الفصل 30 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الثلاثون 30 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
22
كلمة
24,406
وقت القراءة
123 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

يُمرّ الوجع وكأنه يشتد وجعاً في كل مرة يمر بها، تلطخ الفؤاد بالفقد وكأنه يعتاد ولا يعتاد على البعد في نفس ذات الوقت. ملامح مرهقة، وأنين تعب من القلب يقول: لقد فاض بي، إلى ذلك وكفى!

ثلاثة أيام كاملة مرت عليهم، على الجميع، خاصةً هي بهذا الوقت. وهي تجلس بغرفتها الآن شاردة الذهن، فمنذ آخر مرة تلاقت عيناها مع عينيه بالشرفة وعندما هربت من إجابة أنها تود بالفعل المأذون أم تريد البعد والفراق من الأساس، منذ وقتها ولا تعلم عنه شيئاً. فقد ذهب هو للعمل ولم تذهب هي، كانت مدة عطلتها منه أكثر منه هو!

لا تعلم شيئاً عنه وعن أخباره، فقط تخرج من الغرفة بين الوقت والآخر لهم وتدخل مجدداً لتصبح حبيسة بمفردها، حبيسة الوجع والألم، حتى أنها لم ترَ أي فرد من عائلته سوى شقيقته مرة واحدة، وإن سمعت الصوت من أحد منهم لا تخرج! تعمدت أن تقلل خروجها إلى الشرفة. نهضت ببطء ثم انتشلت الزجاجة تتجرع منها بهدوء، وقد جفت دموع عينيها. ابتلعت ريقها وهي تنظر على طيفها في المرآة فقط، فردت شعرها وخصلاتها البنية كما يحب هو!

لما تتعمد الوجع لها؟ ابتسمت بتعب واشتياق، وفكرة عدم قدوم المأذون إلى الآن لم تغب عن بالها قط.

سمعت نيروز صوت دقات الباب الهادئة. لم يسعها الوقت لربط خصلات شعرها فقد توجهت لتفتح الباب. خاصةً أنها تعرف أن وردة وبدر وصغيرهما هبطا في فسحة صغيرة للتخفيف عن يامن الذي كان حبيس المنزل طوال هذه الفترة ولتحسين نفسيته كما هم أيضاً. فتحت الباب حتى وجدت سمية بملامح وجهها المرهقة والتي هدأت عن قبل بقليل. ابتسمت لها نيروز بتكلفه ثم ردت باستفهام من كونها واقفة لم تدخل تنظر لها بصمت فقط: "في إيه يا ماما؟ في حاجة حصلت؟

بملامح مرهقة مثلها وفم لم يستطع الحديث وجدتها صامتة ومن ثم جاء صوته وهو يهتف باسمها من على بعد. فتحت عينيها بذهول، وقد دق قلبها سريعاً عندما سمعت صوته. هنا؟ ودخل منزلها بعد تعمد الاثنان عدم الظهور أمام بعضهما! "دا أنا يا نيروز!

رفعت رأسها تنظر فوجدته واقفاً من على بعد منها وقد كان ما يبدو عليه بأنه قادم من الخارج بمثل هذه الملابس التي لاقت للخروج والعمل ليس إلا. تحركت سمية من أمامها وهي تشير لها بالخروج ثم اختفت تدخل غرفتها تتركهما. ومن ثم خرجت هي بتعلثم، حتى أنها لا تعي لخصلاتها المفرودة ولا حتى لملابسها المنزلية. وقفت أمامه بهدوء، وقد تحركت أنظارها بمكان آخر. أما هو فنظرة الاشتياق لا تخلو من عينيه التي بدت وكأنه يشبع نفسه من طيفها. تعمد عدم السؤال ولا الرؤية لها. استمر الوجع منه، حتى أنه في كل ليلة يتعمد الضغط على نفسه وتداهمه الذكريات بينهما في كل ركن حتى هاتفه والصور بينهما!

رفع غسان عينيه نحو خصلات شعرها المفرودة ثم رفع يديه بوعي تام وهو يرفع رأسها له حتى سحب يديها يتوجه ناحية شرفة الصالة وهي من خلفه. وقفت وهو من أمامها والصمت سيدهما وسيد الشرفة. فقط قطعه هو عندما سألها باهتمام: "إنت كويسة؟ تجمعت الدموع ببنيتها الفاتحة التي ظهر لونها وبشدة بنور النهار. هزت رأسها نفياً، ثم غيرت مجرى الحديث سريعاً وهي تقول باندفاع: "خير؟ مش معقول جاي تطمن عليا بعد ٣ أيام قصدت متشوفنيش ولا أشوفك فيهم؟!

أخرج غسان أنفاسه الثقيلة ثم رد يوضح لها: "سيبتك فيهم تفكري وسيبت نفسي أفكر. سيبتك تعرفي إن قرارك مجابش لينا غير التعب وخلاص. وحتى اللحظة دي لسه سايبك على راحتك ومش هغصبك على حاجة! رفعت أنظارها تطالع عينيه الهادئة الخالية من تعابيره تجاهها، وكانت الإجابة السريعة منها: "وفكرت؟ "إنت فكرتي؟ "فكرت إني بتوجع ولسه وحتى إنت كمان. وفكرت بردو هيكون فيها إيه لو غيرت من نفسك عشاني وعيشنا كويسين وفي هدوء؟

وليه بنعمل في نفسنا كده؟! واجهته نيروز بالصراحة الخاصة بها. رسم ابتسامة متكمه على شفتيه من قولها ثم قال يجيبها هو الآخر بنبرة هادئة امتزجت بالسخرية: "أغير إيه في نفسي؟ راجل ودمي بيتحرق بسرعة وبخاف على أمي وأبويا وأخواتي ومراتي ولو حد مس منهم شعرة بقوم على الدنيا بحالها. تغيري إيه؟ اصراري إني أسيبك ومتمسكش بيكي؟ ولا تغيري إني محبكيش من الأول؟ لم تجبه هي وحتى لم يعطيها الفرصة حتى أجاب على آخر جملتها له يكمل:

"وليه بنعمل في نفسنا كده؟ ما كله كان منك ومن قرارك من الأول. لو مكنتيش اخترتي تسيبيني مكنش حصل كل ده. ولو مكنتيش قصدتي تدوسي عليا وعلى جرحي قدامهم أكتر من مرة مكنش حصل كل ده بردو. إنتي خربتي حاجات كتير كنت بحاول أنا أصلحها بينها. واحدة بتقولي مش عايزاك وكفاية وعايزة أبعد وانت بتوجعني وقربك بيأذيني وغيره. المفروض كنت أعمل إيه أو أعمل إيه أصلاً من الأساس؟

أو قوليلي كده لو بدلنا الأماكن في رد الفعل وكنت أنا مكانك وإنت مكاني كنت هعمل إيه من وجهة نظرك وإنت كنتي هتتصرفي إزاي؟ واجهها بكل صدق وصراحة ظهرت لها مع نبرته الهادئة. طالعته بتيهة ثم صمتت للحظات حتى ردت أخيراً تجيبه بنفس الهدوء:

"عمري ما هعرف أكون مكانك يا غسان. لا الظروف ولا الطباع تسمح بكده. ورغم كل ده لو كنت أنت مكاني كنت عمرك ما هتسيبني عشان فاهمه كويس إنت متمسك بيا وبتحبني إزاي. حتى لو بيظهر عكس كده في بعض الأوقات. بس إنت مبتقدرش خوفي عليك ولا حبي ليك. وماشي قايم على الكل وعندك استعداد تزعل الدنيا كلها منك قصاد حاجة قد كده ممكن تستاهل وممكن لا. بتبيع وتتخلى في أوقات مش طالبه كده. إنت عارف إن ساعات بقيت بخاف منك من كتر ما حسيت إنت قد إيه ملكش عزيز. حازم اللي أنقذني من اللي كان هيعمله عمي فيا وجه قالك وحكالك عن كل حاجة. قدرته؟

لا دا بكل بساطة أسلوبك معاه كان أوحش حاجة. باباك اللي عرفت إنك مقاطعه هو ومامتك من ساعة ما زعقلك هنا كان ليه تعمل معاهم كده؟ حتى بدر اللي خد جنب منك عشان اللي عرفته إنك كنت هتضيع آدم تحت إيدك!

وحتى جميلة واللي قالتهولي من كلامك معاها بمنتهى الشر وكأنها هي اللي اتهمت عليا وضربتني مش مرات أبوها اللي محدش بيقبلها أصلاً. ماشي وجاي تجيب ظالم فمظلوم. وعندك حاجات كتير فيك وفي طباعك كافية تخلي الواحد يقولك لازم تتغير من نفسك حتى مش عشاني. عشان لو كنا فضلنا مع بعض كان هيبقي في بيت وأسرة. كنت هكمل إزاي؟ وغير ده كله. بتدور بكل ضمير على التعب وتجرجر الشر والأذى لينا مش مجرد ترد حق وخلاص! عايزني أقولك صح ومعاك حق!

وأقولك أنا معاك دايماً حتى لو إنت غلط. دا حتى كلامك وقت غضبك كفيل يخلي الواحد يتصدم إنك إزاي بتقول الكلام ده. مش بتراجع نفسك إنت بترميلي إيه في وسط الكلام؟ مرة ندلة وجبانة ومرة رخيصة رمتهالي بشكل غير مباشر عشان مش هينفع تقول لمراتك كده! ومرة بياعة. ومرة تانية عبدة عندك!! كل كلامك الحلو وتعاملك مش كفاية يخليني أتغاضى عن كل ده. إنت صعب أوي وكأنك بتتباهى بـ ده والظاهر للناس منك غير الباطن عندك. أفهم إيه وأقول إيه!!! .."

رمت له الحديث دفعة واحدة، حتى أنه رسم على ملامح وجهه الذهول رغماً عنه. حرك رأسه بعشوائية ثم رد من بين دهشته من كل ذلك: "ده إنت شيلالي كتير أوي أوي. ولما أنا وحش أوي كده وفيا عيوب الدنيا مقولتليش أسيبك ليه من أول مرة حصل بينا خناقة فيها؟ أو حتى أول مرة بانلك إني بياع ومليش عزيز..!! دا إنت بمنتهى السهولة بتقولي أنا خوفت منك؟ يعني بعد الحب اللي حبتهولك توقعتي إني ممكن أذيك وثقتك فيا مهزوزة أصلاً؟

وكأن فاض بها الكيل هتفت بهجوم أشبه بالإنهيار فأول ما ستردفه شئ وآخرة أخر تماماً بان الوجع والتعب وحتى بوادر الانهيار التي لم تأت لها من قبل سوى مرات محدودة. هتفت الحديث في بدايته عكس نهايته حينما ردت أخيراً دفعة واحدة مما جعله يطالعها بغير تصديق من طريقتها بآخر ما قالته: "مش ثقة مهزوزة. بس فكرة إنك مبتتهاونش في أي حاجة تعباني. ده مش جايب لنا غير القلق الدايم وخلاص. بترتاح إنت إمتى وانت طبعك كده؟

دا مش أذى وتعب ليك ولا حتى ضغط عليك. أنا وكل ده في الآخر ما يهمنيش غير الخوف عليك وبس. أنا ما بعرفش أنام يا غسان من وجع قلبي الغير مفهوم. أسيبك ولا مسيبكش؟ يا ترى لو كملنا حياتنا هتبقى إيه؟ التعامل هيبقى إزاي؟ حد هيتأذى تاني ولا لأ؟

وقبل كل ده مش قادرة من غيرك عشان قلبي مش واخد بعد ما عرفك إنه يقعد كده وملوش ونس. ومحدش غيرك كان الونس ليه. أنا بتوجع بسبب اللي بتعمله عكس إني ممكن أتقهر من غيرك. لكن منك إنت عمري ما شوفتك عملتلي حاجة صعبة. إنت الوحيد اللي قبلتني وإنت فاهمني مع حبك ليا مش شفقة وتعاطف، عشان ده لو كان ظهر ما كنتش هقولك "وأنا كمان بحبك". أنا كل شوية قلبي بيدق لما يكون جرس الباب يرن من فكرة إن ممكن تكون فعلاً هتجيب المأذون وخلاص هننهي كل

حاجة. أنا قلبي زعلان من اللي حصل واللي بتعمله أوي. قلبي بيحبك ومعملش كده غير من خوفه عليك. لكن أقسم بالله ما طاوعني أقولك "طلقني يا غسان" مرة تانية بالحرف كده. أنا بحبك حب حسيت إن محدش حبه لحد قبل كده، لدرجة إني قولتلك كده نبعد عشان من كتر خوفي عليك مني أنا. أنا تعبت. تعبت أوي ومعتش قادرة والله. مبقتش فاهمة إيه اللي بيحصل. أعمل إيه؟

قولي أعمل إيه؟ انهارت كما لم تنهار من قبل. يقسم هو إنه لأول مرة ينظر لها كذلك وهي تردف كلماتها. رغم ما كانت تفعله ولكنها تلك المرة كانت على حافة السقوط للموت مجازياً ونفسياً، وفقط من عزم الانهيار. حرك غسان رأسه بالنفي بهستيرية ولين قلبه عليها جعل دمعته تسقط وهو يدفعها عنوة ليضمها داخل أحضانه مردداً بخوف وهو يرى معالم وجهها مردداً ليجيب على آخر حديثها وكأنه يبدي لها حلاً:

"متعمليش حاجة. متعمليش حاجة يا نيروز. ادخلي في حضني وبس. آهدي.. إهدي عشان خاطري متعمليش كده في نفسك!

قال كلماته بألم ونبرته المهزوزة بالخوف عليها كانت صعبة. ولم يغب عن باله في هذه اللحظة سوى أنها لم تفعل هذا الانهيار منذ فترة. كما قالت له من قبل ذلك أنها تصمت إلى أن تعي ومن ثم تتأخر حالتها من عزم انهيارها كما حدث لها وقت وفاة والدها. ابتلع ريقه بخوف، وقد سمعها تبكي بقوة في أحضانه. ربت عليها بكل معاني الكلمة حتى أنه كان يربت بضربات خفيفة كي تعي وكي تستفيق من ما هي به، ولأنها تجد الراحة بين أحضانه شعر لوهلة بأنها

ستكون بخير لا محال. شعر بتراخي جسدها قليلاً، حتى أنه انحنى بلهفة يرفع ساقيها على ذراعه ثم توجه بها بسرعة نحو الأريكة المريحة. لم يكن إغماء، بل وجع وتعب جسدي ونفسي. وفي تلك اللحظة، فالتعب النفسي يغلب وبقوة على الجسدي حتى أنه هو الذي يسبب هشاشة الجسد وضعف بنيانه يجعل الفرد نحيلاً من عزم إنهاكه. أستند على ساقيه أمامها وهو يسندها على الأريكة، أما هي فدموعها الصامتة تعبر بعد أن كانت بصوت. رفع غسان أنامله

بلهفة وهو يردد لها ويحثها: "خلاص إهدي.. اهدي ومتعيطيش. ارتاحي وخدي نفس. خدي نفسك يا نيروز."

لا صحة إلا لقول "ياسمين" التي قالت بأنها ستتعب بالفعل من هذا القرار لطالما تعلم هي شقيقتها وبقوة. كل ذلك ولم يكن الصوت مرتفعاً كي يدخل لغرفة "سمية" التي دعت الله بأن يصلح بينهما الأمر. ابتلعت "نيروز" ريقها وبين لحظة والأخرى تخرج شهقاتها المتقطعة التي تمزقه هو من الداخل. ولم يفعل هو في كل مرة سوى أنه يوبخ نفسه بأنه سبب في إنهاكها كما كانت السبب هي. وما الفائدة من ذلك؟

كتب على عقلهما بالعناد ليوجع كل منهما الآخر. تبدل وضعه سريعاً وهو يجلس بجانبها وهي تسند ثم مد يديه يفتح سحاب سترتها المنزلية الخضراء كي تستطيع التنفس أكثر. ومن ثم ضمها إلى صدره الذي تعرق بتوتر من حالتها الغير معروفة هذه. توجه يقبل وجنتيها بخوف وقد شعر بملوحة دموعها. اعتدلت ولكنها لم تخرج من ضمه لها حتى أنها حاولت التحدث ونبرتها المتقطعة. حاول هو فهمها بصعوبة عندما هتفت هي تقول بتعب:

"إنت متستاهلنيش يا غسان والله ما تستاهلني ولا أنا أستاهلك! فهم معنى كلماتها حتى أنه شدد من عناقه لها. ابتلع ريقه ثم قال سريعاً: "خلاص. خلاص اسكتي دلوقتي خالص." صمتت وحتى بعدها هدأت وسكنت وبعد لحظات من الصمت. اعتدلت تخفي ساقيها التي كشفت ثم حاولت الخروج من بين ذراعيه. شدد هو بإحكام فهتفت هي بضعف تقول: "لو سمحت ابعد." "مسمحتش!

قالها "غسان" ببساطة شديدة فخرجت هي عنوة من بين ذراعيه ثم نظرت بعينيها الزائغة قليلاً على وجهه الذي ظهر عليه آثار الدموع. لم تعِ مدى خوفه عليها حتى تيقنت الآن. رفعت يديها بتردد ثم وجهتها ناحية عينيه ووجنتيه تتلمسها بحنان وهي تمسح آثار دموعه. وكيف لتلك الفعلة ألا تؤثر به. أمسك يديها برقة ثم قبل كفها بحنان ونظراته لها قد وصلت لها. سحبت كفها منه فوجدته ينظر إلى وجهها الذي اقترب هو منه ثم أهبط شفتيه يقبل عنقها الذي كان يعلو ويهبط من نبضه. ابتلعت ريقها

وقد همس هو بجوار أذنها: "أنا كنت جاي عشان أكسر قلبي بإيدي. كنت جاي أقولك إني كلمت المأذون وهيجي المغرب! فتحت عينيها بذهول ثم وجدته يكمل ما بدأه: "بس هحاول أمسح كل اللي اتقال من دلوقتي ومن قبل كل ده. وهدي نفسي فرصة كمان معاكي ونكمل. أنا مش برمي نفسي عليكي عشان أنا مستني منك يا آه يا لأ!

رفعت عينيها تطالع عينيه وعين كل منهما تقسم للآخر بأنها لن تستطيع النظر لآخر سوى من اعتادت النظر إليه بإذن من القلب ليس إلا. نظر نحو وجنتيها الحمراء ثم همس مرة أخرى أمام وجهها هذه المرة بهمس: "بيدق جامد ليه؟ ابتلعت ريقها وعينيها تحتضن عينيه ثم قالت بشرود: "هو إيه؟ "قلبك."

في كل مرة لم تجيبه عن السؤال العبثي ذلك. ورغم كونه أناني في هذه النقطة، لأنه حاول بأن يشتتها كي تقبله مرة ثانية دون أن يلح هو عليها. كبرياء عقله الغير هين جعله يفكر لقلبه الضعيف بأنه لم يتحمل بعدها عنه مهما فعلت هي به. اعتقد أنه نجح في ذلك، حتى أنها أجابته ونظرتها لعينيه لم تتحرك: "عشان مهزأ وبيحبك.. حتى وإنت بتعمل اللي بتعمله ده!

ابتعد "غسان" عنها بتعجب ليخفي اهتزازه وهو ينظر لها في حين وجد هو الذكاء بنظرة عينيها. وقبل أن يتحدث وجدها تهز رأسها تؤكد له ثم قالت بجمود: "إيه؟ فاكرني غبية للدرجة دي؟ تحركت نظرات "غسان" نحو عينيها وملامح وجهها الهادئة. ثم قال سريعاً يبرر متظاهراً بعدم الاكتراث:

"متنسيش إننا كاتبين الكتاب. يعني أعمل اللي أنا عاوزه. مشدتكيش غصب أنا وإحنا مثلا مخطوبين عشان أبوسك. أنا عملت كده وأنا قاعد على الكنبة في صالة بيتكم وأمك جوه كمان. بدل ما أروح في جنب وأقولك عشان محدش يشوفني وعيب وحرام وبتاع. حلالي يعني بمعني الكلمة!

قلب الحديث باحتراف. حتى أنه غير صلب الموضوع من الأساس. لن يتركها إلا عندما تشتت. يقسم. عبثي من الدرجة الأولى. هزت رأسها نفياً وقد أخفت خجلها ببراعة ثم قالت تظهر له بأنها مهما حدث محافظة تحترم بيتها ووالدتها: "لو قلبك جايبك مش هتعملها تاني. ابعد عني وحاول تبقى عاقل بقا في مرة يبني آدم إنت بدل القرف ده."

أولها تحدي وآخرها وهي تدفعه كي تنهض. حاصرها حتى أوقف حركتها ثم قال بنبرة هادئة شديدة اللين رغم صدق حديثها الذي يعلمه ويعلم إلى مدى كان أناني كي يفعل ليؤثر عليها دون جهد بالأسف: "هو حد عاقل يبص لملامحك وميتجننش؟

هذه المرة وجدت الأسف من طباعه في نظراته، حتى أنه خالف ما توقعته فقد كانت تعلم بأنه سيتحداها وما أن سيفعلها ستذهب وتتركه. يعلم عقلها جيداً. لهذه الدرجة. لم يمر الوضع سوى بخبث طفيف من عقله. ابتلعت ريقها ببطء ثم هزت نظراتها نحو عينيه وأهدابه الكثيفة حتى أجابته رغماً عنها بتلقائية شديدة: "عينك حلوة أوي! ابتسم "غسان" باتساع في حين توترت هي وهي تعنف نفسها بكيف خرجت بمثل هذه الكلمات بهذا الوقت؟ هز رأسه يؤكد ثم قال بهيام:

"ما أنا قولتلك إن هي فعلاً حلوة عشان مختارتش تشوف حد غيرك حلو يا بنت الأكرمي!!! رفعت ذراعيها تحاوط رقبته ثم دخلت بين أحضانه وكأنها تقاوم فعلها ولكنها فعلتها. وعلى فجأه دفعت نفسها بإرادتها ثم قالت ودموعها على وشك السقوط: "غصب عن عين قلبي مش عارفه أبعد عنك!! تحرك تلقائياً من دفعها له، حاوط ظهرها بحنو وقد علم إلى مدى يصل تشتتها. أسند ذقنه على كتفها ثم قال بعقل عنوة عن قلبه وما يريد:

"أسيبلك فرصة ووقت عشان متندميش يا نيروز.. عشان أنا مش عاوز أعاتب ومش عاوز أقول إني جيت على نفسي عشانك إنت. مستغرب إزاي اتهاونت بس البصة في وشك كفيلة توتر الواحد وترجعه لورا أميال من قرار كان هياخده حتى لو غصب عنه!! قبل كتفها برضا ثم تحرك. فاعتدلت هي ببطء ثم وجهت عينيها بعينيه وهي ترفع يديها تدير وجهه ناحيتها ثم قالت: "لسه بتحبني وواثق فيا؟

"وثقت فيكي لدرجة إنك لما قولتي نبعد اتصدمت. أما لسه بحبك فـ أنا امته بطلت أحبك أصلاً؟ تحركت أنظارها الصامتة بعشوائية ثم وجهتها نحو يديه الخالية من دبلته، وحتى سوارها لم يكن موجود بالفعل. تنفست بعمق مما فعلته كي يفعل هو ذلك. وقبل أن توبخه وجدته يضع يديه بجيب بنطاله ليخرج سوارها ودبلته السوداء ثم قال بتوضيح:

"قلعتهم من ساعة اللي حصل وعنتهم بس بعد كده لقيت نفسي مش مظبوط وهم مش في إيدي. خرجت بيهم وقلعتهم قبل ما أرن جرس شقتكم! تصنعت عدم الاهتمام ثم اعتدلت تسأله بنبرة ليست مهتمة ولكنها زائفة: "آه.. ومين شافك وانت لابسهم في الشغل؟ علم مخزى حديثها حتى أنه رفع عينيه نحو خصلاتها المفرودة ثم قال بابتسامة واسعة مما جعلها تشهق بخفوت: "مدام إنجي الجامدة!! "عرفت إنك متتسابش لوحدك أبداً، مش عشان حب عشان قليل الأدب ومبترحمش."

"أقسم بالله ولا إنت تتسابي، عشان خسران اللي يسيب جمال البني آدم فيك ويروح لحد تاني!! وجد الإبتسامة أخيراً تزين وجهها. رفع يديه يزيح خصلاتها خلف أذنها بينما نظرت هي له بهدوء ثم قالت بتوضيح: "لو مستني مني جواب فمش هيكون غير لأ مش عاوزة مأذون، بس هستنى منك أنا إنك تهدى وتفكر كويس وتقدر خوفي عليك. وأنا قسيت عليك لما قررت أسيبك بس والله غصب عني عشان خايفة عليك وخايفة على باباك ومامتك وآخواتك مني!!!

ابتسم لها "غسان" بإطمئنان. ثم رفع عينيه يحتضن عينيها لمدة لحظات من الصمت، صمت نظرات متأسفة من كل طرف للآخر. وانتهت بها كما إعتادت عندما توجهت تقبل وجنتيه بإرادتها. شعر بأنفاسه المريحة تعود بعد الفقد لأيام. تنفس براحة ثم اعتدل يمرر يديه على خصلات شعرها برفق حتى نبس بنبرة هادئة: "قومي بقا غيري اللي انتي لابساه ده قبل ما حد ييجي. وإلبسي لبس خروج عشان نخرج!!

أخرجت أنفاسها وقد تحركت لتنهض تزامناً مع نهوضه هو الآخر. ابتسمت له وهي تهز رأسها بالإيجاب. في حين أومأ هو لها بهدوء وهو يبتسم. وما أن تحركت ثم توجهت ناحية غرفتها ثم أغلقت بابها التي سمعت صوته "سمية" من الداخل. ابتلع ريقه من كمية ضغط الأحداث عليه. وقبل أن يتحرك ليخرج وجد صوت باب غرفتها يفتح وقد خرجت هي. توقف ثم التفت فوجدها تتجه نحوه وعلى معالم وجهها الاستفهام. وجدت الابتسامة تشق وجهه ثم قال: "خير يا حماتي!!!

وجدت السعادة تظهر بنبرته ومع لقبه الذي أردفه بين الكلمات. توسعت ابتسامتها بغير تصديق فهز هو رأسه يؤكد ثم قال بلين: "أيوه كل حاجة بينا بقت تمام. ادعيلنا بقا ربنا يعديها على خير. وعلفكرة أنا ملغتش أي حاجة كل حاجة في ميعادها. وأكيد شوفتي الخشب اللي جه امبارح وطلع فوق؟ هزت رأسها بنعم وقد تأثرت من سعادته الغير مفهومة. تقدمت تبتسم بفرح ثم رفعت ذراعيها تحتضنه بعاطفة أمومة وهي تقول:

"الله يهديكم ويسعدكم ويفرح قلوبكم دايماً يا حبيبي إنت وبنتي!! خرج "غسان" من بين ذراعيها وهو يبتسم بهدوء. ثم هتف وهو يعتدل بوقفته: "مش عايزك تتعبي نفسك بعد الوقتي. وإطمني. كل اللي جاي خير وبس بإذن الله.." هزت "سمية" رأسها بسعادة. ثم تنفست بعمق وابتسامتها تتسع وهي تنظر بأثره حين خرج هو من باب الشقة وهو يغلقه خلفه. _كيف مرت الثلاث أيام عليهما الإثنان؟!

..وهما كذلك لا حول لهما ولا قوة. فراشان مهملان بجانب بعضهما أحدهما لا يقوى على الحركة والآخر قد تحسن إلى حد ما وهذا هو "شريف" الذي استند بوجع جسدي على الفراش الذي ظهر عليه الإهمال. ابتلع ريقه بصعوبة ثم حرك نظراته نحو الباب والغرفة الخالية لم يكن بها سوى "حسن" المسطح أمامه على فراش آخر مستغرق استغراق تام يجعله لم يستفيق منه الآن فمنذ ما حدث وهو على هذا الحال حتى أنهما لم يتحدثا. كل منهم يفتح عينيه بوقت غير الآخر. ولكن هو.. هو الذي نهض رغماً عنه وهو ينظر بإشمئزاز للمكان. قاطع نهوضه البطئ وهو يمسك نصفه العلوي من الجانبين بألم دخول أحد الأطباء عليه. الذي نظر إليه بصمت. لم يعيره "شريف" اهتمام بل نهض ببطء وهو يسمعه

يقول بغير اهتمام طبيعي: "حمد لله عالسلامة يا أستاذ!! رفع "شريف" رأسه يطالعه بغرابة ثم قال بتبجح استشفه الأخر: "أمشي إزاي من المخروبة دي؟ عقد "الطبيب" ما بين حاجبيه ثم قال بإستنكار من أسلوبه: "إتكلم بشكل أفضل من ده يا أستاذ لأما.." رفع "شريف" يديه السليمة قليلاً ثم وضعها ليخنق رقبة الآخر ثم هتف بنفاذ صبر غير عابئ بأنه يعرض نفسه لمسألة قانونية: "إنت هتصاحبني؟ اخلص قول أمشي إزاي وفين حاجتي ولبسي؟

هز له "الطبيب" رأسه بطاعة ثم هتف سريعاً له بخوف ظاهري: "مش هتعمل حاجة. هتروح تمضي على ورقة كده إنك هتمشي بعد ما حالتك بقت كويسة ولبسك موجود وتليفونك وكل حاجة!! إبتلع ريقه برهبة ما أن قالها فأهبط "شريف" يديه من عليه بتقزز ثم اعتدل يستند ببطء كي يخرج من الغرفة كي يتجه للأسفل. وقبل أن يتجه توقف يلتفت ثم وزع نظراته بينه وبين "حسن" النائم ثم قال وهو يشير بإصبعه عليه:

"إبقوا حللو كده لده قبل ما تمشوه. أصله مدمن وهربان من أهله عشان ميودوهوش مصحة وهربان من بلاوي تانية ومتهم على بنات ناس. إطلبوا الحكومة ليه ها؟ صمت ثم تابع بضحكة متسلية وهو يطالع من أمامه: "متنساش أصل يتهجم عليك إنت شخصياً!

قال آخر حديثه بسخرية وهو يطالعه بتسلية. ومن ثم أوله من شره كي يلهبه عنه ويجلب له المصائب بعيداً عنه كونه يعلم ماذا سيفعل ما أن نهض وقابله. تحركت عين "الطبيب" نحوه وهو مسطح. ثم ثبتها على وجه "شريف" الذي هز له رأسه بتسلية وهو يبتسم بشرر. ومن ثم التفت ببطء ثم توجه للخارج وهو يستند براحة بين لحظة والأخرى! ولم يأت بعقله سوى عدة أفكار شيطانية كمثل طبيعة أفكاره. وأولهم ذلك الذي لم يبقى عليه!! شقيقه قبل حدة الشباب!

_خرجت من المستشفى بعد ظهور نتيجة تحليل الدم. وللفرحة الشديدة كانت النتيجة توحي بوجود "حمل" بالفعل! لم يسعها الوقت اليومان الماضيان بسبب وجودها في شقة والدة زوجها وبالأخرى بجانب والدتها كي تهون عليها كونها مريضة. ابتسمت "ياسمين" بفرحة كبرى وهي تقف أمام الطريق لتنتظر مواصلة. تبتسم بين الحين والآخر ببلاهة كونها شارده بكيف ستجمعهم جميعاً كي تخبرهم بمثل هذا الخبر!!

اهتز هاتفها بيديها ولم يكن الاتصال سوى من "حازم". أجابت على الاتصال فوجدت صوته أولاً بجانب أذنها حتى وصلها قوله: "إيه يا حب العمر! خلصتي الحاجات اللي بتقولي هتشتريها؟ توسعت ابتسامتها ثم كبتت ضحكاتها وهي تقول: _خلصت. إنت خلصت شغل؟ _خلصت وقاعد فالشقة عند مامتك أهو، وعندي ليكي خبر هيفرحك موت! ترقبت ملامحها في حين هتفت بلهفة سريعا، وقد أرسلت له فضولها مع قولها: _بتهزر؟ إيه هو؟

_لما تيجي بقا يلا مستنيكي، متتأخريش وخلي بالك من نفسك. مش عارف حاجات إيه دي اللي معرفش أجبها معاكي ولا حتى أنزل أنا أجيبها لوحدي. تعالت ضحكاتها ثم أشارت لسيارة أجرة تزامنا، مع قولها وهي تدخل السيارة: _حاجات وخلاص، هو انت عشان جوزي لازم تعرف يعني؟ أما إنك غريب أوي يا عم المحامي انت! قهقه "حازم" بحب، ثم هتف بلين: _المهم يستي ارجعي بالسلامة وبعد كده نبقى نشوف الموضوع ده.

أجابته بموافقة، هي الأخرى وقد أغلقت الخط تزامنا، مع سير السيارة بالفعل حيث لديها من الحماس ما يكفي لتخبرهم بما لديها، وحماس آخر لتعلم ما سر سعادة نبرته وصوت حديث "سمية" العادي بجانبه. *** أغلق هو الهاتف وهو يجلس ثم حرك رأسه بقلة حيلة من عناد "ياسمين" كي تنزل بمفردها تبتاع أشياء لها. ابتسمت له "سمية" باتساع، ثم حركت رأسها بغرابة وهي تردد: _مغلباك أنا عارفه!

حرك أنظاره ناحية "نيروز" التي جلست تمسك بهاتفها وهي ترتدي ملابس مناسبة للخروج تنتظر قدومه فقط كما قال لها. تنفس "حازم" بعمق، ثم قال بحب ومرح بنفس ذات الوقت: _حتى لو بنتك عملت إيه فيا عمري فحياتي ما هلاقي زيها، رغم إن دماغها ناشفة بس والله قلبها مفيش أطيب ولا أحن منه. وعيب منك يا حماتي والله ما تنصري يستي بنتك عليا شوية، واقفه معايا كده علطول ده كلام؟

ما تحضرينا يا روز ولا عشان الدنيا بقت تمام بينك وبين غسان هتكرفيلنا؟ خرجت ضحكات "سمية" كما كانت "نيروز" تضحك هي الأخرى رغم خجلها. هتف تبرر سريعا بمرح، وقد تبدلت ملامحها للبهجة بعد أن كانت حزينة وهذا ما لاحظه من يجلسان أمامها:

_بص يا حازم هي ماما كده دايما من ناحية ياسمين، بس الغريب بقا إن ياسمين أصلا عندها حاجة تانية، ركنها الجامد حتى هي كانت بتقعد تقول راجلي، فكده كده لو عقلك وزك تيجي نحيتها وتزعلها ساعتها هتشوف سمية تانية غير الطيبة دي. سيبك بقا من اللي بتشوفه ده دا تمويه يعم دي بتحبها هي وورده أكتر مني أصلا. قهقهت "سمية" حتى وضعت يديها على موضع قلبها ثم نظرت نحو "حازم" الذي ضحك هو الآخر فسمعها تهتف بتبرير: _كده يا نيروز؟

دا حتى انت الدلوعة بتاعتي يا بنتي. الفكرة إن أبوكي كان مدلعك أوي ومقرب منك أكتر مني، فكنت أنا اللي قريبة أكتر من ورده وياسمين رغم إن سالم حبيبي الله يرحمه مفرقش بينكم بس كنت بعرف بردو الواحدة ممكن تحس بإيه وعقلهم مش هيكون بيستوعب ساعتها إنك الصغيرة بقا والمدللة وكده. بس والله كلكم واحد ومعزة واحدة. أنا بحبكم لدرجة إن عارفه كويس كل واحدة أنا حاطاها فـ إيد مين ومين اللي هيصون ويحافظ على بناتي. وياسمين مش بحبها أكتر واحدة ولا حاجة، بس بحس بيها لأنها بتكتم جواها الحلو والوحش وأي حاجة وبتستحمل كتير أوي. ولا عمرها بتشتكي إلا من الشديد القوي. وورده كمان غلبانة كل شوية تنغص علي نفسها وحالها المعروف ده. غاوية تعب زي أمها هي كمان!

الله يهديكم والله الله يهديكم! قالت حديثها بحب، فترحم كل منهم على زوجها الراحل. وقد ابتسمت "نيروز" بألم، والغير معهود أنها هتفت توضح بعدما رأت الدموع بعين والدتها: _أقولك على حاجة هتفرحك؟ تخص حبيبك على فكرة! ترقبت ملامحها في حين ابتسم "حازم" بهدوء وقد ظهر التأثر بنظراته عندما هتفت "نيروز" بعمق:

_حلمت بـ بابا امبارح. لقيته جاي يحضني وقالي إن كلنا وحشناه أوي أوي. وقعد يتكلم معايا كده كلام مش مجمعاه بس فاكرة إنه قبل ما يمشي طبطب عليا وقالي متزعليش ومتزعليش مامتك وخلي بالك منها! صمتت ثم واصلت بمرح: _يعني مهتم بيكي يستي أهو وهو حي وهو ميت. الله يرحمه!

إستشفت "سمية" معنى حلمها وقد نظرت خلسة لـ "حازم" الذي فهم الأمر. ابتسمت بتأثر وهي تترحم عليه. ومن ثم سمعت هي صوت جرس الباب. نهضت هي بحماس قبل أن ينهض "حازم" الذي كبت ضحكاته عليها، فقد فاض الحب منها إلى أن بقى وظهر لمن حولها. فتحت الباب سريعا، ومن ثم وجدته ووجدت عائلته بأكملها! والإبتسامة الواسعة تزين وجههم. دخل "حامد" يحتضنها بعاطفة أبوه ثم همس بجوار اذنها وهو يقول تزامنا مع ربته على ظهرها:

_كنت عارف إنك عاقلة وهتوزني الأمور! ابتسمت "نيروز" بسعادة له ومن ثم احتضنت "دلال" التي وجدت نفسها تقول بتلقائية امتزجت بالندم والتوضيح: _حقك عليا يا بنتي لو كنتي زعلتي مني فـ أي حاجة. والله غصب عن عيني. وانتي عارفه الأم قلبها على عيالها! حددها "غسان" بتحذير من فتح حوار قد تم غلقه. صمتت سريعا وهي تدخل ترحب من بالداخل لتجلس. وقفت "وسام" بهدوء، وقبل أن تتحدث لها تحدثت "نيروز" سريعا كونها تعلم ما تود قوله:

_أنا عارفه إن كلامك عشان خوفك وحبك لـ غسان مش أكتر. علفكره انت مغلطيش عشان فعلا مش هلاقي زيه حتى لو بني آدم مستفز وقليل الأدب! اندهش "غسان" رغم جهله بما حدث بين شقيقته وزوجته. نظر بحنو عليهما وهما يحتضنان بعضهما فرفع ذراعيه على كل منهما أمام الأنظار المحبة ثم هتف بسعادة: _انتوا الإتنين مفيش أغلى منكم على قلبي. وخدي يا وسام حقي حالا عشان بتقول علي أخوكي قليل الأدب!

_ما انت فعلا يا غسان قليل الأدب بس اخويا وبحبه كله على بعضه بقلة أدبه كده! قالتها "وسام" بمرح، ثم حركت رأسها صوب "نيروز" الضاحكة وهي تقول: _أيوه احنا عيلة مطرقعه. ربنا يستر على عيالكم والله! قهقه "غسان" في حين قد اسندها برفق حتى جاءت "دلال" تأخذها. بينما وقف "بسام" في الخلف يغلق المكالمة الهاتفية ثم دخل يبتسم باتساع وهو ينظر لها ثم ردد بمرح خافت:

_والله أنا مكنتش مصدق نفسي يا مرات أخويا. ولو زعلك تاني يستي في غيره موجود ورقبته سدادة. حتى نفس الشكل فمش هتتعبي نفسك. قولتي إيه؟ قالها بمرح كونه اعتاد عليها ولكن كان صوته خافت هادئ. ابتسمت له بخجل وقد تحلت بالجرأة وهي توزع نظراتها بينهما ثم قالت: _صحيح نفس الشكل. بس مفيش من غسان تاني! هلل "غسان" بسعادة ثم حرك أنظاره نحو شقيقه الذي تبدلت ملامحه وهو يهتف بحرج.

"أنا كده اتأكدت إنك مش هتنفعي لحد غير غسان البدري، دعواتك بقا واحدة تبقي كوبي بيست مني كده زيكم! خرجت ضحكتها الخفيفة ثم ابتسمت بلباقة وهي تردد: "بإذن الله ربنا هيرزقك بحد كويس زيك، عاوزها بقا مهندسة ولا دكتورة؟ عقد "بسام" ما بين حاجبيه بعدما دخل يستند بجانب شقيقه ثم هتف بتساؤل: "وده ليه؟ "عشان يعني أغلب الدكاترة بحسهم ببقي ليهم مواصفات خاصة، لا دكتورة ولا مهندسة لحاجة كبيرة كده تليق بيهم.."

نظر "غسان" عليها بشغف وهي تتحدث، وقد تعمد ترك شقيقه يجيب ليري ما يحدث معه ومع عقله خاصة بعد موضوع "تاج" التي كان لها أثر بحياته. ترقبت ملامحه وهو يسمعه يبتسم ثم قال بلطف امتزج بالعقل:

"لا معنديش مواصفات خاصة، دا أصلاً مفهوم خاطئ شوية باعتبار إن الأغلب ممكن يكون شايف كده، أو الأهالي اللي تقول لا لازم دكتور لدكتورة وبتاع وتقعد تعظم فيهم لحد ما يشوفوا نفسهم. لكن الحج حامد ومراته الحجة دلال معلمونيش كده، بالعكس ده أنا شخصيتي بينهم وكاريزمتي كدكتور واقعة فالأرض والله!! رفع "غسان" يديه يدفعه بمرح من حديثه، في حين ضحكت "نيروز" بخفة فأكمل هو:

"وبالنسبة ليا يعني فأنا مش متشدد إنها تكون كده، أنا عندي تكون مش مكملة تعليم أو تعليمها متوسط بس تكون محترمة وبنت ناس وقلبها نضيف وعارفة ربنا وبتصلي وعارفة إيه الحرام وإيه الحلال. وبعدين اتجوزوا يلا عشان أنا كبرت فدماغي أخطب عشان عاوز حد يبقى كوبي بيست مني كده وأجرب حلاوة الحاجات دي فالحلوين زيكم!! "عالة يـ بيسو، حالا نتجوز يعم انت تؤمر! قالها "غسان" فنظرت له "نيروز" بتعنيف، ثم التفتت تنظر ناحية الآخر وهي

تردد بهدوء وبكل تلقائية: "إن شاء الله هتبقى عال وهنجيب عيال!! شهقت سريعاً عندما استوعبت ما قالته أمامه بعفويتها والتقاطها لحديث ليس لها من الأساس، سمعت صوت ضحكاتهما الاثنان وبقوة، وقبل أن تخجل برر "غسان" سريعاً وهو يرفع ذراعه عليها بتشجيع ثم قال بفخر: "مراتي وحقها تقول اللي تحبه يا دوك، أو اللي أحبه أنا. المهم إن نجيب عيال فعلاً وتبقي عال لأحسن بقيت على أخرى وربنا!

توسعت ابتسامة "بسام" في حين رأى ما يكنهما الاثنان لبعضهما من حب ظهر بنظراتهما لبعضهما، بل وللدهشة اهتمام "غسان" بها هي إلى ذلك الحد وهو الذي لا يتهاون بكرامته!! تعجب من تخطيه لكل ذلك، ولكنه يعلم تمام العلم كيف يصبح الإنسان عندما يقع فؤاده وينتشله الحبيب الآخر!! لطالما الشخصيتين عكس بعضهما تماماً.. أحدهما يتفهم ولكنه يصمت والآخر هائج رغم فهمه. ومن ثم يعود الثاني بكل بساطة وبعد ما حدث لها!! تجعل منه طباع أخرى؟

أم أنه معها هي ذلك فقط؟ لم يتهاون هو معه في ما يخص "تاج" حيث ترك لهما المنزل! بأي وجه يقارن هو!! لم يتوصل إلا لنقطة معينة بحديث الطبيب عن شقيقه بأنه يعطي أكثر ما يأخذ وأكثر ما يعطيه رغم طباعه السيئة. هو الاحتواء والاهتمام رغم ضغطه ورغم عدد معين من علامات حمراء بشخصيته ليست جيدة وليس لكل فتاة بموضع نيروز بأن تتحملها! لطالما لا يوجد شخص كامل!

ولا يوجد شخص مثالي. لا يوجد بطل إلا في أنظار المحب وكان هو بطلها هي مهما فعل ورغم المعاناة!! قبل وقت ليس قليل من الآن، جلست هي أمامه على الطاولة في أحد المطاعم القريبة من جامعتها، ورغم طبيعة الحديث بينهم إلا أنها لم تفتح معه ما عرفته عنه! وحتى هو لم يفتح ذلك الموضوع معها! ابتسم "عز" لها وهو يتناول ما أمامه من مشروب بارد من عصير المانجو. "سرحانة في إيه كده يا صاحبة الرداء الأبيض اللي زي الملايكة ده!

ابتسمت بخجل ثم رفعت أنظارها تطالعه وهي تجيب لتشاركه آخر ما عملته بحماس: "كنت بفكر إن لما الواحد مثلاً بيدي فرصة لنفسه يحب الحاجة اللي بيعملها ويديها فرصة ببقى ناجح فيها وهو فخور! كل مرة كنت ببقى ثابتة في كل درجة امتحان مكنتش بتبقى وحشة بس متوسطة، المرادي بعد كلامك ليا امتحنت وجبت درجة كويسة والغريبه إني ذاكرت في الدفاتر اللي جبتهالي وجبت درجة عالية، عارف عشان إيه؟ "هموت وأعرف والله العظيم!!

في كل مرة يتحمس بأن تردف هي له الحديث، ضحكت بخفة ثم أجابته بحب: "عشان سمعت كلامك ومخرجتوش من دماغي. حسيت إنك فخور بيا بجد مش كلام وإني شايفه نفسي حلوة وناجحة عشان إنت شايفني كده، وعشان ذاكرت بحب لأول مرة. بعرف بالتدريج إن ربنا عوضني بيك يا عز! ابتسم بتأثر ثم رفع عينيه يعانق عينيها الرقيقة البريئة، حتى هتف أخيراً بنبرة مبهجة يعلن فخره لها:

"والله العظيم عز فخور بيكي أوي، لدرجة إني عايز أذاكرلك أنا لو أعرف، عشان تفضلي منفوخة كده على طول!! "اتفوقت ونجحت بيك حتى لو نجاح صغير، بس هتكرم وهاخد شهادة تقدير عشان المركز الأول، ومش عاوزة غيرك يكون موجود معايا في اللحظة دي! لم تجد سوى معالم الفرحة والتأثر، فتعززت هي منه ولم تخجل من كونه لم يكمل دراسته. ابتسمت ببهجة وهي تهز رأسها له فهتف هو بنبرة صادقة: "أنا كده حاسس إني عز الرجال بجد مش مجرد كلمة بتتقال!!

هو ينفع أسألك سؤال؟ ضحكت بخفة ثم قالت بمرح: "أسئلتك كترت أوي يا عز" "هو لما عمرو دياب لما غنى جميلة كان بيغني ليكي صح؟ قلبت عينيها باستهزاء مضحك ثم قالت تجاريه: "ليه يعني؟ "أصله قال ملامحك جميلة وكلك جميلة، ومشفتش كده خالص غيرك إنتي!!! "بتهزر يا عز إنت ثبتني بجد!!! فكرتها هتبقى بايخة والله!!! قالتها بتلقائية، فخرجت ضحكاته وهو يهز رأسه يؤكد ثم ردد من بين ضحكاته: "شفتي بقا؟

وعالفكرة عز الرجال لو حلفلك بإيه إنه غلبان وعمره ما ثبت واحدة قبل كده هتصدقي؟ "من غير حلفان، مصدقاك، أصل محدش هيثبت يعني ويستأذن قبل ما يعملها، واضحة زي الشمس!! قهقه "عز" عالياً ثم نظر بفخر زائف: "ده احترام وفن مش أي كلام" نظرت له بهدوء ثم هتفت توضح ما قاله لها وكأنها تستفسر: "إنت فعلاً محترم، بس ليه بحسك مش كده دايماً؟

أنا خوفت منك أوي يوم ما حسن شافنا مع بعض، إنت معملتش حاجة تخوف بس ملامحك وكلامك وأسلوبك لما اتغيروا حسسوني إن عندك انفصام كده وعندك جانب من شخصيتك مخفي ومش سهل وكده!!!! طالعها باهتمام، وقد فهم هو حديثها، نهض تزامناً مع حديثه وهو يضع الأموال ثم سار بجانبها للخارج مع قوله لها:

"مش انفصام، بس عندي حاجة ماشي بيها في حياتي، بطبيعة شغلي وكده. عرفت مين جدع ومين أي كلام. تجربتي في الحياة خلتني مخدش كل حاجة بالدراع عشان ساعات الحق بيضيع. العقل يغلب كل ده. وهنا العقل حاجتين آنك تفكر قبل ما تعمل الحاجة وكما تكون عاقل وراسي ومتتقللش من نفسك. عشان كده مشيت بالأصول وعارف اللي ليا واللي عليا. وطول ما أنا مشوفتش وحش من اللي قدامي يبقى عمري ما هاجي عليه حتى لو كله بصم بالعشرة إنه وحش عكس اللي حصل مع حسن عشان أنا سمعت بس إنه مش كويس معاكي بس مجتش عليه حذرته. وأنا بسكت بسكت ولو قمت عمري ما بسيب حقي يا جميلة. دا غير إن اللي بيفكرني سهل وبيسوق فيها عز بيعلمه الأدب حلو أوي!!

مش كل الناس وحشة ولا كلها حلوة، ونعمة من عند ربنا إنك تعرف اللي قدامك ده مايته إيه. أنا شغلي عايز حد دماغه فايقة وعنده سرعة بديهة كده، ومع الأسلوب الحلو عشان مطفش الزبون ونسترزق ونتعرف بالسمعة الحلوة، مش بلطجة على طول ولا احترام على طول. كل واحد ياخد اللي ليه واللي على مقاسه من طريقة وطباع وشخصية واللي يستحقه. توقف يأخذ أنفاسه وهو ينظر على الطريق ثم واصل بابتسامة حانية:

"ومتخافيش مني، أنا مش هاجي عليكي أبداً. دا غير إن البنت والست عندي ليها مكانة غالية أوي. عارف قيمتك كويس قبل ما تبقي معايا. وعندي أخت وعارف ممكن يحصل فيها إيه لو أنا مراعتش ربنا فيكي. وعندي أم دعوتها ممشيني ومخلية ربنا يزقني برزقهم عشان أعيشهم العيشة المرضية ليهم. أنا صحيح كبرت على الشقى، ويمكن أكون جاهل فشوية حاجات بس عمري ما أجهل إن الست دي الرسول صلى الله عليه وسلم موصينا عليها. وليها سورة كاملة في القرآن اسمها سورة النساء. عايزة إيه أكتر من دول؟

دول حاجة تخلي الواحد يخاف ربنا فيكم والله." انتهى من حديثه ثم أشار لسيارة أجرة يقودها رجل كبير بالسن. ابتسمت له بحب، ثم قالت بهدوء: "عز الرجال والله! ضحك بخفة ثم أشار لها بأن تركب. وقبل أن تركب نظرت له متحدثة مرة أخرى تؤكد: "هستناك بكرة إنت ومامتك وفرح بقى، متتأخروش!! "بإذن الله هنجيلكم بكرة!!

أومأت له "جميلة" بهدوء، ثم تنفست بعمق، وهي تدخل السيارة تزامناً مع وقوفه وهو يشير لها بالوداع وابتسامته الواسعة تعرف طريقها معها هي، وليس أخرى. أما الآن.. فأمسكت "ياسمين" الأكياس التي توجد بيديها ومن ثم أعطت بالأخرى الأموال للسائق. وبعد أن هبطت اعتدلت بوقفتها ومن ثم تفاجأت بسيارة أخرى تتوقف بعدما سارت الأخرى. التفتت تنظر فوجدتها "جميلة" التي تهبط. توسعت ابتسامتها وهي تتوقف ومن ثم وجدت "جميلة" تتوجه ناحيتها تقبلها

من وجنتيها ثم تساءلت بمرح: "كنتي فين كده يا حلوة من غير أخويا؟! "إنتي مالك يا بت، دي أسرار!! قالتها "ياسمين" بمرح، وهي تدخل المصعد بجانب "جميلة" التي ضحكت بخفة ثم سمعت قول "ياسمين" مرة أخرى وهي تردف بحماس: "عندي ليكم خبر تحفة!!

ترقبت ملامح "جميلة" وقبل أن تتحدث بلهفة وجدت المصعد يفتح وباب شقة "سمية" مفتوح والأصوات تخرج بالضحكات. نظرا الاثنان إلى بعضهما بغرابة، حتى اتجهها خلف بعضهما يدخلان من باب الشقة المفتوح. صمت الجميع على فجأة، ولم تتحرك أنظار "ياسمين" إلا على جلوس "غسان" بجانب "نيروز" وهو يضع ذراعه على كتفيها كما يفعل دائماً. توسعت بسمة "جميلة" في حين رددت "ياسمين" بغير تصديق: "متهزروش، ده بجد؟!

هلل الجميع من بين الضحكات وكل منهم يهز رأسه بالإيجاب. فوقف "حازم" يبتسم لها باتساع، وقبل أن يتحرك ناحيتها هتفت هي بحماس: "طيب حيث كده بقى وإن الأخبار الحلوة بتيجي ورا بعضها، فـ أنا عندي ليكم خبر حلو!! انتبهت "نيروز" لحماس شقيقتها الغير معهود دائماً. ثم اعتدلت بجلستها فنظر إليها "غسان" بهدوء. في حين هتف "حامد" قبل "حازم": "إيه هو؟ "يلا بقى يخربيت الفضول!!

آخر جملة هتفت بها "وسام". فنظر "بسام" ناحيتهم بانتظار. فتحركت "ياسمين" تقف أمام "حازم" ثم أمسكت يديه الاثنان وهي تتنفس بعمق، حتى هتفت بنبرة مرتفعة بعزم ما لديها من سعادة امتزجت بالحماس القوي: "يـــــــا كـــــــبــــــيــــــر مـــــــراتــــــك .. حــــــامــــــل !!!!

توقفت لحظة "حازم" عند هذه النقطة وهو ينظر بغير تصديق. ابتلع ريقه بصعوبة فوجد الجميع يضحك بقوة. ومن ثم تعالت زغروطة من فم "عايدة" بفرح شديد وهي تحتضن "سمية" ومن ثم "دلال" حتى نهضن سريعاً يحتضنن "ياسمين" بمباركة. أدمعت عين "نيروز" وهي تنهض باندفاع هي الأخرى. فنهض "غسان" ينظر إلى "بدر" و "حامد" الذين نهضوا هم أيضاً، ليتوجهون ناحية "حازم" الذي وقف بصدمة. أول من توجه له كان "غسان" الذي هزه بمرح. ثم قال بتهليل:

"فوق ياض هتبقى أب!! حرك "حازم" بدهشة ثم وجد من يأخذه بين أحضانه. من يوزع الأحضان دائماً "غسان". ومن ثم وجد "حامد" يحتضنه بمباركة هو الآخر ثم ربت عليه بتأثر وهو يقول: "ربنا يجعل ذريتك صالحة يبني ويبارك فيها ويقوم حب عمرك بألف سلامة هي وحبيب جده اللي جاي إن شاء الله!!

احتضنه "حازم" هذه المرة وقد شعر به شعور بأنه والده حقاً. واحتضنه أيضاً "بدر" و "بسام" بسعادة. في حين وقفت النساء والفتيات حول "ياسمين" التي حملت "يامن" تقبله بمرح. ثم قالت: "أنا عايزة ولد حلو كده زي يا يامن يجماعة مليش دعوة" قبلته بمرح. فوجدت من يقف أمامها بتأثر. فأخذت وردة الصغيرة لتهبطه أرضاً. ثم تفاجأ الجميع بتوجه "ياسمين" لتحتضن "حازم" التي علمت شعوره. حتى قالت له من بين احتضانهما:

"متأكدة إنك هتبقى أحسن أب في الدنيا دي يا حازم والله!!! نظر الجميع بتأثر وقد كان الحديث حماسي بين كل طرف والآخر. في حين تأثرت "نيروز" وبشدة وقد عادت لتجلس كما كانت. وجدت "غسان" ينظر لها بصمت. فابتسمت برقة ثم تساءلت بغرابة: "بتبصيلي كده ليه؟ "عايز أبقى أب أنا كمان!! قالها بجدية مضحكة. فقهقهت هي عالياً. فضحك على ضحكتها. هزت رأسها بشغف. ثم قالت بلين تشاكسه:

"إن شاء الله هتبقى أكتر أب صايع وقليل الأدب. يارب أول خلفتنا تكون بنت عشان أشوفك كده هتتصرف إزاي لما تجيلك وتقولك إن حد باسها أو قالها كلام زي اللي بتقوله وتعمله ده!!! ضحك "غسان" بخفة ثم حرك رأسه بثقة وهو يجيب: "ما تبقي بنت يا رزة. وبعدين مش هستناها تيجي تقولي كده، هعلمها إزاي تحمي نفسها. وهجبلها إسورة مطوة زي أمها. ونبقى تشكيلة كده على بعضها اسمها تشكيلة غسان البدري ومراته وعياله وإن شاء الله أحفاده كمان!!!!

ابتسمت "نيروز" على حديثه باستنكار. ثم اعتدلت تسأله بجدية: "لأ بجد بتحب البنات أكتر ولا الولاد؟! "بحب الستات!!! قالها وهو يغمز لها بمشاكسة. فشهقت هي وهي تكتم ضحكتها. فوجدته يتحدث من جديد وهو يقول بعقل: "بحب أي حاجة. وأي حاجة من عند ربنا حلوة. واللي هيبقى منك إنت، مش من حد تاني فـ دي تعتبر أحسن حاجة بالنسبالي!! "ثبتني يا بن البدري" قالتها "نيروز" بخجل. فابتسم بثقة. ثم وجد "وسام" تنظر إليهم باستنكار.

فطالعها بغرابة ثم سألها قائلاً: "مالك يا بت بتبصلي كده ليه؟ "لا أبداً، الدنيا كانت واقفة بينهم على طلاق لحد من كام ساعة، والوقتي بيتفقوا على ولادهم." ضحك الاثنان بخفة، فنهض "غسان" وهو يمسك بكف "نيروز" ثم نظر لها تزامناً مع قوله: "يلا يا "رزقه"." ابتسمت له ثم سارت من خلفه، في حين وقفت مرة واحدة عندما نظرت نحو "حامد" الذي أردف بمرح: "ربنا يهديكم يا مجانين والله، خلي بالك من بنتي يا جوز بنتي!!

قالها بلطف، فابتسم "غسان" كما ضحك الجميع، ثم أجابه بسخرية محبة: "من عنيا يا حمايا!! ضحكت "سمية" بفرح خاصة عندما تركت "نيروز" يد "غسان" ثم توجهت بعفوية تدخل بين أحضان "حامد" بتأثر، ربت عليها بحنو ثم هتف بجانب أذنها بخفوت: "بنتي يا "نيروز" وربنا اللي يعلم، معزتك عندي زي "وسام" بالظبط!! نظر الجميع بتأثر، ثم تعالت الضحكات عندما فصلهما "غسان" عن بعضهما، ثم قال بضجر زائف: "ما كفاية يا "حامد"، انت ما بتصدق يا أخي!

"ما تلم الدور يا عمي صحيح وتروح للحب بتاعك، ما هي قاعدة أهيه!! قال "بدر" حديثه بضحك، فاومأ لهم "حامد" بطاعة، ومن ثم خرجت "نيروز" من الباب مع "غسان". هبطا على السلم معاً، ولم تكن سوى دقائق بسيطة حتى خرج معها من المبنى، ثم سار بجانبها على الطريق، والاثنان صامتان منذ دقائق. داعب الهواء خصلاته، فرفع يديه يزيحها إلى الخلف، ثم قال بصدق يجاريها لتخرج بالحديث له:

"طول عمري كنت بقول نفسي فـ حد أرتاحله ويرتاحلي ونمشي أطول طريق سوا!! حركت "نيروز" رأسها بتأثر من كلماته، فرددت هي بعد لحظات، تتحدث بوضوح: "إحنا سوا، بس أنا عارفة إن حتى خطوة تصالحنا جت بطريقة غريبة، وعارفة إنك شايل وزعلان مني." أخرج أنفاسه وهو يتنهد، ثم نظر على استراحة موجودة بكورنيش البحر، جلس بهدوء بعدما أشار لها أن تجلس، فجلست تزامناً مع قوله الهادئ الصريح:

"عارفة المشكلة مش فـ إني شايل أو مكسور، المشكلة اللي مش عارفها إني معاكي بحس إن طريقتي وطباعي غير، أول ما تبقي قدامي وانتي بتعيطي ببقى أضعف من الضعف نفسه، بكابر وأعاني قصادك وكلامي بيخرج من غير وعي بس سببه اني عايز أبعد عن الموضوع الأساسي، أنا مكنتش بنام، عقلي دايماً مشغول بيكي وباللحظة اللي بيقعد يتخيل فيها ازاي ممكن أطلقك، ازاي الواحد يعيش من غير قلبه، حتى لو اتكسرت منك فأقسم بالله ما عارف ابعد يا "نيروز"!!

أثار حديثه عاطفتها وشفقتها، مدت يديها تتمسك بكفه، ثم قالت بنبرة مختنقة مما يشعر به ويخفيه، تعبر عن ما فعلته له بأسفها: "أنا آسفة يا "غسان"!! رسم "غسان" على ملامحه الابتسامة، ثم اعتدل ينظر بجدية وهو يقول:

"بصي يا "نيروز"، كل حاجة حصلت بينا وبتحصل النصيب بيخليها تكون قدام الكل، وأنا واحد لو سكت بسكت بس لو اتعصبت بيخرج مني كلام قدام الكل ولناس غالية على قلبي أنا نفسي بندم عليه، طبع ومش عارف أغيره، بس أحسن حاجة نتفق عليها إن مشاكلنا بعد النهارده لازم تكون بينا وبس، عارف ان في الأغلب ببقى سبب إنهم يتدخلوا، بس اللي متعرفوش واللي عايزك تعمليه بعد كده لما تلاقيني كده سيبيني وامشي وتعاليلي لما أهدى، لو أنا ممشيتش وبعدت أهدى

مع نفسي، طرف تالت بينا بعد النهارده مش هسمح إنه يتدخل، أنا لما ابويا اتدخل وعمل حاجة حرجتني بعدت، ولما أمي اتدخلت تدي حل صعب على قلبي قاطعتها، لكن الغريب انك عملتي أكتر من كده ومش عارف أخد منك موقف، بس أنا بحبك وقلبي مهزأ زي قلبك بالظبط، بس عايز أقولك بعد كده لو قولتليلي أطلقك صدقيني لو كلمة طلاق خرجت منك تاني ساعتها هقولها فلحظتها بدل ما نعيد الوجع اللي عيشته ده!!

هزت "نيروز" رأسها بتفهم، ثم تعمدت قول الآتي بكل جرأة: "زي ما بتخرج كلام متعرفوش، بردو عاوزة أقولك إن كلامك معايا بعد كده لازم يكون أحسن من كده، إنت هزقتني أوي، وكمان بتمسك إيدي وبتوجعني!! جاب عينه عينيها الحزينة وهي تخرج له ما تهابه منه، تنهد "غسان" يخرج أنفاسه ولا مفر ولا هروب من الأسف على ذلك:

"عندك حق فـ دي يا "نيروز"، أنا آسف، بس عايزك تعرفي إني مقصدش أمد إيدي عليكي عشان عمري ما هعملها، أنا أبويا عمره فحياته ما مد إيديه على أمي ولا رباني على ده، بس بردو خليكي عارفة إن صوتك العالي ده مش ماشي معايا وإنك تشاوري وبتتكلمي بإيدك كده دي حاجة بتعصبني أكتر!! نظرت له بتفهم، ثم هزت رأسها قائلة بابتسامة واسعة: "هحاول أغير من ده يا محترم، أيوه كده خليك كده!! "انا! طب ما تيجي! شهقت هي تعنفه ثم ضحكت

وهي تعيد كلماتها كالعادة: "بردو يا قليل الأدب!! قهقه "غسان" عالياً، ثم هز رأسه يؤكد وقال بمرح: "عال أوي كده، ارجع للأصل يا عم "رزقه"!! "الأصل مش أصل من غير "غسان"، غير كده كله أي كلام!!!!

وكأنها تعيد عبثه معها بعبثها هي معه، نظر لها بحب، وقد صمت وكأنه يشبع نظراته منها بعد أن غاب عنها لأيام، كما عنفها قلبها من فراقه عنفه قلبه هو تجاهها أضعاف مضاعفة. كيف يصمت وهو البارع في خلق الحديث بينهما من الأساس. أم أن الغصة المريرة التي توجد بقلبه تحثه على التفكير بما لديها وما يخصها. بوادر انهيارها معه عند المواجهة دبت به القلق. لذا بعد صمت دام وهي تنظر على الأمواج البعيدة عنها متنفسة بعمق، شاردة الذهن،

هتف هو يقول على فجأة: "لازم تكملي وتنتظمي عند الدكتور النفسي ده يا "نيروز"!! خفق قلبها وقد تعجبت من قوله المفاجئ، لذا التفتت تطالعه فحرك نظراته في ركن آخر غير عينيها، ثم سمعها تقول بتلقائية تلومه: "فكرتني مجنونة زيهم صح!!!! فتح "غسان" عينيه سريعاً على وسعها ثم نظر لها وهو ينفي برأسه سريعاً، حتى احتضن كفه كفها وهو يبرر: "مستحيل أفكر فيكي كده أبداً، إنت مش مجنونة والله، بس أنا اللي بخاف!!!

يعترف لها بخوفه. تساءلت بعينيها، فرد على سؤالها بلين: "بخاف عليكي! يمكن خوفي عليكي هو اللي رجعنا لبعض النهارده وفوقني إني مش قد البعد. "نيروز". إنت كان هيجيلك انهيار عصبي!! سلب أنفاسها وأعادها لها بلحظة، يبرع في إعطاء الأمان واللين. ابتلعت ريقها ثم هزت رأسها تقول: "ومحصلش يا "غسان" عارف ليه؟ ..عشان إنت جنبي، أنا مبيحصلش معايا كده دايماً، ومش بيمر عليا صعب غير فـ بعدك. فـ متخافش!!

صمت عن الحديث كونه لا يعلم ماذا يجيب، بل والثقل الذي يوجد على قلبه إلى الأن لم يزول سوى بقليل.. بقربها منه! أما مظهرها وهي على وشك الانهيار وحتى عدم علمها بمرض والدتها يوتره هو شخصياً من الداخل كما يحاول جاهداً بأن يخفي ذلك أمامها.

وضع المفتاح بـ باب الشقة وهو يتألم من وجع جسده عليه، وبالطريقة فعلها ببطء حتى فتحه ثم دخل وهو يغلقه خلفه كما كان. توجه "شريف" بألم، يجلس على أول مقعد كان بالصالة، غير مهتم لوجودها بالداخل، بل وهي التي ركضت من داخل غرفتها للخارج كي ترى. وللمفاجأة توقفت "فريدة" عندما وجدته يستند بضعف على المقعد، وأنفاسه تعلو من وجعه. رفع عينيه يقابل عينيها وجسدها وهي واقفة. أما هي فنظرت باشمئزاز ثم بصقت على الأرض.

فإبتسم هو بإستفزاز ثم قال يقاطع سيرها للداخل مره أخرى: "شمتانه فيا ولا ايه؟ في تلك اللحظه وقفت "فريده" تنظر بتقزز عليه ثم هزت رأسها بجرأه حتى خرج حديثها لتجيبه بإندفاع رغم إنكسارها: "أيا كان اللي عمل فيك كده فـ تسلم إيده وربنا يسامحه عشان منهاش حياة واحد قذر زيك تحت إيده..!!! تحامل "شريف" على نفسه ثم نهض ببطئ من على المقعد وهو يقف على بعد قليل منها حتى أخرج أنفاسه ثم أردف بهدوء أمام أنظارها:

"عارفه يا فريده مش هاخد حقي منك، هـوجعك تاني!! فتحت عينيها بصدمه وقد دب الخوف من ما جاء بعقلها فوجدته يهز رأسه نفيا وهو يبتسم بشر ثم قال ينفي ما تفكر به يمحى رهبتها: "لا دماغك راحت فين، ما قولتلك خلاص كارتك اتحرق! أنا هوجعك بس مش فيكي، فأختك والنهارده!!!! تشنجت ملامحها وعنفتها نفسها للوقوف له والدفاع عن من تخلت عنهم في يوم، أثار غيظها حديثه حتى أنها هتفت تشير بنبره مرتفعه سريعا:

"لـــو فكرت تقـرب من "جميلـه"، هقتلــــك!!!! ضغط "شريف" على فكه وأسنانه وعلى فجأه رفع يديه وهو يقترب ثم أمسك خصلاتها من بين يديه وهو يردد بإنفعال لها: "هتشوفي بعينك أختك وهي جايه هنا، وهتشوفي القذر هيعمل فيها إيه، أختك دي هيتضرب بيها عصفورين بحجر واحد ويا أنا يا هما." ترك خصلاتها بعدما تأوت ثم رد لها فعلتها وهو يبصق عليها، أمسكت رأسها بضعف، فتحدث هو من جديد وهو ينظر عليها:

"مش خسـاره الجمال ده كله يضيع هدر، أنا صريح أوي يا فريده بس بقولك إني مشوفتش واحده فـ جمالك، ومش ندمان على اللي عملته فيكي، عارفه لو مكنش بيني وبينك أبوكي كنت إديتك فرصه ومضيعتكيش من إيدي أبدا!!!! دفعته "فريده" بذراعها وهي تصرخ به بقوه حتى رجع للخلف من دفعها له: "مـــحدش هيـــقبـــل بني ٱدم زباله زيك كده، إنت فاكر نفســك إيه يا قذر إنت؟!! رجع إلى الخلف رغما عنه حتى توقف رغم ألمه ثم إعتدل بوقفته وهو يردد

بنبره هادئه شديدة الهدوء:

"عندك حق، أنا قذر فعلا ووحش كمان، وعمري ما قبلت نفسي ولا شكلي، عشان شبهه، شبه أبويا، لكن إنت.. إنت فريده من نوعك بس كان لازم تتكسري حتى لو مش شبه أبوكي العويل، أنا ملقتش قبول من حد غير منك، أنا بكره كل اللي حواليا، وبكرهك عمري ما حبيتك يافريده، عمري ما حبيت ولا قبلت حد من ساعة ما بقيت غريب ولوحدي، بكره إخواتي وأمهم وكل شويه بقعد أتخيل ازاي ممكن أوجعهم وأكسرهم زي ما أنا إتكسرت، بس بردو مبيتكسروش، عارفه ليه؟

قال "شريف" حديثه بوجع من بين دموعه التي هبطت وبالأخرى دموعها أيضا أكمل حديثه بضعف رغم عدم جوابها: "عشان اللي ببقى معاه أمه وأبوه عمره ما بيتكسر أبدأ، وأنا اللي إتكسرت وأبويا سابني وأختي سابتني وأمي سابنتي.. وكل اللي حواليا إتخلو عني، بقيت بكره الناس، لدرجة إن لو لقيت ملامح شبه ملامح ناس بكرهها بكرهه هو كمان، الغريب إنك مش شبه حد، شبه نفسك، وقبلتيني وحبتيني وحسستيني بقيمتي بس معرفتش أحبك عشان مينفعش!!!!

"إنــــت مريــض، مريـــض وفيك كل العبر الزباله!!! ضحك بعلو صوته من بين دموعه بل وضحكاته كانت بهيستيريه، هز رأسه لها يؤيد ما قالته ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله تزامنا مع قوله: "هوريــكي المــريض ده هيعمــل إيـــه، أقسم بدين الله ما هسيب ولا واحد فيكم يتهني بحياته!!!

إبتلعت "فريده" ريقها من نبرته ثم وجدته يطالعها بشر وهو يطلب أحد الأرقام، تصنمت مكانها، بينما ضحك هو بإنتصار عندما وجد الإجابه من الرقم الذي طلبه، ولم تسمع منه سوى ترحيبه بإسم مجهول بالنسبه لها: "أهلا بـ خالد!! لم تفهم شئ هي ولكنها فتحت عينيها بصدمه عندما أبعد الهاتف عن وجهه بشر ثم قال بهمس لها من علي بعد وصل إلى مسامعها: "خالد ده اللي هيجيب ر*جل* أختك لحد هنا يا فوف*ه*!!!!

وكأنه وضع عليها دلو من الماء البارد والساخن بنفس ذات الوقت، صدق حديثه! تدور بها الدنيا وقد تنفي برأسها بهستيريه ولم تسعفها ساقيها على التوجه نحوه لتخرج شرها بل كتم بداخلها وعقلها مشتت تائه بحقيقه أنه جاد وسيجلب شقيقتها وسيفعل بها ما فعله معها!!!! لا تعلم كيف أصبحت بداخل الغرفه من خلفها حتى هو دفعها بهدوء من بين صدمتها ثم أغلق عليها الغرفه من الخارج تزامنا مع إكماله الحديث بالهاتف كي يتفق علي هلاك فتاة اخرى!!!!

نصف ساعه كامله مرت على الأحداث التي حدثت، وأما هي فخرجت من غرفة والدتها الٱن ثم توجهت لتدخل غرفتها، متناسيه ما ينتظرها حقا!!

وقفت تنظر بحزن على الكتب الموجوده على المكتب، فمنذ أن أتت المنزل وهي على ذلك الحال، تركها لسنه دراسيه مهمه مثل ما فعلت هي يؤثر بها بشده، خاصة ان الوقت ليس كفيل لجمع كل ما تخطته رغما عنها.. وأنها المتفوقه الحاصله على ما تريده بإرداتها لطالما كان حلمها التي كانت تريد الوصول له، سيسعها الوقت لاعاده كل ذلك؟!

وكآنها تحمل أثقال وأعباء، ومهما حدث فذلك يكفي مقابل صحة والدتها التي كان إحتمالها ليس كبير بأن تكون بخير وتعود سالمه مره أخرى خاليه من أي مرض خبيث كان بجسدها!! عانت وعاشت فكره معها وتأثرت.. وحتى هي بحالتها النفسيه كفيله تأخذ عطلات كثيره كي تستجمع نفسها فداخلها غير خارجها من الأساس!! جلست على الفراش وهي تبتسم بقلة حيله فمهما كان كل ذلك مكتوبا، ومدونا باذن من الله، وما بيديها حيله!

ترضى حتى شفاء والدتها، ترضى كون شقيقها يكافح من أجلهما، أخرجت أنفاسها وقد إنتبهت لشاشة الهاتف التي ظهر ضوء شاشتها دون صوت، فذلك الهاتف الذي كسر من شاشته جانب عندما قذفته، ذلك الهاتف الذي جلبه "خالد" معها ومنذ أن واجهها شقيقها من أين أتت به برعت بكذبتها وأنقذها من سؤاله لها مره أخرى كم الأحداث التي حدثت لهم!!

حتى أنها لم تستعمله سوى للساعه وسماع صوت القرٱن الذي كان يتحدث به "بسام" غير ذلك لا يوجد، إنتشلته بإيدي مرتعشة فمن سيدق عليها سواه؟ ماذا ستفعل حتى وإن هددته وحتى اختفائه كان قد جعلها تعتقد بأنها عقبه لم تأتي بعد ذلك، تبدلت ملامح وجهها للرهبه وحتى تهديداتها له بأنها لم تجيب عليه عند الرد تتبخر كونها تهاب الأن تهديداته بصورها وتركيبها على أخرى مخلة بأحد مواقعه المقززه!!

ستفعلها وتجيب رغم عدم تسجيل الرقم إلا أنها تعلم جيدا من يكون.. "ألـ ـو!!! أجابت "فرح" على الإتصال بنبرتها المهزوزه، وثوان وأتاها صوت ضحكته السمجه حتى أجاب عليها بقوله المهدد: "وحشتيني بجد يا دكتوره فروحه، لتكوني نسيتيني؟ تشنج وجهها بالخوف والإستهزاء حتى حاولت أن تكون جريئه بردها وهي تقول: "عاوز إيه مني يا خالد!!! "كل خير يا فرح!! صمت يفتك بأعصابها كالعاده حتى سمع صوت أنفاسها فواصل يكمل بتوضيح صريح مره واحده:

"أولهم تقومي حالا وتتصرفي تكلمي جميله تقوليلها إنك عاوزاه تقابليها برا البيت فاللوكيشن اللي هبعتهولك دلوقتي!! فتحت عينيها بصدمه وذهول ثم رددت سريعا برفض قاطع: "إنت بتقول إيه، مستحيل أعمل كده، دي صاحبتي وخطيبة أخويا انت مجنون..معتش ينفع!!! سمعته وهو يخرج أنفاسه بنفاذ صبر ثم هتف لها بإنفعال وتوعد:

"بقولك ايه يا بت انت، أنا خلقي ضيق، ولو معملتيش كده إنت عارفه صورك هتبقي على إيه وفين وهسيطك سيط محدش شافه قبل كل ده، والأوامر كده، ولما تروحي تقفي فالمكان هناك هتعرفي مين اللي عاوز ده من الأول خالص، يعني أنا مش خسران لما تقعدي ومتنفذيش، لأن في غيري في إيده يجيبك إنتي شخصيا تحت رجله!!! دقات قلبها التي تتسارع بشده. وصلت إلي مسامعه، سمعته يردد مرة أخرى بغضب. قصد أن يفعله لتخاف.

"ساعة بالكتير وتتصرفي، تكوني فالمكان اللي هبتهولك دلوقتي. سلام!!!! صوت إغلاق الخط منه كان الجواب لها وله. نظرت بضياع وقد استشفت مدى صدق شره بقوة ومن يفرض عليه الزعامة. لا تعلم بأنه شقيقها. ابتلعت ريقها وعجزت عن هبوط الدموع لديها. تمسكت بالهاتف وقد رأت من أمامها الموقع الذي أرسله لها. قريب إذن. ستتخلى عن صديقتها أم عن نفسها؟ وأين عز الآن؟

ووالدتها مستغرقة بالنوم تريح جسدها. نظرت بضياع. الحقيقة القاسية هي أنها ستفعل ما لا تحمل عقباه وما لا تتوقع نتيجته. لم تتخل عن نفسها، بل نهضت رغماً عنها ومحاولة الصمود. وعقلها يصرخ بـ لا وألف لا!

ولكنها فعلتها رغماً عنها رغم قدوم المصائب على فجأة. إلا أنها تعلم منذ أن دخلت بهذه الحلقة أن الشر قادم لا محال وأن غباؤها وضعف شخصيتها موجود بالفعل. لطالما لم تتقبل طوال الفترة الماضية علاجها النفسي. تنتظر بأن تفعل شيئاً للتعالج. مختلة بعقلها لا تعلم هي مدى الغفلة التي ستفعلها رغماً عنها. ابتلعت ريقها وقد هبطت دموعها أخيراً وهي تدير حجابها على رقبتها بغير اهتمام. ثم دست الهاتف بجيبها. حتى خرجت من الغرفة على أطرافها دون أن يعلم أحد بأنها ستخرج بالفعل!

فعلتها! رغماً عنها. بتلك السهولة. من الأساس وضح لمن حولها بأنها أضعف ما يكون! من ينظر على الدموع وما تذهب هي لفعله دون أن تعلم ماذا سيفعل بها هذان الشيطانان. سيقول بأنها وقعت ولا وقوع بحفرة عميقة كمثل وقوعها بخيبتها الآن! "حلوة الخروجة اللي من غير عربية يا غسان!! قالتها "نيروز" وهي تسير بجانبه. فالتفت "غسان" برأسه يضحك بخفة على قولها ثم قال هو الآخر:

"العربية أصلاً بايظة بقالها شوية وكنت باخد عربية شادي لما كنت بروح مكان!! إنتبهت على قوله فحركت عينيها تتساءل بغرابة: "صحيح هو فين شادي اللي مبوظك مش ظاهر يعني؟ خرجت ضحكاته ثم حرك عينيه نحو عينيها وهو يقول: "مشى من امبارح وهيجي تاني. وبعدين أقولك ع السر بقا." عقدت "نيروز" ما بين حاجبيها بتعجب. ثم تساءلت بإستفهام: "سر ايه؟ وقفت "نيروز" أمام المبنى، تزامناً مع وقوفه هو الآخر وهو يردد بمرح صادق:

"أنا اللي مبوظ شادي مش شادي اللي مبوظني. بس مدام حامد مفكر العكس فـ عال أوي كده دا اللي إحنا عايزينه!!! خرجت ضحكاتها العالية ثم قالت بثقة وهي تحرك عينيها بإستنكار مع ضحكتها الخفيفة: "حسيت علفكرة." دقق "غسان" النظر بملامح وجهها وهو يبتسم بشغف. مد يديه يمسك يديها ثم قال بهيام وعينيه عالقة بعينيها: "حاسس إن روحي رجعتلي من تاني النهارده." نظرت له "نيروز" بحب. وقد تعمدت ممارسة الشغب حينما رددت وهي ترسم الإستنكار: "يا جدع!

ده أنا قولت إنت مبسوط من غيري ومبقتش عايزني!! قالتها لتخرج ما به من عبث. أما "غسان" فابتسم بهدوء وقرر بخروج صدق نبرته حينما قال لها وهو يجيب على حديثها:

"ياريت أقدر من غيرك. مكنش فاتي تعبت من فكرة أسيبك ولا مسيبكش. أنا لما لقيتك مختفية كنت كل شوية أطلع البلكونة أسقي زرعك اللي من ناحيتي وكأنه هو حلقة الوصل بينا. أنا للأسف عندي وسواس بالتفكير فيكي. لحد عقلي اللي مكنش شوية غير لما عرفت من وسام إنك روحتي فكتي دراعك وغيرتي على الجرح وبقا ينفع يتساب عادي ويتحرك. حتى كنت بفتح اليومين دول الواتساب والفيسبوك أشوفك منزلة بوستات واستوري عن البعد والفراق والبتاع. ملقتش حاجة بس لقيتك أونلاين فرجعت لورا تاني. مكنتش هطلقك يا نيروز بس كنت مستني وأنا مش عارف إيه هيحصل!!

نظرت له بتأثر. وقد شعرت بما سيفعله عندما كان ينظر على وجهها بشغف. تركت يديه سريعاً. ثم سارت تتخطاه كي تدخل من المدخل بعد قولها العفوي الخافت: "إحنا فالشارع يا مجنون يا قليل الأدب إنت!! قهقه "غسان" عالياً من عفويتها وهروبها من ما كان سيفعله بل كان سيتوجه ليقبلها من وجنتيها. ضحك بخفة ثم دخل من خلفها وهو يردد بمرح: "وفيها إيه يعني مراتي وببوسها حد ليه عندي حاجة؟

سارت من قبله ولم يجد الجواب منها بل رأى ذلك الرجل الذي يجلس "سلطان" البواب. الذي لم يظهر كثيراً حيث لديه حجرة فالأسفل تتطل على الخارج. أما هو فقد سمع قوله الصريح حتى ضحك بخفة وهو يهز رأسه بالنفي له: "حقك يا بن حامد. بس فـ بيتك مش فالشارع!! "عال وعالمظبوط يا سلطانية!! قالها "غسان" بمشاكسة وهو يغمز له. ثم دخل عقب قوله فوجدها تنتظر أمام المصعد وجنتيها شديدة الإحمرار. إنحنى يهمس بجانب أذنها قائلاً، غير

عابئ بأنهما ليس بمفردها: "يا حلاوة القلب لما يدق..يدق!!! خرجت "جميلة" من المصعد على ذلك الوضع حتى أنها نظرت بذهول. وهي ترمش بأهدابها. تحركت "نيروز" ما أن اعتدل وتحرك هو. فوجدت سؤال "جميلة" التلقائي: "بتعملي إيه؟ تعلثمت "نيروز" بنظراتها حتى أجابت أولاً قبل أن يجيب هو. فخرج منها الحديث بتلعثم وهي توضح: "كان..كان بيقولي حاجة فوداني والله عشان محدش يسمع!!! هذه هي الحقيقة بالفعل!

تحركت أنظار "جميلة" بينهما. خاصة نحو "غسان" الذي كتم ضحكاته. فتساءلت "نيروز" من جديد: "رايحة فين دلوقتي؟ رسمت "جميلة" على ملامح وجهها الابتسامة ثم اعتدلت تمسك حقيبتها وهي تقول: "رايحة مشوار كده. واحدة صحبتي عاوزاني وهاجي علطول. محتاجة حاجة؟ قصدت بأن تخفي لهفتها حيث لم تتعمد قول اسم "فرح" التي حدثتها كي تهبط لها بمكان معين بلهفة لحل مشكلة مجهولة لا تعلمها!

هزت "نيروز" رأسها بالنفي. حتى كادت أن تتحرك "جميلة". فهتف "غسان" بغرابة: "حد جاي معاكي؟ تنحنحت بحرج. ثم هزت رأسها بالنفي. وقبل أن يتحدث هتفت هي بابتسامة صغيرة: "مع السلامة!! دخلا الإثنان المصعد بعد أن رحلت هي. فحركت "نيروز" رأسها تجاه "غسان" الذي طالعها بتسلية ولم يأخذ منها سوى جملة هتفتها هي بضيق منه: "عقلك تعبان ومش فيك والله. نفسي تعقل شوية!! "وربنا لو عقلت. ما هتلاقي غسان اللي بتحبيه!! قالها "غسان".

بضحك، فضحكت هي بقلة حيلة تزامناً مع فتح المصعد حتى خرج الاثنان معاً. توجهت "نيروز" ناحية باب شقتها في حين توجه "غسان" معها. دقت هي الباب حتى فتحت لها "وردة" التي ابتسمت لهما بلطف. دخلت معه تجلس بالداخل بينما توجهت "وردة" نحو "سمية" بالداخل تعلمها بقدوم "غسان" و"نيروز". جلس "غسان" وهو منشغل بإمساكه للهاتف وقد لاحظ هو رحيل عائلته إلى شقتهم. وحتى "بدر" لم يكن موجوداً بالفعل.

"ما تركز معايا يا غسان بقولك جهازي هيطلع بكرة. إنت سامعني؟! هز رأسه فقط يجاريها بالحديث وهو يتفحص أحد الصور على الهاتف. فانتشلت منه الهاتف ثم كادت أن تقذفه بغيظ. فأمسك يديها سريعاً وهو يهتف بذهول: "يبنت المجنونة، دا أيفون!!! رسمت "نيروز" على ملامح وجهها الغيظ ثم ردت بحنق تعنفه: "طب بص بقا، احنا داخلين على جواز وهنبقى فوش بعض على طول. عارف لو في مرة جيت أكلمك بحماس وتقوم قاتلتهولي بالطريقة دي هعمل فيك إيه؟

ابتسم "غسان" ببرود ثم قال يستجوبها بإسلوبه المستفز: "هتعملي إيه يا "رز"؟! "هشوحلك تليفونك ده من الدور السابع اللي هنسكن فيه يا غس!! قالتها وهي تقلده بنبرتها الباردة، مد يده ينتشل الهاتف من بين يديها ثم أشار لها بغير اهتمام قائلاً بخفوت كي لا يصل إلى مسامعها: "وربنا تبقي تاني يوم عند أمك فيها!!!! همهمت وهي ترفع حاجبها بشراسة من انخفاض صوته ثم قالت: "بتقول إيه يا حبيبي سمعني كده؟! ترك هاتفه بعدما أغلقه ثم التفت بوجهه

يبتسم لها بتوضيح وهو يقول: "كنت بختار بدل لـ شادي وبسام وحازم وبدر عشان أبعتلهم الصور يختاروا. وكنت براجع ورق شادي بعتهولي عشان لما نتجوز آخد إجازة بقا شوية!! هزت "نيروز" رأسها بإبتسامة لينة ثم أمسكت كفه حتى حاصرته سريعاً بقولها: "اختبار مفاجئ، أنا كنت بقول إيه وانت رايح تهتم بأصحابك وسايبني أرغي مع نفسي!!! "أصحابي مين يختي ده جوز أختك وجوز أختك التانية، وأخويا، ولا عشان الواد شادي غلبان هتيجي عليه؟!

قالها قاصداً الهروب من سؤالها، فابتسمت حتى خرجت ضحكاتها وهي تكمل: "كنت بقولك جهازي هيطلع الشقة بكرة مادام الشقة جهزت والخشب طلع ومعتش حاجة هتنجاب من عندك!! هز رأسه بسعادة وسرعان ما ابتلع ريقه بريبة وهو يتحدث بخفوت أمام أنظارها: "عارف، يارب بس تعدي على خير لاحسن كل ما ناخد خطوة بنرجعها تاني وبيحصل مصيبة، شكل حد باصصلي في الجوازة دي!!! صمت "غسان" ثم رد سريعاً متظاهراً بالتذكر ليخرج شراستها معه: "ليكون الإكس؟!

شهقت بقوة عندما تعمد هو بأن يعبث معها. حرك رأسه بمشاكسة ثم تظاهر بالتفكير وهو يشير نحو أصابعه كي يقوم بالعد بشرود زائف: "طب هيكون مين فيهم بس... نهى ولا مريم ولا سلمى، ولا جنى ولا مرام ولا شهد ولا حسناء ولـ.... بترت حديثه عندما شهقت وهي تفتح عينيها بذهول مرددة بتلقائية: "نهار أسود.. إيه كل دول؟!

خرجت ضحكاته التي تسلب قلبها هي، ومن ثم نظر لها "غسان" من بين ضحكاته وهو يردد بريبة مصطنعة أمام أنظارها الضاحكة التي ظهرت له بأنها تخفي ضحكاتها بأعجوبة: "استني بس أفهمك!! *** بعد قليل، وصلت "جميلة" إلى الوجهة التي حددتها لها "فرح". إلى الآن لا تعلم هي لما أتت لها إلى هنا وما المشكلة التي وقعت بها من الأساس ولما بعيداً عن عز؟

التفتت حولها بغرابة خاصة أنها تقف أمام مبنى والآن لم يصعد به أحد. أخرجت أنفاسها بعمق حينما ظهرت "فرح" لها التي كانت تقف مع "خالد" من على بعد. توجهت "جميلة" إليها بلهفة ثم تفحصتها بإهتمام وهي تقول: "فرح، حصلك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة طمنيني عليكي انتي كويسة؟! وقفت "فرح" تنظر بملامح وجهها المخطوفة على وجه "جميلة" للحظات. ابتلعت ريقها وهي تستوعب ما يحدث تدريجياً حتى أنها هتفت أولاً بإسم من أمامها بريبة: "جميلة؟!

هزت "جميلة" رأسها بإستفهام وقلق، حتى هتفت "فرح" على فجأة بنبرة باكية وهي تسحب يديها خلفها: "تعالي.. نمشي من هنا عشان خاطري!!! الآن تنقذها من براثن شقيقها والآخر. وقبل أن تستعلم "جميلة" وجدتها تشهق وهي تنظر على من أتى خلفها وهو يمد يديه من خلف "جميلة" حتى وضعها على فمها وأنفه، حيث كان بها من المخدر ما جعل "جميلة" تسقط بين يدي "شريف" السليمة والذي هتف بإسم "خالد" وهو يقول: "يلا بســـرعة!!

وقفت "فرح" بضياع، وإلى الآن لا تفهم ما علاقة "شريف" حتى أن صدمتها جعلتها لم تتحرك إنش واحد حيث حمل "خالد" "جميلة" إلى الداخل للأعلى سريعاً أمام أنظارها الضائعة. وقف "شريف" بإعتدال ثم هتف بنبرة مستهزئة لها: "يا مراحب بالست فرح البياعة، اللي باعت صحبتها وخطيبة أخونا!! ستخرج من صدمتها الآن. ابتلعت ريقها وأثار دموعها الباقية على وجهها منذ قليل مازالت موجودة، حتى هتفت بتعلثم له وتشتت: "انت.. إنت بتعمل إيه هنا؟!

وعلى فجأة لم تترك لصدمتها الجواب بل توجهت بعد أن استوعبت دناءته ثم أمسكته من تلابيبه بغير وعي لطالما كانت تخافه وتهابه: "إنت.. إنت السبب في كل ده؟! وقف "شريف" يتركها تمسكه كما تريد. أهبطت يديها المرتعشة سريعاً، ثم أخرجت الهاتف بلهفة من جيبها وبكل سرعة انتشله "شريف" من بين يديها حتى هتف لها بتحذير: "لو متحركتيش قدامي حالا، هموتك هنا!!

وجدت الشر في نظراته. هزت رأسها بضياع لما اقترفته وفعلته بحق نفسها وبحق شقيقها وصديقة أيامها. حركت ساقيها سريعاً كي تركض منه ولكنه كتفها بيديه سريعاً حتى أنه انحنى يهمس بجانب أذنها: "مينفعش صدقيني.. فـ اطلعي قدامي من سكات بدل ما شري يطلع عليكي!!! حاولت "فرح" التملص من بين يديه وهي تنفي برأسها فقط فسحبها هو من خلفه وهو يتمسك بمعصمها، وقبل أن تصرخ عالياً هتف هو بوعيد: "وديني لو عملتيها لأضيعك وأضيع صاحبتك!!!!

صمتت بخوف وقد خرجت شهقاتها بعجز، حتى دخلت المبنى. كانت الشقة توجد بالطابق الثاني فقط. صعد وهو يسحبها خلفه وللحظ لم يصعد ولم يهبط أي من ما يوجد بالمبنى السكني. قاطع صعوده هبوط "خالد" الذي وقف يقدم له "المفتاح". انتشله "شريف" من بين يديه ثم هز له رأسه يسأله: "كده حسابك وصلك ومعتش ليك عندي حاجة، معتش أشوف وشك تاني، مفهوم؟! ابتسم "خالد" بإعجاب ثم هز رأسه وهو يبتسم بغل، ثم رفع أنامله يداعب أنف "فرح" تزامناً مع قوله:

"بالشفاء يا كتكوتة!!! أوقف حركته "شريف" الذي همهم بتحذير وهو يدفعه ليهبط: "سكة السلامة!!! غمز له "خالد" في حين أكمل "شريف" صعوده وبيديه "فرح" الضائعة، حتى وضع المفتاح يفتح باب الشقة ومن ثم دفعها تدخل بها حتى دخل هو الآخر ولم يتماشى مع ما يفعله سوى أنها مريضة ليس إلا.

وجدت "فرح" من يدق باب إحدى الغرف وهو يصرخ صراخًا مهددًا. ارتجفت أوصالها وهو يقف حتى خرجت منه ضحكاته وهو ينظر على "جميلة" التي تستلقي على الأريكة أمام أنظارهما. خرجت نبرته وهو يسألها باستخفاف: "خايفة صح؟ لم تفعل سوى هزة رأس مريبة بالإيجاب. ضحك هو. ثم تقدم يقف أمامها وهو يهمس لها بشرر: "أنا السبب في كل اللي بيحصلك ده يا فرح. عارفة ده ولا لأ؟

هبطت دموعها بكثرة وقد خرجت منه شهقاتها العالية وهي تسمع صراخ من بالداخل وصوت أنفاسه العالية تعلو من مجهود سحبه لها خاصة بحالته الجسدية هذه! هزت رأسها نفيًا ولم تقو على أي حديث. بل أكمل هو وكأنه يتلذذ بنبرته الحاقدة: "لا اعرفي...

أنا اللي بعتلك خالد من الأول خالص يهددك ويبوظ أعصابك. يخليكي قاعدة مش على بعضك. بعته يجيب ليا جميلة عشان آخد حقي من أبوها عن طريقك. والصدفة تطلع أختي صاحبتها تخيلي. ومش بس كده أنا كمان كان ممكن أخلص الحوار ده في أقل من ثانية بس أنا اللي قصدت أدمر أعصابك. قولت أبدأ بيكي وبعد كده نشوف عز لأنه عارف إنه هيغلبني. محتار آخد حقي منه إزاي لحد قريب أوي محتاجتش آخد حق أصلاً عشان نفس البنت اللي هو بيحبها هي بنت الراجل اللي أذاني وضيعني زمان وضيع أختي!

وضعت يديها على أذنها تنفي بهستيرية ما تسمعه. احتدمت عينا "شريف" الذي تجمعت الدموع في عينيه بقسوة امتزجت بحدة وألم حديثه حينما قال: "كان نفسي أقابلك. وتكوني عوضي عن بثينة يمكن كنت ألاقيها فيكي. بس إزاي؟ إزاي وإنتِ بنت أكتر ست بكرهها في حياتي وبداية التعب الحقيقي كان بسببها هي؟ إزاي وإنتي الخالق الناطق هي؟ نفس الشكل ونفس الملامح؟

جلست بوهن على الأرض من أمامه وقد كانت جلستها بضعف أمام "جميلة" التي أمسكت كفها تهزها ولكن الأخرى كانت في عالم آخر. سمعت نبرته الجامدة حتى أنه انحنى يهتف أمام وجهها بشماتة: "قوليلي فين عز دلوقتي عشان يشيلكم من إيدي؟ ولا هيعرف يوصلك ولو وصل هيعملك إيه؟ ولا أي حاجة! صمت وقد وصل حقده وغله بمرضه ذلك إلى الأعلى بشدة حتى أنه ضحك بهستيرية وهو يكمل ليعلمها بما سيفعله: "عارفة مش هيوصل ليه يا فرح؟

عشان خطيبة أخوكي هتبقى ليا أنا بمعنى الكلمة. هغتصبها هنا قدام عينك! فتحت "فرح" عينيها بذهول وقد ارتجفت يديها وساقيها. فهتف هو من جديد يضغط على حالتها بحديثه المريض: "شفتي بقى هأذيكي إزاي؟ ولو عرفتي تتعافي من كل اللي شوفتيه وهتشوفيه يبقى أنا معرفتش آخد حقي صح؟! هزت رأسها نفيًا ثم أخرجت ثلاث كلمات تنفي بها بقوة مما جعله يضحك فقط: "لأ... مستحيل... لأ!!

خرجت ضحكاته وهو ينهض ثم تظاهر بعدم الاهتمام وهو يتوجه لداخل غرفته مشيرًا لها قبل أن يدخل: "هتعرفي إن المستحيل بيتحقق لما أدخل أرتاح عشان لما صاحبتك وخطيبة أخوكي تفوق تعرفي إن كلامي مش هزار." صمت ثم قال بتذكر يضغط على حالتها مجددًا: "وأه. في الأوضة دي مفاجأة هخرجها ليكم بعد ما تفوق اللي نايمة دي. إن مقالتلكيش هي من ورا الباب هي مين. بس هي حد تعرفيه أوي أكيد!!

الضياع. هذا ما تعيشه الآن. فبفعله بسيطة وأقل من الثانية أخذ القرار الأهوج في أن تتخلى دون أن تعرف العواقب منه ومن أخذه. توسع ما كانت تعتقد بأنه صغير. تائهة بين حالتها وبين ما هي مسطحة أمامها. تهبط الدموع وأوصالها ترتجف بقوة. انتفضت بفزع عندما وجدت صفع باب الغرفة بقوة. والآن لا تشبه ضياعها سوى بأنها كمثل من تركها أحدهم بصحراء جافة دون بوصلة تعلمها أين الطريق وأين الوجهة المحددة. أين الشقيق؟ وأين الصواب؟

فقط تعلم بأنها وقعت بالخطأ لا محالة وأن عواقب أفعالها ستلاحقها كما ستصيب من حولها.

بعد مرور ساعة كاملة في شقة "عايدة" خاصة بغرفة "حازم" الذي جلس ينتظر قدوم "ياسمين" من الخارج بالصالة حيث كانت تجلس مع "عايدة" التي فرحت كثيراً بذلك الخبر المفرح والتي لم تأخذ راحتها في التعبير عن ما تشعر به. دخلت عليه الغرفة ثم أغلقتها من خلفها مرة أخرى. فوجدته يجلس شاردًا. توجهت تتلمس كتفيه بحنو ثم جلست بجانبه. فاق هو من شروده عندما وجدها تجلس وهي تبتسم باتساع. رفع ذراعيه يضعها على كتفيها وهو يأخذها تحت ذراعيه

ثم ردد بنبرة تائهة سعيدة: "أنا مش مصدق نفسي لحد الآن يا ياسمين!! تنفست "ياسمين" بعمق على وضعها ثم رددت باطمئنان له تجيبه: "صدق يا حازم. وافرح عشان ربنا كتب لينا إنه يرزقنا بالذرية الصالحة إن شاء الله. هتبقى أب يا أبو الحزايم والله." ضحك "حازم" بخفة ثم اعتدل في جلسته حتى قال بحماس مضحك: "طب قوليلي هييجي إمتى؟

"لسه بدري يا حازم أنا لسه في بداية الحمل. بيبانوا في الشهر الرابع كده. وبعدين سيبك إنت. هو إنت عاوز حاجة معينة ولا إيه؟ قالت آخر حديثها بخوف زائف تستشف ما يفكر هو به. أما هو فابتسم برضا ثم قال بقناعة سريعة:

"أقسم بالله ما فارق معايا. كل اللي يجيبه ربنا حلو. اللي مخطط ليه من دلوقتي إن أياً كان اللي هييجي لازم أشبعُه حنان ورضا وأحاول أسعده بكل الطرق الممكنة. وعد بيني وبين نفسي عمر ما أقسى عليه أبداً عشان يبقى سوي نفسياً. أوعديني إنك هتعملي كده إنتِ كمان يا ياسمين؟ حديثه الذي خرج بنبرة صادقة متأثرة جعلها تتأثر حتى دفعته تدخل بين أحضانها. مجيبة إياه بطاعة ووعد ستعمل على المحاولة به:

"أوعدك يا حازم. أوعدك والله. وأنا متأكدة إنك هتبقى أب كويس أوي وعيالنا في المستقبل هيبقوا فخورين بيك ويمشوا رافعين راسهم إنك أبوهم. أبوهم المحامي حازم الأكرمي. أكتر راجل محترم وحنين وقلبه ده زي اللبن الأبيض والله! ضمها إليه برضا وهو يحمد الله عليها وعلى ما رزق وسيرزق به. لطالما جمعهم قلبهما الصادق النابع بحبهما منذ الصغر! اعتدلت في جلستها ثم هتفت باسمه بتردد: "حازم! همهم بابتسامة صافية فرددت هي بنبرة

مترددة استشفها على الفور: "كنت عاوزة أقولك على حاجة بس متفهمنيش غلط ماشي؟ اعتدل "حازم" بقلق ثم قال: "سامعك! أغمضت "ياسمين" عينيها تتنفس بعمق ثم حاولت إخراج ما تريده بشدة وهي تقول:

"بصراحة أنا من ساعة ما عرفت إني حامل وخايفة. مش خايفة من مامتك ولا من جميلة ولا من العيلة. بس خايفة من باباك. مش عاوزاه يعرف دلوقتي إني حامل ولو عرف هيعرف زينات وأنا مش واثقة هي ممكن تعمل إيه فيا. انت عارف إنها بتكرهني أوي حتى عمي بيكرهني كمان ورد فعلهم مش متوقع الحقيقة! طبيعة الحديث عليه مؤلمة. ليس منها هي بل من أوصلها لمثل هذه المرحلة! رغم ألم قلبه من الحديث إلا أنه حاول أن يطمئنها بقوله كي لا تتأثر وتتوتر

خاصة في بدايات الحمل:

"اطمني يا ياسمين أنا مش عامل حسابي ولا جه في دماغي إني أروح بكل لهفة وأقوله إنه هيبقي جد. باختصار لإني قليت الكلام معاه بسبب كل اللي بيحصل ده. فإن شاء الله مش هيعرف ولو خالفنا التوقعات وعرف غصب عننا فإنتي في حمايتي ولو حد قرب منك أياً كان هو مين مش هسكتله. وكمان إحنا مش على طول قاعدين هنا عند أمي هنتحرك من شقتنا لشقتهم ويبقى حد يستطيع يقدر يعملك حاجة كده. ساعتها هيشرفوا حازم اللي مظهرش لحد دلوقتي. متخافيش."

ورغم كونه حديث يحثها به بحنان واطمئنان وصدقه الظاهر لها قد وصل وبشدة، اطمئنت وتنفست بارتياح وهي تسند رأسها على كتفه مرة أخرى بأمان، ثم قالت بعفوية ونبرة هادئة عكس طبيعة حديثها المرح مما جعله يرفع يديه وهو يضحك بخفة ليربت على ظهرها بحب، حينما قالت: "بحبك يواد يا حازم يا محامي!! كان التجمع الآن من نيروز وغسان وبدر وورده، ويامن الجالس على ساق غسان، وهو يداعبه بمرح وخفة. نظرت إليهم نيروز بحب. في حين هتفت ورده

بلطف له وهي ترى معاملته: "هتبقي أب حنين أوي يا غسان والله!! وجهت نيروز نظراتها باستنكار له وهو يبتسم باتساع. ولم يغفل هو عنها وعن جلوس بدر الذي شرد عن الحديث لعالم آخر. مال هو يهمس بجانب أذن نيروز وهو يقول بخفوت: "بقولك إيه خدي ورده كده وسيبييني مع بدر شويه!! هزت رأسها بالإيجاب ثم أمسكت يد يامن وهي تشير لشقيقتها حتى نهضت بالفعل معها نحو الداخل حيث غرفة نيروز. نظر غسان نحو بدر ثم أشار نحو وجهه بيديه وهو يقول:

"إنت معانا ياعم ولا معاهم؟! خرج بدر من شروده ثم نظر بوجه غسان حتى قال بتلقائية وكأنه فاض به ما بداخله: "أنا تايه يا غسان والله، دماغي مليانة!! شعر غسان بمدى ثقل كلماته. تنهد يخرج أنفاسه ثم وضع كفه يربت على ساقه وهو يحثه على إخراج ما بداخله حتى قال بهدوء: "قولي إيه اللي شاغلك وأنا سامعك!!! تنهد بدر يخرج أنفاسه ثم قال بقلة بنبرة تعلن عن عجزه لأول مرة وقلة حيلته:

"مش عارف يا غسان، أو مش قادر بمعنى الكلمة، كل ما أقول خلاص هاخد القرار وأروح لآدم وأجبله ناس تاخده المصحة على فجأة برجع لورا تاني. انت عارف الخطوة دي متعبه بالنسبالي قد إيه. ولا آدم هيجراله إيه؟ أنا قولتلُه هحاسبه وأعاتبه بعدين ولحد الٱن رجلي مش مطاوعاني أقوم أروحله." حديث أتى من عاطفة الأخوة والتي مهما مر عليها فتصبح هي قوية. تفهم ما يشعر به وما يتحدث إليه. لذا وضع يديه على ذقنه بتعقل. ثم قال بنبرة هادئة

يطمئنه ويوجهه تجاه الصواب: "بص يا بدر، آدم اخوك بالنسبالي مش عدو يعني زي ما الكل فاكر. أنا لقيت العداوة والكره بينا من غير سبب وبيزيد من ساعة ما لقيته متبت في حسن ومطاوعه ومعاه في كل حاجة. بس اللي هقولهولك دلوقتي ده مش من كرهي فيه. مهما كان ابن عمي بردو. وايوه ابن عمي لكن إنت اخويا ومحدش هيوصل لمكانتك عندي. عشان كده" توقف يلاحظ ملامحه المتعبة ثم واصل غسان يكمل بعقلانية:

"عشان كده قرار إنك توديه المصحة هو أصح حاجة وهو النافع لأخوك. والمفروض كنت تعمل ده من ساعة ما نزلت من السفر أصلاً. وبمزاجك أو غصب مفيش حل غيره. آدم هيرجع يشكرك عليه بعد كده. ورغم اللي بينا بس لو هقول الحق فأنا شوفته بيحاول إنه يكون أحسن في الفترة الأخيرة. قربه من حسن خلاص مَعَش جايب له غير الشر والمصايب وبس. إتوكل على الله وخد القرار ولو مش هتقدر وقلبك هيبقي ضعيف قدامه. سيبلي الموضوع ده أنا!!!

لا مفر من أخذ قرار متعب ولكنه سليم! نظر إلى ملامحه الهادئة وهو يهز رأسه له ثم قال بطاعة: "نشوف بكره الموضوع ده مع بعض. ربنا يستر ويسهل بس." أثار شفقته. ومن غير غسان بارع بلين قلبه! وكيف تمر هذه اللحظة من دون احتواء حدة الشباب وأحضانه الموزعة! رفع غسان ذراعيه بتأثر. ثم قال وهو يربت على ظهر بدر بمواساة:

"إن شاء الله خير يا بدر. إطمن والله وكل حاجة هتبقى عال. إتجدعن انت بس وجمد قلبك ومش هتندم بعدين صدقني. وأهو كويس إن سفرك إتأجل ولقيت بديل ليك هناك لمدة تانية. يمكن دي علامة وإشارة من ربنا إن آدم ليه الفرصة دي بجد وعطاك وقت عشان تعمل ده!!! تنفس بدر بعمق. ثم همهم بالإيجاب وهو يخرج من بين ذراعي الآخر وهو يردد بعمق:

"رغم إنك متخلف يا غسان ساعات. بس عمري ما لقيت فطيبة قلبك دي ووقوفك جنبي حتى لو إيه حصل. حامد البدري كان يقولي دايماً. من وراك. إن لو حصله حاجة. فهو هيبقي مطمن دايماً. عشان الوحيد اللي هينفع تكون مكانه انت. إنت اللي شايل هم كل واحد هنا حتى لو مش ظاهر إنك مهتم بس واخد بالك. وحتى لو مندفع بس فالٱخر كله مبيبقاش عشانك. عشان غيرك. زي ما مرات عمي بردو بتقول إن اللي فإيدك يا غسان مش ليك فعلاً." ضحك غسان بخفة

ثم تصنع الإنبهار بقوله: "ده حامد ودلال بيحبوا فيا من ورايا أهو!! "طبعًا. يعم بيحبوك. ولو حصل أي حاجة منهم فده من خوفهم عليك. وفعلاً. كلامهم صح. وانت اللي فإيدك مش ليك يا غسان فعلاً. ربنا يصلح حالك ويتمم عليك فرحتك بخير وأشوف عيالك وأبقى عم زي ما خليتك عم يا عم بقا!!! قال بدر آخر حديثه بمرح. فهز له غسان رأسه بتأييد وهو يقول من بين ضحكاته:

"يارب يا بدر. إدعي انت بس تعدي على خير وميحصلش حاجة. أصل حد نبر ليا في الجوازه دي." وربنا أخر ما هزهق هتجوزها فأوضتي ونعيش فيها وخلاص ياجدع! ضحك بدر عاليا، ثم هز له رأسه مؤيدا بمرح، حتى تحدث أخيرا، يوصيه:

"عارف إنك بتحب نيروز، بس خليني أقولك خلي بالك منها باعتبار إني أخوها الكبير مش أخوك إنت. نيروز بنت حلال والله وغلبانه، مش غلبانه أوي يعني وأنا عارف ده ويمكن تكون هي أصعب واحده فيهم، عن ورده وعن ياسمين كمان اللي بتدي كلام وبس دي. بس بردو مش هيسلك معاك غير واحده زي نيروز. إفهمها إنت بس وافهم دماغها وقدرها وخليك حنين عليها كده ومتزعلهاش، عشان والله لما بتزعل أنا بيتنكد عليا من ورده نكد الأولين والأخرين!

قهقه غسان عاليا، ومن ثم لحظات، ونظر له بهدوء، بعدما إنتهى من ضحكاته ثم أشار على عينيه الاثنان وهو يقول: "فـ عيني الإتنين يا بدر. نيروز غاليه على قلبي أوي ومحدش عرف يوصل للمكان اللي هي فيه دلوقتي، إطمن يا أبو يامن! إبتسم له بدر بهدوء، حتى سمع الإثنان صوت دقات الباب. نهض غسان قبل أن ينهض بدر ثم سار ناحية باب الشقة يفتحه بعدما جاء من الداخل نيروز وورده. فتح غسان الباب، فوجد عايدة تقف من أمامه ثم تخطته تسأل نيروز بلهفة:

"مشوفتيش جميله يا نيروز؟ مكلمتكيش؟ نظرت لها نيروز بمفاجأة ثم هزت رأسها نفيا، وقد دب بها الخوف من نبرتها، فرددت تجيبها بريبه: "لا.. أنا أخر مره شوفتها أنا وغسان لما كانت نازله وقالتلي إنها راحه مشوار وهتيجي بسرعه مش هتتأخر! ترقبت ملامح الكل برهبه، فوضعت عايدة يديها على رأسها بخوف، ثم رددت بحسرة ودموعها على وشك الهبوط: "هتكون راحت فين بس ياربي!

قالتلي بردو إنها هتنزل بس بقالها كتير. إتأخرت وتليفونها مقفول. دا حتى حازم ميعرفش إنها نزلت أصلا! تبدلت ملامح نيروز للخوف، في حين هتف غسان سريعا: "متعرفيش هي راحت لمين؟ أو ملهاش أرقام تانيه؟ هزت عايدة رأسها نفيا، فأشار لها بدر قائلا، قبل أن تتحدث ورده: "طب أدخلي أقعدي طيب على ما نشوف الحوار ده. يمكن تليفونها فصل شحن أو حاجه. أصبري بس! وقفت عايدة بمكانها، في حين تحرك غسان بجانب نيروز ثم قال لها بهدوء:

"إهدي كده يا نيروز، وهاتيلي رقم جميله ده كده، أو عنوان بيت صحاب ليها تعرفيهم! وقبل أن تتحدث نيروز بالموافقة وجد الجميع من يخرج من المصعد بلهفه حتى كاد أن يتوجه ليدق باب شقة عايدة، فهتف غسان سريعا من الشقة المقابلة: "تعالى يا عز! لم يكن سوى عز الذي توجه سريعا بلهفه يدخل شقة سميه أمام الأنظار المستغربة، والذي حل محل وجوههم الصدمة حينما قال بنبره مندفعه: "جميله مبتردش ليه؟ وفين فرح؟ هي هنا عندكم؟ لاحسن مش لاقيها!

فتحت عايدة وورده عينيها بذهول، في حين وقفت نيروز، تائهه والخوف رفيقها علي رفيقة دربها، أما غسان فوقف بتشتت وحيره من ذلك الأمر حتى أجاب هو عليه قائلا بنبره تائهه: "أختك مش هنا يا عز، وحتي كمان.. جميله بقالها شويه مختفيه وكنا لسه بنحاول ندور عليها! وقف عز بصدمه وإلى الٱن لا يعي معني هذه الكلمات بالتحديد، أما بدر فسحب عز ليدخل به إلى الداخل كي يجلس ليفهم الجميع ما الذي يحدث! في حين وقفت نيروز تنظر إلى وجه

غسان ثم رددت بنبره مختنقه: "أنا مش مطمنه يا غسان. أنا خايفه! الخوف! أكان بمحله أم لم يكن بمحله؟ ربت على كتفيها بإطمئنان، وقد وقف شاردا، لا يتفوه بأي حديث، وحتى ردود الفعل فالبحث عنهما بالفعل بطيئه الٱن. إبتلعت ورده ريقها بخوف، كما فعلت نيروز، والذي صور لها عقلها بأنهما قد إختطفا بالفعل أم ماذا؟ كلما يصبح الوضع جيدا، يزاد سوءا عن السوء الذي قبله. و ماذا حدث الٱن؟ تغيب رفيقة الدرب وصديقتها؟

"ثمة قرار معين قادر على قلب الأحوال، قادر على جلب الوجع أضعاف حتى يصبح الوضع بالنهاية بعنوان الوجع!

إجتمع الجميع بشقة سميه حتى عائلة حامد هو الأخر ومن ثم حازم الذي خرج سريعا من غرفته ما أن علم من حديث نيروز لـ ياسمين هاتفيا. تأزم الوضع أكثر حتى أن شقة زينات هي الأخرى فتحت وبالفعل موجود بينهم الأن سليم الذي رسم على ملامح وجهه التهجم ببراعه. إلتفت الجميع بالصاله بتشتت، وقبل إتخاذ أي قرار بالبحث عنهما، وقف حازم الذي إستوعب الأمر جيدا، ثم نظر ناحية والدته يوبخها بقوله الجامد: "ازاي تنزل كده من غير ما تقوليلي؟

وكنتي عايزاها تتأخر لحد دلوقتي وكمان معرفش! نظرت نحوه عايده الباكيه بعجز، في حين وقفت زينات تنظر بصمت، تنتظر نهاية هذا الوضع. وبركن ٱخر قريب أمسك غسان كف نيروز المرتجف بين يديه يتلمسه باحتوائه. في حين وقف سليم وكأنه ينتهز هذه الفرصه الٱن، حتى خرج توبيخه لمن تجلس أمامه ودموعها التي تجيب على كل الحديث. هتف بنبره حاده أشبه بالصراخ المرتفع: "عرفتي يا هانم إنك متصلحيش تكوني أم أصلا!

يعني إيه تسيبي بنتك تنزل من غير ما تعرفي راحه فين؟ ولا عشان سيبتها ليكم على الٱخر فـ بقا كل واحد يتصرف زي ما هو عايز! وكأن الوضع ينقصه هو الٱخر، ضغط بسام على فكه بسبب إسلوبه الذي لم يروق له. في حين إندفع حازم نحوه وقبل أن يوبخه أمام الأنظار هتفت عايده بصراخ، وهي تقف من قبل ولدها وكأن فاض بها الكيل: "إســــكــت! إســـكـت بقا حــرام عليـــك! أنـــا معتش مستــحمله كـــلامك ده! ســيبت إيه لينا نعمله؟

بنتـك اللي كنت بطبطب على قلبـها بدالك، وأنفذلها الصح والكويس ليها، اللي كنت بقوم معاها بالدورين رغم إنهم كانوا صعبين أوي عليا." "انت قاسي أوي، حتى فغياب بناتك جاي ترمي اللوم علي غيرك!!!! قالتها بنبرتها الباكيه، فوقفت بجانبها "ياسمين" التي احتضنتها بتأثر من حزنها. وقف "عز" بملامح وجهه المتهجمه ثم قال قبل أن يردف أحدهم أي حديث:

"الوقتي مفيش قدامنا غير إننا ننزل ندور عليهم فأي مكان ممكن يكونوا فيه، مستشفيات أو إقسام أو غيره.." إلى هذه النقطة وتعالى صراخ "عايده" بالبكاء. في حين جلست "نيروز" بضعف بعد أن أجلسها "غسان" بجانب "سميه" الباكيه هي الأخرى و"ورده". هز "غسان" رأسه بتأييد ثم قال بنبرته الهادئه:

"صح يا عز، المفروض نبدأ نعمل كده فعلا. يعني مثلا أنا وحازم نروح مكان وإنت وبسام مكان تاني، وبابا وبدر هينزلوا هما كمان يدوروا. كده ننجز ونلحق ندور بسرعه فوقت قليل وإن شاء الله خير!! أيده "بدر" و"بسام". فتنفس "عز" بعمق يخفي إهتزازه كما كانت حالة "حازم" الذي هتف لهم بأمر وملامح وجه متهجمه: "يــلا!! قاطع سيره "سليم" الذي وقف ثم ردد بمنتهي الدنائه:

"لو لقيت أختك وكانت عامله حاجه كده ولا كده مترجعاش هنا لإما هموتها زي ما ناوي أعمل فالتانيه!! فتحت الأعين بصدمه كبيره وأكثر من إنفعل كان "غسان" و"حازم" الذي قطع حديثه انفعال "غسان" المعهود وهو يصرخ به بقوله المرتفع: "بـــتعـــيـب في بنتــك ومحدش عارف حـــالها إيـــه دلوقتــي يا خَرفَان إنت!!!! قالها "غسان" وهو يشير بيديه بإنفعال ثم بصق عليه من فمه أمام وجهه بإشمئزاز. فهتف "حازم" بتقزز هو الٱخر رغم ألمه:

"إنــت ايه يا أخي؟ إنت ازاي أب إنت!!!! يتأزم الوضع أكثر، ومن يوجد لديه شئ يردفه دون تفكير. حتى "عز" الذي تحلى بالسكون رغم البركان الذي يوجد بداخله. توجه عده خطوات ثم وقف أمام "سليم" حتى نبس بنبرة شديدة الهدوء:

"أنا زي ما جميله ضايعه أختي كمان ضايعه مني. بس إنت متستحقش تبقى أبو جميله. وبقولك إن جميله أشرف من الشرف عشان لو هي مش كده مكنتش دخلت بيتكم ده وناسبتكم. الواحد يقرف يناسب واحد زيك بس بنتك كفيله تغير النظره دي عنك وتخلي الواحد يكافح حتي لو بالشخصيه اللي زي شخصيتك دي. أقسم بربي اللي ما بحلف بيه كذب جميله دي خساره فيك وحتى فيا. وهلاقيها وبعد ما ألاقيها هتجوزها غصب عن عينك. عشان هي تستاهل تكون مع حد يقدرها مش حد لمؤاخذه مقرف زيك كده!!!

حديث غير معهود من "عز الرجال". صمت "حازم" الذي كان هو الوحيد أن يحق له بأن يزرف الدموع أضعاف مضعفه عن والدته. هذا الجبل الذي تحمل أثقال وأعباء. عجزه الٱن بين أمور كثيره لا يوسف! تشنجت ملامح "سليم" من أسلوبه وحديثه. حتى أنه رفع يديه يمسكه من تلابيه وهو يتوعد له بقوله المنفعل: "إنت بتكلمني ازاي كده وإنت فـ بيتي يا مجنون إنت. ده أنا أوديك ورا الشمس. إنت فاهم ولا لأا!!!

وقبل أن يرد عنه أي شخص أشار لهم "عز" بالسكون. ولكن هناك من خرجت شراستها سريعا وهي تعنفه بصراخها: "مش بيــتك. ده مش بيــتك إطلع برا بقا. بـــرا" قالت "نيروز" ٱخر حديثها بصراخ. فأمسك "عز" يدي "سليم", ليهبطها من عليه وهو يضغط عليها بقوه. ثم توجه يهمس بجانب أذنه وهو يهتف بحديث جرئ لم يسمعه سواهما: "عارف لو كنت مديت إيدك دي عليا فمكان تاني كان هيحصلك إيه؟ كاد أن يسحب "سليم" يديه فتمسك بها "عز" بعناد. ثم

هتف بنبره هامسه مره أخرى: "كان هيحصلك زي اللي هيحصل دلوقتي وأكتر. بس كفايه عليك ده!! وما أن قالها دفعه "عز" بكلتا يديه للخلف حتى إصطدم ظهر "سليم" في الحائط من خلفه. سمع الجميع صوت تأويه المؤلم. ورأي الكل ملامح وجه "عز" المتشنجه بقوه. حتى وهو يلتفت ثم قال بإختصار لـ "حازم" الذي أغمض عينيه بتشدد من التعب: "لمؤاخذه يا حازم!!

قالها "عز" ثم صمت ينظر على ملامحهم المترقبه. لم يكن بها الخوف علي الأخر بل كان بعضها من الإستنكار والشماته وغيرها. تنفس "غسان" بعمق. ثم توجه يقف نحو "سليم" وهو يشير له بقوله الٱمر: "هى مش قالتلك تطلع برا. يبقي تطلع برا وتسمع الكلام!! "ليه؟ عاوز الكل يسمع كلام مراتك زي ما بتعمل إنت يا دلدول ياللي ماشي تلم حواليها فكل مكان وتضرب الكل عشان قذارتها وقرفها!!!!

لم يخرج الحديث سوى من فم "زينات". نظر الجميع برهبه. ومن المفترض بأن ينفعل "حدة الشباب" بينما رسم على ملامح وجهه الهدوء المميت ثم أجابها أجابة بمقتل: "أنا عاوز بس الكل يبص يشوف مين بيتكلم. الناقصه أم الناقص مرات الخروف اللي بيمشي ورا كلامها خروفها؟ ولا بردو اللي مكتوبة فالبطاقه أنثى وهي بعيده كل البعد عن كلمة أنثى. إتجوزك إزاي الخروف ده؟ معمي فـ قُرونه ولا إيه؟

حديث وقح وبشده قاله "غسان". حدجه "حامد" بتحذير من إردافه لمثل ذلك الحديث. فلم يهتم و توجه "غسان" يتقدم ليقف أمامها ثم وجه نظراته من أعلاها لأسفلها تزامنا مع قوله المتسلي لها: "عاذرك يا أم الناقص. أصل اللي متعرفيهوش إن إبنك محجوز فمسشفي بسببي وبين الحيا والموت دلوقتي!!! توقف عن الحديث عندما وجد ملامح وجهها تتحول إلى الصدمه الممزوجة بالخوف. فواصل مجددا يضغطها:

"يلا كفـايه عليكي كده. وإبقي فكري كده فالكلام قبل ما تقوليه. وبالذات ليا أصل عندي ليكي أنا بالذات كلام محدش هيعرف يقوله. بس أنا أصلي متربتش فبقوله عادي. طريقك أخضر يا أم الناقص يلا"

قال "غسان" ٱخر حديثه بإستفزاز وهو يدفعها لتخرج من باب الشقه من بين صدمتها. تفاجئ هو بتوجه "سليم" المنفعل نحوه ليلكمه بوجهه. لم يسعفه الوقت أن يتحكم بضربته. ولكن هناك من أمسك يد "سليم" قبل أن يفعلها وللمفاجأه كانت يد "بسام" الذي كانت ملامحه توحي بالغضب. نظر له بشرر. ثم قال بتحذير: "لو كانت جت فأخويا كنت هعرفك أنا بقا ازاي تتخطى حدودك مع ولاد حامد البدري يا حضرة المحامي!! نفض "بسام" يديه بتقزز ثم قال

مجددا له وهو يحدجه بحده: "الواحد الحقيقة إستحملك وسكت كتير أوي. ومش عشان بسكت يبقي مبعرفش اخد حق. إطلع برا بالذوق لو سمحت كده عشان لو مش بالذوق فـ في عافيه كتير أوي. في بدر وفي غسان وفي عز وفي حازم. لكن الحقيقه كل دول معلش ميعنوش ليا حاجه لو أنا وقفتلك أنا وخرجتك بطريقتي اللي متعرفهاش لحد دلوقتي!!!

تهديد. ومن من. "بسام" الذي فاض به هو الٱخر منه. تفاجئ "عز" و"حازم" والنساء من رد فعله. أما عائلته وشقيقه وابن عمه يعلمان جيدا تمام العلم بأن صمته لم يخرج إلا بوقت معين. لطالما إنفعل علي شقيقه قبل ذلك وهزمه بالضرب وقلب الحال للسوء وبشده. وجد "سليم". التهديد بنظرة عينيه وملامحه بل ونظر للإثنان معا. فوجد أحدهما يبتسم بإستفزاز. والٱخر تتشنج ملامحه بالإنفعال. حدجتهم "زينات" بتقزز وحقد فاق كل الحدود وحتي النظرات. خرج ينسحب

هو وزوجته أمام أنظارهم. في حين وقف "بدر" يربت على كتف "حازم" بمواساه. نظر "عز" نحو التوأمان نظره فهمها الإثنان. فبادله "غسان" غمزه جاده و "بسام" الذي ابتسم له بهدوء فقط وقد رد له الإثنان ملاحظه بطريقه غير مباشره حيث وضح لـ "عز" بأنهما مثل أشقائه. حيث كون "حازم" ابن الٱخر!!

توجه "غسان" يشير لهم بقوله السريع: "يلا خلينا نبدأ فاللي قولنا عليه!!! إعتدل "حامد" بوقفته بجانب "بدر" في حين توجهت "نيروز" تقف أمام "غسان" قبل أن يرحل. في حين إحتضنت "ياسمين" "حازم" على فجأه وكأنها تعطيه الطاقه للصمود مجددا. بعد أن رأت الضعف به. لا تعلم هي ماذا ينتظرها خاصة. نظرت "نيروز" بضعف، وقد تشبثت بيديها ووضعتهما في كفه ثم قالت بنبرة مترجية:

"لو سمحت رجعها يا غسان، رجعلي جميلة ولاقيها عشان خاطري، إنت مش عارف هي بالنسبالي إيه!! الآن ستهبط دموعها بعد أن تيقن الجميع بالتأخير بالفعل. ابتلع "غسان" ريقه بصعوبة وقد فهم جيدًا إلى مدى تصل علاقتهما. رفع يديه يقرب من رأسها ناحية صدره ثم ضمها باحتواء وهو يهتف بنبرة هادئة مطمئنة: "أوعدك يا نيروز إني هعمل كل اللي هقدر عليه أنا وهما، وإن شاء الله هنلاقيها وهتبقى كويسة، إطمني!!

أشار لشقيقته بأن تتجه نحوه وما أن قال هذه الكلمات، ثم انحنى يهمس بجوار أذنها بعدة كلمات. إلى أن أمسكت "وسام" "نيروز" بالفعل لتجلسها برفق ناحية "سمية" و"دلال". نظر "عز" بتيه وقد خرج من الشقة قبلهم، ومن ثم خرج من بعده بقية الشباب من "غسان" و"حازم" و"بدر" و"بسام" وحتى "حامد". وقبل أن يتحرك الجميع بالفعل، وقف "غسان" سريعًا، ثم أشار لهم بالوقوف وهو يردد متذكرًا ما فعله "سليم":

"..مينفعش ننزل كلنا كده من غير ما يكون راجل موجود فالبيت معاهم!! وقف الجميع، والأعين تلتفت حول من الممكن بأن يكون هو الذي سيظل. لا يعلم أحدهم بالفعل الخطوة التالية. عندما قطع شرودهم صوت دقات الهاتف العالية ولم يكن الهاتف سوى هاتف "عز" الذي أخرجه بغير اهتمام ينظر فوجده رقم مجهول لم يعطه اهتمام، ولكنه دق مرة أخرى. نظر له "غسان" بضيق، ثم أشار له بغير اكتراث: "رد، خلينا نخلص!! "رقم معرفهوش!!

قالها "عز" بهدوء، فأومأ له الجميع. ولكن عاد "غسان" برأسه باندفاع، ثم قال بنبرة سريعة يشير له بيديه بلهفة: "طب رد كده، ليكون ليه علاقة بجميلة وفرح،.. بسرعة قبل ما يقفل!!

التوقع كان بمحله من حدة الشباب. حيث التأكيد على ذلك يحتمل على الرد على المكالمة. وبطبيعة "عز" بأنه لديه سرعة بديهة عن حدة الشباب ولكن بموضع مثل موضعه الآن تائه عاجز عقله ليس به جعله لا يركز بأمر كهذا. هز له "بسام" رأسه يؤيد ما قاله شقيقه، وقد وقف البقية ينتظرون. في حين فتح "عز" الخط بالفعل بعد أن فتح "مكبر الصوت" وياليته ما فعلها. فحينما سمع صوته هو بالتحديد الذي يعرفه جيدًا، فتح عينيه على وسعها وقد زاد الشر بنظراته كما كان الخوف من الآتي.

قبل قليل.. جلست "فرح" بوهن على الأرض وبكاؤها يتحدث عن كل ما تشعر هي به. كل ما تفعله هي بأنها تقوم بهز "جميلة" التي لم تستفق إلى الآن. وحتى صراخ "فريدة" من خلف الباب اختفى بل ظلت ساكنة هادئة حبيسة الوجع مرة أخرى. وجدت "فرح" ساعة الحائط أمامها التي تنظر لها بين الحين والآخر لطالما تدرس الطب وتعلم تمام العلم بأن لحظة إفاقة "جميلة" قد اقتربت وبشدة. وضعت يديها على عينيها بألم، وقد تحركت أنامل "جميلة" بطريقة ملحوظة وبشدة.

هزت "فرح" رأسها بهستيرية تنفي ما تفكر به ولم تخرج سوى كل الكلمات التي توحي بالنفي. فعاد الصراخ من خلف باب غرفة "فريدة" يعلو بالمكان. رهبة.. خوف.. ضياع.. عقبة صادمة خطرة. كل ذلك كفيل للشرح حتى بحالها ذلك. فتحت "جميلة" عينيها بالتدريج، وقد تحركت من مكانها وهي تمسك رأسها بين يديها حتى انتفضت على مرة واحدة عندما تذكرت آخر ما حدث بل وزاد الخوف أضعاف بنظراتها عندما وجدت حالة "فرح". اعتدلت سريعًا وهي تنظر حولها بريبة حتى

توجهت بذراعيها تمسك "فرح" بعنف، وهي تسألها بنبرة

مهزوزة مرتفعة رغم تشوشها: "إحــنـا فيـــن.. إحنا فين يا فرح؟! تذكرت من جاء من خلفها وخدّرها ولم تعي شيئًا بعد ذلك. توقفت "جميلة" ببطء أثر دوران رأسها ثم هتفت بتوبيخ مع نبرتها المختنقة: "إنتِ عمــلتي إيــــه.. ردي عليا!!! تنفي وفقط بهزة رأسها وهي تضع كلتا يديها على أذنها. اخترق مسامعها صوت صراخ من خلف الباب، حتى هزت "جميلة" رأسها بتأييد لذلك الصوت. شقيقتها.. هتفت من بين دمعتها القاسية التي هبطت بجهل من كل ذلك:

"فـ..فـريده!! توجهت سريعًا بخطواتها كمحاولة لفتح باب الغرفة ولكن بدون فائدة. سمعت صوت "فريدة" من الداخل الذي يوحي بالعون. أما هي فـ في هذه اللحظة لم تجد سوى الدموع الغزيرة التي هبطت وهي تسألها بضعف، وظهر الاشتياق لها رغما عنها بها: "فــريده.. إنتِ فريده صح؟ ردي عليا يا فريده!!

كلمات تترجى بها بأن تكون هي ولا تكون هي بنفس ذات الوقت. ورغم جهلها بالذي يحدث إلى أن صوت بكاء شقيقها اخترق مسامعها بقوة. لم تسمع هي سوى صوتها حقًا وهي تهتف باختناق تؤكد لها من الداخل بضعف: "جمـيله!!!

دفعت "جميلة" الباب بكلتا ساقيها بقوة حتّى أنها فشلت في فتحه بيديها فقد كان مغلقًا. وقفت بغير علم وضياع حقيقي لكل ذلك. والأخرى تبكي وتضع يديها على رأسها وأذنها فقط. انتفضت ورجعت خطوة إلى الخلف عندما وجدته يخرج من باب الغرفة حتى أغلقها خلفه. ابتلعت ريقها وقد فتحت عينيها على وسعها بصدمة منه. "شريف"!! بالفعل تعلم ما يكنه تجاه "عز" بعدما علمت في الفترة الأخيرة. ولكن لما.. لما يفعل ذلك؟ ابتسم "شريف" بشر، ثم توجه

يقف أمامها حتى قال بترحيب: "أهلاً بخطيبة الغالي.. أكيد إنتِ عارفاني!! وكيف لم تعلمه وهو من جاء مع شقيقه يوم خطبتهما؟ ابتلعت ريقها بخوف، ثم نظرت له حتى ردت أخيرًا بإهتزاز: "إنت عاوز إيه؟ واختي جوه عندك هنا بتعمل إيه! أسئلة كثيرة لم تجد لها جوابًا. حرك "شريف" عينيه عليها من أعلاها لأسفلها ثم ثبت نظراته نحو عينيها وهو يغمز لها بوقاحة مرددًا:

"حلوه يا جميلة، جميلة فعلاً. الغربيه إن بنات الراجل القذر ده حلوين أوي وكأن ربنا واخد منه حاجات كتير وعطاله بدالها جمالكم. بس أقولك.." توقف عن الحديث عندما وجدها تنظر برهبة من حديثه الوقح فأكمل يتحدث بنفس الوقاحة: "أختك أحلى منك، أو إنتوا الاتنين زي بعض بس الفرق إنك مدارية جمالك ومش مرخصه من نفسك زيها. عشان كده جبتها هنا فثانية تحت رجلي، زي ما هتبقي إنتي!!! ابتلعت ريقها وقد حثت نفسها على التحلي بالجرأة. حتى تقدمت

تصرخ بوجهه بنبرة مرتفعة: "خــــرجنــي وخــــرج اختي من هنا!!! أشار نحو عينيه بالطاعة الزائفة ثم أخرج مفتاح معين من جيب بنطاله وهو يشير نحو الغرفة بعينيه قائلًا: "هخرجلك أختك، وهخليها تحكيلك بكل وجع إيه اللي حصلها وإيه اللي هيحصلك إنتي كمان، عشان أنا عايزك كده تبقي مقهورة نفس قهرة أختك وأنا بعتدي عليها!!

فتحت عينيها بذهول، وقد رمشت بصدمة وهي تبتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقها. لم تسعفها يديها لضربه أو حتى حديثها للخروج. بل تاهت بين الحقيقة وبين ما يردفه هو لها. اغتصاب.. كل تلك الفترة كانت شقيقها تعاني. تهبط الدموع على وجنتيها بكثرة. حتى أنها لم تعي جيدًا متى فتح لها الباب الغرفة لتخرج "فريدة" بمثل هذا الاندفاع كي ترمي بأحضان شقيقتها بمثل ذلك الوجع ومن ثم الوصول لهذه النقطة المؤلمة. بكاؤهما وشهقاتهما العالية بأحضان

بعضهما. وعن أي وجع يتحدث الوضع. وإحداهما تتألم بسبب ما حدث لها والأخرى تصرخ من الداخل عليها رغم وجود صدمتها إلى الآن. ضمتها "جميلة" بقوة والأخرى تتشبت بها بضعف. ثم خرجت منها كلماتها الممزقة التي مزقت "جميلة" من الداخل إلى أشلاء وهشمت قلبها الهش الضعيف ببضعة كلمات لها

أثر لم ولن يزول بسهولة: "أنا إتدمرت يا جميلة... أتدمرت جامد أوي وإتكسرت... مكنتش استحق ده والله ما استحق حتى لو كنت وحشـه.. أنا تعبت أوي.. أوي والله.. أنا.... لم تقو على أي حديث أكثر. حتى أن شهقات "جميلة" تعلو بألم وهي تضمها إليها باحتواء وكأن أحضانها هي النجاة الآن. دون علمهما بأنهما بالفعل في خطر بل وأمام الخطر نفسه!! ابتسم "شريف" بسخرية على موضعها ثم قال بنبرة ساخرة كما نظراته:

"هتأثر وهعيط كده.. تؤ مينفعش، خليكم لذاذ، ده لسه اللي جاي أحلى... ولا إيه يا فريدة؟! ليس هين الحديث، احتلت نظراتها حتى أنه بصق في وجهه بتقزز وهي تردف له الحديث بحقد: "يلا يا قذر يا زبالة يا بن الـ... تسبه بأبشع الشتائم بعد نفاذ صبرها من دناءته، فتح عينيه بذهول وتعمد عدم الانفعال بل صفق لها ببراعة وهو يهتف بإعجاب: "فخور بيكي أوي، بتعرفي تشتمي وتاخدي حقك أهو حتى لو بالقذارة زيي ولا إيه؟

توقف عن الحديث وهو يوزع أنظاره بين حالة "فرح" الساكنة بالدموع وبين الاثنين وهما يشبهان بعضهما حتى في شراسة أنظارهما، واصل يكمل بتوبيخ زائف: "مش عيب لما البنت تشتم؟ يعني الصراحة دي حاجة مش حلوة، سيبوا القرف ده لأبو علي أخوكم، حتى يعني المفروض إنه بيقولوا عليه راجل، بس الصراحة أنا مش مقنع.." "ولا انت راجل ولا حصلت ربعه يا كلب!!

تحلت "جميلة" بالجرأة هي الأخرى عندما وجدت شقيقتها كذلك رغم ما حدث لها، احتدت نظرات "شريف" فسحبت "فريدة" ذراع "جميلة" لتقف خلفها كحماية لها، ثم هتفت توضح له بتحذير رغم تعبها: "نفسي كده تقرب منها، هقتلك سامعني؟ رسم الخوف على ملامحه ببراعة ثم لف حولهم بذراعه الذي وجد بحامل أثر مطوة "غسان"، ثم قال بتسلية كبرى:

"بصي هعمل معاكي اتفاق، إحنا نحكيلها من الأول خالص لحد دلوقتي وأهو نفك التوتر ونخش فالجد اللي لازم يحصل، أصل للأسف الشديد مش هتخرج من هنا إلا ما كرتها يتحرق زيك بالظبط، طب ده حتى معاكم "فرح" متفرج ومشاهد مستمتع وبياع أول لصاحبة عمرها وخطيبة أخوها وهي اللي جابتها لحد هنا، عايزين التعب ده كله فالتنفيذ والتخطيط يروح هدر؟ والله عيب وحرام!!!

نظرت "جميلة" بصدمة ناحية "فرح" التي وقفت تنفي برأسها إلى أن جاءت بجانب "شريف"، في حين هتفت تلومها بضعف وهي تتساءل بخيبة: "ليــه؟ سؤال ضعيف منكسر منهك حتى أنه متعب، فلولا ما فعلته لم يأتي أي شخص إلى هنا!! ابتلعت "فرح" ريقها وكادت أن تتحدث من بين دموع عينيها، فهتف "شريف" من قبلها يتحدث: "متسأليهاش هي ليه يا دكتورة يا بنت المحامي الواطي العويل، إسألي أبوكي، قوليله ليه؟ ليه خاني وباعني فـ قضية قصاد ٣ اغتصبوا أختي؟

قوليله ليه باع ضميره وبص للفلوس وحبس أختي اللي دخلت السجن وطلع بدالها اللي عملوا فيها كده؟ قوليله ليه تدخل أختي السجن وتكون السبب فخراب حياتها حتى بعد ما خرجت وانتحرت بسبب حاجة بدأت من عند أبوكي؟ قوليله إنه هو السبب هو وأم صاحبتك إنهم يخلوني غريب وحيد، سبب كمان في موت أختي وأمي وإن كل الناس تتخلى عني، قوليله آخر حاجة ليه؟

خليت واحد هيموت وياخد حقه منك عشان يدوقك من نفس الكاس فبناتك. وحصل فـ واحدة، ودمرت حياة ومستقبل واحد، لسه واحدة.. لسه إنتي يا "جميلة" اللي هاخد حقي من أبوكي منك وهوجع أخويا فيكي!!!! حديث لأول مرة تسمعه هي!! "جميلة" التي لم تكن كذلك ما أن سمعت اختصار دناءة والدها، هبطت الدموع منها واحدة تلو الأخرى ثم حركت رأسها ناحية "فريدة" فوجدتها تؤيد حديثه بهزة رأسها المنكسرة، وما أن حدث خرج صوت "فرح" المهزوز له وهي تقف بجانبه:

"سيبنا، سيبينا نمشي يا شريف عشان خاطري! حرك "شريف" رأسه باستهزاء كما كان حديثه الساخر لها: "ملكش خاطر عندي يا فرح! "إنت كذاب، أبويا مستحيل يبيع نفسه وضميره ويعمل كل ده!! جملة قالتها "جميلة" بغير تصديق ما أن استوعبت القليل، حرك رأسه ينفي حديثها ثم قال بأسف زائف: "لا حصل وعمل كده، وعشان كده انتوا الاتنين هنا، تعالي بقا!!

وما أن قالها رفع ذراعه السليم يمسك خصلاتها من خلف الحجاب على فجأة، حاولت "فريدة" دفعه عنها فدفعها هو بساقه تزامناً مع قوله لهما: "تعالي أعرفكم وأعرف أبوكي أنا كنت بحس بـ إيه.. بس قبل ده كله نتصل على "عز" حبيب القلب نعرفه كده إنك تحت إيدي وقادر أعمل فيكي أي حاجة، هبوظله أعصابه بيكي وهتشوفي حالا." ترك خصلاتها فتأوهت هي بألم، وسرعان ما سحبتها "فريدة" لتستكين بين ذراعيها وكأنها هي الكبرى!!

جذب حقيبة "جميلة" من الداخل سريعاً ثم أخرج منها هاتفها ومن ثم هاتفه من جيب بنطاله هو!! ابتلعت ريقها وقد خرجت شهقاتها منها العالية في حين حدقته "فريدة" بإشمئزاز وهي تمسك ذراعي شقيقتها. وجدته يمد يديه لها بالهاتف ثم حدقها بتحذير وهو يقول: "إفتحيـه!! ما أن وجدت على ملامح وجهه الشر، انتشلته منه بأناملها المرتجفة، في حين أحكمت "فريدة" ما تخفيه بكم سترتها المنزلية الطويل جيداً منذ أن خرجت من الغرفة تحسباً لما ينويه هو!!

أشار الآخر للأخرى مجدداً ثم قال بأمر: "رقم عز.. هاتيه!! وضعت له الهاتف على جهة اتصال "عز" حتى حفظ الرقم بالفعل على هاتفه ومن ثم عاد ليغلق الهاتف مرة أخرى، ابتسم بانتصار ثم وزع أنظاره بين الثلاثة وهو يضع الهاتف على أذنه حتى أنه لم يجيب عليه الآخر، زفر بنفاذ صبر زائف ثم قال بحزن زائف من شقيقه: "كده.. ميردش عليا من أول مرة؟

يلا معذور أصله تايه الوقتي يدور على أخته ولا خطيبته، لا ربنا يكون في عونه والله، نجرب تاني من هنخسر حاجة!! ابلعت "جميلة" ريقها بخوف كما كانت "فرح" الواقفة بتيهان من ما فعلته، أما "فريدة" فنظرت له بحدة وهي تحاول الثبات والجرأة ثم سبته مجدداً من عزم إشمئزازها منه: "هقتلك يا قذر يا زبالة، هقتلك وأشرب من دمك!!

أشار لها "شريف" بعينيه بغير اهتمام لحديثها وهو يضع الهاتف على أذنه بإنتظار، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة وفتح الخط من الطرف الآخر بالفعل، فأجاب "شريف" أولاً بنبرته الجامدة واللينة بنفس ذات الوقت: "عز حبيبي، كده متردش يا راجل من أول مرة؟ إيه مش خايف على أختك وخطيبتك؟ إلى هذه اللحظة وماذا بعد، سرقت الأنفاس من الجهتين، جهة الشر.. وجهة حدة الشباب وعز الرجال!!

ابتلعت "فرح" ريقها عندما سمعت صوت الآخر المتلهف ومن ثم الغاضب، أما "جميلة" فهي تحت ذراعي شقيقتها تهبط دموعها بعجز وقهر من كم الصدمات التي أخذتها وستأخذها!!

ووسط انشغاله في الحديث مع الطرف الآخر فكرت "فريدة" بفكرة أخرى غير التي تتحسبها، انسحبت ببطء تقف من خلفه وقد تركت شقيقتها تقف تستمع إلى الحديث ومن ثم مدت يديها باحتراف تأخذ هاتف "جميلة" من الحقيبة ببطء تعلم هي كيف يتم فتحه عندما رأت شقيقتها تفتحه منذ قليل، لعل ما ستفعله سبيل للنجاة من بين مخالب كتلة الشر الذي بدا وكأنه يتلذذ بالحديث المريض ومع تهديده ووعيده للآخر.

"أقسم بالله لو لمست شعرة منهم هموتك.. هموتك يا شريف!!!! قال "عز" حديثه بتشنج أمام أنظار الكل بمعني الكلمة حيث سمعوا صوت انفعال "عز" وحتى ملامح "حازم" المنفعلة تحت صدمة الجميع وبكاء "عايدة" و"نيروز" والنساء بأكملهن، كان التجمع في المصائب كالعادة على السلم لذلك فتحت شقة "زينات" وخرجت منها هي وزوجها مرة أخرى، في حين انتشل "حازم" الهاتف من يد "عز" ثم هتف بتحذير:

"لو جيت جنب أختي هوديك فـ ستين داهية، قول مكانك فين حالا، قـــــول!!! خرج انفعاله وهو يثور على الآخر بالحديث، وقف الجميع بترقب وخوف من القادم، مد "غسان" يديه يمسك هاتف "عز" وهو يسمع "شريف" يتحدث بصوته المستفز:

"لأ براحة كده ليطق ليكم عرق، أنا بكلمك يا متر إنت وعز عشان بس أقوله إني بعرف أخد حقي، وإن أختك هعتدي عليها حالا بعد ما أقفل معاكم المكالمة دي، وإبقي اعرف مكاني كده لو عرفت توصل لي يبقي ليك الكلام، وصحيح سلملي على المتر الكبير، وقوله إنه كده كده السبب خليه يحكيلكم بقا هو عمل إيه معايا زمان عشان أدوس على بناته كده." سلام

صوت إغلاق الخط. أغلق الخط ومن ثم الهاتف. وقف الجميع بصدمة. وقد صرخت عايدة بقهر. وقد أُغمي عليها ما أن سمعت تهديد الآخر. أما حازم، صرخ بـ شريف بانفعال. في حين أن الآخر قد أغلق الخط. صوت البكاء والحركة كان لكثير، حتى أن البعض انشغل بحالة عايدة. في حين وقف عز بخواء يبتلع ريقه. حرك حازم رأسه بعنف تجاه والده حتى هتف بصراخ يسأله: "يعني إيه اللي بيقوله ده؟ علاقتك بيه إيه؟ رد عليا!!

فاق حدود الانفعال، حتى أن هذه المرة أمسكه بدر وبسام قبل أن يمد يديه عليه دون وعي منه. وقف غسان ينظر بتشتت على الأمر الذي تعقد، حتى أنه هز عز بعنف وهو يهتف بنبرة مرتفعة: "أخوك بيعمل كده ليه؟ بيعمل كده ليه الـ... ده فهمني!!!! قالها وكأنه يخرجه من حالة اللاوعي. وقف حامد بصدمة كبيرة. وكان أول من بدأ ليخرجهم من حالتهم تلك هو قول بدر المرتفع وهو يوبخهم: "مش وقته الغباء ده. جميلة وفرح في خطر، فوقوا!!

هبطت دموع حازم بحسرة وعجز. وقد ابتلع ريقه وهو يمسح وجهه بعنف. ثم قال بنبرة شديدة لـ سليم: "لو حصل حاجة لأختي وكنت فعلاً السبب فيها، عمري ما هسامحك!!! وما أن قالها، أخرج الهاتف بلهفة يجرب للمرة الأخيرة أن يهاتف رقم جميلة، كما فعل عز مرة أخرى، ولكن لا رد. فتح حازم عينيه بصدمة من ما رُسِل له. موقعه. شهق بصوت وحنجرة رجالية خشنة. ترقب البعض. وجد نبرته المتلهفة تخرج للجميع باندفاع وهو يقول:

"جميلة بعتتلي اللوكيشن اللي هما فيه. دول... دول قريبين من هنا أوي!! تقدم الشباب بخطوات سريعة ينظرون بالهاتف. فوقف غسان يعتدل سريعاً وهو يشير لهم بسرعة: "طب يلا بسرعة.. بسرعة قبل ما ياخد باله إنها بعتت حاجة!! لم تكن جميلة التي فعلت ذلك إذن، بل فريدة. قالها غسان وهو يتوجه ناحية المصعد. فر خلفه عز بعد أن أشار له غسان. ومن ثم ركض حازم على السلم ومعه بسام. فوقف بدر بلهفة ثم أشار لـ حامد بقوله السريع:

"خليك هنا معاهم يعمي. خليك عشان لو حصل حاجة." وما أن قالها، نزل على السلم بسرعة. وبقى حامد وسليم الذي وقف يشرد بالماضي وما فعله من جديد. وقد ربط الخيوط ببعضها، وبالفعل لن تذهب ابنته الأخرى سوى للدمار. ابتلع ريقه ما أن تذكر كلمات الآخر في الهاتف منذ قليل. حتى أن الأخرى تهزه من يديه وهو شارد. وقف حامد ينظر بحسرة عليه وهو واقف، لم يبدي أي ردة فعل حتى على ابنته. ابتلع ريقه ثم تحدث وقد هزمه تعاطفه مع أولاده:

"لو مكنتش قد خلفه العيال ليه بنتجوز ونخلفهم من الأول؟ وقف سليم ينظر إلى وجه الآخر بصمت فقط. إلى أن واصل حامد مجدداً بنفس الحسرة: "تفتكر ربنا هيسامحك وإنت ظالم عيالك معاك كده؟ ملهمش حق عليك. بنتك وابنك وحتى المتغيبة وحتى الضايع اللي صحته على شعره. مبتفكرش كده إن ممكن تكون تربيتك وصلتهم كلهم للي هم فيه دلوقتي؟ العدل صعب أوي كده. لما تقف قدام ربنا يا سليم وهو بيسألك إنت عملت إيه لعيالك حلو؟

ربيتهم وإديتهم حقوقهم. خلتهم أسوياء. هترد تقول إيه؟

كلمات قاسيه لمن لا يعلم معناها جيداً. وفي هذه اللحظة يقسم الوضع بأن من المحتمل أن ألم حامد يفوق على ألم سليم. ما أن قال هذه الكلمات وهو يواجهه بالجدية الشديدة، رحل وتركه. حتى أنه دخل شقة سمية بعد أن تنحنح يجلي حنجرته بسبب علمه أن من المحتمل أن تكون عايدة بوضع لا يسمح له برؤيتها، حيث أُغمي عليها بين يدي الفتيات ومن ثم سحبوها إلى الداخل في صدمتهم بالخارج. تركته الأخرى. تقدمت زينات بتردد تدخل شقة سمية رغم شعورها

المتناقض، ولكنها دخلت ما أن لمست كلمات حامد عقلها. وقف سليم بتيهه ووضعه يهتف بأنه هو الغريب في هذه اللحظة. بل ولم يأت بعقله شئ بصالح أولاده. بل الآن ومن المحتمل بأنه إن حدث ما في عقله، فسيفتح عليه باب الضياع لنفسه عندما يفتح باب الماضي وما فعله من جديد.

قبل ذلك بدقائق معينة. أغلق شريف الخط وهو يبتسم بشرر. في حين وقفت جميلة ترتجف. ولم تعطي هي بالاً لشقيقتها فريدة التي سحبت الحقيبة تأخذ منها الهاتف وهي ترسل الموقع لجهة اتصال شقيقهما حازم بمنتهى الخفة عندما غاص الآخر بتهديداته. لاحظت فرح فعلتها من خلفه. توجهت فريدة تسحب جميلة بأحضانها كي تهدأ من روعتها ما أن سمعت كمثل هذا التهديد بالفتك بها. كما أن دموع فرح لم تتوقف.

إعتدل شريف بوقفته وهو ينظر نحو أحضانهما لبعضها. هتف يشير بعينيه لـ فريدة وهو يهتف بلهجة آمرة: "إبعدي! تمسكت فريدة بـ جميلة أكثر وقد كتمت الدموع بعينيها ثم هزت رأسها نفياً وهي تخفي خوفها بإصرارها قائلة: "مش هبعد!

وجه شريف نظراته نحوها باستنكار. ثم هز لها رأسه بطريقة ليست هينة حتى توجه يدفعها بعيداً. اصطدمت فريدة بظهرها في باب الغرفة. في حين أمسك شريف بذراعه السليم حجاب جميلة الذي خلعه عنها بمنتهى العنف. والآخرى تصرخ بخوف. والثانية تبكي بصمت وضعف لطالما كانت دائماً بمثل ذلك الضعف. دفع بساقه جسد جميلة حتى تعرقلت وهي تقع أرضاً. حاولت التملص ولكنه كتفها بيديه حيث خلع عنه الحامل فقط رغم التفافه بالشاش وجرحه. صرخت جميلة بعزم ما لديها بقوة حتى كادت أحبالها الصوتية

تتقطع وهي تهتف بصراخ: "إبعد! إبعد عني!! ترجي في الصراخ منها هي. هي التي لم ترى يوم عدل لها ومعها في كل الأيام. معاناة وتسأل الحياة لما المعاناة؟ ولم تفعل لها شئ. يهشم مشهدها وهي تترجاه وتحاول التملص أسفل يديه وساقيه وهو يبرك فوقها بأن تتركه. جلست فرح بوهن وضعف على الأرض وهي تصرخ أخيراً هي الأخرى. هتف شريف بصراخ مريض هو الآخر: "مش هبعد! لازم أدمـرك زي ما دمـرت أختـك! لازم أوجـع أبوكـي! لازم أوجع أخويا!

آخر كلماته بدموع عينيه. لا يعلم هو أكان كتلة شر أم مختل عقلي. هزت جميلة رأسها بالنفي بقوة وهي تنظر عليه يعبث بأزرار قميصه هو ليخلعه. نجح في بث الرعب بها بقوة حتى أنها نفت برأسها وهي تحاول التملص بقولها الضعيف من بين بكاءها: "والله العظيم مليش دعوه. والله ما ليا ذنب!! تقسم. بالوجع. مع الدموع. عن أي ألم يهتف الوضع. رأي دموعها فهبطت دموعه هو الآخر بغزارة وهو يهتف هو الآخر بنفس الوجع قبل أن ينقض عليها:

"ولا أنا ليا ذنب!!!! "أبوكي هو السبب هو السبب! صرخ بآخر جملته بغل، وقد أحكم مسك ذراعها. وما أن رأته يستعد، صرخت بقوة. تجمع أمام باب الشقة عدد قلة من السكان بسبب الصوت، ولكن لا فائدة من عدم فتح الباب. تأوّهت فريدة وهي تمسك ظهرها بألم، وقد هبطت الدموع من عينيها. نهضت وهي تستند بضعف، وقد حركت يديها المرتعشة تأخذ السكين التي حاولت بها أن تفتح الباب من قبل ذلك وفشلت. "ستفعلها... ستطعنه!

توجهت عليه فجأة، ثم رفعت يديها بالسكين الحادة من خلفه، ثم طعنته بها من ظهره من الجانب حتى أتت بجانبه. صرخ شريف بألم، حتى تراخت يديه من على جميلة وساقيه، ومن ثم وقع بجانبها أرضاً بألم، وهو يتأوّه. شهقت فرح بخوف، وقد رأت الدماء تهبط منه بغزارة. وقفت فريدة تستوعب ما فعلته من جرم. ابتلعت ريقها.

في حين حاولت جميلة التحرك لتقف رغم تمزق ردائها الطويل من الأسفل، مما أظهر ساقها المغطى ببنطال ملتصق عليه. جلست القرفصاء بعيداً بأعجوبة وهي تدفن رأسها بضعف بين يديها تبكي بحرقة شديدة. لم تسعفها قدمها على الوقوف. لم تتفاجأ بتقدم فريدة كي تركع لتحضنها، ليصبح البكاء بحرقة وجسد جميلة يرتجف بشدة، والأخرى تربت بيديها بضعف، وهي تربت عليها بانكسار مردفة من بين دموعها الضعيفة: "أنا جنبك.. أنا جنبك وهنطلع من هنا والله!

تقسم فريدة لها كي تهدأ. تقسم بالدموع. وأين المصداقية؟ تفاجأت فريدة بفرح تدفعهما حين حاول شريف قذفهما بالسكين التي وقعت، وهو منحني بمكانه. وقع الاثنان أرضاً. وابتعدت فرح بسرعة. فنهضت فريدة بسرعة فائقة تدفعه بمعدتها بساقها بغل، وهي تبكي. وضع ليس متماشياً مع بعضه تماماً، ولكنها فعلتها، حتى أن الآخر كان يتأوّه بقوة. ورغم قوة بنيانه، إلى أن ضرب غسان له أثر إلى الآن. دفعتها فرح وهي تصرخ بها كي لا يلفظ

أنفاسه الأخيرة أسفل قدمها: "كفايه!!! وجهت فريدة نظراتها الحادة نحوها حتى دفعتها بعيداً عنها كي تسقط أرضاً. وبالفعل سقطت فرح. ومن ثم تحركت الأنظار نحو الباب الذي حاول أحدهم بعون من معه لكسر الباب بقوة. وصلوا أخيراً بالموقع التي أرسلته تلك الغير هينة! نظرت فريدة بلهفة حولها وتعلم تمام العلم أن الباب مغلق. جلست تمد يدها سريعاً بجيب شريف وهي تحاول بأن تتفادى ضرب يديه العشوائي، حتى أخرجت المفتاح أخيراً.

سمعت صوت حازم وصراخه بأن يفتح لهما الباب، كما كان صوت صراخ عز وهو ينادي فرح وجميلة التي جلست القرفصاء ترتجف وقد تمردت خصلات شعرها بعشوائية أثر الحركة. ركضت فريدة بسرعة تقوم بالتجريب لتفتح الباب، حتى وجدت المفتاح الذي يفتحه أخيراً. فتحت الباب. وما أن فتحته، وقف من حولها بصدمة كبيرة. نظر لها حازم بصدمة كبرى وعقله قد شل. في حين ركض الجميع إلى الداخل.

ارتمت فريدة بأحضان حازم بقهر وهي تبكي بقوة. ضمه إليه بحسرة وقد هبطت دمعته وهو يدخل بها إلى الداخل. توجه بسام يتفحص حالة الآخر الذي يتأوّه. في حين هز غسان بيديه بحرص كتف جميلة الباكية يخرجها من حالتها. أشار لحازم بحرج كي يتوجه لشقيقته. فتوجه ناحيتها بسرعة حتى ركع يضمها كما ركعت بجانبه فريدة، فأحتضن الاثنان وهو يتحدث بنبرته المتلهفة: "أنا معاكم.. معاكم.. مش هسيبكم متخافوش!!

قالها بتحشرج. وقد استمر الوضع لدقائق، في حين كانت فرح تحتضن عز وهي تسرد عليه بأنها السبب والعله بكل ذلك. تركها حتى توجه يقف أمام شريف المسطح أرضاً، حتى انحنى غير مهتماً لوضعه وهو يمسك رأسه بين يديه حتى أخذ يلكمه بوجهه بغل فاق الحدود وهو يردد: "ليــه؟ ليــه يا واطي يا زبالة؟ أنا عملتلك إيه؟ عملتلك ايه هااا." وقف غسان ينظر بصمت. في حين نهض حازم يشارك عز في ضربه ولم يفعل سوى القليل، عندما وقف بسام يردد بحزم:

"كفايه كده يجماعه. كفايه هيموت!! فصلهما غسان ولم يساعد عقل كل منهم بأخذ الحق بقوة، يكفي حسرة إلى ذلك، فمشهد الفتيات يكسر! سحب حازم حجاب جميلة الملقي أرضاً. وقبل أن يقترب عز منها أكثر، أوقفه حازم بحزم وهو يقول: "إبعد عنها! ملكش دعوه بيها! توقف عز حتى اعتدل يقف وهو يبتلع الغصة المريرة بحلقه. غض بسام وبدر نظرهما عن فريدة وخصلات شعرها وحتى بنطالها القصير، لم تستر هي سوى كم ذراعيها لتخفي السكين وفقط. تحرك غسان يمسك شريف

من تلابيبه ثم قال بوعيد: "ملكش مكان دلوقتي غير السجن يا و**" وقفت فرح تنظر برهبة كما كانت حالة جميلة وهي تجلس أرضاً ترتجف. فأجاب شريف بنبرة متقطعة من بين تأوّهه: "مش لوحدي.. اللي هخشه. في.. غيري.. هيدخله!!! الوحيد الذي جاء بعقله حديثه عن والده هو حازم. لم تترك فريدة الفضول لهما، بل بدأت بالحديث من بين دموعها الساكنة الضعيفة:

"بابا يا حازم. أبوك هو السبب في كل ده. الحيوان ده اغتصبني بسببه. جيت معاه فالأول بمزاجي. غلطت بس والله. إتدمرت أوي. هو السبب في كل حاجه حصلت. هو اللي قالي أكتب فالورقه إن غسان هو اللي طلب مني أمشي وعشان يبان إنه خطفني. كل ده عشان يوقع حسن وغسان فبعض. ضحك عليا واستغفلني وجابني لحد هنا بمزاجي لحد ما عرفني الحقيقه. لحد ما عرفني ان أبوك ده راجل ظالم ويستحق يتعاقب بأبشع الطرق. بس مش فينا كده والله. مش كده. أنا.. أنا إتكسرت يا حازم!!!!

لا تجمع سوى من الشباب الآن وفقط. حتى بعض السكان رحلوا بعدما دخل الشباب واحتضن كل منهم من لديه! شفقة الآن عليها بعد أن كانت غير مقبولة. لا تستحق بأن يُفعل بها كذلك. أثارت شفقة غسان الذي حاول الثبات مما سمعه. في حين ابتلع بسام ريقه بقهر. أما بدر فحرك رأسه بحسرة على هذه العقبة الشديدة. هبطت دمعة عز القاسية على معاناته مع شقيقه. في حين احتضنها حازم وبكى بين أحضانها بعجز، وهو يتأسف لها: "أنا أسف. أسف يا فريده" لما يتأسف؟

وعن أي سبب يتأسف هو؟ عن الوجع؟ تنحنح غسان وهو يتقدم ناحية جميلة الجالسة بضعف، وهو يترك الوضع المتأثر، ثم قال بهدوء يحثها: "قومي يا جميله. قومي عشان نتحرك من هنا!! مد إليها عز بجانبه يديه كي تستند عليه لتنهض. رفعت أنظارها تطالعها وقد وجدت دموع الإنهاك في عين عز، الذي لو ود أن يقسم لها بأنه رغماً عنه كل ما حدث. تخطاهم حازم يسندها بحزم. في حين أشار لبدر وهو يقول:

"هتاخد القذر ده وتوديه المستشفى لحد بكره عما أبقى أشوف شغلي!! أيده الشباب في الحديث. في حين خرجت فريدة مرتدية ملابسها. فبدأ البعض بالتحرك حتى بدر بالمهمة الذي كلفها له حازم. وقفت فريدة تحاول بخروج نبرتها الضعيفة لهم وهي تقاطع سير كل منهم قائلة بمواجهة:

"لازم تعرفوا الأول كل ده حصل ازاي و من إيه. من أول فرح اللي سمعت كلام أخوها وجابت جميلة لحد هنا.. لحد بابا يا حازم اللي رافع وباع ضميره وظلم أخت شريف ودخلها السجن وهي مغتصبه من تلاته. خرجهم من السجن ودخلها هي لحد ما اتقهرت وخرجت بعد مده وإنتحرت من كلام الناس عليها وبعد كده مامتهم ماتت بحسرتها عليهم. حب يدوق بابا من نفس الكاس. الكاس اللي أنا اتجابت فيه في الرجلين يا حازم...

أبوك وحش أوي أوي.. أنا قرفانه منه مش عاوزه أشوفه.. مش عاوزه أرجع!! علم حازم والبقية إلى مدى تصل دنائة سليم حتى في الماضي. ابتلع حازم ريقه وهو يحاول التحمل، وإلى متى التحمل؟ إلى متى كتم الوجع؟ حتى من عز الذي وقف يستوعب المعاناة الذي علمها الآن لأول مرة بالتفاصيل الذي كان يجهلها. والد من أحبها أحد أسباب رحيل شقيقته؟ وشر شقيقه؟

رغم علم غسان بمدى حقارة شريف في أن يدخله بمتاهات وعراك مع حسن خصمه ومدي حقارة سليم، ولكنه وقف رغماً عنه يخفي صدمته ومفاجأته بكل ذلك. حرك بسام رأسه بأسى. وقد وجه نظراته نحو عز الذي هبطت دموعه على وجنتيه بتعب. وحتى فرح الذي صدم بها بشده كيف تفعل ذلك! حاولت "فرح" التبرير لـ "عز" فأشار لها بيديه بسرعة كي تصمت ثم قال بنبرة ضيقة خذلته أمام الجميع: "إسكتي!!!

هبطت دموعها منها بغزارة مرة أخرى. بدأ "بدر" في إسناد "شريف" الغير واعي بنسبة متوسطة. في حين قال "حازم" بنبرة هادئة عكس ما يحدث داخله: "يلا!!

تحرك وهو يسند تحت ذراعيه "جميلة" و"فريدة" التي لم تحمل معها سوى حقيبة شقيقتها فقط. من الناحية الأخرى كانت تستند عليه. وقف "غسان" ينظر بشفقة نحو "عز" الذي تهبط دموعه بوجع. أما "بسام" فكانت نظراته لـ "فرح" نظرات لوم. رفع "غسان" ذراعه يمسك رأسه "عز" وهو يضمها نحو صدره بعاطفة أخوة لا يعلم من أين أتت. ابتلع ريقه وهو يرفع يديه يربت على ظهره بمواساة فهو الذي تأذى من جميع الأطراف. موت شقيقته في البداية و"شريف" شقيقه من فعل كل ذلك، وحتى المساعدة كانت من "فرح" شقيقته وكل ذلك يفعله بمن أحبها واختارها قلبه "جميلة" تأذت من الكل ومن الجميع ومن الحياة بأكملها. إلى أين الطريق الآن؟

أين الهروب من الوجع؟ "أنا عارف إنك جامد عن كده يا عز. صدقني كل حاجة هتبقى كويسة. "جميلة" ليك صدقني متوجعش نفسك. كل ده غصب عنك!!!! بكى بين ذراعي "غسان" بعجز وسكون تام وكأن قلبه يتهشم من الداخل دون خروج صوت. لطالما تحمل إلى كثير جداً. ربت "غسان" عليه بشفقة وهو يبتلع ريقه. خرج "عز" وهو يحاول الثبات. ثم اعتدل بوقفته فوجد "بسام" يضع يديه على كتفه قائلاً ليحثه:

"إحنا اخواتك يا عز. أنا يمكن مش حاسس بيك بس عارف إنت ممكن تكون موجوع قد إيه!! قالها "بسام" وهو يسحبه برفق لخارج الشقة. تحرك معه "عز" بخواء. في حين وقف "غسان" ينظر على أثرهم وقبل أن يتحرك نظر إلى "فرح" الباكية بقهر. حتى احتدت نظراته ولم يمنع هجومه بأن يخرج حينما هتف بحدة هادئة: "الغالي مبيشتريش حد بيتباع!! بس للأسف عز أخوكي وشاريكي مهما عملتي. أنا معرفكيش ولا تهميني أصلاً. بس أقسم بربي لو إنت كنتي أختي ما كنت راحمك!!

خرج هجومه عليها دون وعي بأنها ليست لها صلة به من الأساس. بل ومن المفترض بأن "بسام" شقيقه كان يشعر ببوادر الإعجاب. ماذا لو علم هو ذلك؟

سيرفض هذه العلاقة قبل أن تبدأ من الأساس. تنهد يخرج أنفاسه وهو يرى دموعها في حين وقف "بسام" مع "عز" على أعتاب باب الشقة. توجهت "فرح" صوب "عز" تقف بجانبه. في حين أمسك "بسام" ذراع شقيقه ليهبطا معاً. كل ثنائي منهما بوادي آخر. فكل منهما سيذهب بالفعل للمواجهة الصعبة. سبق "حازم" مع شقيقاته و"بدر" برحيله لإرسال "شريف" المستشفى كي يضع عليه رقابة في حين سيفعل "حازم" الإجراءات غداً. ضامناً عدم ذهاب "شريف" بحالته هذه ومع توصية من "بدر" هو الآخر. والآن يرحل "غسان" مع "بسام" خلف سيارة "حازم". بسيارة أجرة عادية. كما أن الرحيل للمنزل بمثل ذلك الخواء كان من "عز" المنكسر المنهك و"فرح" المذنبة التي فعلت جرماً ستظل تندم عليه.

-وقفت النساء والفتيات أمام "عايدة" التي فتحت عينيها أخيراً قبل قليل. وضعت يديها على رأسها بحسرة وألم. وقد ابتعدت عن كل ذلك الضغط "نيروز" التي نزلت دموعها بقلة حيلة وخوف. تجمع النساء كان في الداخل. أما "نيروز"، فخرجت بحزن وهي تضع يديها على فمها كي تكتم شهقاتها. وجدته في طريقها. "حامد" النسخة الثانية ممن اختاره قلبها. وقف "حامد" بمكانه وهو يطالعها بصمت متعب في حين بأنها من اتجهت لتحتضنه وقد شعرت به بإحساس أنه والدها حقاً. رفع ذراعيه يضمها بعاطفة أبوه حتى أنه رفع يديه يربت على ذراعيها بمواساة

وهو يحثها بنبرة هادئة: "إهدي.. إهدي يا بنتي!! خرجت شهقاتها وكأنها تبكي من كل ما حدث لها من هذه الحياة. يفيض بها الكيل الآن. التراكمات وأكثر من التراكمات والضغوطات. ولكن هذه رفيقة الدرب كيف لها بأن لا تنهار؟ ضمها "حامد" بتأثر حينما شهقت هي بتمزق وهي تهتف بتعب: "أنا تعبت أوي يا بابا!!

فتح عينيه على وسعها من اللقب التي هاتفته به. والدها. يعلم جيدا بأن ذلك اللقب لم يخرج منها بمثل هذه السهولة. تتخيله والدها باحضانه. ضمها بتأثر وهو يهدهدها حتى خرجت تدريجياً. فرفع كفه يزيل أثار الدموع من على وجهها. ابتلع ريقه وقد شعر بأحدهم يقف من على بعد ينظر على المشهد بصمت. لم تكن سوى "زينات" التي وقفت تنظر بعجز من كل ذلك. لحظة إدراك بأنها لم ترى احتواء كمثل ذلك كي تعطيه لأولادها. فاقد الشئ لايعطيه لدى شخصية مثل

شخصيتها. خرج من الغرفة "ياسمين" بجانب "وسام". توجهت "ياسمين" تضع ذراعها لتربت على كتف "نيروز" وهي تحاول التماسك. في حين خرجت من الغرفة "عايدة" وهي تستند على "دلال" و"ورده" و"سميه" من خلفهما تمسك يد "يامن" بقلة حيلة من بين دموعها الصامتة هي الأخرى. وجدوا هم "سليم" يدخل الشقة دون إذن ثم قال

بكل تبجح يسأل رغم اهتزازه: "رجعوا؟ بأي وجه يسأل كمثل ذلك السؤال. وهو الذي لم يحاول ولم يجاهد بأن يبحث بنفسه. لم يجيبه أحد. بل أول من وقفت أمامه وهي تنظر له بتقزز كانت "ياسمين" التي نبست بإشمئزاز: "إنت بجد راجل ندل وجبان!! تسبه بوقاحة. ومن يفعل ذلك سواها هي. وللحق معها كل الحق. رغم عدم توافق ذلك مع الأدب كونه عمها ولكن صمت الجميع. فتشنجت ملامحه بغضب وهو يهتف بضيق: "إحترمي نفسك يا بت انتي بدل ما أعلمك الأدب!!!

وقبل أن تهتف "ياسمين" بأي شئ. وجدت "نيروز" تنفعل عليه وهي تدفعه بكلتا يديها بقوة ثم صرخت بقولها له وكأنها بوادر انهيار مرة أخرى: "بــــــــرا. إطــلـع بـــــــرا!!!

تفاجئ من دفعها إليه كذلك وحتى حركتها المفرطة في انفعالها القوي. مد "حامد" يديه يربت على كتفها كي تهدأ من روعتها ولكنها بكت بصراخ عجز الكل عن فهمه حتى "سميه" التي وقفت تبكي بحرقة وقد تذكرت تلك الحالة جيدا. حتى "ياسمين" التي وقفت مصدومة من صراخها المفاجئ. خرج من المصعد "حازم" ومن معه من "فريده" و"جميلة" الذي ركض للداخل بسرعة وهو يسندهما أثر الصراخ. وتزامناً مع ذلك وصول "غسان" و"بسام" بسرعة خلفهما حتى أنهما صعدا على

السلم بسرعة فائقة. نظراً لقرب المكان فكان الوصول لم يستغرق كل الوقت الكبير. دخلوا الشقة تحت صدمة وذهول الجميع من رؤيتهم لـ "فريده". ركضت "زينات" تضمها إلى أحضانها. في حين توجهت "جميلة" لطريق الراحة بمفردها. توجهت هي لتستكين بين ذراعي "عايدة" قبل أن تتوجه الأخرى لها. صدمتهم جعلت كل منهم يقف بمكانه بذهول. في حين توجه "غسان" سريعاً وهو يركض لـ يحتضن "نيروز" ليهدأ من صراخها الذي توقف ما أن رأت "جميلة" و"فريده". في حين أن

رعشة جسدها الملحوظة لم تهدأ سوى باحتواء "غسان" بمثل هذه اللهفة

وهو يردد بخوف على مسامعها: "خدي نفسك. خدي نفسك براحة يا نيروز!!! قالها بخوف. وقد تحركت "وسام" هي و"حامد" يفعلان حركات بيديهم ليأتي لها الهواء أمام وجهها. و"غسان" يدلك يديها بين كفه حتى تهدأ تدريجياً. بكت "زينات" على بكاء "فريده" بين أحضانها بحرقة كما كانت "جميلة" مع "عايدة". وقف "حازم" يطالع وجع "سليم" بلوم ظهر بكل تفصيلة. بينما نظر له الآخر بصمت فقط. خرجت نبرة "حازم" القوية وهو يواجهه بكل صراحة:

"ضميرك كان سهل للدرجادي عشان تبيعه؟ مخوفتش من ربنا؟ مخوفتش علي بناتك حتى؟ اللي بقت واحدة منهم مغتصبه دلوقتي!!! فتحت الأعين على وسعها بقوة. في حين تفحصت "عايدة" إبنتها بلهفة كبرى. فخرجت "فريده" بإنكسار وهي تهتف بتعب تصارحهم: "أيوه أنا اللي إغتصبني. أنا اللي إتكسرت بسببه. أنا مش مسامحاك!! واجهته بٱخر حديثها بانكسار. في حين وقف الجميع ينظر بغير علم للذي يحدث. حاول "سليم" التبرير لها وله وقد تعلثم بالحديث وهو يردد:

"أنا.. أنا مش.." أوقفه "حازم" عن حديثه المهزوز عندما أيده قائلاً بإنهاك وقد هبطت دموعه: "أيوه إنت. إنت ظالم وقادر..إنت السبب.." جالك قلب تعمل كده إزاي؟ الفلوس بتعمي للدرجة دي؟ مفكرتش حتى في مستقبلي أنا؟ لو مجاش في دماغك بناتك، وإحنا نستحق منك كده؟ ليه حرام عليك؟ "فهمني يابني إيه اللي حصل؟ أردفت عايدة حديثها بضعف، من بين عينيها الحمراء من كثرة البكاء. اعتدلت فريدة بوقفتها حتى نبست بنبرة مرتفعة

مع انكسارها تهتف بكل وجع: "أنا هحكي، هحكي وهقول، هقول إنه معملش حاجة عدلة في حياته لينا. هقول إنه كل يوم كان بيجي عليا ولما قررت أهرب منه لقيته كسرني برضه حتى وأنا بعيدة. أنا هقولكم! ستبدأ في قص كل ما حدث. ابتلعت ريقها تستعد، في حين وقفت نيروز بعدما خرجت وهدأت بالتدريج. وقفت تستند على ذراع غسان. أما البقية فنظروا بغير فهم كي يفهم الجميع ما حدث بالفعل. في حين بكت زينات على طريقة وبكاء ابنتها

وحتى علمت الحقيقة الموجعة: اغتصاب ابنتها! لا يعلم الجميع ما حدث من بداية ماضي سليم إلى آخر ما حدث الآن سوى غسان وشقيقه، وحازم الواقف بضعف فاق الحدود. حتى وقفت ياسمين تمسك كفه بتأثر دون فهم لحالته. وجميلة التي وقفت بين ذراعي عايدة. ترقبت الأنظار وانتبهت كل الحواس حينما قررت فريدة قص ما فعلته وما فعلته فرح وما فعله والدها في الماضي ليحدث كل ذلك من كتلة الشر شريف! *** وجع! كفاح! ألم!

ثم استمرار في طريق الكفاح رغم الإنهاك! وماذا بعد؟ طريق حياته يمر أمامه ولا يغفل هو عن الألم. يجاهد ويكافح ليحدث له كل ذلك في النهاية. أيستحق هو كل ذلك؟ من شقيقه؟ شقيقته؟ وحتى الحياة؟ لحظة المواجهة بينهما أمام والدتهم الجالسة بغرفتها بعد بكاؤها عجزا لعدم معرفتها للوصول لأي منهما. ولكن الآن علمت كل شيء. ثم... والصمت...

كان بكاء فرح، بشهقاتها، يمزقه هو شخصيا من الداخل. ولكن لا مفر من المواجهة. ابتلع عز ريقه بوجع، وآثار دموعه مازالت على وجهه. سؤال واحد يتكرر بين مواجهة والأخرى وبين طرف والآخر. وسيتكرر الآن على مسامعها: "ليـه؟ ليه يا فرح؟ أثرت معاكي في إيه؟ قوليلي! يواجهها بكل انكسار. أما حنان فكانت تبكي بحسرة. في حين حاولت فرح التحدث، فتحدث عز من قبلها يقول: "والله العظيم ما أستحق ده منك!

أنا اللي عشت وضيعت عمري وشقيت عشانك إنتي عشان تبقي أحسن واحدة. ليه مقولتليش؟ مجتيش تحكيلي ليه زي ما بتحكيلي في كل مرة؟ هو أنا كنت وحش للدرجة دي عشان تعملي فيا كده؟ انكسر منها بما فيه الكفاية. خرجت شهقاتها قبل أن تقول بتحشرج من بين نبرتها الباكية: "خوفت! خوفت يا عز! هددني بصوري إنه هيحطها على مواقع وحشة. هددني وأنا مكنتش أعرف والله العظيم إن ورا الحكاية دي شريف أخوك! توجه عز بإندفاع يمسك معصمها بقوة ثم

قال من بين ضغطه على فكه: "بس! متقوليش أخوك! شدد من مسكة معصمها بكل ما لديه من قوة. في حين كانت تتأوى هي بصوت غير عابئ بمناداة والدته عليه. في حين هاجمها هو مجددا، يواجهها بإنفعال: "خوفتي ليه؟ إتخليت عنك في يوم عشان تخافي؟ وجعتك قبل كده زي ما عملتي إنتي؟ جميلة؟

جميلة يا فرح. اللي عشت أتمنى تكلمني بس عشان أرد عليها. اللي كانت علاقتها بيا لو نجحت كانت هتبقى أمنية ومعجزة ونجحت. بتوجعيني في الوحيدة اللي حبيتها وقلبي اختارها. عاوزة تكسريني بيها. بتوديها لشريف يموتها بالبطيء. مسألتيش نفسك أنا هيحصلي إيه؟!

انتهى عز من كلماته ثم رفع يديه يصفعها على وجهها بقوة حتى ترنحت إلى الخلف وهي تصرخ بتأو. في حين نهضت حنان سريعا، ببطء تسندها. أما هو فوقف بخواء. ولأول مرة يرفع يديه عليها هي. ولكن ماذا فعلت؟ ابتلع ريقه بضعف. ثم قال بنبرة هادئة أتت من عزم بركانه الداخلي: "تستاهلي أوحش من كده يا فرح!

يارب تكوني مبسوطة وإنتي وجعاني كده. وإنتي السبب في كل حاجة حصلت. خليكي فاكرة إنك ضيعتي مني أكتر إنسانة كنت بحس بقيمتي معاها. مش مجرد واحد شغال وطالع عينه عشانك وعشان ترتاحي وفالآخر تعملي فيا كده! نظرت له حنان بلهفة من بين دموعها ثم تحدثت بتعلثم من بين دموع عينيها: "بتقول كده ليه... يبني بس!!! ابتسم عز بألم. ثم حرك رأسه يؤكد ما قاله هو وهو يكمل بنفس الألم:

"بقول اللي حصل واللي هيحصل. بقول إن بنتك أنانية وضعيفة وخسرتني كل حاجة بالنسبالي. خسرتني ووجعتني في جميلة. جميلة اللي أخوها النهاردة قالي ابعد عنها ومليش دعوة بيها بكل المعاني اللي ممكن تخطر على بالي. عرفت إن خلاص أي طريق بينا هيتقطع بسبب اللي حصل. بس حقه! صمت عز عن الحديث وهو يرى الأخرى تضع يديها على وجهها أثر صفعته ووالدتها تسندها والآثنان يبكيان معاً بقهر: "حقه!

والله العظيم حقه حتى يتف في وشي ووش أي حد من طرفي. من الأول خالص مستحقهاش. مستحقش واحدة نضيفة أصيلة. مستحقش واحدة متعلمة علام عالي وأنا الجاهل الغريب اللي تايه في الدنيا دي ومعرفش غير طريق الشقى وبس. طريقي الوحيد عشان أعيشكم عيشة عدلة. مستحقهاش وهي غلبانة عانت من أهلها زي ما أنا عانيت برضه منكم. خدت مني إيه غير القهر والتعب وأنا اللي وعدت بإنها تبقي ملكي معايا. عملت إيه؟

ولا أي حاجة. ملقتش منها غير تقدير. تقدير اللي مشوفتوش منك يا فرح وكأنك بتعاقبيني على كل اللي عملته معاكي!

أنا اللي وحش. وحش أوي عشان حرمت نفسي من كتير أوي عشانكم. كان ذنبي إيه من الأول أطلع ابن من زوجة تانية قبلت تتجوز واحد متجوز وبايع عياله ومراته وبلده كلها. ذنبي إيه يموت وتبقوا إنتوا في حمايتي وأنا لسه مش عارف الدنيا دي حكايتها إيه. نفس حكاية شريف. الفرق إنه لو كان أمه وأخته عايشين كان هيفضل جنبهم ومكنش هيجي يشوف أبوه باعهم عشان خاطر مين. كان هيشقي معاهم وعليهم عشان كان بيحبهم الحب اللي وصله لكل ده الوقتي. بس هو لقى نفسه فاضي ووحيد في الدنيا اللي جت عليه. فراح يقهر يوجع ناس زيه الدنيا برضه جت عليهم. وكأن الدنيا بتقولي انت خلاص جسمك نحس من الوجع وبقيت متعود فـ خد!

خد تعب وخد وجع وخد خذلان من أقرب الناس ليك!! حديث موجع أردفه عليهما رغم بكائهما بصوت مع بكائه الصامت. ابتلع ريقه بوهن. ثم نظر إلى شقيقته وهو يقول: "أسامحك إزاي يا فرح؟ أسامح واحدة زيك إزاي؟ حتى لو مش عشان خطيبة أخوكي. إزاي وهي صاحبتك؟ صاحبة أيامك وحبيبتك اللي مسابتكيش في أصعب أوقاتك." خذلان الأصدقاء! وعن أي خذلان نتحدث نحن!! وكيف لشعور جميلة بأن يوصف!! بكت بقهر وعجز عن التبرير. في حين هتف هو من جديد

لهما الإثنان بنبرة باكية: "ربنا يسامح الدنيا اللي خلتني أقف الوقفة دي وأنا عارف إني مليش ضهر! ربنا يسامحها عشان خلتني أكون السند من غير ما يبقي ليا سند أتسند عليه لما أتكسر! بكاء منه!

رجل بل وعز الرجال يبكي بوجع. تركت حنان الأخرى ثم توجهت بلهفة تحتضنه وتضمه إلى صدرها بألم. والإثنان يبكيان بقهر. والآخرى على بعد بنفس الحالة. لم نجد نحن سوى الراحة في أحضان الأم. وعن أي راحة وهو الذي عاش أب وابن وولد بنفس ذات الوقت. ربتت عليه بضعف وهي تحاول بأن تداوي جروحه التي تقسم هي بأنها لو مرئية لنزفت من الدماء ما يكفي لوضعه! ولم تخرج سوى كلمات معينة توحي بضعفه عندما ردد بوهن:

"الدنيا جت عليا.. جت عليا جامد قوي.. يا أم عز!!! يعلن كل حزن بداخله وهو الذي عاش لم يشكي ولم يبكي. لم تتحمل فرح المشهد الذي حدث بالفعل بسبب ما فعلته بل نهضت ببطء وهي تتحامل ثم خرجت من الغرفة بأكملها. ومازال هو بين أحضان والدته يبكي وياليت الحياة تسمع بكائه الذي لم يأتِ سوى من قسوتها عليه ليس إلا! *** كم من صدمة تليها الأخرى عليهم جميعاً. صدمة أخرى!

بل ولعدد لا نعرفه. وقف الكل ينظر نحو سليم الصامت بصدمة كبرى. في حين ابتلعت زينات وعايدة ريقهما بغير تصديق. هتفت عايدة وهي تحاول الثبات، تهاجمه تواجهه بالحقيقة الموجعة بالنسبة لها هي والآخرى: "إزاي؟ إزاي يجيلك قلب تعمل في بنات الناس كده؟ إزاي ممكن تدخل عليا وعلى ولادك قرش حرام جاي من ظلم وقهر ناس تانية!!! إنت مش عارف إنت عملت إيه حرام عليك .. حسبي الله ونعم الوكيل فيك!! صمتت تواجهه ثم هتفت بوجع مرة

أخرى قبل أن تنهار باكيه: "إعمل حسابك إنك ..هتطلقني !! إحتضنتها "سميه" باحتواء لتهدهدها في حين حركت "زينات" رأسها تطالع "فريده" التي وقفت تبكي بإنهيار عقب ما ان إنتهت من الحديث. بل تبكي وليس بأحضانها بل بأحضان "حازم" هي والٱخرى "جميله" تحت بكاء الفتيات والنساء!!

إبتلعت ريقها وهي تتوجه ثم أمسكته "زينات" من ملابسه خاصة كـم ذراعه حتى خرج صراخها في الحديث بشراسه وهجوم. به من التعب ما يكفي فكسرة ابنتها لم يشعر بها سوى والدتها مهما فعلت!! "إرتاحـــــت ضيــعتـــها ضيــــعت بنــــتــــك يــا ظـــالم" وما أن قالتها تركته وهى تلطم على وجنتيها بحسره ووجع أمام الأنظار المشفقه الحزينه وحتى هبطتت دمعة "سليم" على وجهه بوحده. توجهت "دلال". تفصل يديها عن وجهها كي لاتفعل ما تفعله!!

بينما خرجت "فريده" من بين ذراع شقيقها ثم وقفت تواجههم بعنف ٱتى من تعبها: "بتعيطي الوقتي وإنت كمان نزلت دمعتك أخيراً حسيتوا بيا ولا خايفين الناس تقول عليا كلمه إنتوا محدش فيكوا حبني ولا قدرني ولا فكر فيا طول الوقت زعيق وقرف وتعب كل شويه خناق وإعتراض لحد ما زهقت وطهقت من العيشه معاكم كان مالها "جميله" يا ماما كان مالها ها كان ماله" حازم" ليه ليه كل شويه بتشوهي فصورتهم قدامي ليه بتكرهيني فيهم

وليه بتقارني دايما بيهم يا بابا مش كان ممكن تكون عادل معانا كان ممكن والله تكون كويس فحياتك كلها مكنش ده هيبقي حالنا دلوقتي! أول من توجهت لتحتضنها كانت "ياسمين" التي أخذتها من بين دموعها لتحتضنها. دخلت تبكي بقهر. ثم إعتدلت مره أخرى تواجههم جميعا: "أنا مشوفتش منكم حاجه عدله فحياتي حاجه واحده بس تشفعلي محدش قالي الصح من الغلط وعيت علي الكره اللي كان ليا من بنات عمي وكله بسببكم وعلفكره.."

خرجت من بين ذراعي "ياسمين" ثم إعتدلت توزع نظراتها بينها وبين والدتها حتى خرجت بحديث مر عليه وقت: "هو اللي إنتي شوفتيني معاه يا ياسمين في المطعم لما كنتي مع حازم هو اللي قولتيلي وجيتي هددتيني بانك هتوري صوري للكل وأنا قاعده معاه مورتيهمش ليه ورحمتيني كنتي نجدتيني من العذاب ده والله!!! طالع الجميع"ياسمين" بذهول. خاصة "حازم" الذي نظر لها بغير تصديق حتى سألها بصدمه خرجت منه الكلمات بأعجوبة: "يعني ايه الكلام ده"

تعلثمت "ياسمين" بحديثها وهي تبرر سريعا بنبره صادقه: "حازم أنا فعلاً شوفتها معاه شوفتك يا فريده والله بس متذكرتش شكله اوي يمكن قعدت أشبه عليه بس والله العظيم ما جه فدماغي إنه ممكن يكون هو ده وكمان كنت بهددها بس إن أنا صورتها بس معملتش كده أنا قولت كده عشان مرات عمي تقنعه إن نيروز أختي تنزل تشتغل!!! أحداث ماضيه تعود بقوتها. هذه التي تفعل أشياء متسرعه دون التفكير بعواقبها. تفاجأت به يتوجه وهو يمسك معصمها بقوه شديده

وهو يهتف بإنفعال يهزها: "يعني إيه.. يعني إيه. تشوفيها مع واحد فنفس المكان اللي أكون فيه معاكي ومتتكلميش بتستغفليني" تأوت بشده فكاد أن يدفعها عنه قبل أن تتحدث مره أخرى تبرر له بصدق. فأمسكه "حامد" هذه المره وهو يفصله عنها مرددا بهدوء به من الغضب الدفين: "حتى لو غلطتت ميحقلكش تمسكها وتعاملها بالشكل ده أبوها لسه موجود مماتش يا حازم مراتك تحاسبها بهدوء مع نفسكم مش هنا وأظن إنت فهمت سوء التفاهم وأنا معاك إنها غلطانه

بس متزقهاش كده وهي حامل إنت واعي" توجهت "ورده" سريعا تمسك "ياسمين" لتحتويها وكل ذلك ولم تقوى "نيروز" على الحركه لهم فكان هو بجانبها يحتويها ويدلك لها كفها المرتعش بقوه. إبتلع "حازم" ريقه ثم رفع نظراته نحو "سليم" ثم صرخ به بقوه وهو يشير له: "إمــشـــي إمشــي بقا واطلع بــــرا!!! لما يبكي "سليم" الٱن. خوف. وقف بمكانه ينظر له بصمت فقط وقد فقد كل المحاولات في أن يبرر له. أي تبرير. هز له "حازم" رأسه

بتفهم وتهكم ثم قال بتعب: "ولا خليك أنا اللي همشي همشي وهاخدهم بعيد عن قرفك ونبقي نتقابل في المكان اللي تستاهله عارف ليه عشان أنا هرفع قضيه وهرجع حق فريده بس ساعتها هضمن إن حقها هيرجع لما اللي يمسك القضيه حد عنده ضمير حتي لو أبوه غير وأنا مش هضغط على حد ميتكلمش وميفتحش الماضي عشان لما شريف يتكلم ويفتح فالدفاتر القضيه هتتفتح تاني ولو إتفتحت يا متر انت عارف إن مش هيبقي ليك مكان غيره..غير السجن وبس!!

قال كلماته بقسوه حقيقيه موجعه. أشار لـ "عايده" ثم أمسك كف كل من "فريده " و"جميله " حتى هتف بأمر: "يلا!! عدلت "عايده " من حجاب رأسها بضعف. ثم اعتدلت تتوجه ناحيته في حين تحركت معه "جميله" بخواء. كمثل"فريده" تماماً. أوقفته نبرة "ياسمين" وهي تسأله بضعف من بين دموع عينيها: "استني يا حازم .. رايح فين" "ماشي !! رايح شقتي وهاخدهم معايا عشان ميتسحقوش يقعدوا هنا عندك أسأله تانيه" قالها وهو يلتفت. فتوجهت هي بوهن تقف وهي تشير

على نفسها قائله بكسره: "طب وأنا" حرك "حازم" رأسه بألم. ثم هز رأسه لها نفياً وهو يقول: "لأ لأ يا ياسمينا ملكيش مكان معايا إنتي بغباءك حصل حاجات مكنش ممكن تحصل لو اتصرفتي تصرف تاني إنتي صغرتيني أوي وإستغفلتيني خليكي أنا اللي ماشي وسايبهالك" يتأزم الوضع بين كل طرف والٱخر. نظر الجميع بغير تصديق. في حين تحدثت "سميه" بضعف وهي تهتف: "مراتك حامل يبني حرام عليك هو ده اللي هتصون بنتي"

هنا وتقدمت "نيروز" بشراسه من بين دموعها دفعت "غسان" عنها ثم تقدمت تشير لـ "حازم". ثم رددت بغضب موجع: "إمشي إمشي هي مش متبته فيك سيبها بس لما ترجعلها مش هتستناك سامع"

أشارت له بأن يرحل فحرك رأسه لها بطاعه فقط دون أن يواجهها وقبل أن يرحل ارتمت سريعا تودع باحضانها "جميله" الصامته بحسرتها وكسرتها. تشبتت بها وهي تتأسف بجانب أذنها. حتى إستمر الوضع لدقائق وما أن خرجت نظرت ناحية "فريده" التي نظرت هي لها بأسف عن كل ما فعلته لها. فتحت "نيروز" ذراعيها فدخلت "فريده" تتمسك بها بضعف للحظات. حتى رددت لها بأسف غير محدد: "سامحيني يا نيروز!!!

خرجت "نيروز" دون أن تجيبها. فوجدت "غسان" يسحبها ناحية أحضانه وهو يربت عليها بتعب. وقبل أن يتحرك "حازم". وقفت "زينات" بألم تواجه ابنتها: "متمشيش وتسبيني يا فريده عشان خاطري.. أنا قلبي موجوع علشانك حـسي بيا يا بنتي !!! الٱن تندم على ما فعلته لها. حركت "فريده" رأسها نفياً ثم تمسكت بكف "حازم" وهي تحثه قائله بإختناق: "يلا يا حازم!!!

تخلت وكيف لم تتخلي وهي لم ولن تري سوي القسوه منها. تحرك "حازم" بالفعل خارج الشقه في حين تركته "جميله" وأول الكلمات التي ستردفها ستردفها الٱن له هو لـ "سليم". ابتلعت ريقها وهي تطالعه ثم قست عليه بالحديث وهي تقول: "عمري فـ حياتي ما هسامحك .. من أول ما فكرت تجيبني للدنيا لحد الوقتي ..لحد اللحظه دي!!

وما أن قالتها خرجت لمن بالخارج. أغمض "سليم" عينيه بألم، في حين نظرت له "زينات" بلوم. متعب وقد خرج بكاؤها بصوت. فخرجت من الشقة سريعا، تنفرد بوجعها بنفسها بشقتها. ضم "غسان" الساكن "نيروز" بأحضانه في حين دفع "بسام" "وسام" ليحتويها ما أن رأى دموع عينيها. شهقت "سميه" وهي تتوجه لتحتضن "ياسمين" التي جلست بانكسار على الأريكة بين أحضان "ورده". جذبت "سميه" ذراع "ياسمين" لتنهض ثم ضمتها بحنان وهي تسندها نحو الداخل هي و"ورده". أشار "حامد" لـ "دلال" كي يخرجا ومن ثم بعدهما "بسام" وهو يسحب "وسام" تحت ذراعه، إلى أن أغلق باب الشقة خلفه. ولم يكن سواهما بالصالة. بطلها ومنقذها من الوجع!

ولكن الآن! شهقت بصوت مرتفع. فربت "غسان" عليها وهو يبتلع ريقه ثم قال بنبرة هادئة: "متعمليش في نفسك كده يا نيروز. لو ليا خاطر عندك بلاش الوجع ده! هزت رأسها بتعب. فسحبها هو وهو يمسك كفها نحو غرفتها، الذي فتحها سريعا، ثم سحبها ليجلسها على الفراش. ومن ثم جلس هو بجانبها. نظرت له "نيروز" بضعف، وقد توجهت هذه المرة تدخل بين أحضانه وهي تردد من بين دموعها: "ليه؟ ليه يا غسان بيحصل لينا كل ده؟

أنا تعبت. تعبت أوي. اومال هما يعملوا إيه؟ شدد من ضمه إليها بألم. وقد عجز عن إبداء الحلول والأراء، وحتى المواساة. رفع كفه يمسح دموعها برفق. وقد رفع ذراعه الآخر يزيح حجابها حتى ظهرت خصلاتها البنية. مرر يديه عليها ثم وقف يسحبها لتقف كي يتوجه بها ناحية الشرفة المفتوحة الذي دخل بها كي تستطيع هي استنشاق الهواء. ابتلع ريقه ثم نظر لها يطمئنها وهو يقول: "أنا متأكد إن كل حاجة هتبقى تمام!

رفعت "نيروز" يديها تمسح دموعها ثم طالعته وكأنها تتأكد من صدقه. وقد هزمها سؤالها وهي تتساءل: "إزاي؟ إزاي وفريدة حصل فيها كده؟ محدش يستحق إنه يحس باللي هي حست بيه ولا يتحط في الموقف ده. وإزاي حتى "جميلة" هتقدر تتخطى اللي حصل؟ وحتى ياسمين.. ياسمين اللي حازم كسرها وقالها مش عاوزك متجيش معايا.. اتخلى عنها إزاي وهو بيحبها؟ وكأنها تستوعب الأمر تدريجيا. حرك رأسه نفيا. ثم ابتسم بتكلفه يطمئنها وهو يرفع يديه وجهها حتى قال:

"هتعدي عارفة ليه؟

عشان جميلة وياسمين وحتى فريدة جنبها نيروز. نيروز اللي بيها أي حد بيعدي محنته. مش عايزك تحملي هم. جميلة هتتخطى والدنيا هتبقى كويسة بينها وبين عز حتى لو حازم رافض بس أنا متأكد إنه لما يهدي هيعرف إيه الصح وايه الغلط زي ما هيفوق ويفهم إن ياسمين عمرها ما هتأذيه وبتحبه وحامل منه كمان يعني عمرهم ما هيسيبوا بعض. بس لو صبرتي عليه انتي وهم هتعرفوا إن أي حد في مكانه كان هيعمل أكتر من كده. ده كويس أوي أنه مشى بدل ما الوضع كان يبقى أصعب من كده!!!

متفكريش في حاجة دلوقتي! إنتهى من حديثه عندما رفع كفه يمسح وجهها بالكامل وحتى ناحية أنفها وأسفله. ابتعدت بوجهها سريعا بحرج. فأحكم يديه يدير وجهها ناحيته مرة أخرى ثم نظر لها باستنكار وهو يبتسم بهدوء، قائلا بنبرة جادة يذكرها بقول أحدهم في الماضي: "مش وسام قالتلك إني الوحيد اللي مبقرفش فيهم؟ خرجت ابتسامتها الصغيرة وهي تتنهد حتى نظرت له "نيروز" بقلة حيلة. فتنفس "غسان" بعمق، ثم نبس من جديد: "من زمان معرفتيش الست قالت إيه؟

قالها قاصدا تشتتها كي تبتعد كل البعد عن التفكير في التعب. ابتسمت له بتكلفه فردد هو من جديد: "يا حبيبي امبارح يا حبيب دلوقتي يا حبيبي لبكره.. ولآخر وقتي! طالعته بامتنان لتفهمها لما يفعله جيدا. أمسكت يديه بتأثر، ثم هتفت بنبرة متحشرجة: "انت حتى مبتسبنيش في وقتي الصعب. أنا.. أنا وحشة أوي يا غسان! قالتها وكأنها تندم على ما فعلته ورغم ذلك ماذا فعل معها الآن؟

لم يتركها. ابتلع ريقه ثم نفى برأسه وهو يبتسم حتى انحنى يقبل قمة رأسها بحنو، ثم قال بلين ينفي ما قالته: "انتي مش وحشة. دا ياريت الناس كلها تبقى زيك يا نيروز.. مكانتش وقفت عليكي وروحت اتجوزت غيرك والله العظيم! من المفترض بأنه يتغزل ولكنه يعكر ليس إلا. نظرت له بذهول. فهو يردف الحديث الآن دون وعي منه بماذا يقول تحديدا. حرك "غسان" عينيه باستفهام. فوجدها تحرك عينيها بقلة حيلة منه. وجدته يعتدل وهو يهمس بجانب أذنها بحب،

هذه المرة: "وربنا لو الرحلة مفيهاش نيروز ما عاوزها. متزعليش وكل حاجة هتبقى عال! رفعت عينيها تقابل عينيه التي كانت قريبة منها. وفي هذه اللحظة ابتعد هو عنها بسرعة كي لا يتأثر. اعتدل يقف مرة أخرى. ولكن هذه المرة هي من توجهت برأسها تقبله من خده برقة ثم هتفت قائلة بصدق، جوار أذنه وهي تقف على أطرافها كي تقابله رغم إنها لا تعد قصيرة ولكنه طويل عنها: "بحبك يا غسان.. متسبنيش!

رفع يديه يديرها حول خصرها كي يحتضنها ثم أسند رأسه على كتفها وهو يربت على ظهرها بحنو، حتى أجابها باطمئنان: "ازاي الواحد ممكن يسيب أمانه وراحته يا نيروز. عمري ما هسيبك يا بنت الأكرمي عشان احنا اتكتبنا لبعض من زمان ولما وصالنا اتقطع رجعت أنا ورجعته تاني. عايزاني اقطعه تاني؟ مستحيل! ابتسمت له بحب، وهي تخرج من بين أحضانه. فبادلها البسمة ثم وضع يديه يربت على كفها بلطف، وهو يكمل:

"أنا حاسس إنك اتمسكتي شوية عن الأول. اخرجي وروحي لمامتك وياسمين وخليكي جنبهم كده وحاولي تخلي مامتك متعيطش وطمنيها بالكلام إن كل حاجة هتبقى تمام زي قولتلك. أنا متأكد!! وكمان عشان ياسمين طمنيها وخليكي جنبها ومتخليهاش ترهق نفسها عشان الحمل. وأنا هطلع. هروح شقتنا هنا جنبك لما تحتاجي حاجة رني عليا وهجيلك علطول! علم كيف يجعلها صامدة كي تحتوي عائلتها. هزت رأسها بالإيجاب. ثم هتفت تشكره بتأثر: "شكرا! "ماشي يا مراتي العفو!

قالها "غسان" وهو يلوي شفتيه بتهكم وسخرية. تشكر؟ زوجها؟ ابتسمت له بامتنان. فسحب هو كفها للخارج وقبل أن يخرج من الغرفة وضع عليها حجابها فعدلته هي بتفهم، تزامنا مع قوله: "شكل بدر جه. وغير ده الشعر البني بتاعك ده حوار!

خرجت ضحكتها الخافتة أخيرا. فغمز لها كي تخرج من حالتها هذه. خرج من الغرفة وهي من خلفه. وقبل أن يتوجه ناحية باب الشقة أوقفته هي وهي تمسك كفه كي لا يتحرك قبل أن تحتضنه. ربت على ظهرها براحة ثم قبل وجنتيها مرتان قبل أن يشير إليها بالوداع. خرج من باب الشقة وهو يغلق الباب من خلفه. فكادت أن تتحرك هي ولكنها لاحظت خروج "ورده" من غرفة "سميه". توجهت تسألها سريعا: "ياسمين عاملة إيه دلوقتي يا ورده؟

كانت قد جففت "ورده" دموعها. ابتلعت ريقها وقد أخرجت أنفاسها بتعب، وهي تجيب: "ياسمين بتهرب من الكلام ونامت وماما كمان دخلتها أوضتها عشان تنام. وحتى بدر جه من برا من شوية ودخل لـ "يامن". فـ ادخلي نامي وارتاحي يا نيروز قدامنا بكرة يوم صعب! غدا!! أحداث غدا كثيرة مزدحمة!! حيث نقل جهازها وسط هذه الظروف الصعبة!!

هزت لها "نيروز" رأسها بطاعة وقبل أن تتوجه "ورده" إلى الداخل تفاجأت بـ "نيروز" تفتح لها ذراعيها لتدخل بين أحضانها. دخلت "ورده" بألم، وهي تهتف من بين دموعها: "إمتى هنرتاح يا نيروز؟ أنا خايفة أوي! خوف لأسباب كثيرة أحد في شقة "حازم" بعدما مر كل ذلك الوقت، وصل "بوالدته" و"جميله" و"فريده". دخل الاثنان في إحدى الغرف قبل وقت، في حين جلست "عايده" بحزن في الصالة.

التفت برأسه ينظر إليها وهي تبكي بحسرة. توجه يجلس بجانبها على المقعد الكبير الحديث. ثم رفع ذراعه يحتضن والدته بتأثر، وهو يطمئنها بالحديث قائلاً:

"خلاص يا ماما، معتّش عياط بعد النهارده. أنا عاوزكم ميأثرش فيكم حاجة طالما أنا معاكم. فكري في الأحسن لينا، فكري إن جميلة الحمد لله محصلش فيها حاجة. فكري إزاي هتحتوي "فريده" ونخليها تطلع من الأزمة دي على خير. فكري إن طول عمرك ما أثرتيش معانا في حاجة. زي دلوقتي وأنا بطلب منك تكوني أم لـ "فريده"، مش عايزها تحس بفرق. عايزنا نبقى جنب بعض وأنا أقسم بالله لو حد ليه حق والله ما هسيبه أبداً!

رفعت المنشقة الورقية تمسح أنفها بها ببطء ثم هزت رأسها بسكون وهي تهتف بنبرتها الباكية: "طلقني من أبوك يا حازم، أنا مش عايزة أفضل على ذمته لو بتحبني. ولو على فريده فهي بنتي وربنا اللي يعلم ده من زمان. بس ريح قلبي وخليه يطلقني، أنا مش طايقة أبقى على ذمته! تنهد يخرج أنفاسه والحمل يزداد شيئاً فشئ. وقبل أن يرد لها كي يطمئنها بالطاعة لما تريد هتفت هي بترجي مرة أخرى:

"رجع مراتك يا ابني، ياسمين متستحقش ده مننا أبداً. بلاش تظلمها، كله مقدر ومكتوب. لو كانت عملت إيه عمره ما كان هيغير من اللي إحنا فيه دلوقتي! تعمد عدم الاسترسال في الحديث، حتى نهض يسندها لتقف معه ثم توجه بها نحو غرفة معينة أخرى حتى دخلت بها. أجلسها على الفراش بعدما خلع عنها حجاب رأسها ثم دفعها برفق لتنام. جذب الغطاء ليضعه عليها بحنان. ثم انحنى يقبل قمة رأسها تزامناً مع قوله اللين:

"نامي وارتاحي دلوقتي وبكرة نبقى نشوف هيحصل إيه!

ابتلعت ريقها ولم تتوقف عن نزول الدموع. ابتسمت بضعف وهي ترفع نظراتها تدعو خالقها كي يخفف عنه عندما خرج هو وهو يغلق الغرفة من خلفه. تحرك وهو يقف أمام الغرفة الذي كان بها الإثنان. ابتلع ريقه بضعف، وقد خانته دمعته عندما وصل إلى مسامعه بكاؤهما. دق الغرفة دقة واحدة ثم فتح الباب دون إذن منهما. فكل واحدة تحتضن الأخرى بإنكسار. والآن جاءت لحظة ضعفها هي عندما تبدل الوضع وأصبحت "جميلة" من تحتضن "فريده" التي كانت صامدة تحتويها منذ ما حدث. اتضح من أقوى بطبعه وشخصيته من من رغم وجود الشر والسوء!

حتماً تتطلب هذه الحياة بعض الشراسة كي نكمل بها ولكن ماذا إن كان بها بالفعل وأتت عليها الحياة؟! كمثل حالة الأخيرة!

دخل الغرفة بعد أن أغلقها خلفه بهدوء. ثم توجه يجلس بصمت أمامهما الإثنان. نظر ناحية "فريده" التي اعتدلت تجلس القرفصاء بوهن. رفع عينيه يوزعها بينهما الإثنان. كل منهم يتألم للآخر. رفعت "فريده" عينيها المتورمة من كثرة البكاء تواجه عيني "حازم" الحزينة على حالها. ابتلعت ريقها ولا مفر الآن من الاعتذار والتبرير عن الخطأ التي ارتكبته في البداية. رفع يديه يقاطع حديثها قبل أن يخرج ثم مرر يديه على خصلاتها الناعمة المسترسلة حتى ضم رأسها ناحية صدره وهو يهتف بإختناق،

يسرد بوجع عليهما: "عمري ما كرهتك يا فريده عارفة ده ولا لأ؟

دايماً بشوفك المدللة والصغيرة بتاعت العيلة. حاجة كده شقية صغيرة والكل عارف بشقاوتها. كنت بحمد ربنا إنك مبتقبليش ياسمين عشان لو اتجمعتوا انتوا الإتنين مع بعض في حاجة مش هتنتهي غير بمصيبة. عكس نيروز وجميلة اللي اتعرفوا بالعقل. رغم بعدك يا فريده بس دايماً بحس فيكي إنك بنتي مش أختي. أوقات برمي عليا الذنب. السبب الكبير. عشان مهتمتش أقرب منك أوي رغم إني في أوقات إصراري كان بيغلبني بس انتي كنتي بتصدي أي حركة مني تبين إني

بخاف عليكي وعلى جمالك اللي عشت أنصحك بكل هدوء إنك تخفيه. أنا بتوجع دلوقتي علشانك. تعبان أوي ليكي. حاسس بوجعك حتى معنديش القدرة ألومك على المصيبة اللي عملتيها. بس بقول لو فكرتي تهربي من ضغط أبوكي وأمك وجيتي ليا أنا وقولتيلي أنا عايزة أبعد فترة عايزة أحس إني محبوبة عايزة حد يحتويني. تفتكري كنت هأثر؟!

هأثر يا فريده. رغم إنك مكنتيش بتقبلي ده مني بس والله العظيم كنت هحاول بكل ما أملك من إرادة. الحقيقة الصعبة واللي مش هتتغير إنك دلوقتي بتفكري إنك خلاص!! بس أنا جنبك وجنب جميلة. مش هسيبكم عمري ما هسيبك إلا ما تقفي على رجلك من تاني! شهقات تخرج من بين البكاء وهو يضمها لم تقوى على الحديث سوى أنها أردفت بعبارات متمزقة: "أنا اتدمرت يا حازم.. أنا ضعت واتكسرت!!!

ربت على ظهرها بلهفة ثم حرك يديه يرفع وجهها أمام أنظاره وهو ينفي بقوة قائلاً بنبرة تحثها بالعكس: "لا هيعيش ولا هيكون بعد كده اللي يكسرك وأنا موجود. حقك راجع يا فريده راجع والله العظيم لو هيكلفني موتي!! لوهلة شعرت بالسند بل وخير سند. ابتلعت "جميله" ريقها بصمت، وهي تبتسم بسكون على مشهدهما. ومن ثم تفاجأت به يمد يديه يمسح دموعها وهو يتنهد ثم قال بعد لحظات، يتأسف:

"وأنا آسف يا جميلة. آسف لحاجات كتيرة أوي.. أولهم إني سبتك تصاحبي من غير ما أعرف الصاحب ده كويس ولا مش كويس ليكي. آسف إني قبلت أدخلك في علاقة فيها مشاكل مجهولة مبذلتش حتى جهد أعرف سببها اللي ممكن يوصلنا لكل ده!! آسف عشان "عز" مش نصيبك ومينفعش ليكي!! صدمها فـ حركت رأسها نفياً بوجع، وهي تخرج أنفاسها محاولة الحديث برفض: "عز ملوش ذنب يا حازم. عز مش زيهم والله العظيم صدقني!!

يتألم لألمها ولكنه مرغوم على أمره. فبعد الآن لا يوجد أمان!! ابتسم بتعب، وهو ينفي برأسه موضحاً بنفس ألمها: "مينفعش. مينفعش يا جميلة أنا آسف. عز مش ليكي حتى لو هو مش زيهم. مش هقبل أدخل علينا واحد كل ما أختك تشوفه تفتكر اللي أخوه عمله فيها. مش هدخلك وسط ناس واحد منهم هبقى أنا اللي ساجنه. ومش هخليكي في ذمة واحد أخته باعتك في لحظة وياعالم لما تبقي في بيته هتعملك إيه!!

مش هقبل عند أول خلاف بينكم يعايرك بأبوكي اللي دمر مستقبل أخته في يوم من الأيام!!!! حديث منطقي وبشدة. نظرت "فريده" بتأثر على بكاءها. فرددت "جميله" تردد مرة أخرى لتبرر له بصدق: "بس.. بس أنا بحبه!! "مش كفايه. الحب اللي بينكم مش كفاية ينسيكم كل ده. وحتى لو نسيتم اللي حواليكم هينسوا إزاي؟

أنا مش عايز الموضوع ده يتفتح تاني. نصيبكم مش مع بعض حتى لو إنتي موجوعة من اللي حصل ومش وقته بس هو ده الوقت المناسب اللي عرفنا إن الحكاية دي لازم تتفض!! يضغط على قلبه قبل أن يضغط على قلبها هي!! دفنت رأسها بصدره وهي تبكي فربت عليها بألم، وقد عجزت عن التبرير والصمود. بل ومن تحتاج أن تحتويها تربت عليها هي بتأثر، وهي تبكي لأجلها!! ثلاثة أجساد يحتضنون بعضهم ولكن الروح واحدة كما كان الألم واحد!! وجع!! ألم!! فراق!! تعب!!

إنهاك!! ..كل ذلك على الجميع بوقت قليل جمع بين كل ذلك. بأي ذنب على البريء أن يحدث له كل ذلك؟ وكيف للظالم بأن يستمر بظلمه؟ وما ذنب المظلوم من كل ما حدث؟ وكيف للألم بأن ينتهي مادامت هذه العائلة لم يدوم لها يوماً بالفرحة كاملة؟ وعن أي فرحة ستستمر؟ يمكن بعد الآن بأن تستمر رغم وجود التعب بين أفرادها ولكن كل حكاية وقصة لم تنتهي بعد. ولكل طرف وجع وألم مختلف.. وكل اثنان لم تقف معهما الحياة بمثل هذه السهولة. فكيف لذلك؟

بل أول من تقف في الطريق بين أي طرفان ستكون الحياة وكأنها تقول: "كيف لكما أيها العاشقان بأن تكون أيامكما بمثل هذه البساطة؟ ألا يوجد ألم بين ساعة والأخرى؟ ألا يوجد وجع لتستمر العلاقة وتقوى؟ " وكيف تقوى؟ وكل منهما ينهك ويؤلم بفؤاده ويصاب بعقله!! كُتب على الجميع دون استثناء بهذا اليوم وحتى قبله ومن المحتمل بعده.. شيء بعنوان "الـوجـع"!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...