الفصل 23 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
21
كلمة
11,250
وقت القراءة
57 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

ما أفادتني هدايا أهدت بعد اكتفائك كيف التجمل في مرايا لا أرى فيها سواك أخلقتها حتى ترى من قد خلقت لكى تراك فتشد من أحبال صوتي كلما صوتي دعاك مشروب من الليمون بالنعناع وهي وهو، والشرفتين بجانب بعضهما والهواء المنعش يداعب وجه كلا منهما. وقفت تتنفس بعمق، اليوم موعد زفاف شقيقتها، أجواء متغيرة، شعور مختلف، لا تعلم فرح أم ماذا!

وهو وكوبه وشرفته. وقف أمامها يمد يديه لها بكوب من الليمون بالنعناع البارد الموضوع به مكعبات من الثلج رغم عدم توافق ذلك مع الجو. التفتت برأسها منذ أن كانت تنظر أمامها ثم طالعته بابتسامة صافية وهي تمد يديها لتأخذه منه. بينما ابتسم لها "غسان" بحب ثم قال بهدوء ليسألها بعد أن قالت ما قالته منذ قليل: "يعنى خلاص عرفتيهم إنك مفيش مشكلة عندك من الموضوع ده والأمور مشيت؟

أومأت له "نيروز" بهدوء ثم رفعت أنظارها المترددة له حتى خرجت منها نبرتها التي ظهر بها الرهبة من الداخل: "حتى لو مش مصدقيني بس مفيش مشكلة طالما هقابله وهرفضه وخلاص بالنسبالهم، بس أنا خايفة نوصل للمرحلة دي ومنعرفش نعمل حاجة، عمي مش هيسيب الدنيا تمشي زي ما قال كده! تنهد يخرج أنفاسه ثم حرك أنظاره صوب عينيها فقط ثم نبس بنبرة هادئة يرسل لها من الأمان الذي وجد بنبرته ما يكفي: "متخافيش، ده مش هيحصل أصلاً."

قالها ببساطة شديدة مما جعلها تترقب بخوف ما هو الآتي بعد اليوم. لحظات من الصمت تتابع ملامحها التي لم تكن تشعره بالراحة أبداً. بالنسبة لموعد زفاف شقيقتها واصل هو مجدداً يسألها باهتمام بعد آخر حدث كان أردفه هو: "راحة الكوافير مع ياسمين؟ "آه، كمان شوية صغيرين مستنياها تخلص بس! ابتسم باتساع ثم مد يده حتى يأخذ منها الكوب التي قدمته هي. حتى انتهز الفرصة كالعادة وهو يمسك بيديها متمسكاً بها بشغف. ثم خرجت نبرته منه

المهتمة لعلمه بما تفكر به: "أومال مش فرحانة ليه؟ سحبت "نيروز" يديها منه بارتباك. ثم أخذت أنفاسها تبرر سريعاً: "لأ فرحانة مش هفرح لأختي إزاي يعني؟ نظر لها بتفهم من حالها. حتى خرج صوته الصريح لها مما جعلها تنظر له بتردد وكأنها كشفت من أمامه: "بتكذبي!

قالها بثبات وكأنه يؤكد لها ذلك وبشدة. ترقب إجابتها بصبر وهو ينتظر. بينما تابعت هي تخرج ما بداخلها له رغم سؤال والدتها لها ولم تجب. رفعت أنظارها له ثم تجمعت بعض الدموع الخافتة بعينيها وهي تجيبه بصدق. خرج له وحده من شعور متناقض بداخلها:

"فرحانة بس أنا زعلانة فعلاً. حاسة إني هبقى لوحدي بعد ما هي تمشي. حتى لو هي قريبة مني وبيتها مش بعيد. بس كل مرة كانت هي سبقاني وترد عني. يمكن لولا وجودها ضهري كان حصل حاجات كتير قوي من عمي ومراته وحسن مكنتش أعرف أتصرف زي ما كانت بتعمل هي. أنا مش عاوزاها تمشي. عاوزاها تفضل جنبي. رغم وجود وردة معايا بس وجودها مش ثابت حتى لو ثابت في وردة محتاجة اللي يطمنها دايماً. ولو اتحطت في حاجة من اللي أنا بتحط فيها بسبب عمي ومراته

مش هتتكلم زي ما أنا بتكلم ولو ذرة. كنت ساعات بتضايق من نفسي وأقول إني ضعيفة بسبب إنها بتدافع عني دايماً وشخصيتي ضعيفة. بس الواحد مش بيكتشف الحاجة إلا لما يحس إنها بتبعد عنه قدام عينيه لأن وجودها بيخليني قوية. مش عاوزة أعمل دراما بس أنا مش عارفة أنا حاسة بإيه. غير إن هي الداعم ليا بعد بابا ومحاولتها بأنها تخليني أثق في نفسي وميهزنيش حاجة وإن هي جنبي دايماً. ملقتهاش ولا هلقاها غير...

صمتت تتابع ملامح وجه المهتمة لحديثها. حرك لها رأسه لتتحدث أكثر. بينما ابتسمت هي تواصل رغم توترها بحديثها الصريح له وهي تكمل: "ملقتهاش بعدها غير فيك ومنك يا غسان."

حديثها الذي ظهر له بأن الحياة تفتح له ذراعيها للإشراق. ليس عادياً بتاتاً بأن لا نشعر بالسعادة عندما يحدثك أحدهم بأنك الآن وبت مصدر أمانه واطمئنانه وسكينته. وحديثها في آخره كان صادقاً وبشدة. أظهر مكانته عندها وبصدق تام. ولحظة نطقها لاسمه بحديث منطقي لا يوجد ألطف من هذا. ابتسم بسمة صغيرة ثم تابع يكمل لها حتى يطمئنها كما كانت تنتظر تماماً:

"عارف إن ياسمين طول عمرها كانت الملجأ الآمن ليك. بس بصي كده من ناحية تانية. هتلاقيها مبسوطة أوي عشان هتبقى مع الإنسان اللي كان من اختيارها واختيار قلبها من زمان وهو كمان. طبيعي شعورك ده. بس الأهم من كله بالنسبالك وليا كمان. إنك تبقي قوية لنفسك وبنفسك. وكمان سنة الحياة إن كل واحد بيشوف شريكة حياته. وكل واحدة بتتجوز وتخلف. عشان الأسرة تتكون. والذرية تكمل. وبيني وبينك أنا عايز أعمل ذرية وأطول اسم حامد وأخليه جد. إيه رأيك؟

ضحكت بخجل من أثر تلميحه الأخير. الذي قاله هو بمشاكسة ليخفف عنها وأيضاً ليكشف رأيها بما هو قادم. بينما ابتسم هو لها باتساع ثم حاصرها مجدداً بقوله الهادئ:

"مش هلاقي حد أحسن منك يشاركني الدنيا. حد عارفه بكل تفاصيله اللي فاكرها من سنين ولسه منسيتهاش. حد وجوده مريح للعين والقلب أحن ما يكون عشان الأيام تعدي. سلامة وأمانه في لحظة وجوده يكفيني لكثير أوي قدام. واللي أول أول ما شوفتها من تاني قولت بس هي دي اللي هجيب لها فينو ولبن وزبادي وأنا مروح." ضحكت بخفة. ثم نظرت له بضحكتها البسيطة كما كانت ملامح وجهها ثم رددت تجيبه بنبرة ساخرة: "مبتعرفش تكمل كلامك جد للآخر أبداً!

"أعمل إيه دمي خفيف زي وجودك! قالا ببساطة وهو يهز رأسه بقلة حيلة. نظرت له بشك وهي تضحك. وسرعان ما انتفض الاثنان معاً عند دخوله الشرفة بهمجية بعدما أتى من الخارج. انتفض "غسان" من أثر دخوله كما انتفضت هي. تنحنح "شادي" بحرج. ثم أشار لها بالترحاب بمرح. فنظر له "غسان" بضجر متمتماً: "اللي انت عملته ده قطع خلف!! قلب عينيه باستفزاز. ثم وجهها صوب "نيروز" الضاحكة وهو يقول:

"روحت الفرع النهارده ولسه جاي. وخليهم يوافقوا على الإجازة الصغيرة دي. ابسطي يا ستي.." ابتسمت بامتنان ثم قالت بحرج: "شكراً بجد يا مستر شادي! "مستر شادي إيه يا شيخة خليها شادي بيه لحد ما تجيبيلي رقم منه. وابقي قوليلي يا شوشو." ضحكت بقوة على حديثه. بينما ضحك الآخر عليه. فالتفت "شادي" يتحدث للآخر بخفوت: "يبختك ضحكتها حلوة! أمسكه "غسان" من تلابيبه بقوة ثم مال يهمس بجانب أذنيه قائلاً: "ومالو. ألبسلك القرون نهيه ولون إيه؟

"الحمرا." قالها ببساطة مما جعله ينظر إليها وهو يمسكه بقوة. ثم هتف لها: "طب بالسلامة إنت."

قالها "غسان" ثم أمسكه بقوة وهو يدفعه خارج الشرفة إلى الداخل. بينما ضحكت هي بخفة على ما حدث. وهي تتدخل لتخرج لهم بالخارج بعد أن خرجت من غرفتها. أمسكه من تلابيبه بمزاح شبابي. ثم لكمه بوجهه حتى تأوى الآخر. فدفع "شادي" "غسان" على الفراش ثم رفع يديه ليلكمه هو الآخر ولكن بمعدته. حاول الآخر الدفاع عنه والإثنان يهاجمان بعضهما كحلبة مصارعة. ففتح باب الغرفة سريعاً وظهر صوت الذي كان يدخل من الباب بتلقائية ولكنه توقف من أثر رؤية المشهد من أمامه عندما كان

يتحدث وقطع كلماته فجأة: "بقولك هتلبس ايـ.." قطع "بسام" حديثه عندما وجد الاثنان يهاجمان بعضهما وتوقف الوضع عند دخوله حيث كان "غسان" يمسكه من يديه السليمة وهو يحاول حتى لا ينحني الآخر عليه مباشرة. فتح "بسام" فاهه بصمت. ولحظات من السكون. فالتفت "بسام" بصمت حتى يسر للخارج مجدداً ليغلق الباب من خلفه ليتركهما كما كانا دون أن ينبس بحرف. أوقفه "غسان" سريعاً وهو يدفع الآخر بعيداً عنه ثم هتف عالياً بتبرير يوقفه:

"إستنى. خد هنا بقولك!! وقف "بسام" ينظر له بتعجب. فنهض "شادي" يهندم من ملابسه ثم توجه ناحية "بسام" وهو يضحك حتى يضع يديه على كتفيه بمرح ليبرر له. فـ انتفض "بسام" سريعاً وهو يبتعد عنه ثم قال بتحذير: "انت بتعمل ايه." قالها بخوف زائف. فكانت النظرات المتحركة على أوجه كلاهما ساكنة. دقيقة واحدة وضحك كل منهم بقوة على ما حدث من عبث. ضحك "شادي" بقوة وهو يجلس على الأريكة مردداً من بين ضحكاته: "مش قادر. آه لو حامد كان شافنا."

ضحكوا بقوة، إلى أن توجه "بسام" يجلس بجانبهم وهو يضحك. دقائق وانتهى كل منهم من ضحكانه حتى نظر هو إلى شقيقه ثم ردد: "كنت جاي أشوف هنلبس إيه النهارده لقيت الوضع كده! ضحك "غسان" بخفة ثم نظر لـ "شادي" فوجده يغمز له بأن يتحدث على ما ينوي فعله لشقيقه ليأخذ رأيه هو الآخر في ذلك الموضوع بعد أن حدث "بدر" به في الصباح: "هقولك هنلبس إيه بس قبل ده في حاجة مهمة قررت أعملها ولازم تعرفوها كلكم.."

صمت "بسام" ينظر له بفضول وترقب للآتي، بينما اعتدل "شادي" يجلس وهو ينظر له وهو يحثه على الحديث حتى يوضح لشقيقه ما ينوي فعله! "خلي بالك من نفسك يا حبيبتي."

قالتها "سمية" بحنو لابنتها وفي دموعها عيون الفرحة. توجهت لتحتضنها بحب طغى على ملامحها، حتى تنفست "ياسمين" بارتياح لها وبأحضانها، كما احتضنت الأولى "نيروز" أيضاً، والتي ستذهب معها هي و "جميلة". خرجت من الشقة بعد وداعها لـ شقيقتها الكبرى وصغيرها "يامن" بالأحضان. توجهت "ياسمين" الممسكة بحقيبة يديها وكذلك "نيروز" أمام شقة "عايدة" تدق عليها الباب عدة دقات وما أن فتحت "عايدة" لهما الباب أمام أنظار "سمية" الواقفة على أعتاب

شقتها تتابع الوضع، خرجت زغروطة عالية ما أن رأت زوجة ابنها. احتضنتها "ياسمين" بحب هي و "جميلة" التي تجهزت أخيراً. خرجت "وسام". و"دلال" سريعاً من شقتهما ينظران ثم خرجت زغروطة عالية مرة أخرى هذه المرة من فم "وسام". كان الوضع مبهجاً لأقصى درجة. ومن ثم بعدها خرج "غسان" وشقيقه وصديقه ينظران. ابتسم "حازم" بسعادة ثم احتضن "غسان" والشباب، بينما كل منهم كان يتحدث قبل الخروج وصوته أمام الشقق. كانت "عايدة" تنظر لـ "ياسمين" بحب

وهي واقفة من أمامها

ثم مالت عليها قائلة بحنو: "قلبي فرحان أوي. عاوزاكي تعرفي إن عمري ما كنت هلاقي أحلى ولا أحسن منك لابني. أصلك بقيتي بنتي زي ما كنت زمان يا ياسمين بنتي برده. ربنا يسعدكم ويبارك فيكم يارب."

نظرت لها "ياسمين" بتأثر وهي تدخل بأحضانها سريعاً، بينما قد اعتلى صوت الأغاني من الداخل الذي فتحها "بدر" فتلك هي اللحظة الأخيرة قبل الزفاف. وهم ينتهزون فرصة الفرح بأي طريقة. أمسك "غسان" يد "حازم" وهو يتراقص معه هذه الدقائق قبل النزول، و "ياسمين" و "وسام" وشقيقتها وشقيقتها الأخرى، و "حامد" و "يامن". فـ فتح الباب تزامناً مع توقف كل منهم لخروج العروسين إذن حتى لا تتأخر العروس عن موعدها. وقف كل منهم بترقب عندما نظرت لهم "زينات" بابتسامة لئيمة

وهي تردد وكأنها تذكرهم: "عقبال اللي هنعمله لـ نيروز قريب. شدو حيلكم واجهزوا للعريس.." وكان الغير معهود حدوثه عندما توجهت "نيروز" المبتسمة باتساع وهي تحيبها بثبات، تكيدها هي وليست الأولى: "طبعاً يا مرات عمي ده أكيد! أخرسها قولها، مما جعل كل منهم يتجهز للخروج. وقف "غسان" بجانب "نيروز" وسط انشغال الآخرين بالحديث والمباركات. فطالعته هي باستفهام. فمال يهمس قائلاً بخفوت:

"قوليلي هقعد أعمل إيه فالكام ساعة دول وانت مش موجودة! نظرت له بتشكك من نعومة نبرته المشاكسة وليست القاصدة. ثم مالت تهمس هي الأخرى قائلة: "صلي وإقرأ قرآن وادعيلي." "بدعيلك من كل قلبي فـ كل صلاة. بعد ما بقول يارب اجعل أم عباية سمرا جننت أمي تبقى من نصيبي.." ضحكت بخفوت ثم وضعت يديها حتى لا تخرج ضحكاتها من أثر مرحه. فـ تدخل "شادي" سريعاً بينهم على فجأة برأسه ثم قال بهمس مشاكس: "سمعوني عشان مخصمش مرتباتكم."

ضحك هو وهي بخفوت على ما فعله الآخر. بينما أمسك "حازم" يد "ياسمين" ثم توجهت "جميلة" تسير لتتمسك بـ "نيروز" حتى يهبطوا لأسفل تحت نظراتهم. قاطع سيرهم جميعاً نبرة "حامد" العالية له هو تحديداً، وهو يردد بنبرة هادئة أثرت فالبعض: "خلي بالك من حب العمر يا حازم! التفت يبتسم له باتساع ثم أشار على عينيه قائلاً: "فـ عنيا.."

ابتسموا له بحب. ثم دخل هو وهي المصعد وسبقت "نيروز" و"جميلة" إلى الأسفل. وعلت الزغاريط في المكان مرة أخرى. إلى أن دخلت "زينات" ثم أغلقت الباب خلفها بقوة. كان طبيعي بالنسبة لهم ولكن منهم من انتفض قائلاً بضجر من أثر انتفاضته، مما جعل ضحكاتهم تعتلي في المكان: "إيه! مالها الولية دي! قالها "شادي" ببرية. ومن ثم ضحكوا هم عليه بخفة. حتى دخل كل منهم يضحك بقلة حيلة إلى الشقق مرة أخرى!

بعد مرور بعض الوقت، وقف الطبيب أمام "آدم" وهو يحدجه بسخط بعد تفقد حالة الآخر. وكان "شريف" يجلس بالخارج بغير اهتمام. نظر له "آدم" باستغراب وهو يطالعه يلملم أشياءه. فـ تحدث بنبرة حانقة قائلاً له: "هو حد زعلك فـ حاجة يا دكتور لمؤاخذة؟ حاسك مش طايقني يعني. ما تخلصني وتقولي حالته عاملة إيه؟ رفع "الطبيب" أنظاره له ثم نبس بنبرة هادئة يحذره: "يا أستاذ أنا ببصلك كده عشان اللي صاحبك فيه واللي شكلك انت كمان فيه.." نظر له "آدم"

بنفاذ صبر ثم ردد: "ما توضح يا دكتور! "بإختصار ده دور برد عند صاحبك بس جسمه ضعيف جداً، وعشان كده لو اتعرض لأي حاجة بيأثر فيه. ولأن مش محتاج تحليل دم، شكله بيتعاطى وبيحقن. وخد مني كلامي ده. لو فضل كده مش هيكمل كتير. ربنا يعافيك ويعافينا." إقترب منه "آدم" يسأله بخوف قد ظهر أخيراً بنبرته واهتمامه: "يعني إيه يا دكتور؟

"يعني لازم يروح مصحة في أقرب وقت. لأن حتى لو جه لوقت جسمه أضعف من كده والجرعة اللي هياخدها زي أي جرعة ومش زيادة، الجسم هيعتبرها زيادة وممكن تسبب في موته في لحظة غير متوقعة زي ما بيحصل كتير. وده تعب اعتبره عادي مع دور البرد لأنه لما هيفوق الجسم هيطلب بالجامد الجرعة. أنا مش حابب أعمل مشكلة ولا بلاغ لأني بشوف من ده كتير وربنا يهدي الجميع. بس انت بإيدك تلحق صاحبك."

قالها بتفهم تحت أنظار "آدم" المترقبة. قد كان يعلم عن خلفية بهذا الموضوع من المستشفى الذي وضع بها الآخر من قبل. تنفس بعمق وخوف من ما هو قادم، ولوم للآخر. خرج من شروده عندما قد له الطبيب الورقة تزامناً مع قوله: "اتفضل يا أستاذ. أنا ركبت له جهاز كويس أوي وده بقيت العلاج. يستحسن تجيبه من دلوقتي عشان هيتاخد بعد كام ساعة.."

ابتسم له بتكلفة وهو يأخذ منه الورقة ثم وضع يديه بجيبه يعطيه من الأموال الذي قد أعطاها له شقيقه بآخر مرة. خرج معه إلى الصالة ومن ثم ناحية باب الشقة حتى خرج منه بهدوء. التفت آدم ينظر له وهو يعبث بهاتفه بالمقابل. رفع شريف أنظاره له عندما وجد خيال بأن أحدًا يطالعه. حتى نبس له بنبرة هادئة مختصِرة: "حصل إيه؟ تنفس آدم بعمق ثم توجه ليجلس بجانب شريف، حتى خرجت نبرته الهادئة منه:

"بيقولي إن معتش ينفع اللي إحنا بنعمله ده يا شريف. ما تيجي ندور على مصحة ونروح كلنا ونبدأ من جديد. حتى لو هنتعب أوي بس لازم، مقدمناش حل غير ده يا الموت! نظر له بتمعن وهو ينصت، وسرعان ما ضحك باستهزاء ثم حرك رأسه بغير اهتمام قائلاً: "كل الدكاترة بيقولوا كده. سيبك إنت، مقلق ليه؟ بكرة يقوم ويبقى زي الحصان. بلاش دراما يخويا! لم يتحمل آدم أن يتخطى حديثه في كل مرة، بل قالها الآن. قال ما يود قوله وما انتبه

له منذ فترة من الأساس: "هو إنت مبتحبش حسن ليه يا شريف؟ حرك شريف رأسه ومن ثم أنظاره، حتى نهض من جانبه ثم التفت يلملم أشيائه قائلاً: "ولا بحبه ولا مبحبوش، عادي." صمت ثم توجه ناحية الباب ثم قال بوداع: "سلام أنا.." قالها تحت أنظار آدم المشتتة. فنهض هو الآخر ثم أخذ سترته سريعًا ليخرج هو الآخر، حتى يأتي بالدواء، لعل هذا هو الشفاء له في هذه المرة! ***

جلسوا جميعًا بترقب ينتظرون ما جمعهم وما الذي يود قوله. جلس حامد وزوجته، ومن ثم بسام ووسام. ووقف أمامهم غسان وشادي وبدر. كان كل ذلك بشقة حامد، بعدما جاء بدر لهم ثم دخل لغسان كما طلب مجيئه للضرورة للمرة الثانية. توقع شادي لغسان بموضوع نيروز، وبعدما قص له الآخر ما ينوي فعله، فجأة كان الجواب من الأول الأخذ بالخطوة من غسان تحسبًا لرد فعل سمية. يعلم ما يود فعله، ولكن سيبدأ الأمر رسميًا وبحركة عبثية مجنونة ولم تكن محاصرة كما كان ينوي.

طالعته دلال بخوف ظهر بنبرتها وهي تقول: "ما تقول يبني، فيه إيه؟ متوقعش قلبي! كما نظر له الآخرون بترقب. فتنفس هو بعمق، يتحدث بعدما حدثه حامد بضجر: "ما تقول ياض وتريح دماغنا اللي بتودي وتجيب دي! نظر لهم غسان بصمت ثم تنهد يخرج أنفاسه وهو ينظر على بقية الشباب الذين علموا من قبل والديه. خرج صوته أخيرًا يرمي بمفاجأته الغير مرتبة: "أنا هتقدم لنيروز الوقتي وهتيجوا معايا!

طغى على ملامح وجوههم الصدمة للحظات. فقاطعهم صوت حامد الذي توقع ما ينوي أن يفعله الآخر. لم يكن مقتنعًا بأنه سيتركها لذلك العريس بتلك السهولة. نظر له باستفهام ثم هتف قائلاً بتساؤل به بعد التهكم: "تتقدم لمين؟ وامته؟ هي مش الحاجات دي ليها أصول ولا إنت هتلغي ده من القاموس؟ لم يجبه بل هتفت والدته سريعًا لتفسر رغم فرحتها بما قاله: "طب والعريس يا بني اللي بيقولوا عليه ده؟ والوقتي إزاي؟ هو ده وقته؟

فرح أختها النهارده والناس مشغولة ولا هي موجودة في البيت عشان تروح تتقدم لها! "كل ده مش مهم، هتيجوا معايا ولا أروح لوحدي! قالها بحزم. فردد شادي مرفقًا بجدية يوضح بعد رؤيته لنفاذ صبر صديقه: "يجماعه هو ده الصح، وأنا اللي شورت عليه بكده إنه يعمل كده بدري لأنه كان كده كده هيعمل ده بعدين، وعشان عمها ده مش سهل، وهو ده الصح بدل ما تروح منه وهو واقف مكانه!

"أنا معاهم بصراحة يا عمي. لما جابني وحكالي معارضتوش عشان عمها مش هيكست لحد العريس بس ومش بعيد لو موافقتش عليه يجوزها لحسن بالغصب بعد كده، وبعد كل المشاكل دي توقع أي حاجة تحصل! صمت حامد بتردد يحرك أنظاره عليهم بتمعن. أمر غريب ليس بوقته تمامًا. رفع أنظاره ينظر عندما هتف غسان بمفاجأته الثانية: "ما أنا مش هتقدملها بس، وعشان كده هاخدكم معايا ونقنع أمها بكتب كتاب." لاحظ معالم الدهشة على وجوههم. بينما هتف

بسام هذه المرة بعقلانية: "الحكاية دي يا غسان لازم أمها وهي تكون مقتنعة أوي بيها ويفكروا كويس. لكن اللي فات كله بالأصول ومفهوش حاجة! وقف حامد ينظر له بتعجب. بينما هتفت دلال بنبرة خائبة: "سمية مش هتوافق على كتب الكتاب بالسرعة دي. إحنا في إيه ولا إيه؟ مستعجل ليه يا بني؟ ما تمشيها خطوبة وإحنا مستعدين نيجي الوقتي معاك نمهدلها الموضوع بتاع الخطوبة على الأقل."

حرك غسان أنظاره بتمعن عليهم جميعًا ثم حرك رأسه ينفي مرددًا بثبات، يرمي لهم بقنبلة صادمة جعلته يأخذ الخطوة سريعًا: "عمها الناقص هيجيب مأذون مع العريس." شهقت دلال كما شهق شقيقه وشقيقته. كما كانت الصدمة على وجه بدر الذي لم يكن يعرف هذه النقطة. بينما كان يعلم صديقه. شرد حامد بنقطة الجدية وهو يهتف بضياع داخلي بكيف لعمها أن يفعل شيئًا كهذا! "وإنت عرفت منين؟ رفع أنظاره لوالده ثم حركها صوب والدته التي كانت بصدمة من

أمرها حتى هتف هو باختصار: "حازم سمعه وبعد ما سمعه بيتكلم معاه في التليفون واجهه. بس كلمني وقالي شوف هتعمل إيه بهدوء وأنا معاك." حركت دلال رأسها بحزن على حال نيروز ووالدتها. بينما أكمل بدر بعد سبه لعمها قائلاً بحدة: "أقسم بالله لو كان ده حصل ومكناش على علم بيه كنت مسكته علقته في قلب صالة الشقة هو والعريس! ترقبت الأنظار بارتباك. بينما نظر حامد له بحزم ثم حرك أنظاره على الأوجه المترقبة ومن ثم هتف بنبرة

هادئة له قبل الموافقة: "هنيجي معاك، بس أنا مش هضغط على أمها لو عارضت في حاجة عشان ده حقها. أما نيروز فإنت واكل حقها في الموضوع ده مادام هي مش هنا." "لا ما هي مش عارفة حاجة من دي لسه." قالها شادي بتلقائية، حتى سبه غسان بسره. فكان على حافة أن يجعل والده يقنع الأخرى بقوة على طلبه من ابنتها ولن يقبل والده بشيء كعدم علم نيروز. نظر حامد له هتف باستنكار: "يعني إيه مش عارفة؟ إفرض مش جاهزة للخطوة دي؟

ده مش لعب عيال ده جواز يا غسان يعني ركوب الدماغ مش في ده عشان تكون عارف! تنحنح شادي لما فعله. بينما تحدث غسان بأسلوب مقنع يحدث والده به بهدوء وهو يقف من أمامه: "أنا اللي أعرف هي جاهزة ولا مش جاهزة وبطمنك من الناحية دي. وأنا خبيت عليها اللي عاوز يعمله عمها عشان متخافش ومتتوترش ويومها يعدي مع أختها وتفرح من غير ما تشيل هم حتى لو واثقة إني مش هسيبها." "بجد أحسن حاجة عملتها إنك مقولتلهاش عشان تفرح وتتبسط ومتخافش فعلاً!

كانت هذه الجملة الوحيدة التي قالتها وسام بحب وفخر لما فعله شقيقها. خاصة أنها تعلم خوفها جيدًا وقد رأته من قبل عند رحيل شقيقها حتى لو حاولت الأخرى أن تخفي هذا. نظر لها غسان وهو يومأ لها برأسه على حديثها الذي بدا له بأنها توافقه بما يفعله وسيفعله. خرجت نبرته الجامدة هذه المرة معلنًا بأنه سينفذ ما خطر له عقله ويحدث ما يحدث. حتى نبس بنبرة حازمة جعلتهم ينظرون بترقب:

"أنا قولت اللي عندي، وهروح حتى لو لوحدي ومش هسيبها. واللي مش عايز يجي ميجيش! قالها وكأنه يقول حديثه الأخير. وقف شادي بجانبه ثم هتف بنبرة جادة: "يلا أنا جاي معاك." "وأنا معاك يا غسان." قالها بسام بتأكيد شديد وهو يقف متوجهًا حيث جانب شقيقه. ثم توجه بدر بجانب حامد. "وأنا معاه." "وأنا كمان معاكم أوي." قالتها "وسام" بحماس وهي تتوجه لهم، بينما نظروا جميعاً لـ "حامد" بترقب، حتى نبس أخيراً بنبرة جادة بعدما

أومأت له زوجته بالتأييد: "وأنا كمان معاكم يا ولاد الكلب، قدامي يلا."

قالها وهو يمسك يد "زوجته" التي جلبت حجاب رأسها بسرعة ولهفة، بينما خرج صوت ضحكاتهم جميعاً على طريقته في قول حديثه. توجه "غسان" أولاً، يفتح باب الشقة وهم جميعاً من خلفه استعداداً للذهاب لشقة "سمية" وما ينوي فعله هو تحديداً من أمر أهوج بالنسبة للبعض، وبالنسبة له فكان وسيكون محاولة لأجلها، ولم يسمح بضياعها منه مهما حدث، حتى وإن لم يوافقه الرأي أحد، كان سيحاول بمفرده لأجلها. ***

وقفت تقوم بكي الملابس للمناسبة في الغرفة وأمامها زوجها يجلس على الفراش، ناظراً على شاشة التلفاز أمامه. كانت شارده هي بابنتها بالتأكيد، كعاطفة أي أم ستشعر بالضياع أثر اختفاء ابنتها، ولكن حقدها أقوى حتى وأن تتألم لأولادها. محاولتها بأن تجدهم ليست متوقفة. نظرت بشرود، ثم تنفست بعمق وهي تتحدث تزامناً بما تفعله: "أنا قلبي واجعني على فريدة يا سليم، وحسن كمان مبيردش عليا وغايب بقاله كتير." حرك أنظاره عليها وعلى ما تفعله، ثم

تنهد يخرج أنفاسه وهو يردد: "أنا مش مبطل تدوير عليها واتأكدت إنها مجرالهاش حاجة." التفتت تنظر له بعجز قد ظهر، ولكن سرعان ما انقلب عندما حدثته بلوم وغيظ: "وحسن يا سليم؟ هو مش ابنك بردو ولا أنا مخلفاه لوحدي؟ "أنا مش قولتلك مليش دعوة بيه، يظهر يختفي يولع. أنا شايل إيدي منه وابقي وريني بقا هتعملي إيه معاه بدلعك ليه؟ ما إن شالله ما ظهر، مبيجلناش من ظهوره غير الهم. عدي يومك واسكتي." قالها بحدة، بينما توجهت لتقف أمامه

ثم أردفت قائلة مرة واحدة: "أنا مش مرتاحة كده يا سليم وحاسة إن فيهم حاجة. دماغي بتودي وتجيب، ولو انت مش هامك فـ أنا هاممني. يعني مناسبة زي دي ولادي مبيكونوش موجودين ليه من ضمن الفرحة، اشمعنى هم؟ قالتها بحقد جعلت زوجها ينظر لها باستهزاء وهو يقول: "عشان ابنك هو اللي اختار كده من الأول، يسهر ويبات بره، حتى قبل ما أقوله ميباتش هنا. ألمحك بتقولي لحد إن بنتك متغيبة عشان كده مجتش الفرح؟

وإن كان على ابنك فـ ماشاء الله سمعته سابقاه! نظرت له بانفعال، ثم خرجت منها نبرتها تعنفه بقوة: "ده اللي عندك؟ سايب ولادك يولعوا ورايح تركزلي مع فرح ابنك وعريس الهانم! نظر لها بغير اهتمام ثم نهض يقف أمامها قائلاً باختصار: "آه، ما انت مش عارفة حاجة." نظرت له باستفهام، مرددة بنفاذ صبر: "مش فاهمه إيه؟ حرك "سليم" رأسه بغير اهتمام ثم تحرك من أمامها قائلاً ببساطة: "شوفي واتفرجي على اللي هيحصل بعد يوم من دلوقتي."

نظرت له بتعجب، ثم هتفت تناديه قائلة بفضول: "يعني إيه؟ "مش قولتلك اصبري المرة الأولى وسكتي وشوفتي، اصبري كمان إن ما علمتهم الأدب واحد واحد من اللي بيعملوه مبقاش أنا. إذن كان هي ولا هو!! قالها بغموض، فنظرت هي بأثره بابتسامة متشفية، بعد أن علمت أنه لم يخطط عبثاً كمثل المرة السابقة. ***

جلسوا جميعاً بشقة "سمية" بترقب، لمن الذي سيبدأ الحديث. كانت تجلس هي غير منتبهة لمجيئهم لشئ محدد، بل اعتادت على وجودهم معها في بعض الأوقات. وبعد أن خرجت وقدمت لهم أكواب العصير، ثم جلست أمامهم مبتسمة باتساع، قائلة: "منورين يا جماعة والله." ابتسمت لها "دلال" باتساع كما ابتسم لها الجميع. فتحدث "حامد" أولاً رغم حرج الموقف:

"ده نورك يا مدام سمية، وبصراحة يعني إحنا جايين لغرض تاني، مش قعدة زي كل مرة. اعذريني إني هفتح المواضيع دي الوقتي بس هنجيلك فالكلام ونخش فالأصول ونعمل بيها." أيدته "دلال" بالحديث قائلة ببهجة: "أيوه نمشي بالذوق والأصول ونقول اللي جايين عشانه واللي علينا."

قالها الاثنان أمام الأنظار، فمنهم من كان يكبت ضحكاته من غرابة الموقف مثل "شادي" الذي كان يوكزه "غسان" بأن يصمت بتوعد، تحت ابتسامة "وسام" الواسعة والسعيدة لما يحدث، بينما كان ينظر "بسام" بترقب. نظرت لهم "سمية" وهي تعقد حاحبيها باستغراب ثم قالت: "معلش عقلي مش فيا والله يا جماعة، اتفضلوا قولوا اللي عاوزين تقولوه وأنا سامعة."

قالتها بلباقة واحترام رغم عدم فهمها ما الذي يدور. كان ينظر "غسان" بترقب، إلى حين أن يهتف والده بهذه الجملة المعروفة ثم ليكمل هو كما تحدث العادات. تنحنح "حامد" بحرج، ثم قال مرة واحدة يخرج بحديثه أخيراً: "الصراحة إحنا جايين نطلب إيد "نيروز" لـ ابني "غسان"." نظرت بغير تصديق والصدمة على ملامح وجهها، إلى أن أردفت "دلال" بحرج:

"أنا عارفة إن لا هو وقته ولا مكانه، بس إحنا عندنا اللي نقوله لو عايزة تسمعي وموافقة نكمل يا سمية." كان الارتباك محله هو شخصياً في هذه اللحظات القليلة. خرجت شرودها قائله بتعلثم من أثر المفاجأة: "طبعًا كملوا أنا.. سمعاكم." تنفس "غسان" بعمق، ثم خرجت نبرته الهادئة لها وهو يتحدث:

"أنا بحب نيروز من قبل ما يجي العريس ده، ومش عاوز أسيبها لحد غيري، حتى لو الوقت مش سامح بس أنا بطلبها منك بكل احترام ومنتظر موافقتك بفارغ الصبر دلوقتي." كان جريئًا في قوله لأول كلماته، ولكنها أومأت بتفهم، ثم قالت بتوضيح:

"أنا عمري ما هألاقي أحسن منك لبنتي يبني والله، بس أنا اتفاجأت وهي المفروض تكون موجودة عشان ناخد رأيها برده، وقبل ما تفسر أنا عارفة إنك حبيتها من أول ما جيت هنا وراحت معاك الشغل حسيت بالتغيير من ناحيتها يمكن بسببك، واستنيت واتوقعت تيجي تطلبها مني بس قلت يمكن أنا بفهم وبحس غلط. ولما عمها قالها على العريس قلت هو أنت!

بس رجعت قلت إزاي ولما قالت إنها مش فارق معاها وهترفضه اديتلك فرصة مع نفسي بيني وبينك. بس لازم برضه تكون موجودة. ومن ناحيتي أنا موافقة بس المشكلة فـ عمها واللي بيعمله وهيعمله ده ميبشرش بالخير أبدًا." ابتهجت ملامحه عند سماعه ما تقوله، كما ابتسم "حامد" وزوجته والآخرين. فتنفس "غسان" بعمق، ثم ردد يجيبها بهدوء، عكس ما بداخله من مشاعر مختلطة الآن:

"الخطوة دي كنت لازم هاخدها من زمان، وإن كان على نيروز أنا متأكد إنها موافقة، ولما تبلغك بموافقتها هعتبر كده إنك وافقتي." هزت رأسها بالموافقة، بينما ابتسم "حامد" وقبل أن يتحدث، تحدث "غسان" بتفسير: "بس أنا عاوز أكتب الكتاب مش خطوبة." نظرت له باستفهام، ثم حركت أنظارها مرة أخرى لتجد التوتر يعود مرة ثانية عليهم. ثم أردفت هي برفض:

"مع احترامي ليكم، بس أنا مش أول ما بنتي يجيلها عريس يبقى كتب كتاب علطول. مقبلش جوازها بالسرعة وكأنها في المسلسلات والأفلام. ولو حصل حاجة لا قدر الله ميبقاش اسمها مطلقة. معلش يبني أنا معنديش النقطة دي ولا عندنا عاداتنا وتقاليدنا إن البنت أول ما يجيلها عريس يكتب كتابه عليها كده. حازم أهو عاش طول عمره خاطبها بس رغم إنهم بقالهم كتير مخطوبين وبيحبوا بعض وأنا عارفاه عز المعرفة بس مخلتش كتب كتابهم إلا قبل الفرح بحاجة بسيطة!

حديثها كان منطقيًا إلى حد كبير. لبعض العادات لم يحدث عقد القران إلا في حين اقتراب موعد الزفاف. كان يتفهم وضعها، كما قالت له والدته. نظر "حامد" اتجاهها، ثم خرجت منه نبرته العقلانية يخفف من توتر الأجواء، متخليًا عن حديثه مع ولده وهو يحاول أن يقنعها كي لا يخرج ولده مكسورًا بكل الطرق. حاول هو بقوله:

"أنا محترم كل اللي أنتِ قولتيّه بالحرف. لما هو قال كده قولت له أنا ودلال إن مينفعش كتب كتاب بالسرعة دي بس كان عنده المبرر اللي خلاني قدامك هنا دلوقتي، ولولاه كنت أجلت كل حاجة لبعدين حتى لو مجرد خطوبة." نظرت بترقب. فتنهد "غسان" يخرج أنفاسه الثقيلة، ثم رفع أنظاره نحوها هاتفا بنبرة هادئة يرمي لها بالمفاجأة:

"عمها جايب العريس ومعاه مأذون وهيجوز نيروز غصب. الحكاية مش حكاية اقعدي معاه وارفضيه. وكلام محله ثقة لأن حازم هو اللي عرفني وخبى الحوارات دي عشان اليوم النهارده يمشي بسلام ونشوف هنعمل إيه. وإن كان على خوفك إن بنتك تبقى مطلقة، فأنا مش هقولك عمري ما هخلي بينا مشاكل عشان ده مستحيل، بس بقولك إني بحبها وبخاف عليها وعمري ما هأذيها يعني هي في أمان معايا." صمتت رغم مفاجأتها تنظر بضياع. فلولا معرفتها الآن، لما كان الوضع كذلك!!

هي تعلم أن "سليم"، قادر وبشدة على أن يزوجها منه غصبًا. وإن لم يكن هو، فظهور حسن... توقفت تفكيرها عن التحسبات السيئة حينما هتفت "دلال" بتفهم للوضع: "هو الموضوع محرج أوي في وقت زي ده، بس صدقيني نيروز زي بنتي من زمان أوي. ولو هقولك كلمة حلوة في حق ابني من غير ما أعرفه، فعمرى في حياتي ما هألاقي حد حنين زيه. وبعدين مش نيروز جاهزة من مجاميعه يستي." قالت آخر حديثها بمرح، بينما وكز "شادي" "غسان" مرددًا بجانب أذنه:

"اسمع مني... هتوافق أهي. أهي بص." نظر بترقب وتوتر داخلي، إلى أن تحدثت "سمية" أخيرًا بتردد: "نيروز جاهزة أيوه، بس من حقي أقول إني خايفة عليها! هنا تحدث "بدر" قائلاً بعقلانية: "تسمحيلي أتكلم بقى يا حماتي أو يحماتو، فكيها على الراجل بقى. الصراحة لو حطيتي بنتك تحت جناح غسان يبقى شيلي الخوف من جواكي خالص. أضمنهولك برقبتي. عيلة البدري كلها رجالة خدي بالك." غمز له "غسان"، كما ابتسم "بسام" ووالده باتساع، بينما هتف "شادي"

هو الآخر: "يا حجة سمية ممكن متعرفنيش أوي بس خلي بالك بقى بنتك شغالة عندي في شركتي المقطقطة الصغيرة دي يعني ممكن أرفدها لو موافقتيش عشان صاحبي يرضيكي. وبعدين لو على الخوف فالراجل بيقولك هيشيلها في قلبه وفي عينه وبيحبها وشاريها. ده غير إنكم قرايب ونسايب وأصحاب وعيلة، قولتي إيه يا أم العروسين." قالها بمرح شديد مما جعلهم جميعًا يضحكون بشدة حتى "سمية" التي ضحكت رغما عنها مرددة: "الله يعزك يابني. دمك خفيف!

ابتسم لها بامتنان. ومن بعدها خرجت نبرة "بسام" وهو يردف قائلاً بهدوء: "صدقينا إحنا هنا عشان نوفق راسين في الحلال ونبعد مشاكل حتى لو هيجي غيرها بس ميتسببش في تعب نيروز نفسيًا. لحد هي مبتحبوش ومش قبلاه من غير ما تشوفه. وغسان أضمنهولك أنا كمان إنه يعمل بوصية رسول الله ويحفظها ويصونها مش عايزينك تقلقي." "صلى الله عليه وسلم" كانت إجابتهم جميعًا. تنفست "سمية" بارتياح، ثم قالت بلباقة رغم تخوفها:

"أنا مش عارفة أقول ليكم إيه ولكلامكم ده. ومجيتكم فوق راسي وأنا مش محتاجة غير إن بنتي تبقى مرتاحة ومبسوطة عشان حياتها مكنتش سهلة عليها وعاوزاك يبني تقدر ده مهما كان. ومن ناحية الجواز فأنا مش عاوزاها تتجوز بسرعة كده. لو حصل نصيب ووافقت على كتب الكتاب نقعد فترة لحد ما الوضع يستقر وأهو أكون سددت ديوني بتاعت جهاز ياسمين وربنا يسهل ونبقى نشوف." ابتهجت ملامحهم بشدة، في حين هتف "غسان" يجيبها بابتسامة رجولية هادئة وسعادة ظهرت

على وجهه استشفها والديه: "مقدر من قبل ما تقولي. وإن كان على الجواز فـ عارف برضه. ومديها هي ذات نفسها." الفرصة ومش حابب إني أضغط عليها. فالموضوع ده لو عليا كنت عايزها في بيتي النهاردة قبل بكرة، بس راحتها النفسية ووقتها أهم عندي من أي حاجة. كانت كلماته صادقة. بالتأكيد تعلم رأي ابنتها جيدًا، لذا تسهل الوضع كثيرًا. هتف "حامد" من بعده، وكل من الشباب والفتيات من "وسام" و"وردة" يهللون ببهجة، حتى أوقفهم قول "حامد"

الهادئ يفسر أمور الزواج: "يبقى اتوكلنا على الله ومفيش غير رد روز. وإن كان على الجواز فبراحتك وربنا يعينك، المصاريف أنا عارف هي عاملة إزاي كويس. أما بقا النقطة اللي ما اتكلمناش فيها عشان إنت أكيد عارفاها، بس بعيدها عشان الأصول.." صمتت، تفهم ما يود قوله كما الآخرين تمامًا. حتى واصل مجددًا:

"الشقة طبعًا. إنتوا عارفين إن لينا فوق في العمارة دي في الدور السابع شقتين جنب بعض جاهزين تشطيب ودهان وكله. واللي كنت شاريهم وكاتبهم باسم كل واحد من ولادي للمستقبل. طبعًا هما مقفولين ولا حد بيطلع لهم ولا شوفناهم من فترة، بس كفاية إنهم جاهزين وكل واحد ليه شقته. وكمان بنتك معاكي يستي في نفس العمارة مش زي أخواتها، يعني إحنا بنضحي." "عين العقل، وأحسن الكلام يا خوي. ها يا سمية نقول مبروك؟

قالتها "دلال" فأومأت "سمية" برأسها بابتسامة واسعة رغم تخوفها مما هو آت. خرجت زغروطة من كل واحدة منهن، حيث "وردة" و"وسام"، وهلل الشباب يحتضنون "غسان" بمشاكسة. كان الجو مبهجًا، وإن انتبه أحد لصوت الزغاريط، فلتكن بمناسبة زفاف "ياسمين وحازم". الأمر سري ومكتوم إذًا! خرج صوت "غسان" بعد دقائق متحدثًا، يوضح أكثر:

"طبعًا كده كده نيروز هتعرف باللي حصل ده، لكن عمها ومراته لأ. وأنا قولت لحازم على اللي هعمله وهو معانا. وعلى كلام عمها العريس ممكن يجي بكرة بالليل، فكده كتب الكتاب هجهزه له في مكان برا نروح كلنا بكرة من غير ما حد يعرف. وإن كان على الواصي على العروسة، فإن حازم ما جاش. بدر بردو موجود وهو أنسب واحد، وحامد موجود ويسد زي أبوها برده. ده إن ما كانش صاحب عم سالم أوي الله يرحمه."

هزت رأسها بتفهم. وما أن انتهى الحديث، نهض "حامد" والجميع، ثم هتف يستأذن: "ألف ألف مبروك وربنا يتمم بخير. هنستأذن إحنا بقى يدوب نشوف هنلبس إيه ونجهز عشان نروح القاعة." أومأت له باحترام، بينما توجهت "دلال" تحتضنها بسعادة بعد قولها: "إنتِ مش عارفة أنا مبسوطة قد إيه يا سمية. ربنا يبارك فيهم ويتمم عليهم بخير."

ردت عليها الأخرى بنفس البهجة. حتى نظرت لهم واحد تلو الآخر يخرج من الباب. بينما وقف هو، لم يرحل. نظرت له مبتسمة، ثم توجهت تفتح ذراعها له، ورغم حرجه إلا أنه يعد مثل ابنها. أخذت "غسان" بين أحضانها بحب. بينما هتف هو بهدوء قائلاً، مستغلًا دخول "بدر" وزوجته الغرفة:

"عايزك تعرفي إني عمري ما هاجي عليها صدقيني، أنا بحبها ومقدر خوفك عليها عشان عارف وعرفت اللي هي شافته. وعايز أقولك إني واخد خطوة كتب الكتاب وأنا بحاول محطهاش قدام الأمر الواقع. عاوز أديها فرصتها خصوصًا إنها بتحتاج وقت عشان تثق في اللي حواليها. كان عندي حل تاني عشان مضغطهاش، وهي إنها تمشي يوم العريس ده واخدها في مكان لحد ما عمها يرجع عن اللي في دماغه. ودي فكرت فيها لما لقيتها إنها محتاجة تاخد وقتها. ولما عرفت حوار

المأذون غيرت كل حساباتي وعرفت إن عمها ممكن يعمل كده تاني لما ترجع ومش هنخلص. جيت مشيت الدنيا بالأصول وقدامك وبعلمك. وافتكرت إني شوفت في عينيها إنها بردو بتحبني وعاوزاني وتقريبًا هي ما حستش إنها واثقة فيا إنها تكون معايا غير من موضوع عمها ده. فأنا واثق إن رد فعلها مش هيكون الرفض أبدًا. فاطمني، هي موافقة ومرتاحة زي ما عاوزاها إنتِ تكوني. وقبل ما تكون في عيني هي في قلبي."

ابتسمت "سمية" له بارتياح، ثم هتفت بنبرة صادقة استشفها هو:

"أنا عارفة إنتِ إيه ومتربي إزاي وإنك هتحافظ عليها. بس أهم حاجة بنتي ما تتعبش تاني نفسيًا وتبقى مرتاحة وبعيد عن المشاكل. ولو إني عارفة إن بالخطوة دي المشاكل هتبدأ من تاني، بس كونها معاك وعلى اسمك ساعتها هبقى مطمنة. ولو جرالي حاجة عارفة إني هسيبها في مكان آمن. حتى معارضتي في كتب الكتاب بالسرعة دي، بس عارفة إن عمها مش هيسيبها بعد النهارده خلاص مادام خد خطوة جريئة زي دي، وده اللي خلاني ما ليش حل تاني غير ده."

ابتسم لها باطمئنان، ثم خرجت نبرته منه وهو يطمئنها: "إن شاء الله ربنا هيديكي طولة العمر و هتشوفي عيالنا! ضحكت بخفة على عبثه. حتى إنه لم يمنع عبثه بأن يظهر لوالدتها هي الأخرى. يبدو أن فرحته كانت طاغية وبقوة. ابتسم لها، ثم أشار لها بأن يخرج حتى يذهب ليرتدي ملابسه ليتجهز للمناسبة هو الآخر! ***

في المستشفى، وقف "عز" بغرفة والدته وبجانبه "فرح" حتى يتجهز للذهاب. طالعتهم والدتهم بحنو، وكل منهم يتجهز حتى يعودا للمنزل ليرتديا ملابسهما للمناسبة. خرجت نبرتها الحنونة وهي تحدثهم قائلة: "خلي بالكم من بعض يا حبايبي." نظر لها بحب، هو وشقيقته. ضحك "عز" بخفة وهو يشاكسها قائلاً: "إيه يا حنان هو إحنا لسه صغيرين! ضحكت بخفة وهي تنظر عليهم، ثم قالت تعارض ما قاله من بين ضحكاتها:

"هتفضلوا طول عمركم صغيرين في عيني، مش هتكبروا أبدًا، حتى بعد ما تتجوزوا وتخلفوا كمان." ضحكت "فرح" عليها، ثم مالت تطبع قبلة على خدها تزامناً مع قولها: "مفيش قول بعد قولك يا ست الكل هه! توجه "عز" لينحني يطبع قبلة على جبهتها، ثم ردد بهدوء: "إحنا هنمشي وبإذن الله هنحاول منتأخرش. خلي بالك من نفسك الحبة دول."

أومأت له بهدوء. بينما أمسك هو يد شقيقته، ثم توجه ليخرج من الغرفة تزامناً مع إشارته لها بالوداع. خرج وهو يسير بجانبها بهدوء، حتى يرحلا. بينما تابعت "فرح" بمشاكسة له تزامناً مع سيرهما مع بعضهما: "متحمس أوي إنت يا عزوز؟ ولا عشان هنشوفها؟ التفت ينظر لها بملل، ثم هتف لها بحنق: "خليك في حالك! ضحكت بخفة، ثم أجابته بمشاكسة: "والله أنا في حالي الرك عليك إنت."

ضحك رغماً عنه بقلة حيلة منها ومن مشاكستها له. بينما سار بعدها بصمت معها وهو يخرج من المصعد متوجهاً للساحة وإلى بوابة الخروج من بعدها. ***

بعد مرور ساعة كاملة، كان قد أتى "حازم" من الخارج بعد ذهابه لحلاقة شعره وتحديد ذقنه، وتزيين السيارة الذي سيسير بها هو و"ياسمين". حيث اتفق الاثنان معاً بأن "حازم" هو الذي سيقود السيارة وبجانبه "ياسمين" حتى يأخذ لهما بعض الصور بها. ارتدى بدلته أخيراً، ثم نظر بتمعن لصورته في المرآة. كانت بدلته وهو جذابان بشكل ملفت. فكان "حازم" و"جميلة" وحتى "فريدة" و"حسن" جميعهم لديهم شكل ملفت بجمالهم البسيط. فـ "عايدة" كانت ملامحها جميلة، لذلك كان أولادها نفس ملامحها الهادئة حتى بعد أن مر العمر. بينما كان "سليم" رجل له ملامح رجولية رغم كبر سنه قليلاً. سمع صوت شهقاتها من خلفه فالتفت سريعاً ينظر لها بلهفة حتى وجدها تبكي. اتجه ناحيتها يحتضنها وهو.

يمسك يديها قائلاً بلهفة: "مالك يا ماما؟ احتضنته "عايدة" بقوة ثم أخرجته من بين أحضانها وهي تردد قائلة بعاطفة أمومة: "دموع الفرح يا حبيبي. كبرت وشوفتك عريس وقلبي فرحانلك أوي يبني." ضحك "حازم" بخفة وهو يحرك رأسه ثم قال بقلة حيلة منها: "مفيش فايدة فيكي دموعك سابقة الكل في كل حاجة كده." صمت يتطلع على ملابسها الأنيقة التي لاقت جيدا بسيدة في عمرها، ثم رفع يديه يديرها كالعروس قائلاً بانبهار جعلها تبتسم بسعادة:

"ده إيه الحلاوة دي؟ هتغطي على ياسمين كده؟ "وهو حد يغطي برضه على العروسة؟ بالذات لو قمر زي ياسمين. ربنا يسعدكم يا حبيبي." قالتها بحنان، فرفع يديه هو يقبلها ببر، ثم توجه ناحية قمة رأسها يقبلها مجدداً. قاطع لحظتهم "سليم" الذي دخل عليهم مردداً بتهكم: "كل الحب ده على إيه؟ وأبوك اللي كبرك ملوش حق في كل ده! لم يظهر الضيق الذي بداخله بل سار رغماً عنه ثم قبل قمة رأسه بفتور. خرج منه دون أن يدري وكل ذلك بسبب ما يفعله الآخر.

تحدث مرة أخرى على عجالة: "أنا ماشي على القاعة علطول وهاخد زينة وعايدة. متتأخرش."

أومأ له وهو يهز رأسه فقط، ثم أشار لوالدته بأن كل شيء على ما يرام حتى خرجت من الشقة بأكملها. لم تكن سوى دقائق ثم خرج هو من بعدها متوجهاً حيث شقة "حامد". دق الباب عدة دقات إلى أن فتح له بواسطة "حامد" الذي نظر له بسعادة ثم دخل بين أحضانه بحب. فمهما حدث أصبحت الآن مكانته غالية وأكثر بعد أن أعلن لهم بأنه يقف بصفهم معارضاً لتحكمات والده وإنقاذه للموقف. دخلا إلى الداخل. وما أن رأته "وسام" و"دلال" ابتسموا له بسعادة ثم خرجت

من فم "وسام" زغرودة عالية بعد أن أشارت لها والدتها بأن تفعل. خرج الشباب من الغرفة جميعهم ثم التفوا حول "حازم" يهللون بقوة وبهجة ومن ثم صفقوا جميعاً. دون حماس أغاني بل كان حماسهم والفرحة بأعينهم أقوى وأكثر. وقف "غسان" أمامه ثم هتف بنبرة صادقة متأثرة

بعدما خرج من أحضانه: "ألف مبروك يا صاحبي ربنا يسعدك وأشوف عيالك وأبقى عم وجوز خالة العيال! ضحكوا بخفة فردد "حازم" بنفس التأثر: "حبيبي يا غسان. وبعدين ده كده كده نحن السابقون وأنتم اللاحقون يا عم." غمز له "غسان" بعبث ثم قال بمرح: "غسان.. غسان يا عم. بعد اللي عملته معايا قول اللي انت عايزه." ابتسم له باتساع وسرعان ما رجع للخلف بقوة ما أن احتضنه "شادي" مردداً بحماس:

"أبو الحزايم حبيب قلبي. ألف مبروك وربنا يسعدك ومش عارف أقولك إيه بصراحة كفاية إنك افتكرتني." "حبيبي يا شادي." ومن بعدها دخل باحضانه بهدوء "بسام" الذي احتضنه بحب أخوي ومن ثم خرجت منه نبرته الهادئة: "ألف مبروك يا متر وربنا يبارك لك في حياتك الجاية ويحفظكم لبعض."

ابتسم له بامتنان وهو يجيبه بحديث ممتن، بينما فتح الباب بواسطة "حامد" الذي أشار لهم بالتعجل. فخرج كل منهم ولكن كان اهتمام "حازم" جميلاً في ذلك الوقت حيث قاطع سير "غسان" وهو يهتف:

"شوف إنت هتعمل إيه بكرة زي ما قولت وأنا معاك. معنديش مشكلة أنزل وأبقى وصي عليها كمان. وع فكرة أنا مهدت ليها بطريقة غير مباشرة أنا وياسمين النهاردة إذا كانت جاهزة للخطوة ولكتب كتاب من شخص بتحبه وكده وكانت عادية جداً ومتقبلة الوضع لو مع حد بتحبه. متخافش من الحتة دي. اللي بيحب حد مبيفكرش هيعمل إيه ويسوي إيه في حياته الجاية. غير إنه يدفع عمره كله عشان يبقى مع اللي بيحبه ودي كانت كلمتها."

نظر له "غسان" باهتمام ثم سأله بفضول وبسمة واسعة لآخر حديثه: "قالت إيه؟ "قالت أنا مستعدة أدفع عمري كله عشان أبقى مع حد بحبه وواثقة فيه. والكلمة دي جت بعد كلام منطقي من تهويش كده على الحوار." ضحك بخفة ثم أشار له بالسير مردداً بغرور: "بتفهم والله." ضحك عليه، تزامناً مع خروج كل منهم من الشقة فوجدوهم بالخارج بعد أن تجهزت "سمية" و"وردة" وزوجها وصغيرها. وقف "غسان" أمامهم هو و"حازم" فهتف "غسان" أولاً:

"في ٣ عربيات. أنا وحازم وشادي. شادي يركب معاه بدر ووردة وأمها ويروحوا على القاعة علطول. وأنا هركب عربيتي ومعايا بسام ووسام و... قاطعه "والده" بضجر: "طب وإحنا يا ابن الكلب؟ ضحك رغماً عنه كما ضحك الآخرون. فهتف مرة أخرى بتوضيح: "ما أنا جاي لك فكلام يا حامد. إنت هتركب معايا إنت ودلال أو مع حازم برضه لأن هنوصلكم وهنرجع ناخدهم تاني ونيجي لكم."

أومأ كل منهم بتفهم، ثم بدأ منهم من ركب المصعد ومنهم من هبط على السلم سريعاً حتى يذهبوا جميعاً.

بعد مرور وقت، وقفت هي بجانب شقيقتها تتطلع على مظهرها بتأثر. كانت جميلة وبشدة بفستان الزفاف كأحد الأميرات. فستانها الأبيض كان أنيقاً هادئاً رغم ضخامته. كانت هي وشقيقتها ووقفت "جميلة" بالخارج تنتظر شقيقها. شعرت "نيروز" بمشاعر عدة تجاهها. أدارت وجهها وبسرعة عنها قبل أن تهبط دموعها. بينما لاحظت "ياسمين" جيداً ما تفعله بل حاولت التحرك وبسرعة بفستان فرحها ثم أخذتها بين أحضانها بقوة ثم رددت بنبرة مختنقة:

"متعيطيش عشان خاطري. والله أنا هفضل جنبك ومعاك." حاولت أن تكتم دموعها ثم خرجت من بين أحضانها تنظر لها بحب لملامحها الآن وهي تردد بنبرة صادقة: "أنا عارفة. إنت طالعة حلوة أوي هو فيه حد ممكن يبقى جميل بالشكل ده؟ لم تقصد الغزل بل خرجت الكلمات منها بصدق ومشاعر عديدة. ضحكت "ياسمين" رغماً عنها وهي تومأ لها ثم قالت: "آه فيه. إنت."

ضحكت بخفة. وفي لحظتها جاءت لها المشرفة في المكان وهي تحثها على أن تتجهز بسبب قدوم العريس في الخارج. إلتفت سريعاً بظهرها حتى تفعل ما يسمي الـ First look. دخل "حازم" سريعاً وببدلة الورد. بينما خرجت "نيروز" إلى الخارج بسبب قدومه مع أحد مما رأته في الكاميرات. لعلها تجده فباتت تبحث عنه في كل شيء أمامها. أما هما فتوجه "حازم" يضرب كتفها بخفة وسط تصوير الكاميرات. بينما التفتت له سريعاً ثم ابتسمت باتساع وخجل. وقف ينظر هو لها بانبهار لما رآه من جمال. أدمعت عينيه وهو يدخل بين أحضانها مردداً

بنبرة مختنقة: "أي حاجة تهون قصاد اللحظة دي يا ياسمين. أنا مش مصدق نفسي الوقتي. إيه الجمال ده؟ خرجت من بين أحضانه بتأثر ثم هتفت بسعادة ودموع عينيها المكتومة: "بحبك أوي يا حازم ومكنش هينفع الفستان ده يتلبس مع بدلة عسل كده غيرك! ابتسم لها باتساع ثم التفت هو وهي يلتقطان بعض الصور قبل الخروج. فلهم صور أخرى بالقاعة بركن مخصص لعروسين مثل الـ سيشن. حتى يلتقط معه حينها الأقارب والأصدقاء.

في الخارج قبل دقائق: خرجت هي تبحث عنه وعن من معه. إلى أن رأته يستند على السيارة وهو يمسك هاتفه ثم تارة يرفع أنظاره يبحث عنها هو الآخر. وما أن رفع أنظاره ينظر من أمامه توقفت سريعاً عليه وعلى فستانها ذو اللون البيج الفاتح فبدا للبعض أبيض داكن. وقف بغير وعي إلي أن وقفت أمامه تبتسم له باتساع. لم يشعر "غسان" بنفسه إلا عندما هتف بنبرة تائه ناظراً لها من أعلى لأسفل، ثم ثبت انظاره على عينيها مردداً: "انتِ هربانة من ديزني صح!

نظرت له "نيروز" وهي تبتسم باتساع، ثم ردت بعفوية له ممزوجة بالتأثر: "بجد يعني أنا حلوة؟ "متسأليش انتِ حلوة، قولي هو أنا فيه فحلاوتي!! ضحكت بخجل، إلي أن رفع يديه يمسح خرزة فضية وقعت على وجهها من أثر الفستان، ثم هتف بنبرة ضائعة يطالع لمعة عينيها التي ظهرت بنظرتها المحبة التائهة به: "فـ كل مرة بشوفك.. بحبك تاني من الأول." صمتت تنظر له بسعادة، ثم هتفت تسأله بمرح متخلية عن جرحها: "أمير عيد؟

هز رأسه بالنفي، ثم رفع يديه يشير على نفسه غامزاً بعبث يؤكد لها شيئاً آخر: "لأ غسان البدري.." قالها بصدق، فقد كان يخرج منه حديثه دون حساب بأنها كلمات أغنية معروفة. ضحكت هي بخفة، ولكنها انتقصت سريعاً عندما خرجت "وسام" برأسها من الشرفة قائلة بضجر: "ها خلصتم نحنحة؟ عاوزه أخرج بقا." نظرت "نيروز" لها بذهول وهي تردد: "ايه اللي مقعدك هنا؟ انتِ محبوسة ولا إيه؟

"أيوه الأستاذ اللي معاكي حبسني عشان مطلعش أقطع اللحظة ساعة ما تيجي."

نظرت له "نيروز" باستنكار، فهز لها رأسه بتأكيد وهو يحرك كتفيه ببساطة. ثم رفع يديه يمسكها سريعاً مقرباً منها له، ثم التقط صورة بهاتفه عفوية جاءت بها وهي تضحك بمفاجأة لفعلته. شهقت لما فعله ثم نظرت له بغير تصديق. ومن ثم ابتعدت سريعاً عنه بعدما كانت ملتصقة به. أشارت له بأن يفتح السيارة، ففتحها هو تزامناً مع خروج "حازم" و"ياسمين" سريعاً. وقفت "ياسمين" أمامهم، ثم رفعت ذراعيها وهي تنظر لـ "وسام" التي خرجت من السيارة لتتوجه لها تحتضنها بحب. ابتسم "غسان"

لها ثم قال بلطف: "الف مبروك يا ياسمين." غمزت له هي الأخرى مرددة وهي تستغل انشغال الآخرين: "الف مبروك يا غسان." ضحك بخفة من أثر تلميحها ورد فعلها العفوي. لم تمر دقائق وسارت هي بجانب "حازم" حتى يتوجها للسيارة التي ركبت بها "جميلة" بإنهاك بسبب صداع رأسها. بينما أمسك هو يد "نيروز" سريعاً يقاطع سيرها: "راحه فين يا رزقة؟ مكانك معايا أنا، اركبي يلا."

ابتسمت له بحرج، ثم توجهت خلف "وسام" بعد أن أشار هو لـ "حازم" بأنها ستركب معه هو. وقف بتردد، بينما فتحت لها "وسام" الباب الأمامي وهي تتحدث قائلة لها بلباقة شديدة استحسنه الآخر: "طبعاً مش هخليكي تركبي ورا، اركبي يلا هنا وأنا معاكم ورا هتابع كل التفاصيل متقلقيش!

لم يكن لديها خيار آخر، بل ركبت أخيراً، ومن ثم الأخرى بالخلف. حرك هو السيارة تدريجياً حتى تحرك بعدما وضع هاتفه لبلوتوث السيارة الذي أخرج كلمات صادقة يود أن يرسلها لها مباشرة بطريقة ذكية عبثية: "نفسي أحبك.. حب زمان زي العيال.. ومعرفش أنام أشوفك أتهته فالكلام وفـ بعدك افضل أعد واحسب الأيام وتفصلي دايماً عـ بالي.. أسرح فيك وأفكر طول الليالي أسمع أغاني وافضل أعيدها تاني، أحفظها وأغنيهالك وصورتك تفضل فـ بالي

أنا نفسي أحبك حب زمان، زي العيال ومعرفش أنام.." كلمات اخترقت سهام قلبها وبقوة، حتى وجنتيها التي أصبحت حمراء بخفة. التفت بوجهه لها ثم غمز لها بعبث قائلاً بلوم: "بقا كنتي عاوزه تركبي فمكان تاني وتسيبي الكريتيف اللي بيلمحلك بـ أغاني ده؟ خسرانه والله." ضحكت بخفة كما كانت تكتم شقيقته ضحكتها. إلى أن نظرت له "نيروز" بغيظ مرددة بنبرة ساخرة: "متواضع أوي انت." ***

بقاعة الزفاف، كان الناس مجتمعين على الطاولات الكثيرة، ومنهم من كان على طاولات كبيرة، والذي جلس عليها "سمية" و"عايدة" و"زينات" و"بسام" و"بدر" و"وردة" وصغيرها. بينما كان يجلس "شادي" بجانب "بدر" من الناحية الأخرى. لمح هو دخول "فرح" وشقيقها عليهم ليقوموا بالترحاب. نهض "بسام" و"شادي" يرحبان به. ثم أصر "بسام" قائلاً بحماس يعارضه: "مش هتقعد غير هنا، الترابيزة كبيرة اهي والله، اتفضل."

قالها بلباقة مما جعل "عز" يجلس بجانبه، من ثم "فرح". بينما انتبهت هي سريعاً لدخول "منه" عليها، التي توجهت لتحتضنها سريعاً. هتفت "فرح" لها بحماس: "اقعدي عشان لما جميلة تيجي." أومأت لها وهي تجلس بجانبها بهدوء، ثم مالت تحدثها بمرح كالعادة. بينما قد انتبه هو لها، فمال على "بدر" قائلاً له: "خمسة وجاي." قالها ومن ثم نهض بسرعة وهو يتجه وسط انشغال الآخرين، ثم توجه ليجلس بجانبها من الناحية الأخرى. انتفضت هي سريعاً،

ثم نظرت له بغيظ مرددة: "انت تاني؟ هز لها رأسه بتأكيد، ثم هتف يجيبها قائلاً بمرح: "قولي تالت، رابع، خامس، سادس سابـ.." "خلاص، إيه؟ حصة رياضة؟ هز لها رأسه بعبث، ثم غمز لها قائلاً بمراوغة: "لأ حصة عربي، هي دي عينيكي ولا لينسيزز." قلبت "منه" عينيها بملل وهي تكتم ضحكاتها، ثم أجابته قائلة بسخرية منه: "عينيك انت." "مالها؟ "هخزقهالك." نظر لها مبتسماً، وهو يهتف بنبرة لينة:

"لو انتِ اللي هتخزقيها معنديش مانع، بس ما تحن يا جن بقا."

نظرت له بنفاد صبر، والاخرى التي بجانبها تكتم ضحكاتها بالقوة. بينما قاطع لحظتهم تهليل الآخرون بقدوم العروسين. ومن ثم ظهر من أمامهم "جميلة" و"نيروز" و"وسام" وهن يدخلن عليهم مرحبين بهم بحرارة. ثم جلست كل واحدة منهم. حدق بها "عز" بإعجاب لما هي عليه. جميلة اسماً وقولاً بانظاره، حرك رأسه سريعاً ينهره نفسه. ومن ثم قطع شروده قدوم "غسان" الذي جلس بجانبها بعدما رحبت هي بوالدتها تريها منظرها هي وزوجة عمها ووالدته. و"حامد" الذي انبهر بها كثيراً. تنفس كلاهما بعمق، ثم بقوا ينظرون على تقديم العروسين للدخول بموسيقى حماسية حتى يجلسلا. كانت "سمية" تنظر بمشاعر مختلطة، كما كانت "عايدة" هي الأخرى. أما "غسان" فمال يهمس بجانب أذنها قائلاً

بنبرة هادئة: "ما تيجي." قاطعها هو سريعاً قبل أن تحدثه بحديثها المعتاد. فهتف هو بوضوح، والابتسامة لا تفارق وجهه: "قصدي ما تيجي فعلاً نقعد بره على ما الوضع يسخن كده. هقولك حاجة مهمة. تيجي؟ أومأت له بابتسامة واسعة، ثم نهضت بعد. نهض هو، ونظر بأثرهما "شادي" و"بدر". لقد علم كلاهما جيدًا ما يفعله هو. بينما كان ينظر هو لها، وهي مندمجة بالحديث مع الآخر، حتى قاطعها قائلًا: "ييت دي عينيك ولا لينسيزز بقا حيرتيني!

التفتت "منه" تنظر له بنفاذ صبر، مرددة: "علفكره انت أهبل لأن دي عيني وبني عادي مش مبهر، حتى مش عارف تعاكس جاتك نيلة! أخرج صوتًا من فمه ينفي قولها، ثم أشار بيديه بالنفي تزامناً مع قوله: "قول جاتك منه، وعيون منك، وحلاوة منه، مش نيلة!! كبتت ضحكتها، ثم رمشت بأهدابها بحرج، حتى صفق هو بحرارة مرددًا بمرح: "ايوه بقا، كله يهون لأجل العيوون"

كبتت ضحكاتها رغما عنه، ثم رفعت يديها ترجع من خصلات شعرها السوداء. هي ليست محجبة، بل كان شعرها أسود قصير، كما كانت ملابسها محتشمة وغير جريئة. رفعت أنظارها تسأله بحزم: "انت مش هتبطل بقا يبني انت، عاوز ايه؟ "عاوز رقمك! ركن آخر بالخارج:

جلس أمامها بعد أن تحدث لها بما حدث اليوم باختصار. ود لو يرى بعينيها الموافقة، أول شخص، بل ليست والدتها. رفعت "نيروز" أنظارها المترددة له، والخائفة قليلاً بسبب ما عملت به من نية عمها. فجاءها صوته ذو النبرة اللينة، وهو يسألها بترقب مرة أخرى: "موافقه؟ صمتت، يتابع ملامح وجهها، ثم واصل مجددًا، قائلًا بنبرة صادقة: "موافقه تبقي حبيبة عمري وأيامي، وشريكة حياتي؟

تنفست بعمق، وهي تتوعد داخلها لعمها. ومن ثم حاولت بأن تبقي أقوى من ذلك. ثم رفعت أنظارها المرتبكة من أثر عرضه، قائلة وهي تبتسم بهدوء، وعلى فجأة، مرددة بحديث جعلت طبول فرحته تعلو ليسمها الآخرون: "موافقه.." صمتت عندما وجدته ينظر لها بغير تصديق. ثم واصلت مرة أخرى تربكه، دون أن تعلم ماذا تفعل هي بكلماتها به: "حتي لو خايفه، فـ صدقني يا غسان مبعرفش ولا هعرف الخوف وأنا معاك، موافقه"

ضحك بخفة، ثم ردد بغير تصديق، رغم علمه بما ستقوله من موافقة، ولكن الواقع شيء آخر غير الخيال: "بـجــد! هزت رأسها بالإيجاب، وهي تبتسم بارتياح تخللها من فكرة وجوده. بينما تابع هو بنبرة هادئة سعيدة، ناظرًا بعمق أعينها البنبه: "عارفه غسان البدري قال ايه بقا؟ قالها "غسان" بهدوء ومرح، جعلها تضحك بخفة، وهي تجيبه: "قال ايه؟

"لم يدق القلب إلا لك، وأعدك بأن لا تخرج دقاته لأخرى سواك، سوى نيروز الوردة، ونيروز البهجة، نيروز الحب أه وربنا! قالها بمرح، إلى أن ضحكت هي بخفة. ثم نهضت من مكانها عندما أمسك يديها لينهضها، حتى يتوجه بها إلى الداخل مرة أخرى، وتلك المرة بسعادة متضاعفة. في الداخل:

كانت الساحة ممتلئة بالفتيات وهن يرقصن مع العروس، والشباب. حتى نهض "بدر" و"شادي" و"عز"، كما دخل بينهم "غسان" الذي أتى من الخارج لهم، و"نيروز" و"ورده" كانا يتراقصا مع شقيقتهما ببهجة. امتلأت المكان. الدقائق السعيدة تمر بسرعة. بينما كان "بسام" يجلس على الطاولة، وهي من جانبه لم تنهض، بل نهضت "منه" و"جميله" وجلست هي. التفت بوجهه لها يبتسم لها، ثم نبس بنبرة هادئة: "عقبالك يا فرح" ابتسمت له بامتنان، ثم رددت تجيبه:

"شكرا يا دكتور بسام، وعقبالك" نظر لها بصمت، وهو يبتسم. وللمرة الأخرى كان ينظر على رموش عينيها واهدابها الكثيفة. كان يراقب الأجواء. "زينات" بكل من حولها بحقد، غير راضية بحضورها من الأساس. وكان زوجها بجانبها. مالت عليه تتحدث بتهكم: "شايف البجحة اللي كانت ماشيه معاه الوقتي عيني عينك كده وانت قاعدلي ساكت! نظر لها بنفاذ صبر، ثم ردد يجيبها: "بقولك ايه الفرح شويه وهيخلص، فـ عدي ليلتك، وبعدين أنا مش قولتلك اصبري وهتشوفي؟

يمر الوقت، ويجلس هو بمكانه يتطلع بالشاشات على أولاده. وكز "حامد" دلال الجالسه بجانبه، وهو يشاكسها بجانب أذنها متحدثا: "هو انت حلوه أوي كده عشان عيالك يطلعوا بالشكل ده يا ام غسان؟ ضحكت بخفة، وهي تميل تجيبه بمرح: "يخويا عيال ايه ده محدش شبهي ألا الصبيان و البت وسام نسخه منك" "ما عشان كده بضعف قدامهم يا أم غسان، أمام وسام فـ دي الحب دي بعد حبك انت يا جميل" ضحكت بخجل، ثم وكزته قائلة بلوم:

"يا خويا إعقل دا ولادك يجوزوا ويخلفوا الوقتي وتبقي جد من بكره"

ضحك بخفة، وهو يدقق النظر بها بشغف. بينما دخل عليه "غسان" بانهاك، بعض رقصه مع "حازم" ومن ثم "بدر" من خلفه، حتى جلس كل منهم مرة ثانية. ومن ثم دقائق، وعادت "نيروز" هي و"جميله"، وكل منهم ينهض ويعود مرة ثانية بتلك الليلة التي اقترب موعد انتهائها. فقد كان فصل الشتاء، وكان طبيعيا عدم تأخر الزفاف لكثير. جلست بجانبه بانهاك، وهي تضع المنشفة الورقية على وجهها لتزيل تعرق وجهها. بينما انشغل "غسان" مع "يامن" الذي أخذه من على قدم

جدته، ليعبث معه بمرح. حتى وجهه مرة واحدة يقبل وجهها مرة ثانية. فتحت عينيها على وسعها من ما فعله أمام الأنظار. كان واضح وبشدة أن الآخر هو الذي قد حثه على فعل ذلك أمام الجميع بمنتهى الجرأة. ضحك من فهم جيدا ما فعل. أما من انتبه ولم يفهم، ابتسم باتساع للطافة المشهد. كان الرقص تارة، والجلوس تارة أخرى. وقد حان رقص العروس مع والدتها، والعريس مع والدته. وعند ذلك المشهد جلس ينظر البعض بتأثر شديد. بينما عاد "شادي" يجلس بعبث

بجانب "منه" المغتاظة من أفعاله. وبقى "بسام" ينظر بين الحين والآخر لها ولعينيها. بينما كان "عز" تائها، مرتبكا أمام نظراته، ما أن وقعت عينه عليها أول مرة من ما يقدر بساعتين.

لم يمر الكثير، ووقف "عز" للإستئذان منهم بلباقة، حتى يرحل هو وشقيقته. بينما وقف يحتضن "بسام" و"غسان"، مفرقا بينهما هذه المرة. فضحك "غسان" بخفة، ثم ردد له مازحا: "'كده انت معلم وعال أوي يا عز"

ضحك "عز" يشكره، بينما ودعه "بسام" بحرارة، كما ودع "فرح" بكلمات ونظرات. بينما سار في طريقهما إلى الخارج، ومنظم الحفل ينهي الحفل أخيرا. وبعد رحيل الناس تدريجيا، قابله بطريقه، ولم تكن سوى "جميله" التي قد نهضت من قبل دقائق. ابتسم لها باتساع، فبادلته هي البسمة قائلة بلطف: "نورتونا بجد" ابتسمت لها "فرح" بسعادة، وهي تخرج من بين أحضانها. بينما وقف هو يردد بهيام، ناظرًا لها: "بصراحه دا نورك انت لوحدك"

ابتسمت بخجل، ثم بادلتهم الإشارة بالوداع، عندما وكزت "فرح" شقيقها من ما يفعله من نظرات غائبة. توجهت لهم، حيث كل منهم كان ينهض ليتوجهوا للخارج حيث السيارات. سار "غسان" بجانب صديقه وابن عمه، ومن ثم "بسام" بجانب والده ووالدته. والفتيات بجانب بعضهن، كما كانت النساء. دقائق ووصلوا جميعا أمام السيارات. ركبت "نيروز" مع "غسان". و"وسام" و"ورده" وصغيرها و"بسام" بينما كان مع "شادي" والدي "غسان" و "بدر"

و "عايد" و "زينات" مع "سليم" ومعهم "جميله". وقفت "سميه" قبل أن تركب السيارة تحتضن ابنتها بحب وتأثر، بينما هربت الشقيقتين من أنظار شقيقتهم في تلك اللحظة. رفعت "سميه" أنظارها له ثم قالت بنبرة مختنقة: "خلي بالك منها يبني عشان خاطري، حطها فـ عينك وحافظ عليها وصدقني مش هتلاقي أطيب من قلبها والله." ابتسم لها باطمئنان ثم توجه يقبل قمة رأسها قائلاً يطمئنها: "في جوه عيني متقلقيش." ابتسمت له وهي تومئ ثم ودعتهم لترحل.

بينما كان يقف "حامد" أمامهما قبل أن يركب هو الآخر ثم احتضن "حازم" بحب قائلاً باختصار: "مش هقولك غير حاجه واحده بس يا حازم، خلي بالك من حب العمر." رفع أنظاره من بعدها لها هي ثم قال بنبرة متأثرة: "وأنا يا بنتي بقولك خلي بالك من حازم، راجل ويستحق يتشال جوه العين والقلب، وإن جه عليك فيوم، فـ متترديش تجيلي وتحكيلي واعتبريني زي أبوك الله يرحمه." نظرت له بتأثر ثم شكرته بامتنان صادق.

ومن بعدها ركبت هي السيارة بمساعدة زوجها الذي التفت ليركب السيارة حتى يقودها إلى منزلهم. بينما توجه كل منهم يركب السيارة الذي وضع بها حتى تحركت جميع السيارات وكل واحدة منهم في طريقها وطريق أصحابها إلى المنزل. *** قبل ساعة واحدة، وقف مطولاً أمام الغرفة. سهولته في صعوده أمام غرفتها كان أبسط شيء لكونه شقيق ابنها، خاصة أنها انتقلت لغرفة عادية الآن، أصبح ذهابه إليها شيء ليس صعب.

تنفس بعمق قبل أن يدق الغرفة دقات متتالية. يعلم أن شقيقه وشقيقته لم يكونا موجودين. أذنت هي للطارق بالدخول بصوت ضعيف. إلى أن دخل وفتح الغرفة ثم أغلقها من خلفه. التفت "شريف" ينظر لها بتمعن، نظرات حارقة تحرقه هو شخصياً من الداخل. أما هي فلم ولن تهابه، بل ظلت رافعة أنظارها تطالعه وهو يقف مكانه. إلى أن خرج صوتها قائلة بهدوء وتعب: "كنت عارفه إنك هتيجي يا شريف."

كانت ملامح وجهه خالية. يتمنى لو كانت رحلت هي إلى عالم آخر غير عالمه الذي يعيش ويتعايش به. تؤلمه رؤيتها في كل مرة. في كل مرة يظن أنه سيبقى أمامها شامخاً، ثابتاً. ولكن وجودها الآن وأمامه وبصحتها ولم تمت يجعل به القهر الداخلي على عائلته الصغيرة. خرج منه صوته أخيراً بنبرة ضائعة موجهاً لها هي وحدها عندما هتف: "لسه عايشه ليه؟ متروحتيش للي خلقك ليه وانت عايشه طول عمرك ظالمه."

حديثه يتعبها وينهكها في كل مرة جسدياً ونفسياً، كما ينهكه نفسياً هو الآخر. وضعت يديها على قفصها الصدري ثم تنفست بعمق لتحاول أن تخرج الكلمات منها. ثم رددت بنبرة ضعيفة خافتة: "عايشه عشان معادي مجاش يبني، ومليش ذنب فـ اللي حصل ولا ظلمتك. يمكن قرار غلط بس عمري ما جيت عليك وعلي اللي منك ولا ظلمتك صدقني، حاول تصدقني عشان نرتاح كلنا." "قرار غلط! قالها بتهكم ونبرة ساخرة لاذعة منها ومن ما تفعله الحياة والأيام.

سار بخطوات ثابتة رغم عدم ثباته من الداخل. ثم وقف أمام وجهها مباشرة، ينزل أنظاره لها وهي جالسة على الفراش. ثم أكمل هو يواصل حديثه بنبرة حادة: "لا مش قرار غلط، قرار ظالم، مش عادل ليا ولا لأمي ولا لاختي. ليه؟ لو مكنتيش وقعتي فطريقه مكنش حصل حاجات كتير أوي. لا، انت ظالمه ظالمه أوي وقاتلة، وكنتي السبب فموتهم بطريقة مش مباشرة. قوليلي لو عز مكاني كان هيعمل فيكي إيه؟ أو كان هيبقي رد فعله إزاي؟

طب لو كنتي مكان أمي، لو فرح حصل فيها زي بثينة. انت عملتي حاجات كتير أوي انت وهو كفيلة تخليني منتظر القيامة تقوم عشان أشوفكم فـ نار جهنم. خلتيني أدوق المر وأنا صغير معرفش إيه هو المر. أنا بكرهك، بكرهك كره معداش على حد في الدنيا دي." حديثه أخيراً كان أشبه بصراخ. لم يوصل الخارج ولكنها كانت مترقبة بأن يفعل أكثر من ذلك. نظرت له والدموع تهبط من على وجنتيها ثم قالت بخيبة:

"مش ظالمه ومش قاتلة يا شريف، حاول تفهم الدنيا صح يابني." تحدث بانفعال وهو ينحني ينظر لوجهها قائلاً ينفي قولها: "متقوليش ابنك، أنا مش ابنك سامعة ولا أستنضف أكون ابن واحدة زيك." تهبط الدموع من عينيها بغزارة، ثم أمسكت موضع قلبها بألم. في حين نظر لها هو نظرة استهزاء. ثم ألقى عليها نظرة حادة وهو يتوجه ليخرج من باب الغرفة تزامناً مع قوله: "موتي بقا وريحيني!!!

قالها أسفل نظراتها المتعبة المختنقة من عدم استطاعتها لأخذ أنفاسها بانتظام وهي تحاول بعزم ما لديها أن تأخذ أنفاسها. *** بعد مرور وقت معين يكفي لوصولهم المنزل، والآن يحق لنا القول بأن يكتب "في شقة حازم". في شقة "حازم" دخل هو بقدميه اليمنى كما دخلت هي منذ دقائق. جلس هو أمامها وهو يتطلع عليها وعلى ما بقيا عليه وفيه بغير تصديق.

لم يشعر بنفسه إلا عندما هبطت دموعه وهو يفتح ذراعيه لها ناظراً على فستانها الأبيض وهو يأخذها بأحضانها ثم هتف بنبرة مختنقة: "أنا فرحان أوي يا ياسمين مش مصدق نفسي لحد الوقتي." تنفست بين أحضانه بارتياح، ثم هبطت منها دمعتها وهي تردد بتأثر: "وأنا كمان يا حازم، ربنا يخليك ليا ويبارك لينا فـ حياتنا الجايه." قالتها وهي تخرج من أحضانه ومازال يمسك هو يديها بشغف. ثم نظر إلى عينها مردداً بحديثه الصادق:

"عمري فحياتي ما عيني حبت وجود حد غيرك ولا قلبي. عايزك تعرفي إني بحبك، ورغم عيني اللي كانت متعودة على وجودك طول الوقت قدامها إلا أنك كنت الوحيدة اللي عيني بتحب وجودها وكأنها مخدتش على حد غيرك حب العمر اللي فات واللي جاي وتحويشة اللي لسه هييجي هو انت. حب العمر هو ياسمين اللي مافيش قبله ولا هيكون بعده." رفع يديها يقبلها بحنان، بينما رفعت هي يديه تبادله الفعلة وإن لم يكن فعلها لما فعلتها هي.

ولكن الحب القائم بينهما يطغي على الكثير. ابتسمت بتأثر ثم أجابته بنبرة مختنقة متحشرجة: "عارفه، ومكنش هينفع أبقى حب عمر حد غيرك يا أبو الحزايم والله." ضحك على مرحها حتى وإن كانت على مشارف البكاء أو بكت بالفعل. أمسك رأسها بين يديه ثم قبلها على وجنتيها ركن مرة والركن الآخر مرة. ثم نهض ببطء وهو يمسك يديها قائلاً بلطف يسألها ويحدثها بالإجابة بنفس الوقت. مما جعلها تبتسم بهدوء وهي تهز رأسها بالإيجاب:

"تعالي نصلي وندعي ربنا ونشكره على النعمة دي ونبدأ حياتنا صح، عشان ربنا يكرمنا ويهدي سرنا." هزت رأسها بنعم وهي تبتسم له بتأثر. بينما انحنى هو يعدل من فستانها حتى تستطيع السير ومازال يمسك بيديها متمسكاً بها لا يصدق بأنها معه وقلبها جوار قلبه حر دون وجود وصف شعوره ليعلمه هو. منزل واحد يجمعهم وسيجمعهم بكل مودة ورحمة. قدرنا في الحياة هو شريك حنون هادئ. لم ولن نرى نحن سوى أحضانه عندما تضيق بنا الحياة.

إثنين وقفت معهما الحياة ليكونا مع بعضهما بعد عناء من رفض والده لها بالبداية ولكن حبه غلب كل رفض كما كان حبها هي أيضاً. تمسكه بها وعدم اختيار قلبه إلا هي رغم أنها كانت أمام أنظاره طوال الوقت وحتى علاقتهم بعمها وهذا ولده. عمها الذي لم يكن شقيق والدها من الأم.

رؤيته للكثير غيرها ولم يتأثر ولا يميل إلا لها هي وحدها. من يتمسك ومن يحب لا يترك، لا يكسر، لا يرحل. ولم ولن يتهاون يومًا ما في ذلك الحب الذي نشأ وسينشأ بعد عناء للوصول لهذه الخطوة التي تستحق العناء لأجلها. كونهما في بيت واحد الآن يتشاركان الحياة ببساطة، كون قلب كل منهما اختار الآخر. ***

المشاعر مختلفة ومختلطة بعد العودة لكل منهم لمنزله. جلست "ورده" بجانب "بدر" بعد أن وضعت صغيرها بفراشه الصغير. ابتسم لها بحنو وهو يتسطح على الفراش، ثم رفع ذراعيه لتقترب هي حتى تدخل بأحضانه بهدوء. بينما تنفست هي بعمق، ومشاعر عدة. إلا أنه التفت مرة واحدة عندما شعر بدموعها الساخنة تبلل ذراعه من أسفلها. نظر لها مرددًا بلهفة: "بتعيطي ليه يا ورده؟ التفتت تنظر برأسها له ثم تنهدت تخرج أنفاسها قائلة بتأثر:

"دموع الفرح يا بدر، وكمان البيت ملوش حس من غيرها." نهض يعتدل في جلسته ثم سحبها داخل أحضانه بتفهم لما تمر به، ثم نبس بنبرة هادئة مطمئنة: "المفروض تتبسطي يا ورده. دا انتِ فرح أختك النهارده وكتب كتاب التانية بكره، يعني المفروض النكد ميعرفش طريق ليكي يا حبيبتي." ضحكت بخفة على ما قاله للتو، حتى ضحك هو أيضًا. بينما تحدثت هي تجيبه بتأييد: "عندك حق، أنا نكدية أوي، انت مستحملني ازاي؟

نظر لها باستنكار، ثم توجه ليقبلها أعلى رأسها قائلاً بحب: "أستحمل أي حاجة عشانك وعشان كل تفاصيلك، بس بطلي عياط ونكد ابوس إيدك." قالها وهو يرفع يديها بمرح ليقبلها، بينما قهقهت هي عليه وهذا ما كان يريده، حتى تنفست بعمق وهي تعتدل كما اعتدل هو استعدادًا للنوم بعد هذا اليوم الشاق.

في الغرفة الأخرى: كانت "سميه" قد توجهت لغرفة ابنتها منذ قليل ثم قصت عليها باختصار ما حدث، وابتهجت ملامحها ما أن رأتها ليست خائفة. تشبثت "نيروز" بين أحضانها ثم همست بنبرة هادئة تطمئنها: "عارفة إنك خايفة عليا يا ماما، بس أنا مش خايفة ومش عاوزاكِ تخافي." ربتت عليها "سميه" بشرود، ثم رددت بحزن لما كان سيفعل بها:

"خوفت يا نيروز، وسرح بيا عقلي لو كنتِ اتغصبتي فعلاً زي ما عمك كان ناوي. الله أعلم كانت هتبقى حالتك إزاي وأنا منفسيش ترجعي للي كنتِ فيه، ولا أنا كان فاتني قلبي وقف وروحت فيها يا بنتي." آخر حديثها بعفوية قالته هي، ولم تنتبه، ولكن دب بها الخوف عندما تحدثت "نيروز" بلهفة قائلة لها:

"بعد الشر يا ماما قلبك إيه بس، متقوليش كده، وأديني يستي هيتكتب كتابي بكره إن شاء الله وحاجة يعني مبتحصلش بالسرعة دي، افرحي وفرحيني معاكِ ومتفكريش في أي حاجة بقى." "ربنا يريح قلبك ويسعدك يا بنتي انتِ وإخواتك ومشوفش فيكم وحش أبداً." قالتها وهي تتنفس بأريحية شديدة، ثم دفعت "نيروز" بمرح حتى تستلقي بجانبها على الفراش، مما جعل ملامح الأخرى تبتهج على ما ستفعله والدتها. ***

تسطح على الفراش ممسكًا بهاتفه والإبتسامة تشق وجهه وهو يتطلع على صورتها العفوية معه. كم كانت تلقائية عفوية وهو يدفعها على فجأة ليلتقط الصور. خرج من شروده بها وبملامحها عندما وجد الآخر يخرج من المرحاض، متوجهًا له يجلس بجانبه وبيده المنشفة القطنية. وكزه "شادي" بخفة ثم هتف له غامزًا بمرح: "العريس الجاي بقى، أيوه بقى." ضحك "غسان" على ما يفعله الآخر، ومن ثم ردد بنبرة هادئة:

"متعرفش مكان حلو أحجزه من دلوقتي لكتب الكتاب ونجيب المأذون على هناك." قالها بتفكير، بينما نظر له الآخر بهدوء ثم هتف بمفاجأة: "مكان إيه؟ أنا حجزتلك المكان خلاص وكلمت كمان المأذون وخدت رقمه من حازم. انت بس جهز بطاقاتك وورقك وانت رايح انت وهي، والمكان محجوز من ساعة ما عرضت عليك إنك تفاتح أمها." نهض "غسان" ينظر له بغير تصديق مرددًا بتبجح لا يليق مع الموقف: "انت مجنون! افرض مكنتش أمها وافقت؟

"لا وافقت وكنت عارف إنها هتوافق. مفيش أم هتسيب بنتها تتكسر قدام عينيها وهي بتاخد واحد مبتحبوش واللي بتحبه موجود ولسه فيه فرصة يبقوا لبعض، بالذات لو قرايب ونسايب وجيران زيكم، ناس مين اللي مش هتوافق بكده وحازم نفسه اللي أبوه ناوي يعمل اللي هيعمله ده وواقف معانا إحنا وقالك خد الخطوة وفاتح أمها، وهو عارف أمها هيبقى رد فعلها عامل إزاي حتى لو عارضت في الأول. وبعدين يعم لو كل ده كان في الفاضي بمكالمة تليفون نلغي كل حاجة مش مشكلة هي، المهم الوقتي انت عريس، عريـــس ياض."

ضحك "غسان" بقلة حيلة منه ثم مال عليه ليحتضنه بحب أخوي وامتنان، ثم هتف له قائلاً بشكر: "مش عارف أقولك إيه يا شادي. دايماً سابقني بخطوة، حتى لو كنت قبلك بلف وأرجعلك تاني لما الدنيا تزنق عليا. ربنا يخليك ليا يا صاحبي." ابتسم له "شادي" باتساع وهو يجيبه بعاطفة أخوة:

"أقل حاجة تتعمل عشانك يا غسان. قيمتك أغلى من كده بكتير. وابسط يعم مش كده وبس، أنجز الجامدة، اديتك إجازة يومين على ما تكتب بكره وتحتفل انت وهي على الأقل بعده، زي ما هي خدت إجازة بالظبط. بس متتخدوش عليها بقى عشان أنا خلقي ضيق!

قالها بمرح مما جعل "غسان" يضحك عليه وبخفة، بينما اعتدل الآخر بجانبه كي يتسطح على الفراش. واعتدل "غسان" في نومته وهاتفه بيده، بعد أن نظر على صورتها معه قبل أن يضعها خلفية لشاشة هاتفه، لتصبح قولاً وفعلاً لا تغيب عن باله ولا أنظاره. تنفس بارتياح منتظر موعد كتابة اسمها على اسمه حتى تصبح زوجته قولاً وأمام الجميع. شرد بنقطة عمها وما ينوي فعله بها. أيقن الآن وتوعد بنفسه أن اقترب أحد منها لن يحدث له خير. كفى ما عانته بحياتها

دون أن يعلم أحد إلى الآن بأنها تذهب لطبيب نفسي. لا يعلم أينهره نفسه على تسرعه بتلك الخطوة وهي إلى الآن تهاب أشياء كثيرة، أم يتنفس بارتياح لكونه أصبح مصدر أمانها واطمئنانها، الركن الآمن الخالي من الخوف. نظراتها وطبيعتها تظهر من أمامه دون تكلف، وهذا ما جذبه ناحيتها، ليست متصنعة، بل كان كل ما فيها بسيط هادئ مريح لعينيه وقلبه. خرج من شروده عندما هتف الآخر بشرود وهو ينظر للأعلى مرددًا

بسؤال تلقائي: "بقولك إيه؟ أنا عاوز أسألك سؤال." همهم الآخر وهو يطالعه بانتظار، فهتف "شادي" قائلاً بتفكير: "هو معنى اسم نيروز إيه عشان غريب أوي وعايز أفهم." ضحك بخفة ثم رفع يديه يضربه على وجهه وهو يضحك من عبثه، بينما نظر له الآخر مبتسمًا بانتظار كي يجيبه حتى أجابه أخيرًا بنبرة هادئة لينة، بلمعة عينيه الذي لم يعرفها إلا سواها. ثم قال بهيام لم يظهر إلا له هو وحده من يشعر بمعنى اسمها حينما هتف بمعاني اسمها المتعددة:

"نيروز يعني العيد ويعني الوردة المتفتحة، وبداية يوم جديد، ويعني السعادة والسرور." قالها بتوضيح، وقد أتى بكل معاني اسمها. نظر له "شادي" بإعجاب، ثم هتف بمرح: "ده اسمها عاوز قاموس لوحده! ضحك بخفة عليه وهو يحرك رأسه، فعاد "شادي" يسأله بفضول: "حبيتها إزاي يا غسان وإيه اللي شادك فيها وانت جاي وعارف إنك مكنش في دماغك إن ده يحصل، ده النصيب ده عجيب وغير متوقع بالمرة يا جدع!

تنفس بعمق، ثم أخرج أنفاسه الساخنة للخارج تزامناً مع إجابته له بكل صدق وصراحة، غير عابئ بحديثه الكثير منذ أن عرفها. فمن قبلها كان قليل الحديث، لا يشارك إلا بقليل.

"مش عارف، بس مرة واحدة حسيت إني برتاح في وجودها. والنفس كده بيخرج ويدخل وأنا مرتاح. يعني لفت نظري تفاصيلها الصغيرة، وكسوفها من أول ما نزلت معايا الشغل وركبت معايا العربية ودخلت معايا الشغل والعامل قالي دي المدام. مكنتش أعرف بقا ساعتها إنها أه المدام مستقبلياً. احمرت هي في بعضها، ومن ساعتها وأنا كنت بحاول من غير ما أحس إني انتهز كل الفرص واللحظات عشان تتكلم معايا وتكسر حاجز الصمت. ولما اتكسر، رجعت أستغل كل الفرص عشان

أكسفها من غير ما أحس بردو. ولما حسيت إني مش ثابت قدام عينيها وهي بتضحك ولا حتى بتعيط، وشوفتها صدفه وهي كده وأنا مش عارف إيه ده. عرفت إني بحبها، لما لقيتني مهزوز قدام دموعها ولا حتى ضحكتها. لما لقيتني الدم بيجري في عروقي عشان أعرف مين سبب زعلها. ولما غيرت أول مرة عليها في المستشفى، لما عز جري عليها وقالها فيروز، وكأنه كان فرحان إنه لقاها وكان بيدور عليها مش أنا!

ساعتها قولتله بالنون يحبيبي من غيظي، وكنت قاعد بمسافة بعيدة وقربت عشان أسمع بيقولوا إيه. كل ده وأنا مكنتش حاسس إني بحبها. بيني وبينك قولت ماله الواد ده، حاسس ناحيتها بحاجة ولا إيه. بس عرفت النهارده هو كان متلهف كده بسبب إيه ومين. مش عارف أقول حاجة يا شادي، بس أنا بحبها وخلاص، من غير ما ندخل في تفاصيل." لم يسمع سوى صوت ضحكات صديقه العالية وبقوة، وهو يردد بنبرته الضاحكة: "ده انت جبت أم وجد وخال وعم التفاصيل يجدع!

من غير تفاصيل إيه بس؟!!

ضحك بخفة عليه، وهو يراه يعتدل في نومته ويكمل ضحكاته. بينما التفت هو يعتدل للنوم. ولم ولن يحمل هماً بسبب فكرة أنها ستكون له ولا مفر من ذلك. إذن لا انتظار بعد هذه الثانية إلا انتظار عقد القران. عقد قرانه عليها وعلى حب طفولته البريء. عقد قرانه على صاحبة الذكريات. ليكمل ما بدأه منذ أن كان صغيراً، من ذكريات البراءة العبثية، حتى تعود حبال برائتهما وذكريات المأوى لدى كل منهما. عقد قران وعودة حبال البرائة لتوصل مرة أخرى. هو غسان، وهي نيروز، وبينهما الحب كما يحب أن يكون.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...