لحظات. وأخذه "حازم" منه ثم رحل من الشارع ليخرج من بين. التجمع الذي قل. ولم يتدخل أحد منهم باعتبارها منطقه معروفه بشغبها الدائم وخاصة. ذلك المقهي المشبوه !! .. عندما حدثتها والدتها بأن "وسام" تجلس بالخارج لم تصدق هي. بل وقد دب بها القلق من فكرة أنها سارت بعد تحذير الطبيب. نهضت ترتدي عباءتها كون ملابسها كانت منزليه بشده. خرجت "نيروز لهم بعدما تجهزت فوجدت"وسام" تجلس بجانب"حامد" ومعها "سميه" التي رحبت بوجودهم هذه المره كي لا تشعرهم بشئ من الحرج حتي بعدما حدث بين ابنتها و "غسان" ولدهم!! وقفت "نيروز" تبتسم رغم ملامحها المرهقه وبشده وحتى عينيها المتورمه. ثم توجهت تجلس بجانب"وسام" وهي تربت عليها بلهفه: "اتحركتي ليه بس يا وسام. مش الدكتور قال تريحي. كنتي قوليلي إنك عاوزاني وكنت هاجي أكيد. ما غسـان مشى فعادي و.." توقفت عن إكمال الحديث عندما إستوعبت ما قالته. "حامد" هتف سريعا: "والله قولتلها كده يا بنتي بس هي قالتلي إنها نفسها تجيلك هي وتتكلم معاكي، فأنا هسيبكم وأخرج أنا وهرجع لها كمان شويه." نظرت له "سميه" بلباقه وقبل أن تلح عليه للجلوس تعمد هو الذهاب نحو الباب وهو يقول: "لو محتاجين حاجه قولولي، أنا زي أبوكي يا نيروز حتى لو قولتي لابني يسيبك، ده مش كفايه يشيل معزتك عندي يا بنتي... ومستني بردو لحظة عقلك!" لم يعطيها فرصه للإجابه بل خرج سريعا من الشقه. في حين نظرت لهم "سميه" بلين وقد قررت النهوض للجلوس مع "ورده" وصغيرها بالداخل. في حين ذهبت "ياسمين" لـ "عايده" منذ وقت. بعد جلوسها مع "نيروز". أخرجت "وسام" أنفاسها وأول ما قالته لها من لوم كان: "ليه كده يا نيروز؟ إنت عارفه إن غسان بيحبك ليه بتيجي عليه؟" تهرب كل مره من الوجع فيحاصرها من جديد. إبتلعت ريقها ثم أخذت أنفاسها ثم حاولت أن تجيبها بنبره جاهدت أن تخرج ثابته: "أنا تعبت يا وسام بجد أنا مبقتش قادرة لكل اللي بيحصل ده. إنت مش عارفه، لو كان جرالك حاجه كان هيحصل إيه؟ إنا خدتها من قصرها وبدأت أنهي الوجع حتى لو هيجيب وجع غيره بس أحسن ما بنتعب بعض كده!" "مدخلنيش يا نيروز في كلام من ده دلوقتي. إنتي بتحبي غسان، بس زي ما هو قال من غير ما تزعلي مني هو حبك أكتر ما انت حبتيه. أنا بقولك كده عشان أدافع عن أخويا علفكرة وعشان بردو بحبك. بس بردو عاوزه أقولك إني عمري ما شوفت غسان ضعيف كده من غيرك. مجرد ساعة واحده قولتيله إنك مش عايزاه وعايزه تتطلقي، مكنتيش عارفه إنتي؟ هو كان بيحاول يكتم جواه إزاي؟ غسان اللي زي ما كان تقيل بس كان بتاع بنات، بس عمره ما إلتفت لواحده غيرك. بصلك بقلبه قبل بعينيه. حماسه وطاقته اللي كانت بتظهر وانتي بتبقي موجوده مشوفتهاش فيه خالص. أنا كان ناقص أشوف القلوب طالعه من عينيه مجرد ما بس بتيجي تخبطي علي باب الشقه. أنا حبيتك أوي عشان هو حبك بطريقه يخلي اللي يشوفك يحبك كده من غير سبب. كنت بقول إننا مش هنبقى صحاب عشان شوفتك كده واخده جنب شويه انتي وجميله قولت ياسمين هي اللي هتفتحك وهتقربني منها بعفويتها دي. بس لما قربت منك أكتر وغسان ابتدى يتشد ليكي والتجمعات زادت حبيتك من حبه ليكي حتى بعد ما عرفت إنه بيحبك حبيتك أكتر بسببه هو. ده الوحيد اللي قولت إنه يا ويلها اللي هتيجي وهتاخده مني عشان بجد عمري فحياتي ما هلاقي زيه. حد بيهتم زيه كده حتى بأدق التفاصيل. رغم إن معزة بسام زيه بس بسام بيجيله وقت ولو زعل بيركن ومبيكملش حد. لكن غسان فعز وجعه وتعبه مبينسانيش ولا بيهملني. وواخد باله من اللي حواليه مهما حصله! عايزه تخسري واحد زي ده يا نيروز؟" قالت حديثها من دفاعها لشقيقها. استشفت "نيروز" بعض نقاط الشراسه. علمت أنها مثل شقيقها حتى بطباعه التي إمتزجت هي الأخرى بها. عجزت "نيروز" عن قول حديث للتبرير. بل صمتت وقد تجمعت الدموع بمقلتيها. إبتلعت "وسام" ريقها ثم حاولت النهوض تزامنا مع قولها الهادئ لها: "مش بقولك ترجعيله عافيه، بس أخويا محدش يخسره أبدا يا نيروز. ولا يستحق اللي انتي عملتيه ليه ده!" قالتها بلين رغم توبيخها. فنهضت "نيروز" تسندها برفق. رغم محاولة الأخرى بأن تذهب بمفردها ولكن لم تتركها "نيروز" التي سارت بها بتمهل. ثم وقفت تنظر على باب الشقه الذي وقف يدقه "بدر". توجهت تفتحه. في حين قد رأت هي "حازم" يدخل شقة والدته ومن ثم أغلقها خلفه. ابتسم "بدر" لـ "وسام" ثم دخل بهدوء يهتف باسم "ورده". عادت "نيروز" تسند "وسام" وقد سقط حجاب رأسها رغما عنها. أغلقت الشقه خلفها ثم توجهت تسند "وسام" ومن ثم وقفت تدق الباب. لم تمر سوى لحظات حتى فتح لها "شادي" الباب. وما أن فتحته رأت "شادي" ومن ثم "غسان" في الخلف يقف أمام "حامد" و"دلال" التي ما أن رأتها هتفت بلين سريعا: "ادخلي يا بنتي تعالي!" هزت لها "نيروز" رأسها نفيا ثم قالت بنبره هادئه: "لا معلش.. مره تانيه!" قالتها ثم رفعت أنظارها التي خاننها تطالع وجهه. وما أن أمعنت النظر به وهو يقف ينظر لها هو الٱخر وجدت جرح بكدمه حمراء أسفل عينيه. شهقت سريعا بلهفه ولا تعلم كيف سارت بمثل تلك الخطوات السريعه. حتى رفعت يديها أمام أنظارهم بخوف تمررها علي الكدمه وهي تسأله بكل لهفه: "ده من إيه؟ إيه اللي حصل؟" إبتلع "غسان" ريقه ثم حرك أنظاره عليهم ومن ثم ثبتها عليها وهي تقف. حتى مد يديه يرفع حجاب رأسها كي يخفي خصلاتها البنيه التي ظهرت وخاصة أن صديقه يقف. شعر بالجميع ينسحب من حوله. في حين ردد هو بغير إهتمام وهو يلتفت: "ملككيش دعوه!" لوهله شعرت هي بالندم من لهفتها واندفاعها. تنهدت تخرج الثقل من أنفاسها ثم تقدمت لتقف أمامه حتى خرجت نبرتها توبخه بلومها: "مليش دعوه!" "أه ملكيش دعوه. مش إنت مش عايزاني وكرهاني وعايزه تطلقي؟" واجهها بالحقيقه وقد وضع بصماته الخاصه بين الحديث. نظرت إليه بغير تصديق وهي تنفي برأسها مع قولها المبرر سريعا: "أنا كرهتك! عملتها إزاي دي؟ ..ده ياريت مكنش فاتني موجوعة الوجع ده كله!" إبتسم "غسان" بألم. وقد إنتشل زجاجة المياه وهو يتوجه ليجلس تزامنا مع قوله: "أي وجع ده؟ أومال اللي عملتيه فيا ده يبقي إيه؟ فاكره قلبي ملاهي ولا إيه؟" تنشنجت ملامحها من بروده وحتي طريقته فالحديث. رفعت صوتها تعنفه وهي تشير له بإصبعها: "متكلمنيش بطريقتك المستفزه دي.. فاهم!" تأدبه مره أخرى. ترك الزجاجة وهو يضعها علي المقعد بجانبه ثم نهض حتى ردد لها بسخريه: "بلاش الصابع ده عشان بخاف بس!" تخرج شراستها شئ فشئ. وجدته يقترب منها فرجعت هي خطوه إلى الخلف. فإنحنى هو يهمس لها جوار أذنها: "عارف إنك مكرهتنيش عشان ببساطه محدش يكره غسان البدري! وحتى أنا خليتك تحبيني بطريقه صعب أوي تنسيني بعدها!" إعتدل ينظر بجرأه في عينيها التي إحتدت. مرر نظراته من أعلاها لأسفلها ثم هتف بجرأه لها: "خسيتي بسرعه بس لسه جامده وحلوه!" قالها قاصدا نزول وزنها بطريقه ليست ملحوظه. حالتها النفسيه جعلتها تفقد وزن قليل غير ظاهر بسرعه فائقه. ولكن إستشفه هو لطالما يحفظها عن ظهر قلب. لم يأخذ منها سوى قولها التي سبته به: "انت قليل الأدب ومتربتش!" "بصراحه أبويا رباني وعمل اللي عليه. بس أنا اللي عندي فن الإصرار إني أكون قليل الأدب!" قصد بأن يثير شراستها بعد أن رأى دموعها المكتومه. وإلى الٱن يتخيل بماذا إن علمت ما يخص والدتها. لم يهدأ قلبه تجاهها ابدا مهما وبخه. وقبل أن تلتفت نظرت له تذكره بهجوم: "متنساش تجيب المأذون فأقرب وقت زي ما قولت.. طالما من الواضح كده إنك خدت حقك... معتش حجه كده!" جاءت له بنقطة يود بأن لا تأتي. حاول الثبات ثم غير مجرى الحديث كي لا يظهر ضعفه: "عندك حق. قرار طلاقك مني يستاهل حجج عشان يتأجل. أصلك تستاهلي تفضلي على ذمة واحد زيي!" "يعني إيه؟" حرك كتفيه ببساطه ثم قال بمنتهي الثبات: "مبحبش اسم مطلق ده اللي هيتكتب جنب اسمي فالبطاقه. هسيبك كده لا منك ولا بيكي نستفيد!" فتحت "نيروز" عينيها بذهول. ثم ضرب فؤادها عندما هتف هو مره أخرى: "أو هتجوز عليكي واحده تانيه.." أيهما أقرب يعني؟ "انت مجنون تتجوز علي مين؟ ده أنا أخليك تطلقني غصب عن عينك وعين اللي يتشددلك!" قالتها "نيروز" بهجوم. ورغم غيظه من ما أردفته إلا أنه ضحك تزامناً مع قوله الغير مهتم الزائف: "ما انت لسه أصيلة هو وغيرانه وهتولعي في بعضك!" نظرت له وعلى ملامحها الإشمئزاز ولم تجد سوى رد واحد عليه: "قرفانه.. مش غيرانه! ثم إنك متجرأش تعمل حاجه زي دي. انت مفكرها سايبة؟ مستحيل أقبل اكون زوجه تانيه..وبعدين مش بعيدة عليك تروح تشوفلك واحدة تانيه ده إن مكانتش موجودة أصلاً. ما انت قليل الأدب وعينك على كل تاء مربوطة معدية!" صمتت ثم أشارت له قائلة بشراسة وبنفس المرتفعة: "هستنى المأذون في أقرب وقت بقولك!" نبرتها المرتفعة أثارت انفعاله. رفع يديه يمسك معصمها ثم قال بتحذير: "أنا مش قولتلك صوتك ميعلاش! وإيدك دي متشاوريش بيها كده!" تأوهت من مسكته لمعصمها ثم حاولت دفعه وهي تقول بهجوم: "سيب إيدي!" "مش هسيبها إلا ما توطي صوتك وتبطلي طريقتك المستفزة دي! وخلينا كده طول النهار والليل معنديش مانع. ما أصل أنا ماسك إيد مراتي يعني حقي وأعمل اللي أنا عاوزه وبكيفي!" دفعته بعزم ما لديها حتى رجع إلى الخلف ببطء وهو يسمعها تهاجمه بردها: "انت مفكر نفسك إيه..ها؟" "مفكر نفسي بحبك ولسه مفكر، حتى بعد اللي عمليته تستحق مني كل ده. حبتيني انتي قد إيه عشان تقرري قرار زي ده في ساعة زي دي؟ حبك ليا معملتيش بيه حاجة. كل المحاولات كانت مني أنا وبس. وانت شاطرة أوي في إنك توجعي قلبي وخلاص." خرج منه الحديث باندفاع حتى أنها تفاجأت من نبرته الضعيفة التي خانته. يكابر هو منذ أن رآها كي لا يخرج ضعفه أمامها ولكنه خرج بالنهاية. هبطت دمعتها من لومه الموجوع ثم حركت رأسها نفياً: "انت مش فاهمني. عمرك ما هتفهمني!" ابتلع "غسان" غصة مريرة بحلقه ثم ثبت نظراته نحو عينيها يواجهها بانكسار: "أكتر واحد كان فاهمك ولسه فاهمك لحد دلوقتي أنا يا نيروز. لدرجة إن عقلي ده مبهدل وهو بيفكرلك ازاي تكوني مرتاحة. فاهمك للدرجة إني ببقى عارف إنتي عاوزه تقولي إيه قبل ما تتكلمي. زي الوقتي." أخرج أنفاسه بتعب وهو يرى دموعها ثم واصل يكمل بتوضيح مؤلم: "عايزة تقولي إنك بتحبيني ومش عارفة تعيشي وإحنا كده. عايزة تقولي إنك عايزة تتطلقي وفي نفس الوقت مش قادرة. انت مش عايزة مأذون ولا عايزة كل ده. انت مش عايزة غير حضني والراحة وبس." طالعته بخيبة ولم تنفِ قوله بل سمعته يلومها بعتاب: "ليه؟ ده انت حاجزة أكتر فستان كان حلو عليكي بشكل ميتوصفش. وكأني عمري ما شفت عروسة قبل كده بالمنظر ده. وحتى القاعة والخشب والعفش اللي جاي! وميعاد الفرح اللي اتحدد! كل ده مش كفيل يعرفك إننا دوسنا جامد مع بعض في الطريق وكنا قربنا نوصل؟ قررتي تسيبيني بكل قسوة وكأني مستحقش كل اللي فات ده! مستاهلش أفرح؟ مستاهلش أتحب زي ما حبيت؟" هزت "نيروز" رأسها نفياً بانكسار. فأكمل "غسان" مجدداً بانهاك نادم: "وحياتك عندي لو هرمي لوم واحد بس فهيكون للي كان السبب في إني أرجع تاني أسكن هنا في العمارة دي من تاني!" يعلن ندمه عن اختيارها في البداية من الأساس وعلى أول مرة تقابلت عينيه مع عينيها. هتفت من بين دموعها لتعود تضغط عليه كما تضغط بالحديث كل مرة وبتشتتها: "بس أنا..بحبك..!!" ابتسم يحرك رأسه ثم قال باختصار: "كذابة.. كذابة يا نيروز. محدش بيحب حد ويعمل معاه اللي انت عملتيه ده!" لحظات من الصمت القاسي وصوت شهقاتها يعلو. تهشم قلبه إلى أشلاء ورغم كونه لا يتهاون إلا أنه رفع يديه يضم رأسها ناحية صدره برفق ثم قال بعناد لما يشعره كل منهما بداخله: "هطلقك يا نيروز. وهعملك كل اللي يرضيكي. عشان مهما بحاول أقسى، فلين قلبي عليكي غالب!" صدقه وصل لها بقوة. اعتدلت تخرج من بين ذراعيه ثم هزت رأسها فقط دون نطق حديث. التفتت تخرج بسرعة وهي تتوجه ناحية باب الشقة. بينما وقف هو والإنكسار رفيقه. هبطت دمعته الوحيدة الآن بقسوة. لم تحاول بعد إظهار لينه وضعفه. لم ترفض الطلاق. سؤالان من عقله إلى قلبه. ولم يكن لقلبه بعد ذلك جواب فقد أُنهك. أغلق غرفته سريعاً خلفه بخواء. يكتب عليه الوجع في كل مرة يواجهها يخرج منهزماً بسبب قلبه اللعين. لما؟ لأنني احببتها بصدق؟ أم أن عينيّ لم ترَ مثلها؟ يسأل قلبه ولم يجد سوى إجابة واحدة منه: "فقط.. لأنها نيروز!". سبب قوي إذن؟ ابتسم بسخرية بعدما خلع عنه قميصه وبدل ملابسه لأخرى مريحة. بل وبقى عاري الصدر. تلك النيران التي تتأكل بداخله تجعله لم يستطع تحمل شيء. جلس على الأريكة بانهاك وقد انتشل هاتفه. فرد ظهره قليلاً. ثم أمسك الهاتف يفتحه صورتها معه بالخلفية الداخلية بسيطة رقيقة. ما بين حديث قلبه وعقله ولكنه فعلها. فتح معرض الصور ينظر على الصور المأخوذة له ولها معاً. توسعت ابتسامته عندما وجد الصورة التي كانت هي تقبله بها والأخرى كان هو الذي يقبلها. وبين صورة والأخرى. ومن ثم فتح مقاطع الفيديو التي كانت تقوم هي بتصويرها بعبث. أيمكن للأحوال بأن تقلب وتتغير كذلك؟ عجباً إذا لتقلب الأحوال! عيد معنى اسمها كان عيد ومازال.. فكل يوم كانت هي بحياته كان بمثابة عيد بالنسبة له. ومن ثم المعنى الآخر البهجة! والوردة المتفتحة التي دخلت حياته لتبهجها. ثم.. وماذا فعلت بك أيها الأحمق؟ سؤال عقله. تداهمه الذكريات.. بل واللوم عليه هو في كل مكان إن نظر له سيتذكر أي شيء لهما مع بعضهما. نهض بعدما ترك الهاتف ثم وقف أمام المرآة يتطلع على مظهره وخاصة وجهه التي تلمسته قبل قليل بلهفة من ما به. رفع يديه يمررها على خصلات شعره كي يرجعها إلى الخلف. فتح أحد الأدراج ثم ثبت نظره على سوار يديه المعلق به وحروف اسمها الذي يحمله. فك عقدته ومن ثم خلعه ليضعها به. ثم خلع "دبلته السوداء" من يديه اليسرى ليضعها هي الأخرى معها. ثم أغلق الدرج. وهو يتوجه ناحية الشرفة الذي افتقدها لفترة بسبب ازدحام الأحداث معه. فتحها بهدوء ثم وقف بها ورغم مداعبة الهواء له إلا أنه خرج بها دون ملابس علوية وكأن هذا سيريح صدره. نظر ناحية شرفتها بمفاجأة.. فقد كانت تجلس وتبكي ومن ثم نهضت سريعاً ما أن فتح الشرفة ليقف بها. حاولت ترك ما بيديها وهي تتعمد عدم النظر له ولكنها تفاجأت بنبرته المتسائلة لها وقد خانه الإهتمام: "بتعيطي ليه؟" تحاشت أن تنظر ناحيته ولكنها نظرت ثم ثبتت نظراتها نحو جسده العلوي بجرأة. ولم تشعر بنفسها سوى عندما قالت له بهجوم من بين دموعها: "ما تستر نفسك يا بني آدم انت. وبعدين هيهمك أوي بعيط ولا لأ..احنا مش نهينا كل حاجة!" تنهد يخرج أنفاسه ثم حرك أنظاره نحو عينيها التي مسحتها بقوة من الدموع. تنهد قائلاً بهدوء يسألها بنبرة جادة متجاهلاً ما قبل ذلك: "عارفه عيبك إيه يا نيروز؟" ترقبت ملامحها وهي تنظر له. فوجدته يواصل بحديثه الهادئ المتعب لها وله: "إنك خايفة من اللي جاي وعملاله حساب..في حين إنك بردو ماشية تلبخي ومش عايزة الجاي ييجي من اللي بتعمليه ده!" لا إنت قادرة وجاحدة زي بعض البنات ولا مادية ولا أي حاجة وحشة من دي. كل اللي شدني ليكي من تاني بساطتك في كل حاجة، حتى ملامحك البسيطة الهادية. مجتش أنا هنا وأنا بحبك لسه. كنت بحبك حب أي كلام، ولما مشيت راح مع الوقت. بس لما رجعت حبيتك تاني من الأول. أو حبيتك أول، عشان حب زمان ده كان لعب عيال كده بريء. قصدت أكون حنين ولين عليكي. استحملتك وإنت بتقولي كلام يعصب أي راجل. كل اللي كنت بقوله إن أنا جنبك يا نيروز. معاكي. مش هيحصل حاجة. كان ردك إيه؟ أنا عارفة يا غسان وبحب وجودك ومش خايفة طول ما أنت معايا. طلعتي بتدي كلام وبس. لكن فعل لأ. يمكن كل حاجة بينا جت بسرعة، وده اللي مش مخلي بينا تفاهم يكفي إننا نبقى هاديين شوية من غير مشاكل على طول. بس أنا فهمتك بسرعة وفهمت قلبك. وحسيت بيكي وبوجعك من كل حاجة قولتي عليها ليا. كنت بقول ليه؟ مكنش فيه أوبشن إني آخد من عندك حبة وجع ونقسمه مع بعض عشان أخفف عليكي وجعك وتعبك من كل حاجة، حتى فراق أبوكي. طفل كده وماسك في إيد أمه بس تاه منها في لحظة. قالتله خليك هنا أنا هنا وجنبك ومعاك متتحركش على ما أجيلك. وإستناها ترجع ومرجعتش. ابتسم من تشبيهه بتعب، ثم واصل يوضح بإختناق: "أهو إنت الأم القاسية دي، رغم إنها أم، بس قست وسابت واحد مكنش بيلاقي نفسه غير معاها. وباعت حد بتحبه في أصعب أوقاته. وقته الصعب الطفل ده كان إنه في اللحظة دي تايه ومش عارف حاجة ودماغه مش مجمعة هو ممكن يحصل إيه أو إيه اللي بيحصل. زيي بالظبط لما حصل لأختي اللي حصل. بس بردو الطفل صعب أوي يرجع لأمه. صعب يا نيروز. عشان لما يفوق ويفهم ويعرف هيعرف إن أمه هي اللي سابته وقصدت ده. داست على قلبها وسابته زي ما عملتي إنت بالظبط." ابتلعت غصة مريرة في حلقها ثم رفعت عينيها تطالع عينيه التي لمعت أمامها بوميض غريب إستفته هي ولم يكن سوى دمعته الذي كتمها. طالعته بملامح وجه لينة عادت لها أثر شفقتها التي ظهرت من عنف حديثه على قلبها. ثم هتفت تجيبه بنبرة هادئة مختنقة تبرر بلوم: "إنت طلعتني وحشة أوي أوي وأنا مستاهلش ده منك يا غسان." "ولا أنا أستاهل، مين يستاهل أصلاً." سكن عقب قوله ثم دفق النظر على ملامح وجهها التي رآها هو جميلة بعينيه فقط حتى وإن كانت مرهقة. لطالما يراها دائماً، جميلة دون أن تبذل جهد وحتى إن لم تكن هي جميلة حد القول عليها بمسمى الجمال. ابتلع ريقه ثم ابتسم بسمة صغيرة صادقة وهو يركض كي يراضيها ويراضي ماتريده رغماً عنه. "بس هانت. كل واحد يروح لحاله." ضغط على نفسه بقولها. ومن ثم وكأنها تستوعب ما قاله ولوهلة شعرت بأن الصدق في نبرته كان قوياً للدرجة التي وصلت لها. حاولت أخذ أنفاسها ثم قالت بتعلثم، وكأنها لم تبدأ هي بأخذ ذلك القرار من البداية: "قصدك إيه." رفع "غسان" عينيه ثم وزعها ناحية الزرع تزامناً مع قوله وهو يعيد النظر إليها: "قصدي اللي إنت عايزاه يا نيروز. هطلقك. مش إنتي عايزة كده بردو ولسه قايلالي كده من شوية. وكل شوية تيجي تقوليلي عايزة المأذون في أقرب وقت." رأت جديته في الحديث قوية كما لم ترها من قبل به. نزلت دموعها وقد خانتها ثم هزت رأسها بأسى وقد قررت الآن الهروب من الإجابة الحتمية التي ستقرر. أما هو فالإصرار والصدق كان رفيقه في هذه اللحظة. قد قرر إنهاء الوجع لها حتى وإن ذلك يتعبه بالفعل. سمع صوت إغلاق باب الشرفة الخاصة بها. حرك رأسه بقلة حيلة ثم رفعها ينظر إلى السماء وهو ينفخ بصوت ليخرج أنفاسه. وقد تشتت عقله وتاه بين ما يريده عقله وما يريده قلبهما. تاه وأصبح هو الحائر من قراراتها المتناقضة بين ما تريد وما لاتُريد. تجهز كل منهما للرحيل أخيراً من المستشفى. قد كان اليوم هو اليوم الذي تم تحديده لخروج "حنان" والدة "عز" بعدما استقرت حالتها. في حين قررت "فرح" الرحيل هي الأخرى وسوف تأتي بين وقت وآخر والمحدد لموعد الجلسات مع طبيبها النفسي. قبل قليل، أوقف "شادي" السيارة أمام المستشفى عندما ذهب هو الشباب من المنطقة. أوقف "عز" وودعوه عندما حدثهم بأنه سيذهب لوالدته وشقيقته. أما الآن يقف هو يربط حذاء والدته الطبي كما أن "فرح" رتبت حجاب رأسها الأسود لها برفق. ايدي حانية عليها كما كانت هي عليهما. حتى وإن ظلمت نفسها وظلمتهما معها بقرارها من الزواج برجل متزوج من الأساس. تنفست براحة ثم نظرت بتأثر عليهما. نهض "عز" بعدما انتهى ثم مد كفه يسند "والدته" من ذراعيها وهو يقول بهدوء لين محاولاً بأن يخرجها من حالة حزنها وخوفها الغير ظاهر حيث أن تركت المستشفى وذهبت للمنزل بالتأكيد ستشعر بأنها ليست على طبيعتها قد اعتادت المرض بمنزلها. "جاهزة يا حاجة." ضحكت "فرح" بخفة. ولكن خرجت نبرة "حنان" التلقائية دون تحسب: "أيوه يا حبيبي." ابتسم لها "عز" بحنو. ثم أشار لـ "فرح" تزامناً مع قوله: "إشالي يا فرح الشنطة الصغيرة دي. وسيبي التانية هاخدها على إيدي وهسند ماما أنا." أومأت له بطاعة. وقد بدأت في حمل ما قاله لها برفق. حتى فعل هو بيديه الخاليتين ليحمل الحقيبة الأخرى ثم أسند والدته وهو يخرج من باب الغرفة. وما أن خرج وجده على وضع بأنه كان سيدق الباب من المفترض. "بسام". الذي حاول الأيام الماضية تحاشي مقابلته حتى بالأنظار مع "فرح" حيث قد دب به بعض القلق من حديث الطبيب النفسي. توسعت بسمة "عز" وهو يرحب به قائلاً بحبور: "مساء الخير يا بسام. عامل ايه." ابتسم له "بسام" بحب. فقد رأى اعتياده على قوله لاسمه دون لقب. هز رأسه بتشجيع. ثم قال هو الآخر: "حبيبي يا عز. أنا كويس. جيت أشوفكم وأطمن كده لتكونوا محتاجين حاجة قبل ما تمشوا." حرك أنظاره رغماً عنه على "فرح" التي نظرت أرضاً بحرج. في حين ردت "حنان" بلطف: "كتر خيرك يا بني. متحرمش منك أبداً." "على ايه يا أم عز. ده إحنا أقرب من كده بكتير مفيش بينا الكلام ده. ربنا يجعل أيامكم سعيدة ومتحتاجوش تيجوا هنا تاني." ابتسمت له بامتنان. كما ابتسم "عز" له وهو يمدحه: "الله يصلح حالك يا دكتور بسام. يعني الحلو في كل ده إني عرفتك والصراحة انت ذوق أوي ومحترم من قبل حتى ما نبقى قرايب كده من بعيد." اتسعت بسمته اللبقة ثم وزع أنظاره بينهم تزامناً مع قوله: "متقولش كده يا عز. قرايب يعم من قريب ومن بعيد وصحاب كمان." تعالت ضحكات "عز" وهو يومأ له فأشار له "بسام" كي يذهب ويكمل طريقه: "مع السلامة." قالها ومن ثم هز له "عز" رأسه بشكر. وهو يسند والدته التي سارت ومعه ومن خلفهم "فرح" الصامتة التي توقفت بحرج ما أن هتف "بسام" لها وهو يناديها: "فـرـح." خجلت أن تسير دون أن تجيبه بل التفتت ثم نظرت له بلطف وهي تبتسم بتكلفه فقال هو من جديد ونبرته اللينة وصلت لها وقد خرجت منه رغماً عنه: "خلي بالك من نفسك بقا. بصراحة مش عايز أشوفك هنا تاني." يمرح ضحكت بخفة من أسلوبه فهزت رأسها إيجاباً. وقد واصل هو مجدداً: "بس ده ميمنعش إنك تنتظمي مع دكتور عاصم لحد ما تبقي تمام. وأنا واثق إن الدنيا هتقف معاكي وربنا هيعوضك عن كل اللي شوفتيه. إرضي إنت بس." تأثرت بحديثه ولم تردد على مسامعه سوى: "ونعم بالله. شكراً يا دكتور بسام. وقوفك جنبي ونصيحتك ليا في كل مرة كنت ببقى تايهة فيها من أسباب كتير. عمري ما هنساها." تفتح معه حديث. قالت شكر غير المعتاد بقوله. ابتلع ريقه وقد حرك نظرة عينيه نحو مكان آخر وهو يردف: "الشكر لله يا دكتورة. إتجدعني." رفع رأسه ينظر لها وهي تومأ له ثم سارت محاولة اللحاق بشقيقها ووالدتها. في حين حرك رأسه هو بجهل من ما يحدث معه. يتحاشى النظر إليها. طوال الأيام الماضية والآن تنقلب كل أموره رأساً على عقب. وبخ نفسه من التفكير بها ومن هذا الاهتمام الذي خرج عن إرادته لها. منذ متى؟ حرك رأسه نفياً ثم استغفر سريعاً وهو يكمل طريقه للأسفل محاولاً عدم انشغال عقله بها. في شقة عايدة، غرفة حازم الذي دخل الآن غرفته بعد أن كان يجلس مع شقيقته كي يخبرها بلطافة ما حدث لـ عز كي تتفهم الأمر ولم يجد هو منها سوى شفقة هي ووالدته. حرك أنظاره نحو ياسمين التي تسطحت على الفراش وقد وضعت عليها الغطاء والإضاءة مغلقة. أثارت اندهاشه، فقط سمع صوت شهقات خافتة تحاول هي بأن تكتمها. توجه سريعاً يفتح الإضاءة ثم هتف باسمها وهو يزيح الغطاء عنها فتصنعت هي النوم. رفع يديه يضعها على وجهها برفق ثم قال بلهفة: "مالك يا ياسمين في إيه؟" فتحت عينيها وقد ظهر على ملامح وجهها الإرهاق والدموع وآثارها. نهضت تجلس بعدما علمت بأنه كشفها ثم رسمت ابتسامة زائفة على وجهها وهي تردد: "مفيش حاجة عادي. أقوم أعملك أكل؟" هربت بأنظارها على الفور فوجدته يمد ذراعه يدفعها ناحية صدره وهو يقول: "مالك بقولك. حصل إيه؟" لم تعرف ماذا تجيب هي، بل وهي التي تتظاهر بالتماسك بكت بين أحضانه ثم رددت بغير فهم للذي يحدث: "معرفش يا حازم بس أنا مش تمام. حاسة إن في حاجة كاتمة على نفسي من كل اللي بيحصل ده!" ربت عليها بلهفة من نبرتها الباكية المتحشرجة ثم هتف وهو يعتدل بسرعة: "سمي الله كده وإستغفري كتير. وبعدين اللي حصل ده مسيره يبقى ليه حل. متشيليش هم كده!" ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها ثم مسحت دموعها برفق وهي تخرج من بين ذراعيه ثم حاولت النهوض فأوقفها هو بقوله: "راحه فين؟" "هشوفلك حاجة تاكلها فاتك جعان!" ابتسم لها حازم بحنو ثم هز رأسه نفياً وهو يقول: "أنا مش جعان يستي. الحمد لله. اقعدي بقا وارتاحي!" تنهدت تأخذ أنفاسها وقد دارت رأسها وهي تقف ثم انتشلت شيئاً في لحظة عدم انتباهه وهو ينهض ليبدل ملابسه. عقد ما بين حاجبيه عندما وجدها ستخرج حتى سألها باهتمام يقاطع سيرها: "راحه فين تاني؟" رسمت ابتسامة صغيرة على محياها ثم قالت تزامناً مع فتحها باب الغرفة: "هروح الحمام وجايه. هعمل زي الناس. عندك مانع؟" قهقه عالياً من شراستها المعهودة دائماً ثم قال وهو يرفع يديه باستسلام: "لأ طبعاً. براحتك يا حب العمر. مستنيك أنا على ما تيجي." ابتسمت له بحنو وقد ظهر الحب في نظراتها. ولم تكن سوى لحظات وقد خرجت من الغرفة وهي تغلقها خلفها. وما أن التفتت وجدته يقف من خلفها على بعد حتى أنه دخل من باب الشقة منذ قليل ولم يكن سوى سليم. أخفت ما بدا عليها منه كي لا ينتبه، ففقدان ثقتها به من أن يفعل بها شيء قوي. رسمت ابتسامة صفراء ليست هينة عندما وجدته يطالعها بكره. وقد كانت متبجحة حيث تعمدت بأن لا تخجل هي منه ومن ما ترتديه من بنطال قصير وكنزة عارية الكتفين والعنق. رمشت ياسمين بإهدابها ثم قالت بلؤم: "ايه يا عمي. واقف كده ليه؟ هتصورني؟" ضغط سليم على أسنانه وقد توجهت إليه ياسمين تقف أمامه في حين نظر لها باشمئزاز ثم أجابها قائلاً: "من حلاوتك هصورك ولا إيه يعني!!" رسمت على ملامحها الاستفزاز ثم قلبت عينيها بملل وهي تقول بغرور: "بصراحة أنا حلوة. أحلى واحدة ممكن تشوفها. أومال حازم اختارني يعني من قلة؟ دا انت المفروض يعني راجل واللي هو مينفعش تتكاد من حد حلو كده زيي خليها لست الغيرة دي!!" "ولا فيكي أي حاجة عدلة. بجحة وقليلة الأدب ومشفتيش ترباية وخسارة فيكي ابني اللي بعدتيه عني مرة فمرة لحد ما خلتيه يبعد خالص ويقاطعني!!" هجم بحديثه عليها وكأنه كان يدخر لها. هزت رأسها باقتناع زائف ثم أجابته بهدوء شديد: "ممكن معاك حق إني بجحة. بس أنا إتربيت من سالم الأكرمي أكتر واحد الناس بتحلف بيه وبجدعنته لحد دلوقتي. إتربيت من راجل سابلنا سيرته الحلوة ورث لينا. عالأقل أحسن من الورث اللي انت شفطت منه. وراجل ربي وخلف بنات لا هيجي زيهم ولا هيكون زيه هو فالدنيا دي. فعشان كده لازم لما تيجي تتكلم بعد كده عنه تتكلم وإنت عارف الراجل ده عمل إيه وقيمته قد إيه. وتكون عارف إني مش هسمحلك تتكلم عنه بطريقة مباشرة أو مش مباشرة. عشان إحنا متربين تربية معدتش على ولادك أصلاً يا عمي." صمتت ياسمين تتابع ملامحه المتشنجة ثم تابعت بتذكر قبل أن ترحل من أمامه: "وأه. أنا مش خسارة على حد. ده معلش يعني أنا خسارة فيك والله عشان تبقى حمايا. طب عمي وأهو متقبلين الوضع من زمان. رغم انه وضع. يعني بصراحة... مقرف!!" قالت حديثها بجرأة ثم التفتت تسير من أمامه كي تتوجه ناحية المرحاض التي أغلقت خلفها على الفور ومن ثم فتحت ما بيديها وثمة ابتسامة حماسية زينت محياها. ولم يكن بيديها سوى "اختبار حمل".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...