الفصل 22 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
24
كلمة
9,848
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18
"إزيك يا فرح وأخبار صحتك النهارده؟" طالعته بابتسامة صغيرة ثم ردت بلهفة بسيطة: "حتى بعد ما حدث لها هي وشقيقها أمس، ولكن إفاقة والدتها تثير بهجة كل شيء. أنا كويسة الحمد لله، وطالعة أشوف ماما." ابتسم لها بسام ثم طالع عينيها الذي ظهر بهما الحماس وهو يتحدث قائلاً: "ربنا يبارك في عمرها، كان المفروض تقابلوها بدري عن كده، بس الصبح مكنتش فايقة أوي ولما قالوا نستنى، عز قالي إنه نازل الشغل، فـ إن شاء الله وإنتِ طالعة دلوقتي تشوفيها بألف خير وربنا يخليكم لبعض." أومأت له فرح بتفهم ثم قالت بحبور ممزوج بالأسف: "حتى لو ده واجب عليك، بس شكراً. وبتأسف على اللي حصل إمبارح ده." "لا يهمك، ربنا يصلح ويهدي الحال. محتاجة حاجة؟" أومأت له بالنفي ثم نظرت له كعلامة لسيرها وهي تتوجه أكثر لتركب المصعد، ومن ثم التفت هو بعدما اختفت من أنظاره حتى يسير يكمل طريقه للخروج. "يعني إيه مينفعش الصوت يوطى؟ إنتِ معاهم ولا معايا بالظبط؟" قالتها زينات بانفعال أمام وجه زوجها بنبرتها الجامدة، فـ قلب سليم عينيه بغيظ، ثم أشار لها بحديثه هو الآخر: "إنتِ ست اتهبلتي فـ مخك شكلك كده! يعني إيه عايزة النهاردة الزفت الحنة وميشغلوش أغاني عشان خاطر عيونك، ولو شغلوها تبقى واطية تتعمل إزاي دي!" نهضت تقف ثم نظرت له بغضب، مرددة بحقد: "لأ إنتَ اللي الظاهر كده جرالك حاجة، يعني بنتي متغيبة ومعرفش هي فين وابني كمان ودول رايحين يتبسطوا ويشغلوا أغاني وعايشين الدور وأنا هنا أقعد أندب فـ حظي من اللي بيعملوه!" صمتت عندما وجدته يطالعها بنفس نفاذ الصبر لديها حتى واصلت قائلة مرة أخرى: "لأ ومش بس كده، دا كمان قولتلك على الهانم واللي عملته فيا امبارح هي والاستاذ اللي ماشية معاه ومغفلاك ومغفلاهم كلهم. إيه؟ إن مراتك تتثبت من واحدة وفـ مكانها ومكان بيتها كده عيني عينك عادي؟ والبجاحة واصلة كمان من عنده لعندها. كل ده ميخلنيش أبقى كده ولا تتلحلح وتشوف بنت أخوك اللي رباطها فك منك ولا عاد هاممها حد من ساعة ما ماشية مع ابن دلال، لأ وايه شغل بلطجة طالع منهم مش لايق أصلاً. بس ولا كأنهم ولاد شوارع اللي عيشت طول عمرك تقول على حسن مترباش وابن شوارع وبلطجي. شوفت بنفسك إيه اللي حصل وسمعت وعرفت مين اللي مترباش وبلطجي، إذ كان هي أو المحروس اللي معاها. يكون في علمك أنا مش هسكت يا سليم!" نظر لها وهو ينصت بتمعن لكل حرف تردفه هي. وما أن انتهت نظر لها باستنكار، ثم ردد باختصار جعل فضولها يزداد: "كل ده إنتِ قولتي يا زينات؟ ورجعت أقولك برده بنت أخويا أنا عارف أنا هربيها إزاي وأوريها وألمها من اللي بتعمله. لكن الحنة دي أمر مفروغ منه، وريني هتقفلي الأغاني إزاي لو عرفتي تعمليها. اهدي ومتعمليش مشاكل مش ناقصينها، واقعدي اتفرجي الحق هيرجع إزاي من سكات. هو كل حاجة بالدراع والصوت؟ في عقل؟ يارب تكون دماغك المتقفلة دي فهمت. واديني ماشي وسايبلك الحتة ببعضها عشان تخفي نكد علينا واحنا لسه بنقول يا هادي." رماها على مسامعها مع احتفاظه بغموضه ثم رحل من الغرفة بأكملها وهو يتركها. توجهت من بعده تتجهز لما نوت عليه فالحال تاركة فضولها ليشبعه هو في القادم مادام رمى على مسامعها تلك الكلمات الغامضة. إن حدث كمثل تلك المناسبة في بيت وجو عائلي كمثل هذا لم تصبح الشقة هادئة تماماً كما كانت شقة سمية. الوضع كالآتي.. المقاعد الكثيرة في المكان بسبب أن حنة العروس ستكون بالمنزل على هيئة مناسبة متوسطة ليست كبيرة هائلة، فقط يكفي ليوم الزفاف بالقاعة. كانت وردة تنظم الشقة وسمية تطهي بالمطبخ مع جميع النساء. فاليوم موعد الغداء سيكون بمنزلها هي والجميع سيحضر. يامن يلعب بعشوائية، ونيروز تساعد وردة ولأنها لم تذهب لعملها اليوم، بل ذهب هو بمفرده فقط. وكانت ياسمين تتجهز للخروج حيث سنتر التجميل. حتى وإن لم يكن فستانها كبيراً، منفوشاً، وحنتها صغيرة بشقة، فذهابها يعد مهماً كما تفعل الفتيات من وضع مساحيق للتجميل. كانت الأغاني صادحة بالمكان والحركة تعم أرجاء المنزل. خرجت لهن ياسمين وهي تتجهز ثم نظرت لهما. نظرت وردة لها بتأثر وهي تتجه نحوها ومن خلفها نيروز. نظرت لهما ياسمين وهي تحاول أن تهرب من أنظارهما، بينما نظرت لهما بتأثر وهي تتحدث بحديثها العفوي: "لأ بقولكم إيه، لو حد عيط هعيط وأزروط الدنيا هنا هه!" لم تكمل الجملة إلا وكانت تتحدث بنبرتها المختنقة ثم هبطت الدموع من عينيها تأثر بما يفعلانه، فقد توجهها الاثنان ليدخلا بين أحضانها. تمسكت بهما هي بقوة وهي تتنفس بعمق. لحظات، وخرج الاثنان من بين أحضانها حتى تحدثت وردة أولاً بصوت مختنق: "فرحانة بيكي يا هبلة." "وأنا كمان فرحانة يا ياسمين أوي." قالتها الاثنان بتأثر، حتى خرجت سمية ومن معها بالمطبخ من النساء. رأت ابنتها تتجهز للخروج فتوجهت ناحيتها ثم نظرت لها بحب وسعادة وهي تتوجه لتحتضنها ثم خرجت من أحضانها قائلة: "متحطيش مكياج كتير على وشك سامعة؟ عشان تباني كده يوم الفرح." ضحكن عليها الفتيات والنساء، بينما تحدثت دلال من بين ضحكاتها: "صح سمية عندها حق بردك." ضحكت ياسمين رغماً عنها ثم أومأت قائلة بقلة حيلة: "حاضر. حاجة تاني؟" ابتسمت لها سمية ثم رددت بنبرة هادئة: "لأ يا حبيبتي. في رعاية ربك إنتِ مادام حازم هيوصلك، ونيروز هتبقى تجيلك بعد كام ساعة لما تخلصي وتجهزي. عشان في حاجات كتير عايزة تتعمل. خلي بالك من نفسك." أومأت لها وهي تبتسم ثم أشارت لهن بالوداع وهي تتوجه لتخرج خارج الشقة. نظرت وردة بأثرها بتأثر، فانتبهت هي لمن يمسك بقدمها من الأسفل حتى وجدت صغيرها على مشارف البكاء، حملته حتى تداعبه قليلاً بعيداً عن الأنظار. بينما ابتسمت دلال قائلة بلطف: "أنا رايحة أشوفهم كده فاتهم جم من الشغل وهجيلك تاني يا سمية.." ابتسمت لها وهي تومأ لها، بينما كانت عايدة بالمطبخ. نظرت سمية لابنتها التي وجدتها شارده والدموع المكتومة بعينيها التي لاحظتها. تنفست بعمق ثم توجهت لتمسك يد نيروز وهي تسحبها خلفها بهدوء إلى حيث الشرفة التي توجد بالصالة. إلى أن وقف الاثنان أمام بعضهما. نظرت لها "نيروز" بترقب. تنفست "سميه" ببطء وهي تتحدث قائله بتفهم: "مش هتقوليلي إنك زعلانة ومش فرحانة أوي؟" هربت "نيروز" بأنظارها ثم هتفت تبرر بسرعة: "ايه اللي بتقوليه ده يا ماما أكيد طبعاً فرحانة ليها أوي بس زي ما فرحانة زعلانة إنها مش هتبقى معايا زي الأول." ابتسمت لها والدتها ثم رفعت ذراعها لتحضنها بحب، حتى دخلت الأخرى بين أحضانها وهي تتنفس بعمق. جاءها صوت والدتها وهي تقول: "كلنا هنا يا حبيبتي جنب بعض، افرحي واتبسطي ومتفكريش كتير لحد ما يجيلك نصيبك انتِ كمان." خرجت من أحضانها وهي تردد تلك الكلمة التي بدت وكأنها غريبة عليها الآن: "نصيبي!!" "أيوه نصيبك وأفرح بيكِ وأشيل عيالك، هو انتِ صغيرة يعني اللي قدك دلوقتي معاهم عيال يا حبيبتي." ابتسمت لولدتها ثم تحدثت قائلة وهي تهز رأسها تنفي: "عارفة بس مش عايزة أفكر فالموضوع ده دلوقتي خلينا في ياسمين." ضحكت "سميه" بخفة ثم أشارت لها بغير اهتمام قائلة من بين ضحكتها على رد فعل الأخرى: "يختي تفكري متفكريش كل واحدة مسيرها بيت جوزها في الآخر.. أما أروح أشوف حلة المحشي اللي على النار وطنطك عايدة لوحدها في المطبخ." قالتها ثم تركتها تقف بمفردها تفكر فيما رمته على مسامعها. اقتربت هي من اختيار ما تنوي أن تكون معه، ولكن خوفها من تلك الخطوة تظل تحاصرها. ولكن على أية حال تعلم أنه سيحافظ عليها وربما تريد التأكد أكثر. نفضت من عقلها ما تفكر به ثم سارت تمسك بالمكنسة وهي ترتب من جديد. وصوت الأغاني كان الأقوى في أن يهزم أفكارها. قبل قليل، دخلت "دلال" شقتها. تعلم أن زوجها خرج مع "بدر" ولم يكن موجود بالشقة وكذلك "وسام" التي ذهبت لدروسها. دخلت تخلع حجاب رأسها بإنهاك، حتى ظنت أن لم يوجد أحدهما بالمنزل من توأميها. ذهبت إلى الغرف وبالأخص غرفته فهو على الوقت الذي كان سيأتي به فمن المفترض أن يوجد هنا. دقت الغرفة دقة واحدة ثم فتحتها سريعاً لترى هل يوجد بها أم لم يوجد. دخلت إلى الداخل فوجدته يجلس على الفراش وما أن رآها رفع يديه يمسح دموعه بسرعة قبل أن تنتبه. ابتسمت له من على بعد وهي تتجه تزامناً مع حديثها: "انت جيت يا حبيبي.. دا أنا لسـ..." ولأنها أم شعرت سريعاً بأن به شئ وما أن لمحت دموع عينيه ولون عيناه الممزوجه بالإحمرار الخفيف هرولت بخطوات سريعة وهي تقف من أمامه بعد أن قطعت كلماتها. ثم جلست بجانبه فوجدته يطالعها بالعجز الذي عاش يخفيه أمامهم. لم تشعر بنفسها إلا عندما دفعته سريعاً بين أحضانها بقوة وهي تردد بنبرة مختنقة: "مالك يا حبيبي.. مالك؟!" قد وجد الآن أحضان دافئة آمنة يدخل بها لتكشف عن كل ما بداخله من رواسب. سمعت صوت شهقته التي ما أن يسمعها أحد يقسم بأن شهقة هذا الرجل جاءت بعد عناء عاناه رجل كان صامداً كالجبل حتى وقع مرة واحدة بعد صلابته. سمعت صوت بكائه وقلبها ينهش لأجله. أكان يتمسك ما أن يعود لمنزله ولأحضانها لكل هذا البكاء. صوته الممزوج بالبكاء وهو يقول: "أنا تعبت أوي يا ماما." جعلها تبكي لأجله دون فهم أي شئ. ضمته أكثر ثم رددت بضعف، يقسم من يراه بأن ضعفه بنبرته كان كطفل عاجز عن القول وشرح ما به من آلام فقط كمن كان رضيعاً لا يفقه شئ في هذه الحياة. رددت هي بنفس الضعف الذي ظهر وكأن ضعفه مرض معدي أصابها للتو: "بسم الله عليك يا ضنايا.. بسم الله عليك اهدي." ملابسها المنزلية التي كانت ترتديها تبللت من عند مقدمة الصدر من دموع عينيه عندما كان يستند على قفصها الصدري. لا يهم ذلك بل كان أملها بأن تبتل بدموع فرحه وليس قهر كما تراه. آهات عالية خرجت منه ومن بعدها خرج بحديثه المتألم: "ليه أنا؟.. قوللي عشان خاطري." عجزت عن الرد بل جاء بخاطرها موضوعه ولكن دون علمها بما حدث منها إلى الآن. عندما عجزت عن الرد وجدته ينبس مرة ثانية بقسمه الذي يبرر لها به وكأنه يبرر للحياة وبما فعله بها منذ أن كان واعياً بالغاً لم يتقرف شئ بحق أحد: "ليه؟ أنا معملتش حاجة لكل ده.. والله ما عملت حاجة وحشة في حياتي لحد.. أنا.." صمت يأخذ أنفاسه غير واعياً لشهقات وبكاء الأخرى حتى واصل مجدداً بنبرة مختنقة: "أنا عشت طول عمري مأذتش حد.. ليه أتأذى بالشكل ده.. قوللي!!" تقدمت برأسها تميل على كتفه من الخلف وهي تحتضنه ثم هبطت دموعها على قميصه، مرددة بنبرة أجهشها البكاء: "عارفة.. عارفة يا حبيبي إنك مأذتش حد.. مش ذنبك يا ضنايا إن الدنيا مش عادلة.. والحقيقيين محدش بيستحملهم.. حقك عليا يا بني.. حقك عليا بس متوجعش قلبي كده.. متبقاش ضعيف مكسور كده تاني عشان خاطري انت كده بتوجع قلبي عليك يا صنايا مش قادرة." لم ينبس بأي كلمة بل ظل صامتاً يرد فقط بدموع عينيه التي تهبط مع شهقات بين الحين والآخر. كما أن دموعها الساخنة بللت ملابسه كما فعلت دموعه معها وكأن دموع كل منهم للآخر تطهر الجرح وتداويه. لم يكن الوضع سوى كل منهما بأحضان الآخر وصوت الشهقات والدموع لكل منهما. طرف ثالث! دموع أخرى غيرهما. كان واقفاً يتابع المشهد منذ بدايته ومنذ أن جاء من الخارج. وقف خلف الباب يستمع لحديث شقيقه المنكسر. لم يتحرك خطوة واحدة بل ظل واقفاً مكانه حتى هبطت دموعه المشفقته على شقيقه والمتألمه له. يمنع أن تهيج الدماء بعروقه مرة أخرى ولكن دموع شقيقه لم تمنعه من خطوة كان ينوي فعلها والآن قد تعجلت! التفت يخرج وهو يسير باتجاه باب الشقة بخطوات خفيفة حتى لا يسمعه أحدهما. أغلق "غسان" الباب من خلفه بهدوء وهو يخرج منه إلى حيث ما كان يريد فعله بعد فترة. خرج إلى الخارج حتى كاد أن يتوجه للمصعد. قطع طريقه هي وهي تمسك بالمكنسة تقوم يكنس مقدمة باب الشقة وترتيب "جزامة الأحذية". التفتت تنظر من يقف خلفها. فوجدته هو. ابتسمت له وهي تقترب لتقف أمام أنظاره. فهرب هو من أمام أنظارها وهو يدير وجهه الذي يوجد على أثره دموعه. توجه ليقف أمام المصعد وهو ينتظر. فسارت هي من خلفه ثم رفعت يديها تدير وجهه وهي تردد بلهفة تسأله: "انت بتعيط؟" رفع يديه يمسح ما تبقي من دموع عينيه. حتى فتح له المصعد. ولم يرفع أنظاره لها بل توجه ليدخل به ثم التفت بكامل جسده وهو يبتسم بسمة صغيرة مردداً بإختصار: "لأ." قالها ومن ثم قد أغلق المصعد بابه تدريجياً ليختفي من أمام أنظارها. نظرت بأثره باستغراب يغلغه الخوف عليه واللهفة. التفتت تكمل ما كانت تفعله وعقلها بمكان آخر منشغل من تغييره اللحظي. وقفت اللحظة عندها هي، "فرح"، لم تأخذ نصيباً من اسمها، ولكن كل ما قد كان وما يكون وسيكون لا فائدة له الآن مقابل تلك اللحظة، لحظتها وهي بأحضان والدتها، في حين معاناة الاثنان. كان هو بأحضان والدته يبكي بحرقة وقهر من ما فعلت به الحياة، وبنفس الوقت كانت قد دخلت هي بين أحضان والدتها تبكي بحرقة هي الأخرى، لا تعلم فرحة أم ماذا، ولكن كل ما تعرفه بأن وجودها بأحضان والدتها يشعرها بالاطمئنان. فترة كبيرة لم تستوعب أنها تجلس على الفراش أمام أنظارها. تحدثت من بين دموعها وهي تقول بلهفة: "وحشتيني أوي أوي يا ماما، أنا مش مصدقة إني قاعدة قدامك وإنك كويسة وفقتي." ابتسمت "حنان" بتعب ثم ردت بنبرة منخفضة: "وحشتيني أوي يا فرح، مش عارفة بقالي قد إيه بس أكره غيابي يا بنتي لو هو اللي خلى شكلك كده، مالك يا حبيبتي؟" نظرت "فرح" لها بتأثر، وهمت بنبرة هادئة تطمئنها قائلة: "أنا كويسة وشكلي زي ما كنت، المهم إنتي، مكنتيش بتغيبي لحظة عني، كنت بدعيلك دايماً وبقرأ القرآن اللي قالي عليه دكتور بسام، بقيت بنتظر الصلاة في كل لحظة عشانك وعشان أدعيلك، ربنا يسامحني لو كنت بدعيله وبتقرب منه لسبب، بس من غير قربي منه وصلاتي مكنش هستحمل غيابك أبداً." ابتسمت والدتها بتأثر وقد أدمعت عينيها، ثم حاولت أن تأخذ أنفاسها وهي تسألها بلهفة: "عز.. فين عز يا فرح؟" "عز فضل مستني طول الليل عشان يشوفك ومعرفش ينام، لما الصبح جه وكان متلهف أوي بجد للحظة ولما قالوا إنك لسه نايمة وفضل مستني جاله مكالمة شغل مستعجلة فراحها بسرعة وهيجي تاني ليك." ابتسمت بتأثر، ثم وضعت يديها على يد ابنتها وهي تتنفس ببطء، واضعة يديها على موضع قلبها: "إنتي مش كويسة يا فرح، قلبي حاسس بيكي." "لا كويسة والله الحمد لله، اطمني إنتي بس." نظرت لها بتشكك ثم أردفت بنبرة تائهه تسألها بترقب: "شريف عمل إيه يا فرح؟ أنا قولتلُه ييجي قبل ما أدخل العمليات ومعرفش حاجة، قولولي يا بنتي إيه اللي حصل وطمنيني." هربت بأنظارها ثم نهضت تجذب الغطاء لتضعه عليها حتى تغير مجرى الحديث: "إفردي ضهرك وارتاحي يا ماما." "قوليلي يا فرح وريحي قلبي." لم تنبس الأخرى بأي حديث، بل ظلت صامتة، بينما انتبه الاثنان له وهو يدخل الغرفة بحماس، ثم نظر وهو واقف مكانه بلهفة وعيناه تملؤها الدموع، حتى تحرك لها وهي تفرد ذراعيها له، ومن ثم توجه ليدخل بين أحضانها قائلاً باختناق في نبرته: "كنت عارف إنك مش هتسيبيني لوحدي في الدنيا دي!" تشبثت به بقوة وتأثر، حتى خرج "عز" من بين أحضانها وهو يمسك يديها يقبلها بحنو، تزامناً مع قوله المتأثر المبهج يسألها بفرحة: "كده أقدر أقول إن المعركة انتهت وإنتي اللي كسبتي صح؟" قالها وهو لا يصدق ذاته وكل ما يحدث، لم ترد عليه هي، بل ابتسمت بحب أكثر عندما توجهت "فرح" تحتضنهما بتأثر وهي تقول: "مش عاوزين نقلبها نكد، قوليها يا عز على اللي نويت تعمله هتفرح أوي بدل الجو ده!" ترقبت "حنان" الحديث، في حين وجدها "عز" اللحظة المناسبة حتى تتحسن نفسيتها أكثر مما كانت تفضله له. اعتدل يجلس ومازال يمسك بيديها، و"فرح" تجلس من خلفه، ثم قال بنبرة يملؤها البهجة وبها ذرة من التردد الداخلي والخوف من ما هو آتي من تلك الخطوة: "لما عرفت إنك فقتي الفرحة مكنتش سيعاني، لما وعدتك إنك لما تقومي منها هفكر في موضوع جميلة، اتكلمت معاها وقولتلها إني هفاتح أبوها وأخوها في الموضوع واللي ربنا عاوزه هيكون..!" نظرت له بغير تصديق ثم ردت بفرحة عارمة وهي تتمسك بيديه: "بجد يا عز؟" أومأ لها هو وشقيقته بحماس، فتحدثت هي مرة أخرى بسعادة: "ربنا يفرح قلبك يا بني ويجعلها من نصيبك وميكسرش قلبك أبداً، شوفت لما تنوي تعمل حاجة إزاي حمل يأسك يخف من جوا شوية وتكافح.. زي ما طول عمرك بتكافح يبني!" مال ليطبع قبلة على رأسها مردداً بهدوء وهو يبتسم قائلاً لها: "قررت إني هحاول عشانها، وكل اللي جاي من عند ربنا، وبعدها من دعواتك ادعيلي عشان بقالي فترة ماشي من غير دعواتك ليا يا حنان..!" نظرت لهما بحب، ثم تنفست قائلة بتنهيدة: "صحيح بقالكم فترة من غير دعواتي بس كنت ولسه سيباكم في رعاية ربنا اللي مفيش أحسن منه، استودعتكم الله يا حبايبي." هز لها رأسه ثم أخذ الغطاء يضعه عليها باهتمام ما أن رأى على وجهها الإرهاق، ولكن توقفت يديه عندما سألته: "مقابلتش شريف يا عز؟" حرك يديه مرة أخرى وهو يتظاهر بعدم الاستماع تحت أنظار شقيقته المترقبة، فواصلت مرة أخرى تسأله وكأن السؤال لا يخرج محتواه عن عقلها: "مشوفتوش؟" "شوفته وقابلته وكل حاجة عدت وإنتي الوقتي تعبانة مش وقته الكلام بس أوعدك لما تفوقي شوية هحكيلك على اللي حصل ماشي؟" أومأت له رغماً عنها ثم مال ليطبع قبلة على رأسها وهو يدثرها جيداً بالغطاء، ثم أشار لشقيقته بأن تخرج وهو كذلك حتى أغلق الغرفة من خلفه، تاركاً الممرضة التي ترافقها تدخل لها فقط. وقف أمامها بالخارج ثم ابتسم لها وهو يضع يديه على كتفها قائلاً: "حازم كلمني النهارده عشان الحنة والفرح، فكمان كام ساعة هروح البيت أجهز، وإنتي البسي من لبسك اللي معاكي هنا وهاجي آخدك بعد ما أخلص شغل، اتفقنا؟" أومأت له بابتسامة صغيرة ثم رفعت يديها تمسح عرقه من على جبهته أثر فرحته بما حدث، مما جعله يبتسم بحنو لها وهي تقول: "اتفقنا." بنفس المكان، مكان رجوع وجع شقيقه، عودتها عقدت من كل شيء، جعلته تائهاً في الحياة مرة أخرى، لم ولن يسمح بترك شقيقه عمله والذي يعلم جيداً ما يفكر به الآخر من هروبه من الواقع الأليم. قيادة سيارته فور سماعه لحديث شقيقه المتألم جعلته يأخذ خطوة كان سيأخذها عقب انتهاء أحداث اليومين القادمين! ولكن دموعه ليست هينة عليه كذلك حتى وإن كان هو نفسه مكسوراً إلى الآن من حديث شقيقه له وبما فعله به. ملامح وجه التي دوماً ما تكون مبتسمة ليست صارمة عابسة، بل كان بشوشاً هو وشقيقه الذي كان بشوشاً أكثر منه. لم يكن يوماً فظاً في المعاملة ليؤذي أحدهما، وياليت تلك الحياة تعدل يوماً مع من عاش طيلة حياته يسير بجانب أحد الحوائط غير مبالياً بأحد ليؤذيه. جاء ليأخذ حق آخر ولكن ليس بيديه كما حذره شقيقه، كونه بالمستشفى كشخصية "بسام" وليس "غسان" جعل الأنظار ليست مستنكرة. فوقوفه الآن دون ارتداءه البالطو الأبيض وهو يشير لممرضة في الطابق الأعلى أمام المصعد، جاءت له سريعاً كونه الطبيب المعروف هنا. نظرت له مبتسمة وهي تجيبه على ما سألها رغم استغرابها بكيف لم يعلم هو مكان الغرفة الذي لا يصعد إليها سوى مرافق واحد للمريض والأطباء والممرضين فقط لا غير. وكأنه شخصية الطبيب صعد في المصعد سريعا، بعدما أعلمته مكان الغرفة ورقمها بالتحديد. خرج من شروده بما يفكر به وهو يتوجه ليقف أمام الغرفة الآن. دقت اللحظة الحاسمة، وخروج شره عليها للمرة الثانية. لم يدق الباب هو، بل فتحه على فجأة ثم دخل وهو يغلقه خلفه دون أن ينظر على الجالس. ثم جذب مقعدًا سريعا يضعه خلف الباب حتى لا يفتح شخص من الخارج. وقفت هي في الخلف على فجأة وكادت أن تعنفه، ولكن صمتت حينما التفت بكامل جسده يقف أمامها بشموخ. وزع أنظاره على المكان فوجد والدها الجالس يظهر عليه التعب. حرك أنظاره سريعا عندما هتفت هي بتعلثم: "عاوز ايه.. تاني يا غسان!" "هقولك" قالها باختصار وهو يتوجه يقف أمامها بهدوء. ثم حرك أنظاره على والدها مشيرًا عليه مرددًا بتهكم: "كنت فاكرك ملكيش مكان غير جهنم، بس الظاهر ده هيبقي سبب فـ العكس." عقدت "تاج" حاجبيها باستنكار، ثم توجهت لتقف أمامه متحلية بالثبات: "عاوز ايه يا غسان؟!" تحرك من جانبها ثم توجه يجلس بجانب ذلك الذي يحاول التحدث، ولكن وضع "غسان" يديه على فمه سريعا وهو يميل ليتحدث بجانب أذنه قائلًا: "كان على عيني يا بشمهندس، بس لازم تاخد بعضك وتصفي حسابك من هنا وتشوفلك مستشفى تانية تتعالج فيها.." جحظت عينيها عندما وصل إلى مسامعها الحديث، حتى تحدثت بانفعال قائلة وعينيها تتطلق الشرر: "انت مجنون؟ نمشي ازاي ورحلة العلاج بدأت هنا؟" نهض على فجأة من سبها له، ثم توجه أمامها يمسك خصلات شعرها على فجأة كما فعل المرة السابقة، حتى تأوهت هي تزامنا مع قوله: "أنا هسكتلك عشان خاطر أبوكي اللي معرفش يربيكي، ولو أنا فاضيلك كنت ربيتك أنا. تمشي من هنا وتنزلي تصفي حسابك وتنقلي أي مستشفى تانية. المستشفيات مفيش أكتر منها. سامعـه؟!" أومأت له وهي تتأوه، حتى ترك خصلات شعرها عندما هتف الآخر وهو يحاول أن يتحرك لنهوضه من على الفراش قائلًا بضعف: "سيبها. سيبها أنا هعملك كل اللي انت عاوزه بس سببها." ما أن قالها تركها وهو يدفعها باشمئزاز بعيدا عنه. ثم ابتسم باتساع وهو يرفع يديه تعظيمًا له قائلًا يقاطع نهوضه: "تعجبني يا بشمهندس. خليك مكانك والله ما انت متحرك. وفر الحركة لما تمشي." توجهت هي سريعا تمسك بوالدها بلهفة. ثم نظرت له بصمت حينما هتف مرة أخرى: "أنا كده قولت اللي عندي. لو لمحتك صدفه انت وخيالك فـ حياة أخويا ساعتها محدش هيقدر ينجدك من تحت ايدي. الوقت لسه قدامك عشان تشوفي مستشفى تانية ملهاش علاقة بشغل أخويا.." نظر لها والدها بحزم بأن تومئ على حديثه، فأومأت هي بالإيجاب رغما عنها وهي تتمسك بوالدها خوفًا عليه. توجه "غسان" ليزيح المقعد حتى يفتح الباب، وقبل أن يفتحه التفت ينظر لها ثم ردد بجرأة وهو ينظر عليها يرمي لها حديثًا استشاط من غضبها: "إبقي قصري الفستان شويه عن كده خليهم يتلمو حواليكـي زي ما بتحبي." قوله الوقح ورغبتها العارمة في الرد عليه لم يمنع انفعالها وردها سوى مسكة والدها بها بأن لا تنهض. ابتسم بسخرية على عجزها ثم نبس بنبرة حادة يعيد على مسامعها ما قاله لها: "سلام. ومتنسيش لو لمحتك فأحلامه حتى هزعلك!" قالها ثم صفع الباب من خلفه بقوة، تاركها مرغومة على أمرها، فحتى إن لم تكن تريد ذلك، فوالدها الآن يفضل ذلك ولن تهدأ نفسيته المؤهلة للعلاج سوى لمستشفى أخرى تحنبًا لشر أحدهم والمشاكل الذي عاش دومًا يتجنبها حتى بعد رحيله بما هدده به هو! هدأ شيطان نفسه على الأخذ بحقوقه حتى لو كان حق غير كامل وغير عادل لشقيقه. ركب المصعد سريعا حتى يهبطه لأسفل ومن ثم الخروج من تلك المستشفى ليعود مرة ثانية لمنزله بعد هدوء صوته الداخلي المتألم لشقيقه ولو بنسبة بسيطة. فحتى ما فعله يكفي لعدم ضغط جرح شقيقه أكثر، سيكتفي بما لديه وفقط دون وجودها لتذكره بما فعله معها ومع إختياره الخاطئ المتسبب بقهره! "بقولك كده بقاله يومين يا شريف انت مش واخد بالك أنا بقول ايه!!" لم يهتم "شريف" الجالس أمامه وهو يعبث بهاتفه، بل رفع أنظاره بعد لحظات يوزعها بإهمال عليه وعلى "حسن" المسطح على الفراش بدرجة حرارته التي ترتفع تارة وتهبط تارة أخرى. لم ينبس سوى بكلمات مختصرة وهو يتنهد أمام أنظاره: "عادي يا آدم ده برد يعني. مش فاهم انت مقلق ليه كده؟!" نظر له "آدم" بتعجب، في حين نهض ليقف وهو يقلب القطعة القماشية على جبهة "حسن" تزامنا مع قوله الهادئ: "مقلق نفسي عشان خايف عليه يا شريف، هو ده مش صاحبي برده؟!" "صاحبك يعم، بس لو انت مكانه مش هيعمل اللي انت بتعمله ده. فملوش لازمة مش بياخد علاج مسيره يروق ويفوق ويطلب كيفه تاني طري انت بس!" قالها له بالمُبالاة. فالتفت "آدم" ينظر له بقلة حيلة مردفًا: "لا يا شريف. حسن لو وحش مع كل الناس مش هيبقي وحش معايا. وبعدين لو طلع وحش أنا يعم بعمل خير ليه. ما أنا مش هقدر أمنع خوفي عليه حتى لو ماشين فطريق غلط!" تنفس "شريف" بعمق ثم نهض من على الأريكة متحدثًا بنبرة هادئة: "والله انت حر بقا. مبيجيش من وراكم غير وجع الدماغ. أنا ماشي!" "أومال أنا جايبك ليه؟ أنا عاوزك تجيب دكتور البيت ليه لو فضل كده لـ بليل أو لبكره." نظر له بصمت ثم توجه ليخرج من الغرفة مع قوله الذي أظهر عدم اهتمامه: "طيب ابقا كلمني لو فضل كده اجبلك دكتور. سلام" قالها بغير اهتمام ثم توجه بخطوات ثابتة ليخرج من باب الشقة بأكمله، تاركه يقف يراعي صديقه! تجهز من المنزل من كل شيء وقد ترتب. كانت تنشر "نيروز" الملابس بشرفة الصالة بإنهاك بعد كل ذلك التعب. لمحته من الأسفل وهو يدخل إلى داخل المبنى. تركت ما بيديها ثم توجهت وهي تتحدث تزامنا مع سيرها لشقيقتها بسرعة: "كملي يا وردة كده علي ما أشوف حاجة.." سمعتها شقيقتها بالكاد من صوت الأغاني. فتوجهت هي لتفتح باب الشقة وهي تغلقه قليلا فقط. ثم انتظرته وهو يخرج من المصعد، حتى خرج منه سريعا وهو يبتسم لها ما أن رآها أمامه. نظرت له من تقلب حاله ثم سألته باستنكار: "مالك؟!" لم يريد أن يذكرها بما شاهدته قبل خروجه بل. بل ضحك بخفة وهو يرد على سؤالها بمرواغة: "والله ما عارف مالي من ساعة ما وقعت فيك..." نظرت له بتعجب من تغير حاله، أم كانت تتخيل فقط. نظر على حجاب رأسها باستنكار ثم أشار لها وهو يتحدث بدهشة: "مش معقول خوفك عليا خلاكي تطلعي بشعرك كده..!" وضعت يديها على رأسها سريعا، لم ترتدي حجاب رأسها وجلست بالمنزل بأريحيه لعدم وجود "بدر". و "حازم". احمر وجهها بشدة ثم نظرت حولها بتعلثم وهي تتحرك سريعا دون تفوه أي حرف حتى أغلقت الباب بوجهه. انتفض هو سريعا ثم ضحك بذهول على ما فعلته للتو وهو يلتفت ينظر ما إن رآها أحد أم لا! حرك رأسه. هو يضحك من عفويتها ثم توجه ليفتح باب الشقة وهو يغلقه من خلفه. وجد والدته تتجهز للخروج، حتى بعد أن جاءت شقيقته تبتسم له بسعادة ثم رددت بحماس: "إحنا مش معزومين على الغدا، مروحتش على هناك ليه؟" "جاي وراكم. فين بسام؟" تعلثمت "دلال" بنظراتها ثم هتفت تغير مجرى الحديث: "نايم. سيبوه. تعالو إحنا نروحلهم علي ما أبوك يجيب الحلويات علي هناك هو." وبدر تلك اللئيمة بحركاتٍ يعلمها من يقف أمامها، ضحك بخفةٍ من إخفائها ضعف ولدها حتى لأولادها. نبس بنبرةٍ هادئة وهو يدخل غرفته: _" جاي وراكم، بالسلامة أنتم." قالها فنظروا بأثره ولم يضغطا عليه، بل سار الاثنتان إلى الخارج. عاد مرةً ثانية ينظر، وما أن اطمئن من عدم وجود أحد، دق غرفة "بسام" بخفة ثم دخل وهو يغلق الباب من خلفه. ومن ثم التفت وجده ينظر على سقف الغرفة بشرود. تنحنح "غسان" وهو يرفع الغطاء ثم دفعه بمرح حتى يتسطح هو الآخر بجانبه قائلاً بتبجح: _" ما تخش ياض وبطل أنانية!" ضحك "بسام" رغماً عنه وهو يتزحزح قليلاً حتى يجلس الآخر بجانبه. رفع "غسان" ذراعه يضم رأس شقيقه ليضعها على ساقيه، فكان الوضع كالأتي: هو يجلس على الفراش يثني ركبتيه ورأس الآخر تميل عليها وكأنها وسادة حانية رغم صلابة عظامه. تنفس "غسان" ببطء ثم أردف بنبرةٍ هادئة: _" متستحقش الحب اللي أنت حبيته ولسه مش عارف تشيله جواك من نحيتها. جاور وإعرف اللي يهون عليك الدنيا مش هيندمك حتى فالبعدين. وإن ملقتش حد قابلك، تعلالي يعم بكل حزنك هستحملك. إن مكنتش أول واحد لسه عندك فالمكانة دي حتى بعد اللي حصل!" تنفس "بسام" بعمق، ثم تحدث بنبرةٍ هادئة له وهو ينظر لأعلى سقف الغرفة: _" مكانك متغيرش ولا عمرك هتاخد غير المكان الأول. لما الدنيا تضيق وأجري عليك أول واحد، بس أنا مش قادر. عاوز أسيب كل حاجة وأمشي. عاوز أسيب الشغل يا غسان وابعد.." علم الآخر ما قاله، بل اتخذ هو الخطوة من قبله عندما فعل ما فعله. تنهد يخرج أنفاسه وهو يجيبه بنفس النبرة الهادئة: _" قولي لو سيبت الشغل إيه هيحصل. حتى لو سيبت كل حاجة ومشيت ده مش حل. الهروب مش حل. الحل إنك تقف على رجلك وتقاوح ويبقي عندك إرادة فإنك تتغلب على كل ده عشان ترجع إنسان طبيعي عادي مش بيعاني من الماضي. حتى لو حبيت واتجوزت وحصلك نصيب مع واحدة تبقي إنسان سوي وعلاقاتك اللي قبل كده متأثرش عليك. وجودك مع نفسك فـ أوضتك لوحدك عمره ما هيقلل من حاجة، دا العكس ده هيخليك تقعد تجلد ذاتك كل شوية. لازم تقوم تقف على رجلك.. هتقوم؟" استقام "بسام" ببطء حتى يجلس بجانب شقيقه ثم أومأ له وهو يهز رأسه بضعف قائلاً: _" مش قادر أقوم." نظر له "غسان" بصمت ثم هز رأسه بتفهم، حتى نهض على مرة واحدة قائلاً: _" هتقوم يا بسام لو مقومتش مش هسامحك." قالها بجدية ونبرة صادقة خرجت بالكسرة والتعب الذي بداخله، بينما نظر له الآخر بأسف وهو يردد: _" أنا آسف يا غسان سامحني." نظر له بملامح وجه جامدة ثم نظر له مردفاً بنبرة تحفيزية: _" قوم يا بسام. أنا مش عاوزك ضعيف كده. خرج كل اللي جواك حتى لو هتكسر الأوضة دي الوقتي.. بس مش عليا يعني!" قالها بجدية مما جعله يضحك بخفة وهو يومأ له. نظر "غسان" على سترة الآخر الملقاة باهمال على المقعد، مد يده يلتقطها ثم أشار لشقيقه بأن يفتح ذراعيه ليرتديها إياها مردفاً بحزم: _" يلا عشان نلحقهم!" _" سيبني شوية طيب وهبقي أجي.." قلب أعينه بملل ثم دفعه بيده بأن يسير بجانبه. ابتسم الآخر رغماً عنه وهو يسير بجانبه إلى الخارج حتى يتوجه كل منهما إلى الشقة الأخرى وكأن أحدهما استطاع وببراعة سحب بعض اليأس منه وليس أكمله. في الشقة الأخرى، شقة "سمية"، جهزت الطاولة الكبيرة وجلس عليها "حامد" و"بدر" بعدما جاءا من الخارج بعد شرائهم بعض العلب المغلفة بالحلويات، كعلامة بقيام الواجب نحوهم من جهة الأقارب والجيران. كان "يامن" يجلس على ساق "حامد" وهو يهزه ليرقصه بخفة على الأغاني. بينما كانت النساء والفتيات فالمطبخ يجلب كل منهن الطعام. دخل "حازم" عليهم منذ قليل حتى جلس. باب الشقة المفتوح يدخل منه بعد وقت الآخر أحدهم، إلى أن دخل "غسان" هو وشقيقه. فذهب ليجلس بعدما هرول له "يامن" وليس شقيقه بسبب علامته من ذراعه. ضحك بخفة ثم غمز لـ "حازم" وهو يهلل وسط الأغاني: _". أحلى عريس." ضحك "حازم" له بسعادة ثم أشار له بأن يجلس تزامناً مع قوله: _" حبيبي يا غس!" _" هعديهالك غس دي عشان أنت عريس بس." توجه من بعدها ليجلس وبجانبه شقيقه. ومن ثم خرجت النساء والفتيات أخيراً وجلس كل منهن على المقاعد. كانت تتحاشى النظر إليه وما أن تقابلت عينيه بعينيها غمز لها "غسان" بعبث، فهربت بأنظارها سريعاً. كاد أن يبدأ الجو في المبهج بتناول كل منهم الطعام ولكن قاطعهم صوتها وهي تدخل الشقة المفتوح بابها دون إذن حتى تحت الأنظار وبجانبها زوجها الواقف بجانبها يطالعهم باستهزاء. وقفت "سمية" تنظر لهم باستفهام، فتحركا الاثنان وبدأت هي بالحديث أولاً من أثر غيظها: _" ويصح يعني القاعدة دي من غير عزومة؟ إن مكناش قرايب ولينا مقام نبقى نسايب ولا هي قلة الذوق والبجاحة واصلة لسابع جد فـ عيلتك يا سمية!" نظرت لها "سمية" بضيق، ثم هتفت بغضب مكتوم: _" وهو يصح اللي قولتيه فـ آخر كلامك ده ولا يصح أصلاً كل اللي حصل من أول اللي عملتوه فـ كتب الكتاب لحد قلم نيروز اللي نزل على وشها من جوزك بسببك!" كانت الأنظار مترقبة للغاية، في حين أن "حازم" كان قد نهض ليقف أمامهما، بينما كان يترقب "بسام" بضجر داخلي، حتى "غسان" الذي كان يجز على أسنانه محاولاً التحكم بانفعاله و "نيروز" التي كان يظهر على تقاسيمها الغيظ. بينما وقف "بدر" خلف "حازم" الذي ألحق بهم "غسان" و"سمية" وبقي "حامد" والآخرين جالسين بمكانهم للترقب فقط إن حدث شيء. لم يكن "حامد" من محبين التدخل فيما لا يعنيه يوماً، ولكن إلى حد معين كان هو ينتظر. خرج صوت "سليم" الساخر لهم وهو يردد: _" هو مبرر قلة الذوق دي كلامك ده؟ عالعموم مش عاوزين كلام كتير!!" _" قولي يا بابا أنا عاوز أسمع كلام كتير معلش. أنت هتفضل كده لحد إمته؟ أراهن إنك جاي معاها أصلاً ومش عارفين إنتوا عاوزين إيه بس بتبوظوا اللحظة وخلاص وقبل ما تبوظ معلش أنا آسف عشان مش هسمح بكده!" كان معه كل الحق، فوالده شخصية متناقضة لا يعلم ما يريد فعله بل يسير خلف هوى الأخرى وفقط، متظاهراً بأنه متحكم. قالها "حازم" بهدوء شديد فنظر له والده بغيظ مردفاً بنبرة جامدة: _" يعني أنا بعملك مشاكل فوسط إني بحاول أمنعها عنك؟ مش كفاية قاعدلي فـ طرابيزة واحدة مع اللي مسك أبوك واتخانق معاه ومد ايده على مرات أبوك، لا ولسه يا عالم هو اللي ورا موضوع اختك ولا لأ.." كاد أن يتحدث "حامد" و"حازم" بآن واحد ولكن قاطعهم اقتراب "غسان" ليقف أمام "سليم" مردفاً بهدوء: _" أنا عاوز أعرف حاجة واحدة بس.. أنت مبتهبطش أنت ومراتك من العرض اللي كل شوية تيجوا تعملوه ده؟ بصراحة أنا زهقتلكم بس نسكت المرادي عشان صاحبي عريس ولا إيه رأيك يا متر؟" قال آخر حديثه وهو يرفع يديه يشير بحركة خافتة على رقبة الآخر عندما كان يحاول اختناقه حتى كاد الآخر بأن تخرج أنفاسه الأخيرة بين يديه منذ أيام. تفهم "سليم" ما يريد أن يوصله له، نظر له بحدة. بينما تابعت "زينات" له قائلة: _" معتش إلا البلطجية اللي يتكلمو ولا إيه!" هز لها "غسان" رأسه يومأ لها وهو يؤكد قائلاً بتبجح: _" أيوه معتش إلا هما. ما تيجي أوريكي البلطجة اللي بجد يلا.. أنا مستعد يا أم الناقص!" إلى هنا ولم يتحمل "سليم" من حديثه وتجرؤه، بل هتف بنبرة منفعلة: _" أنت قليل الأدب ومشفتش رباية." حاول "حامد" الفصل بينهما وهو يتحرك من مكانه بسبب نظرة زوجته له الخائفة من تطور الوضع، بينما نظر "غسان". لـ "سليم" وهو يردد ببرود تزامناً مع تحركه هذه المره ليجلس بجانب مقعد "نيروز":




_" اللي تشوفه يامتر أصل هقولك ايه يعني دي حاجه معروفه !"




التفت "سليم " يخرج من باب الشقه مره أخرى تزامناً مع قوله الذي أربك البعض:




_" عالعموم في خبر حلو أوي ليكو بعد ما الحنه تخلص ، ترقبوا ، سلام "




قالها ثم أشار لزوجته بأن تتبعه ، ولكنها تبعته بعد أن قالت بأمرٍ:




_" صوت الاغانى يوطي يا سُميه وبطلي يختي بجاحه أكتر من كده "




_" قولتلك متكلميش أمي كده قبل كده مبتسمعيش!"




قالتها "نيروز" التي اندفعت أمام الأنظار وهي تتوجه لتقف ولكن أوقفها "غسان" الذي عاق خروجها من صف المقاعد بسبب جلسته بعد أن أمسك يديها حتي تجلس ، وقفت "زينات" على أعتاب باب الشقه ثم أجابتها بنيره مستهزءه:




_" صحيح ما انتِ نص البجاحه منها والنص التاني خدتيه منه ، هنقول ايه !"




كبتت الضحكات عندما ردد "غسان" ببساطه يمنع انفعال "نيروز" وهو يقول بثباتٍ:




_" قولي ما شاءالله ربنا يزيدكم كمان وكمان "




نظرت له بغيظٍ مستنكره ثم خرجت تتوجه خلف زوجها إلي شقتها ، بينما كانت الأنظار منها من تكتم الضحكات مثل "ورده" و "بدر" و"بسام" و"عايده"و وسام" و "جميله " ، بينما بقى "حامد", صامت هو والٱخرين يكمل ما كان يفعله قبل مجيئهم منعاً لتعكير مزاجهم ، بينما تلك المره جلس "غسان" بجانب "نيروز" الذي تحدث بجانب أذنها بنبره خافته :




_" لازم تجيلي أعلمك فنون الرد يا رزّه "




ضحكت رغماً عنها وهي تكمل طعامها ، بينما انشغل الاخرين بـ الطعام لفتره ، ما حدث جعل كل منهم ينهض بسهوله من علي الطعام واحد تلو الٱخر !!





__________________________________________________




وُضِع أمامها الورقه التي كانتّ تريدها ، بعد الكثير من الوقت ها هو يجلسّ فـ منزله ، نظرت "فريده" بترقبٍ لما يضعه أمامها ، إبتلعت ريقها وهو يقدم لها القلم ، و ورقه عقد زواج !! ، ستبدأ الٱن كما بدأت من قبل خيانة الثقه وخيانة نفسها وعلي ما نشأت عليه ، بل لم تمضي علي عقد زواج ، ولكنها ستمضي علي ورقة بعقد لدمارها !! ، نظر لها "شريف" بترقبٍ ثم ردد يشجعها :




_" امضي يا فريده!"




ابتسمت له بارتباك ثم فتحت القلم وهي تتوجه به ناحية مساحة الإمضاء ، ومن ثم دونت إسمها بالمكان المناسب ، حتى تقتل ترددها ، إبتسم بانتصار ثم أمسك الورقه قبلها وهو يطويها ليضعها بجيبه ثم تحدث قائلاً يبسمه واسعه ظهرت لها لطافة منه ولكن بداخله العكس تماماً:




_" كده يبقي مبروك لينا أوي..."




إبتسمـتّ له "فريده" ثم تنفست بإرتياح عندما نهض يأخذها بينّ أحضانه مردداً :




_" كده انتِ ارتاحتي أهو وعملت اللي عليا ، وبقا اسمك مراتي ؛عشان تعرفي إني بحبك"




توترت عندما وجدته يهمس لها بكلماته ومن بعدها أمسك يديها يجلسها مره أخرى على المقعد ، حتى مال يطبع قبله هادئه علي خديها قائلاً مره أخرى بإسلوب وتعاملات يجعلها تقع أكثر به:




_" مش عايز أخليكِ تندمي فيوم إنك سيبتي الدنيا بحالها وإختارتيني"




تنفست بعمق ثم أومأت له بسعاده قائله نبره هادئه ناعمه:




_" مش ندمانه يا شريف ، ربنا يخليكّ ليا .."




إبتسم يجاملها ثم نهض وهو يتنهد قائلاً بإذن:




_" أنا نازل ومش هتأخر .."




أومأت له وهي تهز رأسها ثم ابتسمت له باتساع عندما ودعها ، حتى خرج من الشقه بأكملها ، وعادت هي إلى الغرفه التي تخصها مره ٱخرى !!




_________________________________________________




بعد مرور ساعتين رحل كل من كان بشقة "سُميه" إلى الشقق الٱخرى حتى يرتدي كل منهم ويتجهز لموعد الحنه الذي إقترب ، وكان في شقة "حامد" كل منهم ذهب ليرتدي ثيايه الأنيقه للمناسبه التي قد تكون صغيره بالنسبه لكونها فالمنزل ! ، خرج "حامد" من غرفته متجهزاً هو وزوجته ، بينما كان يرتدي"غسان" ثيابه ومعه في غرفته شقيقه الذي جعله "غسان" يرتدي معه حتى لا يتركه مع نفسه ، تجهز هو أخيراً حتى أصبح شكله منظماً جذاباً كشكل شقيقه ، نظر إليه "بسام" بتمعن واعجابٍ بينما غمز له "غسان" برواقه وهو يهتف:





_" ايه رايك بقا ؟ فلاحين ولا برا عنهم ؟"




_"فلاحين اي يعم ، لأ فنان ، فنان يعني"




ضحك بخفه ثم وضع يديه علي كتف شقيقه وهو يخرج خارج الغرفه ، حتى خرج لهم بالصاله فوجد "والده" يجلس بجانب "والدته" ناظراً لها بهيامٍ ، قلب أعينه بملل ثم حركها صوب"وسام" التي كانت ترتدي فستناناً من اللون البنى ، ابتسم لها "بسام" بلطفٍ وهو يشير لها بدييه بأن ملابسها تبدو رائعه في حين وضع "غسان" يديه موضع قلبه بألمٍ زائف أمامها حتى عقدت هي مابين حاجبيها ببنما تابع هو بمرحٍ:




_" قلبي ، مش قادر ، جالي هبوط من كُتر حلاوتك !"




ضحكت عليه ثم توجهت تشير له بأن ينحني لتطبع قبله علي خده بحبٍ ، ومن ثم فعلت كالمثل مع شقيقها الٱخر والذي إحتضنها براحه ، توجه كل منهم ليقف أمام والديهم ، فـ طالعهم "حامد" بضجرٍ وهو يقول:




_" مفيش خصوصيه. فالبيت ده ؟ سيبوني اتغزل فمراتي شويه!"




ضحك "غسان" هذه المره ولم يقاطعه بل شجعه قائلاً برواقه:




_"حقك تتغزل يا حامد ، حقك!!"




نظر له "حامد" بمكرٍ ثم قال:




_" ايوه يا خفيف حقي ، خلاص بقا متقدرش تقول غير كده !"




كانت تضحك "دلال" بحبٍ في حين تركز عينيها علي "بسام" ، سمعوا هم صوت جرس المنزل يرن متواصل لم يأخذ الطارق راحـه ، عقدو جميعاً ما بين حاجبيهم في حين أثار أمر الطارق لهم الريبه ، أشار لهم "غسان" بأنه سيتوجه هو ليفتح ،حتى توجه ليفتحه وما أن فتحه وجده يقف أمامه هاتفاً بصوته المرتفع:




_"ٱن ٱنن!! ، مفاجأه صح ؟"




نظر له "غسان" بدهشه ثم ابتسم باتساع قائلاً بغير تصديق:




_"شـــادي !!"




هز له رأسه ثم تحرك بجانبه يبحث عن ٱخر ثم عاد مره ثانيه يدفعه حتى يدخل هاتفاً بمرحٍ:




_" حامد حبيب قلبي أنا جاي أقعد معاك يومين بقا وأدلعك بقا وبص اللي قلبك يحبه يعم"




كبت كل منهم ضحكاته حتى "حامد" الذي وقف يعنفه قائلاً :




_" انتَ ايه اللي جابك ياض انتَ ؟"




_" جاي بيتي يعم"




قالها بحنقٍ زائف وهو يتجه يفتح ذراعيه لـ "دلال" التي نظرت له بسعاده ، حتى يدخل باحضانها ، فأوقفه نبرة "حامد" الزائفه:





_" هتعمل ايه يا كلب ،. "متحضنش مراتي!" نظرت له "دلال" بلوم، ثم فتحت ذراعيها تأخذه بين أحضانها بحب، حتى ضحك "حامد" وأولاده. كان ومازال يتيم الأم والأب، عاش صديقًا لها، اعتبرها والدته التي لم تنجبه. ابتسم لهم بحب، ثم توجه يرحب بـ "وسام" ومن بعدها احتضن "بسام" بشوق. ثم جلس بأريحية قائلاً: "أنا جعان يا حامد." "معندناش أكل يا حبيبي، تاني مرة تعالي وانت جايب أكلك معاك." قالها "حامد" بغيظ زائف، بينما ضحك الآخرون. فردد "شادي" بجدية هذه المرة حينما وجد السؤال بعين "غسان": "كنت فاكر حازم عشان ميعرفنيش معرفة جامدة أوي مش هيعزمني لحد ما لقيته بيكلمني بيقولي لازم تيجي الحنة والفرح. قولت أجي بقا وأطل عليكم وأقرفكم وأقعد مع غسان يومين!" ابتسمت "دلال" له بسعادة ثم أردفت بحبور: "ينهار أبيض دا انت تقعد العمر كله يواد، إن شاء الله فوق راسي يا حبيبي." أخرج لـ "حامد" لسانه ثم قال له يمازحه: "قالتلي يا حبيبي!" ضحكوا بخفة، بينما نهض "حامد" وهو يقول من بين ضحكاته: "خلاص طالما انت جاهز ومتشيك كده سيب شنطتك هنا ويلا بينا احنا نروحلهم ونرحب بالناس." *** في شقة "سمية" جلست هي حتى تستقبل المعازيم القليلة من الأقارب فقط، فالكل سيأتي غدًا يوم الزفاف بالقاعة. جلست بجانب والدة العريس "عايدة" كونها حنة مشتركة بين العروسين بسبب صلة القرابة وقرب الشقتين من بعضهما، فجعلوها مناسبة واحدة بدلًا من كل واحد منهما مناسبة خاصة به. كان "بدر" يتلاعب مع "يامن" تحت أنظار "ورده" التي بدت رقيقة بفستانها. دخل عليهم "حامد" وعائلته، ومن ثم عرفهم بـ "شادي". بحث "غسان" عنها في المكان فلم يجدها، فمال يهمس بعدة كلمات لشقيقته التي لبت ما قاله لها متسائلة لـ "سمية": "أومال نيروز فين يا طنط مش ظاهرة؟" ابتسمت لها "سمية" باتساع أمام الأنظار وصوت الأغاني بالمكان: "راحت مع حازم وجميلة عشان يجيبوا ياسمين من شوية، خلاص فاتهم على وصول، عقبالك يا حبيبتي." ابتسموا لها كمجاملة ثم تلاشت الابتسامة سريعًا عندما دخلت عليهم "زينات" و "سليم" حتى وقفا الاثنان أمام أنظارهم. لم يرد "حامد" بأن يكون وقحًا، فمد يده يصافحه حتى يبارك له قائلاً بلباقة: "ألف مبروك يا أستاذ سليم وعقبال ما تشيل أولادهم وعقبال جميلة وأخواتها.." قالها وهو ينتظر بأن يصافحه رغم كل ما حدث. نظر "غسان" بترقب، وهو يقسم بداخله إن فعل غير ذلك، فالمناسبة قد تكون أخرى، يكفي فقد تحمل منه الكثير ومازال صامتًا! تنفسوا بارتياح حينما ابتسم "سليم" له بمجاملة وهو يصافحه دون نطق أي حديث. بينما جاءت "وسام" من الشرفة وهي تزغرد عالياً ثم قالت بحماس: "جم العرايس جم يا جدعان!" زغاريد خرجت من "ورده" و "وسام" متتالية و"عايدة" بفرح، ثم ترصص كل منهم ناحية الباب ينتظرون مجيئهما. أخرج المصعد سريعًا صديقات "جميلة" أولًا، جئن في نفس توقيت الآخرين. بينما لم تمر دقائق وخرج منه "حازم" وبيده "ياسمين" التي كانت جميلة بشدة، ومن خلفها "نيروز" و"جميلة". هللوا سريعًا وبهجة، فالمكان ثم توجهت صديقة "جميلة" والتي جلبت لها الأوراق أسفل المنزل بوقت قد فات والتي تسمى "منه"، وللحق كانت هي التي تثير البهجة في المكان، إن رآها أحد يقسم أنها لم تكن طبيبة في كلية الطب، غالقًا على نفسها غلقة محكمة كما يظن البعض! دخل الجميع إلى الداخل. أما هو فبقي تائهًا بفستانها وملامحها التي أسرته. تجمعت ساحة الرقص وبقت "نيروز" واقفة تنظر عليهم. كان "غسان" يتابعها بتمعن إلى أن وكزه "شادي" بخفة وهو يقول: "ايه البت الجامدة دي!" نظر له "غسان" باستنكار، ثم نظر إلى ما ينظر له هاتفًا بضيق: "الشقط مش من هنا، العنوان غلط، دول لو قربت لواحدة منهم هتعلمك الأدب حلو أوي وانت حر." نظر "شادي" من أمامه بشرود وهو يردد تزامناً مع حركته للسير: "هتشوف!!" تركه يتجه، ومن ثم توجه من بعده يقف من خلفها وهو يمسك يديها يسحبها مستغلاً أنظار الجميع. حتى انتفضت هي بهلع، ثم سكنت تمامًا ما إن رأته هو. فـ أصبح الاثنان يقفان بجانب من إحدى الجوانب الواسعة بصالة الشقة. نظر لها من أعلى لأسفل ثم ردد بهيام: "هي دي حلاوتك بجد ولا حلاوة أمك سمية!" شهقت شهقة خافتة وهي تنظر له كابته ضحكتها على ما أردفه، ثم دققت النظر على منديل جيب الحلة القماشي وهي تنظر له بغير تصديق، فقد كان نفس لون الفستان التي ترتديه!!! طالعته بغير تصديق، قد علمت الآن لما كان يسألها ماذا سترتدي! خرجت من شرودها عندما وجدته يغمز لها قائلاً وهو يخمن ما تفكر به: "وصلت ولا لسه؟" ضحكت بخفة ثم تورّدت وجنتاها وهي تجيبه قائلة: "وصلت!" "ما تيجي؟" قالها وهو يغمز لها بمشاكسة. وقبل أن تهتف لتأدبه وضع يده سريعًا أمام فمها بمسافة تزامناً مع توضيحه: "أيوه أنا قليل الأدب." صمتت تطالعه بصمت غلفه الغيظ البسيط، بينما تابع هو بمراوغته يشاكسها مجددًا هاتفا: "بس أنا كان قصدي ما تيجي نعمل حنتنا بقا!!" "ومالو." قالتها باستنكار وهي تنظر له بنفس نظرة الشغف. استطاع وبكل سهولة أن يدمجها معه ومع طباعه متناسياً الآخرين. بل كان بفرحته منشغلًا، منشغلاً بفرحة عينيه لرؤيتها كأميرة ثلج بلون ردائها البسيط الهادئ كمثل ملامحها حتى وإن لم تكن ملكة جمال. الجمال مقاييس ولكل شخص لديه من سيأتي يوم من أيامنا هذه ليعشق ملامحه كما هي دون تجميل وبذل جهد لإظهارها أحسن وأفضل للأنظار. خلقة الخالق لا يوجد أجمل منها!! لذا خلق الإنسان في أحسن تقويم. كان "شادي" يقف على بعد مسافة منها، وبخبرته بجذب الفتيات له، تصنع الاصطدام بيديها فقط. حتى التفت تنظر له باستنكار، ولم تكن سوى "منه" صديقة "جميلة". طالعها وهو يبتسم ثم مال يهتف حتى تسمعه من أثر علو الأغاني: "هو الحلو منين!" "من عند أمك!" قالتها ببساطة شديدة ثم التفت تنظر لهم وهي تصفق بحرارة. فتهتف هو من جديد وهو يقف بجانبها مرددًا بدراما استشفّتها: "بس أنا أمي ميتة ومحروم من الحنان، ما تديني حنان." تنفست بعمق وهي تتحلى بالصبر ثم التفتت تنظر له قائلة: "حنان ماتت، واسكت بقا بدل ما أقلبلك الحنة دي خناقة وأقلب الدنيا عليك، فـ امشّيها بالحب!" ابتسم لها "شادي" بمراوغة ثم هتف من جديد: "ما أنا نفسي أمشيها بالحب وربنا، بس انت.." دققت النظر بملامح وجهه، فقد كان وسيمًا بنسبة لاحظتها هي حتى أنه كانت ملامحه جذابة عن "غسان". أشار لها أمام وجهها وهو يردف: "عجبتك يا.." صمت وكاد أن يسألها فقاطعته هي ببسمة واسعة: "أوي أوي، منه، معاك." رفع يده يرجع خصلات شعره من تسهلها معه بتلك السرعة وقبولها التعارف، ثم هندم ملابسه بغرور وهو يهتف: "كُنت عارف..." وقبل أن يكمل كلماته، كانت هي قد وضعت قدمها بحذائها ذو الكعب العالي بسبب قصرها، ثم ضغطت بقوة على قدمه. قفز وهو يتأوى ثم سبها بسره، هاتفا لها بصوته الحانق مع تأوه: "آه يخربيت عقلك، دا انت شكلك هابه منك على الآخر." ابتسمت باستفزاز، ثم رفعت يديها تشير له بعيدًا وهي تقول: "آه، وامشي حالا بدل ما تكه وهوريك الجنان على أصله يا محترم." رحل وتركها سريعًا، ثم توجه بملامح وجهه المغتاظة يقف بجانب "غسان" و"نيروز" التي ابتسمت له. نظر له "غسان" باستنكار، فوجده يوجه حديثه لها قائلا: "مين البت المجنونة اللي هناك دي؟" أشار لها عليها، فابتسمت "نيروز" له قائلة بهدوء: "اسمها منه، ليه؟" "كنت بحاول أشقط... قصدي كنت بحاول أتعرف عليها إكمني بدور على عروسة وكده، وشخصيتها بقا عاملة إزاي؟" ضحك "غسان" بخفة كما ضحكت هي وهي تجيبه: "معرفش عنها غير إنها شخصية عسل أوي ودمها خفيف بجد وصاحبة جميلة أخت حازم، بس دي مش للشقط!" "أومال لايه؟" قالها بفضول، فضحكت هي دون أن تجيبه ثم تركته متوجهة لتشاهد رقص العروسين. أمسكه "غسان" من تلابيبه ثم هتف بوعيد: "هو أنا مش قولتلك بلاش الشقط هنا؟ مبتسمعش الكلام ليه؟" قالها ثم حرك أنظاره صوب "منه" الذي عرفها من إشارة الآخر قبل قليل، فوجدها تحدق "شادي" بصمت. أخرج "غسان" صوت صفارة من فمه ثم هتف له وهو يعدل ملابسه: "لأ حلوة ياض يا شادي وتستاهل، وهي بتبصلك كده ليه انت عملت إيه؟" نظر له "شادي" باستنكار، ثم هتف يهدده بطريقة غير مباشرة: "والله حلوة يا..." قالها وهو ينادي عليها ثم صمت يتذكر اسمها حتى واصل مجددًا يهتف باسمها: "نيروز." وضع "غسان" يديه سريعًا على فم الآخر حتى يجعله يصمت قبل أن تأتي وتنتبه لما يحدث. كان يمزح ولكن الآخر لن يضع حدا لحديثه، بالتأكيد سيتسبب بمشكلة هذا الأهوج! "اسكت خالص وتعال نرقص مع حازم." دخلت هي وشقيقها من باب المنزل، ولأنها كانت تهاتف "جميلة" قبل أن تصعد حتى تعملها بقدومهما، ابتسمت "جميلة" لهما وهي تحتضن "فرح" ومن ثم خرجت من أحضانها تبتسم له بخجل. أما هو فكان ينظر لها "عز" وهو بعالم غير عالمه! شرد بجمالها وجمال ردائها الأحمر غير المؤذي للعين. بدت كورده في ربيع عمرها متفتحة مبتهجة! تنحنح بحنجرته سريعًا وهو يخرج من شروده حينما ذهبت "فرح" معها وجاء له "بسام" الذي رحب به بحرارة وهو يأخذه ليجلس بجانبه فالداخل. رقص الشباب مع "حازم" والفتيات مع "ياسمين" حتى "فرح" التي رقصت بخفة مع "جميلة" و"نيروز" و"وسام" التي كانت سعيدة باهتمام "ياسمين" بها وهي تمسك يديها لتتراقص معها رغم انشغالها كعروس! أربعة شباب شاردين مركزين أنظارهم على حيث ما اختار قلبهم أو من المحتمل ما سيختاره قلبهم. من المحتمل فقط! درجات الحب كانت تدريجيًا، من حيث "غسان" الذي كان هائما بها فقط أنظاره مسلطة عليها وكأنه يخشى بأن تختفي من العدم. كما كان "عز" الذي كان يبتسم بحماس غريب لرؤيتها، وهو يتمنى بأن تكون له وتلك الفرحة مضاعفة بفرحتهم معًا. و"حازم" الذي لم يكن ليصدق ما به الآن فدرجة حبه لها فاقت حدود التحدث بكثير! و"بسام" الذي كان يوجه أنظاره لـ "فرح" بين الحين والآخر وكل مرة ينهر نفسه لاهتمامه هذا! والخامس الذي لا يعد ذكره شيئًا من المشاعر، كان "شادي" الذي كان يحدقها بسخط، كما كانت تحدقه هي الأخرى. ليس منطقيًا بداية تعارف بتلك الطريقة، بل كان عبثًا منه، وهي لم تعطيه الفرصة! ركن آخر: "وحشتيني يا فاطمة، مجبتيش العيال ليه وانت جايه؟" قالها "بدر" الجالس بجانب عمه وهما ينظران لها بحبور. ابتسمت هي بهدوء ثم أجابته: "وانت كمان يا بدر ابقي تعالي. الولاد والله عارف قالي أسيبهم أحسن عشان محدش يتعب، وجيت النهارده عشان ممكن معرفش آجي بكرة." رفع "حامد" يده يربت على يديها قائلا بحنان: "أنا عارف ومقدر يا بنتي اللي عندك وحياتك. ربنا يعينك. ومتمشيش خليكي غسان هيوصلك بما إن بدر مش معاه عربية هنا." أومأت له بهدوء. وعدد الحاضرين يقل تدريجيًا. وقبل كل ذلك كان هناك من يتابع كل ذلك بحقد فاق الحدود، لم تكن سوى "زينات". أما زوجها فكان يرحب ويودع الناس مع "سمية" و"عايدة". أحداث من رقص وبهجة وعبث وحديث جانبي، إلى أن قل عدد الحاضرين أكثر وأكثر. وقف "عز" أمام "حازم" وهو يحتضنه ثم تحدث يودعه: "ألف مبروك يا حازم ربنا يسعدك." "حبيبي يا عز، عقبالك. متنساش تيجي بكرة بقا هستناك." أومأ له بالإيجاب، في حين كانت "جميلة" تودع "فرح" و"منه" بعد أن رحل باقي أصدقائها وتبقي المقربون، تحتضنهم بحب وسعادة. خرجت "فرح" تنتظر شقيقها بينما خرج "شادي" سريعًا على السلم يقاطع سيرها ثم قال بنبرة مرحة: "يعني مش هتجيبي رقمك؟" ضحكت رغما عنها ثم التفتت تهبط السلم تزامنا مع قولها: "هو انت مجنون يا اسمك إيه ولا في حاجة في مخك؟ ربنا يشفيك." قالتها وهي تهبط ولكن وصل إلى مسامعها كلماته حينما ردد: "شادي، اسمي شادي يا منه. أنا معجب بيكي يا بت، استني متمشيش!" طريقته في قول كلماته جعلتها تضحك بقلة حيلة وهي تحرك رأسها وهي تهبط أكثر. التفت فوجد "عز" يكبت ضحكاته وهو يدخل المصعد مع "فرح" تفهم ما يضحك عليه. بالتأكيد كان حاضرًا ما حدث منذ قليل، وفرح صديقة منه هي الأخرى! تنحنح بحنجرته ثم دخل الشقة مجددًا، فقاطع سيره خروج "غسان" مع "فاطمة" ثم هتف على عجالة له: "عشر دقايق هوصلها وجاي." أومأ له ثم دخل بينما خرج الآخر. لم يتبق سوى أفراد العائلة والأقارب فقط من "حامد" واتباعه وعائلته! هتف "حامد" عند سكون الجو من حوله: "الف مبروك يا حبايبي عقبال أولادكم إن شاء الله، وعقبال نيروز يا مدام سمية." قال آخر حديثه وهو يوجه حديثه للأخيرة، بينما وجدها "سليم" اللحظة المناسبة الآن لرمي قنبلته الذي مهد لها وهو يهتف ليمهد مرة أخرى: "بمناسبة كده، واللي كنت عاوز أقولهولكم ومش هتقبل أي نقاش فيه.." ترقبت الأنظار جيدًا، حتى "زينات" التي لم تكن تعلم ما يود قوله ولكنها فتحت فاهها بصدمة كما الآخرين تمامًا حينما هتف: "في عريس جاي لنيروز كمان يومين." صدمة حلت على وجوههم، من "نيروز" التي تراخت قدماها وارتجفت أوصالها، إلى "شادي" الذي دق قلبه بخوف من ما هو آت لعدم وجود "غسان" الآن! لم يتحدث أولًا منهم سوى "حازم" الذي أردف بمعارضة دون علم أي شيء: "يعني إيه يعني؟" "هو إيه اللي يعني إيه يعني بنتك ومصيرها تتجوز، ومش رفضتوا ابني، اهو اللي كان موقف حالها جالها غيره." قالتها "زينات" بشماتة، في حين. كان شعور حامد وزوجته. ووسام التي كانت تعلم بعجزها عن قول شيء، لا يحق المعارضة، سوى أهل الشأن. ولم يكن ربط غسان بها شيئًا إلى الآن، وقد أصبحت عقدة. هتفت سمية بغضب وهي تنظر لهم: "أنا بنتي ما وقفش حالها، ولا شخصيتها ممسوحة لدرجة إنك تجيب واحد من غير ما تاخد رأينا حتى!" لم يرد عليها. بل قاطع حديث كل منهم صوت نيروز التي وقفت بصوت مرتفع تعارض، بعدما استوعبت الأمر: "أنا مش هقابل حد، ومش هتجوز حد من طرفك ولا من مجايبك!" ضحك بسخرية، كما ضحكت زوجته. فردد هو بتهكم: "مش بمزاجك، أنا خلاص خدت معاه معاد وجاي قريب جدًا، بعد ما ننتهي من جواز حازم واختك المحروسة." "وإيه كمان؟ مش عاوز تطلقني من ابنك بالمرة! ما دام قاعد تتحكم فينا كده، أنا مش هسمح لده يحصل يا عمي." قالتها ياسمين بغضب. فその هو حديثها. حتى تقدمت نيروز بخطواتها وهي تحرك رأسها للبحث عنه. تقابلت أعينها بأعين شادي العاجزة. خرج صوت حامد منه وهو يردف بهدوء: "مينفعش الكلام ده بالغصب، ده جواز. وبعدين أهم حاجة موافقة العروسة اللي هي زي بنتي، وطالما مش موافقة تقابله يبقى ملوش لزوم!" قالها حامد. فخرج صوت شادي أخيرًا، يؤيده أمام أنظارهم: "فعلاً، الأمور دي بالهداوة، وبلاش منه طالما ده كان رد فعلها، أكيد نصيبها معيون!" نظر له سليم باستنكار هو وزوجته، ثم هتف بسخرية: "وده مين ده كمان!" أمسك حامد يد شادي تحسبًا لحدوث شيء. في حين خرج صوت بسام وهو يقول: "يا جماعة كل حاجة وليها وقت، وده مش وقته، استنوا ربنا يعدي اللي جاي على خير وابقوا شوفوا." لم يتحدث سليم. بل اقترب منه بدر يقف بوجهه، ثم قال بنبرة حادة: "هو أنا مش قولت قبل كده أنا راجل البيت ده، حتى إنت ملكش كلمة عليهم، إيه هتغصبها؟" أمسك يد زوجته يسحبها خلفه، ثم هتف بغير اهتمام يفتك بأعصابهم: "أنا قولت اللي عندي، وخدت معاد مع العريس خلاص، وهيجي ويشوفها." قالها وهو يتوجه ناحية باب الشقة، غير مبالٍ لنداء الآخرين عليه بالتوقف، من النساء والرجال، إلا عندما صرخت نيروز صرخة عالية جعلت كل منهم ينتفض بفزع. ومن ثم بعدها تقدمت بخطوات سريعة توقفه بقولها الصارخ: "قولتلك مش هقابله!" أجابها سليم بنبرة جامدة: "هتقابليه غصب عن عينك، ويبقى ربنا يسهل." قالها ومن ثم سحب باب الشقة خلفه ليغلقه. بينما توجهت سمية حتى تذهب خلفه، ولكن أشار لها حامد بأن تتوقف حتى لا يتأزم الوضع. رحلت بخطوات سريعة وهي تكتم دموع عينيها إلى غرفتها وهي تغلقها خلفها، رافضة فتحها لمن جاء من خلفها. بينما فضل شادي وبسام الخروج من الشقة. ووقف حامد ينظر بعجز لزوجته وعايدة وهما يواسيان سمية. تنحنح ليخرج من الشقة بعد تأزم الوضع. جلست ياسمين تهز ساقيها بعصبية، ومن جانبها حازم الواقف بجانبها. لم تمر دقائق وأدخل النساء سمية بفراشها، وبقت جميلة مع وردة تنتظر بأن يفتح الباب من نيروز، ثم رحل كل من النساء، كل منهم إلى شقته. *** بعد عدة دقائق، كان يتحدث كل منهم بشقة حامد على ما حدث، إلى أن هتف شادي بانفعال وبنبرة صريحة يعلم من كان لا يعلم: "يعني إيه يا عم حامد متكلمتش؟ ما إنت عارف إن غسان بيحبها وعاوزها." كان لا يحق له القول بعد قول الآخر بأنه بالفعل أخذ ميعاد. صمت حامد لم يتحدث، لم يفهمه. حتى تحدث بانفعال وحدة الشباب ليست بهذه الأمور. أما الذي لم يكن يعرف علاقة شقيقه هو بسام، ولكنه صمت رغم تفاجئه حينما هتفت دلال بخيبة: "قلبي عليك يابني، لو عرف إيه اللي هيحصل دلوقتي يارب." وما أن انتهت كلماتها وجدته يدخل من باب المنزل وهو يغلقه من خلفه. هنا وقف الجميع حتى يستعدوا لإخباره بما حدث. *** وقفت هي فالشرفة ودموعها تهبط. لا تعلم ماذا تفعل. لم تفتح لأحد رغم أنهم إلى الآن أمام باب غرفتها. خيبة كبيرة، وعجز. كل ما جال بخاطرها هو أنها بالفعل مرغومة على أمرها، وبالفعل لا يوجد أمامها خيار سوى الجلوس مع ذلك العريس. وعندها سوف ترفض. تذكرت كيف سيكون الحال إن كان والدها موجود بالفعل. هبطت دموعها بكثرة منتظرة مواجهة غسان، لا تعلم كيف ستكون ردة فعله. ولكن بداخلها رهبة من كونه سيتخلى عنها ويتركها بعد كل هذا. قلة ثقتها بمن حولها تجعلها تنظر في الأمر مائة مرة وأكثر. طالعت السماء بقهر، بدلًا من أن تكون ليلة سعيدة، تلطخت ببعض الحزن. الأمر بالنسبة للبعض سوف يمر، لذلك لم يتأزم الوضع عندهما. ولكن من يعرف علاقة نيروز والآخر سيصاب الحزن هذه الليلة، ولكن يجب أن تنتهي بأمل مهما كان. لم تشعر بنفسها إلا عندما جلبت دفترها سريعًا، كما تفعل وقت حزنها أو فرحها، تدون ما تشاء لعله يخفف عنها. وقفت تفتح القلم، ورغم ارتجافة يديها إلا أنها دونت بخيبة تناجي ربها: "ارزقنا السكينة والأنس بك واجعل الدنيا أخف على قلوبنا يارب." أغلقته مرة ثانية وفمها لا يتوقف عن الدعاء بحدوث الأهون وعكس كل ما يخطط له. *** وقف لم يشعر بنفسه عندما قص عليه صديقه ووالده ما حدث. ذلك الثابت لم يكن ثابتًا في هذه اللحظة. ابتلع ريقه بصعوبة، ثم خرج منه صوته المختنق من كثرة عدم تصديق ما سمعه: "يعني إيه؟ سيبتها تضيع من إيدي وأنا مش هنا؟" صمت عندما وجد العجز على ملامح وجههم. تبدلت ملامح وجهه للجمود وهو يهتف عكس النيران التي تتأكل بداخله: "ما حد يرد!" رفع أنظاره المشتتة يحركها في المكان وهو يسير باتجاه غرفته سريعًا، صافعًا الباب من خلفه، حتى فتح الشرفة بقوة وهو يبحث عنها بنظراته، ثم تصنم مكانه عندما وجدها تبكي بصوت وشهقاتها تعلو في المكان. توجه ناحيتها ثم هتف بنبرة تائهة يسألها بريبة ظهرت واضحة في نبرته: "وافقتي؟" التفتت برأسها وهي تنظر له بخيبة. حتى توجهت وهي تتحدث بتعلثم: "غسان، أنا.." لم يعطها فرصة بالرد، بل سألها بتعب: "هتقعدي معاه؟" بكت وبكاؤها يضعف بداخله بقوة. حاول بكل ما لديه من القوة الصمود حتى يأخذ الرد الذي يريده. بينما تابعت هي بنبرة منهكة تبرر: "أنا قولته لأ، والله قولته لأ، بس مشي وسابني ومعبرنيش وغصب عليا أقعد معاه." صمت يتابع ملامح وجهها المنهكة من كثرة البكاء. رفع يديه يمسح دموعها كما يفعل كل مرة دون وعي. ثم نبس بنبرة هادئة يطمئنها رغم احتياجه لمن يطمئنه الآن وبسرعة. بداخله مشتت، يخرج الكلمات من عقله بالكاد بعد خوفه ورهبته من ضياعها منه: "متعيطيش." مسح دموعها بحنو. غلب الشعور بالخيبة والتشتت من الطرفين. ثم تنهد قائلًا لها بريبة مرة أخرى: "نيروز إنت بتحبيني صح؟ قوليهالي إنك حاولتِ وهتحاولي، عشان أحاول!" تشبثت بيديه بقوة ثم نبست بنبرة متحشرجة صادقة تخللته: "أنا بحبك ومش عاوزة إلا إنت.. قول إنك مش هتسبني." رفع أصابعه يدخل خصلات شعرها المتمرده إلي داخل حجابها ثم مسح بيديه كحل عينيها من أثر البكاء وهو يهتف بلمعة عين صادقه وتلك المره كانت دمعته القريبه علي آخرها في عينيه حتى هبطت خافته منه: "مش هسيبك والله ما هسيبك لحد غيري!" وكأنها كانت تنتظر منه هذا الرد حتى توقفت دموعها من نبرته الصادقه وهي تبتسم بأمان. فرفع هو يديها يقبلها مما جعلها تتراجع بعد فعلته تلك. قبل يديها حينها ثم هتفد بوعد صادق: "ما دموعك مش سهله للدرجادي يا بنت الأكرمي!" توقفت عن البكاء مع تراجعها للخلف وهي تسحب يديها. ابتسم بهدوء على ما فعلته ثم ردد قائلا بجديه: "هتسمعي كلامي لما أقولك هتعملى إيه لما عمك الناقص يجيب الخروف اللي متقدملك" ضحكت بصوت علي ما أردفه رغم جدية ما كان يتحدث به. ولكنها ضحكت كالمختلة عقليا كما تفعل غالبا. واصل هو الحديث قبل أن يتحدث لها بما ينوي فعله: "قبل كل ده انت تخرجي وتبيني ولا كأن حاجه حصلت وإنك مش فارقه معاك إذ كان هتقابلي الخروف ده ولا لأ. لحد ما يجي ساعتها وقدامنا خيارين. بايدك تختاري واحد منهم انت وامك!" عقدت ما بين حاجبيها بتعجب وهي تومأ له. أما هو فـ أحد الخيارين كان واجب فعله منذ فتره والآخر كان من طبيعته الجريئه لفعل أشياء عبثيه لم يتوقعها البعض. ولإعطائها فرصه بما سيفعل خرج من شروده عندما هتفت هي بفضول: "ايه الخيارين؟" تنهد "غسان" يأخذ أنفاسه ثم تحدث قائلا باختصار: "نعدي بس فرحة حازم وياسمين وهقولكم ساعتها. متفكرؤش فحاجه الوقتي ولاحتى تسمحي لدموعك تنزل لأن كده كده انت بتاعتي.." ضحكت من ما أردفه من مشاكسه طفيفه. فصمت هو يتابع ما بقت عليه هي الٱن كان ينتظر حبها وكفاحها له حتى بدأ. وكانت هي تنتظر عدم تخليه عنها حتي تحدث. من الٱن وسيبدأ حب الأفعال وليس الحديث! طالعته بشفقه مما بقى عليه. فقط هطبت دمعته منذ قليل عندما كان يمسح دموعها دون أن يدري. وثقت به الٱن وعلمت مكانتها لديه. ابتسمت ثم طالعته بتبجح معهود منها منذ أن عرفته حتى قالت لتخرجه من تحسبات عقله: "طب مش هتقولي الست قالت ايه؟" ضحك بخفه رغم تعكر صفو مزاجه وتابع نبره هادئه لها: "لا قوليلي انت المرادي.." عقله غير مرتبا لجمع كلمات كان هو يحفظها ومازال. أثر الصدمه جعلته مرتبكا تائها من فكرة ضياعها منه وبطريقة ما هرب من ما تود أن يقول وعقله منشغلا بعديد من الأفكار. بينما تنفست هي بعمق وهي تردد قائله لتسأله: "عارف الست قالت ايه؟" "ايه؟" قالها بابتسامه صغيره اتسعت حينما واصلت هي بـ : "خليـنى جنبك خليني.." صمتت تبتسم له ببهجه عادت لها حتى واصل هو يكمل مقولتها لها غامزا لها بعبث: "فحضن قلبك خلينـى!" سمع صوت تهليل كبير من خلفه التفت ينظر بدهشه فوجد الوضع كالآتي "شادي" يستند على "بسام" وهما ينظران بهيام. بينما كانت تقف "وسام" بجانب "حامد" " ودلال " من خلفهم !! هتف "شادي" أخيرا والحاضر للوضع منذ غزلهما ببعضمها: "يخربيت الحب ياض يخربيته!!" ضحك أخيرا علي ما فعله. وما قاله صديقه التفت ينظر لها فوجدها اختفت من أمامه متجهه إلي الداخل بحرج. بينما ابتسم هو بقلة حيلة وهو يدخل لهم يقف أمام أنظارهم هاتفا قبل أن يسأله أحد وهو يتمتم باختصار ليغلق الحوار: "كل حاجه تمام. علي ما تقابله بقا وترفضه ربنا يسهل" قالها بكذب فليس مش طبيعته أن يترك شئ يخصه لغيره. ورغم استنكارهم الي أن حاولوا جميعا مجاراة الوضع. توجه ليفتح الباب ثم قال بتبجح: "برا يلا عشان مصدع" ترصصوا للخروج حتي نظر له والده باشمئزاز جعله يضحك. ثم خرج هو وشقيقه الذي غمز له وهو يوكزه فكتفه. ومن بعدها خرج الجميع. وبقى "شادي" الذي تحدث قائلا بحديث يثير الريبه تزامنا مع غلق "غسان" الباب: "تعالالي يا أبو الغساسين يا حلو انت يا مسكر" نظر له "غسان" بشك ثم قال بخوف زائف: "ولااا. هناك كانت الحته واسعه. لكن هنا اوضه واحده وسرير واحد وكنبه. اهدى على نفسك!" "شوف دماغك بقولك تعالى علمني الست. بتقول ايه ابقا أقولها للبت" منه" دي اللي مركبالي الوش الخشب!" ضحك "غسان" بخفه تزامنا مع خلعة سترة الحله وقميصه. بينما ذهب الٱخر ليجلس علي الأريكة منتظرا رده. ولكنه نظر له باستنكار حينما ردد: "مينفعش. كلام الست كله متفصل ليها هي لوحدها. اختارلك حد تاني غير الست!" صمت "شادي" يحك ذقنه ثم أردف علي فجأه: ورده؟! وأقولها بقا ..بتمر ساعات بعد لقانا والروح لوجودك عطشانه! ضحك وهو يهز رأسه يؤيد: "بالظبط حتى لايق" "طب سيبك بقا وقولي. بتفكر فـ ايه. وهتعمل ايه؟" نظر له بصمت وهو شارد ثم توجه ليجلس بجانبه متحدثا بشرود: "فحاجات كتير أوي. بس المهم إني مش هسيبها.." ترقب "شادي" شروده وهو يسأله باهتمام: "ناوي تعمل ايه؟" التفت ينظر له وهو يفكر بالخيارين مع ترتيب أحداثهم لما ينوي فعله. بدأ يقص ما ينوي فعله بهدوء لصديقه الذي صمت يستمع باهتمام وملامح وجه جاده ولكنه استشعر بدخول الأمور بنقطة الجديه حينما وجد أن الخيارين بتفسيرهما كان أحدهما هـــروبها .. وليس كأي هروب بل سيكون هروب بعلم أهلها بما فيهم والدتها. ولم يكن هروب بالمعني الحرفي بل كان هروب من مشكلة لتواجه أخرى. أما الخيار الٱخر فكان الخيار الجاد الأكثر ..خيار بأن تكون معه؟!. خيارين قد ظهرا الٱن ولكن دون تفسير لاعدادهم وكيفية تنفيذهما. هـنا كان السؤال الذي لم يكن سوى : أحقا خياران أحدهما هروب والٱخر زواج؟!.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...