الفصل 38 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
24
كلمة
61,719
وقت القراءة
309 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18
علم أن اليوم وما بعده مر بسبب وجوده معهم في المنزل. يذهب إلى عمله أمس وعاد ليلاً. يقيم معه بغرفته. واليوم سيقيم في المستشفى حتى الصباح. لم يتحدثا معاً كثيراً. ولا ينكر أنه في اليوم الذي مضى شعر بأجواء العائلة الذي حُرم منها لفترة كبيرة بالنسبة له وحتى بالنسبة لآدم. هو الآخر عندما وفى بدر بوعده وجاء ليبيت معهم في المنزل من الأسفل هو ووردة ويامن. واجتمعت عائلتهم الصغيرة باجتماع آدم وفاطمة وأولادها. ومعهم كان بسام الذي زال حرجه بسبب قرب بدر منه ومساندته له بالحديث والكلمات مع آدم حتى ولو بقليل. فقط منذ الأحداث الكثيرة على الكل بآخر مرة. مر يوم واحد فقط عليهم. لذا من المفترض بأن اليوم هو يوم حنة العروسين والعريسان معاً. وبهذا الصباح استند بسام على الفراش بإجهاد من أرقه النفسي ليس إلا. مشاعر مختلطة تداهمه وأهمها الندم. والاشتياق والشرود لها وبها. لا فائدة إذن منه. تذكر قدوم غسان في الأمس ليقضي معهم اليوم. كم كان الوقت لطيف وكان سيكون ألطف عندما يكونا هما معاً كمن قبل. أصوات الأطفال ولعبهم وحتى اندماج يامن معهم. وحديث فاطمة ووردة معاً بركن غير الركن الذي كان يجلس به بسام وغسان وبدر وآدم. كل هذه أحداث حدثت. أما الآن فهو يجلس حزيناً شارداً الذهن. لا يعلم هو إلى الآن بأن والده مر بأزمة. لم يتعمد بدر القول كي لا يربكه. وبالآخر غسان الذي تردد وحسم أمره عندما قرر عدم قوله كي يعود شقيقه من تلقاء نفسه بكل ثقة ويقين. إلى الآن يغلق هاتفه. وإلى الآن لم يكن لديه أي شغف تجاه أي شيء. إلى الآن يتذكر كسرته بالرفض. يشعر بأنه لا يستحق إلا الرفض من الجميع. ولكن يسأل نفسه لماذا. يشعر بأنه رجل يُرفض وفقط. ألا يحق لقلبي المسكين الحب. ألا يحق أن ينعم بالراحة وأمان الحب. أبله لو يعلم ما يمر شقيقه به بسبب الحب لفر هارباً من الشعور هذا. كم حاول عدم التفكير بها. والي الآن مازالت عالقة بذهنه بملامحها البسيطة وخصلات شعرها السوداء الذي انتبه هو لخروجها من الحجاب بغير اهتمام. رغم غض بصره ولكن نظرات الحب والشوق تهزمه. ليس سبباً أيها الأبله لقد كنت مستقيماً. تعلم ما يحل لك وما يُحرم. ماذا حدث لعقلك المراهق كي يتذكرها بكل تفاصيلها. ألهذا الحب دون مسمى حرام. حرك رأسه للأصوات التي بداخله. وعندما شعر بأنه قليل جداً. وقل هو من شأنه أمام حديث عز له بمنتهى البساطة. ماذا تريد الحياة منه. "بقولك يا بسام.. فاطمة بتحضر الفطـ.." وجد الجملة من آدم الذي دخل غرفته. فرآه جالساً مستيقظاً بالفعل وشارد الذهن ومهلاً عينيه لامعة. دخل آدم إلى الداخل يقف أمامه وهو يلوح بيده أمام وجه الآخر مردداً كي يلفت انتباهه. "انت سامعني؟" خرج بسام من شروده سريعاً. ثم تنفس بصوت مسموع بثقل وهو يومأ له بابتسامة باهته. وقبل أن يجيب بنعم. سأله آدم بغرابة وهو يطالع وجهه. "هو انت عندك حساسية في عينك.. مدمعة؟" عقله لم يستوعب بأنه من الممكن أن يبكي في هذا الوقت. لذا سأله بتلقائية وهو يجلس بجانبه. فحرك بسام رأسه نفياً وهو يمسح عينيه. ثم قال ببساطة هادئة. "لا متخدش في بالك!" "وان خدت بالي. على قد ما انت هادي ودي طبيعتك قدام الناس بس بردو متغير وشكلك مش عاجبني. يمكن مش قريبين من بعض كفاية تحكيلي بس أنا سامعك يعني لو عايز تتكلم في حاجة." قال آدم بهدوء وهو يربت على ساقه. فابتسم بسام له بإمتنان ولم يرد. ورغم طبيعته غير المثرثرة بالحديث مع من لا يربطه بهم علاقة قوية، لكنه تنفس بعمق وهو ينظر له متسائلاً بسخرية: "ومين حاله عاجبه يا آدم في الدنيا دي أصلًا؟" أراح آدم ظهره على الفراش بأريحية وهو يرد عليه بنبرة بطيئة أثر مط جسده: "ده إنت شكلك معبي وشايل بقى!" "كلنا شايلين ومعبيين، ما الدنيا مش سهلة يعني ولا أيامها بتعدي كده!" اردفها بسام بعمق. فابتسم آدم برضا ثم رد عليه وهو يدير وجهه ينظر له: "مش سهلة ولا بتدي فعلًا اللي إحنا عايزينه ونفسنا فيه، يمكن فاهمك في دي أنا مجرب. مجربتش أتعب، بس عارف.. حتى ممكن ميجيلكش اللي أنت عايزه، بس هيجيلك اللي أنت تستحقه. مبناخدش دايما اللي بنتمناه يا بسام، بس بناخد اللي محتاجينه حتى ولو مش هو. بص بنظرة تانية حلوة!" أُعجب بحديثه حتى ظهر ذلك في نظرته له. طالعه الآخر بصمت. فرد بسام وهو يزفر أنفاسه الحارة: "ولا حتى اللي محتاجينه يا آدم. أنا تقريبًا فوقت كل حاجة ضايعة مني فيه. حاسس إني مليش لازمة ولا عملت لحد دلوقتي حاجة مفيدة تنفعني في حياتي، حاسس كده إن كل حاجة في الدنيا دي رافضاني وكأني منبوذ من كل حاجة!" وأكمل بتعب عندما وجد نفسه اندمج في ذلك الحوار المتعب: "عارف لما تبقى حاسس إنك مالكش مكان وسط أي حد وفأي حاجة أساسًا؟" هذه الجملة خرجت منه بتعلثم مما ضاق به صدره. ولأن من أمامه به أمل جديد قد خُلق به وعاش تجربة قاسية، تفهم حديثه الموجع وهو يرمقه بفهم. حتى خرجت منه نبرته المتعقلة كمثل تفكيره الذي أصبح كذلك، غير طباعه التي لم تتغير كليًا: "عارف وحاسس. مكنش ليا مكان يا بسام وسط اللي كنت في وسطهم. كنت متأكد مليون في المية إني مش شبههم، بس بقيت سهل أتأقلم. المدهش في الحوار إن الواحد سهل أوي يدمج نفسه مع وضع وحش حتى لو مش شبهه، وكأن النفس وحشة أوي ومستنية هلاكها بإيدها. اتكيفت بسرعة معاهم حتى وأنا مش واعي، فضلت حاسس إني مش في مكاني بردو، وكأن دي الحاجة الوحيدة اللي الواحد بيحسها أوي حتى ولو في أسوأ أوقاته!" تركه بسام يتحدث بأريحية لطالما أخذ راحته كذلك. ووجده يواصل بقية حديثه بابتسامة أخرى وهو يقول بتنهيدة متعبة مما يبدو أن الاثنين فتحا لبعضهما أبواب الوجع بهذه اللحظة رغم عدم حديثهما بوقتهم الذي مضى: "بعد كده عرفت إن النفس أمارة وميالة لكل حاجة وحشة، وكأنك في امتحان والشاطر بقى اللي يمنع نفسه وينجدها من كل ده. وعرفت بردو إن مهما كان المكان والأشخاص مش ليك ومش شبهك، مسيرك هتطلع من بينهم أو ربنا هيبعدهم عنك بأي شكل. المهم إن كل حاجة بتحصلنا بيبقى فيها عبرة وحكمة، مفيش حاجة أبدًا بتمشي كده بالحب. يعني كل المسألة مكتوبة ومحكومة بأدق التفاصيل. كله مقدر ومكتوب!" أُعجب بحديثه بشدة، وكأنه يشرح نصف وضعه. ولم يتوقف آدم إلى ذلك بل أكمل بتفاصيل أكثر يعلن له ما يعجز كل شخص عن تفسيره: "بس ساعات كده الواحد بيقف عند حاجات معينة وكأن دماغه بتتربس وتتقفل، والوقت بيقف عنده وهو واقف يستوعب أنا كنت إزاي كده وكنت إزاي بحب دول وأقعد مع دول.. كنت إزاي عاطي الأمان لـ دول. وبردو بتقف بيك اللحظة التانية وأنت واقف عند الحاجة اللي كنت بتتمناها وغيرك شايف إنها عادي، غيرك رافضها ودماغك تقعد تودي وتجيب هو هما اللي صح ولا أنا اللي غلط. وتعيش في دوامة مع إن الحكاية مش مستاهلة، بس إحنا بنحب نصعبها أوي على نفسنا. أنا كنت واحد ميت ميت بمعنى الكلمة، بس صحيت تاني بأعجوبة، وما بين الأحلام اللي ماتت معايا ومصحيتش، صحي منها أحلام أقل بس شغف ضايع وتفكير مستسلم إن خلاص معتش له قيمة. مفيش فايدة، اللي راح واللي بيرجع تاني. جربت إنت تمنع نفسك عن حاجة كنت بتفكر فيها وعاوزها؟ حاسس باللي بقوله لما أكون سايب أحلام وعارف إنها مش ليا ومش أنا اللي أحلم بكده بس اتمسكت وبردو مكنش تمسك يليق براجل. يمكن مكنش عندي الإصرار لأني كنت رامي توبتي، بس لما الواحد يرجع للحياة تاني وحاسس إن الأمل ماليه من تاني عقله بيسوحه أوي ما بين حاجات كان نفسك تعملها بس الوقت بيعدي من غير ما تحس والعمر السن بيفوت كده عن حاجات كنت المفروض تعملها فيه بس محصلش!" حديث تلقائي نصفه يشرح وضعه بشدة لذا تترقب ملامحه بقوة. والآخر الذي عاش معاناة سرية وجهرية بنفس الوقت يسرد تارة بأمل وتارة أخرى بوجع! نظر له بسام بملامح هادئة ارتسمت على وجهه وهو يرد على سؤاله من بين الحديث: "بس أنا جربت أمنع نفسي عن حاجة نفسي فيها وعايزها بس معرفتش. مقدرتش أمنع نفسي ولما خدت خطوة عشان أنهي دماغي والهيصة اللي بتعملهالي خدت خطوة بس اترفضت. دي المرة التانية. المرة الأولى جربت بردو أمنع نفسي بس العكس في دي. شيلت من دماغي الأفكار دي وكملت وفالآخر بردو اترفضت بطريقة مش مباشرة لما فجأة لقيت نفسي لوحدي وأنا مش فاهم اتسابت ليه؟ طب أنا عملت إيه؟ طب واللي بينا؟ كان قليل أوي عشان دماغي تقعد تودي وتجيب إن أنا كان فيا إيه وحش عشان يبعدوا عني؟ كان ولسه فيا إيه وحش عشان أفضل مرفوض كده!" تذكر كل شيء حدث له. هكذا كان شعوره والآخر يتابعه باهتمام موجع يشعر ببعض من وجعه هذا الذي ظهر في نبرته حتى وهو يحاول التماسك عندما أكمل بقوله الهادئ: "بس برضو عرفت أتخطى حاجات كتير بس لسه مش عارف أنسى وفي فرق كبير أوي بين إن الواحد ينسى وإن الواحد يتخطى. كل حاجة مرت عليا ووجعتني لسه فاكرها. وحتى وأنا بقعد مع نفسي كل مرة، وزي ما أنا قاعد دلوقتي بفتكر ذكريات وأيام عدت عليا وخدت مني كتير أوي. حتى طاقتي اللي صحيت في يوم متأكد إنها رجعت وأنا مش واخد بالي لما حبيت تاني!" ترقبت ملامح آدم بإنتباه شديد وتفاجئ من سرده وقوله حتى أنه يعلم بأنه كان يحب "تاج" كثيراً، ولكن لم تظل علاقتهما وهذا أقصى ما علمه. ربما يجمع الأسباب الآن. رد بتعجب عليه يردد نفس كلماته باستنكار وفضول: "حبيت تاني؟" بوعيه كان هو بوعيه وهو يخرج ما بداخله. ربما وجد أحدهم غير شقيقه يتصرف بحياته وكأنه هو! هذه المرة كان مع شخص ذاق مرارة البعد والفراق والتشتت والضياع حتى وإن لم يكن نفس الوضع. ربما نفس الشعور أو جزء منه: "آه حبيت تاني. بس أنا كنت فاكر إنه مجرد إعجاب وهيروح. معرفتش بقى إنه من الأول خالص وأنا كنت لقيت نفسي معاها. واحدة بسيطة عانت بردو بحياتها زي ما كل واحد بيعاني والتاني ميعرفش عنه حاجة. من أول حتى وأنا ببصلها وحاسس إني عايز أجري عليها أقولها كل اللي حاسس بيه من وجع ومن تعب قبل ما أعرف إني بحب وقبل ما أحس إني عايز أجري بردو أعترف بده. حتى من أول ما بدأت أتوجع في كل مرة وهي بتحكي إزاي عاشت حياتها، إزاي بتعاني من حاجات معرفتش ليها أسباب لحد دلوقتي. مرة ومرة ومرة وأنا ناسي حاجة مهمة أوي، نسيت إن كل ده وأنا بقابلها في مكان أنا كمان محتاج أروح فيه زيها، عشان أطلع خالي من كل الندبات دي. ونسيت إن هي كمان عندها ندبات عايزة تتشال!" وأكمل وواصل دون توقف بسخرية مؤلمة: "كنت فاكر إني عايز أشيلهالها أنا وأعوضها، بس حتى مخدتش الفرصة. فرصتي ضاعت في لحظة تهور وأنا بعاند كلام غسان الأول إنه فعلاً هو صح ولازم يبقى فيه وقت وإني مشغلش بالي الوقتي، لكن معرفتش واندفعت أكتر من مرة وأنا بعاند نفسي وبعد كده بعاندهم لدرجة إني بعدت عنهم خالص أفكر هو أنا غلط ولا هما. ومع إني كنت مشتت بس عملت اللي في دماغي في لحظة تسرع ولقيت نفسي مرفوض بعد كل ده. جيت من صدمة رفضي قولت كلام وحش. صعب أوي على أي حد. مش عارف غسان استحمله إزاي. للأسف نصه صح. يمكن هو متصرف صح بس مش صح معايا أنا. مش صح على وجعي اللي محدش عمل ليه حساب. أنا تايه وضايع وعمري ما هلقي مكاني غير في وسطهم بس المرادي كبرت مني أوي وكبرت منهم ومنه هو كمان!" استرسل في كلماته هذه بكل وجع واستطاع الآخر فهم ما يمر به. لذا رفع يديه يضعها على كتف بسام بإحتواء وهو يطمئنه وكأنهما بهذه اللحظة صديقان مرت على صداقتهما أيام عجز الكل عن عددها بسبب كثرتها: "ده إنت جبل أوي ياض يا بسام! بس متقلقش كل ده هيعدي اسمع مني. وخد نصيحة حتى من واحد عاند عيلته وبعد وفكر إنه كده صح بس رجع فالآخر حتى لو أبويا وأمي ميتين بس حاسس الوقتي واليوم اللي فات ده إني رجعت وسط عيلتي من تاني. وعالفكرة أخوك غسان ده بيحبك أوي هو صحيح شاغل باله دايماً كده زي اللي فاضي وموراهوش حاجة بس حتى لو صعب فالنهاية قلبه طيب وطلع بيفكر في كل اللي حواليه. لدرجة إنه جابلي شغل وأنا قاعد بتعذب هناك بين أربع حيطان مش ضامن هطلع ولا لأ. آه والله.. عامل زي أبوك." جدع أوي، مع إني الصراحة، ومن غير ما نخبي على بعض، أنا كنت بقابلك عنه كتير. أنا مكنتش بطيق سيرة أخوك ده، ودايمًا باعد عن إني أعمل مشكلة معاه، حتى لو كنت فيوم بتاع مشاكل. هز كتفه بمواساة وإنهزام. "بسام" وهو بيضحك على حديثه المشاكس له. فعاد "آدم" يكمل بنبرة هادية جادة: انت تركن كل ده على جنب وتفكر في إنك تصلح اللي باظ. أول حاجة فكرت أعملها إني أروح الجامع. لقيت هناك شيخ شكله كده يريح البال والعقل. مع إننا روحنا نصلي امبارح مع بعض، بس استقربنا الجامع التاني. النهارده هاخدك عند الجامع اللي روحتُه، وكان بداية لرجوع عقلي. هيدلك من غير كلام. هيرميك كلمتين حتى من غير ما يعرف الوضع. الأهم إنه بيعرف يطمن أوي. مع إن الحال مش من بعضه، وانت قريب من ربنا مش زي ما كنت أنا. بس الراحة في مكان واحد. تيجي النهارده نروح مع بعض، لما أرجع من هناك أغير لبسي عشان الحنة. هز رأسه موافقًا بثبات. فحرك "آدم" رأسه بثقة من قراره. حتى تحدث مرة أخرى محاولًا تغيير مجرى الحديث: وعلى كده بقا محل الورد بتاع مرات أخوك ده حلو. الصراحة هو قالي امبارح وأنا مدتش رفض ولا موافقة. بس عايز أبدأ صح. ودا اللي مخليني مستنيه يتفتح. بيقول هيفتحوه النهارده بعد شوية، فهروح بعد الفطار. بس هو مش النهارده الحنة هيفتحوه إزاي؟ ملحقتش أشوفه، بس كنت عارف إنه بيجهز ليه. وبعدين متقلقش، طالما غسان جايبلك شغلانة، يبقى عارف إنها هتناسبك. أما بقا الحنة دي، فأنا مش عارف هيفتحوه إزاي. ممكن عشان هتبقى على قدهم. فاليوم هيمشي عادي لحد المغرب. هز رأسه موافقًا متفهمًا حديثه. فزفر "آدم" بصوت. ثم وجد "أدهم" مهرولًا ناحية الداخل بسرعة وهو يصيح عاليًا: يلا يا خالو، الفطار جهز بتقولك "ماما"!! اشطا يا "دوما"، يلا بينا. أومأ له وهو يبتسم له باتساع. ثم أشار لـ "بسام" فنهض هو الآخر نحو الخارج معه وهو يغلق سحاب سترته. خرجوا من الغرفة حتى وجدوا الجالسين على مائدة الطعام من "جنة" و"يوسف". فجلس "بسام" معهم. في حين خرج "بدر" من الغرفة راكضًا خلف "يامن" الضاحك بصوت عالٍ حتى حمله متوجهًا به ليجلس بجانب "بسام". ودخل "آدم" المطبخ حتى وجد "فاطمة" تقف تساعد "وردة" وهما يحملان الأطباق معًا. تنحنح يجلي حنجرته وهو يدخل ثم قال بابتسامة واسعة: هاتوا أساعدكم يلا أنا و"أدهم"!! نظرت ناحيته "فاطمة" بسعادة من هذا التغير الجذري. وبدأ بالفعل هو والآخر في حمل الأشياء. تمتن لهذه اللحظات جيدًا، حتى وإن تعمد شقيقها وشقيقها الآخر عدم فتح حوارها إلى الآن. وبعد لحظات، اجتمعوا معًا فالخارج ملتفين نحو السفرة المتوسطة في الحجم. وبدأوا في تناول الإفطار تزامناً مع حديث "فاطمة" المبتسم الهادئ لهم: بالهنا والشفا!! نظر "بدر" ناحيتها بامتنان على الرغم من شعوره بالندم ناحيتها، ولكنه يصبر حين ينفرد ليحدثها. وإندمج الكل في تناول الطعام. فتحدث "بدر" يحثهم وهو يقول: اعملوا حسابكم بقا بعد الفطار، كله يدخل يلبس عشان هنروح هناك العمارة كلنا نقعد معاهم. عشان الحنة بتاعت بليل دي!! هلل الأطفال ببراءة. واللطيف أن "يامن" صفق دون فهم قوي لمعني كل الكلمات. ولكنه فعل مثل الأطفال. فضحك الكل عليه بحب وسعادة. تدوم رغم حمل ضغوط وحمول عن البعض يجهل عنها البعض الآخر. أو ربما يعلمها. للحظة سعادة دائمة ولا لحظة حزن تدوم للأبد. ثمة تغيير فطري يحدث حتى في أكثر الأوقات سعادة. وأكثر الأوقات حزنًا. نثق بأنه لم ولن يزول، وكالعادة تدخلات الخالق تبهرنا دائمًا بالتغيير إلى الأفضل. علمت بأنه هرب منها أمس بقضاء الوقت أمس مع "بدر" و"آدم" هناك بمنزلهم. وظلت هي في مكانها تقضي اليوم مع شقيقاتها ووالدتها والتجهيز للمناسبة الخاصة باليوم، "حنة العروسين معًا". قصد عدم المكوث معها بمكان واحد. حتى هرب. وهرب وهو الذي كان غير لائق عليه الهروب. ومنذ أن عرفها بأوقات وجعه تعمد الهرب من عينيها التي تجعله يستسلم أمامها في كل مرة. وتعمد الهرب منها كونها فعلت ما فعلته معه. تتلهف لعناقه. ونهرت نفسها لأكثر من مرة. ولكن مبدأها برفضها كان ثابت قوي. حتى ألمته. بين الحين والآخر لا تجد سوى البكاء. طوال اليوم في الأمس لم يجلس في المنزل. وعندما صعدت لتنام، غفت. وأتى بعدما غفت هي. وحتى في الصباح استيقظت حتى وجدته ذهب إلى العمل قبل أن تستيقظ. الغريب أن الفتيات في الأسفل مع النساء. والتي صعدت على راحتها كانت "سمية". لم تثر غرابة "نيروز" كونها والدتها. ولكنها جلست معها بالشقة مستندة على الأريكة تساعدها في خياطة بعض الملابس وطوي التي تركتهم هي دون طوي. شردت وكل مرة تشرد وتتلهف لعودته رغم ما فعلته به. بالأساس رغم تعب "سمية"، ولكنها صعدت لها تجلس معها في هذا الصباح ثم لتهبط. ومنذ وقت كبير تجلس تساعدها دون حديث. الحديث كان مقتضب. وقامت "نيروز" بتشغيل التلفاز لتلهي والدتها وأنظارها هذه عنها. مش ناوية تقولي لأمك فيكي إيه؟ خرجت "نيروز" من شرودها وهي تبتسم لها بإطمئنان. فعادت "سمية" تسألها بلين وهي تربت على ساقها وهي جالسة بجانبها: فيكي إيه يا بنتي؟ مالك؟ متقنعنيش إن دي نيروز بنتي اللي أعرفها. فيكي حاجة متغيرة. مش دي نيروز اللي أعرفها، ولا دي نيروز اللي المفروض تكون لسه عروسة ومبسوطة؟ عروس؟ الوضع ساخر إذن. هذه الأنظار وتلك الجلسة تعلمها جيدًا. لا تريد الاستسلام أمامها كي تخبرها. لا تريد ذلك. ولا تعلم لما أدمعت عينيها أمام سحرها هذا. ثم نفت وكأنها تردف بعكس ما يهبط منها من دموع: مـ ـفيش! تنفي مع بكائها وهبوط الدموع. تركت "سمية" ما بيديها بلهفة. ثم ضمتها سريعًا بخوف ناحية صدرها وهي تربت عليها مرددة بنبرة سريعة مندفعة: مالك يا حبيبتي بسم الله الرحمن الرحيم! بكت بأحضانها. وربما هذه هي اللحظة التي سترتاح بها. شهقت بصوت وهي تستند عليها مرددة بنبرة باكية تعلن ما تكبته لها وحدها: أنا تعبت أوي يا ماما.. مش عارفة ليه بيحصل معايا كده! أعلنت إنهيارها وضغطها المدفون بداخلها. مهما أرهقت نفسها بالبكاء، فالآن البكاء شيء آخر. ضمتها "سمية" بلهفة كبرى وهي تمسح على خصلاتها ورأسها مرددة آيات من القرآن الكريم بسرعة وخوف. في حين أخذت تشهق الأخرى تحت يديها بتقطع. إلى أن مرت الدقائق وهي على نفس الحال. وداهمها سؤال "سمية" السريع بخوف عليها: مالك يا ضنايا؟ فيكي إيه يا حبيبتي قوليلي وردي على أمك؟ زفرت "نيروز" بصوت. مازالت الدموع تنهمر. وكلما تحاول قول كلمة واحدة لن تستطع فعلها. ذلك الثقل الذي على قلبها لا تعلم له سبب محدد واحد، بل من أسباب عدة كثيرة. وفي الآونة الأخيرة أصبحت تبكي بكثرة، مما جعلها منطوية الملامح وحتى القلب. أسندتها "سمية" سريعًا بعدما توقعت ما قد حل بها بجهل من ما حدث معها. بل نهضت بعدها بسرعة تجلب المحرك لتقوم بتشغيل إذاعة القرآن الكريم بصوت عالٍ. عل قلب ابنتها يهدأ وعينيها تتوقف عن البكاء. والشهقات. هذه الشهقات التي تمزق منها قلبها ليست هينة على أي أم دون أن تعلم ما الحال من الأساس. جلست مرة ثانية تردد عليها وهي تمسد على خصلاتها البنية وهي تضمها مرة أخرى إلى صدرها. والآخرة تارة تشهق وتارة تتنفس بصوت. وتارة أخرى تبكي. قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد. أخذت ترددها بكثرة عليها. وتارة أخرى تقوم بالدعاء وفرق يديها بين كفها المجعد. إلى أن شعرت بانتظام أنفاسها. "هل ستغفوا بهذا الوقت؟ أم أن الآيات لها مفعول سحري مع أحضان والدتها؟" ربتت "سمية" على كتفيها وظهرها بحنو. لمعت عينيها بالدموع ما أن شعرت بأنها قد غفت بهذه السرعة. "أم من عزم الوجع؟ أم أنها منهكة بما فيه الكفاية؟" نزلت دمعتها شفقة عليها بعجز وحسرة. تلك التي عانت من وجهة نظرها. لم ترى راحة بسبب التعلق. "أهذه بداية الأمر؟" تذكرت زوجها وكيف كانوا عائلة هادئة لطيفة في الصغر. وفتياتها وكل أمورهن التافهة التي كانت يتوجب عليها الاهتمام بها كمثله هو. كمثل زوجها الذي لم يمل يوما منهن. والذي لم يلومها بتاتا على إنجابها لفتيات فقط. لم يعترض. بل كانت تشعر به أنه يرضى رضا لن ولن تراه هي من قبل. ترحمت عليه وهي تبكي شوقا له. "تبا للفراق ولكنها سنة هذه الحياة!!" لا تعلم كم من الوقت مر وهي على هذه الجلسة. شعرت بأحدهم يضع المفتاح بالباب. ولم يكن سوى هو من سيفتح شقته!! فتح "غسان" الشقة حتى أغلقها خلفه بعدما خلع ما بقديم. رفع رأسه يبحث عنها خلسة. ولكنه رأى "سمية" تجلس على أريكة الصالة وعلى ساقيها وصدرها تستند "نيروز" غافية بعالم آخر!! عقد ما بين حاجبيه ونسى الترحيب بها وتوجه هو بنفسه يضع كفه على وجهها. "لم ولن تنام بهذا الوقت. ماذا حل لها؟" إعتدل يرفع رأسه وهو يعتدل ثم سألها بقلق: "مالها نايمة كده ليه؟ هي كويسة؟" أدمعت عينيها دون سبب ثم حركت رأسها نفيا وهي تحاول الاعتدال مرددة بعجز عن فهم هذه الحالة: "مش عارفة يا يبني. فجأة لقيتها بتعيط أوي ومش عارفة تاخد نفسها من العياط. سندتها وقرأت شوية قرآن وشغلته كمان لحد ما نامت مكانها زي ما انت شايف كده!!" لاحظ دموعها. فزفر "غسان" يأخذ أنفاسه وهو يطالعهما. فعادت "سمية" تسأله بلهفة رغم علمها بأنه منتظم بصلاته: "إنت بتصلي با بني؟" إستنكر سؤالها ولكنه رد مختصرا وهو يعدل رأس "نيروز" كي لا تؤلمها: "الحمد لله!!" تنهدت "سمية"، تأخذ أنفاسها ثم سألته مجددا بحسرة تخمن: "يبقي إنتوا متخانقين مع بعض. بنتي مش طبيعية. فيها حاجة؟!" هذه الحالة التي بها زادت من خلافهما والأصل بأن كل مرة تزور بها والدها المقابر تأتي ثم تجلس يومين متتاليين على هذه الحالة المختنقة بأنفاسها!! علم ذلك رغم أنهما متزوجين من فترة ليست كبيرة وهي من أعلمته هذه الحالة عنها!! انحنى متجاهلا حديثها كي يضع ذراعيه أسفل ساقها حتى يحملها. وبالفعل حملها ببطء ثم استقام حتى سار ناحية غرفتهما معا. نهضت "سمية" خلفه ببطء تعدل رأسها من على كتفيه من الخلف. إلى أن همهم "غسان" بالدخول كي تدخل إلى الداخل دون حرج. دائما ما تفهم بآداب الذوق العام حتى ولو الأمر يخص ابنتها الآن. فلا يخصها وحدها!! تزامنا مع ذلك أسندها هو على الفراش برفق. فإنكمشت ملامحها بضيق وآثار الدموع إلى الآن على وجهها. جلس بجانبها على طرف الفراش يرفع أنامله يمسح وجهها بشرود. وكلما تظلمت وتأتي عليه مجبر هو على الذهاب إليها مهما فعلت يبقي هو الذي يذهب لها الطريق!! كمثل الآن حتى بعدما رفضته جلس بجانبها يمسد على خصلات شعرها. حتى خرج من شروده على فرد "سمية" للغطاء بحنو عليها بعدما جذبت قميصها المنزلي على ساقها أكثر ثم رتبت وضعها بالغطاء. حتى وقفت باعتدال وهي تقول: "سيبها نايمة ومش مهم تنزل النهارده تعمل حاجة. خليها تنزل على الحنة علطول براحتها!!" وبعد ذلك سارت ببطء كي تخرج إلى الخارج. فقاطعها هو سريعا ثم قال: "استني. رايحة فين؟ خليكي قاعدة!!" "لا معلش أنا تحت معاكم لو في حاجة ناديني. ولا إنت عايز تنزل بقا ومتخانقين مع بعض؟!" هذه المرأة تتدخل بآشياء لا تعنيها؟ أم أن ابنتها تعنيها بهذه القوة؟ سأله عقله. وزفر بصبر وهو يحرك عينيه ناحيتها وكأنها تنتظر الجواب بالفعل. بل رد هو بإيجاز ينهي هذا بتلاعبه في الحديث: "هو في حد يزعل من بنتك بردو؟" ابتسمت على مرواغته ثم رفعت عينيها تطالع وجهها النائم وهي ترد عليه بحديث اعتبره جرئ منها: "وأنا بنتي مش ملاك يا بني. بنتي صعبة وأنا عارفة دا. بس بردو بتحبك!!" زفر بصوت عال يخرج ضغطه وشعر بإنسحابها فصمت وهو يعتدل يطالع وجهها. ملاك بملامحها وشرسة بطباعها. كيف يحكم عليها؟ لاحت ابتسامة صغيرة على شفتيه ناظرًا نحو وجنتيها الحمراء من أثر البكاء. هبط برأسه يقبل واحدة منهما. ثم اعتدل يرتب خصلاتها الطائرة كي يمسد عليها!! غلبة شوقه لها. ويغلبه في كل مرة حتى انه يسأل نفسه. ماذا فعلت به هي؟ ماذا فعلت كي تهدر شخصيته بهذه الطريقة ولا يستطع هو فراقها؟ كان عاقلا ثابتا. حتى أنه بعد فعلتها لم يفكر بقرار طلاقهما. ولو كان الأمر عكسي لفعلت أكثر من ذلك!! رفع يديه ينظر بالساعة المعلقة بمعصمه. بغير اكتراث. بل نهض يطفئ الضوء ثم حاول أن يتسطح بجانبها محاصرها بأحضانها مره أخرى وكأنه يزيل شوقه بهذا فقط إلى الآن. شرد وهو ينظر برأسه نحوها مرددًا بهمس متعب: "على رأي الست. انت فين والحب فين ظالمه ليه دايما معاك!!!" يسخر بهذا الوضع؟ كان يريد البعد عنها مؤقتا عندما يهبط إلى الأسفل معهم ويتركها. الآن الاثنان محاصران. لاحظ انكماش ملامحها بقلق. يعلم بأنها لم تنام بهذا الوقت وستستيقظ. لاحظ ضم إهدابها بقوة. ثم فتحتها بتشوش وهي تتحرك بقلق. إلى أن أصبح وجهها ناظرًا ناحيته. وعلى فجأه ما إن نظرت ناحية وجهه انتفضت بطريقة خافتة استطاعت التحكم بها. فرد هو ساخرًا وهو يطالع وجهها بدهشة مصطنعة وحديث ساخر: "يا شيخة. شكلي يخض أوي كده!" رفع ذراعه من على خصرها وهو يعتدل جالسًا. فاعتدلت هي بعده وهي تطالعه بحرج من ما فعلته هي. ابتلعت ريقها بغير وعي ولاحظ هو تشتتها. عندما سألته هي بإستفهام: "هو ايه اللي حصل وايه اللي جابني هنا كده؟!" لم يجيبها هو بل نهض يرفع الغطاء عنه. فلاحظت ملابس العمل خاصته. نهض غير مهتمًا بحديثها حتى جذب ملابس أخرى من الدولاب أمام عينيها. وبخفة وجدها تقف خلفه تسأله بأعين دامعة: "انت مش سامعني؟!" التفت "غسان" حاملا ملابسه بين يديه. وأصبح بمواجهتها وهو يطالع وجهها مرددًا بوضوح وصراحة برده عليها: "سامعك بس مش عايز أرد!" تهجمت ملامحها بتعب. ثم وقفت تنظر إلى ملامحه بتمعن كما كان ينظر هو. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تسأله مجددا رغم انها تعلم الجواب: "ليه بيحصل معانا كدة؟ أنا نفسي أرتاح واعيش فهدوء!!" "إسألي نفسك يا نيروز. لان إنتي أول واحدة مش مريحة نفسك!!" داهمها قوله بتعب منه هو وحده ثم أخذته منه بعد ذلك. أدمعت عينيها بتعب من كم هذه الضغوط ثم رفعتها تنظر نحو عينيه التي تحاصرها: "أنا آسفة!!" خرجت منها بعد كل ذلك. أكانت سهلة القول؟ ابتسم بتهكم وهو يقول بسخرية لاذعة: "على ايه ولا على ايه بقا؟" صمت ثم واصل بإنهاك ساخر وكأنه فاض به: "إنتي بتتعبي نفسك كل مره وتتعبيني معاكي لما كان الموضوع كان ممكن يعدي عادي جدا. بس كل مره مبتعرفيش تظلمي حد غيري. مع ان لو حد غيرك أنا كنت دفنته تحت رجلي من أول مره حسيت إنه مش جاي معايا سكة. لكن أنا سكت عشانك وعشان قلبي حبك غصب عن عيني. كل اللي عملتيه دا كوم واللي عملتيه أول امبارح كوم تاني خالص!!" سكن يري ملامحها ودموعها التي تهبط وكأنها تستخدم سلاح الآن ليجعله يستسلم ولكنه لم يتوقف إلى هنا بل واصل يكمل بتعب آخر: "لما أول مره طلبتي مني الطلاق وسيبتيني فأصعب وقت ممكن يكون مر عليا. كنت تحت صدمه ان ازاي تسيبيني فوقت زي ده حتي ولو كنتي خايفه. عشان عارفك ترجمت خوفك إنه عليا أنا مش عليكي إنتي. بس عدت. عدت لما اتكسرت منك وقومت وقومتك معايا وصالحتك بطريقة يعجز من يشوفها عن التصديق. علشان رجعتي ليا ولحضني فلحظة انهيار منك وكأنك كنتي هتروحي خلاص فيها وأنا واقف مخضوض أول مره أشوفك فيها كده." وتاني مره زي لما رفضتيني وانا جايلك بعد وقت ما قعدت ما نفسي وصليت وهديت، اترددت اجي بس خاني قلبي وقالي انك بتحبيني زي ما انا بحبك. بس مجرد ما قربت منك رفضتيني وكإن قربي مقرف للدرجة دي. إنتي لو مش عايزاني نبعد حتى ولو هنتعب، بس أنا كراجل مش هقبل على نفسي يحصل معايا زي اللي حصل ده! داهمها بأقوال كثيرة، جامدة وبعضها حانية. سقطت دموعها بكثرة وهي تنفي برأسها ما سمعته منه، وكأنها تكذب شيئًا حقيقيًا. وجدها ترد بتقطع في كلماتها وهي تقول بلهفة، مع نبرتها الباكية: "أنا بحبك ومستحيل كنت أفكر كده. مينفعش أسيبك.. معنديش استعداد.. حتى ولو عندك انت بالسهولة دي!" "مفيش حاجة سهلة عليا، حتى حبي ليكي دا صعب. أصعب حاجة غيرتني وأنا اللي كنت مش فارق معايا أي حاجة مكنتش بعمل نفسي مش فارق زي الوقتي كده. وكل ما بعمل نفسي مش فارق بتضغطي عليا أكتر وكإني مبحسش. مش لازم أقعد أعيط وأتحسر على حالي زي النسوان. مين فينا الراجل؟ ومين فينا يحاول يحتوي مين؟ مع إنّي بحاول أعمل ده بكل الطرق وكل ما أستنى منك مبلاقيش. وأنا مش هقعد أتحسرلك عشان تحسي بيا. بعدت يبقي سيبني أهدي وأروق. لا دا كل مرة بتتعمدي تتكلمي كل ما بسكت وتيجي ورايا كل ما بمشي مع إنّي محذرك تعملي كده عشان الموضوع بيوصل لحاجات بنعجز إحنا الاتنين عن حلها. وبردو كابرتي وعاندتي!" توقف عن كلماته الجامدة الموبخة لها وهو يراها مازلت تذرف الدموع بقهر تعجز عن الرد بإرادتها وفقط. ابتلعت ريقها وهي تضع يديها على أذنها وكأن الأصوات التي بداخلها تعلو مثله تمامًا. هي التي تفعل أفعال صغيرة ثم تتركها معه ومع الوقت لتكبر ومن ثم يأتي كل ذلك فوق رأسها هي! رفعت عينيها ورأسها تواجهه وهي تسأله بخوف، في هذه اللحظة مع نبرته الضعيفة المهزوزة: "يعني إنت.. إنت مش مرتاح معايا ومش.. عايزني؟" ماذا تفعل وماذا تسأل؟ علم مخزى سؤالها لذا صمت قليلاً. يرى ارتجافة يديها حتى رفع عينيه ناحية عينيها مرددًا، بقلة حيلة رغماً عنه وعن قلبه مع نبرته المتنهدة بيأس وتعب: "أنا مرتاحتش إلا معاكي يا نيروز ولا كنت عايز غيرك ومازلت!" صمت قليلاً، ثم واصل مع تنهيدة حارة: "بس شكلك انتي كمان مستكتره عليا دا!" نفت وهي تندفع نحو أحضانه باكية بصوت عالٍ هذه المرة وهي تردد بتقطع وبكاء: "محصلش.. محصلش والله العظيم!" رفع ذراعيه يضمها وهو يربت على ظهرها بشدة، مشددًا بذلك العناق وهي تشهق مع سماعه لذلك بتعب. رفع كفه يقرب رأسها من قمة صدره ولم يخفى نبرته الضعيفة عندما قال بيأس منهك: "تعبتيني معاكي يا بنت الحلال!" لم تسمع قوله المتعب بل ظلت تشهق شهقات متقطعة متشبثة بملابسه بقوة، وكأنها تخرج جميع الضغوط التي رأتها وشعرت بها منذ فترة. كل هذه تراكمات والبكاء كان لا يفعل شيئًا معها. لديها طاقة تحمل ولكن لينها معه قليل وهذا ما يصعد الأمر دائمًا ليصلوا في كل مرة إلى عقبات تعجز عن فهمها وحلها معها! هذه المرة رفع ذراعه يضمها ولم يرفضها بسبب حالتها هذه! أما عنها فبكت وهي تحاول أخذ أنفاسها. سقطت الملابس التي كانت بين يديه أرضًا. حتى وقف بصبر وتحمل يتحملها إلى أن تنتهي. وما أن شعر بأنها هدأت تنفس بعمق، حتى تحركت بخفوت فوجدته مشددًا بعناقه لها. حتى أنه انحنى يجلب زجاجة المياه التي كانت على الطاولة الصغيرة على بعد منه. فتحها وهي تعتدل تمسح وجهها ببطء، فوجدته يقدمها لها برفق، مرددًا بلين يطلب منها: "إشربي!" نظرت له بصمت، فوجهها لتشرب منها حتى شربت بالفعل. عاد يضعها بموضعها ثم سحب كفها ليجلسها على المقعد هو ينظر نحو وجهها المرهق وعينيها الحمراء ودموعها الغزيرة: "كل مرة مبتفشليش تتعبي وتضغطي نفسك. خليكي فاكرة إنك هتتحاسبي على نفسك وعلى اللي بتعمليه فيها!" اندفعت رغم دموعها تلومه بتوبيخ مماثل له: "وانت مش هتتحاسب اللي علمته فيا؟" زفر بصوت، تصر كل مرة على التعب والعراك بالحديث بينهما. تنفس بصوت مسموع حتى وقف يطالعها بصمت، ومن ثم أخرج حديثه لها بوضوح: "انتي كل مرة بتغلطي ومبتجيش تتأسفي إلا خلاص لما دماغك مبتسكتش عليكي. بس أنا مقولتش إنّي مش غلطان فحقك. بس غلطك غطى على غلطي كتير أوي يا نيروز!!" هذه المرة رفع أنامله يمسح وجهها برفق. فأمسكت كفه وهي تتشبث به بقوة، حتى هتفت بنبرة هادئة تسأله وتلومه بوجع: "إنت عمرك ما قاطعتني كل المده دي، ولا كان الخلاف اللي بينا بيطول كده. إنت تجاهلتني ودي أسوء حاجة ممكن أحس بيها منك. أنا مبقتش قادرة أستحمل وكل حاجة بتزيد عليا وأنا مبكونش في وقت لسه من اللي حصل قبلها. أنا كل ما بفتكر إن دي المفروض تبقي الأيام اللي أكون مبسوطة فيها معاك وفحياتنا وأيام هترجع للذكرى بتقهر أوي يا غسان!" أدمعت عينيها بحزن، حتى سقطت دمعتها على كفه وهي تكمل بلوم: "انت سيبتني لدماغي تاني لوحدنا مع إنّي قولتلك إن دي حاجة وحشة أوي!" سحب كفه من كفها كي يمسح دموعها برفق، ومن ثم أنهى الحوار بكلماته الآتية لها: "خلاص يا نيروز!" حاول النهوض من جانبها وهو يطالع وجهها وجلستها بجسدها هذا وانكماشها بحزن. توجه ثم انحنى ليجلب الملابس التي وقعت أرضًا منه فابتلعت ريقها ترد على جملته بـ: "يعني إيه خلاص!" اعتدل ثم حرك عينيه نحوها وهو يرد بإيجاز: "يعني خلاص الوقتي. كفاية كلام وعياط عليكي لحد كده. عايزة تتعبي نفسك معاكي تاني؟ وحشتك الدموع في الكام ثانية دول مش كده؟" ومن بين هذا لم تفشل في أن ترمقه نظرة حادة بدلاً من حديث سليط تعلم بأنه لو خرج لفعل هو شيئًا آخر! نهضت مندفعة بغيظ، حاولت إخفاءه كي تتظاهر بالبرود المماثل لديه تمامًا. وأما عنه فقصد اللعب على ما تفعله بتهويل من كرامتها التي تراها شيئًا آخر. عمل على تقليلها بالمتوسط كي تعلم بأنه قادر على الفتور واللا مبالاة! دخل المرحاض كي يبدل ملابسه، في حين مسحت هي وجهها بانفعال من ما فعله مرة ثانية عليها. أخذت عباءتها المختلفة هذه المرة كي ترتديها لتهبط إلى أسفل مع حجابها كي تضعه على رأسها. واستطاعت بأن تغير حالها مائة وثمانون درجة. لا تعلم بأنه هو الذي قصد فعل ذلك ليخرج شراستها كي تغفل عن الحزن والدموع المرهقين لها وله وللجو بالسلبية هذه! "يا أنا يا إنت!" خرجت الكلمات من شخصها الشرس المنفعل بفكرة رفضها مرة أخرى. يرد لها الرفض. ولكن ما فعلته هذه كان آخر تمامًا عن ذلك. جرح يعد جرحًا بشموخ رجولته وهي تعلم ذلك تمام العلم. وإن لم تعلم لما فعلت كل ذلك مما يوحي بالأسف والندم! نظرت نحو باب المرحاض وهي تتوجه على عجالة من أمرها كي تحكم الحجاب كي تهبط بسرعة قاصدة عدم الاستئذان منه. أغمضت عينيها بقوة وانهزام عندما وجدت أنه يفتح الباب مرتدياً بنطال رياضي وسترة مماثلة له. أغلق سحاب سترته بغير اكتراث وهو يلاحظ سرعتها التي هدأت في الحركة. رمى لها نظرة هادئة وهو يتخطاها مرددًا بغير اهتمام دون النظر لها: "براحة على نفسك بس.. ياريت بعد كل الاستعجال ده شعرك ميبانش!" تصنعت عدم الاستماع له وهي تنتهي لآخر حركة بحجابها ثم التفتت لتخرج بعيدًا. عنه فلاحظ هو فتح سحاب عباءتها المختلفه هذه وقاطع سيرها بكلمته :




_" إستني !"




وقفت بنفاد صبرٍ ، فوجدته يتوجه ليقف أمامها وهو يتحدث لينبهها لشئ :




_" هتمشي والسوسته مفتوحه وضهرك باين كده ؟!"




_" مخدتش بالي وملكش دعوه !!"




رفعت يديها خلف ظهرها بطريقة مضحكة كي لا تطلب مساعدته ، تزامناً مع رده المتبجح :




_"انتي كده مبتقفليهاش إنتي كده عندك جرب!!"




نظرت له وهي تقلب عينيها بمللٍ ثم حاولت السير لتتخطاه كي تقوم بتغيرها لٱخرى مع ردها المتبحح المماثل له :




_" ملكش دعوه بردو ، ولو ٱخر واحد فمش هخليك تقفلهالي مش من قلة اللبس يعني!!"




أمسك معصمها ولاق إستحسانه ما تفعله من لعبة قط وفأر لا مانع إذن ، أدرارها بذراعه وهي تحاول أن تنفلت من أسفل يديه، فكتف يديها خلف ظهرها بكفه ومن ثم رفع بالٱخر السحاب الطويل إلى أن أغلفها. فمال من خلفها بوجهه للأمام حتى أهبط رأسه وقبل إحدى وجنتيها تزامناً مع رده الوقح :




_" أنا لو عايز حاجة باخدها بس بمزاجي !"




دفعته عنها وهي تتركه وتترك الغرفه بأكملها ، فإبتسم وهو يتفحص بعينيه مكان الهاتف تزامناً مع همسه لنفسه بيأسٍ منها :




_" مجنونة!!!"




وهكذا الحال الذي إنقلب سريعاً من وجع لـ مراوغه ومشاكسة كانت بدايتها من ما تعمد فعله معها كي يظهر كل ذلك ، بيديه حل الأمور وكبريائه منعه مثلها تماماً في تخطي الأمر بهذه السهولة ، حتى تيقن وعلم بٱن لا مانع من تجربة هذه اللعبه بينهما إلى أن يلين عقلها بنضجٍ شامل هادئ ليس تحت أي تأثير ، مثله هو الٱخر !!




____________________________________________




بعدما تركتهما قبل وقت هبطت تجلس في شقة "عايدة" مع النساء ، منتظرين هذه المره قدوم "حنان" والدة "عز" الذي لم يكن موجوداً هو الٱخر ، ورغم ان اليوم حنة العروس ، لكن كان هناك اختبار توجب الذهاب إليه ، ولأنها حنه صغيره فكان الجميع بحياته العملية عادية !! ، فقط الأقارب أي العائلة وبعض الأصدقاء في المساء ، وقفت "عايدة" مع "دلال" وجلست "سُمية" بشرودٍ لحالة ابنتها هذه ، في حين فتحت "فريدة" محل الورد في الأسفل وكانت "وسام" تذاكر دروسها ، تنفست بصوتٍ عالٍ حتى شعرت باحداهن تجلس بجانبها بإنهاكٍ. فدرات "سمية" وجهها حتى وجدت "دلال" تبتسم لها بحبٍ وهي تربت علي كفها مع قولها الحاني لها:





_" مالك يا سُمية سرحانه فـ ايه كده !!!"




زفرت "سمية" بصوتٍ وهي تتنهد ثم نفت تحرك رأسها وهي تجيبها قائلة بنبره هادئه :




_" مفيش مش عارفه البت نيروز مالها كده حالها مش عاجبني!!"




_"مالها كفا الله الشر ,صحيح هي منزلتش ليه ، دا غسان جاي بدري من الشغل اوي وقولت هيجيبها وينزل !!"




قالتها بإستفهامٍ فوجدت الجهل يرتسم على ملامحها او ربما هي من تعمدت فعل ذلك كي لا تثير الحديث والثرثره على ابنتها ، وجدتها تضع يديها مره ٱخرى لتربت علي ساقها وهي تبتسم لها بإطمئنانٍ مردده :




_"وحتى لو ..متقلقيش طالما غسان معاها يبقي هتبقي زي الفل !!"




إبتسمت لها "سمية" بلطفٍ ثم شاكستها بقولها :




_" والله ما باين لكلامك ملامح ، حاسة ان في بينهم مشاكل!!"




_" يختي محدش بيسلم من المشاكل ، كنت الاول ممكن أشغل بالي ، الوقتي لو حامد عرف حاجة زي دي يحذرني ويزعقلي ويقولي ملكيش دعوه هم أحرار مع بعض ويمكن دي الحاجة اللي مخلياني ساكته مش عارفه ٱتكلم فكرك يعني ٱنا مش واخده بالي من ابني ؟!"




قالتها "دلال" بقلة حيلة ثم واصلت تكمل بثقةٍ وإطمئنان :




_" بس متقلقيش غسان بيحب نيروز بنتك ، ابني حنين والله يا سمية وطيب غيرش بس لما يتعصب ويزعل الكل ياخد جنب بعيد عنه لحد ما يهدىٰ"




زفرت بصوتٍ مره أخرى وترقبت ملامحها بلهفةٍ ما أن وجدت"نيروز" تدخل عليهما مبتسمة ، دخلت حتى جلست بجانب "سمية" التي صمتت عن الحديث بما حدث ، فتعمدت "دلال" تركهما مع بعضهما وهي تبتسم لـ "نيروز" ،، فذهبت ناحية المطبخ ، ومن ثم خرج حديث"سمية". الموبخ :




_" نزلتي ليه يا نيروز .؟ كنتي خليكي مرتاحة يا بنتي!!'




_"أنا كويسة يا ماما متقلقيش،. انتي ازاي تنزلي لوحدك من غير ما حد يسندك مصحتنيش ليه ؟!"




لامتها "نيروز" فإبتسمت "سمية", معقبه بنبره هادئة :




_" واهو نزلت وخلاص ، المهم انتي بقيتي أحسن؟!"




لن تترك الفرصه للرد بل سألتها بقلق مره أخري :




_"..إنتي متخانقه مع جوزك ؟!"




نفت وقبل أن ترد وجدت أصوات متداخله كثيرة عشوائية من بينها صوت "دلال" و"عايدة " وهم يرحبان بحرارة :




_" أدخلي يا فاطمه تعالي ، أدخلي يا حبببتي "




بالفعل كانت "فاطمة " مع صغارها و"بدر" الذي دخل معها مرحباً بهم فلم يراهم منذ يوم واحد ومعه كانت"وردة" التي دخلت مهروله ناحية"سمية" و"نيروز", وهما الأخرتان كانا قد نهضا ليرحبوا بهم بحرارة وحبٍ ..

جلسه جديدة بأشخاص جدد ولكنهم منذ القدم، ربما ذكريات ومودة ستتٱلف بينهم ، خاصةً عند اجتماع العائلة بأكلمها من جديد ، حتى بـ "حامد" الذي دخل سريعاً من باب المنزل مع "وسام" كي يرحبان بمن ٱتو. بعدما علم هو أن "بدر" قد جاء وهناك رجل فالمنزل فـ"حازم" ٱتٍ في الطريق هو و"ياسمين"..، ولم يتوقف القادمين للشقه عندهم بل هبط"غسان" هو الٱخر مرحباً بهم ثم ليجلس مع والده و"بدر" وابنة عمه ومن ثم اللعب مع الصغار بمشاكسة ، الأطفال كثيرة عن المعتاد والبهجة تعود فقط لان اليوم حنة العروس!! العروس التي لم تكن موجوده !!





_____________________________________________




قبل دقائق تردد في الدخول ولكنه وقف تارك البقية يصعدوا ومن ثم وقف هو يأخذ أنفاسه بصوتٍ عالٍ ، اليوم سيبدأ فأول خطوه بنفسه للعمل ، حتى وإن كان عمل يحتاج لعمل ٱخر معه ولكنه سيتعب وهذه هي النقطة الذي يريدها بنفسه ، وقف "ٱدم" ينظر إلى شاشة هاتفه وعندما وجد التأكيد من "غسان". على الذهاب والدخول ، تنفس بعمقٍ ثم رفع عينيه على لافتة "عودة الوصال" الكبيرة حتى لاحت إبتسامة صغيره علي شفتيه ، عدل ملابسه الفوقية "ياقته" ، ثم بدأ في أول خطواته للسير نحو المحل صاعداً الدرج الصغير إلى أن دخل وبحث بعينيه عن "نيروز" فقد علم أن "غسان" ليس موجود بالفعل وسيٱتي بعد قليل للاسفل ، دخل إلى الداخل بذلك المكان الذي يراه هادئ وبشدة ، جاب عينيه كل شئ وبتلقائية مسك الورود الخارجه عن موضعها بشرودٍ وهو يتعمق ٱكثر إلى أن نظر على بعدٍ وفالبداية إعتقدها هي , إعتقدها "نيروز" حتى تعمد أن يتنحنح ليجلي حنجرته الخشنة كي تلتفت ، وأما عنها فما أن سمعت الصوت إلتفتت معتقدة بأنه زبون ورسمت إبتسامه التي وسرعان ما تلاشت كما وقف هو مشدوهاً بها وبتغيرها الجذري ، كيف؟؟ من تظهر خصلاتها ترتدي حجاب محكم وملابس طويلة واسعه لا تظهر هذا الجسد التي كانت تتعمد رسمة بالملابس الضيقه كي يظهر قوامها الرشيق الأنثوي مما يُعرف عنها بأنها تلفت إنتباه الرجال دائماً بمظهرها حتى وبجسدها وان لم ترتدي ملابس ضيقه ، وهذا ما كان يلتفت له هو كأي شاب في سنة ،، بل والعجيب أنه لم يشعر بشئ سوى بالاعجاب وهذا سره الذي أخفاه بداخله كي لا يخسر صديقه ما أن فاتحه بهذا الموضوع في البداية ورفض بطريقة غير مباشرة !!، كل ذلك لأنها لفتت انتباهه وليس ليشعر بالحب اتجاهها ، طالعها من أعلاها لأسفلها بغير تصديق لم يعلم هو ٱخر التغيرات ولا الذي حدث لها من الأصل!! رمش بأهدابه وكأنه يرى شيئًا مستحيلًا. على الرغم من أنه تغير، لما يريد التغيير وحده. ابتلع ريقه وهو يسألها بغير وعي: "هو أنا دخلت مكان غلط؟" علمت مخزي سؤاله ومظهره يذكرها بشقيقها، لذا يثار شراستها بغير سبب محدد له. علمت ما يريد قوله، فحدقته بقوة وهي تسأله بجدية بالغة: "قصدك إيه؟" وقف "آدم" ولم ينبس بأي حرف. بل ابتسم بجرأة وهو يسألها بوضوح دون المراوغة: "قصدي إيه التغيير ده؟" تحلت "فريدة" بالصبر وهي تزفر بصوت، ثم اعتدلت تسير كي تقف بمواجهته تزامناً مع ردها الجامد: "أظن دي حاجة ملكش الحق إنك تسأل فيها!" رفع عينيه يقابل عينيها القوية. ما زلت هذه النظرة تلازمها مهما فعلت ومهما تغيرت. حرك رأسه متحلياً بالتجاهل الزائف ومن ثم نظر على الورود والمكان هاتفا باهتمام وهو يعود ينظر لها برأسه: "المفروض يعني بيقولوا إني هشتغل هنا!" "آه.. للأسف بس مكنتش أعرف إنك هتيجي بالسرعة دي!" قالتها بضيق ظاهر على ملامحها، فعقد ما بين حاجبيه بغرابة من أسلوبها الفظ هذا وهو لم يفعل لها شيئاً. اعتدل مشيراً بيديه كي تنتبه له تزامناً مع قوله المتبجح: "أظن وشنا هيبقى فوش بعض على طول، فياريت لو متدايقة مني في حاجة متقوليهاش وابعدي!" "أنا مقصدتش أنفعل عليك يا بني آدم انت. أنا هادية خالص. ولو سمحت اتكلم معايا بإسلوب أحسن عشان أنا قادرة أتكلم معاك أوحش من كده بس ساكتين عشان ربنا اللي بيهدي!" قالتها بغيظ، فنظر لها متشككاً هو يحرك رأسه بسخرية مردداً بتهكم: "آه ما أنا عارف الأوحش ده هتقوليلي!" "انت قليل الأدب!" حرك رأسه مؤكداً وهو يتخطاها مردداً باختصار بارد: "حصل." ودت لو تأخذ إحدى الزهريات كي تكسرها على رأسه. ذلك المتبجح تعلمه منذ زمن، وما يثير ضيقها أنه يذكرها بشقيقها وبقوة! علم ما مهمته فبدأ بفعل ما يراه ناقص بالمكان بالفعل، وهو يرفع ساعديه منظفاً مكان معين من الأتربة بحامل معين حتى انتهى وهو يعتدل ليستقيم فوجدها تقف خلفه. فمد ذراعه لها بحامل الأتربة وهو يقول بفظاظة: "خدي ارميها وتعالي يلا!" فتحت عينيها على وسعها من تبجحه ذلك. تعلم بأنه قصد فعلها كي يردها لها. والمعهود منها والثابت بشخصها القديم أنها دفعت ما بيديه يقع أرضاً. فقد اعتبرتها إهانة منه. لم يتفاجأ بل وجدها تردد بإنفعال: "انت مجنون ولا مفكرني شغالة عندك.. فوق شوية!" حرك رأسه ينظر على ما وقع أرضاً بملامح خالية من التعابير. ثم حرك عينيه نحو عينيها الجامدة ومن ثم خرج حديثه المهدد المبطن لها: "شوفي.. لو كان الشغل ده مش على هوايا.. فأنا هقعد فيها لحد ما أطفشك منها. واللي عندك اعمليه يا فريدة!" أردف اسمها ببطء، فأنفعلت أكثر وهي ترد عليه بغيظ: "مت'قولش اسمي كده واحترم نفسك انت مش هتهددني!" "عايزاني أقولك إيه؟ فوفو ولا فوفه ولا آنسة فريدة؟" قالها بتفكير، وهو يبتسم بلين. وعند الكلمة الأخيرة التي قالها بعفوية، نزلت عليها بقسوة لا يعرفها هو. حاولت أن تتماسك فعاد هو يشرح بضمير وكأن الأمر هام: "بصي.. فوفو دي بتاعت العيال التوتو. وفوفه بتاعت اللي عايزين مصلحة وكلمة تقيلة. وآنسة فريدة دي بتاعت المحترمين.. أنا آه ربنا هداني وبحاول أكون محترم بس العرق دساس واللي فيه طبع مابيتغيرش. بس الحلال حلال والحرام حرام.. لو حرام أقولك فريدة بس يبقي متكررش تاني يستي!" حدقته ببلاهة. فقد زاد بروده عن المعتاد. نظرت له بتشكك وضجر ظهر على ملامحها بشدة. ثم سألته بتبجح وكأنها لا تسبه للتو: "عالفكرة انت مستفز جداً." "حصل!" أيدها بصراحة شديدة وهو يعود يندمج بعمله من المفترض. فضغطت على فكها بضغط حتى كادت أن تتحرك ولكن قاطعها نبرته وهو منحني مردداً لها بتذكر: "اللي بيوقع حاجة بيشيلها تاني وينضف وراه. متنسيش!" الآن هو منحني وهي أعلى منه. ماذا لو دفعته بساقها؟ نفضت أفكارها المضحكة الشريره. وقفت بمكانها صامتة فجاءها صوته الموبخ لها بهدوء: "عالفكرة إحنا كده مش هنعمر مع بعض!" "قال يعني أنا نفسي!" رددتها بتهكم. فاعتدل واقفا يضع ما بيديه مكانه دون النظر لها مع رده الجرئ: "بس أنا نفسي!" لم تتفاجأ من عبث شخص مثله. ولم تتفاجأ أن حدث شيء غير ذلك. تنفست بصوت وهي ترد بصوت مرتفع: "اسمع!! انت تلزم حدودك هنا معايا فاهم ولا مش فاهم يا بتاع انت!" "آدم.. معايا آدم!" دخل على هذه الأصوات "غسان" الذي هبط ودخل. وما إن دخل على قولها ورده الأخير، ردد بإستفهام مستنكر: "هو في إيه؟" طالعه "آدم" بإبتسامة هادئة غير عابئاً برد الأخرى المنفعل للآخر وهي تقول: "لو هيشتغل هنا يبقى يجي وهو عارف إنه لازم يلزم حدوده ويبطل يبقى مستفز!" رجعت كي تقف لمكانها الأول ثم تركته واقفا ينظر على أثرها بإبتسامة. وعندما رحلت فلتت منه ضحكة خفيفة محركاً رأسه بيأس. إلى أن وجد نظرات "غسان" له محاصرة ومواجهة له بقوة. ومن ثم أتى الحديث الجاد منه له: "أنا جايبك هنا يا آدم عشان تشتغل وتشوف نفسك وحياتك مش عشان اللي جه في دماغي ودماغك دلوقتي حالا. لو ناويها كده من الأول يبقى بالسلامة سامعني ولا أعيدلك تاني!" لم يستنكر طريقه المتبجحة ولأنه يقاربه في الطباع بقلة. ترك ما بيديه متذمراً بإعتراض: "انت هتذلني طب ما أنا أمشي عادي إيه اللي هيحصل يعني وبعدين أنا معملتش ولا قولت ليها ولا محتاج أبررلك أصلاً. أنا لو عايز اللي في دماغي ودماغك كنت خدته من بدري!" "مكنتش مستني الرد ده. لو راجل بقا ابقى اخرج من المحل ده وعارضني وعارض أخوك من تاني!" "انت عارف إني ممكن أعملها عادي بس أنا ببدأ صفحة جديدة!" طالعه "غسان". بنفاذ صبر حتى رد عليه حديثه بـ: "أنا مبهددش يا حبيب أخوك.. ففكر في نفسك واعقل وملكش دعوة بـ "فريدة". ومن أولها كده متمشيش ورا اللي انت عايزه من غير ما تفهم حاجة.. ده كل اللي عندي ليك دلوقتي وتفهم زي ما تفهمها بقا.. وعايز تمشي الباب يفوت جمل وجبل كمان مبتقفش على حد!" قالها "غسان" بحزم. فوجدته برمقه بجمود. ثم تخطاه منحنياً ليكمل ما يفعله. ابتسم "غسان" خلسة عليه وعلى رد فعله الهادئ المضطر لبدء حياة جديدة بالفعل. بينما توجه هو بخطوات ثابتة ناحيتها وهي تجلس من على بعد. حينها وقف ناظراً إليها. وفي هذه اللحظة تذكرت لقبه التلقائي والذي أتى وضغط على جرحها وبقوة. أحقا كانت تستحق ما حدث لها؟ تسأل نفسها بقهر وحسرة وكسرة كبرياء وهذا هو حالها. ولكن الآن وجدت ضغط بمجرد كلمة فهبطت دموعها في العلن! وجدته يتنحنح يجلي حنجرته كي تنتبه. مسحت دموعها سريعاً. وهي تعتدل ثم سمعته يسألها بلين وترقب: "لو قالك حاجه ..أي حاجة دايقتك تعالى قوليلي !!" وقف بصفها دون أن يعلم بأنها هي من كانت أشرس منه أو هكذا تخمن هي. يعلم هو بأنها ليست هينة لذا اختارها تقف بعمل كهذا. ستستطيع مسك زمام الأمور حتى عن "نيروز" نفسها. توترت بالخفاء ثم تنفست بعمق. وهي ترسم ابتسامة هادئة تنفي ما يفهمه: "لا أبدا. مفيش ..حصل خير ..هو بس يلزم حدوده وكل حاجة هتبقي تمام !!" زفر "غسان" وهو يومأ لها برأسه ثم عاد ينظر ناحية "آدم" الذي انشغل فيما يفعله. وعندما حاول النهوض بعدما كان منحني اصطدمت رأسه بخشب السور الخشبي الموضوع حتى تأوى بصوت. وهو يمسك رأسه. فكبت "غسان" ضحكته كما ضحكت "فريدة" بصوت جعله ينظر لها بحدة. محذرها بنظراته الجامدة المغتاظة. في حين أشار "غسان" لها ناحية رأسه من ما يعني أنه يرسل لها بأن الآخر مختل عقلياً. فحركت رأسها تؤيد مع كبتها لضحكتها. فعاد يردد هو من على البعد بتبجح صريح هذه المرة: "هزي راسك كمان ..محدش تعبان فمخه هنا غيرك عشان تكوني عارفه!!" إغتاظت منه من جديد حتى بدأت في السير ناحيته بغضب. فقاطع "غسان" سيرها وهو يقف بطوله أمامها كي لا تستطيع السير ثم حذرها بنظراته غامزًا يحثها على الصبر: "سيبك منه وارجعي مكانك !" وجدت الإصرار في نبرته فتحركت بعدما رمت للآخر نظرة حادة. فالتفت "غسان" ينظر له فوجد عينيه مترصدة نحوها هي وهي تقف من على بعد بالمكان التي كانت تقف هي به. وحرب النظرات تبدأ بين طرف شرس وآخر بارد متبجح بطريقة هادئة تجعل من أمامه يستشيط غضباً. خرج "غسان" بعدما التفت وهو يبتسم بشرود. ولاق استحيانه ما حدث من عبث بين الطرفين. وسأل نفسه ما هو القادم وبالأخص مع "آدم" الذي يجهل كل الجهل عن ما حدث لها. ومن ناحية أخرى سبب لذلك أنه قطع أي صلة كان يربطه بـ "شريف". ولكن عقله مازال منشغلًا بـ "حسن" بأين هو وكيف حاله. المرعب بأنه إن عاد له مجددًا فسيعود معه لما كان عليه وهذه نقطة تقف بطريقه بين اهتمامه به وتعمده للتجاهل كي يبدأ حياة جديدة نظيفة!!!! بعدما خرجت من الاختبار وكان هو ينتظرها ذهبا معًا إلى المستشفى حيث "فرح". كانت معها في الغرفة كما كان "عز" و"والدته" التي كانت موجودة من وقت مبكر. كان جالسًا. ممسك كفها بحنو. وهو يتطلع إلى ملامحها بينما ينصت باهتمام لـ "جميلة" وهي تجلس على حافة الفراش ممسكة بيديها بحب. وهي تردد بشغف: "أنا عارفه إنك مبسوطة عشاني أوي على فكرة. وأنا كمان مبسوطة كنت هتبسط أكتر لما كنتي تبقي معايا في يوم زي ده. بس زي ما اتفقت معاكي هتبقي معايا لحظة بلحظة على التليفون. هرن عليكي فيديو كول وهتحضري كل حاجة وانتي قاعدة. أنا فرحانة أوي علشان بيقولوا إن في تحسن. أنا فخورة بيكي أوي عشان بتمري بكل ده. بس حاولي تنسي اللي فات وساعدي نفسك لو بتحبيني وبتحبي عز وماما حنان..!" توقفت "جميلة" عن الحديث فوجدتها تنظر لها. وكان "عز" ينتظر بشوق على أن تتحدث ولم تفعل ككل مرة. بينما كانت "حنان" تكتم دموعها تتظاهر بالتماسك مؤقتًا. في حين أكملت "جميلة" وهي تسرد عليها بحماس وشغف: "بجد مش هتصدقي إن أنا عروسة. أنا ومنة وروحنا الامتحان. كان امتحان بايخ أوي. فاكرة؟ فاكرة لما كنا بنخرج من الامتحانات وتقعدي تعيطي شوية وأنا شوية. كنت ببقى خايفة ومتوترة وكنت بقرفك معايا أوي. بس دلوقتي بقيت بخرج وحتى لو مش واثقة إن حليت كويس بس ببقى خارجة مطمنة. إحساس الاطمئنان والأمان بقى ملازمني عشان "عز" معايا وواقف جنبي. بحس إني مفيش زيي وهو بيقولي إغلطي براحتك وكأنه يعني عميد الكلية !!" أثارت كلماتها ضحكتهم بصوت. وابتسمت "فرح" فقط. فضحكت "جميلة" معهم. وحينها واصل "عز" رداً عليها: "يبقى عيب منكم تقلقوا وجنبكم "عز" ده مش كلام!!" "واحلى عز يا حبيبي.. الكل يتمناك يا حبيب أمك اومال ايه راجل ومحدش يقلق وانت جنبه أبدا!!" عظمت به بمرح وعفوية. فضحك "عز" بصوت عالٍ وهو يغمز لـ "جميلة" مرددًا بعبث: "ايه رايك ..الكل يتمناني مش كده !!" "يا خويا بتلعب على غيرة مين ..هي كده كده واقعة فيك وبتحبك وباين فعنيها ..ياما نفسي تفرحوا بقى وتقوميلنا يا فرح بألف سلامة !!" رددت حديثها مرة أخرى أوله مشاكسة وآخره تمني بحزن ورجاء. خجلت "جميلة" من تصريحها هذا. وتعمد "عز" عدم الضغط على حديث والدته أمام "فرح". فعاد يوّكز كف "فرح" بخفة. وهو يردد لها بمشاكسة كي تشارك ولو بالنظرات: "ايه رايك يا فرح. أخوكي يتحب بردو صح. بصيليها أزغريلها بيني كده إنك غيرانة عليا. لاحسن أنا حاسس بقى إن أنا غلبان ومليش حد !!" قال حديثه بدراما. فرفعت "فرح" ذراعها لتحتضنه وتفاجئوا من فعلتها كما تفاجأ من حوله. ضمها بلهفة. فأسندت رأسها على كتفه بأمان. وكأنها ترسل له رسالة مكشوفة. بأنه غالٍ عليها وبشدة. في حين قلبت "جميلة" الحوار لمرح. وهي تقول بضجر زائف: "انتوا هتعملوا على رباطية بقى. أنا كده أخاف أجي البيت وأتجوز مش هلاقي حد فصفي !!" قالتها بدراما مماثلة. فتحركت "فرح". تنظر ناحيتها بابتسامة باهتة. فردت "حنان" عليها بلهفة كبرى: "مين دا اللي مش هتلاقي حد فصفك وأنا روحت فين يا بت يا جميلة. ليكي عندي لو عز ابني غلطلك وداسلك على طرف هعرفهولك. يعني هيكبر على أمه!" ضحكت بقوة. وهي ترمق "عز" بشماته. فتنحنح "عز" يحذرها بطريقة زائفة مرحة بالجدية المغشوشة: "خدي بالك. انتي بتضيعي الهيبة يا أم عز كده!!" ضحكت "حنان" وهي تحاوطهم بنظراتها بدفء وحب. تتمني أن تجتمع به بحال أفضل وأن ترى عوض "عز" كما تتمني أن تحمل أطفاله بأقرب وقت كي يعم منزلها البهجة التي لم تزوره من فترة كبيرة. دائمًا ما كان السكون يحل محلهم!! اعتدلت "فرح" في جلستها وهي تتنفس بعمق. ولأول مرة منذ فترة كبيرة تستطع أن تأخذ أنفاسها بهذه الراحة ربما لأنها لا تحمل هم أو ذنب أحدهم الآن. طالعتها "حنان" بتمعن. في حين وزع "عز" نظراته بينهن. ثم ثبتها على "جميلة" ودموعها العالقة بعينيها شفقًا وحزنًا على حال "فرح". لامس قلبه كل ما تفعله. بداية من رغبتها العارمة في أن تضحي بسعادتها لأجله وأجل حزنه. دموعها وقلبها اللين الرقيق ودموعها الدافئة ولين قلبها كما كانت لينة في المعاملة. خجلها الزائد عن حده بهذا الزمن الغريب الذي رأى به مختلف الأشكال والألوان من البشر وطباعهم. كل شيء بها مختلف. وشعور الراحة منه لها وعند وجودها واختيارها دائمًا لا يفارقه لا يفارقه فخره بنفسه عندما اختار واحدة مثلها هي. هي التي تعتبر فريدة من نوعها. عينيها.. ملامحها.. خصلاتها الذي يتمني رؤيتها بشغف. ود لو يطلب منها هذا ولكنه صمت كي لا تهابه. أفكاره كرجل عبثي بما يريده بمشاكسة طفيفة يوترها. يوترها ويخجلها أقل شيء يفعله هو. لا ينكر بأن هذا الخجل لاق استحسانه وبقوة. احمرت وجنتيها عندما وجدته شاردًا بها كمن ثبت ليلتقط له أحدهم صورة وهو هائمًا بها بهذه الطريقة. تنحنت تشير بيديها أمام وجهه وهي تقول: "عز انت معانا؟ بقولك الزيارة وقتها انتهت. يلا قوم ودعها عشان نخرج!!" بالفعل خرج من شروده ونظر تجاه شقيقته فوجد "والدته" تحتضنها بالوداع. نهضت "جميلة" تجلب هاتف "فرح" تضعه بين كفيها ثم قالت لها بابتسامة واسعة قبل أن تحتضنها وتعتدل لتخرج: "متنسيش تفتحي عليا.. علشان أحس إنك معايا.. انتي فارقالي أوي يا فرح ووجودك فارق معايا..أنا بحبك أوي!!" كانت هذه جملتها بعدها احتضنتها بحب. فرفعت "فرح" يديها تمررها على ظهر "جميلة". ووقف "عز" منحنيًا كي يقبل قمة رأسها ومن ثم إحدى وجنتيها برفق وهو ينظر نحو ملامحها الباهته حتى قال بتحشرج: "هستناكي يا فرح. هفضل مستني تكوني بخير وعمري ما همل. خلي بالك من نفسك. مش هتأخر عليكي. عز الرجال ملوش غيرك يا بنت حنان فرحيه بقا وحاولي تردي وتكوني." كويسه! ابتسمت له بهدوء. فعانقها هو وهو يشدد في عانقها. وعندما لاحظ خروجهما، وقف معتدلاً. كي يسير. وسرعان ما وقف متصنعاً التذكر وهو يسألها: "زعلان إنك مش هتختاريلي لبسي النهارده. بس أنا هقولك!" وقف معتدلاً. ثم إقترب يردد بتساؤل وكأنه يشاركها أدق تفاصيله: "البس قميص إبيض على بنطلون بيچ ولا ألبس بنطلون إسود وقميص أبيض؟" سألها باهتمام. وهو يبتسم وعقب ما ابتسم وقف منتظراً. ثم قال مرة أخرى يخيرها: "الأول ولا التاني؟ شاوريلي بآيدك وهعتمد علطول يلا!" توسعت بسمتها هذه المرة. وحركت كفها ببطئ وهي ترفع إصبعها السبابة مما يعني الاختيار رقم واحد. ضحك بخفة. ثم أشار نحو عينيه مردداً بسعادة: "خلاص اعتمدنا الكلام. هبعتلك صورتي أول ما أجهز عشان تكوني أول واحدة تشوفيني. ماشي؟" حركت رأسها إيجاباً. فأشار لها بالوداع. ورغم ان اختيارها مثل "جميلة" ولكنه لم يردد ذلك بل ود ليشعرها بأنها تختلف عنهن عنده هو. بأنها قريبة لقلبه قبلها. حدسه يحثه بأن ثمة شعور لديها بالغيرة الطفيفة يداهمها ربما لانها بعيد والأخرى الأقرب ولكنه عمل على زوال ذلك الشعور حتى وان كان غير مؤذي لأحد! بينما في شقة "عايدة" الٱن وبعد مرور وقت. جلس الشباب مع بعضهم حتى بعدما جاء "حازم" مع "ياسمين". وقفت النساء في المطبخ وإنخرطت "فاطمة" في الحديث معهن بحب. وتلقائية. في حين جلست "نيروز" معهم تستمع فقط دون حديث وتارة تلاعب "يامن" بسعادة من رؤيته يضحك وسط الأطفال. على بعد منهم كانت جلسة الشباب مع "حامد" هو الٱخر. وعينيها هي لا تفارقه تارة تنظر له بشوق وتارة أخرى تحدجه بحدة. لا تعلم من أين أتت ولكنه يعلم بأن عنادها ليس له مثيل. كانت "ياسمين" تتحدث مع "فاطمة". وذهبت "وردة" هي الأخرى إلى المطبخ. وكان من بين الشباب "شادي" الذي أتي هو الٱخر. إقترب موعد الغداء ولم تأتى "جميلة" بعد هي و"عز" ووالدته. و"فريدة" هي الأخرى مازالت في الأسفل. أو هكذا يعتقدون. بل هي الٱن أغلقت المحل بالفعل قبل أن تقف هي وهو أمام المصعد. سرق النظر إليها فوجدها تقف صامتة. فعاد ينتظر المصعد بينما تفاجأ من قولها الجرئ مرة واحدة بإندفاع دون مبررات: "لو سمحت متركبش معايا الاسانسير. شوف التاني او اطلع على رجلك. أنا مش هدي الأمان لواحد زيك!" تلك الجريئة المتبجحة بطباعها الثابتة. لم يتفاجأ "ٱدم" بل ظل واقفاً. متنظراً المصعد دون ان ينظر إليها وتزامناً مع ذلك إشارته لها بغير اكتراث عندما قال بوقاحة: "قال يعني وانتي الملفته اوي. اتلهي!" فتحت عينيها من وقاحته. وكان كاذباً بهذه الجملة. ملفته حتى وان استقامت واعتدلت بملابسها وهذا ما يثير حيرته بها. ضغطت على فكها ثم دارت رأسها تحدجه بغضب. مرددة بتعنيف: "علفكرة انت قليل الأدب ومتربتش!" "حصل" ودت لو ترفع يديها تصفعه الٱن من هذا البرود. وقبل أن ترد من بين سهام نظراتها وجدت "جميلة" تدخل عليهما هي و"عز" و"حنان". دارت وجهها ناحية "جميلة". فابتسمت بلهفة سريعا. تزامناً. مع ترحيب "عز" لـ "ٱدم". فسألتها "جميلة" التي لاحظت تهجم ملامحها: "مالك كده في ايه؟" حدجت "ٱدم" بقوه ثم عادت تنظر لها وهي تقول بجدية بالغة امتزجت بحدتها في الرد رغماً عنها: "مفيش!" "فيه ان الآنسة فريدة مش عايزاني أركب معاها الأسانسير مع إني والله متوضي كمان." قالها "ٱدم" بإستفزاز. فتوترت ملامحها عند هذا اللقب مجدداً. وصمتت "حنان" بتفهم. مع نظرات "عز" المهزوزة ناحية "جميلة" التي وضعت يديها على كتف "فريدة" برفق. ثم نظرت ناحيته متمتمة بأسف: "معلش. متقصدش اللي انت فهمته!!" "انتي بتتأسفيله على ايه؟ دا بني آدم قليل الادب!!" قالتها "فريدة" بانفعال. فتصنع "آدم" البراءة وهو ينظر وكأنه يشهدهم على اسلوبها. وقبل أن يرد أحد. هتف "عز" عالياً. ينهي هذا: "خلاص حصل خير. تعالى ي ٱدم نطلع إحنا على السلم لان التاني مشغول وهم هيطلعوا فـ ده وخلاص!" قالها عندما لاحظ فتح المصعد أخيراً. ركبن به. تزامناً مع صعود "عز" و "ٱدم" على السلم. وبعد مرور لحظات وصل المصعد وخرجت "فريدة" بغيظ. مع "جميلة" مستمعين لحديث "حنان" لها وهي تبتسم لها: "براحة يا بنتي. الحياه مبيتاخدش كل حاجه فيها قفش كده حتى علشان نفسك!!" نظرت لها "فريدة" وهي صامتة تحت ضحكات "جميلة" المكبوته. فحدجتها "فريدة" بغيظ. فقد قصت المختصر. ومنذ لحظات تضحك بخفوت: "انت بتضحكي على ايه!!" "طب والله دمه خفيف!!" قالتها "جميلة" بضحك. فلاحظت ظهور "عز" و "ٱدم". فخرجت كلمة "فريدة" وهي تطالعه بسخط: "دا يلطش!!" لاحظ "عز" شراستها ومقارنة بـ "جميلة" فسيحمد ربه عليها فالحال. إعتلت الضحكات ودقت "جميلة" على الباب بيأس. منها وهي تضحك. فنظر "ٱدم" لها بكيد. وهو واقف بجانبها ينتظر فتح الباب. وعلى سهوه دون إنتباه انحنى يهمس لها وهو واقف بجانبها: "براحة على نفسك بس أصل يطق لك عرق!!" لم يعطها من فتح الباب فرصة للرد. بل فتحه "حازم" ورحب بالجميع بحرارة وهم يدلفوا إلى الداخل. حتى انخرطوا في الحديث. وجلست "جميلة" بجانب "نيروز" التي شاكستها بغمزة مرحة هادئة: "الحب بينور!!" رمقتها "جميلة" بملل. ثم ضحكت بإنهزام وهي تؤيد. في حين جلست "فريدة" بغيظ. بجانب "وسام" التي رمقتها بغرابة. من حالها هذا. وقبل أن تسأل سمعوا صوت ضحكات الشباب عالياً. ومعهم ضحكة "آدم" الذي نظر بعشوائية فتقابلت عينيه معها. فحركت هي عينيها ببطئ. مع نظرتها الجامدة. فإبتسم هو بإصفرار. وكان يجلس بجانبه "عز" الذي مال يهمس لـ "غسان" بضحك. يعلمه ما لا يتوقع أنه لم يعلمه: "انت كنت فين دا كان في عاركة دلوقتي بين ٱدم وفريدة!!" لم يتفاجأ بل ضحك "غسان" بخفة. ثم قال له بغير اهتمام يعلمه بأن هذا أصبح طبيعياً: "عدي يا عز. لازم تعدي ي برنس طالما مناسب واحدة من عيلة الأكرمي. متلاقيش حد هنا سهل..آدم يستاهل يتربي منها ومن لسانها ما اصلها مش سهله وأنا عارف!!" تفاجئ من حديثه الواثق هذا. وكأنه يقول شيئاً عادياً. لم يري من "جميلة" شيئاً ليس هيناً إلى الٱن. ربما سيظهر في القادم. شرد للحظات. وأخرجه "غسان" بتفهم. وهو يضحك: "لا متفكرش كتير هنا كلهم كيدهن عظيم..!!" أثار الحديث انتباه "شادي". الجالس بجانبهم. فرد سريعا. على حديث "غسان" بعفوية: "مفيش ست سهله ي معلم. إسألني أنا!!" "في ست سهله عادي بس لما الراجل يكون فاهم مخارجها ومداخلها كويس. إركن إنت..دا احنا هنشوف العجب فيك!!" قالها "غسان" بضحك. ثم عاد يميل ليهمس بجانب إذن "عز". وهو يشاكس الٱخر: "شايف الكدمة الزرقا الخفيفة اللي تحت عينه دي. دي من "منة" خد بالك. كل يوم بتصبحني بعلقة وتمسيني بعلقة. وجاي تدينا نصايح للستات!!" قهقه "عز" عالياً. بصوت. وهو يضرب كف "غسان" الذي ضحك وهو ينظر بكيد. ناحية "شادي" الذي تنحنح بحرج. زائف مردداً: _" عادي براحتها .!!" _"إخص على الرجالة !" هتف بها "آدم" بتقزز، فضحك "غسان" و"عز" هذه المرة بصوت عالٍ مما جعل "حامد" ينتبه لهم هو و"بدر" الذي ضحك على ضحكهم دون فهم هو و"حازم". وكأن الوضع جاد. ونظرات "آدم" المشمئزة ناحية "شادي" الذي رمقه بغرابة وهو يرد عليه بجدية زائفة: _" إنت بتبصلي كده ليه يعم انت !!" تتزايد الضحكات منهما هما.. اللذان هولا الوضع بتهليل وشر بخبث كلماتهم "غسان" و"عز". ظلا ينظران بتسلية. فرد "آدم" بجدية يشير له بيديه: _" يجدع الراجل مننا ملوش غير هييته !!" كبت "غسان" ضحكاته ثم نبس بسخرية مضحكة: _" شوف مين بيتكلم !!" ضحك "عز" هذه المرة بتفهم لما يلمح له. فنظر "آدم" بغيظ تحت ضحكات الجميع: _" علفكرة أنا قادر أبعتر كرامتها بس أنا محترم نفسي!!" فتح "عز" عينيه وهو يغمز له بتحذير من وجود "حازم". فعقد "بدر" حاجبيه وهو يسأله: _" هي مين دي يآدم؟" توترت ملامحهم ولأن قول "آدم" عالٍ سمعته "فريدة" والفتيات اللاتي لاحظن صوت ضحك الشباب العالي. والصادم أنها وقفت تنظر بغيظ وهي ترد عليهم بوقفتها أمامهم مرددة بجرأة: _" أنا !!" فتحت الأعين وصدم البعض والبعض الآخر ينظر بغير فهم. وتوترت الملامح عداه هو وهو يشير لها بغير اكتراث مرددًا: _" والله اللي على راسه بطحه بقا !!" حذره "بدر" وضغط "عز" على كف "آدم" كي يصمت في حين سأل "حازم" بجدية: _" هو في إيه؟" _" مفيش يا حازم بيهزروا مع بعض يعم !!" قالها "بدر" كي ينهي الحوار. ولأن "آدم" يعتبر في منزله فإلتزم الصمت وهو يحدج "فريدة" بحدة فتراخت وهي تسير من أمامهم مرة أخرى. واستطاع "حامد" تخمين الوضع. وهذه المرة حذر "غسان" بنظراته عندما علم بأنه المتسبب في تصعيد الأمر بهذه الدرجة. فتخطي جلوس "بدر" بجانبه ثم همس لـ "غسان" بتحذير: _" ياريت تعقل شوية !" تصنع عدم الإنصات حتى نهض وهو يكبت ضحكاته كي يقف بجانبها هي وهي تنظر له من على بعد. في حين تحرك "عز" ناحية الشرفة كي يقف بها ليدخن سيجارته براحة كبرى. وتفاجئ بها تقف بجانبه وهي تردد بيأس تسأله: _" مش بتفكر تبطلها يا عز؟" لم يثير غرابته هذا السؤال. بل تنفس بعمق وهو ينفي برأسه بقلة حيلة. فأخذتها هي من بين يديه تطفئها ببطء. فقال هو بمراوغة: _" انتي عارفه لو حد غيرك كان هيحصل فيه إيه؟" _" ممكن أعرف أنا مين غيري هيتجرأ يقرب منك كده وياخدها من ايدك!" _" أي حد عايز يخمس معايا فيها. سهلة !!" حرك كتفيه ببساطة وهو يرد. فضحكت هي بخفة ثم ردت عليه بمشاكسة: _" بس أنا مش عايزه أخمس فيها. أنا عايزة صحتك تكون كويسة. إحنا خلاص الغدا هيتحط فملوش لازمة تشربها دلوقتي !!" وقبل أن يرد سمع صوت دقات هاتفه في جيب بنطاله فاعتدل يخرجه. وما أن ظهر الاسم تأفف بملامحه وتردد في أن يجيب. ولكنها لاحظت فنظرت بجرأة ناحية الشاشة إلى أن وجدت الاسم. عقدت ما بين حاجبيها بتساؤل: _" مين مدام أماني دي؟" ستبدأ الغيرة! تنهد "عز" يخرج أنفاسه وهو يرد عليها بنبرة هادئة مختصره: _" زبونة ليها عربية إتأخرت في التصليح!!" _" ومسجلها ليه؟" ما هذا السؤال الغريب. رفع حاجبه الأيسر باستنكار ثم رد على حديثها بـ: _" علشان تعرف هي اتصلحت ولا لا. وبعدين دي زبونه قديمة معانا من زمان !!" قلبت عينيها بصبر وهي تهمهم بثبات مرده بنبرة هادئة عكس ردها: _" عشرة عمر من زمان يعني" صمت "عز" قليلا وهو يحرك رأسه بغير وعي لردها. فإنقلب الحوار والتعامل لآخر بارد منها. فسألها بتلقائية ووضوح: _" هو انتي غيرانه؟" وقبل أن ترد عليه وجدت الهاتف يدق مرة أخرى بعلو. فتحدثت بنبرة هادئة تحثه مرة أخرى: _" ما ترد متسيبهاش ترن عليك كتير ولا كأنها حبيبتك مثلا!!" تنفس "عز" بصوت متحليًا بالصبر حتى رد بجمود يخبرها: _" أنا مليش فـ كده يا جميلة وانتي عارفه كده كويس!!" فتح الهاتف وفتح مكبر الصوت كما هو معتاد والآخر كي يثبت لها. فردت المتصلة على الجهة الأخرى: _"هاي يا عز" _"أهلا يا مدام أماني أخبارك" _"كويسه يا عز يسلملي سؤالك. أنا عايزه اعرف العربيه إتصلحت ولا وصلت فيها لحد فين كده مش تطمني وترن عليا كده وتعرفني ولا انت بقا مش معتبرني صاحبة ليك. دا أنا معاك من زمان يعني يا مان المفروض تبقي جدع معايا وتخلصها بسرعه عشان خاطري عندك حتي!" أما سمعته صحيح! لأنه لا يري سوي من تقف أمامه لم ينتبه أن هذا الحديث لعوب. أنثى مثلها من تعلم هذا. صدم من تحرك "جميلة" بصمت وسكون لخارج الشرفة. تتركه. وهي تتوجه ناحية المطبخ لتعد معهم وترص الطعام على السفرة. رد عليها "عز" بإيجاز واختصار بحجة أنه منشغل بالفعل بهذه الأيام التي تعد قبل زواجه. وأغلق الخط بضيق. فقد فهمت الأخرى بمعني خاطئ وإتضح بأنها ليست من النوع التي تهاجم وتواجه بل تأخذ الانطباع بصمت وتصمت بتجاهل!!! وأما عنها فهي وهي تحول الأطباق شردت بأفكارها. أيمكن أن تكون قد عظمت الوضع والحديث. ولكن حدسها كأنثى يشعرها بأن هذه التي ترد عليه بتمايع في الحديث ورقة مبالغ بها، كل ذلك يثير غيرتها وهي التي لم تستطع فعل ذلك معه. أيمكن أن يلتفت لها لأنه لم يجد ذلك بها؟ جلس الجميع على سفرة الطعام الكبيرة ملتفين حول بعضهم، وكل منهم جلس بجانب من يهمه. حتى وجدت "جميلة" نفسها جالسة بجانبه بعدما هتف الشباب باسمه كي يأتي من الشرفة. حدجها بنظرات مهتمة ومال يسألها باستفهام كي يأتي منها الحديث: "ممكن أفهم مشيتي ليه؟" "عشان أسيبك براحتك مع مدام أماني!" قالتها ببساطة وهي تندمج في الطعام. فرمقها بنفاذ صبر قليل ما يظهر عليه وهو يرد: "بلاش الطريقة دي يا جميلة، مفيش حاجة من اللي فدماغك دي!" حرك عينيه من عليها مندمجاً في تناول الطعام، بينما صمتت هي بضيق. في حين كانت تجلس "نيروز" بجانب "يوسف" الذي جلس بجانبه "والدته"، فأطعمته "نيروز" بحنو، وهي تحثه بلهفة على أن يأكل موزعة نظراتها بحب بينه وبين توأمه الآخر الذي جلس بجانب "آدم" الذي كان ينظر لـ"فريدة" بين الحين والآخر باستفزاز مماثل لها. مال "غسان" بعدما نظر لها بلطف، وهي تهتم برقة بالأطفال شفقة لما علمته عنهم وعن والدهم بمعاملته. في حين همس هو لها بتهكم: "مش لما تهتمي باللي عندك الأول!" قالها بمشاكسة مدفونة. فردت هي بغير اكتراث وهي تبتسم لـ"جنة" حتى عادت تنظر له تزامناً مع قولها: "خليك فحالك!" "إنت حالي!" رددها "غسان" بلين معهود لم تراه من فترة. إنهزم بشوقه لها ولا ينكر ذلك. لم ينهر نفسه على جملته بل انخرط في الطعام كما فعلت هي وهي تتصنع التجاهل. في حين تحدثت "عايدة" بأسف لـ"شادي": "أنا عزمت منة وباباها بس رفضوا وقالولي هيجوا على الحنة علطول!" حرك رأسه مبتسماً ثم رد عليها يوضح لها: "أصلهم المفروض هيخرجوا مع بعض يتغدوا برا بعد الامتحان!" تفهمت وتفهمت أكثر حرج "طارق". نهضوا واحد تلو الآخر من على الطعام. وحولت الفتيات الأطباق، فوقت "غسان" يساعدهم مع "حازم" وتوجه بقية الشباب ليغتسلوا مع تنظيف "جميلة" المكان بعد الطعام وكنس "وردة" ودخول "نيروز" المطبخ معهم كي تساعدهم. عاد الشباب مرة أخرى وجلس معهم "عز" الذي حاوط "جميلة" بنظراته وعندما وجدها تجمع مفرش ما من على الأرض للتوجه به ناحية الشرفة نهض خلفها مباشرة. في حين جلس "غسان" بجانبهم مرة أخرى، وتلك المرة جلست بعض النساء والفتيات مع الشباب متحدين مع بعضهم بأصوات تعلو بعشوائية في الحديث بكل طرف مع طرف آخر غير أطراف أخرى!! بينما في الشرفة انتفضت هي عندما شعرت بأحدهم خلفها ولا يفصله شيء عنها. لم تتوقع شخص غيره شعرت بالحرج وهي تتزحزح تعدل ما بيديها لتضعه على السور ثم اعتدلت تدفعه عنها برفق كي تقف براحة: "لو سمحت ابعد شوية مينفعش كده!" "عند عز ينفع!" قالها وهو يخرج لفافة من جيبه ليشعلها. بينما وقفت هي صامتة. فعاد يتحدث بوضوح وتعقل: "اتكلمي يا جميلة بكل صراحة وبلاش الطريقة دي معايا، أنا مش محتاج أقولك إن مفيش حاجة أصلاً تخليكي تعملي كده!!" اعتدلت "جميلة" تخرج أنفاسها ببطء ثم قالت بنبرة هادئة توبخه بهدوء: "دي مش طريقة زبونة عندك يا عز، انت مش شايف بتتمايع عليك إزاي وكلامها كله متصنع، دي بتقولك بالحداقة عايزاك تبقى صاحبها، صاحبها إزاي يعني مش فاهمة؟" أخرجت شراستها الطفيفة بآخر حديثها. فاعتدل محاولاً إنهاء الحوار وهو يقول بمشاكسة ممسكاً باللفافة بين يديه: "صدقيني أنا مش واخد بالي من مياعة غيرك عليا!!" تورّدت وجنتيها من حديثه العفوي المشاكس. فعاد هو يوضح بابتسامة تسحرها: "مع إن مبشوفش المياعة دي بس مسيرها يعم الجميل!!" أراد أن يبعد عن الحوار ووضع يديه على كتفيها موضحاً أكثر بتفهم: "والله العظيم يستي ما حد شاغلني غيرك انتي، ولا أنا لعوب وبتاع بنات عشان عيني تروح كده ولا كده، العين والقلب بيحبوكي انتي يا جميل وربنا!!" لانت سريعاً وهي تبتسم له بحب وخجل. فعاد هو يتحدث مرة أخرى بجدية بالغة: "وبعدين أنا فاضي يا بنت الناس للكلام ده عشان أجري ورا الزباين، طبيعي هلاقي أشكال وألوان فشغلي، بس شكلك ولونك ثابت عندي مبيتغيرش، كان فاتني عرفت استغني وبعدت بس مقدرتش، أي نعم غيرتك حلوة أوي بس يضايقني أشوفك بتبصيلي على إني غلطت في حقك مع إن معرفتش أعمل كده ولا هعرف!!" خبير.. خبير هو في قول الحديث المعسول وهي العكس تماماً، كلما تتأثر تصمت ولكن جاء على خاطرها سؤال متأثر خائف آتٍ من توترها وفقدان ثقتها بمن حولها خاصة بعد تجربة والدها في حياتها الطويلة: "عز هو إنت ممكن تسيبني؟ ممكن تمل مني ومن حبي.. وتعايرني في يوم؟" تفاجأ من سؤالها ويثير حسرته عدم ثقتها هذه التي ظهرت. أطفأ ما بيديه بطريقة ملحوظة ثم تنهد وهو يفتح ذراعيه لها على فجأة مردداً يحثها: "تعالي!" ترددت ولكنها دخلت بين أحضانه فضمها أكثر وهو يتنفس بعمق ثم رد عليها وصوته يأتي من الخلف بجانب أذنها عندما همس هو لها بحب: "عبيط وخايب وميعرفش حاجة اللي يمل ويسيب ويعاير الجمال، مش هقولك مستحيل بس أنا حاسس إني هفضل أحبك لكثير أوي ومش همل، يمكن عشان دُقت المر فبعدك ومعرفش أبعد وأمل مع إن ساعتها كان أمر واقع من غير أمل.. توعديني انتي متمليش مني ومن العيشة معايا وتتحملي حتى لو جه علينا أيام صعبة؟!" خرجت من بين ذراعيه تؤكد برأسها وحينها هتفت بعمق وصراحة: "أنا معاك دايماً على المر قبل الحلو، معاك طول ما انت مصدر أمان مشوفتوش قبل كده ولا هشوفه غير معاك انت بس!!" وبلحظة كهذه تمعن النظر بملامحها الجميلة مثل اسمها. وعندما اقترب برأسه ليقبل إحدى وجنتيها، انتفض الاثنان معاً عندما صرخ أحدهم يوقف ما يفعلانه: "اقف عندك!!" كان "حازم" والذي بخفة كبرياء وقف حاجزاً بينهما وهو يمسك "عز" من ياقته مردداً بتعنيف: "انت هتحترم نفسك امته!" كبتت "جميلة" ضحكتها. فهتف "شادي" وهو يدخل بجانب "غسان" الضاحك: "لما يتجوز يا حازم!" حرك "غسان" رأسه نفياً بيأس من أفعال "حازم" التي تأتي من غيرته رغم ثباته وعقله. في حين أهبط "عز" يدي "حازم" وهو يرد بثبات: "معنديش ميعاد محدد، بس أوعدك لما أحترمها هقولك!" احمرّت وجنتيها بخجل عندما وجدت نفسها محاصرة في الشرفة بينهم. فابتسم "عز" لها وهي تهبط عينيها كي تخرج إلى الخارج عندما أفسح لها "بدر" و"آدم" المكان بلباقة. فدخلوا وهم يرون نظرات "حازم" الحانقة لـ"عز" الذي برر له بضجر: "أنا مش فاهم عايز ايه مني. اختك مراتي.. مراتي يا جدع ارحم امي بقى!" ضحك الشباب حتى "حامد" الذي دخل مع قول "غسان" المشاكس له: "حازم مجربش مشاعر." كتب الكتاب ملحقش يعيني مش حاسس بيك يا عز أعذره مش زيي ولا زيك معاشش كل ده قدره! رمقهم "حازم" بحنق، ثم قال بعقل، "كنت خاطب مده طويلة بس كنت محترم حتى بعد كتب الكتاب اللي كان فترته قصيره!" أشار "ٱدم" بغير اهتمام وهو يرد بوقاحة: "انت متربي عشرين مره يا حازم، دا أنا لما أكتب كتابي ههيص وأعيش، وبص هـ.." كمم "بدر" فمه بكفه تحت ضحكات الشباب و"حامد"، فرد "عز" بنبرة ضاحكة يرد عليه: "حاسك إندمجت يا ٱدم وانت أصلا لسه سينجل!" حمحم بحرج زائف، فتحدث "بدر" هذه المره بابتسامة هادئه: "ايوة.. بس عايزين نشوفله عروسه بقا إيه رأيكم، محدش عنده واحده حلوه كده ليه تشغله!" ضحكوا بخفة، فتعالي صوت "حامد" بتعقل: "ومالوا بس يكون قادر يفتح بيت ويشيل مسئولية فعلا!" هنا وتحدث "ٱدم" بنبره هادئه مستندا بأريحية على السور: "حاسس إني لسه عايز أتعب أكتر عشان أخد القرار ده يا عمي!" أعجب بعقله، فنظره له "بدر" بيأس، ونجده من يأسه حديث "حامد" الهادئ بـ: "خلاص سيبه على راحته يا بدر، لحد ما يجيلك وهو مختار عروسته بنفسه الأمور دي بتيجي بالرضا يبني عشان مفيش حاجة تفشل، مش لازم الرضا يكون من العروسه ايا كان، لازم بردو الرضا يكون من الراجل عشان لما يدخل ع المسئولية يدخل وهو متقبل ده مش متخبط ومتردد او مش راضي أصلا ولا حاسس بإن دي مسئولية وحياه!" كان حديثه متعقل بما فيه الكفايه، فرد "عز" بشرود يجيبه بتأييد: "لو كل الناس بتفكر زيك كده يا ابو غسان مكنتش الدنيا لطمت حد ولا كان في ناس إتولدوا مجبورين على شيل المسئولية بدري عن ابوهم وامهم، بس هي كده الدنيا مبتديش الواحد العقل الا لما يتقرص منها!" أيدوه بشدة، وشعر "غسان" و"حازم" بثقل كلماته هذه، فتحدث "شادي" بابتسامة متحمسه: "ان شاء الله نتجوز يا عز انا وانت ونخش دنيا بقا ونهيص!" ضحكوا عليه بخفة، فرد "غسان" بسخرية مع نبرته الضاحكه: "قاعدين لا بينا ولا علينا، فجأه يخش يقولك أنا عايز اخش دنيا، لا اله الا الله، خليك كده من غير ما تخش دنيا، الجواز تلت تربعه نكد خد بالك بقا انا محذرك اهو وجايلك من المستقبل!" توقفت الضحكات عندما وجدوا "نيروز" تقف من خلفه وهي تحمل صينية بأكواب الشاي، وقفت تنصت لأول حديثه، فحمحم "شادي" بحنجرته كي ينبهه وهو يشير خلفه بنظرة عينيه تحت كبت الجميع ضحكاتهم، فإلتفت ينظر مدعيا الدهشة وهو يصحح مره أخرى بسرعه: "الجواز دا أكتر حاجة جميلة فالدنيا، بالذات لو مع الشخص اللي بتحبه واختاره قلبك!" كانت صادقة منه رغم انها مرحه، لاحظت مرحه وصدقه بنفس ذات الوقت، فابتسمت وهي تحدجه بتحذير، فمد يديه يحمل منها الصينية وهو يهمس لها بتهكم: "تجربة متمنهاش لألد أعدائي!" فتحت عينيها على وسعها بذهول، فعاد هو يهمس بعمق وهو يكمل: "أصلها حلوه أوي وأنا متمناش لعدوي الحلو أبدا!" إحمرت وجنتيها، ثم ردت عليه وهي تعتدل قائلة بنبره هادئه: "ياريت تحاول تخلص بدري عشان تطلع تشوف هتلبس ايه، لاني مش هكويلك حاجة!" تركته بعدها ينظر لها ولشراستها المخفيه بغير تصديق، ثم عاد يوزع أكواب الشاي عليهم وهو يندمج في الحديث، في حين كانت النساء فالخارج يتجهزن لارتداء الملابس تزامنا مع إستعداد "حنان" كي تذهب إلى منزلها مع "عز" لتبديل ملابسها، دخلت "ياسمين" الغرفة وذهبت "وسام" إلي شقتهم مع "دلال"، في حين وقفت "فريدة" تعبث بهاتفها بملل كي تخرج من الشقة، فلاحظت هي صوته يأتي من خلفها مرددا: "ياريت أسرع، عايز أروح ألبس وٱجي!" التفتت برأسها تنظر له بغير اهتمام حتى خرجت، ثم نظرت له قائلة بتبجح: "ياريت متجيش أصلا!" "مقبوله منك، هتلبسي ايه بقا؟" سألها باهتمام يثير استفزازها به، ففتحت عينيها بدهشة، وهي ترد بتبجح مره أخرى: "انت مجنون يبني انت، انت مالك أصلا، وبتاع ايه تسألني سؤال زي ده!" صمت "ٱدم" بثبات، ثم أخرج أنفاسه بصوت وهو يقول بجدية: "الصراحة انا نفسي أسألك سؤال تاني بعيد عن كل ده!" رددت بفظاظة تشير له: "نعم؟" "متعرفيش حاجة عن حسن ولاحتى مكانه فين دلوقتي؟" أثار إنفعالها سؤاله، وتقهر من شقيقها بقوه وهو يذكرها به، ردت بانفعال تشير له بجهل: "معرفش حاجة عنه وياريت متسألنيش عنه تاني لاني مش هقدر أفيدك كده كده عشان مبيربطنيش بيه غير الدم والإسم بعد اللي عمله فيا!" أثار فضوله سؤالها وهو يقف الٱن أمام شقتها، فرد يسألها باهتمام: "عملك ايه؟" "كان هيموتني بالمطوه اللي كانت تحت رقبتي وفتح رجلي بيها وكـ انت مالك انت ليه تعرف حاجة زي دي.. بتسأل ليه!" ردت بتلقائية مقهورة فالبداية ثم قلبت الحديث لمنفعل، فرد هو بتبرير رغم حزنه ودهشته بما سمعه: "أكيد مكنش فوعيه يا فريدة، لو تعرفي مكانه فين قوليلي يمكن أقدر أساعده للمره الٱخيره و.." قاطعته بحزم وقسوة اتت من داخلها: "معرفش ومش عايزة أعرف ولو أعرف مش هقول، انا مش عايزاه يكون أحسن، هو كده وعمره ما هيتغير وانت زيه!" يتحملها لكثير، كور قبضته بإنفعال عليها حاول اخفاءه وهو يرد عليها بنبره حاده غليظة: "أنا مبقتش زيه.. أنا إتغيرت، بس لو هتشبهيني بيه من ناحية تانيه فأنا مش زعلان، حسن عمره ما كان وحش الدنيا اللي جت عليه وخليته كده من صغره، بس بقا وحش ومرتاح على كده ومش عايز يتغير، ولعلمك دا لو اتغير هيبقي بني ٱدم تاني خالص، يمكن كمان يكون أحسن منك انتي شخصيا، خلي فقلبك رحمة، ولو انتي قاسيه أوي كده فحاولي تبيني العكس وانتي بتتكلمي عن اخوكي اللي من دمك مع حد غريب عنكم، وانا اتغيرت وكل واحد بيغلط فحياته.. ايه مغلطتيش قبل كده!" قالها بإستنكار ودفاع عن نفسه وعن شخص "حسن" القديم، أثار قهرها دفاعه عن شقيقها منها وتجمعت الدموع التي ابت ان تهبطها وهي ترد بإنهزام على ٱخر حديثه: "غلطت.. بس بحاول أتغير وكإني مغلطتش ومش عارفه، أكيد هتفهم لانك مريت بتجريه صعبه، بس عمرك ما هتجرب إحساس ان اخوك المفروض يكون جنبك وبيحبك ومن دمك. يسندك يكون هو اول شخص كارهك ومش عايزك ولا عمرك شوفت منه شي كويس فحياتك. إنت جربت؟ مجربتش، متلومنيش على كلامي عليه وإحساسي اللي غصب عني اتزرع جوايا واتعلم عليا منه من برا ومن جوه، لو سمحت اسكت ومتشاورش للقهر يظهر وبلاش نتكلم فالموضوع دا تاني، ولو كنت دايقتك فحقك عليا ي ٱدم!" تعتذر، عندما شعرت بالكسرة. أشفق عليها ولم ينبس بأي حرف. سمع قولها وهي تستأذن كي تغلق الباب، فابتلع ريقه باهتزاز. شعر بأحدهم يهتف من على بعد وهو يخرج من شقة "حامد": "خالو!" انحنى "آدم" يحتضنه وهو يقبله، ثم قال: "خليك هنا وادخل البس يلا جوه، فاطمة جايبه لبسكم وهي جاية. أنا هروح أغير هدومي وهرجع علطول.. اتفقنا يا دوما؟" "اشطا يا خالو!" قالها بنفس طريقة "آدم"، فضحك وهو يشير له بالوداع، منتظراً المصعد. في حين دخل الصغير إلى الشقة ورحل "عز" هو الآخر مع "حنان". وصعدت "نيروز" إلى شقتها، حيث عاد كل منهم إلى شقته ليتجهز. حتى "وردة" رحلت مع "بدر" و"يامن". وركب "غسان" المصعد حتى خرج واضعاً المفتاح في باب شقته ودخل إلى الداخل. بحث عنها بعينيه فلم يجدها. دخل الغرفة فوجدها تخرج فستاناً قماشياً هادئاً من اللون الفضي الفاتح دون لمعة به. وضعته على الفراش بطوله وحذر. فوقف مستنداً وهو يعقد حاجبيه باستنكار: "وأنا هلبس إيه يعني!" انتفضت بفزع من صوته. كانت شاردة للدرجة التي جعلتها لم تنتبه له ولغلق الباب وصوته. وضعت يديها على قمة صدرها مبتلعة ريقها ببطء، حتى حدقته بغيظ وهي تقول: "ابقى اتكلم ولا أعمل أي حاجة بدل قطع الخلف ده!!!" تنفس بصوت. وعلى فجأة وجدته يتوجه ليقف أمامها بسكون، حتى هبط برأسه يهمس بجانب أذنها قائلاً بعبث: "طب وليه قطع الخلف؟ أنا نفسي أبقى أب أوي!" ضغطها بما فيه الكفاية الفترة التي مضت. فحاول اللعب على أعصابها التي تتوتر بقربه. فدفعته عنها ببطء وهي تدير وجهها تنظر على بعد، مشيرة له وهي تقول بسكون: "ع فكرة أنا طلعتلك لبس هناك أهو، ومش متكسر ولا محتاج مكواة!" ابتسم على اهتمامها هذا، حتى حرك عينيه نحو وضعها للملابس. فعادت تتعلق عينيها بعينيه وتناست ما عاهدت به نفسها على أن تكون شرسة أكثر. بل كفى عليه هذا منها. ابتلعت ريقها بضعف، ثم قالت بأسف وعينيها تتجمع بها الدموع وكأن الإثنين يريدان اللين معاً وطاقة تحملهما في البعد تنفذ: "متزعلش مني.. أنا حضني مفتوحلك في أي وقت. صدقني مكنتش أقصد أضغطك، رغم إنك بتضغط معايا غصب عنك أو بإرادتك في كل مرة. بس أنا.. أنا..." توقفت بجهل. ماذا تقول؟ لم تعد تعلم كيف تجمع الحديث. بل ونظرة الحزن الذي يحاول إخفاءها بالمرح تقهرها هي وليس هو. قاطعها بصدق نبع منه وهو يقول بيأس وتنهيدته الحارة المنهكة تشرح وضعه لها: "إنت صعبة.. بس أنا بحبك!!" صمتت عندما وجدت حزنه منها بهذا الشكل الذي وضح بقوة لها. فوجدها تتنفس بصوت عالٍ تحاول كتم الدموع بغير فهم لكل المشاعر التي تشعر بها من تناقض يحدث داخلها للتو. تهاب أن يرفضها ويرفض اعتذارها ككل مرة. لذا جلست مكانها على الفراش وهي تسحب الفستان بعيداً قليلاً. جلست بصمت عندما استشعرت صمته هذا. وللصدمة أنه انحنى كي يجلس بجانبها. طالع وجهها بصمت للحظات، واللحظات تصبح دقائق والعجز عن الحديث رفيقهم. ولكنه انهزم بكل تعبه لها وأمامها عندما انتهى الوضع وهو يقترب ثم أسند رأسه على صدرها. فرفعت يديها سريعاً تضمه باحتواء وقد شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح رقبتها وهو يتنفس بعمق، مردداً بتحشرج من بين عناقها له: "أنا تعبت أوي يا نيروز من غير ما ألاقي سبب واحد لكل اللي بيحصلي ده. أنا مبقتش فاهم حاجة ومش عارف أنا الصح ولا الغلط. أنا مش لاقي حد جنبي ينصفني وينصف عقلي من أفكاره وهو كل شوية صوته بيعلي جوايا ويقولي إني وحش وبخرب على غيري.. حتى بعدك كان صعب بكل اللي حصل ده وكان عندي الأصعب من ده. فمعرفتش أفصل بس متأكد إني تعبان أوي من كل حاجة!" صارحها أخيراً، وهو الذي يحتوي دائماً. الآن الأمر عكسي. تلهفت وهي تضمه أكثر، تكتم الدموع بمقلتيها دون رد. فأسند رأسه بإريحيه وهو يرفع ساقيه على الفراش ممداً بإنهاك متعب وهو يواصل: "بس أنا عارف إني كنت صعب معاكي زي ما كنتي انتي. أنا كان نفسي بس حضنك ده يهون عليا اللي حاسس بيه. غير كده بكل اللي عملته أنا آسف!" تأسف صراحة وتفاجأت وعلمت أنه يشعر بالكثير. اعتدل يمسك معصمها المجروح ثم قبله برفق ولين وهو يردد مرة أخرى بإهتزاز أمام عينيها البنية التي تهزمه في كل مرة: "حقك عليا يا نيروز!" "ينفع أقولك أنا.. إن حقك انت عليا من كل حاجة شوفتها وسمعتها مني ومن أي حد غيري!" سألته هي بنبرة باكية متعاطفة مشفقة. فأكد وهو يحرك رأسه بنعم، مانعاً ثباته بأن يهتز أمامها أكثر من ذلك. ولكن هزمته دموع عينيها الذي يراها تسقط وصوت شهقتها الباكية بلوم له يعلو بعقله الآن ومنظر والده وهو بين الحياة والموت يتعلق بذهنه. كل هذه ندبات لم يتعافى منها حتى ولو أن أحد الأمور قد تخطاه. ولكن هي وأحضانها حينها لم تكن موجودة، فكيف سيتخطى بدونها كل ذلك؟ أكد برأسه بضعف تراه لأول مرة. وهذه المرة هزمت بنفسها كل الأصوات التي بداخلها وهي تتوجه لتقبل قمة رأسه بحب. ومن ثم تشبثت بيديه وهي تقول بدموعها هذه تبث به ثقة واطمئنان: "أنا كان نفسي يكونلي أخ زيك أوي يا غسان. كان نفسي عشان عمري ما شوفت أخ حنين زيك كده. بس ربنا كرمني وخلاك ليا أخ وأب وزوج وصاحب كمان. ففرحت ويا بخت اللي انت فحياته. أنا مقدرش أستغني عنك. أنا بحبك أوي ومهما كان فالبعد عنك صعب أوي. صعب بعد ما الواحد يجرب حنيتك وحبك ووجودك فحياته. أنا.. كل ما بحس إن انت متدايق ومكسور بعيط وكإني بعيطلك وانت حابس دموعك ومش عايزها تنزل. بتضغط ليك ونفسي أفضل مضغوطة ليك لو هتبقى بخير!" تبدل الوضع هذه المرة وضمها هو بشدة، محاوط كتفيها بقوة قوية من ذراعيه لم تتأوى من ضمه رغم شدته. وكأنها تفهم بأنه يخرج كسرته بضمها له. أسندت رأسها عليه حتى أسند ذقنه على خصلاتها وجرت أنفاسه الساخنة بفروة رأسها. فأخذت أنفاسها بتنهيدة حارة وهي تغمض عينيها بثقل، وكأنها تخرج طاقتها السلبية بين أحضانه هي الأخرى. وجدته يردد على وضعه هذا وهو يقول بإشتياق: "أول مرة أحس إنك وحشاني وإنتي جنبي بس أنا اتكسرت منك انتي بالذات يا نيروز!" رفعت رأسها تنظر إلى اللوم في عينيه بصمت. فعاد هو يكمل من جديد بتعب والوضع لم ينتهي إلى هنا: "أنا مش مصدق لحد دلوقتي انك رفضتيني وأنا جايلك بليني عليكي وهو غالب عليا زي كل مرة. لما قولتي لا.. حسيت إنك بقيتي تقرفي مني ومش عايزاني. بمجرد كلمة حرقت قلبي وأنا عارف إنها خرجت بأسباب بس مقدرتش أفكر غير كده." وواصل بعدها بإنهاك يلومها مجدداً: "ليه يا نيروز؟ ليه بتعاندي اللي جواكي يظهر؟ أنا كنت عايزك وأنا هادي وجايلك بعد ما صليت وهديت عشان الدنيا تمشي. عشان بحبك. جيت على نفسي عشانك بردو. بس ساعتها جيت على نفسي وأنا راضي رضا مشوفتوش غير معاكي. أنا كل ما بفتكر كسرتك بكل فرحة بتيجي ومبتكملش بتقهر مكانك. عايز أعدي كل كده. نفسي تكوني مبسوطة بس كل مرة حاجة تقف فطريقنا ومبتعديش بسبب حد فينا!!" لامها بصراحة وجرأه دون أن يخفي شيئاً وتركها تعتدل بعدما تحركت. فتنفس هو بصوت متهدج معتدلاً في جلسته هذه ناظراً لدموعها التي سقطت من لومه وهي ترد بتبرير: "مكنش قصدي كل اللي انت فهمته ده. صدقني أنا اتوجعت أوي لما اترميت فحضنك وانت رفضتني!" "كان نفس احساسي في كل مرة كنت اجي مهموم ومبلاقيش حضنك. إنتي عملتي أكتر من كده وانتي مش حاسة!" صمتت بانهزام أمام كلماته. وعلمت بأنه يريد راحتها النفسيه أكثر من أي شئ عندما لامها مجدداً بلين فقط هذه المرة دون تخطي الأمر. إلى متى لم يتخط هو؟ طال الوقت وطال الهجر! أومأت له دون حديث بدموعها وهي تحاول الاعتدال كي تنهض. وبعدما نهضت ردت عليه بنبرة هادئة منهكة راضية مقتنعة بشدة: "عالعموم أنا آسفة يا غسان وبررتلك ومبعدتش من غير ما أبرر عشان الفجوة متكبرش بينا زي ما حصل منك لما تجاهلتني. المرادي أنا مش معترضة على كلامك بس حضني موجود حتى لو انت مش عارف تغفر اللي حصل." وأي حاجة عايز تشاركها ومخبيها جواك أنا عندي استعداد أسمعك ومش همل ولو عايز تاخد فتره نبعد نرتاح نفسي. قاطع حديثها عندما وقف ببطء وهو يرد بإستسلام، يبتر جملتها: "ياريت أعرف أرتاح بعيد عنك، بس مينفعش.. مينفعش عشان مشوفتش الراحة إلا فوجودك." وقفت بحيرة منه، لا تعلم ماذا يود هو، يتأرجح بين ثباته وبين رغبته في وقف الأمر إلى هنا. ابتسمت ابتسامة باهته وقبل أن تسير ناحية المرحاض كي تبدل ملابسها أمسك هو معصمها مرددًا باعتراف يعلن إنهزامه، مكملاً بنبرة مهزوزة أمام عينيها التي تضعفه: "بس وحشتيني!!" ارتجفت يديها وهي ترفع عينيها تقابل عينيه ونظرتها اللينة لها منه. ابتلعت ريقها وهي ترد بتحشرج، تمسح دموع عينيها ببطء: "وأنت كمان أوي!!" دخلت بين أحضانه بصمت، وهذه المرة قرر الاثنان إنهاء الوضع والموقف للمرة الأخيرة. حينها استندت عليه وهو واقف حتى سمعت خفقات قلبه واستشعرتها. حينها حاوط هو أيضًا خصرها بحب عفوي منه خرج أخيرًا مع همسه أيضًا وهو يسألها، يبعد عن الجو المتأثر، يخفي اهتزازه منها: "بس عارفه الست قالت إيه؟!" خرجت من بين أحضانه وهي تمسح دموعها ثم ردت بابتسامة مشرقة من جديد: "إيه؟" أشار إلى عينيها وقال بصدق هذه المرة: "كلموني تاني عنك، فكروني، فكروني، صحوا نار الشوق، الشوق فقلبي وفعيوني!!" توسعت بسمتها وتنفست براحة كبرى عندما قبل قمة رأسها ببر وحب. فنظرت له بأسف وخجل بنفس الوقت، وترها قربه التي لم تنعم به هي لفترة. بل ابتلعت ريقها وهي تسمعه يقول بغمزة عين: "يحلاوة القلب لما يدق يدق!!" توسعت بسمتها إلى أن انقلبت بضحكة خافتة. دقق هو النظر بعمق تفاصيلها براحة هذه المرة وكأنه ينظر دون حذر بأن تكشفه هي وتكشف شوقه. هذه المرة أعلن شوقه لها عندما اقترب فرجعت هي خطوة إلى الخلف وهي تخبره: "عايزين نلبس عشان الحنة!" اقترب أكثر، فوجدت نفسها محاصرة ونظرة العبث في عينيه توترها وفاجئها هو وهو يرفع أنامله يمسح كحل عينيها الذي سال من دموعها ثم قال ببراءة ناظرًا نحو خصلاتها البنية: "دا الكحل كان سايح!!" رفعت يديها تلقائيًا، تمسح أسفل عينيها. فانحني مقبلاً رقبتها قبلة سطحية واضعًا يديه على مؤخرة رأسها بخصلاتها ومن ثم اعتدل مرة أخرى وهو يتوجه ليأخذ ملابسه كي يبدلها. وعندما شعرت بأنه سيبدلها في الغرفة أخذت ملابسها ناحية المرحاض وهي تغلقه خلفها. تنفس براحة، لم يشعر بهذه الراحة من فترة كما كانت هي!!! وكالعادة يبقى عتاب الشخص على قدر محبته، وتعاتبا هما كثيرًا، حتى أنهما في كل مرة لم يتوصلا لحل. وهذه المرة كان الحل منهما معًا، بكل صراحة بأنهما مخطئان وانهما متأسفان. حينها تيقن بأن قلبه هو لا يجلب له سوى التعب، حتى وإن يقلل من شأنه وشأنها في بعض الأوقات ولكنه يعلم بأن قلبه لا يريد سواها بجانبه. لم يشعر بالراحة أبدًا لو ظل بمفرده غير منعماً بقربها وعبثه وكلماته ومرحه وحبه الظاهر دون حرج وتبجحه ووقاحته في بعض الأحيان أو لربما أغلبها!! أحكم قميصه وهو يعدله جيدًا بعدما انتهى حتى فتح من أزراره أمام المرآة بإنجذاب. وعندما شعر بأن عقدة السوار الذي بيديه قد اتسع عقده من جديد، سوارها التي ابتاعته معه وهي تعلقها بمعصمه منذ فترة كبيرة، حروف كلمة واسم "نيروز"، المعلق بمعصمه الأيمن، كما كان في اليد اليسرى دبلة زواجه السوداء. جذب هاتفه من جيب البنطال الذي وضعه على الأريكة حتى نظر إلى شاشته كي يري الساعة ومن ثم وضعه بجيب بنطاله وهو يحمل مشط الرأس ليمشط خصلاته، تزامناً مع خروجها من المرحاض بذلك الثوب الذي يراها به لأول مرة، ثوب من ملابس الزواج التي اشتريتها للخروج. نظر إلى طيفها وهي تخرج وعندما وقفت بجانبه دار وجهه ينظر لها متفحصًا، ثم رجع برأسه إلى الخلف كي يراه بالكامل على جسدها الممشوق. نظرت له بغرابة عندما وجدته يعقد حاجبيه معقبًا: "مش ملاحظة أنه ضيق شوية؟!" "مكنتش أعرف وحتي لو خسيت بس بعد الجواز زدت وأنا مش واخده بالي. أنا مش هخرج بيه إحنا بنات مع بعض تحت بس!!" قالتها بتبرير تعلم أنه ضيق وتفاجأت بهذا. حرك رأسه وهو يمشط خصلاته أمام المرآة معقبًا مرة أخرى كي تنتبه: "لا مش بنات، أكيد هنيجي فالآخر عشان عز يرقص ونصوره مع جميلة هو وشادي ومنه، دول إيه؟! مش رجالة؟!" لم تريد أن يحدث مشكلة أخرى ولا هو لذا اعتدل متنهدًا وهو يضع المشط مكانه ثم التفت يسألها بحنو، قاصدًا ذلك كي لا يحطم سعادتها بذلك الثوب الجديد والمناسبة: "ملهوش حل؟" صمتت "نيروز" بيأس، وهي تحرك رأسها نفيًا وهي تنظر باهتمام في المرآة تتفحص مظهرها بإهتزاز وهي تسأله بتلقائية وحزن حاولت إخفاءه: "هو أنا تخنت أوي؟" لم تكن ثمينة بل كان جسدها متناسق. رد هو سريعًا بابتسامة صغيرة وهو يغمز لها بوقاحة: "ودي تيجي؟ بطل تخين إزاي؟ قولي هو أنا حلوة؟ جامدة؟ مزة؟" عزز ثقتها بنفسها بمرح، وكان قاصدًا فعل ذلك. فعادت هي ترد بخجل: "ثبتني.. هو ممكن أرجع الطرحة لورا وأجيبها قدام فنفس الوقت؟!" "خلاص اعمليها كده لو هتغطي عادي!" قالها برضا وهو يفسح لها المجال فبدأت هي بفعل ذلك، وتتمنى بداخلها ان تفعلها بطريقة صحيحة كي لا تظهر مفاتنها ويرضى هو دون نقد. أمسك هاتفه منشغلاً به كي تنتهي هي حتى لا يمل من الانتظار. وعندما انتهت، التفتت بسرعه وهي تسأله بابتسامة متحمسة: "ها إيه رأيك؟" رفع رأسه ينظر على طريقة لفها للحجاب فكان طويلًا من الخلف ويسترها بنفس الوقت من الأمام بطريقة ملحوظة تنسجم مع قصة هذا الفستان الهادئ. ابتسم برضا وهو يحرك رأسه إيجابًا وهو يغمز لها مرددًا بقوله المعهود رافعًا أنامله يدخل خصلاتها الصغيرة التي تظهر رغما عنها: "كده أحلى.. كده بطل!!" التفتت بسعادة بعدما بادلته الغمزة، حتى وضعت كحل أعين ومرطب شفاه وبعض من الحمرة على وجنتيها كي يظهر جمال بشرتها وملامحها. وعندما انتهت، التفتت تنظر له فوجدته يحاول الاتصال بهاتف شقيقه بعدما هزمه عقله وحثه على ذلك رغم كسرته. رسم الحزن على ملامحها وهي تسأله بيأس: "مش بيرد بردو؟" حرك رأسه بنعم وشاركها همه عندما قال بوضوح ثقيل على قلبه: "المشكلة إن أبويا متعشم أوي ييجي يشوفه ويسأل عليه حتى لو ميعرفش اللي حصله بس مستنيه. كأنه خايف يحصله كده تاني ويروح فيها وهو زعلان منه. زعله عمل فيه كل ده ولسه زعلان. وخوفي ليتعب أكثر وفأي لحظة مبيفارقنيش. غيابه مر عليا أوي مش هستحمله بعد ما استحملته الكام دقيقة اللي كان فعالم تاني فيهم دول يا نيروز!!!" قالها باعتراف، فأمسكت كفه هي بتحفيز، وهي تقول: "متقلقش.. هو هيبقي كويس. وبسام هيرجع من تاني وكل حاجة هتبقي تمام." ابتسم على قولها المحفز وكأنه هو الصغير. والآن قد حان الوقت لإظهار شكره لها لأول مرة والذي كان لا يستطع قوله بسبب الخلاف وما ظهر منها بوقت الخلاف كان شئ أسعده وبشدة من أصلها. لثم وجنتيها وهو يعتدل ناظرًا لها بحنو، ثم قال بصدق: "يمكن الحاجة اللي خلتني فخور بقلبي أنه اختارك واللي عرفتها حتى فوقت خلافنا هو وقوفك جنب أبويا، لما راعيتيه وكأنك بنته. ولما حسيت انك بتعملي كده منك لنفسك مش عشان امي مش موجودة أو حتى علشاني. أنا لو كنت بحبك فبعد دا حبيتك أكتر ومعرفتش أعبرلك عن شكري فالوقت دا. مهما كان بينا ومهما كان مفيش شكر بينا. بس دي شكرا الأولي مني ليكي!!" تعجبت من حديثه التي اعتبرته لبقًا بعيدًا. قبل كفها بحب، فابتسمت هي بتفاجئ من انتباهه لكل ذلك وعقبت على حديثه بصدق: "عمو حامد هو بابا التاني يا غسان، مينفعش تشكرني عشان عملت كده، أنا بحبه أوي، أنا عمري ما كنت اتخيل إني أشوف بابا في حد غيره، لحد ما شوفته فيه بكل حاجة.. هو غالي أوي بجد عليا، أنا كنت مرعوبة لما شوفته كده!!" "قدرت زعلك وكسرتك بفراق أبوكي لحد دلوقتي بنفس القوة اللي مش بتخف، اللي بتزيد يوم عن يوم، الأب يستحق يتزعل عليه عمر بحاله، وحقك بس بلاش كل فترة قصيرة والتانية تروحي توجعي نفسك هناك، أنا بقيت بخاف، بخاف عليكي لما بتروحي هناك أو لما تفكري تعملي ده، بلاش يا نيروز، بلاش عشان انتي عارفه وقايلالي إنك بتتتعبي بعد ما تروحي كل مرة، خليها مرة واحدة بين كل فترة والتانية مش علطول بعلمي أو من غير علمي!!" حركت رأسها تهرب من عينيه ثم نفت وهي تعدل حجابها بيديها بتلقائية تنهي الحوار مما يظهر توترها بذلك: "أنا مبرتاحش إلا أما أروح هناك وأحكيله كل حاجة، أكيد مش همنعني عن حاجة بلقى راحتي فيها حتى لو في تعب!!" "احكيلي وأنا سامعك، عالأقل هحاول أساعدك لما أحس إنك تعبانة!!" ابتلعت نيروز ريقها ببطء حتى رمقته بجدية وهي تشير له متفهمة حديثه: "عالفكرة أنا مش مجنونة وعارفة إنه ميت ومش هيرجع تاني، ويمكن كمان ميكونش سامعني وإن كل دي تخاريف بس أنا برتاح في كده، متقلقش أنا واعية كفاية للي بتحاول توصلهولي!!" زفر بنفاذ صبر ثم شهدها على نفسها بحدة وهو يقول بجمود: "شايفة بنرجع تاني لنقطة الصفر بتسرعك في التفكير إزاي؟ عايزه تبرير بقا المرادي مني ليكي وأقعد أقولك إني مش قاصد وقاصد تكوني بخير وإن أزمة نفسك مبتجيش غير بعد ما بتروحي هناك؟" وأكمل بغير وعي يخبرها بما وصل له عقل والدتها: "ولعلمك أمك كانت هتموت من القلق عليكي ومعرفتش انتي مالك ولا ده كان من إيه وفضلت مشغلة القرآن، دي سألتني بصلي ولا لأ.. شوفي بقا لدرجة إيه!!" كان حديثه موبخاً ولا تعلم لما أثار ضحكها فضحكت على آخر حديثه وهي تشير له بغير اكتراث تبعدهما عن الحديث المشحون بالحدة: "هي دي ماما، أكيد خايفة من حسد أو أي حاجة بتحصل عند كل الأمهات يعني، وبعدين هي متقصدش هي أكيد عارفة إنك بتصلي!!" ابتسم بقلة حيلة وهو يضع هاتفه بجيب بنطاله ثم أشار لها كي تخرج، فخرج الاثنان وارتدى كل منهما ما يخصه بحذاء في قدميه حتى اعتدي، ينظر بالمرآة الطويلة بجانب الباب. وهذه المرة أخرج هاتفه ثم جذبها من خصرها برفق، سانداً يديه عليها بتملك، حتى أخذ الصورة باحترافية، فأمسكته منه وهي تقول بحزم: "نزلها استوري بقا وخلي إنجي الجامدة تشوف إنك متجوز وبتحب مراتك." "بردو حاطة إنجي الجامدة في دماغك؟ بقولك ولا هي في دماغي ولا أنا في دماغها كله شغل وانتي شوفتي بنفسك محاولتش يعني تتقرب ولا تتمسح فيا، مش كل مديرة ولا سكرتيرة بيبقوا وحشين يعني شيلي أم التفكير دا من دماغك وبطلي تتفرجي على مسلسلات تركي كتير!!" نظرت له بتشكك حتى خرج حديثها بإندفاع أتى من غيرتها: "يعني انت مش بتشوفها أحلى مني؟ عشان يعني طويلة وحلوة وبشعرها وجميلة ومفيهاش غلطة؟" ضحك بخفة على عفويتها بغيظ منها طالعها بحب وهو وينفي ولم يغفل عن غيرتها وملاحظتها لجمال الأخرى، فرد هو بوقاحة مصارحها: "الصراحة هي حلوة أوي فعلاً، بس مفيش في القلب غيرك!!" وكزته في كتفيه بغيظ ثم ردت بانفعال تكمل كلماته: "والعين كمان عايزاها متشوفش غيري، مش فاهمة هتفضل بصباص كده لحد إمتة؟!" كبت غسان ضحكته ثم حاوط كتفيها وهو يميل هامساً بعبث يردد جملته المتكررة لها من قبل ذلك: "ما قولتلك.. فوجود غيرك عيني مبتشوفش غيرك يا بنت الأكرمي!!" ثبتها بقوله فغمزت له بثبات وهي تمد يدها تفتح الباب تزامناً مع قولها المتكرر هي الأخرى: "ثبتني يا بن البدري!" __________________________________________ بينما في الأسفل تجهز كل منهم وبالأخص عايدة التي ارتدت عباءة ملونة هادئة كملامحها وحازم وياسمين أيضاً، وجاء لهم بدر مع وردة ومن ثم وسام التي دخلت الغرفة مع جميلة وفريدة.. وكانت فاطمة تلبس أطفالها بشقة حامد في حين تجهز حامد هو الآخر جالسًا منتظرًا بالصالة بجانب جنة التي كانت جالسة بهدوء تنظر على شاشة التلفاز بإندماج، وضع حامد ذراعه على كتفيها الصغير ثم سألها بحب يشاكسها: "حبيبة جدو عاملة إيه في المدرسة؟ شطورة ولا لأ؟" ضحكت جنة بخفوت وهي تدير وجهها تؤكد بحماس أنها جادة، فقبل وجنتيها بحب وتعاطف، إلى أن وجد باب الشقة يفتح أولاً من غسان الذي دخل هو ونيروز شقة حامد، أول شئ ابتسم حامد باتساع وهو يراهم يقتربان منه، في حين انحني غسان يشاكس جنة تحت نظرات نيروز المبتسمة بهدوء مع غمزة حامد له وهو يثير غيرته: "والله أنا خايف يجي عريس لمراتك، بقا واخد الجمال دا كله لوحدك ياض؟" ضحك بعدها بشدة، وخجلت نيروز وهي تتنحنح بحرج، فاعتدل غسان ناظرًا له بغير اكتراث مرددًا بثبات: "عريسها غسان البدري وبس يا حامد، وبعدين عيب عليك ابنك بردو ميختارش أي حد!!" أمسك غسان كفها يديرها بحب، فدارت هي بخجل تزامناً مع قوله وهو يضع كلتا ذراعيه عليها يحتضنها بكيد، ورد بوقاحة: "عينك بس من علينا.. محناش ناقصين والله!!" ضحك حامد بيأس، وخرج شادي من غرفة غسان، متجهزًا، فأطلق غسان صافرة من بين شفتيه وهو يتطلع إلى مظهره بغمزة عين مرددًا بمشاكسة: "أجمد عريس في الدنيا.. حاسب بقا لتتشقط مني!!" ضحكوا عليه بخفة، فنظر له شادي ضاحكًا مرددًا له بهمس من جنون الأخرى: "ربنا يستر!" "نفسي تعمل لنفسك شخصية يا راجل!!" قالها حامد بضجر، وقبل أن يرد شادي أجاب غسان، وهو يحاوط بذراعه خلف رقبته بشبابية مرحة: "لا يا حامد دا شادي راجل.. وراجل أوي، ميغركش اللي سمعته، بكره يثبتلنا ده، ولا إيه يشوشو؟!" بادله الغمزة بتردد وهو يتحسس مكان ضربتها الأخيرة دون سبب، تنفس بعمق، ووقفت نيروز تبتسم لدلال التي خرجت للشقة الأخرى، ووقفت فاطمة تترك يد يوسف كي يذهب لأدهم للعب ببراءة، وكانت قد تجهزت هي، ابتسم لها حامد باتساع وقبل أن يتحدث، تحدث غسان بمشاكسة أخوية يرفع من معنوياتها: "إيه دا يا فطوم إيه الحلاوة دي؟ ما تيجي نسيبنا من كل ده ونشوفلك عريس بقا؟!" ضحكت على خفته ولم تتحسس من مرحه، كان كذلك معها دوماً، ابتسمت له بيأس ثم حركت رأسها تعنفه: "طول عمرك بكاش وبتلعب بالكلام لعب يا غسان!!" توقفت عن الحديث ثم نظرت له بتأثر، ترد على ما فعله بعفوية، وكأنها شقيقته: "ربنا يجبر بخاطرك يا حبيبي ويسعدك!!" ضحكوا على قولها الأول، وهناك من ظهر بداخلها شئ من الغيرة، حينها اعتدلت تخفي هذا وهي تتصنع غير الاهتمام، حتى ابتسمت بتكلفة، وهي تقول بإذن: "أنا هستأذن أنا علشان أكون مع." نظر ناحيتها بتمعن فوجدها تقلب عينيها بجمود. من عليه استشفه على الفور. فضحك بخفة. مرة أخرى عندما أغلقت الباب خلفها. تعالت ضحكته أكثر عندما تنحنت فاطمة بحرج وهي تقول بحدسها الانثوي: "شكلها زعلت يا غسان. بتغيير صح؟" ابتسم حامد على بساطتها وطيبتها. فعاد غسان يبرر بإطمئنان: "لا متاخديش فبالك. هي بس متعرفش اننا اخوات أوي. وبعدين نيروز طيبه أوي. هي بس عايزه شوية وقت وهتلاقيها خدت عليكي!" حركت رأسها تؤكد وهي تقول: "أخدت بالي!" لاحظ تنهديتها. فجلس جوار والده. في حين دخل شادي يرد علي هاتفه في الشرفه التي توجد بالصاله. ومن بين جلوسه كانت هي تجلس بجانبه أيضا. فتنفس بصوت مسموع ثم قال: "احنا سايبينك لحد دلوقتي يا فاطمة ومش عايزين نضغط عليكي. بس عايزين نفهم فيه ايه بيحصل. كل ما أدم يتهور وهو هيموت ويعرف ايه الحوار بنمنعه أنا وبدر. بس قولنا نقعد معاكي دلوقتي وبدر جاي وٱدم في الطريق. وتقوللنا بقا يا بنت الحلال حياتك دي ٱخرها إيه وجوزك كلامه صح ولا ايه النظام. واركني خوفك يا فاطمة على جنب واركني حبك. عشان دا واحد محافظش عليكي ولا قدرك يا بنت عمي!" أيده حامد وهو يضع كفه علي كفها ثم ربت عليه بحنو وهو يقول: "أنا عارف انك خايفه. وعارف انك بتتهربي عشان حاسه ان دي الناهية. بس عايزين منك الصراحة وسيبي الرجالة تتصرف. وصدقيني عمري ما هقبل إن بنتي تخرج خسرانه!" أدمعت عينيها بتأثر. فضمها حامد. ناحية صدره بعاطفة إبوة جياشة ظهرت لها وكأنها ابنته وليست ابنة أخيه. شهقت بأحضانه تحت نظرات غسان. العاجزة والمشتعله بنفس الوقت لها وبسبب ما تفعله دون اسباب واضحة وبقوه. نهض بعدها يفتح الباب الذي دق بعد دقائق. وما أن وقف يمد يديه ليفتحه وجد ٱخر من توقعه أن يأتي بجانب ما ينتظره وخلفه بدر. كان بسام الذي تنفس بتقطع وهو يطالع وجه شقيقه. وكأنها مرٱه تعكس الأوجاع قبل ان تعكس نفس الملامح!!!. ابتلع غسان ريقه بسرعه وهو يحرك نظراته من عليه ثم نظر نحو ٱدم الذي تأفف بضيق من الآنتظار وهو. يقول بتبجح: "ها هتاخد الصورة ألوان ولا سادة؟" قالها بسخرية وهو يتخطاه. فرد غسان وهو يلتفت كي يدخل: "صورة بخفة الدم!" همهم آدم بغير إكتراث وهو يدخل ومن ثم تبعه بدر و"بسام" الذي دخل الشقة هذه المره ووقف ينظر لـ والده الذي وما ان رفع رأسه وجد نظرات التأثر واللوم بعينيه. وقابلها بسام بخزي وندم لم بظهر بصورة ملحوظه. لم يستطع ان يمد يديه ليرحب به بل وكأنه يبيت بأحضانه. وقف ساكنا. وهو يري غسان يعتدل ثم مد ذراعه يسند حامد كي ينهض معه تزامنا. مع رده: "تعالوا نخش الصالون عشان نبقي على راحتنا فالكلام. واهو علي ما عز يجي!" أومأوا له وسبقوا. ووقف بسام يستنكر إسناد غسان لـ حامد. وما ان وقف تركه يسير ومن ثم كان هو ٱخر واحد من خلفهم يدخل الغرفه. وخرج شادي ذاهبا. إلى حازم حين قدوم عز كما ذهبت جنة خلف أشقاءها للشقة الٱخرى. بينما في الغرفه ترصصوا جميعهم بجانب بعضهم. وجلست فاطمة بجانب حامد ومن الناحية الٱخرى بدر ومن ثم ٱدم وغسان وبسام. تنهد حامد يأخذ أنفاسه اولا. ثم بدأ كونه كبير هذه الجلسه مقاما. وسنا: "إتكلمي يا فاطمة. قوليلنا يا يبنتي ايه اللي يوصل جوزك انه يضربك الضرب ده كله بالقوه دي!" إبتلعت ريقها وأكثر من كانت ملامحه منكمشة بإنفعال من صمتها كان ٱدم الذي صمت بنفاذ صبر يحاول به أن يصبر أكثر. بينما ترقبت بدر. وعندما وجدها صامته رد هو بوضوح. يسألها: "عارف عايز يتجوز عليكي مش كده؟" تعلم أن اجابت بنعم. لسيأخذ بدر طريقا. ومنحى ٱخر غير هدوءه وثباته. نظر لها بإهتمام كما كان الجميع في حين ابتلعت ريقها بخوف. ثم نفت بطريقة ملحوظه. فخرج صوت آدم المنفعل: "هتقولي لا وهتسكتي زي كل مره بردو؟ انتي مفيش فايدة فيكي!!!" إهتزت بخوف. من نبرته الحاده. فحدجة بدر. بتحذير. وصمت غسان يسمع ما يقوله. وعقب ما إنتهي تحدث غسان لها يوضح هو الٱخر: "اسمعي الكلام وريحينا يا فاطمة. ولو مخبيه حاجة قولهالنا خلينا نلحق نتصرف!" هنا ووجدت بصيص الأمل في حديثه الجاد. فوزعت نظراتها بينهم بتشتت وهي تقول بتخبط: "أنا خايفه على عيالي..خايفه أبعد ياخدهم غصب ويبعدهم عني. وخايفه على مستقبلهم وحياتهم. أنا مش عيزاهم بعيد عن ابوهم من حقهم يكونوا كويسين. بس هم شافوا كتير اوي. وأنا ..أنا مبقتس اقدر اجي علي نفسي ٱكتر من كده!" إنتهى حديثها ببكاء. فضمها بدر بحنو. تزامنا. مع قول آدم. المندفع: "يبعدهم عنك.!!! هي سايبه ولا ايه؟ ولا انتي مش عارفه ان فضهرك رجالة مش هيسمحوا بـ كده. قولي انك بتحبيه وقلبك مايل واخد على عشرته بالذل يا فاطمة. عليا الحلال من دينـ..." "أسكت للٱخر قولتلك!!" قالها بدر بحزم. فوقف آدم مندفعا. وحينها وقف بسام يمسك ذراعه يهدأه. وظل غسان ساكنا. غير راضيا. عن الطرفين وما يفعلانه هو وهي. يعلم ان حديث آدم صحيح لذا تعمد الصمت. خرجت نبرة حامد الحاسمة وهو يشير اليه بثبات. مرددا. بٱمر: "أقعد يا ٱدم. واسمع اختك للٱخر!" صمت حامد ثم وزع نظراته بينهم جميعا. وهو يشير بجدية: "والقعدة دي مش هتنتهي غير بحل عادل ليها قبلكم. وفنفس الوقت مش هقبل بإهانتها!" ثم أشار بكفة لـ فاطمة يحثها بحرص. وجدية بالغه: "إتكلمي يا فاطمة متخافيش.. قولي كل اللي عندك!" رفعت عينيها تنظر نحو عيني آدم الجامدة. فتنفست هي بعمق. وحينها وضع بدر يديه علي يديها ثم ربت عليها بإطمئنان مرددا: "أنا جنبك يا فاطمة ولو ليكي أي حق هيرجع وزيادة. زيادة عشان انتي قيمتك غاليه. بس أنا ساكت عشانك. ساكت مع اني قادر أجرجر عارف واخليه يلف وميلاقيش نفسه..اتكلمي يافاطمة اهو يبقي أحسن ما أخد رد فعل من غير ما افهم الحكاية كاملة!" لاحظ غسان لعبه بالحديث كي تأتي هي به. وتنفس بصوت. وهو يسند ظهره بإنتظار. فبدأت هي تبتلع ريقها بتردد وهي تقص عليهم بخوف وضعف: "هو ..هو فعلا. عايز يتجوز عليا. بنت خالته اللي اتطلقت ومعاها ولدين. لما جه فاتحني اول مره عارضت ولما عارضت مد ايده عليا. بعدها سكت من غير ما نفتح الموضوع. بعد كده حماتي جتلي البيت وقالتلي على الموضوع ده ووقفت تشاورلي بكل جبروت ان رأيي من مهم ان ولو موافقتش هتخلية يطلقني وهتاخك هي العيال تربيها. قصدت تبينلي إن اربي عيالي بهدوء وانا زوجه تانية احسن ما يتاخدوا مني غصب ويبعدوا عن حضني. ساعتها قالتلي انا عارفه انك مش هتقدري تعملي حاجة لا انتي ولا للي يتشددلك. صممت علي رأيي وعدا كام يوم وجنة بدأت تندمج هناك معاهم أكتر وكانوا ببخلوها تبات عندهم هناك!" صمتت تري اندماجهم ثم أخذت نفسا. وهي تكمل بنفس الضعف: "مع انهم بيكرهوا ولادي بس قصدت تهددني ان هي قادرة تحببهم فيها اكتر مني. خوفت ولما منعت جنة تروح بحجة المدرسه جه عارف وعدمني العافيه عشان حماتي قالتله اني بمنع ولاده يشوفوها. بس انا كنت خايفه. قالي هتجوزها وهاخد عيالي منك اذ كان عاجبك وشتمني وهاني ساعتها رديت عليه وانا فحمقتي وقولتله لو عملتها مش هتعرفلي طريق لا انا ولا لعيالك ولا هتعرف تاخدهم مني. اتعصب وضربني اكتر وهددني انه مش هيطلقني وهسيبني على ذمته وهيقهرني وهو بيجيب مراته تعيش معايا فنفس البيت بعد ما يتجوزها كمان فتره صغيره. قهرني بكلامه ومشي وكسر جسمي بالضرب وذق ٱدهم ويوسف لحد ما وقعوا. ساعتها حسيت لاول مره انه بايع اي حاجة فالدنيا حتي عياله وحسيت انه لو رجع معتش هعرف انفد بجلدي. فمشيت وأنا مقهورة، بنص عقل من غير جنة اللي كنت خايفة عليها منهم، بس آدم رجعهالي. كل دي حقائق، ذل، مهانة، تحت مسمى الحب والتحمل لأجل الأطفال. كيف أتتها الجرأة تسرد بكم هذه التفاصيل؟ تحامل بدر بإنفعال مكتوم على نفسه. في حين صرخ آدم بها على فجأة وهو يقترب منها: "عرفتي إنك السبب في كل ده من أول مرة رضيتي فيها بكده وقبلتي على نفسك الذل وفضلتيه علينا؟!" اقترب منها وهو يندفع. فنهض غسان مع بسام يبعدانه تحت بكاءها المرير الموجع. وظل حامد، جالس بحزن وضغط وغضب مكتوم هو الآخر. في حين تحامل بدر على نفسه وهو يتلّع ريقه بتعب، مردداً لها بلوم: "ليه كده يا فاطمة؟ ليه تشيلي كل ده لوحدك؟ ليه توصّليلهم فكرة إن مالكيش حد يقف فضهرك ولا يجيب حقك؟ إنتي عاوزاني أعملك إيه بعد كل ده؟ ترجعيله؟ عايزة كده؟" صمتت بخزي، دموعها تهبط. وسألها هو بحدة بآخر حديثه. فاندفع آدم يصرخ به مجدداً بحمقة، محاولاً التملص من بين ذراعي غسان وبسام: "بتسألها؟ بتسألها لسه؟ وحياة أمك لأربّيها لتكون طالق منه! مش هسيبها ترجعله حتى لو غصب عنها... أنا بقولكم اهو!" وقف حامد بإندفاع، ثم وبخه بنبرة حادة مرتفعة: "لو ناوي تفضل مش محترمني وأنا قاعد وصوتك هيفضل عالي كده، يبقى تمشي من هنا لحد ما تتعلم الاحترام. بُعدك عننا مينسّكش مبادئ عمك، أولهم الأسلوب. فاهم ولا لأ؟" وقف الجميع ينظر تجاه آدم، التي اعتلت أنفاسه وتحرك صدره منها بطريقة ملحوظة. نفض ذراعي بسام وغسان، ثم خرج مندفعاً من الغرفة ومن الشقة بأكملها. في حين التفت حامد يجلس من جديد. ثم نظر ناحيتها وهو يرد بحزم: "سكوت الست عن الإهانة مش حلو. وأخوكي معاه حق، إنتي سبب كبير في اللي بيحصلك، عشان إنتي مش قليلة ولا من عيلة قليلة يا فاطمة. أما بقا سؤال بدر، فأنا مستني إجابته، وكلنا مستنين إجابته منك!" ابتلعت ريقها وهز بدر ساقه بانفعال. فردت هي بارتباك وخوف فطري على صغارها: "أنا خايفة... خايفة على ولادي!" انفعل غسان هذه المرة في الحديث عندما رد عليها بجدية بالغة: "برضه مش مقتنعة إن مسألة عيالك مش حاجة طول ما معاكي رجالة يجبولك حقك. قولي مش عايزاه وسيبّي الباقي علينا. ومحدش يقدر يمس شعرة من عيالك. معاكي لحد الآخر، لحد حتى لو رفعتي قضية، يبقى حازم موجود. ده في حالة لو هو مش راضي يطلق. بس تعرف عيلة البدري محدش يمشي كلمته علينا. إحنا نخليه يعمل اللي إحنا عايزينه وهو بيبوس رجلينا. دي أمور رجالة هتمشي بمعرفتنا. اللي عايزينه منك هو قرارك النهائي اللي إنتي عارفاه، بس برضه مش هنضغط عليكي، هنسيبك تقولي براحتك!" "بس أنا فكرت!" قالتها بتلقائية، تختار صغارها عنه، وكل خوفها عليهم. وعندما وجدت الوضع كهذا، صمتت على القرار، تقتل شعور قلبها بيديها وعقلها. ابتلعت ريقها بوجع، فسألها بسام بنبرة هادئة مشفقة: "وصلتي لإيه؟" تاهت بين النظرات المترصدة عليها، والتي تركتها تختار بمفردها دون ضغط. فأخرجت هي تنهيدة حارة، ثم قالت بصدق رغم ألمها: "مش عايزاه!" تحركت الرؤوس بتفهم، وبدأ بدر بالحديث وهو يقول مع نظرته في عينيها: "ومش هتندمي يا فاطمة على ده. وعيالك هيبقوا مرتاحين وفأمان، زي ما هتكوني إنتي معززة مكرمة في بيت أبوكي من تاني، وإنتي بتمليه بهجة بصوت عيالك بعد ما كان كئيب. سيبّي الباقي عليا، وأنا صدقيني مش هحرمهم من حاجة ولا هقصر معاكم!" قصد اللين وظهوره رغم غضبه منها ومنه وعليها وحزنه بنفس الوقت. تنفس غسان براحة وهو يبتسم بانتصار، ثم قال بشرود: "كده يبقى الجاي لينا احنا بقا!" ضمه حامد بحنو، ثم ربّت على ظهرها بحنان، مردداً بثقل: "أنا عارف يا حبيبتي إنه مش سهل عليكي، بس إحنا كلنا معاكي ومش هنسيبك. مع إن خراب البيوت وأنا أعداء، بس صدقيني ده القرار الصح اللي جه بعد تعب كتير أوي منك. إنتي تستاهلي تتحبي وتتقدري، تستاهلي تتشافي ملكة، وتستاهلي متدفنيش جمالك بالحياة وإنتي يائسة. إنتي صح يا بنتي!" تنفست بعمق، وهي ترفع يدها تمسح دموعها بإنهاك. فنهض بدر متنهداً وهو يشير لـ غسان وبسام نحو الخارج. وحثها حامد على غسل وجهها كي تذهب متأبطة ذراعه لحنة العروس، ومن ثم سيعود هو مع الشباب. وقبل دقائق، قابله وهو يخرج من مندفعاً متجهاً ناحية المصعد بشرر وانفعال، عندما خرجت هي كي تتوجه لشقتها تجلب شيئاً ثم تعود. حينها اصطدمت به وهو يندفع بسرعة، فوقعت أرضاً متأوية برأسها وجسدها. تلقائياً انحنى آدم على ركبتيه بسرعة وهو يحاول مساعدها، مردداً بنبرة سريعة: "مخدتش بالي... أنا آسـ..." وبترت هي حديثه عندما دفعته عنها بغضب، مستندة على يديها كي تنهض، ثم قالت بصوت مرتفع توبخه: "هو انت طلعتلي منين يا أخي بقا؟!" قالتها فريدة قاصدة كل ما حدث منذ الصباح. ثم عادت تشير بانفعال أكثر وهي تقول: "وبعدين إيه اللي مكنش قصدك دي؟ في حد بيمشي بوشه مش شايف قدامه كده؟ قدر يا بني آدم إنت إن في ناس وفي حاجة اسمها على مهلك، وفي جسم أقل وأضعف من جسمك اللي فارده علينا ده. فاكرني قدك؟" صرخت به بآخر حديثها وهي تهبط يديها تمسح ملابسها الأنيقة تحسباً إن اتسخت من أتربة ناعمة. رجع حجابها إلى الخلف ورغماً عنه ورغم محاولة غض بصره، ولكنه تاه بين خصلاتها الناعمة التي كانت تتعمد أن تظهرها هي في البداية، وكانت تفعلها بطريقة تجذب الأنظار. تحرك الحجاب فتحرك معه سحاب الثوب، فظهر بياض عنقها بعظمتها البارزة الجذابة. أهبط عينيه بغير وعي ولم يرد على حديثها، بل تيقن وكان يعلم بالفعل أنها تخفي جمال تحت ملابسها الواسعة، جمال كان يراه من قبل مرسوماً بملابسها الضيقة. وعلى فجأة وجد صفعة نزلت على صفحة وجهه بصوت جعلته يرفع أنظاره لها بدهشة، وتحولت ملامحه إلى الغضب الذي تزايد عندما صرخ بها بانفعال: "إنت مجنونة؟ بتمدي إيدك عليا أنا؟" لا تنكر بأن صراخه هذا أثار خوفها، بل وثبتت هي بمكانها عندما وجدته يقترب أكثر بانفعال. فحثت نفسها على الشراسة عندما وبخته بصراخ هي الأخرى، وخرج كل من بالشقق على صوتهم: "آه عشان إنت قليل الأدب ومتربتش.. ولا إنت فاكرني هسكتلك وهتحرج منك؟ لا فوق يا حيلتها. أنا مش هسمحلك ولا هسيبك تسرح وتبـ.." وجدتـه يمسك معصمها، ثم قال متفاجئاً من جرأتها، مردداً بانفعال، ضاغطاً على فكه كي لا يخرج ما بداخله من غضب عليها الآن: "ولما أنا قليل الأدب، تبقي إنتي إيه؟!" فتحت عينيها ودفعته هي عنها بيديها الأخرى بعزم ما لديها، وهي ترفع ساقها على فجأة حتى ضربته بساقه كي يبتعد. فتأوى وهو يتركها، ثم كاد أن يقترب منها أكثر، ولكن أعاقه جسد حازم الذي وقف حائلاً بينهم، ومن بين خروج الجميع بصدمة من الذي يحدث: "إنت جرا لمخك حاجة؟ إنت عايز تمد إيدك على أختي وسط بيتها وأهلها وأنا موجود كمان؟" قالها بحدة، فأشار له آدم منفعلاً بيديه: "الأستاذة أختك هي اللي مدت إيدها على واحد مجاش جنبها، لما رفعت إيدها تضربني بالقلم!" شهقت جميلة ونيروز، ونظرت ياسمين بتسلية. ففصل شادي وبدر وغسان آدم عن حازم، الذي أمسك ذراعه بسام كي يبعده. فنفض حازم ذراعه وهو يلتفت لها يسألها بجدية: "الكلام ده صح؟ إنتي ضربتيه بالقلم فعلاً؟" سألها وترقبت الأنظار بقوة. فابتلعت ريقها من نظراته الحادة ناحيتها. وعندما أشارت له بارتباك ترد بتعلثم أمام جدية حازم هذه وصرامته: "ما هو الـ.." "ادخلي جوه!" أمرها بلهجة حادة ثم ضغط على فكه وهو يرمقها بحدة. وكانت "زينات" هذه المرة واقفة تنظر بغير فهم. ولم تتدخل عندما تحدث "حازم". تصرفت هذه المرة بعقلها رغم دب الشرر بها دون علم بما حدث من الأساس. وقف "آدم" يتنفس بصوت ملحوظ من أثر انفعاله. عاد "حازم" يوزع نظراته بين الكل بينما دخلت الفتيات إلى الداخل. اقترب حينها من "غسان"، وهو يرمق "آدم" بجدية قائلاً له: "أنا مش عبيط عشان ماخدش بالي. إن في حاجة من الصبح مش مظبوطة. ولو الدنيا مش سالكة بينك وبينها يبقى بلاها منه شغل. إنت أولى تقف في محل الورد ده. وكويس إن حصل دا كله من يوم واحد عشان نعرف بسرعة!" ضغط "غسان" على فكه من قراره السريع. في حين تدخل "حامد" يهدأ الوضع بحديثه الآتي: "يبني متكبرش الموضوع. ما حصلش حاجة!" "وحتى لو حصل.. أنا ما قولت حاجة غلط. أنا ببعد أختي عن أي مشاكل. ومن غير ما نخبي على بعض الكل عارف إنها مش هتكسب ولا هنخلص طالما البداية كانت كده!" قالها بحزم. فعاد "آدم" يرد بهجوم: "انت فاكر أختك ملاك ومبتغلطش.. ما طظ في محل الورد وفكله!!" أنهى كلمته بكلمة اعتراض خرجت من بين شفتيه بوقاحة. كل مرة يردف حديث دون وعي منه. تدخل "غسان" يبعده عنه في الوقت الحالي. في حين عنفه "حامد" بنبرة منفعلة: "انت هتتظبط امتى بقى، اخرس خالص دلوقتي!!" صمت "حازم" ينظر له بصمت. في حين تدخل "بسام" هذه المرة يهدأ الوضع وهو يقف بجانب "شادي" و"غسان" الممسكان بـ "آدم" الذي مال عليه شقيقه يحذره. تزامنًا مع قول "بسام": "أهدي يا حازم وإهدي يا آدم. ما حصلش حاجة لكل ده. وبلاش يا حازم الكلام ده. غسان مش هيرد عليك يقولك كده بس أنا بقولك إن أختك مش مجرد واحدة شغالة في محل الورد زي ما الكلمة خرجت منك. بلاش تعمل رسميات وتكبر الموضوع. آدم راجل ولو مش ماشية معاه الشغلانة دي يبقى هو اللي يدور على شغل تاني ويتعب. عشان دا راجل وأختك تبقي وتفضل موجودة على دماغنا عمرنا ما نقبل بحاجة غير كده..!!" من المفترض بأنه من يضحي وليست هي. صمت "آدم" ثم تركهم باندفاع هابطًا على السلم تاركًا إياهم واقفين. في حين نظر "غسان" نحو "حازم" بسكون ثم قال: "انت بتعمل حواجز بينا يا حازم مع إن مافيش بينا الكلام ده. وفريدة أختي ومكنتش هقبل عدم راحتها.. بس براحتك اعمل اللي يريحك ي صاحبي!!" تركه ودخل إلى الشقة. فزفر "حازم" بصوت مسموع حتى وجد بجانبه "حامد" يقف بجانب "بسام" وزع بينهم النظرات ثم قال بعاطفة لما يشعره بعدما شعر بخلو المكان: "أنا مقدر يا بني اللي بتحاول تعمله. غسان قصد يساعد اتنين عايزين يتغيروا. مكنش كل دا من كام ساعة يعني، لكن تحسبها كده بالتسرع ده من غير ما تصبر على حكم غيرك بأسباب يبقى كده إحنا مش غالين عندك. ابني عمره ما اعتبرها شغالة عنده ولا حتى كان هيسكت. بس انت أخوها وادري بيها وعارف إنك بتحاول تبعدها عن أصغر حاجة بدل ما تكبر.. وبالذات هي.. حقك!." تركه بعدها ودخل بعده "بسام" فوجد "حازم" نفسه بمفرده وأمامه "بدر" التي ارتسمت علامات اليأس على ملامحه خوفًا من تهور "آدم" اللحظي. اتجه حينها مقتربًا منه ثم وضع يديه على كتفه معترفًا: "بقولك إيه يا حازم.. أنا عارف إن أخويا مش سهل وأكيد عمل حاجة تخليها تتعامل معاه كده.. بس صدقني هو طيب... وأمان على أختك.. مش عيب على فكرة تقولي إنك خايف منه عليها طبيعي تخاف بعد اللي حصلها وطبيعي تفكر زي ما فكرت إن أخويا يطلع منه أي حاجة. بس صدقني هو اتغير وبيتغير. يمكن عشان بيتغير بقا تايه بين حاجات بطلها وحاجات لا.. لكن الثابت طيبة قلبه وأصله. لو غلط في حق أختك يرجع من غير نقاش. وقبله حقك على دماغي من غير ما أعرف أسباب.. لكن الكلام اللي طلع منك وكأن غسان مشغلها عنده بيومية مش حلو منك إحنا مش عيلة مع بعض." حرك رأسه بسكون وخرج من قراءة الآخر لأفكاره. فزفر مطولاً بعمق ثم قال بنبرة هادئة: "حصل خير يا بدر. أخوك أخويا. وعشان أخويا حسن فأنا بقيت أخاف بعد آخر مرة كان خطر عليهم هنا وأنا مش موجود. كل حاجة بقت تطلع منه عادي. متزعلش مني يا بدر أنا واحد خايف على أهل بيته من أخوه هعمل إيه مع الغريب. أنا شايل وخايف ومحدش داري. وفريدة عمرها ما كانت ولا هتكون سهلة بعد اللي حصل فيها وقبله كمان. أختي لو اتسابت على أخوك مش عايز أقولك إيه هيحصل وهي كده مش هنكر بس صدقني أنا ببعد مشاكل كبيرة بدل ما تحصل أو قبل ما تحصل!!" زفر "بدر" متفهمًا ثم وضع ذراعه على كتفه يربت عليه باطمئنان وهو يحثه: "طب تعالي ندخل يلا نستنى عز وسيبك من أي حاجة!!" بينما بين الفتيات جلست "فريدة" بصمت ساكنة لم تريد التحدث تحت نظرات وضغط "جميلة" و"نيروز" وحتى "ياسمين". في حين ربتت "عايدة" على ظهرها وهي واقفة ثم قالت بنبرة هادئة: "متزعليش نفسك يا حبيبتي طلعي من دماغك أي حاجة واتبسطي دلوقتي!" طالعتها بصمت وملامح وجهها الخالية من التعابير. بينما الغير معقول أن "زينات" تقف بجانب "فريدة". الآن تنظر لها بصمت حتى وجدتهم واقفين وما أن صمتوا انحنت تحثها قائلة: "تعالى يا فريدة نروح الشقة تهدي وبعد كده ترجعي!" "أنا هادية!!!" قالتها بحزم ثم وقفت تطالع "جميلة" وهي تقول: "ما هتشغلوا أغاني بقى بدل الفصلان دا؟" ضحكن عليها بخفة، حتى "زينات" التي وقفت تتابع مشاكستهن لها خاصة "ياسمين" التي غمّزت لها وهي تقول بمرح: "أيوه كده فكي.. محدش واخد منها حاجة.. بس خدي بالك ما محبة إلا بعد عداوة.!!" "بلاش قرف اسكتي!!" ضحكن عليها بيأس. في حين تدخلت "وردة" وهي تردد بجدية مرحة تلومها: "خدي بالك بقى إنك بتغلطي كده في أخو جوزي وأنا واقفة!!" ضحك الجميع بشدة، وبدأت الأغاني في الصدوح عالياً تحت مسك "جميلة" الهاتف لتدق على "فرح". في حين دخلت عليهم "منة" وهي تتراقص بمرح فهللوا جميعاً بالزغاريد لقدوم العروس الثانية "منة" التي احتضنت الجميع وهي تضحك بسعادة. وبالفعل تجتمع النساء بأكملهن ويأتي إليهم عدد قليل من سكان العمارة من النساء اللواتي تربطهن علاقة طيبة مع "عايدة"، ومعارف "جميلة"، من الفتيات وفقط كما كانت "ياسمين". وقفت "عايدة" تصفق بحرارة وسعادة وهي تراقب سعادة ابنتها. في حين تمايلت "فريدة" متناسية ما حدث تحت أنظار "زينات" التي جلست بركن ما تراقب ولأول مرة ترسم على ملامحها سعادة حقيقية نظيفة ولكن البعض لا يستطيع تصديق ذلك!!! بينما على الجانب الآخر في جهة الرجال شقة "حامد".. جلس هو على الأريكة وبجانبه الشباب ملتفين. حتى "حازم" الذي كان يضحك أثر ما يتحدث به "شادي" له ولـ "غسان" حتى يندمجا وينسيا الذي مضى. وهيهات من حدة الشباب الذي أخذ موقفًا ساكنًا منه دون إبداء عشم. في حين نظر له "حازم" مطولاً ليتفهم الأمر والنظرات كانت تعني بعد هذه الليلة سيتحدثا معًا كي لا يركن العتاب بعتاب أكبر ويتركوا مشكلة من لا مشكلة كي تكبر مع الأيام!!! صاح "شادي" مهللاً بحماس: "يا جماعة ما تقوموا نهيص بقى مستنين إيه!!!" ضحكوا عليه ضحكات رجولية مشاكسة. في حين ضحك "طارق" عليه بحماس غريب هو الآخر. رؤيته سعيداً بحماس ليرتبط بابنته يثير سعادته ولا ينكر بأنه يثير حقنه أحياناً. رد "حامد" عليه بضحك ونبرة أتت من ضحكه: "مستنين العريس التاني ياض!!" صفقوا بحماس وحرارة وعاد الجميع منشغلاً بالحديث الشبابي بينهم وبين بعضهم. حينها كانت "دلال" تنتظره في المطبخ. لذا نهض واعيًا نظراتها المتشوقة له قبل قليل. دخل فوجدها تقف وتحبس الدموع بعينيها ولم تكن سوى "دلال" التي كانت تقف بجانبها "وسام". أدمعت عينيها وهي تقف ثم لامته موبخة بنبرة ضعيفة تعلن حزنها منه: "هان عليك وجع قلبي. هان عليك أمك عشان تبعد عنها كل ده." وقف "بسام" ينظر لها بصمت. وشعور الخزي بداخله يظهر لها وحدها كونها تؤثر عليه بنظراتها هذه. بل واصلت تكمل بحسرة: "هان عليك يا بسام أقعد أطلبك وأرن عليك وأنت تقفل تليفونك ومبتردش ولا نعرف عنك حاجة. ولا هان عليك أكتر وقت كنا محتاجينك فيه ومكنتش موجود!!" أنا أول مرة أزعل منك أوي كده بالشكل ده. طول عمرك كنت مريحني وأقولك يمين تروح يمين، حتى لو كبرت وبقيت راجل. متعودتش منك يبني على كل ده. ليه توجعني فيك وتحسّرني على كل اللي بيحصل ده؟ قالت كلماتها تحت حبس دموع. عدم وجوده بأزمة والده ترك لهم علامة بداخلهم، حتى وإن كان لا يعلم. فوجوده كان له فائدة كبرى. الأول لأنه طبيب، والثاني أن أزمة والده لم تحدث إلا بسببه هو وفقط. وقف مبتلعًا ريقه بصعوبة. ونصف حديثها لا يعلم هو ما مفتاذه الحقيقي. خمّنه كله بفراقه لهم ليس إلا. اقترب ناظرًا إلى ملامح وجهها التي كانت ملامحه مشابهة لها قليلًا. حتى خرجت نبرته المتحشرجة يبرر لها بألم: "أنا محدش حاسس بيا.. ولا حد هيحس. أنا تعبت ومن غير ما تسأليني ليه.. بس أنا.. أنا تايه.. تايه أوي!" قالها بتشتت وشعرت بمدى ثقله دون أن تعلم ماذا حل له وبه. في حين أدمعت عينيه. فردت هي بعاطفة أمومة غلبتها: "تتوه وإنت بعيد عننا يا بسام. هي دي التوهة لما تبعد عن أهلك وتمشي وتفارق أيام كتيرة بعد ما كنت إنت اللي مستحيل أخمن إنك تبعد وتمشي وتسيب البيت!" وقف ظاهرًا لهما الخزي والكسرة الذي عاش يخفيها طول فترة غيابه بالعناد وفقط أمامهم. ابتلع ريقه بوهن. ثم قال وهو يقترب سانداً رأسه على كتفها: "مش لاقي نفسي يا.. ماما.. مش لاقيها ولا هلقاها غير هنا.." توقف يرفع ذراعيه يحاوط ظهرها مرددًا بضعف: "مش هلقاها غير فحضنك.. أنا تعبان أوي!" رفعت ذراعيها تضمه ودموعها تهبط بصمت. لم تردد أي حديث وتناست أحضان شقيقته ووجودها من الأساس. بل حاولت الانسحاب من هذا المشهد المتأثر كي تخرج من المطبخ ومن الشقة ناحية الفتيات. خرجت فوجدت الشباب بالصالة وكان غسان جالسًا بين شادي وبدر. رفع عينيه عليها وهي تخرج بسكون من باب الشقة. بينما قاطع دخولها دخول عز بهيئته الجذابة والذي سرعان ما انتفض الشباب أجمعهم بتهليل وهم يسحبونه بضحك مداعبينه بمرح. فصاح شادي عاليًا لحازم الضاحك بقوة: "رقصنا يا عم.. رقص العريسين بقا وهييص خلينا نعيش!" انخرط عز معهم بالحركات وما إن اعتلى صوت الأغاني وقف يترقص معهم بشعبية مندمجًا بقوة وصوت الضحكات يعلو ببهجة كبرى والكل يشارك تزامنا مع خروج دلال من باب الشقة بانسحاب ناحية الشقة الأخرى وخروج بسام من المطبخ متظاهرًا باللاشيء بعد ترحيبه بعز الذي رحب به. وحاول الاثنان معًا نسيان الأمر المحرج الذي حدث بينهما فسبب حساسية بعلاقتهما. كان يعلم عز بأن مهما وصلت علاقته به فشعور الحدود والحواجز لا يمحى بسهولة خاصة لدى بسام مع الغريب. بينما الآخر انخرط معه بسهولة مواكبًا عقله وأفكاره. في حين بأن تعارفه في البداية كان مع بسام أول شيء وليس غسان. تراقصن الفتيات مع بعضهن وكل ذلك أثناء مكالمة فرح بالفيديو. كان الجو مبهج لحد كبير. والأكثر سعادة لكل هذا الاهتمام من جميلة كانت حنان، التي كانت بإمكانها أن ترسم لوالدة زوج شديدة الطباع. بإمكانها فعل ذلك تحت مسمى العفوية. ولكن جميلة تثير تعاطفها وحبها وأحيانًا شفقتها وخزيها مما فعلته ابنتها معها. جلست فريدة بإنهاك بعدما قامت بالرقص. بينما ظلت جميلة ترقص بفستانها الوردي الخافت بخفة. تشعر بالسعادة الآن. وأيضًا كانت ملامح نيروز هادئة سعيدة شغوفة حتى وهي تقف تحاول التمايل معهن. رغم أنها هادئة غالبًا. ولكنها حاولت فعل ذلك لتظهر السعادة لجميلة. بينما جلست ياسمين عابسة الوجه بين سمية وعايدة بسبب توصية حازم لهما بأن لا تتحرك هذه من مكانها. تحركت فريدة ناحية الشرفة لتأخذ أنفاسها كي تخرج الثقل الذي بداخلها. زفرت أنفاسها بصوت وهي تستند على السوار. وما أثار سمعها كي تنتبه وتنظر أسفل ما تقف هو صوت الأطفال أدهم ويوسف كيف يهبطا لأسفل بمفردهما. كادت أن تصيح عليهم ولكن لاحظ استناد آدم معهم على إحدى السيارات يلاعبهم ألعاب شبابية وهو يقف. عندما هبط يخرج كبته لغضبه لوقت ثم ليعود. زفرت بملل منه ومن ما يفعله. شعورها بلذة الانتصار من آخر صفعة قد صفعتها له ليس سيئ. تريد بكل الطرق أن تجعله يترك محل الورد. لا تريد رؤيته يذكرها بالفعل بشقيقها. "حتى وأنا واقفة مع نفسي ط "بدر" سحبه معه من ذراعه هو و"غسان". وقف "شادي" يضحك مع "عز" وبقية الرجال. حاول "آدم" دفعهم عنه وهو يردد بنبرة مرتفعة: "وسعوا كده أما نشوف جرأتها هتاخدها لحد فين تاني!" سحبوه بالقوة رغماً عنه إلى الداخل كي لا يتأزم الوضع. دخل الشباب من خلفه، بينما نظرت هي بتشفٍ، ونظرة عينيها الخبيثة لا تفارق عينيها. لاحظت انسحاب الفتيات مرة أخرى، وحتى النساء. في حين كان هو الذي يقاطع نظرة عينيها عندما حدجها بصمت محذراً بقوله: "إنتي لو متظبطيش أنا هظبطك بمعرفتي يا فريدة!" اهتزت نظراتها من حديث "حازم" الذي توجه يمسك معصمها بحزم، ثم قال بحدة: "الربع اللي طاير من عقلك دا يهدي وتهدي انتي كمان معاه. أول مرة سكت وعدينا، فتيجي المرادي تغلطي نفسك وتغلطينا معاكي يبقي لا!" ترك معصمها ثم رمى لها نظرة جادة قوية تحذيرية. ابتلعت ريقها وهي تنسحب إلى الداخل بصمت. هو الوحيد التي تهابه من بين الجميع. أخذ أنفاسه بصوت بعدما نظر على أثر اختفائها. كان يشعر بالغرابة في بداية سكونها، لا يمكن لأحدهم بأن يتغير بهذه السرعة من كل الطباع، ولكنه الآن تيقن جيداً ما الوضع. استدار هو الآخر ليدخل الشقة الأخرى. عندما دخل من بابها المفتوح، وجد الضحكات على منظر "آدم" تعلو حتى من "حامد" و"طارق" معاً بسخرية عليه. كانت ملامحه شبه خالية من التعابير، بل أخذ يمسح بيديه آثار المياه التي كانت على سترته الأنيقة وحتى على خصلات شعره الذي رفع يديه يرجعها إلى الخلف. وعندما رفع عينيه من وسط هذه الضحكات مع نظرات "حازم" المتأسفة، هتف بنبرة هادئة: "متزعلش يا آدم. حقك عليا فـ دي!" لم يستطع بعدما كبت ضحكته بعد كل هذه الصرامة، بل خرجت ضحكته عالياً وهو يحاول إخفاءها. والمضحك أن ضحكات الآخرين قد تعالت أيضاً، حتى وقع "شادي" أرضاً من كثرة الضحك بعدما كان جالساً. في حين نظر إليهم "آدم" باستخفاف، حتى تركهم ليقف بالشرفة بمفرده. وسط هذه الضحكات، ومن أتى خلفه كان "غسان" و"بدر" فقط، اللذان وقفا بجانبه وهما يسعلان من كثرة الضحك. وعيني "غسان" التي ادمعت من كثرة الضحك، رفع يديه يمسح عينيه وجسده يهتز من هذا الضحك الهيستيري، حتى شاكسه بخفة ونبرة بها أثر الضحك: "كده إتنين ي معلم.. مرة القلم ومرة الماية!" ضحك بعد قولها باستخفاف. فنفض "آدم" يديهما معاً، وقد تعمد الصمت بعدما رمى إليهما نظرة حادة. فعاد "غسان" يغمز له وهو يلتفت حوله كي لا يسمع "حازم" مشاكسه: "بس حلوة والله، حقاً لنجوزهالك." قالها بسخرية، غامزاً له بمشاكسة. فعاد "بدر" يضحك بشدة مع سخريته وهو يقول بنبرة ضاحكة: "اوبا.. كده لقينا العروسة اللي بندور عليها، وذوقك ي معلم.. عارفك أنا مش هتختار إلا اللي حلوة يصايع!" انكمشت ملامحه متظاهراً بغير الاهتمام، حتى رد بفظاظة: "معتش إلا دي.. اسكتوا بلاش تقل دم!" صفق "غسان" بمرح، ثم غمز له وهو يوكز ذراعه مرة أخرى مردداً كي يثير حنقه: "طب والله شكلك واقع والبت حلوة بقولك!" قاطعه "آدم" سريعاً بغيظ وهو يرد له ضربة ذراعه: "ما تخف.. انت مش متجوز ما تعقل!" استنكره بهذا، فضحك "غسان" مع حديثه لـ "بدر"، وهو يشهده على حديثه: "انت ايه رايك ي بدر. بذمتك ما حلوة وآدم يستاهلها؟" زفر "بدر" متظاهراً بالمشاكسة، غير الذي جاء على خاطره. فرد لـ "غسان" الغمزة وهو يقول: "الصراحة أنا محبش أقول كده ووردة مراتي.. بس هي جميلة أه!" رمى لهما "آدم" نظرة حادة أخرستهما، تزامناً مع خروجه من الشرفة ذاهباً لهم ولرقصهم بالخارج. في حين زفر "بدر" بصوت. فعاد "غسان" يسأله بجدية هذه المرة: "تفتكر الكلام ممكن يقلب جد فعلاً؟" "مش عارف يا غسان.. آدم شكله كده ميعرفش اللي فيها. بس حازم عنده حق، إحنا نبعد آدم عنها بدل المشاكل. دا قعدوا كام ساعة واديك شايف.. وآدم أخويا لو ليه حق هيجييه ذوق أو عافية. وإحنا مش عايزين الدنيا تكبر بينهم، فإحنا نبعده ونشوفله شغلانة تانية!" قالها بتنهيدة. فحرك "غسان" رأسه بشرود. ثم خطرت على باله فكرة، حينها أمسك ذراع "بدر" وهو ينبهه: "أنا هقولك.. أنا فاكر أنه كان اشتغل في ورشة ميكانيكا العربيات قبل كده، بس معمرش.. إحنا نشغله مع عز. مش هيقول حاجة، وكده كده كان حاكيلي إن واحد عنده ساب الورشة!" صمت يفكر بتمعن. في حين نظر له "بدر" بصمت لوقت قليل، ثم قال بعدها بنبرة هادئة: "عز ابن حلال.. بس مضمنش آدم يبقي وضعه إيه مع الناس اللي هناك!" علم "غسان" مخزى حديثه وسرعان ما رد بدفاع يعلمه: "لا دماغك متروحش بعيد.. عز معندوش هناك حد شمال. كلهم شباب محترمة بتوع شغل. آخرهم سجاير، أنا روحت هناك كذا مرة ومن كلامه يعني وضحلي ده!" تنهد بحرارة ثم زفر أنفاسه وهو يقول: "ربنا يسهل نبقي نشوف آدم ونشوف عز بردو بعد الظروف دي!" أشار له بعدها كي يدخلا الشرفة. فوجدا هذه المرة "بسام" يرقص مع "شادي" و"عز" و"طارق" هذه المرة. واستمر الوضع بالفعل بالرقص بينهم، إلى أن هتف "شادي" سريعاً بإستعجال: "طب ما تيجوا يلا نروحلهم!" ضحكوا عليه بخفة. فشاكشه "حامد" بمرح: "مستعجل على إيه ياض!" وقف ينظر له بضيق تحت ضحكات الشباب. ولم يلبثوا سوى دقائق، وتجمعوا أمام شقة "عايدة". حتى دق "حازم" الباب. حينها وخلال لحظات، فتحت "ياسمين" الباب له وهي تبتسم بإتساع. دخل الجميع وتعالت الأغاني هذه المرة بصوت أعلى. وحينها وقف "عز" ينظر بإنبهار لها ولفستانها الوردي الهادئ. هذه الجميلة من وجهة نظره تبدو أكثر جمالاً على جمالها في أي لون فاتح. ابتلع ريقه وهو يمسك يديها يديرها أمام الجميع. فعادت تسأله هي بخجل وارتباك: "شكلي حلو؟" ثبت نظراته نحو وجهها وقال بغير وعي كلمات تتواكب مع شطر من أغنية يعرفها: "دا القمر هو حبيبي.." وعاد ناظراً ناحية عينيها بقوة. عينيها اللامعة التي تقابل عينيه الأكثر لمعاناً. أكمل بتلقائية وتأثر: "والنجوم دي عيون حبيبي!" توردت وجنتيها بحمرة الخجل الذي يظهر عليها. أينما قال هو، اندمج في النظرات. في حين وقف "شادي" مبتسماً بإتساع لـ "منة" التي كانت تتراقص مع "وسام" بخفة. وعندما شعرت بأنها مراقبة منه، اقتربت تقف أمامه. فهز رأسه لها متسائلاً. "هنكتب الكتاب إمته يا ام عيون قناصة. ياما نفسي أحضن وأبوس!" ضربت كتفه بعفوية وهي تحدجه بتحذير ثم قالت بتعنيف: "احترم نفسك!" "عيب أوي، عيب شادي يحترم نفسه متجيش والله.. ما تجيبي بوسة بقا أنا تعبت!" حدجته بتحذير مرة أخرى وكبتت ضحكتها وهي تمسك يديه كي تتراقص رقص غير خادش للحياء. حينها رحب بما فعلته وهو يتراقص معها تزامناً مع رقص "جميلة" مع "عز". ووقف "غسان" ينظر على الجو المبهج بفرحة لرؤية فرحة "شادي". في حين وقف "آدم"، يداعب "يوسف" و"أدهم" و"يامن" بالرقص معهم بشبابية. وانخرط "بدر" معهم بسعادة ممسكاً يد "فاطمة" كي يخرجها من حالتها هذه. والنقي بالمشهد أن "آدم" من أمسك يديها أولاً كي يجعلها تتراقص بخفة معه مشيراً لها بأن تتعلم التخطي بغير اكتراث مضحك. وجلست النساء ينظرن على السعادة البالغة التي تحدث. وعندما حاول "بسام" الجلوس كي يستند رآها بمكالمة الفيديو. أيمكن أن تكون هي؟ بعدما حاول أن يتجاهل سؤال عقله بأين هي ولما لم تأتي؟ مهلاً، وهذه الغرفة غرفه يعلم ديكورها جيداً! تسرق النظر له بين الحين والآخر. ترى سعادته هذه المرة بصديقه. ودت لو تصنع لنفسها ولأيامها صديقاً مثل صديق زوجها. توجهت لتقف بجانبه كي تشاركه الفرحة وهو يقف يتابع بسعادة. بينما لاحظ تحركها. فزفر بصوت وهو يبتسم مديراً رأسه ناحيتها ثم سألها بتلقائية هادئة بسيطة: "حد قالك قبل كده يا نيروز. إنك بتبقي هادية أوي زيادة عن اللزوم؟" أثار غرابتها سؤاله ولم يسأل هذا السؤال إلا عندما قارن تحركاتها بكل مناسبة لم تتعمد الرقص بهمجية أو التحدث بصوت مرتفع بل دائماً هادئة ساكنة كثيراً. ما يطمح الشاب بأنثى عاقلة مثل هذه. بينما هو... ضحك وهو يعتدل ثم قال باستنكار: "بس متجوزة واحد مش عايز كده الصراحة يا رزقه. مش معقول كل مرة هاجي أطلب منك تفكي وترقصي معايا وترفضي أو تتحرجي!" تعمد اللباقة في الأسلوب. بينما فهمت هي مخزي حديثه. لذا ضحكت بخفة ثم قالت بوضوح: "بس أنا فرحانة فعلاً ومبسوطة.. الفكرة إني بتكسف!" تعلقت عينيه بنيتها وتاه بينها ولم يعلم هو أنه بين الجميع بل تاه وشعور الشوق بداخله اتجاهها يظهر عندما. حرك عينيه عليهم ثم عاد ينظر له مردداً بصدق وتأثر: "وحشتيني يا بنت الأكرمي!" استغربت جملته. ولكنها نظرت له بخجل. على أية حال وهذه المرة أمسكت كفه ثم طلبت منه برفق: "تعالى نرقص!" رحب بالفكره الذي كان يريدها من الأساس. ولعقله الذي لا يغفل عن التفاصيل. أدراها كي يجعل وجهها ناحيتهم وجسدها ناحية النساء بسبب فستانها حتى ولو كانت سترت هي ما تود ستره. تفهمت ما فعله وهي تتراقص معه فغمزت له مرددة بمشاكسة طفيفة وهي تضحك: "راجل شرقي غيور أوي... بس أنا بحبك!" توسعت بسمته قليلاً. ما تردف حديث مشاكس بمسمى الحب غالباً ما تسخر منه!! استمر الوضع كذلك. واللطيف أن "أدهم" ذهب لـ "فريدة" وهو يمد كفه الصغير لها بطبيعته الرومانسية البريئة اللطيفة وهو يطلب منها بعفوية: "ممكن ترقصي معايا يطنط فريدة؟" شهقت بسرعة وهي تنهض من مكانها ثم قالت توضح له سريعاً بضحكة واسعة: "يا خبر هو أنا أطول أرقص معاك أصلاً.. بس بلاش طنط.. قولي فريدة أو فيفي. اتفقنا؟" "اتفقنا يا فيفي!" ضحكت وهي تمسك كفه الصغير تتحرك معه بمرح. ثم سألته وهي تمط شفتيها بتفكير: "أنت مين بقا علشان مش عارفة افرق؟" "أنا أدهم وممكن تقوليلي دوما كمان!" ضحكت وهي تنحني ثم طبعت قبلة على خده ثم اعتدلت ترقص معه من جديد تحت أنظار "آدم" الذي ابتسم تلقائياً ثم قال بسخرية من الصغير: "يختك يا بن المحظوظة!!" "مين يا خالو؟" قالها "يوسف" ببراءة فأهبط "آدم" ذراعيه كي يحمله وهو يدور به بمرح فضحك الصغير بصوت عالٍ تحت انتباه "أدهم" الذي ركض سريعاً تاركاً "فريدة" كي يفعل ما فعله "يوسف" بواسطة "آدم". ضحكت بخفة عليهم. ثم نظرت ناحية "جنة" التي أمسكت يد "حامد" كي يتراقص معها. وبالفعل فعلها. الجميع يتمايل على اللحن والكل سعيد ووقت الفرحة يمر والغريب بأنه يمر بسرعة. أسرع من أوقات الحزن!!! "لو قالولي إن كل اللي كان بيحصلي فحياتي عشان بس أوصل للحظات دي معاكي.. كنت هوافق تتكرر عليا تاني وتالت وعاشر ومليون. مادام فالآخر هتكوني بين إيدي. أنا بسأل نفسي إنت عملت إيه يمعلم عز عشان ربنا يعوضك بأجمل واحدة شافتها عينك اللي معرفتش تشوف غيرها. تفتكري انتي أنا عملت إيه عشان أستاهلك ي جميلة؟" حديث عميق متأثر قاله لها وهو يتحرك معها بخفة على اللحن الهادئ الرومانسي هذه المرة. تأثرت حتى لاحظ رعشة يديها. وتيقن بأن كل مرحلة تدخل عليهم بهذا الارتباك يزيده صعوبة ولكنه قادر على محو هذه الحواجز التي تحاول هي الأخرى فك قيدها الذي حكم رغماً عنها. ابتلعت ريقها ومن حديثه تجمعت الدموع في مقلتيها وهي ترد بتحشرج: "انت اللي كتير عليا أوي يا عز.. أنا.. أنا مش مصدقة ولا عارفة أصدق إنك نصيبي الحلو اللي فالدنيا دي بعد كل ده!!" عانقها آنذاك بعمق وهو يمرر يديه على ظهرها بحنو. ثم همس جوار أذنها بصراحة تأسرها: "إنتي اللي كتير على 'عز' يا حرم 'عز'!!" ابتسمت بتأثر من خلف ظهره وهي ترفع يديها تضعها على ظهره الصلب. بينما أمسك "شادي" هاتفه وهو يقوم بالتصوير معها. وعندما شعرت باقترابه أو أنها على وشك أن يحتضنها. ثبتت رغماً عنها كي ترى مدى التزامه بالوعد. وبالفعل لم يفعلها. نظرت له بحب وهي تعتدل. وعندما انسحبت معه ناحية الشرفة وقفت تطالع وجهه بسعادة. ثم سألته سؤال غير هين أتى من تقلب مزاجها: "بتحبني قد إيه يا شادي؟ امتحان مفاجئ ولو مقولتش قد اللي فدماغي يبقى مفيهاش جواز!" ابتلع ريقه بصعوبة من تجمد ملامحها. وكأن الوضع جاد وليس مثيراً للضحك. تنفس بعمق. ثم قال ببراعة في الرد أو بما يسمي "بالمحن" في الحب: "بحبك قد عدد خصلات شعرك اللي سحرتلي وقد عدد كل رمشة رمشتيها بقنصاتك!!" ابتسمت بخجل واعجاب ولأول مرة يروق لها غزله المبالغ به. راقبهم "طارق" بحب من على بعد. والكل يجلس مرة أخرى بعد مرور الوقت. ووقفت "نيروز" بجانب "غسان" يلتقطان بعض الصور بالهاتف. وعندما شعرت بإنكماش ملامحه بإرهاق. أمسكت كفه وهي تسأله بلين: "لسه الصداع مش بيسيبك بردو؟" حرك رأسه نفياً بكذب. وهو يبتسم بإطمئنان. وعندما شعرت بسكون المكان لحظياً. وأن هذه هي الأوقات الأخيرة في هذه السهرة. هتقت تقترح عليه: "طب هو خلاص تقريباً.. معتش في حاجة. تيجي نطلع؟" حرك رأسه بسكون دون رد. وهو يغمز لها مردداً بوقاحة يبعدها عن الحوار وعن قلقها: "ما تجيبي بوسة!!" ابتعدت عنه وهي ترمقه بيأس من وقاحته. ولاحظت جلوس "حنان". واستعداد "طارق" للرحيل بمفرده ومن ثم تاركاً "منة" مع صديقتها ومعه لوقت. ووقف "حامد" بعدها مستأذناً للإنصراف بقوله: "معلش هنروح نرتاح إحنا بقا.. وأهو نسيبهم مع بعضهم بردو يتكلموا براحتهم فاللي جاي.. أسنده "غسان" بخفة وهو يراه يحاول النهوض حتى فتح باب الشقة كي ينصرف ومعه هذه المرة كانت "دلال" و"وسام" معه. ومن ثم وقفت "نيروز" تشير لهم بالوداع مؤقتاً كي تذهب خلفه وخلف عائلته. أومأت لها "سمية" بحب متفهمة ما تفعله وأشارت لها "وردة" و"ياسمين" و"جميلة" التي كانت تقف مع "عز" الذي ابتسم بشرود وهي تردده باستغراب: "ساعات بحس إن نيروز بنت عمك دي مش لايقة على غسان!!" قالها متفاجئاً منذ فترة، فضحكت وهي تحرك رأسها نفياً وقد فهمت مغزى حديثه فردت توضح له: "بالعكس دول لايقين على بعض من صغرهم حتى.. وبعدين نيروز مش زي ما الكل شايفها كده، هي مش متقفلة ولا هو العكس.. هي بس بتاخد على الجو بمزاجها وعلى راحتها وقت ما تحب ومع الناس اللي تحبهم.. وبعدين لو هم مش لايقين معنى كده إننا مش لايقين!!!" "ليه؟ هم حاجة وإحنا حاجة.. وإنتِ تقريباً مش شايفك زي نيروز في حاجة!!" قالها بابتسامة هادئة، يستجوبها بنبرة هادئة لينة، فحركت رأسها نفياً بدفاع فطري عن رفيقة دربها: "أنا وروز واحد!!" "إنتِ أطيب إنتي وقلبك!!" قالها بهدوء وانتباه لفارق ما بينهما، فتحدثت بغرابة تسأله: "ليه بتقول كده؟" "شفتك وإنتي سامحتي مرات أبوكي أو حتى بتفكري تديها فرصة.. هي معملتش كده وكان الموضوع هيكبر لما غسان جه واتدخل وفكرها أذتها وهي كانت جاية تطلب المسامحة ومخدتهاش في الآخر!!" تفهمت حديثه، فأخرجت أنفاسها بصوت وهي ترفع عينيها تنظر له مبررة بصدق وشفقة: "متقولش كده يا عز، نيروز اتأذت من مرات بابا كتير أوي، عملت فيها حاجات كتير تأذي وتكسر أي بني آدم زي ما عملت كمان في أخواتها.. نيروز بتعدي وطيبة والله بس هتحتاج وقت عشان تتخطى لكن عمرها ما هتنسى!!" "شكلك بتحبيها أوي أوي!!" "نيروز دي معايا في كل صغيرة وكبيرة من واحنا صغيرين، كل حاجة بشاركها معاها.. دي اللي الكلام معاها بيخرج من غير حساب أو من غير ما تخاف لتفهم غلط.. دي اللي قالوا عليها عاقلة بس عمرها ما تكون ضعيفة.. ودي كمان اللي لو حد زعلني وهي عرفت ده بتتحول مية وتمانين درجة عشاني بس في الآخر كنا بنكفي خيرنا شرنا.. ودي اللي أسراري ينفع تكون معاها هي وبس.. دي كمان اللي حضنها حضن مختلف عن أي حضن.. يعني حضن ضامناه إنه مش هيروح ويسبني وهيفضل جنبي.. إنت ممكن متفهمنيش غلط.. لما أقولك إني لقيت فيك اللي لقيته في نيروز بس على شكل عز.. عز الرجال يعني!!" ضحكت بآخر حديثها، وهذه المرة تجرأت عندما رفعت ذراعيها تحاوط ظهره حتى أسندت رأسها على كتفه وهي تردد بتحشرج: "أنا في اللحظة دي حسيتك أبويا مش جوزي ولا حتى اللي قلبي اختاره فيوم.. عينك بتقول كده أوي.. حتى لو مش بعرف أقول كلام حلو بس كفاية عيني اللي بتضحك زي قلبي بمجرد ما بلاقيك وأشوفك جنبي!!" كانت نظراته لها كمن يكون أب ينظر نحو شغف ابنته في الحديث عن شيء وشخص تحبه، ضمها بعمق، ثم قال بتنهيدة حارة محاولاً زرع ما فقدته بها: "وإنتِ بنتي يا جميلة، ومش غريبة عليا أحس الإحساس ده معاكي.. أنا كنت ومازلت أب حتى لفرح ومبسوط إني مش عاجز ولا جاهل عن اللي المفروض يظهرلك وأعمله.. أنا هنا معاكي وجنبك طول الوقت ومش همشي.. براهنك حالا على اللي يسيب.. ولو على الرهان فهيفضل متعلق كده لحد ما العالم يقرر يغير نفسه مع نفسه لكن إحنا هنفضل كده زي ما إحنا دلوقتي!!" وأكمل بصدق ونبرة متأثرة عميقة: "هنفضل كل واحد في ضمة التاني!!" بينما كانت النظرات الموجودة ما بين جلوس "وردة" بجانب "بدر" و"ياسمين" بجانب "حازم"، و"آدم" الذي جلس هذه المرة بجانبها بجانب "فريدة"، سرق النظرات لها من أسفل أهدابه فوجدها تداعب "يامن" الجالس على ساق "وردة" بجانبها. نهض متنفساً بصوت مسموع ثم قال على فجأة: "أنا ماشي أنا بقا يا بدر.. مش يلا يا فاطمة؟" وجه نظرة عينيه لشقيقته التي كانت تجلس بجانب "سمية"، كانت تجهز أشياءها للرحيل بالفعل ولكن عاقها قرار أحدهم. ابتسمت له بهدوء وكادت أن تجيب بينما قاطعه "بدر" نهوضها بقوله: "عمك قال إنها تبات وتقعد عنده.. هو راح وسابها ترجع براحتها طالما قاعدة معايا.. اتوكل إنت وخلي بالك من نفسك!!" صمت توجب عليه الصمت طالما وافق شقيقه وهذا قرار عمه. نظر ناحيتها فوجدها تنظر له بسكون وخزي لما حدث. أومأ برأسه وقبل أن يتوجه ناحية الباب اقترب أكثر يقف أمامها وهي جالسة فوقفت عندما تيقنت بأنه لم ولن يذهب سوى عندما يفعلها. فرد ذراعيه لها ثم ضمها بحنان ظهر وبشدة لكل من حوله عندما قال بنبرة هادئة يخفي بها اهتزازه وضعفه ناحيتها ويظهر أسفه على كلماته الذي رددها على مسامعها قبل ساعات: "متزعليش مني يا فاطمة حقك على راسي وعليا.. أنا خايف عليكي وبحبك نفسي تفهمي ده!!" كان همساً مسموعاً ولامس قلب "فريدة" فعلته هذه، في حين مرت "فاطمة" يديها على ظهره ببطء ثم أجابته قائلة بتأثر: "عمري ما أزعل منك يا آدم.. إنت أخويا وابني وقبل كل دا رغم السن بس بحسك أبويا.. متحرمش منك أبداً.. ولا من خوفك عليا!!" ابتسم وهو يقبل يديها وقمة رأسها ثم انحنى ليقبل "جنة" مثلها ومعها التوأمان تزامناً مع إشارة "فريدة" لـ "حازم" ولهم بأنها سترحل إلى شقتها بصمت، فحركوا رؤوسهم بانتباه، وتوجهت لتفتح باب الشقة ومن ثم أغلقته خلفها تزامناً مع وداع "آدم" لهم ولـ "عز" و"شادي"، حتى فتح الباب ليخرج منه ومن ثم أغلقه خلفه. وجدها تقف بظهرها ترفع يديها على ما يبدو تمسح آثار دموع قبل أن تدخل. تنحنح يجلي حنجرته وهو يلتفت ثم تصنع الدهشة ما أن نظر ناحية وجهها مردداً بغير تصديق: "إيه ده؟ إنتي بتعيطي زينا؟" لا تعلم لما أثار قوله ضحكتها الخفيفة وشرد بهذه الضحكة رغماً عنه حتى وقف معتدلاً متنفساً براحة ما أن ردت هي بتبجح: "لا بعمل مية بسكر.. ظريف أوي إنت وبتستخف دمك مع إنه يلطش وملح زيك!" نظر لها بصمت غير مهتم بكل ما قيل، بل سألها بتلقائية أثارت حيرتها: "بس بتعيطي ليه برضو؟" كيف ستظهر أن رددت كل ما شعرت به؟ كانت تود شقيقاً مهما كان جافاً يكون حنوناً في وقت غضبه وانفعاله، لا تنكر ما يفعله "حازم" ولكنها كانت بالبداية تتصنع البعد وتعتمد فعل ذلك باعتباره ليس شقيقاً لها من والديها معاً، حجج.. أسباب.. كي تهبط دموعها مما حدث بالكامل رغم أنها المنتصرة بأفعالها المتسلية!! وكيف يقف معها الآن من الأساس وهي من فعلت به كل ذلك؟ ابتلعت ريقها ببطء ثم التفتت متصنعة عدم الاهتمام وهي ترد: "مفيش!" "طب متعيطيش تاني بقا عشان شكلك ببقي وحش وإنتي بتعيطي!!" فتحت عينيها على وقاحته هذه في الرد وكاد أن يضغط كي ينتظر المصعد بينما ردت هي بفظاظة تنقد نفسها من انتصاره عليها: "محدش طلب رأيك!!" "رأيي أمر مفروض.. إجباري يعني يا شاطرة!" دخل المصعد بعدها ثم أغلق تلقائياً تحت إنهزامها في الرد. الغريب بأنها تشعر بأنه يثق بنفسه ثقة عمياء ليس لها مثيل في حين تتظاهر هي بذلك ولكن ليست كذلك بتاتاً. ثمة الشعور الذي يتوغل داخلها بأنها ليست كاملة دون مسمى.. بأنها كسرت وتلطخت بدناءة أحدهم يشعرها بالقهر. كتمت دمعتها مرة أخرى وهي تخرج المفتاح كي تفتح الباب! علم بأنه صعد فور إسناده لوالده إلى غرفته والإطمئنان عليه، ليس لمجرد أنه يشعر بصداع رأس، بل يهرب من مواجهته مع "شقيقه"، من مواجهة لا يريدها، فيصبح منهزماً، يحتوي غيره ويضغط من جديد، ولم يعد لديه طاقة لذلك. الآن في شقته، هو في شقة "غسان" الذي دخل المرحاض يبدل ملابسه لأخرى مريحة ويغتسل بمياه دافئة يريح جسده، ومن ثم ليخرج. كان هذا بعدها هي، عندما بدلت ملابسها وجلست تفتح التلفاز العريض الذي يوجد بغرفتهما معاً. أتت اليوم بعد غيابها لأيام بالغرفة الأخرى. فتحت على القرآن. على ما تراه بعينيه من حزن مخفي يهدأ أو يختفي صدقاً، وليس بطريقة زائفة. زفرت بصوت، وأتى بعقلها مكوث فاطمة معهم في الأسفل. كيف كانت ستشعر هي لو كانت تمكث وهو معها بالأسفل؟ نفضت من عقلها هذه الأفكار التي تأتي رغماً عنها، دون تدخل، بل أتت من غيرتها في رؤيتها للتعامل بينهما بأريحية كبرى لم تعتدها قط. خرجت من شردوها عندما وجدته واقفاً، يضع عطراً هادئاً مع تمشيطه لخصلاته بغير اهتمام. لم يتحدث ولم يتفوه بشيء. بل التقت هذه المرة وهو يبتسم. ثم تزحزحت قليلاً وهي تبتسم، فمال يجلس بأريحية وهو ينظر ناحية التلفاز والقرآن الهادئ الذي يخرج عنه. ودار رأسه ببطء عندما وضعت كفها على كفه وهي تسأله بتلقائية: "إنت كويس؟" حرك رأسه بنعم، وضم رأسها ناحيته مستنداً بذقنه على قمة رأسها، حتى لفحت أنفاسه الساخنة خصلاتها. تستشعر سخونة جسده العاري من فوق. اعتادت على فعلته هذه، وعلمت أن جسده في جميع الأحوال يبث حرارة لا يتحملها بملابس فوقية. وجدته يبعد عن الحوار تدريجياً، وهو يشاكسها مردداً بمرح يسألها: "مش ناوية تروحي الأوضة التانية ولا إيه؟ أنا كنت مرتاح أوي وأنا واخد راحتي لوحدي هنا!!" خرجت بإندفاع، تنظر له بغيظ، ونظرة عينيها تجعله يكبت الضحكات. بينما سألته هي بحساسية: "ده بجد؟" قهقه "غسان" عالياً وهو ينفي برأسه، ثم قال بصدق: "أبقى كذاب لو قولت إنه بجد!" ابتسمت بخجل، وهي ترمش بأهدابها، ثم عنفته وهي تضرب كتفه: "كنت بحسب!" صمتت "نيروز" تنظر ناحية عينيه المتعلقة بها بشغف. وسرعان ما سألته بحزن مخفي: "انت زعلان ليه؟" اقترب "غسان" أكثر وهو يبتسم، ثم رفع يده يحاوط وجنتيها، حتى قبلها بمرح وهو يهمس: "ده أنا مبسوط، انتي مش مبسوطة؟" "ليه؟" سألته وهي تعتدل. فحرك رأسه وهو يضحك، ثم غمز لها بوقاحة، وهو يعتدل هو الآخر مردداً: "عشان بقت عال، وهنجيب عيال!" ضحكت بيأس منه، وانخرطت في كلماته الذي بعدت كل البعد عن جو حزن مشحون. كفى بعد وكفى فراق.. وكفى حزن وكسرة وقهر. كفى شوق لهذه الدرجة وكفى هجر لها أيضاً. ابتلع ريقه وهو ينظر لضحكتها الواسعة، وسرعان ما خفق قلبه، ولأول مرة يظهر عليه بأن قلبه قد خفق بسعادة وحب. كثيراً ما يبرع في إخفاء ذلك، رغم أنها قريبة أغلب الوقت، وفي كل موقف يخفق قلبه سعادة بوجودها، كمثل الآن وبقوة، عندما قالت هي بلين عندما رفعت يديها تزيح خصلاته السوداء كي ترجعها إلى الخلف بترتيب، مرددة بتأثر وعمق يأثر به حتماً: "وحشتني أوي يا بن البدري..!!" توسعت بسمته وهو يرفع يديه يمسك يديها برفق. فأكملت هي بصدق، تعلن موافقتها الذي تردد هو بقربه إلى الآن منذ آخر رفض على يديها هي: "ووحشتني الست وكلام الست وهمس الست كمان!!!" همس الهمس الذي يأسرها ويؤثر بها. ابتلع ريقه ببطء، ووضع كفه متشبتًا بكفها، وهو يقربها منه كي يسألها عن قرب: "الست قالت كلام كتير أوي، بس عارفه المرادي قالت إيه؟" توقف عندما اقترب يهمس بجانب أذنها، ويديها الأخرى خلف ظهرها يربت عليها بحنو ولين: "ابتديت دلوقتي بس أحب عمري.. ابتديت دلوقتي أخاف.. أخاف للعمر يجري!!" بالفعل خاف وهاب أن يمر الوقت ويجري منه على خصامهما دون عيش حياتهما معاً. أين الحب من الأساس في كل هذه الأيام التي كانت تفرق بينهما تحت مسمى العناد والخلاف. الآن يذهب أي خلاف، وربما هذه المرة تختلف عن أي مرة أخرى. بعد الخلاف كان حب ومودة ورحمة ولين وتفهم. لا تنكر بأن حبه بقلبها يزداد يوماً عن يوم. هي.. هي التي لم تتخيل في يوم أن تعشق أحدهم بهذه الطريقة، ولا يظهر ذلك عليها. وعلى الرغم من بطئها في التعبير وخروج كل هذه المشاعر دفعة واحدة، إلا أنها تخاف وتهاب أن يمسه ضر، وكل حالها السيء كان عليه هو، أكثر منها. عندما شعرت بأنه يكسر ولا تعلم لما ومن ماذا. عندما شعرت بحزنه ولم تستطع فعل شيء سوى بأحضانها، والآن بقربها. لبت ندائه وأعطته القبول. قبول دخوله قلبها منذ زمن، وقبول حبه وحبها في كل وقت يمر. هو وهي.. قصة تُقص عن عودة وصالهما بعد قطع الحبال لسنوات طويلة. وفي كل مرة يكاد أن يقطع الحبل رغم قربهما، يزداد قوة. واتضح أن الحب أحياناً يصبح كل شيء. يصبح كل شيء مع اللين والتفهم. عندما لانت العقول ولانت القلوب، مر الوضع وكأنه لم يكن. تطلب فقط لين وتفهم وعقل تحت مسمى الحب، الذي بدونه لما حدث كل ذلك. وقف في المطبخ يعد شطائر وأكواب "شاي" ساخنة. بعد ساعة واحدة من الآن سيذهب كي يقيم في المشفي إلى اليوم الثاني. وهو الآن يشعر بالراحة ولو بقليل فقط لأنه في منزله وسط رائحة عائلته. استشعر هروب شقيقه منه وكسرته من كلماته. لا ينكر بأن كلماته كانت صعبة، ولكنه إلى الآن يقنتع بأن نصفها صواباً. أخذ راحته في الحركة عندما علم بقدوم "فاطمة". ومن ثم دخلت مع أطفالها غرفة "غسان" كي تقيم بها. لذا خلع ملابسه براحة. لم تكن عادته فعل ذلك، ولكن شعور النيران التي تتآكل بداخله بحرارة وتعب جعله يخلع ملابسه العلوية. فقط ظل بتيشرت محكم على تفاصيل جسده، والذي أظهر كتفيه وصدره وحتى جزء من أسفل رقبته وظهره من الخلف، مع المنشفة التي كانت على رقبته بإهمال. شرد عقله برؤيتها في المكالمة، ولم يكن أحمق كي لا يفهم الذي حدث. توقعه بخفة وسهولة، وحاول الظهور باللاشيء، رغم أن هذا يعد صعباً على قلبه الأحمق الذي يشعر بأشياء رغماً عنه، ليس له يد بها. وقف أمام غرفة "وسام" يدقها، حتى فتحها ثم دخل بصينية صغيرة عليها شطائر صغيرة مع كوب الشاي الخاص بها الذي أعده. ابتسمت له وهي تنهض من على مكتبها. فوقف هو يسند الصينية، ثم رفع عينيه ناحيتها وناحية ملامحها التي تشبه والده لحد كبير. ابتلع ريقه وهو يرفع كفه يزيح خصلاتها السوداء إلى الجانبين. فتعلقت عينيها بعينيه وهي تقول بمشاكسة متأثرة: "ع فكرة كان وحشني شايك وسندوتشاتك وكل حاجة.. كل حاجة!!" ارتمت بنفسها بإحضانه، فشدد بعناقه لها وهو يتأسف بصراحة: "أنا آسف.. متزعليش مني!!" ربت "بسام" على ظهرها برفق. فخرجت ببطء وهي تنظر له بشوق. ثم قالت بتلقائية: "الأسف ده مش بتاعي يا بسام.. مش ليا أنا!!" صمت عاجزاً عن القول والرد، بل أشار لها أن تتناول الطعام، ناظراً ناحية الكتب ومكتبها، ثم إلى ملامحها التي كانت مترقبة ناحيته. فعاد يتنفس بعمق، وهو يقول: "شوفي اللي وراكي يا وسام.. وكلي السندوتشات دي أكيد وحشتك مني!!" "كل حاجة وحشتني منك.. حتى لو غسان كان بيحاول يعمل زي ما كنت أنت بتعمل.. بس صدقني شايه ميتشربش ولا حتى سندوتشاته تتاكل." قالتها بحزن. فخرجت ضحكاته بشدة. حتى ضحكت وهي تكمل بنفس النبرة الضاحكة: "بس اوعي تقوله كده.!!" نظر لها وهو ينفي برأسه. اشتاق لمشاكستها وكلماتها المرحة ومشاكلها الذي يعتبرها تافهة، ولكن يتوجب عليه السمع والإهتمام بكل حب. قبل قمة رأسها وهو يرد بنفس المشاكسة: "لا مش هقول عشان هو عارف وكلنا عارفين إنه مببعرفش يعمل حاجة.. محدش بيعرف يعمل أكل زي دكتور بيسو بردو ولا إيه يا ويسو؟" حركت رأسها تؤكد، ثم حذرته بمرح كي تخفف عنه كما يفعل ليخفف عنها هو. "او عي تكون بتسجلي ولا بتاخدني على قد عقلي؟ لو وقعت في إيده مش هيرحمني.. بس عارف؟ حتى محاولته إنه يعمل حاجات مش عارف يعملها دي لوحدها طعمها حلو أوي عندي.. بس أنا مش عايزة أكل ولا محاولات، أنا عايزانا نرجع مع بعض زي الأول من غير مشاكل ولا خناق ولا خلاف!" نظر لها باطمئنان ثم حمل الكوب كي يضعه في يديها تزامناً مع تنهدته الحارة وهو يردد بابتسامة باهتة: "إن شاء الله خير!" علمت أنه إذا أغلق الحديث إذن لم ولن يفتح، ولا يود هو ذلك. وليس كمثل الآخر الذي يأتي لها من بين كل همومه ومن ثم يشاركها ولو بشيء خفيف. أحياناً يشعرها بأنها أكبر منه سناً، بل وهو الكتوم، وإن أخرج نصف حرف لن يكون سوى لها هي. تنفست بحرارة وتنهدت بيأس عندما وجدته رحل وأغلق باب الغرفة خلفه بعدما حمل الكوب الآخر الذي يخصه هو. لم يفتح غرفته، بل كانت مفتوحة. من الذي يجلس بداخلها؟ دخل باهتمام عاقداً حاجبيه فوجد "دلال" تقف تعدل فراشه بحماس وتخرج له ملابس مريحة. فابتسم من خلفها ثم رد بنبرة خشنة بعدما تنحنح يجلي حنجرته يخبّرها: "بس أنا ماشي.. هبات في المستشفى!" التفتت بسرعة تنظر له بابتسامة صغيرة ووجد اليأس على ملامحها. فاقترب أكثر يسند الكوب على الطاولة ثم حاوط وجنتيها بحنان وهو يقبل قمة رأسها. فضمته هي لها بعناق هادئ ثم همست من خلف ظهره على فجأة: "أبوك كان هيروح فيها يا بسام.. كان هيروح فيها بسبب زعله عليك!" انتفض وهو يخرج من أحضانها ناظراً بصدمة غير مفهومة. فتحركت رأسها إيجاباً. ولم يلبث هو وقت كي يفهم، بل التفت يسير ناحية غرفة "حامد"، حتى وقف يدقها ولم يسمع هو إذن الدخول، ولكنه فتح الباب على أية حال فوجده جالساً على الفراش ممسكاً بسبحته مستغفراً بها وهو ينظر لكفه. والمفاجئ بأنه ردد من بين نظراته لسبحته دون أن يرفع عينيه ناحية الذي فتح الباب دون إذنه: "مقولتلكش تدخل!" دخل وهو يغلق الباب قليلاً وليس كاملاً. في حين رفع "حامد" عينيه ينظر له. فوقف "بسام" ثم تحرك بعدها مقترباً منه وجلس على طرف الفراش موجهاً كفه ناحية كف "حامد" يسأله بخوف وقلق: "انت صحتك كويسة؟" رفع عينيه ينظر ناحية وجعه والقلق الذي ظهر عليه، بينما همس بعدها بنبرة هادئة: "كان ساعتها فرق معاك، ورفعت سماعة تليفونك تطمن على أبوك وأمك أو حتى تكلم اختك تطمن علينا من ورانا. إنت قلبك جامد أوي يا بسام. جبت الجمود ده كله منين؟ أنا عمري ما عودتكم على كده يا بني!" وبخه بحسرة وانهزم في اللوم وهو يبتلع ريقه بآخر حديثه. فنظر له "بسام" بتيه وهو يتنفس بتعب ثم قال: "عمري قلبي ما كان جامد.. أنا قلبي تايه مبقاش عارف الطريق. الطريق الوحيد اللي عرفه دلوقتي هو طريق برك ورضاك.. حقك على راسي يا بابا!" سيضعف. حاول التظاهر بالجمود ثم نفى برأسه يعلمه ما أظهره ذكياً: "عملت إيه لأخوك يا بسام؟ عملتله وقولتله إيه يخليه مطفي ومش شايفك للدرجة دي؟" صمت بخزي هارباً بعينيه لمكان آخر. فابتسم "حامد" وهو يكمل: "عايزني أسامحك إزاي وإنت نفسك مش مسامح نفسك ولا عاطيها فرصة تتصالح معاها وتشوف الصح من الغلط أو حتى الأصول واللي مش الأصول. مسامح يا ابني، بس قولي أشوفك إزاي كده ومزعلش. أشوفكم كمان متفرقين كده إزاي ومزعلش؟ هو ده اللي لما أموت هلاقيكم شادين بعض وفضهر بعض من بعدي؟" صمت يلومه ثم تجمعت الدموع بمقلتيه بصدق هذه المرة وهو ينظر ناحية عينيه: "لما وقعت ملقتكش جنبي يا بسام.. لقيت أخوك لوحده معايا ومعانا هنا، بدور عليك في وشه مش لاقيك.. ولما ملقتكش فيه عرفت إنك كاسره وجيت عليه!" تحدث بعمق مما جعل "بسام" يبلع ريقه بصعوبة وهو يقول باهتزاز مع نبرته المتحشرجة: "ابنك بوظلي حاجات كتير في حياتي من غير ما يعمل حساب للي هحس بيه واللي هيحصلي. مكانتش غلطته كانت غلطتك يا بابا!" صمت يلومه هو الآخر ولم يتفاجأ "حامد" صمت ينظر بإنهزام أمام حديثه الآتي: "لما خليته يتدخل في كل حاجة تخصنا وكإنه حارس بيحرسني مش أخويا. بسام اتضرب في المدرسة فأخوه يقفله يجيبله حقه ويرد عنه. بسام كان مش عارف مين وقفه وقاله كذا فوقف هو واتصرف. بسام اللي عاش حقه ميجبهوش بإيده. صغرتني وصغرني قدام نفسي إني مقدرش مع إن اللي عمله حاجة متزعلنيش.. بسام حقه لما يتهدر وحد يجي عليه يحل محله غسان. لحد النهارده كل حاجة عايز يعملهالي هو ويتصرف فيها كإني عيل صغير. كل حاجة هو اللي يعمل وهو اللي يتصرف وهو اللي يقف وهو اللي يستحمل.. ظالم نفسه وطاقته قبل ما تظلمني وأنت كمان ظلمتني لما خليته وحسسته إنه ماسك كل حاجة. من كتر ما بيشوفلي الصح من الغلط والأنفع والوحش بقيت حاسة إني مجبر معترضش عشان هبقى بعارضك إنت وبقف في وشك إنت. وقفت في وشه آه.. وقولتله كلام صعب حد يستحمله.. كسرته غصب عني عشان أنا ذات نفسي مكسور مش حاسس بحاجة. اتكسرنا احنا الاتنين وعرفت إنه مظلوم وبيتظلم بس حتى وأنا ساكت برضه بظلم نفسي وبظلمه.. توهت ومبقتش فاهم أي حاجة. أنا أستاهل ده؟ هو يستاهل ده؟" نزلت دمعة "حامد" وهو يستمع إلى حديثه وصمت للحظات بعجز ثم رد بنبرة متعبة: "مقصديش أخليه مسيطر عليك، ولا حتى عايز أقولك إنك كنت إنت كده بنفسك من صغرك. أهم حاجة كانت عندي ولسه عندي إن كل واحد فيكم يشيل التاني ويتعود على كده. عشان الدنيا عمر ما كان ليها أمان، ياما فرقت بين إخوات نفس الدم.. أنا مش عايز كده.. مش عايز لو أخوك مكانش اتعود على كده مكنش يهمه أنتم. مش عايز النقطة دي لا عندك ولا عنده. أنا مظلمتش حد. مظلمتكش ولا ظلمته.. أو يمكن أكون ظلمته هو عشان أنتم كان ليكم هو وهو ملقاش فيكم اللي إنتوا لقيتوه فيه. أنا عايزكم إيد واحدة ميفرقوش أي حاجة!" أخرج أنفاسه بثقل وهو يستمع له. نظر بكسرة وهو ينحني يسند رأسه بين كفي والده مردداً بقهر: "أنا حاسس إني مرفوض.. مرفوض من كل حاجة حواليا. مفيش حاجة واحدة عايزاني وقبلاني!" وضع "حامد" كفه بعدها عندما استشعر مدى تعبه، بل واهتزاز رأسه بسكون مما يعني أنه يكتم شهقته كي لا تظهر. ترك السبحة من يديه بألم ثم مرر كفه المجعد المنكش على خصلات ولده مردداً بعض الآيات القرآنية بصوت مسموع ممراً يديه على وجهه عندما استند برأسه على ساقه المفرودة على الفراش. أخذ المنشفة يضعها بعيداً ثم مرر يديه بداية من خصلاته إلى وجهه أسفل رقبته وذقنه وحتى ظهره باحتواء مردداً آيات الذكر بإنهاك عليه ومنه، حتى زفر الآخر بصوت وهو يرفع عينيه الحمراء ينظر بها لأعلى حيث وجه والده وهو يجلس. أغمض عينيه مشدداً عليها بضغط وهو يسمعه يتلو بعد الآيات والأدعية ثم ملس على لحيته الخفيفة وملامح وجهه كي يستكين بين ما يفعله والده هذه المرة وما بعد إغماض عينيه الغفوة التي أتت رغماً عنه رغم موعد عمله، ولكنه غاص بـ أنفاس يرتاح بها سانداً رأسه على ساق والده تحت وقوف "دلال" من الخارج تهبط منها الدموع بعجز. وعندما شعرت بثقل أنفاسه وملامح "حامد" الباهتة دخلت وهي تطالع المشهد بتأثر. مهما كبر المرء وأصبح عاقلاً ناضجاً قادراً على حمل المسؤولية لا يكبر على والديه وعلى واجباتهم نحوه. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تمرر يديها على كتفه المكشوف. وسرعان ما اهتزت ساعة يد "بسام" فانتفض بسرعة وهو يفتح عينيه على فجأة ثم اعتدل سانداً ظهره ببطء ناظراً نحو ساعة يديه كي يرى ما الوقت. في حين هتفت "دلال" تخبره: "طلعتلك لبس عشان تجهز وتروح شغلك يا حبيبي. ابقي خد حاجة تتقل بيها بليل!" اعتدل كي ينهض سانداً على ذراعيه بتعب. حتى نهض أخيراً ثم وقف معتدلاً مبتسماً لهما دون أن يتفوه أي حرف. التفت كي يخرج بهدوء غالقا الباب خلفه بسكون متجهاً ناحية غرفته.. يتوجب عليه السعي رغم الإنهاك وتلك هي حالة معروفة! المشاهد التي لا تغيب عن ذهنه، في حين الكل منشغل بهذه الليلة وهذا اليوم. أتت خطته الثانية في الرغبة على التنفيذ. لم تكن ستغفل له عين اليوم عندما ينفذ ما كان ينتظره منذ وقت. لا مانع من أخذ روحه وهو معه بنفس هذا المكان. القتل؟ ولم يكن لديه سواه بهذه الأوقات القاسية والتي ستصبح أكثر قسوة على غيره. برع في اختيار الوقت المناسب لديه بينما لم يكن مناسب حينها. لم يكن مناسب عليهم هم، وهم لا يتوقعون هذه العقبة الشديدة التي ستأتي عليهم كمن أكثر صدمة يمكنها أن تقتل المرء حياً حتى بأسعد أوقاته. فعلها وفعلها قبلها بوقت بدقته في حساب كل شيء. هذا الذي يسمى بالوجع اتضح أنه لم ينتهي بعد عليهم. ومن لم يذوقه سيتذوقه هذه المرة! اعتبرها آخر ما يود أخذه هذه المرة، ومن ثم لم يعد يبقي شيء لديه لم يفعله. غالبًا سيؤدي ما فعله إلى الهلاك، ومؤكدًا إلى الموت بأكثر طريقة بشعة يمكن أن يراها المرء. ولكن المريح بالنسبة لعقله أنه أخذ آخر حق، وكان حق بكل الحقوق التي سُلبت منه. حق غير كل ما فعل، هذه المرة كان لم يكن بعده شيء ليأخذه.. كان "الحق الأخير". واليوم يوم ليس عاديًا. اليوم يوم زفاف "شادي" و"عز". معا، فكان مناسب خروجه كي يقضي الوقت دون حدود وساعات معينة يتطلبها عمله. ومن ناحية أخرى علم أن مكوثه في المستشفى شيء جيد بسبب إصرار "حامد" على مكوث "فاطمة" وأطفالها معه في الشقة. حتى أنه أصر أيضًا على ذهاب الأطفال في المدرسة من العمارة ومن ثم يأتون مرة ثانية على شقته هو بعد جلب "بدر" ملابسهم من منزل "والده". ورغم رفض "آدم" لأنه يريدها أن تجلس معه في المنزل هي وأطفالها. ولكن "حامد" طلب منه ذلك كي تريح نفسيتها وعقلها مع الفتيات بهذا الوقت. واليومين الماضيين حتى أن كانت الفتيات فيهم تقوم بتشغيل الأغاني للرقص والتمايل مع بعضهن فقط ببهجة دون تدخل أي شخص غريب عن العائلة أو حتى تدخل رجال وشباب العائلة. ولذلك لم يأتِ "آدم" بعدها بل ظل هناك ولم يذهب لعمل محل الورد ثانية بسبب إغلاقه لأن "فريدة" و"نيروز" ذهبا مع "عايدة" و"دلال" لشقة "جميلة" في منزل العروس كي يضعن لها ملابسها واللمسات الأخيرة. وفعلوا المثل مع "منة" عندما أخذهن "شادي" في سيارته مع "منة" نفسها و"طارق" كي يفعلان لها اللمسات الأخيرة ولسهولة وضعها بعدم فرش وشراء أي جهاز. ولكن ذهبت مع "منة" "جميلة" و"والدتها" و"نيروز" كي يشتروا لها بعض من ملابس الزواج والخروج وغيرها. وانتهى كل شيء خلال اليومين الماضيين. والقرار الأخير بعض تزاحم الأحداث أن عقد القران الخاص بـ "شادي" سيكون اليوم على عجالة من أمرهم، حتى أنها بعده ستذهب إلى السنتر التجميلي كعروس هي و"جميلة". بينما الآن في طابق العائلتين "الأكرمي" و"البدري".. خاصة في شقة "حامد". كانت "دلال" بالمطبخ. ولم يذهب "غسان" اليوم إلى عمله. في حين أنه يقف الآن بالشرفة شارد الذهن. وهي كانت مع "دلال" بالمطبخ هي و"فاطمة". يثار حنقها في الفترة الأخيرة من طبيعة حديثها العفوي مع "غسان". تنهدت وهي تذوب السكر بأكواب الشاي. ثم حملت الصينية كي تخرج بها مبتسمة للانصراف. خرجت "نيروز" تعطي الكوب لـ "حامد" وهي تبتسم بلطف. فوجدته متجهزًا للخروج لعقد القران. مما وضح لها بأنه بدل ملابسه بسهولة. أخذه منها وهو ينظر لها بإمتنان. بينما مال يتحدث لـ "وسام" التي كانت مندمجة بمشاهدة التلفاز: "قومي يا وسام شوفي هتلبسي إيه عشان منتأخرش. وقولي لأمك تلبس بقى كفاية عطلة هي وفاطمة!" تيقنت "نيروز" في هذه اللحظة بأنها قد تأخرت هي الأخرى عن ارتداء ملابس الخروج. في حين بأنها قبل ساعات قليلة كانت مع "جميلة" تفهم منها المختصر لهذا اليوم. حتى أنها وجدتها متوترة وعندما توجب على "نيروز" الذهاب لشقة عائلته وعدتها بأنها سوف تراها مرة ثانية للحديث معها والوقت قد سرقها إذن. دخلت "نيروز" الشرفة وهي تخرج أنفاسها. حتى حملت الكوب من على الصينية وهي توكز كتفه فاستدار "غسان" برأسه ينظر لها مبتسمًا بهدوء وهو يأخذه منها تزامنا مع قولها: "سرحان في إيه لوحدك وسايبني!" ضحك "غسان" بخفة على ضجرها المخفي منه حتى غمز لها بمشاكسة وهو يردد: "هو أنا أقدر أسيبك برضه؟" طالعته ببسمة هادئة. حتى وجدته يندمج في ارتشافه من الكوب. وقبل أن يضع يديه على جيبه كي يتحسس علبة سجائره تفهمت ما سيفعله لانتباهها لذلك منذ الصباح الباكر ومنذ أمس. يشربها بشراهة غير معهودة. قاطعت فعلته بمسك ذراعه وهي تحثه بقولها الهادئ: "مش ملاحظ إنك بقيت بتشربها كتير قوي قوي عن العادي!!" تعمد تجاهل هذه الجملة. فقد شرد عقله بدوامة حوار آخر تاه به. فوضعت هي يديها على كتفه برفق وهي تقول بلين: "من ساعة ما روحت سلمت على أخوات شادي امبارح وانت متغير. هو في حاجة حصلت؟!" صمت يخرج الثقل الذي على قلبه وصدره. ثم تنهد يخرج أنفاسه بصوت وهو ينظر أمامه بشرود. ثم قال بصراحة، يسرد عليها هي وحدها: "مش عارف.. بس شادي مش مبسوط وكأنه إخواته جم مروا عليه جوازته وفرحته بكلامهم وردودهم وأسلوبهم وحتى تعاملهم معاه. كانوا وهم بعيد مرتاح لكن لما يرجعوا يقربوا تاني بيحس كأنه مكسور من جديد. محدش ساعده في أي حاجة ونزلوا وعايزين يبقوا هما اللي في الصورة وهما اللي خيرهم عليه. أنا وقفت امبارح مش عارف أعمله حاجة وإخوه ومراته بيقولوا له في وسط الكلام إن "منة" مش قد المقام. مش فاهم بيقولوا ليه كده ليه وهو خلاص لقى نصيبه معاها. مش دول اللي كانوا معانا فيديو كول وظاهرين إنهم مبسوطين بيه. يرجع الكلام اللي في وسط الكلام ده عامل زي السم. هم كده لازم يسموا بدنه ويقتلوا شغفه في حاجة فرحان لها!!" شعرت الآن بكيف سيكون شعور "شادي" لطالما كان يتقلل منها بكل شيء تفعله خاصة من "عمها". نظرت له بشفقة. ثم قالت له بمواساة طبيعية تخرج من أي شخص يوضع مكانها: "هو ممكن يعدي كل ده وميحطش في دماغه. هتبقى أسهل عليه لو عمل كده. أصل الواحد مبيسلمش من كلام اللي حواليه مهما كان وضعه عامل إزاي!!" "ده لما يكون شادي بيعدي. لكن ده منساش ليهم أي حاجة، منساش لما سابوه لوحده ومشوا. منساش تخليهم عنه. كان متعود بقاله فترة كبيرة على راحة الدماغ بس لما يرجعوا أكيد وطبيعي هيحس بإحساس وحش أوي. إزاي يعني يكونوا معاه في الفرح والوحش لا؟! السؤال ده كفيل يخلي الواحد دماغه تطق ويستنكر كل اللي حواليه ومش هيهدي البال لو كانوا إخواته مش مجرد ناس سابته في المر ونزلت معاه ع الحلو بس!!" الموضوع هين هين على أي شخص غير "شادي". هو وحده من يشعر بالوحدة والخزي منهم هم. ابتلعت ريقها متفهمة الوضع ولو ذرة بالشيء. وحينها أمسكت كفه الحرة وقد تعمدت رسم بسمة واسعة وهي تردف بحديث أشبه بالمرح: "شادي بيعرف يبسط نفسه بنفسه. وبالذات لو في يوم زي النهارده. ولو هو فاهم كويس هيحاول يضغط نفسه ويتجاهل لحد ما كل واحد فيهم يرجع زي ما كان. ساعتها هو اللي هيبقى كسبان بعد مشيهم المرة دي. لأن هيبقى معاه حد يشاركه حياته بعد كده بكل الحلو والمر اللي فيها. معتش هيبقى لوحده!!" صمتت قليلا، تنظر إلى ملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب. ثم قالت بحب وظهرت محاولتها في أن تطمئنه بعينيها البنية الذي تاه هو بها الآن: "ومن قبل كده عمره ما كان لوحده. لأن كان جنبه أطيب وأحن وأجدع صاحب في الدنيا يا بن البدري!!" تأثر من قولها وهو الذي شعر بالعجز لصديقه كان يحتاج من يثبت له بأنه ليس مقصر بحقه. أو ماذا عليه ليفعل هو له بهذا الوقت. أشقاء بين بعضهم وإن تدخل لن يجد قبول من أشقاءه وبنفس الوقت الآخر لم يكن ليقبل أن يجعل من أشقاءه خصم له عندما يتحالف مع آخر غريب عنهم هم. ولكن قربه منه هو أقرب منهم هم حتى!!! نظر ناحيتها ببسمة هادئة ورفع عينيه ينظر نحو خصلاتها المكشوفة لعدم وجود غريب عنها بالمنزل الآن لذا خلعته على كتفيها وتركته. تنفس "غسان" بعمق، وهو يحرك رأسه ناحية الكوب حتى حمله بهدوء. تزامنا مع تعمده لقلب الوضع لآخر عندما غمز لها بوقاحة، ممررا عينيه عليها: "حلوة واحلويتي وبتحلوي طول ما انتي معايا يا رزقة!" فهمت مخزي حديثه. فوكزته بخجل. ثم أخذت مفهوم آخر من حديثه عندما قالت بحنق ساخر: "تواضع شوية عشان ربنا يكرمك!!!" "كرمني بيكي يا بنت الأكرمي. ونفسي يكرمني بطفل منك حلو زيك كده!!" احتضنت عينيه عينيها بهذه الأمنية. وهذه اللحظة تمنت بأن تنجب بالفعل بعيدًا عن الخوف أو غيره. ربما تقارن معاملة آخرين وشغف آخرين عن الأطفال. بل وفي الأوقات الماضية تعلقت بـ "يوسف" و"أدهم" كثيرًا. كما بـ "جنة" مراحلهم مختلفة عن مرحلة "يامن" والأطفال في العموم تغيرت فكرتها عنهم عن ما كانت في البداية. نظرت إلى السماء بشرود. وهي تخرج أنفاسها واعتدلت كي تخبره بأن يتعجل كي يصعدا ليبدلا ملابسهما. فلاحظت دخول "فاطمة" الشرفة بابتسامتها الهادئة. وعقب ما دخلت هتفت بصوت هادئ تخبرهم خاصة عندما وجهت النظر لـ "غسان" تخبره ما قاله لها "حامد" بأن تقوله: "بيقولك عمو اطلعوا البسوا يلا. لأن شادي على وصول على هناك!!" "ماشي يا فطوم!!" لما يدلل اسم آخر غير اسمها؟ وكيف يخرج منه بكم هذا اللطف؟ وقبل أن تلتفت "فاطمة" لتخرج أوقفها سؤاله المهتم: "عيالك هيجوا من المدرسة إمتى؟" بعد ما نيجي من كتب الكتاب، هيكون الباص جايبهم على هنا زي كل مرة، متقلقش! ابتسمت بنقاء، ثم نظرت ناحية "نيروز" وهي تضحك بخفة، ثم قالت عندما تذكرت قول "يوسف": "يوسف حب سندوتشاتك أوي، عشان كده النهارده صمم تعمليله الصبح قبل ما يمشي!" توسعت بسمتها بسعادة، ثم أشارت لهم كي تخرج لترتدي ملابسها. فنظر هو ناحيتها وجدتها تبتسم بخفة، ثم شاكسها بقوله العبثي: "دا احنا كلنا متفقين على حبك بقا!" "عندك شك؟" سألته بسخرية، فحرك رأسه متفاجئًا من ردها، مرددًا بغير تصديق: "لا إله إلا الله. دا أنا بدلعك وبتغزل فيكي!" إعتدلت تنظر له بغيظ، ثم لوت فمها تلمح لما يثير غيرتها: "اه ما انت شاطر تدلع في أي حد يقابلك!" سبقت وهي تخرج من الشرفة قبل أن ترد عليه، فضحك بخفة وهو يحمل الكوب خارجًا خلفها كي يضعه على رخام المطبخ، ومن ثم ليصعد معها كي يبدلا ملابسهما للمناسبة السريعة هذه. لاحظ حديثها على عجالة من أمرها عندما ذهبت تقف أمام غرفة "وسام" تختار معها لون حجاب للثوب الخاص بها من بين ثلاثة ألوان. فاختارت ثم تحرك تزامناً مع خروجه من المطبخ كي يصعدا معاً إلى شقتهما! *** وقفت "جميلة" تضع آخر لمسة بحجابها أمام المرآة بعدما رتبت حقيبتها التي ستأخذها معها بالسنتر بعدما تخرج من موعد عقد القران الخاص بـ "منة". ناهيك عن توترها الذي جعل معدتها تتألم دون سبب واضح. تحاول تجاهل ذلك بالتظاهر باللاشيء، ولكن يظهر على ملامحها الارتباك جداً. زفرت بصوت، وهي تلتفت حتى وجدت "فريدة" تقف مجهزة بجانب "ياسمين". ومن ثم تعالت الزغاريد بقوة منهما معاً، حتى تعلى صوت "ياسمين" بمرح: "أحلى عروسة، يا بخته عز والله!" ضحكوا عليها بخفة، تزامناً مع دخول "عايدة" الغرفة مع "حازم"، هو الآخر الذي وقف شارداً بها وبملامحها، يستنكر عقله كبرها بهذه السرعة كي يسلمها بنفسه لعريسها. يتأثر وغيرته تغلي بالداخل ووضح ذلك فالفترة السابقة، أما اليوم فهو استثناء شيء آخر ورغماً عنه سيتركها معه هو، مع من اختاره قلبها. ابتلع ريقه وهو ينظر نحو أحضانهن لبعضهن بحب وتأثر، خاصة أنه الآن يرى دمعة "جميلة" بعينيها عندما خرجت من أحضان "عايدة" المتأثرة. وقف بعيداً، لا يقوى على الاقتراب، لأول مرة يعيش هذه المشاعر وكأنه أب بهذه اللحظة وليس شقيق. رفعت عينيها تنظر نحوه وهو يراقب أصغر تفصيلة بها. تقدم أخيراً بضع خطوات، ثم تنحنح يجلي حنجرته كي لا يظهر الاختناق بصوته عندما قال بعدها مباشرة، وهو يطالعها بتأثر: "أنا مش مصدق عيني يا "جميلة". جوايا كلام كتير أوي عايز أقوله. أهمهم إنك غالية أوي وإني بردو مش عارف امتى وإزاي كبرتي بالسرعة دي عشان تبقي عروسة وأسلمك بنفسي لعريسك. أنا عارف إنك تستاهلي كل خير. عشان كده أنا واثق إن عز هو الاختيار الصح بعد كل اللي حصل ده. خلي بالك من نفسك عشان خاطري وٱوعي تسكتي فيوم وتقولي إنك ملكيش حد. أنا معاكي وجنبك علطول وطول ما أنا موجود في الدنيا لو ضاقت بيكي هفضل مستنيكي تجيلي حتي لو كان في غيري تروحيله دلوقتي!" امسك وجهها بين كفيه كي يقبل قمة رأسها، فسقطت دمعتها وهي تطالعه بتأثر، ثم رفعت ذراعيها تحتضنه بتأثر، وهي تقول بنبرة متحشرجة: "أنا بحبك أوي يا حازم ومكانتك هتفضل ثابتة عندي عمرها ما هتتغير. إنت أبويا وكل حاجة ليا ربنا يخليك لينا ويقوم ياسمين بالف سلامة هي والنونة بتاعتكم!" ابتسم لها وهو يشدد بعناقها، وفجأة وجد من يدخلان معهما بالقوة بمرح. ولم تكن سوى "ياسمين" التي شاركتهم الأحضان، والأخرى كانت "فريدة". ضحكت "عايدة" بصوت، ووضعها يعكس ذلك فقد كانت تهبط دموعها على وجنتيها. ضحكت عليهم بيأس. وفرد "حازم" ذراعيه لهن وهو يشير لـ "والدته" حتى أتت بين أحضانه بجانبهن. فردد هو بابتسامة هادئة كمثل نبرته وهو يقول بعمق وحب: "إنتوا كل حاجة ليا في الدنيا ومعنديش أغلى منكم. يارب أعيش وأقدر أبسطكم وأفرحكم دايماً!" صمت يوزع نظراته بحب. ثم ثبتها عند "فريدة" وهو يكمل بأمنيته الثانية: "ويارب أعيش نفس اللحظة دي وأنا بسلمك بإيدي يا فريدة لـ نصيبك انت كمان!" ابتسمت بألم، وهي تعتدل ثم قالت باختصار، موزعة النظر بينهن متعمده عدم الاهتمام: "مش عايزة.. معتقدش أصلاً. أنا كده أحسن!" وجدته يمسك كفها يحنو ورفق، ثم رفع كفه الآخر يربت به على وجنتيها مرددًا بوجع مخفي: "أنا مش عايزك تقولي كده ولا تفكري في كده من أصله. لإن انتي تستاهلي حد يحبك وتستاهلي تفتحي بيت وتعملي أسرة. متخافيش وخليكي عارفة اني عمري ما هقبل أنا بأي حد والسلام. لإن بنتنا غالية وقيمتها عالية!" ابتلعت ريقها بتأثر، وهي ترفع ذراعها على كتفيه وخلف رأسه كي تعانقه بتأثر تحت نظراتهن الموجوعة بالخفاء لأجلها ولأجل ما تشعر به. بلحظة كهذه لم تريد أن تجعل الوضع حزيناً، فكتمت بكائها بدفن رأسها في أحضانه دون صوت. وكي تجعل "ياسمين" الوضع مرحاً، فصلتها عنه بتبجح، ثم قالت بكيد لها: "ابعدي يا حبيبتي. المكان دا مكاني لوحدي!" عبس وجه "فريدة" تحت ضحكاتهم. فردت باستنكار وهي ترفع شفتيها: "دا اخويا!" "وجوزي وحطي تحت دي كام خط!" صمتت ثم حذرتهم بعينيها ويديها مجدداً: "أشوف واحدة فيكم ساحباه ترقص معاه كده ولا كده. مش عشان حامل ومش هرقص تاخدوه مني كده لا.. وبعدين أنا خايفة عليه يتشقط مني بصراحة عشان الناس اللي تبع منة صاحبتك دي يا جميلة فيهم شلة بنات كده صورم وعينهم على رجالتنا هنا ولو حصل النهارده كده هيزعلوا مني!" أظهرت الشراسة من بين حديثها المضحك، الذي أضحكهم بخفة عليها. فاعتدل هو متنحنحاً بحرج زائف وهو يقول بسخرية منها: "ٱتشقط! أنا اتشقط على آخر الزمن!" شهقت "ياسمين" بشعبية، ثم وزعت النظرات بينه وبين "والدته": "ومتتشقطش ليه ان شاء الله؟ شاب طول بعرض ووسيم وجميل وعسل وشبه أمك عايز إيه تاني؟ لا أنا مش بقرون يا حبيبي تقعد جنبي لحد ما الفرح يخلص خالص سامعني ولا لاء!!" ضحكوا عليها. فأمسك رأسها بين ذراعه بمشاكسة شبابية وبيأس منها تحت ضحكاتهم تزامناً مع قوله القليل الحيلة لهم: "مضطر أستحمل هرمونات الحمل. لكن أنا راجل والله!" ضحكت "جميلة" وهي تعتدل ثم قالت بسخرية مضحكة: "اه ما أنا عارفة انت هتقولي!" إعتدلت بعد دقائق كي تخرج من الغرفة ومن ثم هم بعدها حتى تفتح باب الشقة تستقبل من ينتظر البقية وكانت "وردة" معهم تقف على أعتاب الباب مبتسمة الوجه وهي تحث "يامن" على عدم الاقتراب من الدرج كي لا يسقط. وفتح باب شقة "حامد" حتى خرج منه هو الآخر مع "دلال" و"وسام" التي خرجت معه وانحنت لتلاعب "يامن" بخفة. طالع "حامد" وقوف "بدر" بأحد الجوانب يتحدث باتصال ما. وعندما أغلقه وهو يقترب منهم بملابسه الأنيقة المناسبة للمناسبة هذه ابتسم لـ "عمه" ولـ "فاطمة" التي كانت بمظهر جميل هادئ مثلها. بالأساس هو الآخر يحمل ثقل على قلبه لا يعلم كيف سيفاتحها به واقترب الموعد جداً. ولا أحد يعلم سره سوى "غسان" و"حامد" و"آدم" فقط! ابتسم بهدوء وتقابلت عيناه معها فتنفس بعمق وهو ينتظر هبوط "غسان" مع "نيروز". بينما سألت "فريدة" بإهتمام: "هو أنتي هتقعدي مع طنط سمية يا ماما عايدة صح؟" "أيوه يا حبيبتي، ملهاش لزوم وإن شاء الله هنتجمع في القاعة بالليل!!" تفهمت مقصدها وهي تقف تنتظرهم. وعلى مرة واحدة خرج صوت "حازم" موضحاً لهم: "طب أنا هنزل أخرج العربية وأسخنها كده على ما تخلصوا!!" أومأوا له وهبط معه "حامد" و"بدر" إلى الأسفل. فبقيت الفتيات ومعهن "فاطمة" التي وقفت تتحدث مع "فريدة" و"ياسمين" و"وردة". ودخلت "جميلة" إلى الداخل تنتظرهم. وبنفس الوقت هبط المصعد بهما معاً، بـ "نيروز" و"غسان" اللذان ارتديا ملابسهما بخفة وتجهزا أخيراً. ففتح المصعد وخرج وهي تتأبط ذراعه بطريقة أنيقة إلى أن نظرت لهما "ياسمين" بمشاكسة وهي تغمز لـ "نيروز" التي تركته سريعاً بعدما مالت عليه تعلمه بهمس: "أنا هدخل أنا لـ "جميلة"، اسبق تحت وأنا هحصلك. شكلهم نزلوا!!" تزامناً مع ذلك دق هاتفه فحرك رأسه إيجاباً لها وهو يرد على المتصل تزامناً مع انتظاره المصعد. وهذه المرة ركبت معه "فريدة" و"فاطمة" كي يستعدا للهبوط معه هو الآخر بعدما هبطت "دلال" و"وسام" أيضاً. بينما في الداخل وقفت "نيروز" تمسك زجاجة المياه بغرفة "جميلة" وهي تحثها برفق وحنو: "إشربي وخدي نفسك براحة.. أكيد ده تعب توتر وإرهاق متقلقيش طبيعي!!" أخذت منها "جميلة" الزجاجة وهي تشرب بتمهل، ثم أمسكت مكان موضع قلبها بتعب خفيف متحدثة بقلق ظهر على ملامحها: "في شكة هنا بجد مش مريحاني، مش عارفة من إيه، يمكن عشان منمتش بقالي كتير نومي مش متظبط!!" مسدت "نيروز" على وجنتيها برفق ثم عانقتها بدفء واحتواء دون نطق حديث. حتى ابتسمت بعدها وهي تغمز لها بمشاكسة: "كل حاجة هتبقى فل.. حتى شكلك في الميكاب كمان اللي انتي خايفة ليكون مش أوي.. هيبقى عسل والله وكله هيعدي متتوتريش!!" ابتسمت باتساع. ثم أشارت لها "نيروز" كي تخرج. وهذه المرة حملت معها حقيبة اليد الخاصة بها هي كي تسير حرة بسيب رجفة يديها. خرجا معاً ولاحظن وقوف "ياسمين" مع "عايدة" التي كانت تتناولها دوائها قبل أن ترحل. توجهت "نيروز" لتفتح الباب كي تهبط إلى أسفل في حين ودعت "ياسمين" "عايدة" التي خرجت معها لتتجه ناحية شقة "سمية" كي تدخل بها إلى الداخل. ولأن "بدر" معه سيارة قام بتأجيرها قبل يومين، فانتظر قدوم "آدم" كي يركب معه هو الآخر ومعه "وردة" وشقيقته "فاطمة" و"يامن" صغيره. كما أن سيارة "حازم" سيركب بها "ياسمين" و"جميلة" و"فريدة". وسيارة "غسان" كان هو و"نيروز" و"والديه وشقيقته". اجتمع الجميع في الأسفل أمام الثلاث سيارات وأنهى "غسان" مكالمته مع "شادي". كما كانت "جميلة" تستمع إلى حديث "عز" بهاتفه أنه الآن بطريقه لمنزل "منة". أغلقت الخطوط وجاء "آدم" أخيراً يرحب بهم بحرارة. كان أنيقاً باختيار ملابسه الشبابية عندما وقف يحمل "يامن" ينتظر انتهاء حديث الرجال والاتفاقات كي تتحرك السيارات. ومن بين هذا لم تفشل عينيه بسرقة النظر لها وهي تقف تتحدث مع "نيروز"، غير منتبهه له من الأساس أو هكذا أظهرت هي عندما رفعت عينيها فوجدت نفسها محاصرة بنظراته الغريبة لها. إلى الآن لا تستطيع تفسير نظراته هذه نحوها. حرك عينيه ببطء من عليها وثبات غير متحسباً بأن تراه يراقبها أم لا. بل يريد مداهمتها بنظرة عينيها والحقيقة بأن شعوره كرجل بمثل هذه الأنثى التي لا تهابه ولحظة لا تخجل منه ولا من نظراته، بل جريئة جرأة لم يراها من قبل وهذا ما يجعل الوضع لديه أشبه بالعناد كي يقف بطريقها كل مرة إلا أن يظهر ضعفها أمامه. فصيلة معروفة واشبه بالمشهورة عند معظمهم لا يريد تفوق أنثى بكبريائها وقوة شخصيتها وردودها عليه. ومن بين ذلك وجدها ترمقه بحدة ظهرت في نظراتها قبل أن تركب السيارة آخر واحدة. بالطبع خمن حدتها بسبب إطالته النظر بها بتتمعن دون حرج رجولي منه. وجد "بدر" يضرب كتفيه بشقاوة ثم أشار له ملوحاً بخبث ليثير حنقه رغم أنه يعلم بأن الوضع عكس ذلك تماماً وأن الآن بمواجهة أشبه بالمصارعة معها هي لطالما هزمته بأكثر من جولة والآن لم يرد حقه حتى ولو بطريقة خبيثة تليق بأنثى غير رد الحق بنفس الطريقة. "بقولك يلا خلينا نتحرك.. انت مش سامعني؟.. اللي واخده عقلك يا عم!!" طالعة بسخافة من هذه المشاكسة. وسرعان ما ركب السيارة حاملاً "يامن" على ساقه وهو يشاكسه بمرح حتى ضحكوا على صوت ضحكات "يامن" العالية البريئة. وبخفة أخرى سارت السيارة خلف السيارتين. ومنزل الأخرى ليس بعيد كي يقطعوا مسافة كبيرة. بل خلال دقائق سيصلوا إلى المنزل. وفي سيارة "غسان" دق هاتف "حامد" عالياً. فاعتدل يتنهد وهو يخرجه من جيب بنطاله. وما إن وجده "بسام" تنهد يخرج أنفاسه وقد لاحظ تحليهم بالصمت احتراما لرده على المكالمة. وبالفعل أجاب وهو يضع الهاتف على أذنه مردداً بنبرة هادئة جعلت "غسان" ينتبه بعينيه: "أيوه يا "بسام".. لا إحنا لسه في الطريق.. اه.. لا تعالى على هناك على طول وخلاص!!" صمت يسمع حديثه ورده عليه وسرعان ما أغلق الخط بعد لحظات. ومن بين ذلك لم تستطع "دلال" إخفاء بسمتها الواسعة بقدومه أخيراً بعد غيابه في المستشفى وسيحضر المناسبة. طالع "غسان" فرحتها الهادئة بالمرآة ولاحظ شرود "نيروز" من الشرفة كما كانت "وسام" يظهر عليها قلق الامتحانات التي تقترب شيئاً فشيئاً ويوم عن يوم. وأن استطاعت هي إخفاء ذلك على الكل فعليه هو لم ولن تستطع. "حلو أوي الدريس ده يا نيروز.. شكلك حلو فيه!!" انتبهت "نيروز" على حديث "وسام" فالتفتت تنظر لها ببسمة واسعة. وقبل أن ترد رد "غسان" عليها بإبتسامة هادئة يصحح لها ما جعلها تلفت انتباهها لملابسها وهو وسع ملابسها هذه المرة حيث أن هذا الفستان الهادئ كان مفصل بفعل خياط ما وكان الرداء واسع بطريقة أنيقة حديثة وبيس محكم بقوة. "عشان واسع ومختلف.. قوللها بقى عشان هي مش مقتنعة إنه حلو عليها!" ضحكت "دلال" بخفة ثم نهرته بنظراتها كي لا يحرجها أكثر. فردت بدفاع تضع يديها على ساق "نيروز": "روز حلوة وأي لبس بيبقى حلو عليها يا واد!!" غمز "غسان" لـ "نيروز" بالمرآة فطالعته هي بخجل. ثم قالت بلباقة لها: "شكراً يا طنط انتِ اللي حلوة!!" "صح. يا روز اختيار عمك حامد دايماً حلو!" قالها "حامد" بمرح مع نبرته الضاحكة. فضحكت هي بيأس من طبيعة حديثه. ولم تغفل الأخرى عن مجاملته بالحديث عن ملابس ابنة عمه هي الأخرى. أحياناً تشعر بأنها تعطي الوضع أكبر من حجمه وأحياناً أخرى لا تشعر بذلك وكأنه عادياً. ومنذ أيام تتجاهل الوضع رغم ضيقها. إلى متى ستتحلى بالصبر؟ رفعت إصبعها تعدل حجابها أكثر. ثم نظرت ناحية الشرفة صامتة عن حديثهم العشوائي. ومن هنا لاحظ هو فعلتها ولاحظ ضيقها التي تحاول هي إخفاءه. وخلال دقائق همهم لهم بالاستعداد كي يهبطوا من السيارة التي ستقف أمام منزل "طارق" في الحال. وفي السيارة الأخرى التي وقفت بجانب سيارة حازم، هبط منها الجميع واستعدوا للصعود تزامناً مع وقوف سيارة غسان ليخرجوا منها هم الآخرون. وبخفة، سارت جميلة مع ياسمين، ووردة، وقفت فريدة تعدل من ملابسها التي انكمشت بسبب جلستها هذه. وما إن اعتدلت وجدته يقف عاقداً حاجبيه باستنكار، ثم قال بخفة وفظاظة كي يجعلها تنفعل: "البتاع ده مش حلو خالص الصراحة!!" ترتدي فستاناً بأكمام واسعة مع ربطة من خصرها بعقدة ليست ضيقة وحجاب محكم ظاهر جمال بشرتها البيضاء وملامحها الصغيرة دون ظهور خصلاتها، بل وفرد الحجاب خلف ظهرها بطريقة حديثة ظاهراً قمة صدرها من الفستان من الأمام بإنكماش القماش بطريقة أنيقة وحقيبة اليد الحديثة التي تتناسق مع اللون السماوي الهادئ التي تبدو جميلة به وفريدة من نوعها كمثل اسمها. رفعت شفتيها باستنكار، وقلبت عينيها بسذاجة، وهي ترد في تبجح وجمود محاولة بأن تتخطاه بعدما لاحظت تحرك الكل للصعود: "مطلبتش رأيك على فكرة!" "بس أنا قلتلك قبل كده.. إن رأيي إجباري يا شاطرة!!" طريقته بقولها مستفزة وأثارت حنقها بشدة، فتشنجت ملامحها بغيظ، وهي تحذره: "أنا مش شاطرة ومتاخدش عليا كده!" "ولما إنتي مش شاطرة عاملة شاطرة فيها ليه لما ضربتيني بالقلم ورشيتي المايه وغرقتيني يا شاطرة؟!" أردف آدم جملته بتلاعب، واقتربت هي خطوة واحدة ترد بجدية: "علشان انت تستاهل أول مرة لما قعدت تبص عليا و.." عندما علمت أن الوضع لا يسمح وأن الحديث أيضاً ليس وقته بل ومحرج، لم تتوقع بأنها ستخجل من قولها بهذه الطريقة. أين الجرأة أمام عينيه؟ ابتلعت ريقها وهي تحاول السير بكعب حذائها العالي. فتقدم سريعاً يكمل بتساؤل غير هين: "وتـ.. إيه؟ كملي سامعك أنا!!" لم ترفع عينيها ناحية عينيه بل حاولت السير في طريقها كي تصعد على السلم الطويل وهذه المرة تهرب من الرد. قبل كانت ترد بهجوم، أما الآن خمنت ما بها بأن الوقت ليس وقته. وقف يطالعها بصمت، ببسمة هادئة. وشعر أخيراً بأنها اهتزت أمام نظراته الجريئة غير الحرجة. يتنافس معها وتيقن بأنها انهزمت في حين بأنها عكس ذلك بتاتاً وسيرى في اللاحق! صعد هو الآخر خلفها ووجد الشباب يرحبون بمن في الداخل. أجمعهم منهم شادي وأشقاءه الذين كانوا هناك من قبل. جلسوا متراصين بجانب بعضهم. كما كانت بحجرة الفتيات تجلس منة بتوتر ومشاعر مختلطة رغم محاولة شادي في أن يطمئنها بالحديث، ولكن نظرات أشقائه وزوجة أحدهم لها ليست مريحة تماماً! تتحلى بالجرأة كي لا تقلق والدها هو الآخر. سمير وفتحي أشقاء شادي، بترتيب أعمارهم. جلس الثلاثة بجانب بعضهم في حضرة المأذون الذي استعد على الطاولة برؤيته كل الأوراق المطلوبة. شهوده أشقاءه وإن تطلب غيرهم فكان بالفعل غسان موجوداً سندا له. دخل بعد كل هذه الدقائق من الانتظار بسام الذي كان يسرع بأقصى ما لديه كي يلحق، وبالفعل دخل وجلس بعدما رحب بعينيه عليهم بسرعة وذلك بسبب حديث وخطبة المأذون التي اعتلت بالمكان والتي كانت مراقبة من على بعد. لم تحصل جميلة على وقت لتتحدث به مع عز بل رأته من على بعد والآن تراه يجلس بين الرجال والشباب بصمت ليستمع إلى الخطبة بهدوء. كما أن حنان لم تأتي معه بسبب وجودها في المستشفى مع فرح والتي ستتركها بعد وقت كي تعود إلى منزلها أو هكذا يعتقدون! "إمسك فإيد حماك يـا عريس!!" جملة خرجت من المأذون لشادي الذي كان يشعر لأول مرة بمشاعر مختلفة لم يشعرها من قبل. حاوطه غسان بنظراته بلطف وسعادة حقيقة نبعت من فؤاده بنقاء دون ذرة تعكر واحدة أو حقد حتى! بل فتح هاتفه يقوم بتصوير هذه اللحظة للتذكار ولا يعلم لما بهذه اللحظة بالتحديد يشعر بأنه كمن يكون والده الذي يفتخر به وليس مجرد صديق أو كتف صديق يسنده! ماذا به حدة الشباب؟ منذ متى يهلل الوضع بهذه الطريقة وخاصة بمشاعره الغير مفهومة؟ حاول تجاهل ذلك عندما سأل نفسه ولم يعلم هو بأنه بالتأكيد محاصر من ذلك الشعور إن لم يكن الآن فسيكون في اللاحق عندما يرتدي الآخر حلة زفافه بواسطته هو! صمت الكل في سعادة وبهجة يسمعون حديث المأذون. وقبل ذلك دخلت منة بخجل تقوم بالإمضاء وعيني شادي تحاصرها وكأنها ستهرب منه في الحال. لما يخاف؟ لأنه شعر بالحب. هذا هو قولها وليس قوله. امتزج بها وبخوفها وبطباعها. اليوم سيستطيع أن يعانقها براحة. لم تعطيه ذلك في البداية دون مسمى وينتظر هو لذة الانتظار والانتصار معاً. ود ليقص عليها كل أوجاعه الذي يخفيها تحت مسمى المرح بطباعه التي تخفي كل ذلك. ود أن يشعر بكيف يشعر المحب بأحضان من يحب. اليوم سيجرب. وبعد هذه الجملة وبعد أن ردد الاثنان معاً خلف المأذون من طارق وشادي. وخلال دقائق معدودة اعتلى صوت المأذون وصوتهم جميعاً عندما وقفت النساء والفتيات بازدحام أمام غرفة الرجال يرددون خلف المأذون في سعادة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير!!" وماذا بعد وهي واقفة تنظر بتأثر وعيني يفيض بها الدمع المتأثر بهذه القوة. تركهم شادي كالآهوج المختل عندما سحب نفسه وهو يتوجه لها حتى دفعها بأحضانه ودخلت هي بمنتهى الرضا ولم تتفاجئ من اندفاعه ذلك. ضحك الكل عليه بصوت عال. ووسط عناق الشباب لبعضها ولوالدها كان هو يشدد في عناقها بقوة عندما حاوط خصرها بذراعه الأيسر ودار بها وبفستانها الأبيض البسيط الغرفة كدائرة وصورهما كل من كان يحاول فعل ذلك بسعادة ونقاء. وعندما انتهى شدد بها. وقربها وهمس وهو ينحني بسبب قصرها الشديد عنه هو. همس بحب واختناق من سعادته: "أم عيون قناصة بقت مرات شادي وحلال شادي وحبيبة شادي. ألف مبروك يا مراتي!!" شددت هي الأخرى بعناقه وهي تتنفس بعمق. وعندما خرجت ببطء تنظر نحو عينيه التي ظهرت بها السعادة البالغة رددت باختناق هي الأخرى: "مبروك عليا شادي وحضن شادي بيه!!" حينها أهبط وجهه وفعل ما كان يتمنى بأن يفعله عندما قبل وجنتيها بحب شديد ثم غمز لها مردداً بوقاحة: "وبوس شادي بيه اوعي تنسي.. دي احنا ولاد ناس بردو! ابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه وحينها استأذن كي يبتعد عنهم، وخلال ذلك توجه ناحية شرفة صغيرة لم يكن بها أحد. وأبان ذلك وقف "غسان" على مقربة منهم بجانب "حامد"، وحينها سمع هذا الحوار المستفز عندما كان يتفحص هاتفه بملل، وجاءت هي تقف بجانبه وهي تحاول رسم ابتسامة هادئة عندما لاحظت ضيقه. وعند ذلك التفت "فتحي" ينظر بعينيه بتقزز مخفي على ديكور هذه الشقة والغرفة، وعندما وقعت عينيه على "غسان" الذي كان يقف بجانب "نيروز" سأله باهتمام وعينيه على "نيروز": "مراتك دي؟" حاول "غسان" التحلي بالصبر عندما رفع أنامله بخفة يدير ذقن الآخر كي تصبح أنظاره بمواجهته، وهو يرد بإيجاز يوضح عدم قبوله للآخر: "مراتي آه!" ضحك "فتحي" بخفة وهو يطالع خجل "نيروز"، وهروبها بالنظرات، فعاد يرد عليه وعلى فعلته: "شكلك بتغير أوي يا غسان.. بس معذور لسه في أول جوازك وشغفك عالي انت وشادي، شوية كده وهتحس إنك عايز تتجوز تاني وإنك زهقت. اسأل واحد متجوز اتنين لحد دلوقتي وبيدور على التالتة!" فتحت "نيروز" عينيها على وسعها من حديثه، كانت تعتقد بأن كل الناس تستطيع اختيار الحديث بلباقة، وخاصة كشخص مثل ذلك يظهر عليه اللباقة والأناقة في كل شيء عدا الحديث، اتضح ذلك. رد "غسان" على نقطة حب الرجل لأكثر من امرأة وليس الزواج لأكثر من واحدة، فقد حث الشرع على ذلك دون وجود شيء محرم يحرم ذلك، بينما الحب؟ الحب لواحدة فقط! "الكلام ده لمؤاخذة يعني يا فتحي عند اللي مش رجالة.. أما الراجل فقلبه بتبقى واحدة بس، واسمحلي أقولك إني راجل قلبه مفهوش غير مراتي!" تزامناً مع ذلك وضع "غسان" يديه على كتفها بخفة، وكيداً له، فطالعه "فتحي" بملل وهو يخرج سيجارته من فمه ممراً عينيه عليه متغاضياً عن تلميحة الجرأة بإنعدام رجولته بنظراته ونزواته. وعندما تحرك بطريقة ملحوظة، زفر "غسان" بنفاذ صبر عندما لاحظ نظرات زوجة "سمير" تتوجه ناحية "نيروز" عندما سألتها وهي تنظر نحو ثوبها الهادئ: "زوقك ده.. براند؟" توترت ملامح "نيروز" وهي التي لم تشعر بالراحة لها أبداً، رفعت عينيها نحو "غسان" فحثها هو على الرد بعينيه، حينها أجابت باهتزاز وصراحة: "لا تفصيل.. مفصلاه من زمان!" مطت شفتيها واعتبرت قولها قول قديم عفى عليه الزمن! "هو لسه في حد بيعمل كده؟ غريبة!" رفعت "نيروز" عينيها على خصلات شعرها المتروكة بطريقة مثيرة هادئة بنعومة، وعندما وجدت قولها الثاني ساخر لهذا الحد، كانت سترد، وكان رد "غسان" هو الذي سبقها عندما رد بوقف ما تفعله وتبجح: "الغريب إن لسه في ناس مش لاقية مكان مناخيرها فين! مع إنه في وشها!" احمر وجهها من قوله وحاولت رسم ابتسامة واسعة على طرفته هذه دون رد، وحينها طالعته من رأسه إلى قدميه وهي تردد بغيظ كتمته: "ستايلك شيك حاول تعلم مراتك بقا تلبس ازاي!" ضغط على أسنانه، ولأول مرة يحاول التغاضي عن أقوال كي لا تهدم سعادة صديقه، حرك رأسه موافقاً مع رده المبتسم البارد: "مش قبل ما تدوري على مكان مناخيرك يا هانم، وبعدها نتعلم إزاي نتكلم مع غيرنا!" أمسك كف "نيروز" كي يسحبها معه بعيداً عن هذه المنطقة، محاولاً الصبر لأقصى حد، حينها أمسك كفها وهو يحثها بجمود يشير لها بأن تتحرك نحو غرفة أخرى كانت تجلس بها "دلال": "روحي اقعدي هناك وياريت متحركيش أما نشوف آخره اللي إحنا فيه ده إيه!" ترك كفها ولم تتعمد الرد، لم تستنكر غضبه، تعلم أن نظرات ما يسمي "فتحي" نحوها غير مريحة بتاتاً، ولما هي؟ توجهت سريعاً تجلس مع الفتيات ووقف هو مع الرجال، أخرج سيجارته وقبل أن يشعلها أشعلها له "عز" الذي لاحظ تهجم ملامحه بطريقة ملحوظة، فهتف من بين ما يفعله له: "روق يا غسان.. كلها شوية وماشيين وعدي زي ما عديت يعم!" لاحظ قوله، فرفع "غسان" رأسه يخرج اللفافة من بين شفتيه مع قوله الساخر بابتسامة متهكمة: "ما شاء الله هم طالوك انت كمان؟" ضحك "عز" بيأس، ثم قال بجدية مضحكة: "بتقول لمراتي انتي إزاي دكتورة وتتجوزي واحد بالشغلانة دي؟ جيت من وراها وقولتلها من غيري يا مدام مش هتعرفي تسوقي عربيتك وتتفشخري بيها تاني!" ضحك "غسان" بصوت عالٍ وهو يضرب كفه بمرح، ثم قال بنبرة ضاحكة وكأن قوله قد خفف عنه: "عال العال والله... معلم!" ومن بين ذلك عندما دخلت الشرفة معه وقفت تكتم الدموع بعينيها وهي تبرر له قبل أي حديث وبنبرة سريعة متحشرجة أتت من حرج الموقف بالنسبة لها: "هم بيعملوا كده ليه يا شادي؟ والله العظيم إحنا مش طمعانين فيك، إحنا عينينا مليانة ومـ..." تبرر بالقسم ماذا حدث لقوتها؟ أم أنها كسرت أمام عينيه بمجرد حديث؟ قاطعها عندما وضع إصبعه على فمها يوقف قولها بقوله الهادئ المتفهم وهو يمسك كفها بين كفه: "من غير ما تحلفي ولا تبرري أنا فاهم ده وعارفه كويس. أنا مستنتش أتأكد من ده، لأن أنا اللي أجبرت وصمتت في سرعة إني أجي أتقدم وإني بردو تيجي بيتي من غير أي حاجة. كل ده مجرد كلام يسم البدن وخلاص، أنا بس كل اللي طالباه منك إنك تستحملي الفترة دي بس عشان خاطري، وبلاش تحطي كلامهم في دماغك." عدي حتى عشاني، أنا عديت كتير أوي يا منة والله العظيم ما كان سهل عليا. أنا ما صدقت لقيت اللي ارتاحلها وترتاحلي، ما صدقت لقيت الونس يا ونسي. ممكن متزعليش، وحقك عليا أنا. استشعرت ضغط كلماته وسقطت دمعتها بكسرة. كما أنها تشعر بضيق منذ فترة بسبب فقدان والدتها وشعور الفقدان التي تشعر به بقوة بوقت وفترة كهذه. حركت رأسها بنعم، توافق على حديثه دون قول شيء. فوضع يديه خلف خصلاتها مقربًا رأسها كي يقبل قمتها برقة، وهو يردد بهمس أثر قربها هذا: "بحبك!" خرجت منه دون مرح ودون مشاكسة. حاولت أخذ أنفاسها ببطء هذه المرة، أمعنت النظر بملامحه التي تعتبر وسمية عنهم كثيرًا. تنفست بعمق، وهي تبتسم. فاعتدل يرفع أنامله يزيح خصلاتها السوداء إلى الجانبين كي ينظر ناحية عينيها ثم قال بصدق نبع من فؤاده: "ووالله العظيم ما هسمح لحد يجي عليكي، ولا هسمح ان حد يقل منك أبدا، طول ما انتي معايا خليكي عارفه دا كويس!" تجرأت ولمست وجهه بحنو، ترفع خصلاته هو الآخر مع قولها الواثق به: "أنا واثقه من ده وواثقة فيك!!" وبقرب كهذا، أخفض عينيه ينظر ناحية ملامحها ويديه خلف رأسها، وكذلك هي يديها هي على خصلاته. وكشخص لعوب مثله اعتاد في الماضي على فعل ذلك بخفة. ذلك الذي لم يستطع فعلها معها بسبب حواجزها. الآن ماذا سيمنعه عنها؟ وكيف أيها المختل وأنت بمنزلها وبشرفتها وخلفك الجميع؟ رد قلبه بـ "لا يهم" لطالما أصبحت زوجته. أهبط رأسه مقتربًا من وجهها. وعندما خمنت ما سيفعله حاولت دفعه عنها. وتزامنًا مع ذلك، انتفض أثر صوت "آدم" الذي دق على باب الشرفة ينبهه بمشاكسة: "أبوها واقف هناك وعمال أعطله من ساعتها!!" وأكمل بمراوغة حيث كان بالفعل "طارق" يراقبهم: "معرفتش تخلص نفسك بسرعه! أهو الوقت فات وكله بيجهز عشان يمشي، والعروسة التانية مستنية العروسة اللي فايدك مش يلا؟" خجلت "منة" مع ضجر "شادي" عندما انسحبت بخجل، تخرج إلى الخارج. فتعالت ضحكات "آدم" وهو يغمز له قائلاً بوقاحة: "ايه يا عريس.. ما تصبر علي الرزق يعم!" تخطاه وهو يرمقه بسخافة، فقد قطع عليه اللحظة. خرج "شادي" وهو ينظر بشاشة هاتفه كي يرى الساعة. وعندما لاحظ هبوط الجميع لأسفل وجد "طارق" يقطع طريقه وهو يطالعه بصمت. وتمعن حينها رفع يديه يضعها على كتفه برفق، ثم قال: "مش محتاج أقولك إن بنتي أمانه فرقبتك يا شادي.. مش عايزها فيوم تيجي زعلانه ومكسورة منك. أنا عارف إنك طيب وجدع وابن أصول وهتحافظ عليها. بنتي غالية أوي ومعنديش غيرها بس حسيت انك كمان ابني اللي مخلفتوش فالفترة اللي فاتت دي.. هتحافظ على الامانه." تأثر "شادي" وهو يطالعه، ورد بتلقائية وصراحة: "أمانتك معروفه هتتحفظ إزاي من أول يوم دخلت فيه بيتك وطلبتها منك بالأصول. متقلقش.. شادي ابنك أمين وهيحافظ علي أمانتك اللي معندكش غيرها.. عشان هو كمان مبقاش عنده غيرها." عانق الاثنان بعضهما بتأثر وحب. بينما في الأسفل ركب "عز" سيارة "شادي" وكانت "جميلة" معه بحقائبها، كما ركبت "منه" بجانبها منتظرينه بأن يهبط. ووقف "آدم" ينظر حوله بانتظار. وقاطع عينيه نظرات "فتحي" ناحية "فريدة" بأعين لامعة لا يفهمها سوى رجل مثله. حينها اقترب "فتحي" مبتسمًا بلباقة وهو يسألها بلطف: "تسمحيلي أبدي أعجابي بيكي وبملامحك يا.." وقف عن الحديث ثم سألها بلطف مرة أخرى: "هي الـ آنسه إسمها ايه؟ ولا مدام؟ حابب أتعرف عليكي من باب اننا قرايب فبعض!" رفعت "فريدة" حاجبيها باستنكار. ونعم هي.. هي التي ستهزمهم في الرد على وقاحتهم هذه. ردت بجدية وحدة ولم تغفل عن ملاحظتها بنظراته لها: "وحضرتك تقولي كلام زي ده تحت عنوان ايه؟ مسمحلكش. إبعد عني بهدوء أحسن. الأحترام حلو!" ابتسم متظاهرًا بالثبات ثم قال بإعجاب: "مجرد قرايب عن بعد عادي مافيهاش حاجة يعني!!" حاولت أن تتخطاه كي تسير بعيدًا عنه ناحية السيارات التي كانت على بعد. فأمسك هو معصمها بتلقائية وهو يردد: "طب مفيش فرصة نتعرف طيب و.." قاطع جملته قبل حتى أن تلتفت تنهره بشراسة، فصل يديه عن معصمها بمسك "آدم" لمعصمه بجمود، وهو يردد بثبات: "ايه يا باشا في حاجة؟" وأكمل ينظر بعينيه بقوة وتحدي: "لو محتاج حاجه قولي. الرجالة هنا كتير.. بس متحطش ايدك على حاجة متخصكش!" نفض "آدم" يديه من بين معصمه، فرفع "فتحي" عينيه يطالعه باستهزاء، وهو يقول: "وانت مين بالظبط يعني مش فاهم أنا!!!" وقفت "فريدة" تراقب الوضع بتوتر. وحينها حرك "آدم" رأسه نحوها يشير لها بالإبتعاد. ولا تعلم كيف أنصاعت له لتبعد عنهم ومازالت بعيدة عن التجمع والسيارات. فعاد هو ينظر له بقوة مرددًا بوضوح وفظاظة: "اسمع بقا يا وحش. احنا لسه قدامنا فرح وليله كبيرة. يعني اللي فيها لو عينك اتحركت نحيتها هتزعل أو لو شوفتك موقفها تاني كده وبتحاول تجر كلام هتزعل بردو نفس الزعل." وأضاف بصرامة لا تخلو من ابتسامته الغير هينة: "..ومع اي واحدة عامتا تخصنا هنا. وخليك عارف يعني ان كل الرجالة بتاعت نسوان اه بس انت الصراحة مش حريف ولا بتعرف تدخل بالطريقة الصح. اوعي تكون فاكر اني مش واخد بالي من عينك اللي لفت ودارت علي كل واحده هنا.. لا اصحي كده من واحد عارف اللي فيها وخد كلمة مني فمصلحتك.. محدش هنا هيسكتلك علي اللي بتعمله ده.. واه احنا هنا بنقول يا شكل." داهمه بأقوال كثيرة جريئة جعلته يفتح عينيه بمفاجأة. فعاد "آدم" يسخر منه وهو يكمل: "وبعدين دي صغيره عايزة شاب صغير كده مش واحد فنص أو آخر شبابة...وغير كده دي بالذات خط أحمر يابرنس. اشطا ولا انت مش معايا ع الخط ولا ايه حكايتك؟" لم ينتظر الرد بل تركه حينها عندما غمز له بتسلية، معدلاً من ياقة ملابسه. فلاحظ الآخر صوت شقيقه وزوجة شقيقه يناديان عليه. وسار "آدم" بطريقه ناحيتهم. وعندما وجدها واقفه طالعها باستنكار من مراقبتها له، فعادت هي تردد بضيق: "انت واقف بتعمل ايه معاه كل ده؟" "بندردش مع بعض كده ومن بينها قولتله ميكلمكيش ولا ليه دعوة بيكي!" قالت بإستنكار لم تستطع إخفاءه: "بمناسبة ايه؟" حرك "آدم" كتفيه ببساطة، ثم قال باختصار، مقلبًا عينيه بثقة: "أخوكي" حركت رأسها تومئ دون صوت، ثم قالت بعدها بعناد: "تمام.. مع اني مبحبش حد يجيبلي حقي ولا يرد عني، بس شكرا." "انتي خيخة وطرية أصلا.. ولا بتعرفي تاخدي حق ولا باطل اركني فجنب بقا ومتصدعناش!" نظرت له "فريدة" بغيظ، ثم قالت باستنكار: "أنا؟" "لا أمي هي اللي خرجت من تربتها وسابته يمسك إيدها وهي واقفه متنحة.. كان فين يختي التتنيح ده ولا شاطرة بس تتشطري على الغلبان يا... شاطرة!" قالها بسخرية. منها وانتصار. فردت هي بانفعال تشير له بانفعال: "أنا مسمحلكش تلمح بكلامك ده عليا. أنا مسيبتش حد يمسكني. ثم ان انت مالك أصلا. يخصك فإيه وايه اللي مزعلك فكدة؟" اهتز جسدها بانفعال مع يديها التي تشير بها. طالع ثوبها الهادئ الجميل وكان كاذبا بقوله عليه بالعكس تماما. تاه بين التفاصيل وهو يحرك رأسه بمكان اخر غيرها مرددا بغير اكتراث: "أخوكي. إعتبريني زي أخوكي 'حسن'. لو مكاني أكيد هيعمل كده وهيخاف عليكي!!" "لا هو لو مكانك كان هيسيبني أو يبيعني قدام أي قرش للقرف اللي بيتذل ليه. مصمم تشبه نفسك بواحد مقرف. مع انك بتقول انك اتغيرت. مستبعدش انك لسه زيه!!" التفتت بغضب كي تختفي من أمامه. في حين لم تصدق فعلته عندما أمسك ذراعها بشدة من المنتصف مستغلا عدم رؤية أحد له. حتى دفعها فتقدمت ناحيته بصدمة. حينها ردد هو بنبرة شديدة الهدوء يحذرها: "مش هسمحلك كتير تتكلمي معايا بالطريقة دي. وخلي عندك أصل بدل القرف اللي انتي فيه ده وانتي بتتكلمي عن اخوكي!!" نفضت يديها من بين مسكته القوية التي وجعتها. وظهر في انفراج شفتيها بألم. لم ترد عليه بسبب سماعها لصوت "حازم" الذي جهل عن مكانها. كانت تخفيه شجرة وهو يقف معها. لذا ظل واقفا بمكانه بعدما تحركت هي. في كل مره تثير ثورة انفعاله كي تخرج ولم تخرج عليها. يتحامل بالصبر على تلك الفظة المتبجحة بالكلمات. استغفر ربه سريعا. ونهر نفسه على مسكها بمثل هذه الطريقة. دون وعي منه بسبب غضبه المكتوم. تحرك هو الٱخر عندما لاحظ أن شقيقه يقوم بالدق عليه. وبلحظات خفيفة ركب السيارة بعد ركوب "شادي" معهم في سيارته كي يوصلهم مع "عز" إلى السنتر التجميلي. وسارت السيارتين باتجاه المبني مرة ٱخري! كيف تجلس الٱن أمامهم بكل هذا الارتباك لأول مرة؟! عندما قررت المجيء لطلب العفو منها. فتحت لها "عايدة" الباب الخاص بشقة "سمية". والٱن يجلس ثلاثتهم أمام بعضهم. تنفست "سمية" بعمق. فتحدثت "عايدة" للأخرى: "قولي يا زينات عايزة تقولي ايه؟" قالتها بجهل وتخمين لكل ما فعلته. بينما اعتدلت "سمية" بترقب. تنظر ناحية "زينات" التي بدأت في أخذ أنفاسها ببطء كي تبدأ الحديث بـ: "أنا جاية وعارفة إني غلطت كتير في حقكم. بس جيتلك يا سمية للمرة التانية بعد ما قعدت أقول لا. بس كل مرة قلبي بيوجعني وضميري بينقح عليا. منكرش إني ارتحت شوية لما حسيت ان عايدة قبلاني ومرحبة بيا وكأنه مفيش حاجة حصلت وعدت اللي فات هي وبنتها. بس مش قادرة لسه وأنا شايفه بناتك مش عاطينلي فرصة. مع ان المرادي أقسم لك بالله نفسي تسامحوني من كل قلبكم عشان أرتاح!" رفعت "سمية" عينيها ببطء. تحركها نحوها وهي تنصت لحديثها الٱخر التي أكلمته للتو: "أنا عارفه اني أذيتكم بالجامد. بس قررت اني مش همل طول ما أنا موجودة لسه وطول ما ربنا غفور بيسامح. أنا جيالك أقولك حقك على راسي وسامحيني يمكن قلبي وبالي يهدوا شوية. خلينا نبدأ صفحة جديدة مع بعض ونمسح كل اللي فات!" ابتلعت "سمية" ريقها. وبهذه اللحظة أدمعت عينيها بحزن تحاول إخفاءه. أم وبالطبع ستتذكر كل ما حدث لهن!! بعضها بل وأكثرها منذ زمن وسنوات من المعايرة والحديث المريض المؤذي الذي طال "نيروز ووردة". أكثر اثنتين. ولأن الثانية سافرت لبلاد أخرى كانت من وجه المدفع "نيروز". التي أخذت منها ما يكفي لجعل الندبات بداخلها لم ولن تزول بسهولة. أخذت أنفاسها ببطء. وصوت مسموع. ثم حاولت التحدث بثبات وصدق. تعلمها ما لا تعلمه هي: "اللي متعرفيهوش يا زينات إن قبل ما أدخل العمليات سامحتك. ومكنش في قلبي ذرة حاجة وحشة ليكي أو أني أفضل أشيل. كنت عايزة أدخل خفيفة وأخرج منها خفيفة لو ربنا أراد ياخدني عنده. ولما خرجت حاولت أنسي طول ما انتي في وشي. عديت بس منستش. منستش تعب وقهر بناتي على يدك ويد جوزك. بس عديت وحاولت أسامح لحد ما سامحتك ومبقتش شايلة جوايا حاجة وحشة ليكي. اتمنيت ودعيتلك وسط كل ده أن ربنا يهديكي. ويفتح عينك لما حسيت أنك في الفترة الأخيرة بقيتي كده. وشوفت ٱخر موقف مدعيتش تاني غير بحاجة واحدة بس مليش يد فيها. أن ربنا يحنن قلب بناتي عليكي ويسامحوكي زي ما حاولت أسامحك!" قالت حديثها بعقل. فتوسعت بسمة "زينات" بأمل. وهي تحرك رأسها بغير تصديق: "بجد يعني انتي مسامحاني؟" أيدت برأسها. وهذه المرة تحركت "زينات" كي تعانقها بامتنان وشكر. ضمتها "سمية". وهذا هو قلبها الصافي مثل نفسها السمحة. وما أن اعتدلت حاولت التحدث بلهفة مرة ٱخري تعلمها: "وأنا هحاول تاني وتالت وعاشر أن أخليهم يسامحوني!" "قولي بإذن الله يا زينات. ربنا بيسامح وبيعدي. وأنا شايفة أنك مش محتاجة عزومة. بس لازم تيجي تحضري فرح بنتك جميلة. مش عايزة أنك تقعدي لوحدك زي ما كنتي قاعدة في فرح نيروز مكسوفة حتى تيجي. أنا بقولك أنك صاحبة فرح!" كان قول "عايدة". تأثرت من حديثها. حرمة بيت مثلها ضاع منها زوجها وأولادها بطريقة موجعة لأي امرأة حتى. وإن كانت جامدة قاسية. وبطريقة أخرى عادت ابنتها إلى أحضانها. ولكنها عادت مكسورة بشدة بما فعل بها. وما فعل بها ووضعها كأم ترى ابنتها في وضع كهذا ليس هين. أصبحت محط شفقة وتعاطف لهن وهن يرونها كذلك. حتى وإن ظلمت جميع الأنفس فبقت هي المظلومة بالنهاية عندما خسرت كل شيء. وكأن هذا عقاب الله لها!! نهضت "عايدة" تفتح الباب فوجدتهم جميعا مجتمعين. من "ياسمين" و "حازم" و "نيروز" وحتى "غسان". بينما ذهب "حامد" إلى شقته هو والبقية. دخلت "وردة" بصحبة "يامن" و "بدر" أول شي. ولم يغفل الجميع عن وجود "زينات" التي وقفت بجانبها "فريدة" الٱن. لاحظتها "نيروز" التي دخلت تجلس على المقعد وجلس بجانبها "غسان" الذي لاحظ تهجم ملامحها. في حين وقف "حازم" يتحدث مع "بدر" بحديث عشوائي. ومن بين ذلك تقدمت "زينات" تحت الأنظار تقف بمقابلة "وردة" التي وقفت تنظر لها باهتزاز. وهي ترفع زجاجة المياه نحو فم الصغير. بل وقابلت عيني "سمية" مع عينيها. فوجدتها تحثها على الثبات. في حين خرج صوت "زينات" منها وهي تقول: "أنا جاية أطلب منك السماح يا وردة. سامحيني على أي كلمة وحشة خرجت مني ليكي. أنا آسفة ومستعدة أعملك أي حاجة عشان بس ننسى اللي فات ونبدأ من جديد!" راقبها الكل بنظراتهم. وآثار قولها انفعال "نيروز" المبطن. وهي تحرك عينيها نحو الجميع. ثم ضغطت على يديها بارتباك مخفي. وهي تهمس لنفسها بحدة. وصلت لمسامع "غسان": "فاكرة كل حاجة بتعدي سهلة كده!" الغير متوقع أنها حاولت النهوض لتقف فقط تتابع بحرقة داخلية. وإذ بيد "غسان" منعتها بحزم. كي لا تنهض وتقطع أمل خلقه غيرها لفرصة جديدة لم تكن لها بها شأن. نظرت له بغير تصديق لما فعله. عندما اندفعت تجلس بمكانها أثر يديه التي منعتها. ثم وجدت نبرته المنخفضة تحذرها بهدوء: "اقعدي مكانك وملكيش دعوة باللي بيحصل طالما ميخصكيش إنتي واللي حصلك. لما تبقي تيجي تكلمك ابقي اتصرفي زي ما انتي عايزة!!" حاولت الحديث بتعجب. لحزمه ورفضه لأول مرة يقف ضدها بشيء أمام الأخرى. أم أنه شعر بأنها ستعيق شيئا رآه باهتزاز وعيني "وردة". تأوت من مسكته. فترك معصمها ببطء. وهو يؤكد برأسه مرة ٱخرى مرددا يكرر على مسامعها: "متتحركيش من جنبي. ومتدخليش في حاجة متخصكيش!!" حبست الدموع بعينيها بحرقة. ألا يشعر بها؟! كذلك سألت نفسها. ما تعرضت له لم يكن سهلا. ولكنها لا تعلم بأن قلب الأخرى ليس كمثل قلبها. حبست أنفاس "زينات" عندما وجدتها صامتة للحظات. "أنا مش عارفه أقولك إيه، بس.. بس أنا لسه لحد دلوقتي بحس بالنقص من كلامك اللي علّم جوايا. كنت واثقة في بدر، بس كل يوم كنت بنام خايفة وحاطة إيدي على قلبي، ليكون زي كل الرجالة ويروح يتجوز عليا عشان خلاص أمل إني أجيب طفل تاني اتمسح. حسستيني إني مبخلفش بكلامك، مش بس جايبة "يامن" وربنا كرمني بيه. علّمتي جوايا علامات صعب تتمسح. ودايمًا بحمد ربنا على بدر وعلى يامن. وأوقات بتقهر من العياط وأنا بفتكر كلامك وببقى خايفة وصدا صوتك بيسمع جوايا إنه هيسيبني وهيقولي في يوم إني ناقصة مش كاملة مهما خلفتله العيل. صدا صوتك وإنتي بتقوليلي إنه راجل وهيجي عليه وقت ويقول إنه عايز يخاوي ابنه عشان مش هيعيش له ولا أنا هعيش له العمر كله. خليتي حتى شيطاني جوايا صوته يعلى ويخوفني أكتر لما بدر يغيب عني أو لما حتى يامن يتعب، لاحسن يجراله حاجة، ساعتها هبقى لوحدي والأمل هيتقطع خالص. إنتي أذيتي دماغي وعقلي أوي، وهو والله كان ضعيف وبيتلكك لأي حاجة عشان يعملي دوشة بأفكاره اللي زي دي. مقدرتيش إني كنت بموت من الزعل وولادتي كانت صعبة وأنا كنت بعيد لما بابا مات ومعرفتش حتى أنزل أودعه. مات وهو بعيد عني ونفسيتي كانت مدمرة، ولما حملت وولدت راح اللي بتعايريني بيه، وراح غصب عني، وبالنسبة لأي واحدة يضيع منها اللي ضاع مني مكنش ولا بيكون سهل وأنا في بداية حياتي!" لما تنادي الوجع لهم. سقطت دموعها ودموع "سمية"، ووقف "حازم" صامتًا بجانب "ياسمين" التي كانت تنصت بألم تحاول ضبط أعصابها. بل و"نيروز" التي بكت بصمت. فحاوط "غسان" كتفيها وهو يمسح دموعها برفق. فوقف "بدر" أمامهم يحتضن "وردة" باختناق، مشددًا بعناقه لها وبينهم صغيرهم، حتى قال بقسم لها يبرر لدموعها وقهرها هذا: "والله العظيم يا وردة أنا بحبك. إنتي مراتي وأم ابني وحبيبتي. عمري ما هفكر ولا فكرت أتجوّز غيرك!" شهقت بأحضانه. فتقدمت "ياسمين" بعدما حاولت أن تصمت لأجل "فريدة" ليس إلا: "إنت كمان مش حاسة بقهر اللي عملتيه! أنا عشت أقف قصادك وإنتي بتحاولي تقهريهم، كنت بحاول أمنع ده يحصل قدامي على قد ما أقدر. بس كفاية.. كفاية وبقولهالك بكل هدوء.. هي لو ناوية تسامحك هتقولك وهتجيلك، بس بلاش تنكدي علينا عيشتنا تاني!" أدمعت عينيها، فتلهف "حازم" بسبب حملها، لذا حثها على الابتعاد. وكل مرة تجد الإحباط فتقرر الرحيل مخذولة، تجر أذيال الخيبة خلفها دون أمل، تحت نظرة "فريدة" المتحسرة الحزينة العاجزة عن فعل شيء. بينما خرجت "وردة" من أحضان "بدر" تمسح دموعها، ثم انحنت تهبط "يامن" أرضًا، حتى استقامت مرة أخرى تزامناً مع وقوف "نيروز" هذه المرة، تحت أنظار "غسان" عندما وقفت "زينات" تردد بتحشرج لها تسألها: "مفيش أمل نمسح اللي فات؟" احتدمت نظراتها حتى مسحت عينيها بشدة وهي تنفي برأسها، بينما وجدت "زينات" "وردة" توكز كتفها من الخلف، فالتفتت تنظر بخزي حتى وجدتها تبتلع ريقها سريعًا وهي تكمل ما لم تكمله: "بس أنا بحاول أنسى اللي فات وهعديه. العمر مش مستاهل أقعد أبكي وأندب على اللي راح. بس أنا هرد بعد كل الكلام اللي قولتهولك ده وهقولك إني هحاول أفتح صفحة جديدة معاكي!" لامتها بقهر، ثم جاءت لها بالجملة التي تريدها. أدمعت عيني "زينات" منها، ثم ضمتها هذه المرة نحو أحضانها تحت نظرات البعض المتعجبة. لم يتعجب كل من يعرف قلب "وردة" النقي جيدًا. لذا دخلت بترحاب بين ذراعيها، فرددت الأخرى عليها كلمات الأسف بلهفة، تحت بسمة "فريدة" التي زارها الأمل من جديد بعدما سلب وهرب منها في الحال. وقف "بدر" غير مصدوم، بل توقع فعل ذلك. ورغم عدم قبوله لـ "زينات"، ولكنه أخيرًا وجدها لحظة مناسبة هو الآخر، حتى إن رحل وتركها لن يحمل همًا لها كبيرًا كمثل السابق. يرحل؟ أي رحيل؟ خرجت من بين أحضانها وهي تحرك رأسها على كلماتها تحت نظرات الكل. بينما لم تتحرك "نيروز" من مكانها خطوة واحدة، هي التي تعمدت أن تصدها مرة أخرى دون تقدير لها. بل بهذه اللحظة سبقت ناحية باب المنزل قبل أن تتحدث "زينات" لها مرة أخرى. كفى ما تشعر به هي الأخرى لعدم علم أحد منهم بما داهم قلبها منذ الصباح. تنفس "غسان" بصوت مسموع. ووجدت "زينات" الخيبة بأملها في "نيروز"، لذا انصرفت بعدها ببطء ناحية شقتها وذهبت خلفها "فريدة". قرر "غسان" الرحيل خلفها، ولكن أوقفته نبرة "سمية" الهادئة وهي تقول بعد رحيل "نيروز": "شوفها يبني.. أنا عارفة إن محدش بإيده يخلي حد يسامح التاني، بس الكلام العاقل بيفرق في وقت زي ده!" لم يجب على حديثها، صمت يستمع فقط، ممراً عينيه ناحيتهم جميعًا، ثم حرك رأسه بخفوت كعلامة بالاستئذان، وبعدها خرج صاعدًا إلى أعلى. في حين جلست "ياسمين" بأريحية وإنهاك على الأريكة وبيأس من ما يحدث: "تعالي يا وردة نروح لهم عند عمي نقعد هناك شوية!" أومأت له وقصد الجلوس مع شقيقه وشقيقته هناك. في حين زفرت "سمية" بصوت مسموع وهي تمرر عينيها نحو "ياسمين" التي استندت برأسها على كتف "حازم" بتعب، وعينيها تدور مما يعني رغبتها في النوم المفاجئ. حملها مرهق ومتعب وحساس إذن! ابتسمت "سمية" عليها وهي تأخذ الهاتف من بين يدي "حازم" بغيظ وهي تقول: "اهتم بيا شوية وسيب البتاع ده من إيدك!" "بشوف عز وصل لحد فين وجميلة عملت إيه!" أعطته له بشفقة زائفة وبراءة، فضحك وهو يأخذه منها تحت ضحكات "عايدة" و"سمية" بقلة حيلة عليها وعلى مرحها الدائم مهما كان الوضع! دخل بخطوات هادئة يبحث عنها، فوجدها تقف بالمطبخ تحاول إعداد الغداء. فاليوم كل منهم بمنزله إلى حين الاجتماع مع بعضهم كالعادة. كان لديها طعام منذ أمس، لذا وقفت تقوم بتسخينه بشرود. شعرت به يقف خلفها عندما وضع يديه على كتفها كي يديرها له، حينها سألها بجدية عندما رأى رغبتها في ضغط حالها: "إنتِ ليه يا نيروز بتحبي تضغطي نفسك؟ وكأنك بتحبي تنغصي على حياتك!" رفعت عينيها تنظر نحو عينيه التي تلومها، فردت وهي تترك ما بيديها وهي تتنهد: "أنا مش فاهمة انت عايزني أعمل إيه!" قالتها وهي تحاول رص الأطباق على طاولة المطبخ الحديثة. فتركها تفعل ما تفعله، ثم قال بلين يعلمها: "عايزك مرتاحة، حتى ولو مش ناوية تسامحي دلوقتي، بس على الأقل مش كل مرة يتفتح فيها الموضوع تنكدي على نفسك وتفتكري كل اللي حصل. إحنا دلوقتي في النهاردة، سيبك من إمبارح واللي حصل فيه!" وقفت مكانها، ثم التفتت ترفع وجهها لتقابل عينيه المتفهمة. وما أن انتهى، ردت هي بنبرة مختنقة لن يشعر بها سواها وحدها مما مر عليها: "بس أنا أي حاجة عدت عليا معدتش بسهولة كده!" لثم "غسان" وجنتيها بين كفيه، ووجد الدموع المحبوسة بمقلتيها، فضم رأسها ناحية صدره برفق، ثم قال وهو يمرر يديه على كتفيها وظهرها متنهدًا بحرارة: "أنا عارف ده، بس في نفس الوقت عايزك مبسوطة، مش موقفة نفسك عند حاجات حصلت وراحت. كل ده بياخد من طاقتك ونفسيتك!" تنفست بعمق، ولفحت أنفاسها الساخنة قمة صدره. لا تنكر بأن حديثه بوقت كهذا كطوق للنجاة. يعلم بأنها تحزن لشيء آخر جهل عن معرفته. متأكد من أنها تخفي شيئًا ثقيلًا تحمله وحدها. لذا حاوطت هي بذراعها ظهره، ثم قالت بضعف وانهزام: "أنا زعلانة أوي إن جميلة هتمشي ومش هتبقي موجودة زي الأول!" الآن علم بأن عناقه جعلها تنهزم وتخرج بالثقل الذي كان عليها غير الذي رآه وسمعه منها. حقيقة موجعة أتت من مدى غلو قيمة "جميلة" لديها. وبهذه اللحظة سقطت دمعتها وعلم بأنها تتعلق بها أكثر مما يتخيل هو. ربت على ظهرها بحنان، متفهمًا شعورها هذا، ثم قال يطمئنها: "هي أكيد مبسوطة وإنتِ لازم تكوني مبسوطة عشانها. مش أنا قولتلك قبل كده إن ده طبيعي وإن دي سنة الحياة؟ ما هي لازم تعمل بيت وأسرة وتشيل مسئولية زي ما بقيتي إنتِ دلوقتي!" خرجت من بين ذراعيه تطالعه، ثم نفت برأسها وهي تقول بتفسير: "أنا عارفة.. أنا كنت بقول إن كل واحدة فينا هتخرج بعيد عن التانية. بس أنا فضلت في نفس المكان وهي اللي هتمشي. حاسة إني هفقدها!" سحبها لتجلس على المقعد، ثم جلس بجانبها تزامناً مع بسمته الهادئة وهو يغمز لها كي يبدل الوضع لآخر: "ما بلاش الكلام اللي يخليني أجيب "عز" من رقبته يعيش معانا هنا، ولا إني أشوفك زعلانة يا رزقة!" استطاع أن يجعلها تضحك بخفة. وهي. رفعت يديها تمسح وجهها ثم قالت بسخرية وسط حديثها تلمح بقول كانت قالته له "فاطمة": "على رأي ناس.. بكاش وبتاع كلام!" غمز لها محاولاً تجاهل سخريتها. وعندما أمسك الملعقة قدم لها واحدة يحثها على تناول الطعام تزامناً مع سؤاله المهتم: "ممكن أفهم ليه مرضتيش تخليني أحجزلك مع جميلة في السنتر؟" تحرجت من سؤاله وبهذا الوضع وهذه الحالة قدرته كثيراً عندما اشترت الفستان وكان باهظاً. ولم تنسَ هي تكلفته الكثيرة بمحل الورد الخاص بها، وأيضاً مساعدته لمنزل والده ببعض المشتريات على مساعدة والده والتي كانت تجهل عن هذا السر وعلمته عقب زواجها وإقامتها معهم وقت أكثر. اتضح لها أنه يحمل مسؤولية مجهولة ومعلومة بنفس الوقت. ومن الناحية الٱخري يساعد شقيقه البيت أيضاً بوسط هذا الغلاء. ولكن غياب الٱخر جعل الحمل يثقل. وسنة دراسية كسنة شقيقته تتطلب أموال كثيرة. شعرت بثقل كل ذلك واقتنعت أن كل بيت له أسرار مهما حدث لا تخرج ولا يظهر إلا ما يريدون ظهوره فقط. هربت بعينيها محاولة أن تتناول ما أمامها ثم قالت بتقدير: "حسيت إن كتير فوسط المصاريف دي فالفتره الٱخيرة. حتى فريدة هي كمان عملت زيي لما مرضتش تعمل كده وتكلف حازم. بس ياسمين بتعرف تعمل ميكب هادي وحلو هنعمل هنا مع بعض ونبقي نروحلها بدري نبقي معاها!" تعلو بنظرة كل مرة. ورغم عدم رغبته في أن تضع هي مساحيق تجميل كثيرة، ولكنه لم يعقب على هذه النقطة بل نفى برأسه بجدية وهو يرفع عينيه ينظر لها: "متحسيبهاش كده يا نيروز. أنا قولتلك طول ما أنا قادر أعملك كل اللي انتي عاوزاه يبقي مفيش حاجة كتيرة عليكي. وبعدين مجتش من يوم مش هيتكرر!" قالها بهدوء. ولم يغفل عن كثرة المصروفات الخاصة بالمنزل لحياتهما فقط والذي اكتشف أنها كثيرة عن ما كان يتوقع، بل وهو الذي لم يكن ليوضح ذلك أمامها. كانت ذكية في تفهم الوضع. فوجدته يوضح لها مرة ثانية من مقارنتها بـ الٱخري ووضح يخفف عن ما جاء على خاطرها من كثرة المسؤوليات: "وبعدين فريدة عملت كده عشان حازم مسؤلياته كترت فقدرت الوضع. لكن انتي مين ليكي غيري يعني تطلبي منه اللي تعوزيه. أنا مش لسه هعرفك إني جوزك وان دلوقتي كل حاجة مسئولة مني أنا. بعيداً عن نقطة السنتر. كلامي ده فالعموم!" حاصرها بالحديث، كانت تتمنى أن تذهب معها ولكن أسباب كثيرة منعتها. هو عدم ترك شقيقاتها بمفردها ومساعدة "فريدة" هي الٱخري بأخذ هذا القرار بسبب كثرة مصاريف "حازم" في الفترة الأخيرة. "عديها يا غسان. ياما بيحصل. صدقني الستنر ده مش أمر مهم عندي. ما ياسمين مراحتش ففرحي هي ووردة وعادي. الفكرة مش فكده. المهم نتبسط فالٱخر واليوم يعدي على خير. لاحسن أنا كمان قلقانه لـ "منة" بعد اللي شوفته النهارده من اخوات شادي!!" قلب عينيه من هروبها من الحديث ثم اندمج في الطعام تزامناً مع رده على ٱخر حديثها بانتباه: "هي تعدي على خير فعلاً. بسماجتهم دي. وتعدي اكتر معايا على "فتحي" ده اللي مش جايبها لبر!!" "هو ايه اللي حصل؟" قالتها متسائلة عن ما فعله الإسم. فرد هو بإيجاز مشيراً لها بغير اكتراث: "محصلش. وحاولي تبعدي عنهم بدل ما نرتكب جريمة الليلادي. بالذات فتحي ده لو وقفك متتكلميش ولا تتعاملي معاه!!" صمتت بفهم لمعرفتها لمعني حديثه. لم تغفل عن وقاحة الآخر بالنظرات ومحاولته لخلق أي حديث مع أي أنثى تقابله. اهتز هاتفه بجيب بنطاله فنهض كي يغتسل حتى يجيب. وخلال لحظات قام بتجفيف يديه وهو يحاول إخراج الهاتف أمام عينيها عندما سألته بإستفهام: "مين؟" "بدر" وقتها فتح الخط ثم وضع هاتفه على أذنه مردداً بنبره هادئه: "ايوه يا "بدر" " "ايوة يا غسان بقولك انزل بسرعه كده" "خير.. في حاجة ولا ايه؟" "ايوه انزلي كدة!" حينها سمع صوت إغلاق الخط فعقد ما بين حاجبيه باستغراب وهو يمسك الهاتف بشرود. وقتها نهضت لتغسل الأطباق، فهتف هو من خلفها: "أنا نازل يا نيروز. ابقي خلصي وتعالي تحت!" همهمت موافقة لم تنتبه لرده. ما إن علمت أنه الٱخر حولت الأطباق لتغسلها. سمعت صوت إغلاق الباب وانخرطت فيما تفعله هي. وخلال دقائق اجتمع الكل بشقة "حامد" بعد قلقهم الظاهر. ودموع "فاطمة" التي انسابت بخوف. ماذا حدث خلال هذا الوقت القليل؟ عقلها يضرب أفكار كثيرة. وضعت "وردة" كفها على كتفيها ثم قالت بإطمئنان: "متقلقيش كده يا فاطمة تلاقي الباص اتأخر شويه وزمانهم جايين. بتحصل!" "عمرهم ما اتأخروا أوي كده عليا. اليومين الل فاتو كانوا بيجوا فنفس الميعاد. عماله أصبر ومفكرش. بس انا خايفه خايفه ليكون "عارف" أخدهم!!" صرحت بما لديها. وفتح الكل عينيه بصدمة. فكان "ٱدم" موجود منذ ان عاد معهم. لذا اندفع يرد بإنفعال عليها: "يعني ايه خدهم هي وكالة من غير بواب. ما قولتلك هروح أشوفهم خدهم ولا لأ قوليتلي لا متروحش زمانهم جايين. بتلعبي بيا لايه خايفه علي مين بالظبط يا فاطمة؟!!!" قالها بتوبيخ. ومسك "بسام" و"حازم" ذراعيه كي لا يندفع بغضب. فزفر "حامد" يرد على حديثهم بهدوء: "قولتلك يا ٱدم ان حتي ولو هو خدهم ملكش تاخدهم منه غصب دا ابوهم. اكيد بنسبة كبيرة ان مجوش يبقي هو اللي خدهم من هناك من بدري. الوقتي الحكاية عايزة صبر" "اي صبر يا عمي؟ دا كام دقيقه ومش شايف حالة فاطمة. المرادي مش هسكت وهحكمها بالعقل. اختي عيالها هيرجعولها دلوقتي. انا بعت لـ "غسان"ينزل عشان نروحله وقفلوا على أي كلام طالما هو مش راجل وبيلعب بالطريقه دي معانا!" قالها "بدر" بجدية. فصرخ "ٱدم" وهو يسب زوجها: "أنا عارف ان الو*** ده مش هيجيبها لبر!!!" حدجه "حامد" بتحذير. ودخل "غسان" على سبة. فأشار "بدر" لـ" فاطمة" بقوله: "قومي البسي يا فاطمة عشان تيجي معانا!!" نهضت و"ووردة" تسندها مع "وسام" و"ياسمين". ووقف "غسان" يستمع المختصر من "بدر". فتهجمت ملامحه. وحينها سأل "حازم" "بدر" بترقب: "وآخرة دا ايه يا بدر هتعمل ايه؟" "هخليه يرمي عليها يمين الطلاق النهارده بعد كده يمشي الوضع بما يرضي الله واللي هو يستحقه. لو هو عايز يعيش اللي باقيله من حياته بدل ما أنهيهاله انا!!" كانت عينيه حادة جامدة. وملامحه متصلبة. نظر "حامد" بيأس لهم. وخرجت "فاطمة" مرتدية عباءه وحجاب. ثم استعدت. فسبق "غسان" لأسفل مع "ٱدم" و"بسام". وأسند "بدر" "فاطمة" وهو يودعهم بنظراته مؤقتاً. ناظراً نحو "حازم" وهو يحثه: "خليك انت يا حازم ولو احتجتلك فحاجة زي ما قولتلك هرن عليك!" أومأ له متفهماً حديثه. وبعدها هبط "بدر" هو وشقيقته. وعادت "وردة" تجلس بخيبة معهم بإنتظار. وما أسوء الانتظار!!! لمحة من وقتهما وقت العريسان "عز وشادي". خرجا معاً من صالون الحلاقة بعدما حددا ذقنهما وصففا خصلاتهما بترتيب. والآن سيوصل "شادي" "عز" نحو منزله ثم ليعود ناحية شقة "حامد" يرتدي حلته الذي وضعها هناك مع "غسان" والشباب!! وسينتظروا قدوم "عز" كي يشاركهم الوقت هو الٱخر بسعادة. وهم بجانبه وكأنهم أشقائه!! بعد خمسة عشر دقيقة، وصلت السيارتان ناحية منزل "عارف" زوج "فاطمة". هبط الجميع بحذر. "بدر" رمى "آدم" بنظراته. وقف "غسان" بجانبهم ثم مد يده ليطرق على الباب بخفة وهدوء، عكس ما بداخله. فتحت "فاطمة" عينيها عندما اخترق سمعها صوت بكاء "أدهم". شعورها كأم ستميزه ولو كان بين ألف شخص. زفر "بسام" بغضب وقال: "هو مفيش حد جوه ولا إيه؟ خدتهم فين البني آدم ده بعد ما خدته الجرأة؟" إنفعل لها قبلهم، وظهر هذا بعد كبته للغضب لفترة. نفت "فاطمة" بلهفة وهي تنظر بحسرة، تقسم وكأنها لا تثق بوقوفهم: "لا.. لا، هم جوه. أنا سامعة صوت ابني بيعيط. سامعة صوت أدهم يا بدر. افسخ الباب يا غسان عشان خاطري. هاتولي ولادي!" بكت بإنهيار عندما استشعرت الخطر. فأمسكها "آدم" كي يجعلها تهدأ، ثم ربت "غسان" على رأسها بحجابها بإطمئنان، تزامناً مع صوت دقات الباب التي أصبحت قوية بفعل "بدر" الذي زاد انفعاله مع "بسام". لم يفتح أحد من الداخل الباب وتعالى صراخ "جنة"، فإنتفضت "فاطمة" بصراخ هي الأخرى: "بــنتي!!!!!" أمسكها "آدم" قبل أن تسقط من بين ذراعيه، يحثها على الصمود بخوف. فاندفع "بدر" بجانب "غسان" و"بسام" ليفسخا الباب بقوة بجسدهم الصلب. وبالفعل، خلال لحظات، فُتح الباب بقوة بل وكُسر. حينها هرول الجميع إلى الداخل، وآخرهم كان "آدم" الذي أسند "فاطمة". وعندما وقفوا يطالعون المشهد، زادت حدتهم عندما وجدوه يجلس ممسكاً بسكين قد أشعلها، وهو يمسك ذراع "جنة". والآخران، أحدهم يبكي بصوت، والآخر ينظر بصدمة جعلت دموعه لا تسقط. وقف "عارف" مندفعاً، وحينها لم يأخذ فرصته في الحديث أو المفاجأة، بل اندفع نحوه "بدر" يمسكه من تلابيبه وهو يصرخ به بصوت مرتفع: "إنت بتعمل إيه فيهم يا مريض؟ بتعمل إيه فيهم انطق؟!!!!" هرول "بسام" يحمي التوأم كي يخرجهما بعيداً في السيارة. وانحنى "غسان" يتفحص ذراع "جنة" بقلق ولهفة. وعندما لاحظ ارتجافتها، رفع ذراعيه يحملها نحو الخارج، وهو يردد كلمات الإطمئنان التي تواكب صغيره مثلها، نشأت على أذية جسديه دون فهم. وقفت "فاطمة" بغير وعي تنظر بصدمة. أيمكن أن يؤذي أطفاله؟ لا تستبعد أن يؤذيها هو، ولكن هؤلاء أطفاله من صلبه هو ودمه! تركها "آدم" الذي هرول يرفع ساقه حتى دفعه ووقع أرضاً، يسبه بأفظع الشتائم. فحرك "عارف" رأسه بألم. وعاد "بدر" يصرخ به مجدداً: "كنت بتعمل فيهم إيه يا قذر؟ قول!!" استند على ذراعيه ولاحظ وقوف "غسان" و"بسام" من جديد. حينها تحامل كي يقف مستنداً، وهو يتقطع أثر الدماء التي تنزف من شفتيه: "محدش فيهم رضى ينطق ويقولي فاطمة كانت فين لما روحت بيتكم وملقتهاش هناك. كـ..كنت عايزهم يختاروني.. أنا بالقوة!!" أيعقل أن يفعل المريض هذا؟ وجد الكره منهم وبنظراتهم منذ آخر مرة ضرب والدتهم بها. وجد نفسه يختنق أثر مسكة يد "بسام" الذي انفعل يردد بغير تصديق: "في عيالك يا متخلف؟ بتطلع مرضك النفسي على عيالك لما ملقتش مراتك تطلعوا عليها. دول أطفال أطفال يا قذر يا زبالة يا ***!!" صدم الجميع من سبه الأخير، وتركوه يضغط على رقبته. فدفعه "غسان" عندما أمسك ياقته بيديه الاثنتين، مردداً من بين ضغطة على أسنانه: "عليا الطلاق ما هتطول شعرة منهم تاني. ولا هتطول أمهم. إرمي عليها اليمين يا ***، إرمي عليها اليـمـــين بــقولك!!" قالها وهو يهزه من بين يديه بعنف. فحرك رأسه نفياً وهو يلهث. حينها فتح عينيه على وسعها عندما وجد "آدم" يندفع نحوه بمطفأة السجائر الزجاجية. فأهبط "عارف" رأسه سريعاً، تزامناً مع "غسان" وهو يلتفت أثر ركلة "عارف" له، فاصطدم حاجبه الأيسر بها ونزفت الدماء، تزامناً مع تأوهه وهو يرجع إلى الخلف واضعاً يده على حاجبيه بوجع. وقف "آدم" مصدوماً من خطأ ما حدث للتو. وهرول "بسام" يتفقد جرح "غسان" بخوف، مع مسكة "بدر" لـ "عارف" وهو يصرخ به بعنف تحت أنظار "فاطمة": "طلقها.. إرمي عليها يمين الطلاق حالا، لإما هد فـنك تحت رجلي!!" ابتلع "عارف" ريقه بخوف، وتقابلت عينيه مع "فاطمة" التي انهمرت منها الدموع بقوة. وحينها رد هو بإهتزاز: "أنا مش عايز أطلقها. هي عافية!!" "عافية ياروح أمك يا و***. تعالالي بقا!!" أمسكه "غسان" يبرحه ضرباً إلى أن سقط، وسقطت دماء حاجبة على وجه "عارف" الذي جثى فوقه "غسان" لاكماً إياه بوجهه بشدة. وعندما مد "عارف" يديه ليأخذ المطفأة التي وقعت أرضاً بجانب يديه كي يضرب "غسان" بمؤخرة رأسه، اندفع "بسام" يضغط على كفه بحذائه، ثم انحنى يردد بجانب أذنه بفحيح أظهر شره بنظراته: "كانت تيجي فيه وساعتها هعملك عملية بإيدي دي تشيلك كلمة ذكر من البطاقة ونستغل الشغلانة صح!" احمر وجهه غضباً. وحاول "بدر" فصل "غسان" عنه حتى تأوى "عارف" بوجع وهو يمسك عظامه ووجهه. واعتدل "بسام" تزامناً مع ركلة "آدم" باندفاع له بساقه، مردداً بسباب: "إخلص يا روح أمك وارمي عليها يمين الطلاق بدل ما نطلقك إحنا المرادي بمعرفتنا!!" قوله كان وقحاً ولم يستنكر أحد. بل تقدمت "فاطمة" خطوات حتى وقفت أمامه وهو مستلقي أرضاً، وقالت بمنتهى الهدوء: "طلقني يا عارف!!" صمتت تنتظر قوله. فاعتدل هو ينظر بخوف حوله، ثم تأوى بصوت تزامناً مع جلوس "بدر" على قدميه بحذائه أمام جلسة الـآخر المتألمة، وأمسك رأسه حينها يحركها بضغط، وهو يردد بلهجة أمره: "يلا يا حيلتها نفذ!" اعتدل ينظر بعينيها بوجع لم يستطع إخفاءه. تيقن بأن والدته من خربت عليه حياته بالأكمل. ابتلع ريقه ثم هتف بها أخيرًا عندما نزلت عليها كمثل أي أنثى تقهر بهذه اللحظة الصعبة: "إنت طالق يا فاطمة!!" أخيرًا قد تم فك حصارها من الذل والمهانة ومن لعنة حبه الأعمى. وجد "آدم" يركله ثم قال بإندفاع يحثه: "بالثلاثة يا روح أمك!!" كأي أنثى كانت تود ثباته على المبدأ يشعرها بأنها غالية وقيمتها ثمينة حتى وإن لم تعد تريده. ولكن لوهلة كانت تريد بأن لا تشعر بالنقص. طلقها تحت ضغط ومن عائلتها لم يترك شيئًا للغريب إذن. ابتلع ريقه ورد سريعا عندما وجد الركلة الثانية من "بسام" الذي أمسك رأس "غسان" يتفحصها مرة أخرى: "إنت طالق.. طالق بالثلاثة يا فاطمة!!" اهتز جسدها بوجع. حاولت الاستناد كي تخرج بصمت كاسر. لم تعاتبه حتى خرجت إلى الخارج حيث أطفالها بالسيارة الذي أغلقها "غسان". انحنى "غسان" يمسكه من تلابيبه ثم قال بتقزز وتعالي لجلسته بانهزام: "عرفت آخرك معانا كان إيه؟ تبقي تحت رجلنا مذلول وانت بتطلقها وكمان مش بمزاجك. غلطة عمرك لما فكرت تيجي على بنت عيلة البدري يا عارف. ومش بس لحد هنا.. دا اللي جاي أحلى!!" نفض يديه بتقزز. وانحنى "بدر" بعدها يمسك ياقته بقرف وهو يهدده: "ورقتها توصلها في أقرب وقت. عيالك ومش هتشوفهم ولا هتستاهل إنك تتمنى تبص حتى عليهم. وخليك فاكر إنك أنت اللي بدأت المعركة دي مع ولاد البدري. وإحنا بنمشي بالأصول مع ولاد الأصول وبس.. مش مع ولاد أمهم!!" هدده بشدة وابتلع الآخر ريقه ببطء. فضغط "آدم" على كفه المستند به على الأرض مع قوله الهازئ منه مكملاً بقية حديث شقيقه: "وابن أمه بنسيبه لأمه يا بن الـ***" ذلك الوقح. لم يكف عن قول أشياء بذيئة كانت تتوافق معه قديمًا. خرج بعدها بعدما بصق عليه بفمه. خرج بعد خروج "غسان". واعتدل "بدر" ينظر ناحية "بسام" الذي ابتسم بألم وهو يردد بنبرة ساخرة: "مش صعبان عليا قد اللحظة اللي عيالك هيكبروا فيها ويفهموا كل ده. وفكرة إنهم يواجهوك مش مستحيلة. مسيرك هتقابلهم في يوم. ساعتها هتتقهر منهم قهرة عمرك وهم كارهينك كره معداش على حد. لو أنا مكانك هتمنى أموت قبل ما اللحظة دي تيجي. سلام يا حيلة ماما!!" خرج بعدها. ووقف "بدر" يردد مرة ثانية بتحذير: "كل اللي قولته يتنفذ بالحرف. ونفسي أشم بس ريحة إنك بتفكر بس إنك عايز تشوف عيالك في المدرسة. أنا قادر أنقلهم أحسن مدارس ومدارس متعرفش ليها طريق جرة. بس كل ده قش بالنسبالي أنا أسيب كل حاجة مكانها وأحذر بمزاجي ويا ويله اللي يخالف كلامي ساعتها هتشوف بدر غير اللي شوفته وغير اللي بتشوفه. اسلك معايا عشان أمور المحاكم دي تمشي من غير شوشرة يا روح نجاة!!" والدته "نجاة" الوضع ساخر مضحك بوجع. قذف المطفأة على الأرض بقدمه وحذائه عندما ركلها مثل الكرة فاصطدمت بأصابع قدم الآخر وهو يجلس لا حول له ولا قوة. خرج بعدها ووجد التجمع من الناس على بعد دون تدخل منهم. فرمقهم بغير اكتراث وهو يقلب عينيه بجمود. مرا عينيه على السيارة التي معه فكان بها "غسان" و"فاطمة" التي نقل أطفالها من السيارة الأخرى بواسطة "غسان" الذي رفض "بسام" قيادته بهذا الشكل. وقاد السيارة الأخرى "بسام" وبجانبه "آدم" كان على ساق "آدم" "أدهم" الذي كان قريب منه بشدة أخذ يطمئنه بخوف وقلق عليه مع نبرة "بسام" الذي حاول تشتيته كي لا يدخل بصدمة. والصدمة كانت بالسيارة الأخرى عندما كان بها "يوسف" يجلس على ساق "غسان". الذي حاول أن يخرجه من شروده وعندما صرخ الصغير على فجأة زفر "غسان" أنفاسه براحة هو و"بدر" عندما سمعوا بكائه الذي أخيراً خرج. وكانت "جنة" بين أحضان "فاطمة" تضمها بخوف وحنان وهي تدلك كفها وجسدها الصغير الذي يرتعش. كيف ينسى شقيقته بيوم كهذا. المفاجئ بأنه طلب مجيئها الزفاف وهي على هذا الوضع تحت مسؤوليته. لم يعلم أحد بأنها خرجت من المستشفى مع "حنان" إلى المنزل تنتظر قدوم "عز". لا ينكر أنه يعلم بأن حالتها تتحسن ولكن ليست إلى النهاية. وقف. يضع آخر لمسات حلته عندما قرر الارتداء بوقت مبكر أكثر. كان "عز" جذاباً أنيقاً. شاب يستحق أن يطلق عليه هذا المصطلح في ريعان شبابه بالفعل. نظر لنفسه برضا وسعادة. ثم التفت كي يخرج من الغرفة متوجهاً حيث غرفة "فرح". دق الباب بيديه دقات هادئة حتى أذنت "حنان" له بالدخول. وعندما دخل يتطلع على فستانها الذي كان من اختياره هو لها. كانت جميلة وحاولت "حنان". رغم جهلها ان تجعلها تضع مساحيق تجميل خفيفة وهي من عقدت حجابها. أدمعت عيني "حنان" وهي تنظر لهيأته ومنظرة. كان يخطف القلوب بالمعنى الحرفي. أدمعت عينيها بتأثر. ثم دعت له خوفاً عليه: "ربنا يحميك لشبابك يا بني!!" وضع رأسها بين كفيه ثم قبل قمتها ببر. حتى ضمته هي إليها بحب وسعادة وهي تقول: "ربنا يسعدك يا حبيبي ويهنيك بحياتك معاها!!" "آمين يا أم عز.. بس إيه الحلاوة دي!!" قالها وهو ينظر نحو عباءتها السمراء. فنظرت له بتشكك من مجاملته فوجدته يؤكد برأسه. التفت برأسه ناحية "فرح" حتى أمسك كفها بين كفيه وحاول أن يديرها كعروس رقيقة بين يديه أو كفراشة ستتحرك معه بخفة. تحركت معه بالفعل بهدوء شديد ثم أدمعت عينيها وهي تسمع حديثه: "أجمل وأول واحدة حلوة تشوقها عيني يا فرح. أنا خايف بصراحة كده تتخطفى مننا النهارده بعريس كده ولا كده. بس أنا مبسوط وفرحان إني قدرت أخيرًا بعد كل ده أخليكي تحضري الفرح ومش هاممني كلام الناس ولا كلام أي حد قد ما مهم عندي تشاركيني حاجة زي دي. نفسي تردي عليا أوي بس أنا متأكد إن ده مسيره يحصل وقرب يحصل. جميلة هتفرح أوي لما تلاقيكي جاية هناك معايا عند السنتر تشوفيها مع البنات. عيطت عشانك قبل ما تدخلي هناك وقالتلي إنها كان نفسها تكوني معاها في لحظة زي دي!!" كان صادقاً. ويحاول خلق الحب بينهم رغم أنه يعلم بأنه موجود بالفعل. وزع نظراته بينهم ثم عاد يتحدث بشكر للذي يحدث: "أنا بشكر ربنا إنكم في حياتي. ومبسوط أوي إنها بتحبك ولسه بتحبك وبتتأثر عشانك. أنا ربنا وقعني في ناس جميلة أوي يا فرح!!" ضم رأسها ناحية صدره ثم ربت على كتفيها يسألها: "تيجي بقا معايا دلوقتي نروح عندهم في محل الورد نختار أنا وانتي بوكيه لـ جميلة؟" خرجت تبتسم بحماس قليل ما يظهر. ثم قال وهو يضع ذراعه الآخر يحاوط به كتف "حنان": "وأحلى وردة كمان لام عز. وبالمرة نزوق العربية. ما أنا جبتها تحت من كام ساعة بس متحركتش بيها عشان شادي كان معاه عربيته!!" "ومالو يلا بينا يا حبيبي واهو نلحق نقعد هناك معاهم شوية قبل ما نتجمع ونروح القاعة!" كان لا يود فعل ذلك خاصة عندما كان يريد أن يبعد شقيقته عن "بسام" باقتناع منه هو وليس من أي شخص غيره. زفر بانهزام. ويبدو أنه مضطر لفعل ذلك طالما أصبح من ضمن العائلة..!! حاول أن يستعد وأسند "فرح". بذراع والذراع الآخر كانت تتأبطه "حنان" ببهجة. وهذا هو "عز الرجال" سندهم منذ أن وعى على هذه الحياة. هو من يسند دائماً. لا يُسند أبداً. وغالباً. لم تعطيه الحياة فرحته بشيء الفرحة الكاملة. بينما اليوم بماذا يشعر؟ شعر بأن اليوم مختلف!! وصلوا بالطبع قبل قليل. ودخل الشقة أولاً "بسام" ويسير خلف "آدم" الذي كان يحمل "أدهم" على ذراعه وقد غفى الصغير على كتفه. هرول الكل ناحيتهم يتفحصونهم ودخلت "فاطمة" بخواء. فقط كان بها خوف على أطفالها. تركت "جنة" ليحملها "غسان" وحمل "بدر" "يوسف" الذي يبكي إلى الآن بعد خروجه من صدمته. التفت الجميع حولهم. وهرولت "نيروز" بخوف. عندما شهقت وهي ترى دماء حاجبه جافة على وجهه. حينها أعطى "جنة" لـ "حامد". وانسحب ناحية المرحاض بغرفته وهي من خلفه كي تمسح له وجهه بقلق وخوف. جلست "فاطمة" وصغارها بين أحضانها. وعندما وقف "بسام" يحمل "أدهم" كي يسنده على فراشه. وقف "آدم" يسنده بعدما علم الجميع مختصر ما حدث من "بدر" الذي جلس يضم "فاطمة" بحنو. فأصبح الوضع هو يحتضنها وهي تحتضن صغارها. يامن يقبل جنة التي ابتسمت ببراءة له وضحك الجميع بخفة على لطفه. واستمر الحديث الهادئ والصامت. حينها وقف حامد يحثها قائلاً: "أدخلي يا فاطمة.. ادخلي يا حبيبتي اغسلي وغيريلهم ومعاكي دلال عشان نخرج!" أومأت له وهي تنهض برفقة وسام ودلال. وخرج بسام من غرفته آخذاً ملابسه الذي سيرتديها كي يترك لها المساحة الخاصة. وأخذ حازم ياسمين كي يستعدان هما الآخران. ووقف بدر حاملاً الصغير متوجهاً ناحية وردة كي يرحل معها للشقة الأخرى ليرتدي ملابسه بعد حث حامد له بذلك. لاحظ وقوف آدم وهو يحبس الدموع بعينيه، فوجد حامد يضع يديه على كتفه العريض من الخلف ثم قال بتفهم: "متخافش يا آدم!" التفت آدم، وبهذه اللحظة شعر بمدى ثقل ما حدث. لم يكن سهلاً بتاتاً، بل وشعر بمدى المسؤولية الذي سيوضع هو بها. ورحب شعوره بذلك عندما فكر بأبناء شقيقته بكفاح. اهتزت نبرته أمامه وأمام بسام الواقف وهو يقول: "العيال ميستاهلوش كل ده، ولا حتى أنا خايف عليهم!" "انت راجل يا بني ومن ضهر راجل لازم تحس بكده.. ومش هتسيب بدر فالمدفع لوحده لازم تساعده. انت كمان وقبل كل ده تكونلهم الأب لأن انت اللي هتكون معاهم أكتر منه!" حرك رأسه بتأييد، ثم اعتدل بعد لحظات. يستأذن بهدوء: "انا هروح البس وهاجي علطول!" وافق وأومأ بنظراته هو وبسام. ثم سمعوا صوت إغلاق باب الشقة. حينها التفت حامد برأسه يحث الآخر: "خش شوف جرح أخوك، شنطتك على الترابيزة هناك اهي!" أشار بإصبعه. فتحرج بسام وهو يقول: "كنت ناوي بس مراته معاه جوه!" "اخترعوا باب نخبط عليه، وخلي فبالك انا مش هعيشلكم كتير عشان اشوفكم لسه لحد دلوقتي بالمنظر ده!" كان الحزم شديداً بحديثه عندما قالها وتركه متجهاً نحو غرفته. توجه بسام بانهزام يمسك الحقيبة. ثم وقف بحرج يدق الباب. فتقدمت نيروز لتفتح الباب. حينها وقف هو مهبطاً عينيه إلى أن سمحت له بالدخول. فدخل ووجده جالساً بأريحية على المقعد مريحاً ظهره رافعاً رأسه لأعلى وهو يضع القماشة التي أعطتها له نيروز. وقبل أن يتحدث ويفتح فمه استشعره غسان وقال باندفاع مرة واحدة يخمن ما سيفعله ويود فعله: "شكراً، مش عايز حاجة!" اهتزت نظراته بحرج أمام نيروز. ومع ذلك وقف غسان ينظر ثم سأل نفسه بصوت عالٍ وهو يتحسس جيب بنطاله بتيه: "فين التليفون؟ شادي اتأخر ومجاش ليه لحد دلوقتي؟" أمسكت نيروز هاتفه من مكان جلسته ثم أعطته له. ولم يرفع هو رأسه عندما سمع نبرة شقيقه الهادئة بقوله: "خليني أشوف جرحك يا غسان!" قال بغير اكتراث وهو يضع الهاتف على أذنه بانتظار: "ما انت شوفته واتوصيت بيه عالآخر!" سخر قاصداً جرحه من كلماته. وقف بخزي. وعندما وجده يقترب بخفة كي يمسك وجهه أمسك حينها معصمه بقوة وهو يردد بانفعال كتمه: "أنا مش قولتلك لا!" أمسكت نيروز ذراع غسان كي تهدأه وهي تقول بهمس: "خلاص يا غسان!" "وانا بقولك سيبني أشوفه وبطل عناد!" لم يترك معصمه بل نزلت خصلاته وهو يطالع عيني شقيقه بتمعن. يطالع ملامحه هو. حبة من الفول وانقسمت إلى قسمين متشابهين. رمش بسام ببطء عندما سمعه يحذره رداً على حديثه: "ملكش دعوة وخليك فنفسك!" فصلت نيروز ذراعه عنه ثم نظرت لـ بسام وهي تشير له بصمت هي يعطيها ما أخرجه بكفه. فقدمه لها تزامناً مع نظرته لمسك الآخر لمعصمه بحزم. تركه غسان وهو يحاول الدق على هاتف شادي. فوجدها هي تعقم الجرح بخفة وهي تمسح عليه. ثم بخفة وضعت لاصق طبي على حاجبه. ووقف هو منتظراً حين أن تنتهي. لاحظ خروج شقيقه من الغرفة بعدما انتهت. فسألته هي بتعب تعلم أنه مكسور منه ولكن إلى الآن لا يعلم أحدهم ماذا فعل شقيقه له بالتحديد من قول كلمات: "ليه كده؟" "ملكيش دعوة!" إغتاظت من حديثه وعنفته بنبرة هادئة كي ينتبه لما يفعله هو الآن: "أنا بكلمك بإسلوب كويس ياريت تكلمني بيه وتبطل قلة ذوق!" "مش انتي اللي هتعلميني اتكلم ازاي كمان؟ اسكتي وابعدي عني دلوقتي!" تهجمت ملامحها وهي تعتدل ثم قالت بإقتضاب: "تمام، براحتك يا غسان!" تركته حينها وهي تخرج من الغرفة. وكلما يهدأ الوضع بينهما تأتي عقبة تعكره. تعلم بأنه بمزاج غير رائق لذا عذرته وهي تبتعد. توفي بالوعد وبحديثه لها أن تبتعد عنه عندما يكون منفعلًا. سمع صوت إغلاق باب الشقة. فتنهد هو يخرج أنفاسه بصوت مسموع وهو يرفع رأسه للأعلى كعلامة لإخراج الطاقة السلبية التي توجد به. ومن ثم تحرك بعدها ليصعد خلفها محاولًا الوصول لـ شادي الذي لم يجيب عليه إلى الآن. كل منهم يتجهز لإرتداء الملابس بشقته حتى هما عندما صعدت هي لتأخذ الفستان كي ترتدي في الأسفل مع ياسمين. وعندما أخرجت ملابسها وتوجهت نحو الدولاب تخرج الحجاب وما يخصه. علمت بأنه بالشقة بعدما سمعت صوت غلق الباب قبل دقائق. حولت كل شيء يخصها بحقيبة بلاستيكية كبيرة. ثم طالعت ملابسه التي وضعتها علي حامل. حلته التي كانت سترتها من نفس لون فستانها أو من أحد درجاته. حملت حقيبتها ثم توجهت لتعدل ملابسه أكثر كي لا تنكمش. حملت الحقيبه ثم رفعت عينيها نحو باب الغرفة فوجدته يقف مستندًا يراقبها. لم تبتسم له إلا بسمة باهته وهي تحاول أن تتخطاه مع قولها الهادئ تخبره: "أنا نازله تاني عشان البس مع ياسمين وفـ ..." قاطع جملتها عندما رفع ذراعه يحاوط كتفيها وهو يميل عليها ثم همس لها بإنهاك وأسف على أسلوبه بينما كانت هي تحاول فقط فهم ما به: "حقك عليا متزعليش مني!" هي التي حاوطت ظهره كي تدخل بين أحضانه وتركت الحقيبه تسقط. عندما استشعرت مدي ثقله وضغطه. تنفست بعمق. ثم رددت بنبره هادئه لينه: "أنا مش زعلانة أنا نفسي متحطش جواك لوحدك. يعني ريح قلبك. أنا عايزاك مرتاح ومشوفش النظرة دي فعينك كل ما تشوفه!!" أراح رأسه علي كتفيها بعمق. وهو يتنهد ثم إعتدل بعد لحظة ينحني وهو يمسك الحقيبه ثم حاوط كتفيها وهو يتوجه ناحية باب الشقة ثم قال وهو يقدمها لها: "لما تخلصي انزلي افتحي محل الورد عشان تظبطيلهم الحاجه انتي وفريدة. شادي جه تحت وعز ومامته فالطريق!!" ابتسمت بحماس. وهي تتناولها منه ثم أومأت له وقد تعمد هو الابتسامة الواسعه. حينها فتح الباب وتقدمت هي أكثر كي تقبله من وجنتيه بحب. بادلها القبله برقة. ثم غمز لها كعادته وهو يقول: "يلا يا بطل!" في الأسفل كانت "ياسمين" تتجهز بشقة "سمية" مع "فريدة" و"وردة" ورحلت إليهم "فاطمة" مع "وسام" بضغط الٱخيرة عليها. ينتظرن قدوم "نيروز" فقد تأخرت عليهن. تجهز "حازم" وحتى "بدر" فقررا اصطحاب بعضهما لشقة "حامد" الذي جلس هو بها الٱن بجانب "دلال" بعد دخول "شادي" مهرولًا ناحية غرفة "غسان". وبعد خمسة عشر دقيقه. إجتمع الشباب مع بعضهم وعندما دخل "عز" هللو به ببهجة. وهبط "غسان" أخيراً ينظر نحوهم وهو يدخل بينهم يهلل هو الٱخر وعندما وقف أمام "عز" يعانقه ابتسم بحب. ثم قال: "الف مبروك يا عز. انت تستاهل تفرح يا صاحبي. ربنا يكملها على خير ويسعدكم مع بعض!!" عانقه "عز" بتأثر. وحينها دخل الشباب معه في الأحضان خاصة. بعد قدوم "ٱدم" الذي قابله "أدهم" على السلم بحلته الصغيره اللطيفه حمله وهو يقف يتابع مشاكسة الشباب لبعضهم. وحينها هتف "عز" يخبرهم: "طب أنا هنزل أنا اتابع الورد بيقولوا انهم خلصوا ونازلين!!" أومأ له "حامد" ونزل معه "بدر" و"يامن" و"ٱدم" و"حازم". وفتح "غسان" غرفته حتي وجد "شادي" يمشط خصلاته دخل بعده "بسام" و"حامد" وقد هبط الٱخرين كي ينجزوا بهذا الوقت لاشراف "عز" عن تنظيم السيارات واختيار الورد. في حين التفت "شادي" ينظر نحوهم وخاصة عندما دخلت "دلال" هي الأخرى. وٱدمعت عينيه فرحًا. وضع يديه علي رأسه بيأس. ثم وجه إصبعه يحذرهم بمرح: "لا وحياة ابوكم أنا مش عايز عياط النهارده فرح يعني انبساط وبس بلاش بقا الدموع دي!!" توجهت ناحيته فتوجه يقبل قمة رأسها ببر. وقد تحشرجت نبرته ونظراته عندما ضمته هي بعاطفة أم جياشة مردده بتأثر: "أنا فرحانه عشانك أوي يا شادي. مش متخيل انا مبسوطة بيك قد ايه. بالله عليك اوعي تتأخر عننا مش عشان هتتجوز تتلهي عن اهلك وناسك!!" طالعها بنظرات يحاول بها إخفاء الدموع وهو يربط على ظهرها ثم رفع ذراعه يأخذ "حامد" أسفله بتأثر وضمهما الإثنان بحب. ثم قال بنبره مختنقه لا تتماشي مع طبيعة حديثه المرح: "خلاص بقا يولاد اللذينه هتضيعوا هيبتي وهتنزلوا دموعي مني!!" سقطت دمعته. وللحق دمعته قريبه رفع "حامد" يديه يمسح أثار دمعته ثم طالعه بحب صادق وهو يردف بحديثه المتأثر: "انت غالي يا شادي زيك زي غسان وبسام بالظبط. انت عارف انا بحبك قد ايه حتي ولو كلامي ليك ببقي شديد بس انت ابني اللي مخلفتوش. انت ابني اللي ربيته!!" أمسك "شادي" كفه يقبله ببر. ثم رد بحديث جاد متٱثر: "والأب هو اللي ربي مش اللي خلف يا حامد" عانقه حين إذن بعمق. وحاولت "دلال" الهرب من هذا المشهد الموجع بفرحته بالنسبه لها. وخرج "حامد" من أحضانه يطالع نظراته نحو التوأمان. خاصة نظرة عينيه نحو "غسان" الذي هرب بها وهو يعانق "بسام" بتأثر. تحت نظراتهم ثم قال "بسام" بحب: "الف مبروك يا شادي ..الف مبروك يا "خويا". ربنا يكمل فرحتك على خير ويسعدك فحياتك ويرزقك بالذريه الصالحه اللي انت متعرفش عنها حاجه!!" قصد قلة تربيته. ضحك بخفة. تحت ابتسامة الآخرين الواسعة. فربت الاثنان على ظهر بعضهما. كان يريد الإثنان ان يرتدي ستره حلته بواسطتهم وعندما وجد "حامد" الكلمات العالقه بعيني كل من "غسان" و"شادي". استند على "بسام" ليخرج من الغرفه. حينها انحني "غسان" يشير له بأن يلتفت كي يجعله يرتدي الستره. وبالفعل ارتداها وعينيه الممتنه لا تفارق عينيه. وجد ان لا مفر من التٱثر عندما وقف سانداً كفيه علي ذراع الٱخر ثم قال بعمق وصدق: "الف مبروك يا شادي ..ألف مبروك يا خُلي الوَفي!!" تأثر "شادي" وعانقه بعمق. وردد بنبره مختنقه من خلف ظهر "غسان" وهو يربت عليه: "مش عارف أقولك ايه يا غسان. اللي بينا ٱكتر من كلام يتقال. بس انت الحاجه الوحيدة اللي عرفت اطلع بيها من الدنيا دي. انت الحلو اللي كان بين مُر الايام. وحتى السند اللي عمره فيوم مـا مال. عند وعدك يا صاحبي ان عمر فيوم ما نتفرق غير ع الموت!!" أمسك كفه يسلم عليه كعلامه لتجديد الوعد مره أخرى. صداقه قوية مر عليها الكثير ومر عليها اصدقاء غيرهم معهم وذهب من ذهب وبقا هما ثابتين من البداية رغم قسوة ما يمر في الحياه ليفرقهما. شددو بترحيب بعضهما ونبس "غسان" بنبره هادئه عميقه: "ربنا يديمك ليا يا شادي!!" ابتسم ولم يلبث "غسان" لحظة حتى بدل الوضع عندما ضربه بكتفه ثم أكمل بغمزة وقحة: "وترفع راسي" رد له "شادي" وقاحته. عندما رفع رأسه بشموخ زائف ثم سبق تزامناً مع قوله المرح: "دا أنا هشرفك!" اجتمع الجميع قبل ذلك في الأسفل أمام "محل الورد" ولٱنه رأي فيديوهات تخص ما يحدث من تنسيق بالورد على السيارات وقف "ٱدم" يساعدهم محاولا عدم اتساخ ملابسه. رتب سيارة"شادي". و"عز" والى الٱن يحاول وتساعده "نيروز" التي تجهزت هي الأخري. في حين وقفت "فريدة"في الداخل تساعد "عز" في اختيار بوكية ورد لـ "جميلة". وعندما هبط "شادي" مع "غسان" دخل ليقوم باختيار المثل لـ "منة". واستمر الوضع ٱنذلك بذلك. ولم يغفل "غسان" عن جمالها في هذا الفستان الرقيق مثلها عندما وقف بجانبها يغمز لها بمشاكسة ثم قال بعبث: "يخربيت حلاوتك يا رزة!" طالعته "نيروز" بخجل. وهي تترك ما بيديها ثم خلعت القفازات تزامناً مع حديثها: "فكرتك مش واخد بالك!!" "ودي تيجي من واحد بيحب واحدة حلوه. انتي طالعه من ديزني كالعاده!!" توردت وجنتيها وهي تمد يدها تعدل ياقة قميصه من أسفل الحلة ثم سألته برقة مرة أخري عن رأيه: "طب وايه رايك في الميكاب؟" طالع وجهها ذو الملامح الهادئه وتاه به كما تاه بعينيها من أول مره رأها. ابتسم بخفة. وهو يتنحنح ثم أمسك يديها يرد علي حديثها: "جميل وانتي اللي مخلياه جميل مش هو اللي مجملك. بس ما تخففي الروچ ده!!" فتحت عينيها بدهشة. منه لم ينتبه سوى لشفتيها وما وُضع عليها. تذكرت أنها عادة أغلب الرجال. أخرج منشفة ورقية يعطيها لها برفق، وهو يشير مع قوله اللين: _"خففيه لاحسن تقيل وميلفت!" وتزامناً مع ذلك، قبل وجنتيها بحب. فوجد كتفه يُضرب من "آدم" الذي غمز له بوقاحة. وقد خففت "نيروز" ما قاله لها باقتناع، عندما أصرت "ياسمين" على وضعه لها بكثرة، والآخرى رفضت، وبالنهاية أجبرتها. وعندما التفت "آدم" برأسه، وجدها تستنشق إحدى الورود بعدما انتهت من تنسيق الباقات لهم. حينها اقترب منها يأخذ الوردة من يديها ثم قال بشفرة، ولم يغفل عن جمالها الواضح بفستانها الفضي اللامع المنفوش: _"ريحتها وشكلها يخطف القلب أوي صح؟" ماذا يقصد؟ على أي حال، نظرت له باستنكار، وبالنهاية أومأت له دون صوت. فعاد هو يردد بلين: _"زيك!" عنفّته "فريدة" بنظراتها ثم قالت بحدة: _"وبعدين معاك بقا.. ما تخلي الدنيا تمشي بهدوء وبلاش اللي كان!!" تنحنح "آدم" يجلي حنجرته بصوت، ثم جاب عينيه تقاسيم وجهها وهو يسألها باهتمام: _"عايزة الصراحة؟" _"أي صراحة؟" سألته بغير فهم. فراقب المكان ووجده خلا بالفعل منهم عدا "نيروز" و"غسان". فعاد هو يتنفس ويردد بصدق وصراحة من وجهة نظره: _"الصراحة بتاعت إنك أحلى واحدة هنا. دا تقيمي ورأيي يعني!!" بالفعل كانت كذلك، كانت أجملهم. لم تريد أن تقلب الوضع لعراك، لذا نظرت له بسخافة ثم قالت بتبجح: _"بس محدش طلب رأيك برضو!" _"ما أنا قولتلك!" قالها وهو يعقد حاجبيه. فسألته بتلقائية: _"قولت إيه؟" _"إن رأيي أمر مفروض.. إجباري يعني يا.. "حلوة"" ذلك اللقب الأخير بدله بصدق، وهو يغمز لها. وجدته يذهب بعيداً عنها. وإن لم ننس، فقد كانت "فرح" معهم تظهر على ملامحها السعادة، ولأن "عز" جعلها تركب السيارة في الأمام معه، لم يركز "بسام" كثيراً، والذي أخذ النساء بسيارة شقيقه كي يوصلهم القاعة، وكان من بينهم "حنان". لاحظ "غسان" رحيل "شادي" و"عز" بسياراتهما نحو سنتر التجميل. وبقي "حازم" سيركب معه "ياسمين" و"فريدة"، و"غسان" ينتظر قدوم سيارته من "بسام" كي يركب بها هو الآخر مع "نيروز" و"وسام" بعد توصيل "بدر" والديه معه و"آدم" إلى القاعة، ثم سيخرج منها ناحية السنتر التجميلي دون أن يعود هنا. _"بسام لسه مجاش؟" سألته "نيروز" وهي تنتظر الآن بمفردهما أمام محل الورد. فرد هو باختصار، يلاحظ وقوف شقيقته بالداخل: _"فالطريق!!" لاحظ سكون المكان المريب. فغمز لها بعبث ثم قال بمشاعر فياضة: _"ما تيجي أخطفك وتخطفيني ونروح مكان محدش يعرفه غيرنا!!" _"موافقة طالما هبقى معاك!" قالتها بحب، وعادت تسأله بمشاكسة: _"نروح فين؟" سألته بضحكة خافتة. فتعلقت عينيه بعينيها ثم رد بمرح هادئ: _"حفلة للست!" إعتلت ضحكتها هذه المرة لقوله شيئاً مستحيلاً الآن أن يحدث وبهذا الزمن! فمرر يديه على ملامح وتقاسيم وجهها بحنو، ثم قال بصدق وتأثر: _"ضحكتك وملامحك حلوين أوي يا نيروز!" _"دا بس عشان بتشوفني بقلبك!" كانت الجملة عفوية تلقائية. فأمسكت كفه تتشبت به بسعادة، ثم التفتت ترفع رأسها تنظر نحو اللافتة التي باتت تحفظها عن ظهر قلب بكل تفاصيلها الذي صممها هو بنفسه وبفكرته هو. لافتة "عودة الوصال"!!! حينها تفهم ما فعلته. فاقترب غير عابئ بالشارع والماره، وقبل إحدى وجنتيها بحب. شهقت هي، تعنفه، ووجد شقيقته تضرب كتفيه من الخلف وهي تقول: _"نفسي تبقي محترم في مرة. لو مش عشان الناس.. حتى عشاني وأنا محشورة وسط المشاعر الفياضة دي!!" لاحظ خجل "نيروز" وهو يضحك. وجلست "وسام" بجانبهم على الدرج. بوقت قوله وهو يغمز لها: _"ما أصل المشاعر دي وقتها غريب الصراحة.. بس مقولش ليها لأ أبدا!!" ضغطت "نيروز" على كفه بتعنيف من وضعه لها بوضع محرج. وتعالت ضحكة "وسام" وهي تشاكس "نيروز": _"يا بختك يا روز.. أخدتي الحب كله ليكي لوحدك. يارب حد يحبني زي ما أخويا بيحبك ولن واشكي ولن أبكي والله!!" تعالت ضحكة "نيروز". فحاوط "غسان" بذراعيه الاثنان وهو يقرب رأسهما ناحيته مردداً وهو يخرج أنفاسه رداً على حديث "وسام": _"أتمني براحتك. أنا كده كده مش هوافق على عرسان أنا!" _"خدي بالك يا نيروز قبل عليكي حاجة مش قابلها على أخته. نكدي عليه!" قالتها بخبث. فتحركت "نيروز" تضحك بقوة وهي تحرك رأسها بغير اكتراث، توبخها: _"انتي الكسبانة يا حبيتي.. الجواز دا حوراته كتيرة." صمتت ثم تعلقت عينيها بعينيه الضاحكة وأكملت بعدها بصدق: _"بس أحلى حاجة لو مع الشخص اللي بتحبيه!!" ضحك بسعادة وهو يضمها زافراً براحة تغمره. وقليل ما يحدث ذلك. بينما الآن بين ذراعيه أكثر الأشخاص يكن لهن حباً. وكان ركن والدته محفوظاً. لطالما هن المؤنسات الغاليات والأقرب لقلبه مهما حدث. كل منهن يحمل اتجاهها حب مختلف تماماً عن الأخرى!! وقفت السيارتين أولاً. سيارة "عز" و"شادي" اللذان هبطا معاً بتناسق. ووقف الاثنان للاستعداد للدخول هما أولاً. لحظة توتر.. ارتباك.. مشاعر مضطربة من الاثنين. كما كان هما الاثنان في الداخل، كل واحدة تستعد لمواجهة من اختاره قلبها. كان السنتر من الخارج منظماً بأبواب كثيرة ثم التقابل عن نقطة واحدة من الداخل. وقف "شادي" عند ستار وباب ملتصق بباب وستار. يقف أمامه "عز". وعلى بعد منهم كانت سيارة "حازم" تقف. ووقف مع شقيقته وزوجته مع "فرح" لانتظار التخطي لهذه اللحظة الخاصة بالعروسين معاً. بدأ العد من منظمة اللقاء الأول يعلو من الداخل. من واحد واثنان وثلاثة، حتى بدأ كل واحد منهما بالدخول بقدمه اليمنى ليجد كل منهما العروس الخاصة به توليه ظهرها. خفقات قلبه تزداد. لا يصدق أنه الآن ترتدي له الأبيض. بل والأبيض الذي ظل يراها أجمل من ترتديه وكأنها ملاك! ولكن مهلاً. لم يستطع رؤية وجهها. ولكن اتضح أن هذا الأبيض يختلف تماماً عن الأبيض التي كانت ترتديه. يا لتوتر اللحظة بالنسبة لها. تقدم "عز" مع تقدم "شادي" بجانبه هو الآخر. وبخفة، التفتت "جميلة" و"منة" بنفس ذات الوقت مع اللحن الهادئ. حينها انبهار "شادي" كان لا يقل عن انبهار "عز" الذي نظر بدهشة لمظهرها وكأنها أميرة جميلة بملامحها التي لم تختلف كثيراً. وأيضاً فستانها كان أنيق عليها بشدة. أدمعت عينيها بتأثر وهو يمد يديه يعطي لها البوكيه تزامناً مع مسكة لكفيها الباردين. ثم نبس بعدما ابتلع ريقه بصعوبة: _"لما رأيته.." "ملك فؤادي!" رمشت "جميلة" بأهدابها بتأثر، ثم بعدها كان العناق المشدد منه لها وهي تربط على ظهره ورقبته من الخلف. "لحظة بكل اللحظات. لم ولن تتكرر." وهو يعلم ذلك. عندما خرج ينظر بغير تصديق وأكمل بعدها بقية حديثه العميق: "ملك فؤادي الجميل اللي عيشت طول عمري نفسي أبقى ضل ليه.. إيه الحلاوة دي كلها.. مش معقول كل ده ليا لوحدي!" تمسكت بكفه وعينيها تترقرق بها الدمع، ثم سألته بتحشرج: "بجد أنا شكلي جميل؟" "جميلة وجمالك مش إسما بس. والأبيض ده غير كل الأبيض اللي شوفتك بيه.. مش قولتلك إنك كتير عليا أوي؟" قالها بتأثر، ومن ثم عانقته هي وهي تردد بنبرة أشبه بالباكية: "أنا بحبك أوي.. أوي يا عز والله!" عانقها بحب وهو يردد عليها كلمات معسولة صادقة نبعت من داخله. بينما وقفت لحظة "شادي" عندما أطال النظر بها بتمعن وأمسك كفها. وبالآخر مسد به على خصلاتها وهو يقول بانبهار: "مشوفتش فجمالك يا ام عيون قناصة. خطفتي قلبي بطولك. هتعملي فيا إيه تاني.. إرحميني عشان أنا تعبت خلاص من جمالك!" قال "شادي" آخر حديثه بتعب، تزامناً مع تقبيله لكف يديها برقة، ثم أدخلها بأحضانه. حينها كانت تحت لحظة تأثر من كم هذه الفرحة، وردت عليه باهتزاز عندما تحرك يقبل وجنتيها بحب: "مكنتش اتخيل إن كل ده يحصل يا "شادي" بس.. بس أنا مبسوطة. ومبسوطة عشان بحبك!" قبل قمة رأسها بطاعة. وحينها بدأت الكاميرا في تصوير العروسين الآخران بخفة قبل الخروج، ثم هما من بعدهم. طالع خصلاتها وملامحها بشغف، وعينيها التي قنصته بخفة، كما كانت "جميلة" تأخذ وضع تقابل الرؤوس مع بعضها كي تأخذ الصورة مع "عز". حينها تقابلت عينيه مع عينيها وسمعت همسه العبثي لها وهو يبتسم حتى أخذت الصورة وهو يعازلها بهمسه من تلك الأغنية التي تتعلق بذهنه كلما يراها: "آه يا حلو ويا مسليني!" بينما في الخارج جاء "غسان" و"نيروز" معه والكل ينتظر خروجهم. وحينها كانت الفتيات والشباب مجتمعين. من بين "ياسمين" وحث "حازم" لها على أن تجلس على المقعد المريح أمام السنتر. ووقف "آدم" يراقب الأجواء، كان معه الصغيران متعلقان به، وخاصة "أدهم" الذي أمسك الهاتف يقوم بالتقاط الصور ببراءة. وعندما رأى "فريدة" هتف يناديها من على بعد ببراءة: "فيفي. تعالي اتصوري معانا!!" تركت "فريدة" حديثها مع "وردة" وسارت بخطوات هادئة كي لا تتعرقل بفستانها المنفوش. وعندما قال "أدهم" كذلك، ضحك "آدم" بخبث وهو ينحني كي يصور معهم. وقفت هي ثم انحنت فوجدته ينحني بجانبها ورأسه بجانب رأسه. حينها أخذت الهاتف من "أدهم" كي تتحكم بمسكته، ثم ابتسمت باتساع. ولاحظت ما فعله "آدم" فحاولت التجاهل، ثم أخذت الصورة فتعالى صوت "آدم" بضحكة خفيفة: "زي العسل!" قالها وهو يتعمق النظر بها ووجهها. فسأل "يوسف": "هي إيه دي يا خالو!" "الصورة يا سوفا.. الصورة!!" ابتسمت للتوأمان وانحنت حينها تقبلهم بحب، وبادلوها القبلة ببراءة. فرد "آدم" بغمزة وقحة وقال بجرأة لم تندهش منها: "دوري بقى!" "إحترم نفسك وبلاش الجو ده!" تنحنح يجلي حنجرته، وقبل أن ترد وجد الكل يجتمع حول العروسين. فوجدها تتوجه بسرعة كي ترى "جميلة" شقيقتها. وعندما ذهبت وجدت الكل يرحب بهم، ومن بين الأحضان المتأثرة كانت من "جميلة" و"نيروز"، و"جميلة" و"فرح". حينها وقفت "فريدة" تنظر بانبهار نحوها، كما كانت نظرات "حازم" المتأثرة. عانقوا بعضهم بحب. وحاولت "فريدة" أن لا تردد حديثاً متأثراً كي لا تهبط الدموع كفى حزنها لفراقها. بينما وقفت "نيروز" تعانق "منة" التي بحثت عن "والدها" بعينيها ولم تجده. وبخفة وجدته يأتي من بينهم، ثم تجمعت الدموع بمقلتيه وهو يمسك كفيها ممراً عينيه عليها وهو يقول بنبرة مختنقة: "زي القمر يا حبيبة قلبي. ربنا يحميكي يا بنتي!" قبلت كفه ببر، وسقطت دمعتها فمسحها "شادي" بالمنشفة برفق، وهو يربت على ذراعها. وعندما استعد كل منهم للركوب السيارة ساعدت الفتيات العروستين بفستانهما كي يستطيعان الجلوس. وبالفعل أُغلقت سيارة "شادي" والذي قادها "بسام". وأُغلقت سيارة "عز" والذي قادها "حازم". ومن بعد ذلك ركب الجميع كل الأماكن التي تخصهم بكل من سيارة "حازم" الذي قادها "آدم" هذه المرة، وسيارة "بدر"، وحتى "غسان". كان رحيل العروسين على مكان مخصص لأخذ الصور، لذا سيسير الجميع على قاعة الزفاف التي كانت بها النساء متراصين هناك على الطاولات. وبالفعل بقاعة الزفاف كان يجلس "حامد" على الطاولة مغلقاً الخط مع "غسان" عندما علم أنه بالطريق على وصول. كانت بجانبه "دلال" و"سمية" بجانبها، ومن ثم "عايدة" و"حنان" وحتى "فاطمة" التي تركت صغارها يذهبون مع خالهم. تنفست "حنان" بعمق حتى وجدت "عايدة" تربت على ساقها بهدوء ثم قالت بقلق مخفي: "أنا عايزة أقولك حاجة كده مش عارفة أخبيها جوايا يا حنان. هتقدري كلامي؟" تلهفت "حنان" بقوة حتى مدت يديها تضعها على كف "عايدة" ثم قالت بسرعة: "ده كلام يا عايدة. قولي طبعاً يا ام العروسة!" "أنا بس عايزاكي تعاملي جميلة بما يرضي الله. والله بنتي دي طيبة وغلبانة وقلبها أبيض. متجيش عليها يا ام عز فيوم. وخلي بالك منها وكونيلها أم. والله العظيم هي بتحبك أوي وبتحب فرح وعز. أنا عارفة إنه هيراعي ربنا فيها. وعارفة إنكم ناس أصيلة بس انتوا عارفين اللي فيها. جميلة معاشتش حياة عادلة ولا عرفت تتبسط باللي يبسط. مقدرش أقول إن خاطرها كان دايماً مكسور بس على إيد عز بسرعة بقت حاجة تانية. بالله عليكي ما تندموها وراعوا ربنا فيها وهي كمان هتعمل كده أنا متأكدة!" نظرت إليها بلهفة وتأثر ثم قالت بدفاع سريع: "لولا إني حاسة بيكي وبكلامك كنت زعلت. بس أنا فاهمة اللي انتي فيه ده. متخافيش عليها بنتك داخلة بيت ناس طيبين والله ورأسها دايماً هتبقى مرفوعة محدش يقدر يكسرها ولا يزعلها أبداً. إطمني!" وعلى سهوة وجدت من تميل على "عايدة" وكانت "زينات" التي تقابلت مع "فريدة" عند بوابة الدخول. ابتسمت لها بترحيب ثم جلست. وقفت "حنان" تأخذ يد "فرح" من "وردة" و"نيروز" التي أسندتها. جلست "فرح" وجلست بجانبها "ياسمين" وتجمعت الفتيات على طاولة واحدة. ووقفت "نيروز" تبحث بعينيها عنه حتى وجدته يقف مع "آدم" و"بدر". كان "غسان" يحمل "يامن" على ذراعه بخفة وهو يشاكسه. اختار "بسام" أن يذهب مع "شادي" ليقود له السيارة كي يهرب من وجود "فرح" الذي منع نفسه بأعجوبة على أن لا يتوجه ناحيتها. وعلم بأنها فقدت النطق بينما نظراته لها كانت قوية تحاوطها وشعرت هي بذلك فتعمد الهروب من مشاعره الذي لم يعد يتفهمها. جلست "نيروز" بجانب "سمية" التي كانت تتهامس مع "دلال". وحينها ابتسمت بحب لابنتها ثم قالت تشاكسها: "طالعة زي القمر يا حبيبتي!" "إنت اللي حلوة أوي يا ماما!!" عانقتها "نيروز" بسعادة وقد أخرجت هاتفها كي تقوم بالتقاط صورة معها تحت أنظار "دلال" و"حامد" المبتسمة بلطف. حينها وجدته ينحني بـ"يامن" ثم مد ذراعه يقرب "والديه" و"وسام" التي كانت تقف بجانبه. حتى قال بخفة يحثها على أن تأخذ الصورة على هذا الوضع: "يلا يا رزقة خدي الصورة بسرعة!!" أخذتها وهي تضحك بملء شدقيها كما كان يضحك الجميع. ثم اعتدل وأخذت "وسام" "يامن" منه. فعاد هو يقف مع "بدر". جلس "آدم" بملل واضح على ملامحه وقصد الجلوس بجانبها وهي تشرد بالمكان وتنظيمه. انتفضت بسرعة عندما وجدته يهمس بجانب أذنها بملل: "هو مفيش أكل ولا إيه؟" حركت "فريدة" رأسها تنظر بدهشة ثم قالت بغير تصديق: "هو ده كل اللي هامك دلوقتي؟" سخرت "فريدة" بحديثها، فحرك رأسه يؤكد. فرمقته بعدها باستخفاف، وحركت عينيها نحو حلته الأنيقة عليه وسلسلته العالقة برقته. فتح أزرار قميصه، ما أثار انتباهها هي السلسلة. فردت تخبره بهدوء: "عالفكرة السلسلة للرجالة حرام.. المفروض إني ملاحظة إنك بقيت ملتزم شوية، مش فاهمة إزاي معرفتش حاجة زي دي!" عقد ما بين حاجبيه من حديثها بملاحظتها لالتزامه، بل وتارة لا تثق بتغيره وتارة أخرى تثق. رفع عينيه نحوها يطالعها ثم قال باعتراف: "الصراحة دي مش منظر ولا شبحنة.. دي أنا لابسها من زمان وفيها صورة أمي!" ضمت شفتيها بأسف ظهر على ملامحها واعتدلت أكثر في جلستها، تردد بتفهم: "ربنا يرحمها.. بس على ما أعتقد حرام بردو!" "دي غالية عليا أوي.. بدر كان جايبها لي بعيد ميلادي من زمان أوي مبقلعهاش لحظة واحدة.. بس لو حرام تتقلع ونختار الآخرة يا.. شاطرة!" غمز لها بآخر حديثه، فعنفته بنظراته وهي تطالع القلادة مرة أخرى مع حلته بسترتها. فسألها بمشاكسة: "حلوة البدلة صح؟" "مش أوي!" قالتها بصراحة واستنكار، وحركت عينيها بمكان آخر فوجدت "زينات" تبتسم لها باتساع وسعادة. فهمس هو من جديد: "عالفكرة انتي شكلك حلو من غير مكياج!" عقدت ما بين حاجبيها ثم زفرت بنفاذ صبر، تردد بجدية: "وبعدين معاك بقى!" "ما تخلينا صحاب وقرايب مع بعض كده وهدي اللعب شوية. أنا لو وقفت ورديت على كل كلمة هتخرج منك مش هنخلص. وأنا بصراحة نفسي منخلصش!" "مبقاش ليا فجو المعاكسة والكلام الناعم ده. اشغل بالك بأي واحدة غيري، البنات كتير. لكن أنا لا.. ومش عايزة أديك أمل عالفاضي. عشان أنا مش عبيطة إني ملاحظش نظراتك وكلامك مهما حصل من خلاف!" قالت حديثها بصراحة شديدة دون توتر، بالفعل لا تريد بأن تعطيه أمل، وهو يشعر تجاهها بإعجاب فقط. وشعرت هي بذلك. لم يتفاجأ من حديثها ولكنه نظر لها بثبات، ثم سأل بنبرة هادئة واثقة: "ليه؟" ماذا تقول هي الأخرى؟ في القدم كانت لم تنتبه لإعجابه، وكان هو لا يشغل عقله كثيراً. بينما الآن خلق من جديد وبحياة جديدة يحاول التألم بها، ويشاء القدر أن تكون هي بهذه الحياة كل يوم أو بعض الأيام، وليست مثل من قبل كان لا يراها إلا مرة من بين شهور غير معدودة. وتعمد فعل ذلك عندما رفض من شقيقها بطريقة غير مباشرة. ماذا تفعل هي الآن؟ وللحق لو كانت فريدة السابقة، كانت لم تفوت فرصة كهذه، خاصة أنه ملفت للأنظار، يظهر عليه الثبات والوسامة القليلة التي انتبهت لها منذ زمن. لو كانت السابقة لاعطته فرصة للتقرب دون مسمى، والآن هي قد تغيرت بطباعها ومبادئها، وحتى ما حدث لها غيرها للعكس تماماً. ناحية الجنس الآخر في العموم. حاولت أن تخفي دمعتها من سؤاله ثم أخذت نفسها بعمق وصوت. وانتظر هو الجواب، بينما أجابت هي بضعف تحاول إخفاءه: "عشان مش لازم أنا.. ومش هينفع!" حاول تخطي الجواب منها. وحرك عينيه نحو الجالسين، وكان يراقبه بنظراته "بدر" الذي نظر بتمعن نحو ملامح وجهه الجامدة. لم يتعمد الجواب، بل ابتسم يذكرها بقول قد قاله بفتور: "وأنا قولتلك إن انتي اختي عادي.. إنسي!" ابتسمت بخفة، ابتسامة باهتة، ولاحظت سؤاله الثاني المهتم: "أنا ملاحظ يعني إنك مبقتيش تروحي الجامعة!!" "على شهر الامتحانات هنزل.." قطعت حديثها. وانتظرها أن تكمل. وعندما توقفت زفر بصوت مسموع وهو يحرك رأسه متفهماً. ولاحظ اقتراب "أدهم" منه فحمله بمرح ليجلسه على الطاولة أمامه، ثم قبله بحب، محاولاً نسيان ما حدث. بينما جلس "غسان" أخيراً بجانب مقعد "نيروز" التي كانت تحاول خلق أي حديث بتفهم لحالة "فرح"، والأخرى كانت تركز معها. ابتسم على حنوها، فمال يهمس بجوار أذنها بعبث: "فاكرة يوم فرحنا؟" طالعت عينيه بسعادة ثم ابتسمت برقة وهي تهز رأسها بنعم، مرددة: "عمري ما أنساه بكل تفاصيله..!" صمتت وسط هذه الأصوات العشوائية، ثم حركت عينيها عليهم حتى عادت تقابل عينيها مع عينيه، فوجدته يحاوطها بنظراته. المدهش أنها سألته بتأثر من لحظة فراقهما، سواء كان قدر أو نهاية حياة أحدهما: "هو انت ممكن تنساني في يوم؟" يالقسوة هذه الفكرة في العموم. ابتلع ريقه بدهشة من سؤالها المفاجئ، وهو الذي وجد أن الصراحة بهذا الوقت كانت مطلوبة. نفى "غسان" بصدق، ثم قال ونظرة عينيه الدافئة تحاوط عينيها التي تسحره: "أنا ممكن أنسى أي حاجة في الدنيا إلا نيروز..!" خفق قلبها وجاء هو بالتبرير الثاني عندما وضع كفه على كفها بعشق، فاض من عينيه وحتى قلبه: "العقل بيجيله وقته وعمر وبيخيب.. بس القلب عمره ما بينسي حبيبه!" وسألها بنبرة أعمق عن ذاكرة القلب في العموم: "تفتكري انتي القلب ممكن يخيب وينسي بعد ما كان عاشق مبيدقش غير لواحدة اختارها من بين كتير أوي؟" أجابت على قلبه هو، حينما تمسكت بأنامله وهي ترد عليه بصراحة عميقة: "عمره ما يخيب لو زي قلبك.. قلب عمري فحياتي ما توقعت ألاقيه!" وصمتت تخرج بمشاعرها الفياضة أكثر، ثم أكملت: "أنا بس ملقتهوش لا دا كمان اختارني من بين ناس كتير أوي وميزني فعز ما كنت بحس إن مش أنا اللي بتعمل عشاني كل ده!" توسعت بسمته الهادئة وهو يطالع تقاسيم وجهها، ورد بصراحة يعلمها ما تشك هي به، رغم عبثه الدائم في الظهور لها أنه يرى آخرين سواها: "مهما حصل مش عارف أشوف غيرك ولا قلبي اختار ولا هيختار غيرك إنت.." وسألها بتيه وتعجب وكأنه يستوعب: "إنتي عملتي إيه فيا ووقعتيني فيكي إزاي!" واضاف باعترافات كثيرة لطالما الآن تحت سلاح نظرات عينيها البنية: "ده أنا اتسحلت سحلة منتهتش إلا بوجودك في بيتي وحضني، وياريتني لسه عارف أخف، لا ده أنا عامل زي المراهق اللي بيحب جديد لأول مرة. ده أنا حتى خايف.. خايف عليكي. خايف أنساكي مع إن متأكد إني مش هعرف!" داهمها بالصراحة وقليل ما يتحدث بصدق دون مرح ومشاكسة. ابتسمت بإتساع، وحينها قالت رداً على حديثه بصراحة: "بس أنا مش خايفة." مع إن كوكب أرضك قالت "بخاف عليك وبخاف تنساني". لم يأخذ فرصته بالرد بالشطر الآخر من الأغنية بغمزة عينه كالعادة، بل حرك عينيه نحو الذي مال ليجلس بجانبه ولم يكن سوى "فتحي" شقيق "شادي". سحبت "نيروز" يديها وهي تعتدل تنظر بمكان آخر غيرهما، ولكن اخترق قوله مسامعها عندما شاكس "غسان": "في شوية عرايس بالفرح دول حلوين أوي... قوم نقيلك واحدة وعيش واتبسط". فتحت عينيها بمفاجأة من وقاحته بحديث كهذا أمامها، يجرح أنوثتها بطريقة غير مباشرة. حاولت النهوض وعاقها ذراع "غسان" الذي وضع على كتفيها وهو يرد عليه: "ما قولتلك يا فتحي، ثانيًا إني راجل، وثالثًا إني مش شايف غير مراتي". صمت ينظر نحو نظرات الآخر السمجة، والتقط السؤال الذي سأله بعينيه، فأضاف "غسان" مكملاً حديثه بتبجح: "هتسألني عن أولًا، فهقولك إنك تخليك فحالك، وقبل دا تحترم وجود مراتي. شد أنت يلا واختار عروستك التالتة يمكن ربنا يكرمك ببنت حلال شبهك!". طرده بتبجح كعلامة بأن ينهض من هذا المكان. اغتاظ "فتحي" من حديثه وأخرج اللفافة من فمه، ويصمم هو على أن يُهان عندما عانده كي لا يهزمه. ونظر ناحية "نيروز" الصامتة، ثم ردد بسخرية مخفية: "شكلك غالية أوي عنده يا مدام... عملاله عمل ولا إيه!". قهقه بعدها بسخافة. وجاء رد زوجة "سمير" التي جاءت لتقف وهي تسمع آخر جملة، فمررت يديها على خصلات شعرها بتعالي، ثم ردت هي بوقاحة: "متكسفهاش بقا يا فتحي، دي حاجات ستات ومش عيب يعني الست تحافظ على جوزها وتخليه ميشوفش غيرها حتى ولو بأي طريقة!". "أنا مسمحكليش!". قالتها "نيروز" وهي تندفع واقفة بشرر يتطاير من عينيها. وحينها انتبه من يجلس على الطاولة، وابتسم "فتحي" بانتصار لما حدث. فتجاهلت الأخرى اندفاعها هذا وهي تكمل حديثها ممررة عينيها عليها: "لا بس حاجة زي دي تحتاج كده فعلًا... أصلك يعني مش مـ...". قاطع حديثها اقتراب "ياسمين" التي سمعت قولها كما الآخرين، وردت هي بتبجح رد أخرسها: "واحنا هناخد كلام من واحدة شادة ونافخة؟ وكمان اسمها دولت". كبت "غسان" ضحكته ولم يرد أن يتدخل بسبب أمور السيدات هذه، ولكن إن زاد الوضع عن حده فكان سيتدخل على الفور. وكان تدخل "ياسمين" كان قبله وسبق ما كان سيرد به. احمر وجه "دولت" بغيظ، حتى رمقتهما بتقزز وهي تحاول الابتعاد ناحية زوجها الذي كان يقف مع بعض الرجال بعد قولها لها بابتسامة مستفزة: "دمك مش خفيف بس شكل خضار عينك مقوي قلبك!". قالتها بسخرية، فحركت "ياسمين" شفتيها باستنكار وهي ترد بصوت مرتفع ليصل لها بعدما ذهبت "دولت"، ولكنها ردت، رغم تحذير "سمية" بنظراتها: "عالاقل مش لينسزز وماشية أتمختر وأتفشخر... رباني يا حبيبتي ها!". قابل "فتحي" عيني "غسان" التي تحدته عندما انحني يهمس بتهديد صريح: "اللي بتحاول تعمله دا مفقوس أوي، خليك بعيد ومتتكش أوي عشان ساعتها هتكتشف إني أعرف عنك حاجات إنت نفسك متعرفهاش". أشار ناحية يديه كعلامة للأموال، وفتح "فتحي" عينيه بصدمة حاول إخفاءها عندما حاول الآخر أن يلمح له بتزوير الأموال. طالعه "غسان" بتسلية، ولم يتفوه الآخر بأي شيء، بل انسحب ببطء. ولاحظ هو جلوس "نيروز" من جديد بصمت هادئ. "وليه حرباية!". قالتها "فريدة" بغضب أمام "آدم" الجالس يتابع بصمت وتسلي هو الآخر. وضحك بخفة على ما قالته للتو. نظر نحوها بسكون ثم قال بوقاحة قصد إظهارها: "بس جامدة!". اندفعت تنظر برأسها باستنكار، ثم رفعت شفتيها باعتراض وهي تسأله بسخرية: "إنت أعمى فنظرك؟ ولا أقول إيه العين مبتشوفش غير اللي شبهها!". "العين بتحب الجمال أوي... من غير ما تبص ع الجوهر، بس القلب غير!". تهكمت أكثر وهي تشير له بغير اكتراث مرددة: "آه وإنت قلبك دليلك أوي!". "عمره ما كان دليلي، أصل غلطي كان إني كنت بشوف بعيني وبس، بس الوقتي الوضع اتغير!". اهتزت نظراتها وسألته بجدية وقتها: "بتقول كلام عميق أوي بس مش لايق عليك!". ضحك "آدم" بخفة، ثم قال وهو يرجع خصلاته إلى الخلف باهتمام: "مفيش حاجة مبتليقش عليا، العبد لله بيليق عليه كل حاجة، تنكري؟". "وأنا كنت معاشراك وعارفاك لما هتشهدني؟". "إنت عارفاني من زمان يا فريدة، كله شايفك متغيرة، بس أنا لسه شايف فيكي واحدة من زمان أوي بس مطفية عن الأول كتير. أول ما رجعت أشوفك لقيت نظرة صعبة فعينك فكرت إنها وقتها بس لسه ملازماكي، إنت مكنتش كده!". كيف فهمها بهذه الطريقة، ارتبكت أمامه وهربت بنظراتها عندما شعرت بأنها مكشوفة. حينها سألته بأعين لمعت من كتم الدموع: "أنا مش عارفة إنت طلعتلي منين، إنت عاوز إيه مني؟". لاحظ تحولها الغريب، فنظر لها بضيق من ما قاله هو بنفسه، ثم قال يوضح لها بنبرة هادئة: "عايز الحاجة اللي كسراكي، وطفت منك الشقاوة والبهجة اللي كانت فروحك!". "إنت تعرفني منين عشان تقول كده!". "عارفك من زمان، والوقتي حتى بعد ما اتغيرتي!". لم يكف عن إرداف حديث يجعلها ترتبك. وعندما شعرت بأن قربه سيهزمها بهذه الكلمات نهضت تختفي من أمام نظراته، وحينها زفر هو بيأس لما يشعر هو به هو الآخر. تخبط، وأفكار متضاربة تصارعه. ولحظات قليلة وترقب الجميع وهم ينهضون ليقفوا عندما أعلن منظم الحفل بدخولهم. حينها دخل "حازم" مع "بسام" ووقفوا مع "طارق" والعائلة من على بعد، وفتحت البوابة ودخل "عز" و"شادي" يقفان بمنتصف الساحة بمفردهما ينتظران قدوم العروسين كما صمم المنظم بدخولهما بمفردهما لكل واحد منهما. أمسك كل منهم الباقة الخاصة بعروسه، ثم وقفا ينتظران مع تهليل الجميع وصوت الصافرات التي تخرج من فم "غسان" و"بسام" وحتى "بدر" و"حازم" و"آدم" الذي نهض بحماس يفعل مثلهم، وأصدقاء ورشة "عز" والمعازيم عندما تعالت الزغاريد من الفتيات أجمع وأصدقاء العروسين معا. ولحظة العد من واحد إلى ثلاثة وفتحت البوابة مرة أخرى وظهر العروسين "جميلة" و"منة" بالسير في خطواتهم البطيئة وكل الكاميرات تتوجه ناحية هذا المشهد عندما اعتلت الموسيقى بقوة تزامنا مع سير كل منهما لهما. "ادخلي عمري بخطوتك اليمين اضوي أيامي وعتمات السنين قرت عيوني بشوق مقبلة يالملاك اللين العذب الرزين" ما هي سوى كلمات تتوافق بشدة معهما مع "شادي" و"منة" هذه المرة عندما. تطابقت الكلمات مع حياة "شادي" الهادئة الساكنة بالوحدة. اليوم ستدخل حياته وتضيؤها بالفعل. انبهر الجميع بجمالهما، كل منهما تختلف بجمالها عن الأخرى. بكت "عايدة" بتأثر كما فعلت "نيروز" بهذه اللحظة مع "فريدة". "اسمعي نبضي ورا صوت الدفوف من لمحتك ضيع الشوق الحروف يا ضيا عيني والله ما تشوف اضحكي يا نور عيني واسعدي خلي الفرحة في عمري تبتدي العمر قبلك وهن ما يحتسب هذي الليلة ترى ها مولدي في وسط قلبي حفرت اسمك هنا نورا بن تركي تراها لي انا نصفي الثاني وفرحة دنيتي دامي دام لي حياتي في هنا" هذه المرة الكلمات تتوافق مع "عز" و "جميلة". في كل مرة يراها يخفق قلبه، واليوم بسعادته هذه بالنيل بها يعتبر مختلف أشد الاختلاف. لا يصدق حاله هذا إلى الآن. أمسكت كل أميرة بيد أميرها وتأبطت كل منهما ذراعهما وسارا معاً ناحية مقعد كل اثنان. وصوت هذه الأغنية يعلو ويكمل بالانتهاء عندما جلسوا بالمكان المنظم بالورد الأبيض الأنيق. حينها توجهت النساء للترحيب بهم، وكانت من بينهم "عايدة" و "حنان". وقفت "نيروز" تنظر بتأثر وحركت وجهها نحوه فحرك رأسه يجيب على أفكارها. "ايوه كانت ساعة فرحك زيك كده بالظبط. الفرق بس ان كان محطوط عليها ساعتها بالجامد لما سابت عز. شوفتي النصيب فالآخِر عمل إيه؟ جمعهم في كوشة واحدة. اختيارات ربنا دايماً هي الأجمل وهي الصح!" ابتسمت حتى ظهرت أسنانها، ولم يغفل هو عن من انسحب من خلفه يتحرك ناحيتها وهي تجلس بجانب فاطمة بسكون، فقط تنظر بابتسامة صغيرة بين الحين والآخر. رفعت "فرح" عينيها تنظر نحوه. انهزم هو. انهزم "بسام" وهو يجلس على المقعد الذي بجانبها حتى ابتلع ريقه ينظر نحو ملامحها الهادئة. حينها لم يمنع سؤاله أن يخرج عندما قال: "إزيك يا فرح؟ أتمنى تكوني سامعاني ومركزة معايا. أنا.. أنا عرفت اللي حصل. علفكرة إنتي قوية أوي عشان تستحملي كل ده لوحدك!" لم تدمع عينيها الآن. لم تغفل أنه بكل مرة يهوّن عليها بالحديث، علمت أنه هو لطالما الآخر يقف برفقة زوجته. رمشت بأهدابها لثوانٍ بعشوائية. وعندما تحركت تعلقت مع نظرة عينيه التي شملتها لأول مرة تشعر بذلك الماس الكهربائي الذي قشعر بدنها بجهل. ربما خجل. تعلقت الأعين بحديث جاهل وصامت، وتحدث قلبه حينها بلغة مفهومة: أن هذه الأنثى أخذت قلبه بالفعل دون دراية منه كيف ومتى ولما هي من الأساس. فارق وتعمد البعد ومنع نفسه عنها وعن رؤيتها، والآن تأتي هي له بكل سهولة. تحركت عينيه بعشوائية وهو يتنحنح بحرج. ثم قابل عيني "غسان" التي تراقبه. وعندما لاحظ قدوم "حنان" من بعيد ونظرات "عز" الذي لم يغفل عن شيء كهذا مهما كان وضعه. حينها أشار له "غسان" بأن ينهض بنظرة عينيه. علم أن قربه بجلسته مشكوك به، فنهض رغماً عنه يقف مع "وسام" و "جنة". وقف الشباب مع زوجاتهم ووقفوا جميعاً. في العموم، عندما اعتلت الموسيقى بقوة في المكان تعلن الرقص الصاخب للعروسين مع رقص المعازيم والشباب حولهم ببهجة. نهضت الفتيات، وجلست "ياسمين" بضجر بجانب والدتها مع نظرات "حازم" المحذرة لها، حتى وعدها أنه سيرقص معها على لحن هادئ وليس صاخب. ونهضت "نيروز" تقف مع "فريدة" و "وردة" حول "جميلة" و "منة". ونهض "بدر" و "حازم" ناحية الشباب ليقرصوا مع "عز" و "شادي". بينما جلست "فاطمة" بصمت، صمت لشعور ما حدث بكسرة عليها، وإلى الآن يتوجب عليها الصمود. وجدت "آدم" يقف أمامها ثم مد يديه لها برفق وهو يقول: "قومي يا فاطمة مع البنات. عيشي ومتوقفيش حياتك على حاجة كانت صح إنها تحصل!" نظرت نحو كفه وترددت بأن تتمسك به. بل بهذه اللحظة لم تهتم للناس ولا النظرات ولا المناسبة، بل أدمعت عينيها وهي تصارحه بما تحمل همه: "خايفة أبقى حمل تقيل أوي عليك أنا وهم وعلى بدر. أنا دماغي تعبانة أوي يا آدم. دماغي وقفت ومش عارفة أفكر في حاجة!" أمسكت حينها بكفه ودفعها لتقف بمواجهته برفق. ابتسم ببساطة وهو يمسح على وجهها ومسح بإصبعه ما بجانب أهدابها ثم قال بتنهيدة يطمئنها: "وأنا مش عايز دماغك تفكر أصلاً. بس خليكي عارفة إن كل حاجة هتبقى كويسة. أوعدك إن مفيش حاجة هتتأثر باللي حصل وحبايبك في الحفظ والصون. الحاجة الوحيدة اللي عايزك تفكري فيها وتعرفيها إنك لما تكوني وسط إخواتك وعيلتك متشيليش أي هم!" حركت رأسها وهي تبتسم بهدوء. وجعلها تتأبط ذراعه وهو يطالع فستانها القماشي الهادئ. وقتها كان قد غمز مع صافرة يشاكسها بحب وهو يقول: "حلاوة فطوم لا يعلى عليها كدة كدة!" ضحكت بخفة واستطاع أن يهوّن عليها ولو بذرة واحدة. سارت معه ناحية منصة الرقص الكبيرة التي كفت كل من تبع العروسين والعروسين الأخريين. ومن لاحظ احتواء "آدم" كان "حامد" الذي تنهد وهو يتنفس بصوت مسموع. تلك الفكرة الموجودة دائماً في الحياة أن في لحظات السعادة دائماً ما نجد لحظة حزن يمكنها بأن تختفي، أو لربما ستأتي بعد ذلك. كل منهم لديه الحزين والسعيد. وأن وقت الحزن سيأتي له وقت وسيتحول الوضع للحظة واحدة من الفرح من المحتمل. تغير الأقدار المفاجئ حينها قد يكون أجمل شيء، ووقت آخر قد يكون أصعب ما يمر على الإنسان حينها. تجمعات وأصوات داخلية وخارجية. شخص يحمل هم لحياته القادمة، وشخص آخر مضطرب بشعوره ومشاعره، أو لربما شخصان من نفس العائلة. وشخص آخر يتمنى دوام الحال على هذه اللحظات دون تغير. وآخر به بعض القلق لأن الحياة لم تقف معه، وأن وقفت بلحظة ما تسلب منه كل ذلك بغمضة عين. وآخرون وآخرون. وآخرهم شخص يسوده التوتر لما هو قادم من تحديد مصير لحياته. كل منهم يحمل داخله أكثر مما يظهر عليه. دائماً ما تكون المظاهر خداعة وبقوة. يستمر الوضع بالرقص معهم تارة، والرقص بمفردهم تارة أخرى. ومن ضمن رقص العروسين رقص هادئ، والآن هو يضع يديه على خصرها وهي على كتفيه. تتعلق الأعين، ومعهما هما تتحدث بحديث معلوم ومكشوف. تنهد "عز" بحرارة وهو يطالع وجهها وعينيها وقال جملته الذي كررها كثيراً منذ بداية اليوم: "أنا مش مصدق نفسي وربنا. خايف ليكون كل ده حلم. حلم جميل!" يهزمها دائماً بالحديث. وهي التي إلى الآن تجهل هذه الأمور. تشعر بالتوتر والارتباك وأشياء كثيرة، ولكن لطالما هي بين أحضانه وكل الأنظار عليها، ونظرتها هي لم تكن إلا عليه. هو حينها رددت بسعادة بالغة: "بس أنا صدقت. بقيت بصدق أي حاجة حلوة من غير خوف. من ساعة ما بقيت من نصيب عز الرجال!" أقل حرف بمشاعر يؤثر به. يحمد الله أنها ليست بارعة كي لا يفعل تأثره أي تهور منه. ابتسم بإتساع وشعر بأنه يملك العالم وما عليه. فقط يتمنى أن تنتهي هذه اللحظات معه على خير، وأن تقف معه الحياة ولو مرة واحدة بالخير إلى النهاية. "ليه خايفة؟" سأل "شادي" سؤاله بلين وهو يتمايل معها بهدوء وسكون. طالعته وهي تبتلع ريقها وعينيها التي تتحرك نحو عائلته من شقيقه وشقيقه الآخر، وحتى زوجته وبعض من أولادهم الشباب التي لم تتعرف عليهم، ولأول مرة تراهم بالزفاف بسبب عدم مجيئهم عقد القران ولا زيارة لها. فقط علمت من إشارته لها وهو يعلمها. لم تستطع الجواب، ولكن عدم الراحة الذي بداخلها يداهمها بقوة. فهمها لذا ردد وهو يشدد مسكته بكفها: "متركزيش مع حد. خليكي معايا أنا ومتخافيش!" "مكنتش بخاف. دلوقتي بس ابتديت أخاف. لما حبيتك. ولما حسيت إنك شايل كتير جواك ومخبيه!" فهمها وفهمته دون حديث كثير. لم يرد أن يفتح حديث، إن فتحه سيفح باب الوجع معه. فقط ينظر لها بعمق. فتقابلت عينيها مع عيني "والدها" الذي كان يقف على بعد، وعينيه الآن تهبط الدمعة الذي لم يستطع حبسها. وقتها كان يقف بجانبه "حامد" الذي ربت على كتفه بمواساة وحديث عادي بفهمه لهذه الحالة. وقتها اعتلى صوت المنظم برقص العروس مع والدها وشقيقها. وذهب "حازم" ليمسك يدي "جميلة" بسعادة كما مسك "طارق" يدي "منة". ورقصوا معاً على لحن الكلمات. كما تقدم "عز" هبوطاً من على المنصة ليأخذ يد "فرح" شقيقته ليرقص معها. وأمسك "بدر" يدي "فاطمة" ليرقص معها. ووقفت "نيروز" تنظر بتأثر بجانب "غسان" الذي علم أن هذه الأغنية ستسقط دموعها لا محال. لم يتركها. ومن رقص مع "وسام" كان "بسام". وجلس "شادي" بركن يمسح عرق وجهه بإنهاك. أخرجت "فريدة" هاتفها تقوم بتصوير هذه اللحظة تزامناً مع دموعها التي تسقط بسعادة وتأثر. والآن تعي كيف ستفارقها شقيقتها من المنزل. أخرج "آدم" منشفة ورقية من جيب بدلته ثم وجدته يقف بجانبها ويداه تمتد لها بالمنديل. فأخذته وهي تغلق الهاتف مع قولها العفوي المتحشرج: "مش عارفة بنموت في النكد ليه!" قالتها بضحكة رقيقة مع دموعها، فوقف هو ينظر لها بصمت وهو يبتسم فقط ابتسامة صغيرة. حتى انتهت، فرد بتلقائية: "مافيش حاجة تستاهل إن دموعك دي تنزل!" "جميلة تستاهل، أنا اتعلقت بيها أوي في الفترة اللي فاتت، مش عايزها تمشي بس لازم!!" رقيقة عندما تكون هادئة بأسلوب جديد وليس منفعل جامد حاد. ربما حدث ذلك بسبب الدموع. ضحك بخفة كي يواسيها ثم قال: "صح لازم، أكيد هيجي يوم وتطلعي إنتي كمان من البيت!" اهتزت نظراتها وحاولت إخفاء ذلك، ثم ردت عليه عندما شعرت بأنها محاصرة بالرد: "مش عايزة.. مش بفكر في ده دلوقتي!" تحاول جاهدة أن تقطع أي أمل تركته وتحركت من جانبه. فوجد هو "غسان" يميل عليه مردداً بكلمات مشفرة على فجأة: "مفيش حاجة بتيجي بالساهل خد بالك، أوقات الصبر بيكون حلو!" علم أنه كان ينتبه معهم. كان يقف بجانبه. حرك "آدم" رأسه باندفاع ناحيته يستفهم، وما أن علم معنى قوله رد بيأس: "مش مهم!" كابر كونه يقتنع أن الذي حل به كان مجرد إعجاب ليس أكثر. طالعه "غسان" بتشكك، ولم يتعمد الإطالة بذلك الحوار. بل وجد "نيروز"، تجفف دموعها وتغلق هاتفها، ثم حركت رأسها فوجدته يسألها باهتمام وكأن الأمر عادياً: "ها خلصتي عياط؟" ضحكت من بين عينيها اللامعة ورمشت بأهدابها ترد بنعم مع هزة رأسها، فاعتلت ضحكاته بقلة حيلة وهو يمسح أسفل عينيها أثر الكحل. كان الرقص في البداية صاخب مع الشباب وتارة مع العروسين، وانتهت برقصهم مع فقرة الأب والأخ، وحتى الأم وهذه التي كانت متأثرة بكثرة. وأخيراً أعلن المنظم عن انتهاء الحفل وأخذ صورة جماعية! ونهض الكل يرحل وقت مع وقت حتى خلت القاعة نسبياً، ووقف الكل بالخارج أمام السيارات الكثيرة يودعون العروسين. كان الاجتماع من العائلة فقط، عندما وقفت الفتيات والنساء بحديث عشوائي متداخل أمام "منة" و"جميلة"، وكذلك الشباب والرجال مع "عز" و"شادي" بحديث شبابي شقي ومتبجح، وتارة أخرى وقح بينهم وبين بعضهم! "عليا النعمة يا عز لو أختي جت زعلانة في يوم هزعلك!!" كان قول "حازم" مضحكاً بعد كونه متأثراً ولم يرد قول حديث كهذا بهروبه من مشاعره المتداخلة بفراقها. ضحك الشباب والرجال عليه، وكذلك رد "طارق" بخبث لـ "شادي": "مش محتاج أوصيك يا شادي على بنتي.. منة أنا مربيها كويس أي حد يزعلها تزعله الضعف!!" وضع "شادي" يديه على وجهه بكل ركن كانت قد ضربته ولكمته به من قبل، ذلك ورد بخوف واستسلام زائف: "أنا عارف يا عمي.. إنت هتقولي.. فاهمك فاهمك!!" ضحك من فهم. وبعد دقائق اعتلى صوت هاتف "حازم" على فجأة تزامناً مع قول "ياسمين" التي نبهته بصوت مرتفع: "ما تيجي يا حازم تكلم جميلة عايزة تحضنك قبل ما نركبها العربية يلا!!" أشار لها بيديه بالصبر، وبهذه اللحظة الكل كان يترقب ما يفعله من تجاهل كي لا تسقط دموعه. أخرج هاتفه تزامناً مع قوله وهو يرد عليهم وعلى من اعتلى صوتهم ليشجعونه على عناقها بعدما فهموا ما يفعله من هروب: "استنوا بس هرد على التليفون وساعتها هحضنها وهرجعها معانا البيت كمان ومش مهم عز ماشي!" أيدوه ببهجة وصوت عالٍ ونفى فقط "عز" بضحك هو و"غسان" و"حنان". وقبل هذا القول بدقيقتين ركبت "منة" السيارة بفستانها الضخم بعد وداع الفتيات لها وكذلك "والدها" الذي عانقها بشدة حتى ركبت وانحنى يردد ويحثها على أن تنتبه على نفسها. ومع ذلك احتضن الشباب "شادي" وخاصة "حامد" الذي أوصاه بالتعقل والتفهم والصبر. حينها أمسك يد "دلال" ورحل إليهم مرة أخرى بعدها. فوقف "غسان" يخرج من أحضانه حتى ربت على ظهره بتشجيع ثم قال: "خلي بالك وإنت سايق، قدامك يجي ساعة وأكتر على ما توصل، إبقي طمنيني عليك!!" أومأ له والآخر يعلم بأنه سيتجاهله ولم يفعل ذلك. فغمز له "غسان" بوقاحة ثم دفعه بمشاكسة وهو يقول: "يلا يا عريس.. ربنا معاك ومع ألف سلامة!" بادله الغمزة وركب بجانب "منة" في الأمام وهو يدفع فستانها الضخم بضيق، حتى ركب أخيراً وهو من سيقود في العودة سيارته هو. ضحكت على دفعه لها بفستانها وهو يقول: "كل ده فستان.. حوارتكم طول عمرها كبيرة.. بس أحبكم أنا!!" غمز لها بمراوغة فاعتلت ضحكتها وتزامناً مع ذلك تحركت السيارة مع ردها المحذر بمرح: "متجمعش يا حبيبي.. إنت تحبني أنا وبس!!" .. عودة للدقائق الأخيرة عندما رد "حازم": "استنوا بس هرد على التليفون وساعتها هحضنها وهرجعها معايا البيت كمان ومش مهم عز ماشي!" حينها عاد "غسان" يقف بجانب "نيروز" متابعاً ما يحدث. وعندما أخرج "حازم" هاتفه زفر بملل. ولأن وقفته كانت بجانب "بدر" سأله باهتمام: "مالك قرفان ليه؟" "الرقم ده قاعد يرن عليا من العصر ومكنتش فاضيله ومعرفش مين ده أصلاً!" أشار له "حامد" وهو يحثه بعقل: "رد يبني يمكن حاجة مهمة ولا شغل ورزق جايلك، مش هتخسر حاجة يلا خلينا نمشي وإختك تروح مع جوزها.. بلاش الحركات اللي مخلية الواد عز يقف على أعصابه كده!" ضحك "عز" وهو ينظر نحو "حامد" بقلة حيلة، فوضع "حامد" يديه على كتفه بحب وفهم "عز" نظراته له جيداً. فتح "حازم" الخط بعدها سمع حديث "حامد" وأيده بيأس تحت النظرات المهتمة، وضع الهاتف بجانب أذنه يرد مشيراً لهم بإخفاض صوتهم أو التوقف عن الحديث ليسمع الطرف الآخر، ولبوا ما فعله وما يريده عندما سكن المكان والحديث ورد "حازم" بنبرة هادئة: "ألوو!" جاء صوت الطرف الآخر برسمية: "معايا أستاذ حازم سليم الأكرمي ابن المحامي السابق سليم الأكرمي؟" عقد ما بين حاجبيه وأجاب بنبرة عادية يؤكد يحاول عدم القلق الذي دب به: "آه أنا خير؟!" "إحنا بنطلبك بقالنا كتير عشان تيجي تستلم جثة والدك و..." صدمة! ردد هذه الجملة القاسية عليه دون شفقة وعدم اكتراث الطرف الآخر لاعتياده على ذلك. وبالنسبة له هو ففتح عينيه بصدمة وتحولت ملامح وجهه للشحوب. لا ما سمعه ليس صحيحاً أبداً، عن أي جثة يردد؟ عينيه المفتوحة واهتز جسده الذي جعل يديه ترتجف وهو يحاول جاهداً مسك الهاتف بما يملكه من قوة. قوة تبخرت في الحال عندما لاحظ الكل اهتزاز جسده الذي مال إلى الخلف وأسنده "غسان" حينها بسرعة بغرابة. أين الدموع؟ وأين عقله وأين ذهب تركيزه في عدم السماع للحديث الذي يكمله عليه الطرف الآخر بالتفاصيل. حرك رأسه نفياً. وسألته "عايدة" باندفاع عندما لاحظت تغير حاله وبقلق: "مالك يا بني؟ ومين ده اللي بيكلمك؟ خير في إيه؟!" توجهت حينها تقف بجانبه بقلق وردد الشباب حديثهم بتساؤل متداخل. فحرك رأسه بتيه وهو يسمع الطرف الآخر يردد بنفاذ صبر: "إنت معايا يا أستاذ؟" تاه وجاهد على أن تخرج منه الكلمات رغم شعور أنفاسه الآن بأنها تُسرق. حينها وقفت "ياسمين" تضع يديها على ذراعه تستعلم عن وضعه المقلق بالنسبة لهم. فرد هو باهتزاز على المتصل وصوته المتقطع المتحشرج أثار ربيتهم: "قولـ.. قولتلي أجي استلم الـ.." الجثة أبوكي مات كانت الكلمات قاسية، ونظروا جميعًا بغير فهم. وعند كلمة جثة، ظهر خوف الكل. ومن انتبه لهذه الكلمة بتخمينهم صعق. أي جثة هو مسؤول منها سوى "سليم" و"حسن" المتغيبين عنهم كعائلة؟ شحب وجه "جميلة" وهي تتأبط ذراع "عز". عندما سألته بخوف وهي تبتلع ريقها: "جـ جـثة مين يا حازم اللي هتستلمها؟" سألته بخوف، ونظر الكل بترقب. ووقفت "فريدة" بجانب "آدم" و"زينات" بملامح وجه جاهلة، قالقة. فرفع "حازم" عينيه يأمر "عز" بنبرة خاوية عندما أغلق الطرف الآخر الخط: "خد جميلة وامشي يا عز!" "ماهذا القلق والتوتر؟" سأله "عز" بقلق ظاهر: "في إيه يا حازم؟" "بقولك خدها... وإمشي يلا!" قاله بنبرة مختنقة. فحاوطته "ياسمين" بذراعها تسأله بخوف: "في إيه يا حازم مالك؟" وقف بخواء. وبهذه اللحظة لم تقو قدميه على التقدم نحو "جميلة" التي وقفت ولم تتحرك تنتظر فقط رده معهم. نزلت دمعته بغير تصديق، وأمسك رأسه. فسحب "بسام" مقعدًا سريعًا ليجعله يجلس. وقبل أن يجلس، لمعت عينيه ثم خرجت منه شهقة رجولية ظهرت وهو يقابل عيني "فريدة" التي سألته بخوف: "جثة مين يا حازم رد علينا عشان خاطري!" تقدمت "جميلة" تمسك كفه والدموع تتجمع بمقلتيها على حاله دون فهم. ورفع رأسه بعينيه التي احمرت ونظر بقوة في عيني "فريدة" وهو يردد بنبرة مبحوحة مختنقة ضعيفة تائهة منهزمة: "أبوكي مات" شهق الجميع. ولحظات من الاستيعاب إلى أن صرخت "عايدة" بغير تصديق كما صرخت "زينات". ووقفت "جميلة" تحرك رأسها بنفي، تنفي بهستيرية. الجملة وقعت عليها كسيف ضربها من خلف ظهرها دون دراية منها ولا حساب لذلك. يوم زفافها! في يوم زفافها يرحل والدها. كيف؟ ولما لم تعدل الحياة معها؟ ولما هو يظلمها دائمًا؟ حيا أو ميتًا؟ هبطت الدموع منها وسط هذا الصراخ ونفت وهي تردد بنبرة باكية متقطعة: "لا.. انت بتهزر.. صح؟ قولي ونبي وإنك بتهزر... يا حازم ارجوك..!" حاول "عز" السيطرة سريعًا، وصدمته مما يراه ويسمعه موجودة. في حين سقطت "فريدة" مغشيًا عليها في الحال. ولحقها ذراعي "آدم" الذي حملها بخوف متجها بها نحو أي طاولة من الداخل. وهرولت خلفه "فاطمة" التي بكت بغير تصديق. لم ينتبه الكل بسبب ما هم به من صدمة. ووضعت "نيروز" يديها على أذنها كي لا تسمع الأصوات وبكت بخيبة. لم تراها من قبل. كيف؟ كيف ذلك؟ حاول "غسان" إخراجها من هذه الحالة ولكنها دفعته عنها بعزم ما لديها وهي تركض لتدخل بين أحضان "جميلة" ببكاء شديد. ووقفت "وردة" تبكي وهي تدفع "زينات" كي تكف عن البكاء. بينما انحنت "ياسمين" بصدمة تنظر نحوه وهو جالس بعالم غير هذا العالم. انحنت تضم رأسه ناحية صدرها وحينها هبطت دمعتها بقهر عليه أكثر من قهر الموقف وقهر ما سمعته. إلى متى سيتحمل؟ إلى متى؟ حاول "عز" السيطرة على حركة "جميلة" وبكاؤها. حينها وقفت "حنان" تحث "عز" بلهفة على الهروب من ذلك الموقف بها. عندما رأت حالتها هذه، حثته على الرحيل في الحال كما حثه "حامد" باختناق. أبت السير معه ولكنها تحركت بغير وعي في النهاية وهي تشهق بتمزق تنفي فقط بهزة رأسها وكأن وضعها وعقلها يستنكر ذلك بقوة. انحنت "عايدة" تجلس على الدرج من خلفها ووقعت بين أحضان النساء المواسيات كما كانت "زينات". لم تفوق "فريدة" وهرول بها "آدم" مع "فاطمة" ناحية أحد السيارات ومعهم الأطفال للرحيل. وجلس "حازم" ساكنًا بأحضانها يستنكر ما حدث ودموعه تردف شيئًا آخر بتاتًا. والآن "نيروز" تبكي بأحضان "وسام" و"غسان". وذهب "بسام" سريعًا خلف من أُغشي عليها. جاءت لحظة الوجع ولم يستنكر الجميع ظلم الحياة معهم دائمًا. الكل بحالة من الصدمة مهما فعله الآخر ولكن ما حدث وما سمعوه بوقت كهذا يكسر الكل بطريقة قاسية.. قاسية جدًا.. "قوم ي بني.. قوم لازم تبقى جامد. قوم خد عزا أبوك وخلي بالك من أخواتك وأمك.. انت اللي باقيلهم!!" قالها "حامد" بمواساة. وهرول "بدر" يفتح السيارات كي يرحل الكل من هنا. وتزامنًا مع وقوف بعض من فريق تنظيم القاعة يسندونهم ويواسونهم بعدما علموا الوضع الكاسر هذا. نهض "حازم" بقهر وعينيه لا ترى سوى وجه والده في آخر مرة كان قد رآه بها. وعندما تركته ينهض واعتدلت هي تبكي بوجع، وجد "غسان" يدفعه بأحضان فبكى الجبل ونهار حتى خرجت شهقاته بقوة وهو يردد بنبرته الباكية المقهورة: "راح يا غسان.. راح وأنا اللي كنت قاسي عليه فالآخر ومعملتش.. حسابي إن ده يحصل بدري كده..!" ضمه "غسان" بوجع وسقطت دمعته الموجوعة لأجله ليس لشيء آخر. ضمه وهو يشدد بعناقه، رابطًا على رأسه وظهره. والكل يسند من يجده أمامه للرحيل. من المفترض أن الرحيل في هذا اليوم كان بكل سعادة وبهجة. الآن الرحيل بكل هذا الوجع شيء آخر. وكان هذا الرحيل "رحيل غير متوقع". كانت حالتهما معًا عندما ربط القلبين بحب. اختارته رغم قوانين حياتها الموضوعة بحزم. فتاة رياضية حازمة لم تكن يوميًا لديها علاقات، عكسه هو. ورغم أنه كذلك لم يشعر مع غيرها بما شعره معها. هناك ثمة شيء يأتي على الإنسان بشعوره عند النظر لأحدهم. شعور الدفء حتى وإن لم يكن الحديث بينهما كذلك. شعور الأمان والإطمئنان. حياته كانت قاسية بالشعور رغم حالته الجيدة لم يعانِ يومًا من المعيشة، ولم تكن هذه النقطة كل شيء حتى ينعم بالراحة. شعور الوحدة والغربة رغم من حوله سئ. سئ ذلك الشعور وإن نظر بجانبه فلم يجد هو أحد! أين من البداية أشقائه؟ تحمل كثير واقتنع أن هذه هي الحياة معه ورضا بها كون ليس بيديه شيء ليفعله. لم يستسلم إلا للشعور بما الحياة جاهد بها إلا أن وصل بنفسه دون مساعدتهم. ولولا كتف الصديق آنذاك وبعد الآن وحتى الآن لما تجاوز هذه المحن. بينما هي كانت وحيدة بالمعنى الحرفي لم يكن لديها أم تقترب منها بالهمسات والحديث والعقل والتفهم. كان والدها لها كل شيء ورغم أن لديها أصدقاء ولكن دائمًا ما تعتبر بأنها تختلف عن الآخرون. ليس تعالي، ربما كان شعور سيء يجتاحها بين الحين والآخر. وعندما تقابلت عينيها معه منذ أن تخلل قلبها حبه شعرت بالإحتواء وأن ذراعيه الوهمية تحوطها. ربما عاش حياة تتشابه معها باختلاف عدة نقاط. وبالنهاية الزواج ألفة وقرار جيد نافع نقي وحماية للروح من المعاصي وبدء حياة جديدة معه كانت النهاية لوحدتها بشعورها وكانت النهاية لوحدته الجدية بالفعل! عقلهما مغيب عن ما يمكن أن يحدث أو ما حدث بالفعل دون علمهما قبل هذه الساعات التي قضيت بمفردهما. حيث وقتها أو ما بعد هذه العقبة عندما وصلا شقتهما وقضى الوقت بعدها بتوتر سائد من الطرفين. بينما هي لأول مرة تفارق "والدها". أين هي الآن؟ وكيف تجلس في شقته معه بمفردها؟ يسأل عقلها الحازم الذي كان دومًا يضع الحدود. أمسكت الهاتف كي تدق على "طارق" والدها وتطمئن عليه. في هذا الوقت؟ أم أن عقلها يستنكر وخائف؟ حينها تتذكر بأن من قاطع فعلتها هذه صوت دقات الباب الهادئة. فهتف هو من خلف الباب حينها همت له بالدخول وهي تعتدل تخفي الهاتف. وجدته يدخل ممسكًا بزجاجة مياه صغيرة بيديه. وقف يتطلع مظهرها بخصلاتها القصيرة وحتى عينيها التي تدور بمكان آخر غيره وتشبتها بالهاتف بين يديها ومهلًا عينيها لامعة. تلهف وهو يترك الزجاجة ثم جلس. فتحركت هي بعفوية بعيدًا قليلًا. بينما حاوطها هو بذراعه من ناحيته وهو يسألها بقلق ظاهر: "إيه دا؟ انتِ معيطة؟" خجلت من ذراعيه الذي يتملكها بكتفيها وظهرها مقربًا منها ناحية صدره كي تستند براحة. بينما حاولت هي التحرك تمسح عينيها ثم أجابت بابتسامة مهزوزة: "لا مكنتش بعيط!" اعتدل "شادي" ينظر ناحية عينيها ثم قال بعمق وهو يمد كفه يحتوي كفها بين يديه: "مبعرفوش يكذبوا يا منة.. انتِ خايفة مني؟" شعر بخوفها من ارتباطها به بحياتها القادمة. حرك عينيه نحو يديه التي تمسك بيديها ثم تشبثت هي بأنامله ورفعت عينيها تقابل عينيه وهي تجيب بصدق: "بالعكس.. أنا بقيت مطمنة.. بس قلقانة..!" وأكملت وهي تنظر حولها وكأنها تستوعب للتو: "عمري ما نمت برا بيتنا أو عمري حتى ما عدى يوم من غير حضن بابا اللي قبل النوم.." أنا بس داخلة على حاجات كتير وجديدة مخلياني تايهة. ابتلعت ريقها ونظرت نحو عينيه، نظرة وكأنها تخاف أن يفهم حديثها بأنه حديث فارغ ليس له معنى. قالت مخاوفها بصراحة، علم بأنها تملكها ببراعة لذا أحب صراحتها كثيراً ووضوحها. كانت تتحدث وكأنها طفلة صغيرة تردد أشياء عدة بترتيبها، وكأنها كانت تعتاد على نمط معين وحُرمت منه. رفع يديه يمررها على خصلاتها القصيرة ثم قال بنبرة رجولية هادئة: "مش عايزك تايهة وأنتي معايا يا "منة". مش عدل، عشان أنا كنت تايه قبل ما أشوف عينك، لكن بعد ما شوفتها كل حاجة اتغيرت." يغازلها بتأثر وشعر بعينيها اللامعة المتأثرة بكلماته. أخذت أنفاسها ببطء، ففرد ذراعيه يحتضنها وهو يربت على ظهرها مردداً مرة أخرى يشعرها بالأمان: "يمكن ساعات بعرف أقول كلام حلو، وساعات تانية بقول كلام مفيشوش ريحة الجد. ويمكن ده كمان يزهقك ويحسسك إن مشاعري واقفة أو مبحبكيش إلا لأسباب معينة.. بس والله العظيم أنا بحبك وعمري ما هأذيكي. ومبسوط عشان بعد كده اللي جاي في حياتي هيكون مع "منة" وهشارك فيه "منة"." حركها بخفة فأصبحت جالسة بمواجهته، فاعتدل هو وهو يمسك وجهها بين كفيه مردداً مرة أخرى بصدق غلفه حبه لها: "منة اللي هي منة من ربنا ليا وجت في وقت مكنتش عارف فيه أنا مين. بس هي عرفتني إن الحياة سند وحب مش بس من الناس اللي من دمك. من الناس اللي قلبك يختارهم عشان يكملوا معاك للآخر!!" سألها وكأنه لم يتزوجها وانتهى به الحال بوجودها في منزله: "موافقة تكملي معايا اللي جاي من عمرنا؟" أدمعت عينيها بتأثر وهزت رأسها بنعم، ورفعت وجهها أكثر وسألته بخوف، لأول مرة يظهر عليها: "هتستحملني ومش هتزهق مني؟" "أنا استحملت كتير وأنا لوحدي وكافحت مع ناس عشان مبقاش لوحدي وفي الآخر سابوني لوحدي. تفتكري انتي بعد ما ربنا هداني أجمل هدية وأجمل ونس هضيعه من إيدي وأرجع أبقى لوحدي تاني؟" نفت برأسها، وحينها رفعت ذراعيها تحاوط ظهره بتشبث وأسندت رأسها على كتفيه تسأله بجدية عميقة: "ممكن بعد كده تشاركني وجعك؟ وجعك اللي خفيته، حتى لو عدى عليه كتير. بس أنا هبقى عايزة أسمعك!!" تحثه بحنو وتأثر من شعورها به. حينها حاوط ظهرها هو الآخر بذراع واحد ثم قال باعتراف صريح: "انتي الوحيدة اللي بقى ينفع أشاركها كل حاجة. زي ما انتي الوحيدة اللي خليتي شادي بيه بتاعك خرج وبقى أغلب كلامه جد زي دلوقتي كده. جد من أول ما خليتيه يدخل بيتكم من بابه وياخدك بالحلال." ضحكت بخفة، واحتضنت عينيه عيناها بحب، بينما بهذه اللحظة تفحصها بشغف وحب ظهر بعينيه عندما اقترب يقبل إحدى وجنتيها من الأسفل قليلاً، ممراً يديه على خصلاتها يرجعها إلى الخلف. وبعدما اعتدل ردد هو بمشاكسة: "ده شادي بيه بقى يقرب من غير ما يتصد ولا يتضرب. لقد هرمنا خدي بالك!" صمت قبل أن تجيب وقال بصراحة يعترف لها ما يشعره: "بصراحة الحلال حلو بردو. يعني لما آخد حاجة بالحلال وأقعد أستنى كده ولما بقي ينفع.. أحس بلذة الانتصار والانتظار. عرفت إن كل حاجة في وقتها صح. هاتي بوسة بقى من غير ضرب عشان خاطري!!" مرح بآخر حديثه يخفي توترها، وضحكت بقوة رغم خجلها، وضحك هو على ضحكتها العالية حتى هبطت خصلاتها فوق عينيها فرفعت يديها ترجع خصلاتها متمعنة النظر بعينيه وتقاسيم وجهه الرجولية وقالت بابتسامة واسعة راضية: "وأم عيون قناصة بقت بتسكت وتعديها. وهديك بوسة عادي ما انت جوزي بقا. ي بيه!!" لم تخجل وما فعله جعلها تندمج في الحديث. اقتربت تقبل وجنتيه لأول مرة فاستشعرت أنفاسه الساخنة على مقربة منها، ويديه التي تحتضنها برفق، عندما اقترب يقبلها بالمثل حتى ظنت أنه سيبتعد مرة أخرى. بينما بعد هذه اللحظة لم تتذكر إلا لحظة الاستسلام له ولمشاعره. رحبت بندائه ولبته تحت شعار الحب وعلى كل ما حلله الدين، لأنها بالفعل بعد هذه المشاعر أصبحت الأرواح واحدة كما أصبح الجسد جسد واحد على كتاب الله سنة الله ورسوله، وجعلها زوجته. كانت تتوقعه شخص مختل عقلياً أو ماشابه متسرع بحماس غريب بكل شيء يفعله، بينما كان معها يرفق بها، وعهدت منه الحنو واللطف واللين كما عهدت منه الحب من قبل ومن بعد. أما الٱن فشرودها كله كان بسير اليوم الخاص بزفافها من بدايته لنهايته كان أشبه بحلم وردي عاشته بالفعل. ومن بين نظراتها الٱن لخلو الغرفة بمثل هذا الصباح وبعد خروجه للمرحاض وقعت عينيها عليه بعد لحظات وهو يعود ممسكاً بهاتفه وملامح وجه كانت متحوّلة مائة وثمانون درجة حينها تيقنت بأن ثمة شيء قد حدث بطريقة لمسك الهاتف بهذه الطريقة. قاومت خجلها بوضعها هذا، وابتلعت ريقها وهي تزيح الغطاء وكادت أن تنهض بينما توجه بملابسه الرياضية الذي بدلها قبل قليل وجلس بجانبها على حافة الفراش بسكون هادئ وعينيه تنظر بشرود. فرفعت هي عينيها متخلية عن أي شعور تشعره، ثم سألته بترقب وهي تضع يديها على كتفيه برفق: "في إيه يا "شادي" مالك؟" بينما كان هو بلحظة غير استيعاب عندما رأى نعي الشباب على الحالات دون أن يعلمه أحدهم بسبب مناسبته وما هو به. في حين ابتلع ريقه وأشفق عليها كما أشفق على صديقتها. وسأل كيف سيخبرها الٱن أن والد صديقتها قد توفي. وكيف سيخبرها مرة أخرى أن والدها عندما هاتفه وطلبه قبل قليل حثه على القدوم لمساندة الشباب دون أن يأتي بـ "منة" معه نظراً لهذه الظروف ونظراً لعدم وجود "جميلة" بنفس الطريقة في بيت العائلة. وضعت يديها أسفل ذقنه كي ترفع رأسه ثم سألته مرة أخرى بقلق ظهر على تقاسيم وجهها أكثر عندما وجدته بهذه الحالة: "مالك حصل إيه؟" عقد العزم على أن يخبرها لم يكن لديه خيار آخر. بينما هي فوقتها وانخراطها وانشغالها وحتى نومها المتأخر واستيقاظها مبكراً مثله جعلها لا تمسك هاتفها تتفحص به وتاهت عن فعل ذلك. وإن امسكته الٱن لعلمت ما حدث. اعتدل يتنهد بصوت، ثم أخذ أنفاسه مستعداً لقولها بهدوء وتمهيد كي لا تنصدم، بينما يعلم أن القادم ليس هيناً أبداً، لا عليها ولا عليه ولا حتى عليهم وعلى العائلة بأكملها. *** تشهد بأن قلبها قد كُسر في وقت كانت به السعادة تغمرها بقوة فقط لأنها أصبحت مع من هون عليها الحياة. بلحظة واحدة وأقل من هذه اللحظة ضاعت منها السعادة بغمضة عين وحل محلها الوجع والحزن. أي حزن وهي بفستان زفافها تبكي بحرقة، تارة وغير تصديق تارة أخرى. أي حرقة من الأساس وكان هذا وضعها بأكثر يوم يمكن أن يسعد به الإنسان خاصةً إن كان يتلهف حتى يكون مع من يحب. كيف الحال ودموعها تنساب بغير تصديق. كيف حالها وكيف ستشرحة عندما شعرت بأنه حي يؤذيها وميت يؤذيها. لم تعد تعلم من أين ستأتي لها الراحة مرة أخرى، أو من المرة الأولى. لم يكن لديها قدر من سعادة ما بأي شيء. ملت من ذرف الدموع في الحياة. تحاول تذكر شيء جيد كان حدث لها. وجهها الأحمر وعينيها التي كانت بنفس الحالة وحتى وجهها الشاحب الذي لطخ نسبياً بمساحيق التجميل، عقلها مغيب عن كل شيء حولها فقط تشرد بنفي ما يحدث لها بكل وجع وألم. هو الذي يتذكر كل ذلك، عندما كانت الغصة المريرة تتوقف بحلقه ولا يستطيع ابتلاعها. عندما أخذها وذهب، رحل إلى شقتهما فوق شقة والدته. الشقة التي كانت من المفترض أن تدخل بها ووجهها يغمره السعادة. لا يعلم هو كيف استجمع قوته وأسندها إلى أن دخلت حتى مرت الدقائق وكانت تجلس القرفصاء تنكس برأسها وصوت شهقاتها يمزقه من الداخل. هبطت دمعته على حالتها وحاول التقرب منها كي يرفع رأسها وعلى فجأة رددت هي بصراخ لا تستوعبه هي نفسها: "لا.. مـــماتـش.. مــمــاتش يا عـــز!!!" حرك "عز" رأسه بنعم متلهفة كي تهدأ حتى خلع سترته يضعها على الفراش وجلس بجانبها يضم رأسها ناحية صدره بألم. ودخلت هي تبكي بحرقة وصوت شهقاتها يقتله حياً في الحال. أنِت بتعب وضّمها أكثر وهي تبكي بصوتها هذا وهتفت بصوت يغمره البكاء المنهار: "أنا ملحقتش.. والله العظيم ما لحقت أفرح.. ملحقتش حتى أشوفه مرة كمان أودعه... كل ده مش حقيقة." مش حقيقي يا عز، رد عليا ونبي! قالت الكلمات ببكاء وحرقة، فشدد بعناقه لها وأنسابت دمعته وهو يواسيها بأعجوبة. وخرجت الكلمات بثقل شديد: "ادعيله يا جميلة.. ادعيله ربنا يسامحه ويدخل الجنة!" تشبثت بقميصه ووجهها غارق بالدموع. وكان تحرك رأسها من أثر البكاء يحتك بصدره، حينها صرخت بآهات الألم العاجزة عن كبتها. فشدد من قربها بخوف وردد بلهفة مع نبرته المختنقة كي تكف عن الصراخ الظاهر والتي تكبته بوجع عندما تنفث أنفاسها بقوة ناحية صدره التي تلتصق به برأسها: "خلاص عشان خاطري متعمليش كده في نفسك.. اهدى.. اهدى عشان خاطري يا جميلة!" خرج بكاؤها المنهزم المعترف بالحقيقة، حقيقة أنه رحل. تركت تمسكها بقميصه ووضعت يديها الاثنتين على وجهها تبكي بألم. طالعها بألم وشفقة، ولأول مرة يعجز عن قول الحديث المواسي أو أن يطمئنها. حالته من الداخل كانت لا تختلف عن حالها. صوت شهقاتها يخدره تمامًا. لا يقوى على النهوض ولكنه فعلها. ولاحظ ارتعاش جسدها بالكامل فوقف بخوف يسندها. وحينها وقفت معه تسير بجهل للطريق، بينما كان يعلم هو أين سيتجه. أجلسها ومد يده المرتعشة يفك عقدة حجابها الأبيض عنها. وكانت مخدرة تمامًا، تبكي ولا ترى من بين دموعها سوى طيف والدها. أصبحت بخصلاتها المعقودة بدائرة خلف رأسها، وهو من فك كل ذلك بأعجوبة. لم تسعفه ساقه للتوجه ناحية المرحاض كي لا تقع بأي لحظة بكل ذلك الفستان الضخم. من بين بكاؤها وشهقاتها، وجدته يرفع ذراعيها ويرجع إلى الخلف كي يقوم بفتح سحاب الفستان. وعندما فتحه سحبه ببطء من أسفل ذراعيها حتى أسندها لتقف ووقع على شكل دائرة. انحنى ليحمله بقهر حتى وضعه على أحد المقاعد. وعندما وجد ملابسها الملتصقة على جسدها من أسفله شعر بإختناقها وجلوسها مرة أخرى بغير وعي لكل الذي يحدث عندما ضمت نفسها بتعب، تكاد لا ترى من كثرة الدموع. حينها كان بقدرته حملها ناحية المرحاض. انحنى يفرد ذراعيه تحت ساقها ثم حملها برفق. وسقطت دمعته هو على وجهها بهذه اللحظة، الباكي بسكون وكسرة، لا يعلم عنها أحد كان هو. وهي لديه شئ آخر! أجلسها على حافة حوض الاستحمام وفتح صنبور المياه عندما أسندها وهي تبكي، لا تتوقف عن البكاء. مسح على وجهها يمسح آثار ما به ومسح على خصلاتها. ومد يديه يأخذ المنشفة كي يمسح وجهها من آثار مساحيق التجميل. وعندما وجد الملابس التي كانت من المفترض أن ترتديها عندما وجدها معلقة خلف الباب. جذبها وبهذه اللحظة يبحث عن آخر مراحل الراحة وهي أن تغفو حتى تهرب من الوجع. مد يديه يلتقطه وعقد العزم على أن يبدل ملابسها لطالما يحق له، ولأن حالتها يرثى لها مغيبة عن فعل كل ذلك. تتحرك معه بكل سهولة وفقط حتى خلع عنها ملابسها دون أن يفكر بعقل رجل لا يرى سوى الجسد! بل خلعها ببطء وجعلها تعتدل أكثر كي ترتدي الملابس التي بين يديه بخوف منه ولهفة كي يصل للحظة نومها واطمئنانها وراحتها رغم أن ذلك صعب الحدوث بحالتها هذه! وخلال دقائق كانت بالفعل ترتدي ملابس مريحة ناعمة. حينها مد يديه يمسح على وجهها مرة أخرى وهو يهمس لها برفق من بين همساته: "بس.. بس اهدى!" وعندما انتهى حاوط بذراعه خصرها وبالآخر جذب ذراعها يضعه على رقبته كي يسندها إلى الخارج. وقفت بقوة معدومة القوة، تسير. وعندما شعر بأن ساقيها لا تحملها. انحنى يحملها رغم أعصابه المتروكة هو الآخر. وأسندها على الفراش حتى جلس بجانبها يدفعها بداخل أحضانه. وهذه المرة بكى الاثنان معًا بصوت مختنق. يديها المرتجفة وجسدها المرتعش يزداد برعشته. فمد ذراعه يجذب الغطاء سريعا وفرده عليهما حتى باتت بأحضانه يردد عليها الكلمات المختنقة المواسية. ومن بين كل ذلك البكاء شعر بتمسكها بقميصه وهي تغمض عينيها ثم هتفت بتقطع تطلب منه بخوف شديد: "متسبـ ـنـيش.. متمـ ـشـ ـيش!!!" كيف سيستطيع تركها على أي حال اعتبر الجملة له وهو يتملكها بذراعه مقربها منه أكثر. ثم هتف بلهفة واختناق: "مقدرش والله العظيم ما هقدر أسيبك.. متخافيش أنا جنبك!" آخر ما يتذكره هي انتفاضة جسدها بين ذراعيه وتشبتها بأحضانه بخوف ودموعها التي تهبط حتى من بين غفوتها من كثرة الإنهاك. وعندما شعر بأنها غفت قليلا دون صوت حينها بكى بقهر وانسابت دموعه لأجلها. هبطت منه بخوف أخفاه وكسرة حاول أخفاءها أمام عينيها وهي بهذه الحالة. ظل كما هو بهيأته وملابسه. فقط لم يخرجها من بين ذراعيه وأحضانه طوال الليلة الماضية! كل ذلك يعود إلى ذاكرته بوجع. وتذكر بأنه لم يتركها إلا في هذا الصباح الباكر عندما كان جالسا في الخارج ينفث دخان سيجارته بوجع. "أما الآن" فنهض يسير ببطء وخطوات هادئة يفتح الغرفة بهدوء. فوجدها نائمة لا حول لها ولا قوة ينتظر فقط استيقاظها كي يطمئن عليها حتى يخرج. مسح على وجهه بتنهيدة حارة ودق الباب بدقات هادئة. فتوجه ناحية باب الشقة بهيأته هذه يفتح للطارق وما أن وجد "حنان" تقابله بنظراتها المشفقة وهي تتطلع ملابسه وجهه. هتف بنبرة مختنقة ضعيفة يحثها على الدخول عندما سبق ليدخل: "ادخلي يا ماما.. تعالي!" دخلت خلفه والتفتت كي تصبح بمقابلة وجهه. ورفعت عينيها تنظر نحوه بحزن. ثم سألته عليها بقلق: "هي عاملة إيه دلوقتي؟" "نايمة. بس أنا مستنيها تصحى عشان أطمن عليها قبل ما أمشي!" اقتربت "حنان" منه وهي تحبس الدموع بمقلتيها ثم قالت بشفقة على حاله هو أيضا: "هتمشي كده يا بني؟ روح غير هدومك واغسل وشك وفوق وأنا معاها متخافش!" ابتلع "عز" ريقه ببطء. فجهل عن حاله واهتم بها بخوف. حرك رأسه ينظر نحو صوت شهقاتها العالية بالداخل. حينها أسرع على الفور يفتح الباب فوجدها تجلس القرفصاء على الفراش تدفن وجهها بين يديها وساقيها. تبكي بعد الاستيعاب وعلمت بكل هزيمة أنها امتنعت حتى عن مشاركتهم الأحزان عندما وجدت نفسها في شقته. لم ترفع رأسها بل وجدت ذراعه على ظهرها وخصرها يقربها منه وهو يستند بذقنه على فروة رأسها بخصلاتها. حينها هتف بتحشرج وصوته عن قرب من أذنيها: "ادعيله يا جميلة. ادعيله وشدي نفسك وقومي صلي واقرأيله قرآن. بس متقعديش مكسورة كده. متعطيش بقهرتك دي عشان أنا بتوجع فيكي يا بنت الناس والله..!" أمسك ذراعيها بشدة وكأنه يكتم دموعه أمامها. راقبت "حنان" الوضع من على الأعتاب وأنسابت دموعها. عندما رفعت "جميلة" رأسها بعينيها الحمراء تردد بألم ووجع: "مشى! مشى وسابني يا "عز". كسرني تاني بس المرة دي الكسرة أصعب حتى ولو كان هو طول عمره صعب!" هبطت دموعها بكثرة وهي تطالع وجهه الذي هبطت منه الدموع. ثم قالت باختناق وهي ترفع أناملها تمسح وجهه من بين التي هي به: "أنا اتكسرت أوي وفرحتي كمان اتكسرت. قلبي واجعني أوي يا عز ومعتش ليا حد في الدنيا دي!" حاوط ذراعه كتفيها وربت على فروة رأسها بلهفة. وهو ينفي بثقة حتى قال بثبات حاول إظهاره مع نبرة كتم بها البكاء من جديد: "والله ما حد هيكسرِك طول ما أنا موجود. انتِ مش لوحدك... مش لوحدك يا جميلة أنا جنبك صدقيني وعمري ما هسيبك!" لم تتفوه بأي حرف بل فقط تنساب دموعها بتيقن ما حدث لها. حركت رأسها تنظر بتيهة نحوه ونحو أرجاء الغرفة ونحو ملابسها التي لو كانت بوضع آخر لماتت خجلاً. ليس إلا. وجدته يمسك كفها بين يديه ثم قال بهدوء: "أنا همشي دلوقتي عشان أكون معاهم. على عيني أسيبك غصب عني. مش هتأخر عليكي وأمي معاكي وفـ.." قاطعت جملته ببكاء عندما قالت بخوف تزيد قوة مسكتها بكفه: "متـمشيش يا عز. متسبنيش..." خدي معاك عشان خاطري! نفى رأسه بقلة حيلة ثم قال بقسم يعلن قلة حيلته لها: "والله العظيم ما ينفع، هنا أريحلك، خليكي ولو عاوزه الدنيا كلها أجبهالك بس بلاش تيجي، أنا عارف ان نفسك تروحي بس بلاش منه.. بلاش عشانك وعشان حتى حلفان حازم وأمك!" صمتت بهزيمة لم تقوى على الإصرار، خارت قواها بالحديث. رفع يديه يمسح وجهها برفق، ثم لاحظ تقدم حنان وهي تفتح ذراعيها لها. حينها تركت عز وارتمت بين ذراعيها تبكي بحسرة وكسرة. طالعها عز بألم، وابتلع ريقه بصعوبة، عندما وقف يفتح الخزانة كي يختار ملابس تليق بالخروج ويبدل حلته الذي لم يخلع منها قميصه المفتوح وبنطاله منذ أمس. *** "لم أكن حاضرًا، لم أكن غائبًا، كنت بين الحضور و بين الغياب." - محمود درويش- كان بالفعل بين الغياب والحضور، خاصة بعقله. عاش يتحمل لكثير. ماذا أهدته الحياة؟ يعيش دومًا دور المكافح بشعوره ليس إلا. طاقة تحمله كجبل، ود لو ينهار من كثرة شموخه. الآن يعلن قهره وقلة حيلته وكسرته. موت الأب كسرة لم ولن يشعر بها سوى من شعرها بالفعل. بينما هو، لم يتوقع بأنه سيكسر كذلك، ولا حتى شقيقته الأخرى التي كانت تتعمد القسوة دون حساب لذلك. وبين جلوسه الآن بخواء، بعدما فعل آخر إجراءات الخروج، لم يشعر بأي شيء حتى بعد علمه بكيف مات والده. جلس بخواء، والصمت كاسر بينهم، بين الجميع. والكل يجلس بشقة عايدة الآن. جلس على المقعد بشرود، وصوت القرآن فقط هو من كان مرتفعًا بالمكان. يستمع إليه الكل بدموعهم وهم متراصين بجانب بعضهم من حامد ودلال وعايدة وزينات وسمية، وحتى وردة وياسمين، ونيروز التي نظرت ناحية غسان الذي وقف أمام حازم هو وشقيقه وحثوه على النهوض. لم يستمع لأي شيء، والكل بحالة غير طبيعية. هبطت دموع ياسمين وهي تنظر بوجع وعجز، لم تستطع فعل شيء له لأول مرة تراه بهذه الحالة الصعبة والساكنة بنفس ذات الوقت. الملابس السوداء دائمًا ما تشرح الحزن، وأحيانًا أخرى تظهر الوقار والهيبة. بينما هم، هم جميعًا، كانت ملابسهم سوداء، خاصة النساء بملابسهم الطويلة الواسعة. أخرجت نيروز منشفة ورقية لتمسح دموع ياسمين وهي تسندها معها ناحية المرحاض كي تغسل وجهها لتأخذ أنفاسها. حالتها كانت صعبة لأنثى تحمل بأحشائها جنينًا، والعجيب بأن الآن من تسند ليست هي بل نيروز التي تتماسك لأجلهم. لم يغفل الكل بهذه الليلة القاسية، بقوا بجانب بعضهم على هذا الحال، تارة تتبدل الأماكن وتارة يجلس آخرون يواسون ثم ينهضون ويجلس غيرهم بجانب أفراد عائلة المتوفي. وقف بدر يمسك ذراع حازم وهو يحثه بصوت هادئ غلفته الشفقة: "قوم يا حازم اغسل وشك وفوق كدة.. قدامك يوم طويل لازم تجمد فيه!" لم يرد، وكأن الحديث سُلب منه، بل تاه وهو الذي يتوجب عليه الصمود. إلى متى؟ إلى متى أيتها الحياة؟ كانت صوت شهقات عايدة لا تختلف عن زينات، مهما حدث ومهما فعل هو لهما فقد تأثرا، إن لم يكن بالحب، فقد كان من معاشرته لسنوات كثيرة مضى عليها الكثير. تبحث عن ابنتها بعينيها كي ترتمي بأحضانها، بينما تعلم بأنها مع فاطمة عندما أخذها آدم ناحية منزله. أسرع بغفوتها هذه وفقدانها للوعي، وكان معه بسام الذي تفحصها وعاد وطمأنها بالمختصر. جلست هناك معهم حتى الصباح وحتى اليوم الثاني، بعيدًا عن كل ذلك، بينما والدتها تريدها الآن وبقوة. أما الأخرى فقد كانت تبكي بقهر مرتين، مرة على زوجها الذي رحل، ومرة أخرى عندما تتذكر كيف تلاشت فرحة ابنتها وكيف تلطخت سعادتها بهذه الطريقة وهذا الخبر الذي كسرها، وآخر ما رأته بعينيها قبل أن تذهب بعيدًا عنها هي نظرة القهر والكسرة. حينها تبدلت نظرات عايدة للحسرة عليها عندما كانت تستمع لحديث حنان المواسي عن حالهم. وجدوا عز يدق الجرس ودخل دون حتى أن يأذن له أحدهم، بل عندما رأى تجمعهم دخل. تلهفت عايدة والفتيات سريعًا، ونهضت عايدة تمسك كتفيه وهي تسأله بخوف مع نبرتها الباكية: "طمني يا بني وريح قلبي.. بنتي عاملة إيه؟!" بماذا يجيب عليها بهذه الحالة؟ حرك عز عينيه نحوهم ثم عاد يرد وهو يربت على كفها بإطمئنان: "متشيليش همها.. ربنا يصبرها ويصبركم!" لم يعطها جوابًا نافعًا عن حالتها، وهرب من عينيها الباكية كما كانوا هم. وحينها وقف بجانب الشباب، وتلاقت عينيه مع عيني حازم حتى قال له بوجع: "حقك تتوجع يا حازم.. موت الأب كسرة أنا مجربها من وأنا قد كده.. بس كل دا هيعدي صدقني.. أمر الله ومش هيتعز على اللي خلقه.. ادعيله بالرحمة!" ابتلع ريقه بصعوبة، وتلاقت الأعين بعضها مكسور وبعضها متأسف. لا يشعر ناحيته سوى بالأسف عن ما حدث، ووجده بجانبه الآن كما كان يتأكد من أنه سيسند شقيقته وسيجعلها أقوى. "خليك جنب أختي يا عز.. امشي وكأنك موجود!" قال حازم جملته وترقب الكل للحديث. فعاد ينفي عز برأسه ثم وضع كفه على كتف حازم يحثه: "أنا جنبها وعمري ما هسيبها بس لازم أفضل في نفس الوقت هنا معاكم.. متقلقوش عليها معاها أمي وفرح طلعت لها تقعد معاها وأنا جاي.. المهم تقف انت على رجلك يا حازم!" حرك رأسه وهو يومئ له، وعندما حاول النهوض أسنده ذراع غسان الذي هتف يردد باختناق: "اصلب طولك يا صاحبي.. الحياة لسه عايزاك!" اعتبره قولًا متأثرًا، وأيد بدر حديث غسان هو وبسام. فعاد حازم يعلن قلة حيلته هذه المرة بصوت مبحوح ظهر للكل: "أنا اللي مبقتش عايز الحياة.. بس مجبر زي كل مرة بقع وببقى مجبر أقوم وأكمل.. بس المرة دي أنا تعبان.. معتش فيا قوة يا غسان!" هبطت دموعه واعتلى بكاء عايدة عليه هي وياسمين التي عادت مع نيروز تستند عليها بحرص، تسمع لحديثه المتألم. بينما وجد حازم ذراعي حامد تحتويه بعاطفة أبوة ثم رد على حديثه بوجع لأجله يحثه: "قوتك فينا يا حازم يا ابني.. إحنا جنبك وبنقويك وقبل كل ده ربك اللي بيقوي.. ارضي وأصبر وربك مبينساش عبد اتكسر خاطره كتير!!" تنفس بأحضانها بأريحية وخرج حينها متجهًا ليغسل وجهه. وقفت نيروز تكتم شهقاتها وعندما وجدت ملامح وجه ياسمين تتحول للتشنج اتجهت تسألها عن حالها سريعًا. أمسكت أسفل معدتها بألم وهي تجلس وحينها قلقت سمية وهي تمسد على رأسها بحنو ورفق. نظرت بشفقة، وحاولت أن تنسحب كي تقف بالشرفة. حينها سمحت لشهقاتها بأن تعلو، من عاش يظلمها تبكي الآن بحرقة عليه. يا لسخرية ما يجري بعروقها حتى يحن ويحزن ويقهر بهذه الطريقة. سعلت نيروز مع بكائها وقبل أن ترفع يديها لتمسح وجهها وجدت كفه يسبقها وهو يمسح وجهها برفق، وأمسك وجهها بين يديه يحثها بهدوء: "بس.. بس متعيطيش!" سعلت أكثر ومرر غسان يديه على ظهرها يحثها على أن تأخذ أنفاسها ببطء، فأخذت أنفاسها مع مسحة لأنفها وفمها وحتى عينيها. حينها رفعت عينيها الباكية تصارحه بقهر: "أنا بقيت أخاف أوي.. بقيت أخاف أفرح يا غسان.. أنا تعبت!!" ضم رأسها ومسد على حجاب رأسها وظهرها. حينها تركها تخرج ما بداخلها من بكاء علها تريح قلبها. الكل يجلس بخواء، والعقارب لا تمر بسهولة أبدًا. الانتظار مهلك ومتعب، والفقدان أقسى منه، والبكاء الشئ الوحيد المباح. بعد ذهاب البعض لأداءهم ركعات لله مع الدعاء وفعل ذلك بسام وحازم وعايدة وزينات، وحتى سمية، بينما جلس البقية يواسون بعضهم تارة برضا وتارة أخرى بقهر وعدم تصديق. الغير تصديق أن أحدهم قرر العودة بهذا الوقت أو ربما بعده دون دراية، وكأن القلوب تشعر قبل أن تدرك العقول. *** هناك عقارب الساعة مرت. وبين نومها بهذه الطريقة بعدما فقدت الوعي وحقن بها بسام محلول سريع كي تقوى. أما هو، فعندما سقطت بين ذراعيه كان لم يشعر إلا بالخوف. ربما جاء ذلك من توتره. جلس آدم بالصالة يتجهز للخروج كي يتوجه ناحية العمارة لهم ليبقي معهم قبل هذه الساعة التي قبل الصلاة. لم يتحرك وكل ذلك كان ينتظر بأن تفوق من غفوتها ولم تفتح عينيها بعد. كانت تساندها في الغرفة فاطمة وكانت ترعاها، بينما هو كان يطمئن عليها بين الحين والآخر منها. يرى دموع شقيقته وجلوس الأطفال بغرفة أخرى في الداخل. ومن بين جلوسه قبل الرحيل، سأل للمرة التي لا يعرف عددها: "مفقتش بردو يا فاطمة؟" "مش عارفه يا آدم. المفروض لأ. ربنا يكون في عونها!" قالتها بتحشرج. فنظر بحزن، ونظر نحو ساعة معصمه ووجد أنه تأخر عليهم، لذا حاول أن ينهض ثم قال لها بهدوء: "أنا المفروض أمشي. خليكي قاعده عشان العيال وعشان بردو لما هي تفوق. خلي بالك!" أومأت برأسها. وقبل أن ينهض، وجدها تخرج من الغرفة وقد خلعت المحاليل والإبر من يديها. طالعها بصدمة، فقد خرجت هي مصدومة وعينيها بها من الدموع ما هبطت منها. تنظر ناحية ملابسها بغير فهم. تلك ليست بيجامتها، ولما شعرها ليس معقود ومفرود خلفها، وليست شقتها، وأيضًا لم تكن هذه حالتها. ماذا كانت آخر الأحداث؟ وعندما استوعبت، حركت رأسها بضعف، وسقطت الدموع منها بصمت، وهي تتقدم ناحية فاطمة التي اندفعت تقف كي تتوجه ناحيتها، بينما الأخرى لم تتوجه لها أولًا، تسألها بخوف وتقطع لا تعي كيف ترتب الكلمات: "أنا.. قـ.. قوليلي يا فاطمة إن اللي حصل ده حلم.." نفت فاطمة برأسها. بينما الأخرى يستنكر عقلها بخيبة. لم تتوقع بأن تتأثر على موته، وهي التي أقسمت له على أن لا تسامحه وعلى أن لا تغفر له. كيف يرحل؟ نفت برأسها وجلست على ركبتها بغير تصديق، وعينيها يفيض بها الدمع، ورددت بنبرة منهزمة تخبرهم بما يؤلمها الآن: "إزاي؟ إزاي يمشي؟ أنا مسامحتوش. والله ما عرفت أعملها.. مشى بسرعه ليه؟" قالتها بتنهد، وجسدها يهتز من البكاء. حينها انحنت فاطمة مع انحناء آدم الذي أسرع. فرددت فاطمة تواسيها بحزن وشفقة: "ادعيله يا حبيبتي.. ادعيله بالرحمة وسامحيه. محدش بيكره أبوه مهما حصل!!" لا تعلم هي ما فعله بها أو ما السبب الذي جعلها كذلك، ولا حتى هو. تركت يديها وتحولت جلستها إلى القرفصاء تبكي بوهن، وخصلاتها السوداء خلف ظهرها وأمام وجهها تخفيها. فشلت فاطمة في مواساتها وحثتها على النهوض، بينما استند آدم على ركبتيه يردد بإهتزاز وهو يسمعها تئن ببكاء: "إنتِ أقوى من كده يا فريدة.. خليكي ثابته وقومي وشدي حيلك. راح عند الأحسن مني ومنك!!" لم ترفع رأسها، بل مد يديه يربت على كتفيها بمواساة تحت تأثر. حينها انتفضت تعي ما يحدث من جلوسها كذلك أمامه بخصلاتها وهذه الملابس التي كانت تسترها، بينما لا يليق الجلوس بها أمامه. حاولت النهوض، فأسرع يسندها مع شقيقته حتى وقفت تنظر بضياع، ثم قالت وهي تحث نفسها على مسح الدموع: "أنا عايزة أمشي من هنا.. عايزة أروح!!" أومأ لها آدم بلهفة، وابتلع ريقه بسرعة، وهو يحث شقيقته قائلاً بنبرة سريعة: "حاضر هروحك. اسنديها يا فاطمة وساعديها تلبس على ما أطلع الموتوسيكل عشان أخدها معايا!!" حركت رأسها بموافقة، وأسندتها بالفعل نحو الغرفة كي تساعدها في ارتداء ملابس من عندها هي سريعة كي ترحل نحو منزلها وعائلتها. بينما خرج هو يجهز دراجته البخارية، شارداً بحالها وما فعلته وحتى ما أدرفته. أخرجها بعد قليل حتى قام بتشغيلها بالفعل وهو يستند عليها، والتقط الهاتف من جيب بنطاله كي يجيب على شقيقه. وبعد دقائق معدودة، وجدها تخرج برفقة شقيقته وهي ترتدي عباءة سوداء وحجاب من نفس اللون، في أسوأ حالاتها، ومع ذلك يراها جميلة. نفض من عقله هذه الأفكار وهو يبتلع ريقه، ينظر نحو أنفها الصغير الأحمر وحتى وجنتيها، عندما سألته بنبرة ضعيفة مبحوحة تترك يد الأخرى: "أنا.. هركب هنا؟" سألته وهي تشير على المقعد الخلفي، فهز رأسه بنعم، وهو يستعد للركوب. ورغم حرجها، ولكنها بحالة لا تسمح على الاعتراض أو الحدة. بل حاولت الركوب خلفه بعدما استندت على ذراع فاطمة وركبت أخيرًا بطريقة صحيحة. فسألها هو باهتمام وهو يأخذ وضع الاستعداد: "ماسكة نفسك كويس؟" "أه." قالتها فريدة بصوت مبحوح مجددًا، وأسندت يديها على الحديد من خلفها كي لا تتمسك به. ولوحت لها فاطمة بابتسامة باهته، فودعتها بعينيها الأخرى، وانطلقت الدراجة البخارية بواسطته هو نحو العمارة. بينما بقت الأخرى ترعى الصغار كي لا يتوجهون بمناسبة حزينة كهذه، ومع أطفالها كان ابن شقيقها. *** بينما في الطابق الآخر، اجتمع الجميع وجاء شادي هو الآخر حتى دخل يواسي حازم ويقوم بتعزيته كي يقف بمساندته. وقف الشباب يستعدون للوضوء حتى يلحقوا خطبة الجمعة والصلاة قبل أن تبدأ. ووقفت نيروز، بجانب ياسمين وهي تمسك صحن به طعام صحي لها هي، ويديها الأخرى بها علبة الدواء. تحاول جاهدة بأن تجعلها تأكل، بينما الأخرى ترفض. وحاولت وردة هي الأخرى ولم تقبل بعد. وعندما لاحظت سمية، نهضت هي لتأخذ الصحن من بين يديها كي تطعمها وكأنها صغيرة، حتى سحبتها معها كي تجلسها بجانبها. "لازم تأكلي يا حبيبتي عشان صحتك وعشان اللي في بطنك!!" نفت بضعف، تحاول إخفاء ألم معدتها وهي ترفع عينيها تنظر نحو حازم، الذي يهبط أكمامه بعد الوضوء ومع انتظار الشباب له. وقفت تنظر له متفحصة النظر بملامحه المنطفئة. حينها لاحظها ولاحظ مسكها لمعدتها بهذه الطريقة، فتوجه يردد بإختناق، وهو يمسك كفها يعود بها لتجلس بجانب والدتها مرة أخرى: "أنا كويس يا ياسمين والله.. بس كُلي انتِ وخذي العلاج ومتعمليش كده في نفسك. انتِ لو حصلت حاجة هتكون دي نهايتي اللي بجد. اسمعي الكلام وريحي قلبي وقلبهم!!" خافت من حديثه ونزلت دمعتها وهي تومأ. فربت على كفها وهو يشير لها بأن تطمئن. وقتها جلست بجانب والدتها بصمت، تأخذ من بين يديها الدواء. ووقفت زينات مندفعة عندما ركضت فريدة من على الباب وأرمت بأحضانها ببكاء. حتى عاد البكاء منهن جميعًا مرة أخرى. شهقت بتمزق، وقالت بتقطع وهي بأحضان وضم والدتها: "بابا مات يا ماما.. راح بسرعه أوي. راح قبل ما أقوله إني هسامحه!!" بكت بقهر، وضمتها زينات بألم، تحت الأنظار المتألمة لها. تحركت عندما شعرت به يقف خلفها. التفتت تنظر نحو حازم بوهن، ثم قالت تصارحه وهي تشير على موضع قلبها: "قلبي واجعني أوي يا حازم.. هنا هيقف من كتر القهرة. إزاي؟ قولي إزاي بالله عليك!!" تسأل بكيف مات والدها ولم يسأله أحدهم. فقط ردد لهم بأنه أمر الله. ماذا سيقول؟ وكيف سيقول لها بالتحديد؟ لن يفعل ذلك، لن يكرر الأوجاع عليها ولا عليهم. سيتخذ الإجراءات بصمت، دون دراية أحد سوى القتلة. القتلة الذين كانوا معه من غسان وبدر وبسام. دفعها كي يضمها هو الآخر، ثم قال بمواساة صعبة خرجت منه بثقل: "أمر ربنا يا فريدة.. ربنا عاوز كده. ربنا يسامحه ويرحمه!" خرجت تبكي بوجع، أمام أنظار آدم هو الآخر. وعندما بدأ حازم في السير للخروج، كان خلفه حامد وطارق والشباب. حيث صدح صوت الخطيب على المنبر ببدء الخطبة، حتى كان هذا يوم الجمعة. جلست النساء بالصالة، وجلست فريدة بضعف وقهر عندما استوعبت بماذا يمكن أن تشعر شقيقتها الآن. غريب الموت وليس غريب. تأتي أرواح بنفس اللحظة التي تؤخذ بها الأرواح المقابلة في الدنيا. إما روح كُتبت لها الجنة منذ أن خُلقت حتى الممات، أو روح كُتبت بأنها عاصية وآثمة، ليس لها إلا النار. يُكتب قدر المرء قبل حتى خوض الحياة بإمتحاناتها. بينما هي اختبار، اختبار يختبر به المرء من كل شيء. وبنهاية المطاف، لم يكن أمامه سوى طريقين: الخير والشر، الجنة والنار. كان سهل هذا الشر، كانت سهلة السيئات، بينما الخير يراه العاصي أمر صعب للسير على نهجه أو للوصول لنتيجته. كم من خير وجد الجنة بالنهاية، وكم من روح خبيثة لم تجد إلا النار. ومن ثم يظهر قول: "ياليتني قدمت لحياتي"!! فانية هذه الدنيا وليست باقية لأحد، وهذه سنة الحياة المعروفة. وهم.. علموا بأن هذه المحنة سيتخطونها سريعًا، فقط عندما يخرجون من صدمتهم. كان موجودًا وغير موجود، بينما الآن لم يكن موجودًا بالفعل. ظلم الكثير ولم يندم. قسى على البعض ولم يشعر بالشفقة عليهم يومًا. ظلم أنفسًا بريئة لم يكن لها سوى العيش بحرية. لطخ براءتها وجعل أيامها أشد قسوة. ثمة قضية معينة فعلها منذ زمن وعاش بعدها بأريحية، ثم عاد الحق ليرد من جديد. أُخذ الحق منه بطريقة بشعة بأبنائه، ثم منه هو شخصيًا. عندما قُتل بأداة حادة، ذبحت رقبته بعدما خنقه وكتفه أحدهم بكيس بلاستيكي. مات بعد أن مات. كان يخطط لذلك منذ زمن. كان يقوم بعد الأيام منذ أن اجتمع معه بسجن واحد. كتلة الشر، والذي عُرف سريعًا واعترف بكل بساطة، فلم يعد لديه شيء ليبقى عليه هو. بينما حُبس، حُبس انفراديًا إلى حين جلسة أخيرة ستحدد مصيره المعروف.. الإعدام! الإعدام الحقيقي له هو، ومجازيًا لـ "حازم" الذي ما أن نظر على جثة "والده" بثلاجة الموتى، مغتسلًا جاهزًا، وجرح رقبته الأبيض الذي جف من برودة وضعه بهذا المكان القاسي، والذي إن شرح بكيف كان وضعه وهو به لاختنقت ملامحه مرة أخرى كما كانت. لم يستطع "غسان" الدخول معه حينها. جسده لم يتحمل رؤية هذا. ومن أتى لهم بهذه الليلة وتجرأ على الدخول بعدما خرج من منزل عمه كان "بسام" الجرئ بأشياء كهذه بطبيعة عمله. كان سرًا وما زال سرًا، لم ولن يعلمه أحد غيرهما، حتى المواجهة مع القاتل ستكون منهم فقط أو بعضهم دون دراية العائلة. قاتله "شريف"، ولم يعمل يومًا باسمه، بل كانت الدناءة تسقط من كثرتها منه. والحقد كما كان المرض. بينما قدرته على الوعي وهو يخطط ويفعل كل ذلك كانت موجودة، أما قلبه فيتشكك البعض بأن كان بموضعه أم مات منذ سنوات كثيرة. لم يكن كل ما يشعر به هو سوء الشعور بالفقدان. الآن تتضح الحقائق، ربما ما رآه لا يغيب عن عقله المشفق على قلبه الذي لا يكف عن الدق قهرًا لكل شيء وكل عقبة تحدث له. بينما هو، هو الصبور دائمًا، حتى ولو كان "حازم" بأموره. هو الثابت العاقل الذي وُصف بالعقل والهدوء. ولكن داخله لم يكن هادئًا أبدًا. داخله الآن ثورات تتعارك مع بعضها. وعقل أبله يريد فقط التوقف عن تصور المشهد أمامه لأكثر من مرة. يريد التوقف عن التفكير والتخيل، فقط يريد الراحة والسكون. متى هذا؟ عقارب الساعة لمرة أخرى تصارع نفسها، ولكن هذه المرة تمر بسرعة وكأنها تتلهف لقهره. سيارة الإسعاف تقف أمام المسجد، وبداخلها جثته الذي سيسير خلفها هو والرجال والشباب لدفنه بسكون بسبب مفاجأة موته. خطبة المسجد تخللت روحه وعقله كما تتخلل روحهن وعقلهن وهم يستمعن من بين جلوسهن بالمنزل. "قال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)، يا عباد الله، إذا حضر الموت لا يقوى أحد على تغيير وقته أو تأجيله ليتدارك ما فاته ويعمل صالحًا. فصلاح الآخرة ما هو إلا الغرس الصالح في الدنيا، فكم من أموات كانوا عن ذكر الله وعن عبادته معرضين، وفي اللهو واللعب منغمسين، وفي ملذاتهم ومصالحهم غارقين غافلين، فلم يلبثوا إلا وفجأة الموت تحضرهم، فإذا بهم لا يتمنون إلا ساعة في دنياهم ليحسنوا ويصلحوا ويبذلوا في سبيل الله. قال تعالى: (حتى إذا جاء أحدَهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)." كلمات توجعه وتصبره من بين مواساة الشباب وهم يضعون يديهم باحتواء على كتفيه. وأخذ يكمل الخطيب حديثه إلى أن ترقبت ملامحه عندما تحدث عن الصبر في الابتلاءات. "ثم يا عبد الله، شيء لا دخل لك فيه جاء ووقع عليك، مصيبة من المصائب، ومن منا لم يصب بمصيبة، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، يصاب الإنسان في نفسه، يصاب بالجرح بالألم، بالمرض، ويصاب بالهم والحزن، وضيق النفس، كلها مصائب. ويصاب الإنسان في زوجه، في أهله، ويصاب في ولده، ويصاب في ماله، مصائب. ويسميها العلماء مصائب دنيوية. هذه المصائب على العبد المؤمن ماحية للسيئات، فكل مصيبة على قدرها، وقد لا يكون عند الإنسان أي سيئة، ومع ذلك يصاب بمصيبة، كما حدث مع أيوب عليه السلام، الذي بقي في مصابه وآلامه وأمراضه أكثر من سبعة عشر عامًا، ولكنه كان يذكر الله، ويحمد الله، ويستغفر الله، وهكذا العبد المؤمن. يقول صلى الله عليه وسلم: 'ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله له بها من خطاياه'." وأكمل بيقين وصوته يصل للجميع وأقربهم كانت الشباب والرجال في المسجد. "توبة، واستغفار، وحسنات، ومصائب دنيوية، ودعاء المؤمنين، هذه في الدنيا، وفي القبر اثنتان: فتنة القبر وعذابه، وما يهدى للميت بعد موته في الآخرة، ثلاث أهوال وشدائد يوم القيامة، من الخروج من القبور إلى القنطرة، ثم القنطرة، وبقيت شفاعة الشافعين، انتهى وشفع كل إنسان، وشفع كل ملك، وشفع كل نبي، وبقيت بقية من هذه الأمة أمة محمد المرحومة صلى الله عليه وسلم، بقيت بقية، بقيت مجموعة.. ألف ألفان، ثلاثة آلاف. الحديث ما بين.. فهؤلاء بقوا في جهنم، من كثرة ذنوبهم وخطاياهم، هل ينساهم الرحمن؟ والله لا ينساهم الرحمن، هم من لهم! لهم الله!" الحديث الذي أراح قلبه وطمأنه ولو بقليل. نزلت دمعته بتأثر وهو يستمع إلى بقية حديثه. "فماذا يقول الله في الحديث القدسي: 'شفع النبيون، وشفع المؤمنون، وشفعت الملائكة، وبقيت أنا أرحم الراحمين'. أقبلوا على الرحيم، أقبلوا إلى الرحمن، يقبل الرحمن عليكم، رحمهم مع أن ذنوبهم كثيرة جدًا، فيأذن بأن يخرجوا من هذه النار، فيخرج سبحانه بيده، كما ورد في الحديث: 'ثلاث حثيات..'" أخذ يكمل الخطبة بيقين ونهاها بالدعاء والكل يردد آمين حتى تراصت الصفوف لأداء فرض الله. ونعم، ولو بقليل، بالراحة. مد "غسان" يديه له كي يستند عليه ليقف، وبالفعل استند عليه وحينها وجد ما لم يجده كثيرًا: رجل يمسح دموعه. مسح "غسان" دموعه بيديه، ثم ضرب كتفه بحثه على الثبات بمرح طفيف باهت، وابتسم حينها باستسلام وزفر براحة، فقط لأنه في بيت الله وسيؤدي فرضه، فسيصبح بين يدي الله يدعو ويبوح عما بداخله. في غصة الصوت دموع خفية، فانتبه لها. من بين العقارب التي تتحرك والوقت الذي يسير بسباق، كان هو يختار الأوقات المناسبة ليتخفى وكأنه يتخفى ليلاً، مثل السارق، بينما يعلم بأن هذا الوقت لم يكن به شخص يفعل له حساب بالطابق. يسير متخفيًا، مرة أخرى عودة بعد غياب طال هذه المرة. واضعًا الشال القماشي على وجهه. عندما وقف أمام المصعد، فُتح له، دخل على الفور حتى صعد به لأعلى. أخذ أنفاسه، وفُتح المصعد له، وتخلل مسامعه صوت القرآن العالي. وباب شقة "عايدة" المفتوح على وسعه، اعتبرها عقبة، حيث تعد قبل شقته، فإن مر، وإن كان أحد يجلس أمام الباب سيراه ولا مفر. جابت مسامعه مرة أخرى أصوات البكاء والهمهمات، حينها ابتلع ريقه وتجرأ وتقدم خطوات إلى أن وقف أمام الباب يطالع من بالداخل وما الذي يحدث من الأساس. هيئته بعينيه التي تدور وقواه التي تنفذ يومًا عن يوم تشرح الكثير. بينما إلى الآن يوجد به ذرة عقل ليخمن ما الذي يحدث. ماذا بهن يلبسن ثيابًا سوداء وبكاء؟ أي عزاء؟ تقدم إلى الداخل دون حتى أن يتنحنح ووقف بعدما دخل بخطوات مهزوزة، حينها طالعه الكل بصدمة. وقفت "نيروز" باندفاع، كما وقفت "زينات" و"فريدة". جلست "ياسمين" مكانها بخواء، وطالعته "عايدة" بحسرة، كما كانت "سمية" و"دلال"، وحتى نظرات "وسام" المتخوفة مما هو آت عندما رأته بهذه الطريقة. جاب عينيه الكل وسأل دون حتى ترحيب، سأل بإستفهام غريب مستنكر وصوته حتى يتغير أثر ضعف بيانه: "هو في ايه؟" لم يتوقع بأن تندفع "زينات" نحوه بهذه الطريقة وعينيه لا تفارق عيني "نيروز" بشوق، عقله يهمس له بأن كل مرة ينظر إلى ملامحها تغمره الراحة الغريبة، ولكن يستطيع هو تركها والبعد عنها؟ لم يكن حب أبداً ولم يقتنع هو بذلك. لاحظ عينيها الباكية المتورمة ولم ينظر ناحية "فريدة" بتمعن كما نظر لها وحاول الإقتراب وخانته نفسه بينما أوقفته أحضان "زينات" الباكية بكسرة وهي تقول بنبرة باكية ضعيفة تصارحه بالحقيقة وتعطيه الرد: "أبوك مات يا حسن!!!" من كثرة بكاءها ورغم انعدام الإنسانية كان سيرفع يديه بتلقائية على ظهرها كتعبير عن رد العناق، بينما ما إن سمع جملتها وقف متصلب الملامح والوجه وترقبت ملامح الكل ناحيته، بينما عينيه العالقة بـ "نيروز" لم تتحرك رغم صدمته، بل فتحها نسبياً وحركها ناحية "والدته" التي خرجت تنظر نحو وجهه. إبتلع هو ريقه ورغم أن الجملة قاسية صعبة عليه حتى ولو كان يملك آخر ذرة شعور بينما هتف بخواء وقسوة في القول رغم رغبته في الصراخ عالياً الآن ليخرج ما أجتاح شعوره الغريب المتناقض الذي لم يفهمه: "وزعلانين ليه!!" سأل بسخرية متألمة وهو الذي تحشرجت نبرته وكان على مشارف البكاء، ردّان فعل يصدموهن، الأول يصدمهم والثاني يصدمهن أيضاً، بينما ماذا يفعل هو؟ رفع رأسه يبتسم بتهكم، ولمعت عينيه وهو يكمل ليعارض ما شعر به للتو: " عايشين الدور ليه؟ دا حتى عمره ما عمل حاجة واحدة عدلة لحد فيكم!!" مرر عينيه على الكل وقال مجدداً بتهكم موجع والذكريات تداهمه الآن: "معملش حسابه حتى إنه هيمشي ومحتاج مسامحتكم!!" وأكمل بضحكة يكابر بها رغم علم الجميع الآن بأنه موجوع: "غلابه!!" ضحك ونزلت دمعته وكأنه يستوعب للتو وينفي ويحاول معارضة ما شعر به من خذلان وكسرة: "ولا يفرق معايا اللي سمعته ده ولا حتى فارق معايا شكلكم، ومش مهتم أعرف مات إزاي وإمتى، فـ داهية.. عقبال كل اللي زيه!!!" ومسح وجهه بعنف، مع نظرتهم الخائبة، وتقدم ناحية "نيروز" مع بكاء الكل، حينها رجعت خطوات إلى الخلف بإقترابه، فهتفت "سمية" بلهجة مختنقة: "ابعد عن بنتي يا حسن!" وقف وعندما وجدت الجدار خلفها ظلت تطالعه وهو ينظر لها متحلية بالجرأة، ولم يفعل لها شيئ هذه المرة بل سألها بهدوء شديد يحاول رفع يديه ناحية وجهها كي يمسح لها الدموع: "بتعيطي؟ إنت نسيتي كل اللي عمله فيكي بالسرعة دي!!" كلما تنسى يذكرها أحدهم أو قول أحدهم أو حتى عقبه تأتي، فتذكرها بالقهر، أدمعت عينيها وهبطت الدموع وغمضت عينيها بشدة عندما شعرت أنه سيرفع كفه يمسح ويمسد على وجهها حاولت التحرك بينما كان يمنعه جسده ومن بين هذه اللحظة قبل أن يتقرب الجميع وجد "فريدة" تمسك يديه تمنعه بهدوء وهي تنفي برأسها فنفض يديها وابتسم بتهكم وهو يلتفت كي يطالع وجهها بسخرية من دموعها عليه. فهتفت "عايدة" تقطع كل ذلك عندما شعرت باقتراب مجيء الشباب: "امشي يا حسن من هنا قبل ما حد يجي، احنا مش ناقصين يبني كفاية اللي احنا فيه!" ورددت "نيروز" بعدها بخوف واهتزاز تحذره وصدرها يعلو ويهبط: "امشي عشان "غسان" مش ناسي انت عملت فيه إيه آخر مرة!!" ونظرت ناحية الباب بترقب، وقالت مجدداً بنفس الخوف: "لو باقي على نفسك امشي من هنا دلوقتي!!" قالتها بخوف، ولم تقوِ تلك القوية "ياسمين" عن إرداف أي حديث بل ما زالت جالسة بخواء، ووقفت "وردة" تتابع بقلق، من بين دموعها المنسابة، حبست أنفاسها عندما وجدته يقترب مرة أخرى وهو يردد بغير وعي ويأس رغم تدليله باسمها بينما هذه المرة كان دلال اسمها منه موجع بالقوة: "أنا مش باقي حتى على نفسي يا "نيروزة"، بس ممكن لحد دلوقتي أعمل أي حاجة عشانك إنت بس، همشي بس تعالي معايا!!" حالة اللاوعي إلى أي درجة وصلت؟ أمسك معصمها وحاولت هي التملص بخوف، فتعمد اللين وهو يهتف من بين نظراته لعينيها بلوم، وكأن لومه المرات السابقة لها لا يكفيه: "اختارييني مرة واحدة بس ومش هتندمي!!" رفع يديه يمسد على وجنتيها وقال بتأثر، وغير وعي: "حبيني بس زي ما بحبك ساعتها هتغير عشانك وهعمل أي حاجة انتي عايزاها!!" وضعت كف يديها الآخر على أذنها بإنهيار، وهي تنفي، ووجدت "سمية" تدفعه مع "فريدة" كمحاولة لبعده عنها بينما صرخ هو وهو يشدد من بين مسكته لكفها معارضاً ما يفعلانه: "مش سايـبها!!" من أخرجهم بركض من المصعد كان هذا الصراخ الرجولي الذي أسمع من بالخارج بعضهم صعد على السلم من البداية وبعضهم خرج من المصعد للتو، حينها دخل "حازم" بسرعة مع "آدم" و"غسان" وعندما استوعب "غسان" ما يحدث هرول يدفعه عنها وهو يمسكه من تلابيبه مردداً بشر غير عابئ بالحالة: "انت مقرب منها كده ليه يا و***" وأكمل صارخاً به بإنفعال: "انت ليك عين؟ ليك عين تيجي بعد اللي حصل يا ناقص!!" فصله "آدم" عنها ومن بين ذلك شدد "حسن" من مسكه لكفها رغم محاولة البعض بالفصل بعد دخول الشباب بالكامل وحتى الرجال، حينها ترك يديها بفعل ضربة "غسان" بكفه بقوة، واندفعت هي بنفسها تبكي بين أحضانه ضمها وهو يربت على كفيه وعينيه تراقب مسك "آدم" لـ "حسن" هو و"حازم" ووقوف البقية بخوف وترقب!! صدره يعلو ويهبط الآن في كل مرة يتعمد أخذ حقه دون أن يضغط بقوة في ذلك وآخر مرة تركه كي تسير حياته مع "نيروز" بهدوء دون حدوث مشاكل تؤدي لانفصالهما، بينما الآن يضغط نفسه بصبر عليه بسبب حالة شقيقه وعائلته وبهذا الوضع إن كان مختلفاً لجعله ميتاً هذه المرة كي لا يعود ويدمرها كذلك وهي بأحضانه كما يدمر الوضع. ترقبت عيني "زينات" في حين وبخه "حازم" بصوت مرتفع رغم ما هو به: "انت يا اخي مش هتتظبط بقا حرام عليك!! كفاية بقا كفاية، كل مرة بقول يمكن تتعدل ومبتتعدلش، بقيت ماشي ألف وراك في كل حتة عشان بردو مش قادر أسيبك كده، حلفت ما ليا دعوة بيك، ورغم كل ده لفيت الدنيا عليك وملقتكش، هتبطل تظهر تبوظ حاجات وتمشي تاني إمتى، ناوي تتعدل إمتى بقا!" صرخ به ووبخه وبالفعل كان عاجزاً عن أن يجده، سكن "حسن" من بين يديه وهو يطالع كفي شقيقه تتمسك بياقته وشاله، إبتلع ريقه بسرعة، ونظر بعينيه وهو يسمعه يردد بـ وجع: "إمشي يا حسن دلوقتي.. إمشي وابقى ارجع بعدين لو مش ناوي تاخد عزا أبوك!!" نفض يديه بإنفعال، ونظر ناحية الكل بتفحص وجوههم واحد تلو الآخر ونظر نحو عيني "غسان" بتحدي بعد ضمانه لعدم الاقترب منه، وقال برفض: "مش ماشي.. أنا هروح أقعد في بيتي اللي من حقي أقعد فيه وملكش أي حق إنك تطردني منه، ومش واخد عزا حد مليش فشغل الصعبنيات اللي بيتعمل ده!!" طالعوه بقهر، وتعلقت عينيه بعيني "غسان" الجامدة وقال بجبن مخفي: "هروح بيتي والدكر يقربلي ويوريني مقامه!!" "أنا ليا مقام في غيابي... مبتخدوش انت في حضورك يا ناقص!!!" حاول "غسان" الإندفاع نحوه بغضب عقب إرداف جملته المنفعلة وقال مجدداً بنبرة مرتفعة يحاول الإندفاع ناحيته: "تعالى.. تعالى ياض أوريك مقامك!!" فصله "بدر" و"بسام" و"عز" له، في حين حاول "آدم" أن يسحب "حسن" ناحية شقة "زينات" مشيراً لها هي و"فريدة" بأن يأتون لفتح الشقة، فتحتها "زينات" بالفعل وهي تقف بجانب "فريدة" التي دخلت معها ووقف "حسن" وقتها بمقابلة "آدم" في الصالة حينها سأله "آدم" بلوم: "ليه كده يا حسن؟ ليه؟" "مش لو كنت وافقت كان فات الحال بقا غير!" قصد رحلة التعافي بمصحة، ابتسم "حسن" بسخرية. وقبل أن يتحدث، تحدثت "فريدة" بتقزز: "انت بتلوم واحد مقرف عمره ما هيتغير ازاي!" تشنجت ملامحه وأمسك حجابها بشدة، وهو يردد من بين ضغطه على أسنانه بحديث لم يخرج من رجل أبداً، ولا حتى بأشباه الرجال: "جرا ايه يا بت! إنتي شوفتي نفسك ولا ايه! نسيتي انك كارت محروق ومعتيش نافعة. نسيتي الراجل بيبص الوقتي لواحدة زيك ازاي!" تأوه وأنصدم "آدم" من الكلمات، ففصله عنها بمساعدة "زينات" وردد وهو يعنفه من بين مسكة بملابسه بغير تصديق: "انت بتقول ايه يا ***! انت بتقول ايه لاختك يا قذر يا زبالة! إنت نسيت نفسك! فوق يالا!" سبه بأفظع الشتائم عندما سمعه يردد على شقيقته ذلك. لا، لم تُرِد أن تكسر بعيني شخص وجدت به الإعجاب بعدما حدث لها. رغبتها كامرأة في أن لا يُحطّم كبرياؤها عند آخر شخص يجهل عن حادثها تلح الآن وتهابها. ابتسم "حسن" بسخرية ثم قال وهو يطالع وجه "آدم" الغاضب: "ابعد ايدك دي عني، وملكش دعوه، متتدخلش بينا!" أخذ أنفاسه ونظر ناحيتها بعينيها وقال بضغط عليها: "مدخلش نفسك فوسط واحدة رخيصة باعت نفسها لواحد وخد الـ..." بتر حديثه عندما اندفع "آدم" يصفع وجهه موجهاً له لكمات منفعلة من فكرة قوله لكلمات قاسية بذيئة. بكت "فريدة" بكسرة ووجع، وتركت "زينات" "آدم" يؤدبه بطريقته. حينها جثى فوقه يمسكه من تلاييبه وهو يردد بوعيد: "أقسم بدين الله لو حالتك كانت تسمح إنك تستحمل أكتر من كده لكنت مموتك يا ناقص يا رخيص يا ***! اللي يقول كلام زي ده على حرمة بيته يبقى واحد ***!" أمسك "آدم" خصلاته بقوة، حتى تأوى "حسن". فردد "آدم" من جديد بنبرة مرتفعة: "أختك يا زبالة! عارف يعني ايه اختك! يعني أي حاجة بتقولها عليها بتبقى فوشك قبلها يا قذر! دا أنا مصدقتش كرهها ليك بالطريقة دي وقولت لنفسي عملتلها ايه يا حسن. بس مجاش على بالي وساختك دي!" ضحك من بين مسكة لخصلاته بهذه الطريقة وأكمل من بين دناءته يخبره بما لا يعلمه هو: "الحمقة خدّاك ومعرفتش زي ما الكل عرف إن شريف خدها عنده وعلم عليها بالقوة. لا وكمان هي اللي راحت لـ..." قاطع جملته لكمة قوية بوجهه بغير تصديق من "آدم" وصراخ "فريدة" بقوة عندما قاطعته بقهر: "إخرس.. إخرس يا حيوان يا زبالة!" ركضت تركله بمعدته وهي تصرخ مجدداً، مع دخول الشباب من الباب: "أسكت.. ولا كلمة يا قذر إخرس خالص يا ***!" سبه ولم ينصدم أحد سوى الفتيات من سبها. كانت تركله بهستيرية وصرخ هو أسفل قدمها من ركلها بشدة له. وفصلها بذراعها عندما أمسك إحدى ذراعيها "عز". و"شادي" يفصلانها بعيد. وعندما أمسكوا ذراعيها دون حملها ارتفعت هي عن الأرض سنتيمترات قليلة. انحنى "حازم" بغير فهم ينظر نحوه فوجده يحاول الاستناد وهو يسبهم. لم يعد لديه القدرة ليضرب منه. ود لو يصفعه رغم جهله بما حدث. ولكن أبعده "بسام" و"حامد" عن المكان للخارج مرة أخرى. وأخذ "طارق" يد "آدم" يبعده للخارج هو الآخر. وترك "غسان" "نيروز" المتمسكة به وانحنى أمام النساء والفتيات يمسك وجهه بعنف من بين يديه حتى سالت دماء الآخر من أنفه وجانب فمه! "بتلعب في عداد موتك يا بن سليم وشكلك هتحصله قريب!" ابتسم "حسن" بوجع، وهو يرفع يديه يتنفس بصوت ليمسح وجهه من الدماء وقال بتقطع يصر على توجيه الكره له: "هنشوف مين بالظبط اللي بيلعب في عداد موته!" توقف وأكمل بتأوه ومازال يكابر في إرداف حديث حاقد: "انت اللي لعبت في عدادك من ساعة ما خدت حاجة مش بتاعتك ولا من حقك!" ضغط على فكه بصبر، يتحلى بآخر ذرة منه لديه ونظر نحو وضعه وشكله وقال بتشفي ثابت يسخر منه: "إكبر في عيني الأول عشان أعرف أشوفك وأخد حقي منك!" اقترب "غسان" حينها يهمس جوار أذنه بفحيح: "وأنا هكون إنسان وهقدر حالتك، وهستناك تداوي كل جروحك دي، وبعدها ألمحك ونتقابل عشان آخد حق دمي اللي وقعته وهربت زي النسوان. وقبل ده حق مراتي اللي سبق وحذرتك إنك ملكش دعوة بيها ولسانك ده يبطل يتكلم عنها!" وأكمل بقية حديثه الذي هدده به: "..وساعتها يا قاتل يا مقتول!" نهض عندما دفع رأسه فاستند الآخر بتعب على الأرض تزامناً مع وداع "غسان" الشامت المتقزز: "يا مـقـتـول يا حسن!" قالها بتقطع والتفت يحاوط كتف "نيروز" التي ترتعش بالخوف. وخرج وخرجت خلفه النساء والفتيات. وأسندت "زينات" "حسن" كي ينهض رغماً عنها حتى توصله ناحية غرفته دون حتى أن تتفوه بأي حرف له! كانوا مجتمعين كل جماعة نحو طرف، ووقف "آدم" بشرفة شقة "عايدة" يتنفس بصوت مسموع. تركهم وصدره يعلو ويهبط من عزم الانفعال. عقله مشتت بالصدمة ومن ما سمعه من الآخر. لم يستطع إجماع الحديث وربطه ببعضه كي يصل للنهاية! ما علاقة "شريف" بها؟ وكيف أخذها غصباً من الأساس وهو من قال أنها باعت نفسها له بإرادتها؟ كيف اغتصبت منه؟ ألهذا يرى نظرة الانكسار بعينيها؟ لما يحترق قلبه الآن بل وجسده بالكامل؟ رآها لا ترفض الحديث فقط اندفعت كي تجعله يصمت! تنهد تنهيدة حارة وعقله لا يستوعب إلى الآن كل ذلك! بينما وقف "حازم" بإنهاك من كم هذه الضغوط والأحداث عليه. رغم أن القادمين للعزاء لا يعتبر بهم أحد ولكنه عقد عزمه على أن يفعل عزاء له ولو صغير يأتي فقط به بعض الرجال وسكان هذه العمارة والمعارف من بداية الغد! أمسك رأسه بتعب بين كفيه وأذنيه تصل بمسامعها إلى حديثهم وهم ملتفين حول "فريدة" المنهارة بالبكاء ومن بين الحديث هتفت "عايدة" بضعف تضمها نحو أحضانها بحسرة لها: "حقك عليا أنا يا بنتي!" قالتها ونزلت دموعها في الحال واستمرت الشهقات بالبكاء من "فريدة". بينما جلس "حازم" عاجزاً عن تسعفه قدمه للنهوض مرة أخرى. كان منهكاً نفسياً وجسدياً بما به الكفاية وعندما خرجت "فريدة" قبل دقائق من ضمه لها ضمتها "عايدة" وذهب ليجلس هو بتعب. لم يقو على الاستمرار في الوقوف. هو الآن من يحتاج أن يساند من يحتاج المواساة والاحتواء! بينما بركن أمامهم وقف "غسان" يدلك كفها بين يديه برفق، رابتاً على ظهرها بخوف من هذه الحالة. ساندها وساعده في أن يجعلها تتجرع المياه وغسل وجهها وهو يمسد عليه. كان "حامد" و"سمية" و"وردة" وحتى "ياسمين" التي وقفت تنظر بقلق وحزن. انطفأت لأجله مرات ومن أجل ما حدث وما يحدث مرات أخرى لم يعد لديها طاقة للتحمل فأصبحت ساكنة هادئة عكس ما كانت هي عليه! ساندهم "عز" وهو يذهب بكوب من مشروب ساخن ناحية "حازم" مع شطيرة بسيطة أعطتها له "دلال" وأشارت له "عايدة" بأن يتوجه بها نحو "حازم" الذي انقطع عن تناول الطعام! "إمسك يا حازم كل السندوتش ده وأشرب القهوة دي عشان تقدر تقف على رجلك ودماغك توزنك كده!" نفي برأسه ويديه ومد يديه يستند بذراعه على الخشب الخاص بالمقعد ثم نهض وهو يخبره رغم عدم مقدرته: "أنا عايز أشوف أختي يا عز!" لم يقدر على فعلها. لم يقدر على أن يجلس كل هذا الوقت وبهذا الحال من دونها ودون أن يرى ما حالها. تفحصه "عز" بنظراته وقال بتعقل: "انت تيجي فأي وقت يا حازم." بس صدقني أنا معاها متخافش وكمان الوقتي خليك عشان لو حد جه ياخد عزاه! "أختي أهم من الناس بيتك ميتوهش يا عز أنا هروحلها عشان بالي يهدى!" قالها بحزم رغم اختناقه وسمعه الشباب وحتي والدته والنساء. إعتدل "عز" سريعا يمسك ذراعه كي يسير معه بلهفة ثم قال كي لا يفهمه خطأ: "بيتك يا حازم ..أنا هاجي معاك يلا!" تلهفت "عايدة" ونفى "حازم" برأسه قبل أن تتحدث كي لا ينهار الاثنان عندما يرا بعضهما. خرج دون وداع. خرج بخواء. ومعه "عز". ووقف الكل بقلة حيلة. وعندما حاولت "وردة" إسناد "فريدة" لتقف. منعتها بهدوء ثم قالت بصوتها المبحوح الضعيف: "سيبيني يا وردة ..أنا عايزة أقف لوحدي فالبلكونة!" تركتها بقلة حيلة. ونهضت تستند بنفسها بحرص من رأسها التي تدور وعندما وصلت إلى الشرفه. سمحت لشهقاتها بأن تخرج مره أخرى وتوقفت على فجأه وهي تضع يديها على فمها ببطئ. وعينيها تمسح وجهها عندما وجدته يقف يولي ظهره للقادم من الخارج. حينها سمعها وإلتفت سريعا. ولم تتحرك هي. بل رفعت عينيها تطالع عينيه اللامعة بخزي. بينما هتف بما لم تتوقعه ابدا عندما إقترب يقف بمواجهتها ثم قال بأسف لها عن كل مره كان يقف ويجرحها بحديث عندما كانت تتحدث عن شقيقها بسوء: "أنا آسف!" وضعت يديها علي وجهها بكسرة. وعلمت بأنه علم السر الذي لم يكن سر بتاتا. بل سر كان يخفي عليه وكانت تعلم بأنه يجهله ولم ولن يردد له أحد عن كل ما حدث لها كونها باتت تعلمهم جيدا. علم هو أنه على مشارف الوقوع بها بجدية هذه المره. لذا إهتزت نظراته وهرب بعينيه من بكاءها وعندما حاولت الهروب من أمامه قاطع سيرها بالوقوف بكامل جسدة أمامها وقال بنبره مختنقة يسألها: "ليه مقولتيش!" كيف ستقول؟ وتحت أي مسمي؟ إنهارت أكثر في البكاء ورفعت رٱسها تطالعه بنظرة عينيها المكسورة وتعمدت وقتها الجمود والثبات في القول عندما قالت بإيجاز تخبره: "عشان مينفعش..وعشان مفيش حاجه بينا تخليني أتكلم فـ ..." كانت تردد بنبره متحشرجه إلى أن قطع حديثها الجدي الهادئ الباكي بنبرته الهادئه يسألها مجددا بقهر مخفي: "عشان كده صدتيني؟" حاولت الهروب أكثر فمنعها بسرعه وهو يتقدم أمامها خطوه واحدة يسألها بنفس اللين السابق: "عشان كده كنتي بترفضي تقابلي مني أي كلمة؟" إنهزمت لا تريد أن يلين قلبها لهذا الحديث لا تريد كل هذه المشاعر لا تريد أي شئ. لم يعد لديها ثقه. لا تريد خوض تجربه مثل هذه. لا تريد أن تستكشف جنس ٱخر وحتى لو بمجرد حديث عابر!! رددت بضعف وحديثها يأخذ نغمة بكاء ضعيف: "لو سمحـ.." يخترق قلبه كل هذا. وفكرة ضياع شرفها تطعنه الٱن عندما تأكد. استنكر حاله عندما لم يتردد ولم ينظر ولم يـصـد او تتغير الفكره لدية. لا ينكر بأنه اهتز قليلا. وكان متسرعا. دون حساب أي شئ بحياته ولا حتي لها. كان مندفعا. عندما قال بسرعة يبتر حديثها بـ جملته المماثله لها في القول قبل ان تكمله: "لو سمحتي إنت..أنا شكلي هحبك.. غصب عني!" إندهشت من بين البكاء. ورفعت يديها بجرأه تدفعه عنها بحدة. ثم قالت وهي تمسح وجهها بعنف: "قولتلك مينفعش!!" وأشارت بيديها تحثه بوجع: "ابعد عني وملكش دعوة بيا بقا!!" خرجت من الشرفه بإندفاع. تركض نحو شقة "زينات" حينها هرولت خلفها "وردة" بغير فهم. ووقف هو بالشرفه يضع يديه علي وجهه بثقل. لم يختار حتى الوقت المناسب. يعلم أنه تسرع حتي قبل أن يتأكد ان كان سيقع بها ام لا. هذه المره ستعتبرها شفقة منه ليس إلا بعد كونها ترفض أي شئ الٱن!! "قولتلها ايه ي ٱدم؟" كان هذا قول "بدر" الذي وقف بجانبه "بسام" و"غسان" الذي لاحظ ركضها فترك "نيروز" مع والدتها وشقيقتها الٱخري ودخل مع الٱخران الشرفه. إندفع "ٱدم" بحدة. يوبخ شقيقه وهو يشير له مرددا بجمود: "انت مقولتليش على اللي حصلها.." وأكمل بإندفاع يردد اللقب الذي يفتك بها وبه الٱن: "ليه مقولتش ان هي مـ.." وقبل أن يكمل الحديث هتف "غسان" بتحذير: "إسكت متنطقهاش!!.." طالعه بإستنكار. رغم وجعه. وإقترب "غسان" يتحدث بصوت اقل انخفاضا يحذره: "ميحقلكش تسأل بكلمة زي دي عليها ولا على اي واحدة!!" أمسك"بسام" ذراعه كي يجعله يهدأ في حين كان الاخر يسأل بوقاحة مخفية في القول. إبتلع ريقه واهتزت نظراته وهو يتركهم متوجها نحو الخارج ذاهبا إلى حيث منزله بعيدا عن المكان الوجع ومكان إكتشاف وجعها قبل أن يصبح وجعه. زفر "بدر" بصوت مسموع. واعتدل "غسان" كي يخرج نحوهم مره أخرى في حين نظر "بسام" ناحية "بدر" وهو يحثه على الخروج!! "بقيتي أحسن؟" سألها"غسان" برفق. فهزت رأسها بسكون وهي تمسح وجهها. ومن بين نظراتها على الجالسين وجدت "ياسمين" تتمسك بمعدتها بتحمل ووجهها أحمر متعرق. تمعنت النظر ناحيتها حينها إلتفت "غسان" برأسه فوجدها تنهض ببطئ تتوجه ناحية طرقة المرحاض ناحية الحوض وفي طريقها انحنت تتأوي بصوت. ومن بين انحناءها كادت أن تسقط أرضا. ولحقها ذراع"غسان" بصدمة. ونهض الجميع بعد نهوضه بإندفاع. حينها صرخت "ياسمين" صرخة دبت بأرجاء المنزل. وهرول الكل ناحيتها وهي تستند أرضا تستند علي ذراع واحد من ذراعي "غسان" الذي انحني بغير فهم ووعي لسرعة ما حدث الٱن!! "يـــاســمـــيــن!!!" قالتها "سمية" مع "نيروز" بصراخ. وحتى "وردة" والبقية. وعند صرخة الٱخرى وهي تحاول التحرك بمساندة "غسان" سريعا. وانحناء "نيروز" بخوف. انصعقت عندما وجدت بقعة الدماء تسيل من أسفلها. حينها صرخت تدفع "غسان" كي يحملها ثم قالت بخوف ونبره عالية مصعوقة: "دي ...دي بتنزف!!" قالتها بصوت مرتفع ووقف الكل بخوف. بينما حثه "بسام" سريعا. وهو يركض يفتح باب المنزل مع "دلال": "هاتها. شيلها يا "غسان" بسرعة. نوديها المستشفي. قبل ما يحصل حاجة!!" وقف "غسان" بها عندما وضع ذراعه أسفل قدميها وهرول بها من بين تشنج وجهها بألم. ودموعها التي تهبط. توقفت عن الصراخ وسقطت رأسها بعالم غير عالمهم عندما لاحظت الدماء. دماءها؟ أم جنينها؟ عند هذه النقطة فقدت الوعي. وهرولت "نيروز" ببكاء خلفهم هي و"سمية". وظلت "دلال" تردد بذكر الله بخوف. وذهبت "عايدة" سريعا تحت خروج "وردة" بسرعه من الشقه الأخري بغير لهم هي وزوجة عمها وحتي ابنة عمها!! بكت "وسام" بصوت عال بانهيار. ودفعتها "دلال" نحو أحضانها سريعا. والوضع كلما يمر يتأزم. وعندما يأتي السئ لم يتوقع أحد بأنه يوجد الأسوء منه. حينها يتوجب الرضا والقناعه والصبر على الإبتلاء. تبدل الحال بلحظات قليلة جدا. والخوف الٱن يرافق القلق ويغلفهما الحزن والقهر!! بالفعل كان لا يعلم. من كثرة الشعور أردا الذهاب من الشقة بأكملها. من كثرة الثقل على قلبه والضغط. دفن والده بيديه ورأي شقيقه يخرب الوضع أكثر وهو العاجز الغير واعي بماذا عليه أن يفعل بعد الآن بماذا يتوجب عليه الفعل وهو بهذه الحالة!! ولو يعلم هو ما حدث لها لأعلن رغبته في الاستسلام والإختفاء من هذه الحياه لعدم قدرته!! جلس "حازم" على أريكة حديثه وحيدًا أمام شاشة تلفاز مشغل بالقرآن بصالة شقة "عز". جلس ينتظر خروجها بعدما دخل "عز" يحثها على الخروج. وخرجت "حنان" لتعزية "حازم" والجلوس برفقته إلى حين خروج شقيقته. كانت تجلس بجانبها "فرح" حزينة العينين المتعكرتين بالدموع دون حتى أن تهتف حرفًا واحدًا. وقف بإندفاع من هذا الانتظار عندما وجدها تخرج مع "عز" بمساندته، وهو يمسك ذراعيها برفق كي تخرج. وما أن خرجت وهي تمسح وجهها، وقعت عيناها عليه. وحينها تركت "عز" وهرولت ترتمي بين أحضان شقيقها بإنهيار أمام نظراتهم المشفقة الحزينة. قررت "حنان" تركهما وتوجهت ناحية الباب تهبط عندما تذكرت بأنها تترك طعامًا على النار في الأسفل قبل وقت. أشارت لـ "عز" فأومأ لها وهو ينظر نحوها بوجع. إلى الآن تبكي بين أحضان شقيقها ولم تخرج بعد. نهضت "فرح" ببطء تسير خلف "عز" الذي دخل مدخل المطبخ ينفرد بنفسه قليلاً. وعندما دخل فتح صنبور المياه يمسح على خصلاته بإنهاك وأغمض عينيه بقوة. وانتفض بخفة خفيفة عندما وجد يد أحدهم توضع على كتفيه. كيف لم يعرف هو أناملها الذي يفتقدها قبل فترة، ويفتقد احتواءها له! التفت ينظر لها وضَمَّته هي بين ذراعيها وهي تربت على ظهره بقوة. كانت على مشارف النطق بينما تحاول جاهدة ولم تستطع أيضًا. حينها هتف هو بتحشرج وهو بين ذراعيها: "أنا تعبان أوي يا فرح.. مش قادر!" أكمل سريعًا، يخرج هواء أنفاسه بحسرة، ثم قال بخيبة وقهر لها: "مش قادر أشوفها كده!" شددت بعناقه بقوة، وخفتها في الاستيعاب تزداد كما في الحركة، وهذا يعني قرب الحالة بالنطق من جديد. حينها فتحت صنبور المياه من بين دموعها تمسد على خصلاته وأمسكت كفه بتشبث، حتى قبلته بأسف. كل هذه الحركات خلف بعضها تثير دهشته بعد ابتسامته الباهتة وعانقها هو هذه المرة بتأثر. وكما كان يعانقها، خرجت أخرى من العناق. خرجت "جميلة" تستمع إلى حديث "حازم": "ربنا يرحمه ويغفر له يا جميلة. البكاء مش هيعمل حاجة. صلي وادعي له واصبري." مسحت وجهها بصمت، وجلست بجانبه عندما دفعها برفق لتجلس وحاوط كتفيها وضَمَّ رأسها ناحيته وقال مرة أخرى بهدوء: "هوني على نفسك، عشان الأيام تعدي. عارف إن كل حاجة دلوقتي صعبة عليكي، وعارف إن فرحتك راحت بسرعة أوي قبل ما تكمل للآخر. بس عشان خاطري إجمِدي يا جميلة. أنا ثابت بثباتكم أنتم. أنا عارف إن فريدة هتمسك نفسها بعد كده شوية لكن انتي أوعديني تصبري ومتعمليش في نفسك كده." وجدت نبرته تبح وتتحشرج، وهيأته ونبرته يمزقان بها بقوة. حركت رأسها تومئ وفقط، فأمسك هو يديها وأهبط رأسه يقبل قمة رأسها. ووجد "عز" يقف أمامه وبجانبه "فرح". حينها وقف وهو يمسك يد "جميلة" حتى وقفت معه ونظر لها بابتسامة هادئة صغيرة كي يبث بها بعض الثبات. وأشار لـ "عز" كي يحدثه على انفراد. حينها وقف أمامه واهتزت عيناه بينما لم يتردد بل هتف بلهجة هادئة عميقة وشقيقات كل منهما تقف على بعد تواسي واحدة الأخرى بالأحضان والنظرات مع محاولتها الجاهدة بخروج الحروف من بين شفتيها: "متسيبهاش يا عز. جميلة مش هتقوى غير بيك!" وقبل أن يكمل "حازم" أكثر، تفهم وضعه كرجل لحدوث كل ذلك به بلحظة سعادة. لذا حدثه بحديث متفهم من رجل لرجل آخر. عاد "حازم" يكمل وهو يضع ذراعه على كتف "عز": "أنا عارف إنك ملحقتش تفرح زيك زيها بالظبط. بس انت ابن حلال. عايزك تصبر عليها وتستنى..." تفهم "عز" طبيعة حديث "حازم" عن إتمام زواجه بها وقاطعه بجدية شديدة وهو يطيل النظر بعينيه حتى قال بجدية متعقلة متفهمة: "أنا فاهم يا حازم من غير ما تقول. وعيب كلامك ده إحنا رجالة بتفهم وبنقدر. وأنا أهم حاجة عندي راحة أختك متقلقش." وأكمل يطالع طيفها وهي تجلس بجانب شقيقته وعاد ينظر ناحية شقيقها مضيفًا: "أنا بحب جميلة وبراعي ربنا فيها. ولو كانت الحالة من غير حب فبرضه كنت هراعي ربنا فيها وهراعي ظروفها عشان مراتي. اطمن!" "مش عارف أرد أقولك إيه يا عز. كتر خيرك حتى لو كان واجبك. بس أنا بشكرك!" عنفه "عز" بنظراته فربت "حازم" على كتفه بإمتنان وتوجه بعدها ناحية شقيقته يحتضنها بوداع. فردت هي بضعف تسأله وهي تراه يعتدل: "خليني أشوفك تاني يا حازم. وخليني أشوف ماما وفريدة ونيروز. وكلهم. قولهم يجولي طالما محدش راضي يخليني أروحلهم." "حاضر. هخليهم يجولك في أقرب وقت. متخافيش انتي وإطمني وخلي بالك من نفسك ومن حالك. ادعي له واصبري زي ما قولتلك. اتفقنا؟" أومأت بحزن وابتسم مرة أخرى بطريقة زائفة كي يشعرها بالأمان وتوجه تزامناً مع دقات هاتفه الذي تعمد تجاهلها فوجد "عز" يأتي خلفه حتى قاطعه هو وهو يلتفت يشير له نفياً: "أنا عارف السكة كويس يا عز. خليك جنبها انت زي ما قولتلك وإسمع الكلام." وجد الإصرار منه فحرك رأسه إيجاباً وقال قبل أن يغلق "حازم" خلفه الباب: "هبقى أكلمك أطمن عليك." همهم الآخر وزفر بنفاذ صبر عندما وجد الهاتف يدق مرة أخرى. بينما توجهت "جميلة" ناحية التلفاز كي تقوم بتعليّة صوت القرآن أكثر وجلست تستمع فوجدته يجلس وهو يرفع يديه يزيح خصلاتها إلى الخلف وردد بهدوء كي يخفف عنها: "جميلة وميليقش عليكي الحزن أبدًا يا جميلة." طالعته بملامح هادئة حتى وجدته يرفع يديها ناحية فمه يقبلها برفق ولين وعمق حتى بنظراته. فتحت "فرح" الباب عندما وجدت الجرس يرن وظهرت "حنان" بصينية طعام ساخن من ضمنه حساء لها. دخلت بخطوات هادئة ووضعت الصينية على الطاولة تحت إسنادها برأسها على كتف "عز" وما أن وجدتها تقترب وهي تمد يديها المجعدة بقولها: "قومي يلا يا حبيبتي كُلي لكِ لقمة!" ترددت بنظراتها ونظرت لكفها ثم لعيني "عز" الذي قال لها بابتسامة يحثها: "هتكسفي أم عز؟" "لأ.. بس.. بس أنا مش قادرة ومـ..." وجدت "فرح" تمد لها كفها هي الأخرى فعاد "عز" يسألها بمشاكسة طفيفة ليخفف عنها: "هتكسفي أخت عز؟" ضحكت "حنان" بخفة وابتسمت "فرح" فنفت "جميلة" بتعب: "مليش نفس آكل يا عز.. مش هقدر عـ..." بتر حديثها عندما وقف "عز" ممسكاً بيديها فظلت هي جالسة تطالع يديها المعلقة فسأل هو بخفة مرة أخرى: "طب وهتكسفي عز؟ حبيبك؟" خجلت من بين حالتها وكادت أن تعارض فحاول "عز" أن ينحني ليحملها فوقفت هي بإندفاع عندما شعرت بما سيفعله حتى فتحت عينيها على وسعها. ضحك بخفة وابتسامة خجل زينت محياها الباهت وثمة أفعال بسيطة تُفعل كي تهون عليها. وجدت "فرح" تحتضنها للمرة التي لا تعرف عددها ومن بين محاولتها هتفت بجانب أذنها ببطء وتقطع: "جمـ ـيـلة!!" قالتها بتقطع ولم تتوقع "فرح" نفسها بأن حديثها الصامت التي تتحدث به بصمت عاجز خرج أخيرًا. فتحت "جميلة" عينيها على وسعها كما صُدم "عز" وانفرجت شفتي "حنان" بابتسامة واسعة. فردت "جميلة" بغير تصديق: "فرح!!!" انتي اتكلمي يا فرح. "اللي أنا سمعته دا حقيقي يا فرح؟ قولي إنه بجد! اتكلمي تاني كدة!" نطقها عز بسعادة مصدومة وصدمة حنان جعلت الحديث يهرب منها. في حين توسعت بسمة فرح بغير تصديق ثم قالت وهي تحرك رأسها بغير وعي للذي يحدث: "عز أنا.." لم تكمل الكلمات ورغم أن حديثها بطيء ولكنها تتحدث الآن. بطيء بسبب توقفها عن الحديث لفترة كبيرة. ربما سيكون كذلك في البداية. وجدت نفسها تندفع بأحضان حنان الفرحة وأدمعت عينيها تأثراً. في حين نظرت جميلة بدهشة ناحية عز الذي تيقن بهذه اللحظة أن البلاء يأتي ومن الناحية الأخرى يأتي فك كرب وبلاء آخر. ربما هذا هو الشئ الوحيد الجيد بهذا اليوم الملئ بأحداث صعبة. ومن بين أحضان لأخرى وآخرهم كان عناق عز بفرحة لم يستطع إخفاءها ووقتها نظرت جميلة بتأثر ناحيته وفي الحال وجدت كفه يحتوي كفها مع قوله الهادئ: "مهما كان فإنت وشك حلو وهيفضل حلو عليا يا جميلة!" ابتسمت بابتسامة باهته وقرأ هو المسطور بعينيها عندما كانت تنظر له بشفقة على ما يحدث. فهمها وفهم حديثها وبرر سريعاً. قبل أن تنتكس. وجدته يسحبها برفق كي تجلس على الطاولة. كانت تأبى أن تأكل بينما تأخذ بعض لقيمات صغيرة من بين يديه تارة ومن بين يدي فرح تارة وحتى حنان كانت تطعمها وكأنها صغيرة. وقعت وسط عائلة حنونة تعشق البساطة. فرحتهم كانت تأتي بأبسط شئ يمكن فعله. "الحمد لله ربنا ستر. والبيبي بخير. مجرد ضغوط نفسية جت بإنذار إجهاض. هي حالتها مش أحسن حاجة ولازم تفضل فالسرير متتحركش منه مع شوية مثبتات لازم تمشي عليها الفترة دي." عادت الأنفاس بعدما سُرقت ووقف الكل يسمع الطبيب. وعندما أكمل بهاتفه لأسماء أدوية ركز معه بسام واحتضنت نيروز غسان وكأنها تحتفل بالإطمئنان عليها وعلى الجنين الذي مازال برحمها إلى الآن. كانت كلمات الحمد والشكر لله عالية منهم جميعاً. وهرولت سيمة نحو الداخل بإطمئنان. حتى وجدت مغذي يحقن بها بين عروقها. دماءها التي نزفتها لم تكن كثيرة بينما كانت ظاهرة أسفلها بقعة معينة جعلت الكل ينصدم كونها حامل. وقف الكل يأخذ أنفاسه. ورد بدر على وردة بينما أخبر غسان حازم بطريقة تجعله يطمئن قبل قليل. فاتفق الكل على أن يعلم لأن لا مفر من ذلك. حينها تذكر لهفته وصوته الخائف وهو يستعلم عن أي مستشفى هم. أستند غسان بظهره على الحائط ونظر ناحية ذراعه وكفه وحتى أزارار قميصه التي فُتحت بإهمال. توجه ناحية المرحاض بعدما أخبر نيروز فدخلت نيروز مع عايدة إلى الداخل. ووقف شادي بجانب حامد ينظر بأسف على حالهم كما كان بدر يطمئنهم. "روح يا بني بقا لمراتك. متسييهاش كل ده لوحدها!" كان معهم طارق يساندهم ووصل إلى مسامعه قول حامد للآخر فرد شادي بنبرة هادئة يوضح: "مكنتش عايز أسيبها بعد ما انهارت من العياط بس مضطر!" "طب إستأذن يبني وروحلها لسه قدامك طريق. وأنا خايف على بنتي!" قالها طارق بقلق. فرد شادي بتفهم: "أنا عارف يا عمي وبحاول متأخرش عليها متقلقش. حازم يجي بس وهمشي علطول!" وجده يهرول من نهاية الطرقة ممسكاً الهاتف على أذنه. كان ركض كمن يركض بتيه في هذا الوضع. قابله شادي وبدر سريعاً يطمئنه ومن قبل أن يتحدثوا سأل هو بخوف ولهفة عليها: "هي فين.. حصل ايه.. طمني يا بدر.. حد يرد عليا!" "أهدي يا بني. متخافش هي كويسة أدخلها هي جوه!" قالها حامد وهو يربت على ذراعه بينما تركه مهرولاً ناحية الداخل بخوف ويديه ترتجف الآن لأول مرة لأجلها هي. دخل ووجدها نائمة بعالم غير هذا العالم ووقفت سمية تطمئنه عقب دخوله. بينما كانت تجلس نيروز على المقعد بجوار الفراش التي تتسطح هي عليه. هرول يجلس على المقعد بخوف. ثم أمسك كفها المحقون به الإبر يمسد عليه بخوف. وهبطت دموعه الآن وهو يردد باختناق وكأنها تسمعه: "ليه كدة يا ياسمين. لو حصلك حاجة أنا روحي هتروح فيها!" قالها باختناق وشعر بهذه اللحظة أن الأبواب تُغلق بوجهه من جميع النواحي. أدمعت عينيه أكثر وإستند برأسه وهو ينحني على الفراش بتعب. مقدمة رأسه بجانب كفها الموضوع. وهو يزفر أنفاسه بصوت كي يخرج الثقل الذي على قلبه وصدره. شعر بإنسحاب الكل من الغرفة وبعد دقائق من هذا الوضع وجد كفها يمرر على رأسه وخصلاته. حينها تلهف فوجدها تنظر بتشوش. وعندما نظرت ناحيته حاولت التركيز أكثر وإنتفضت بفزع تتمسك بمعدتها فنهض سريعاً ينظر نحوها. أدمعت عينيها وهي ترجع ظهرها ثم سألته من بين جلوسه بجانبها يحاول سندها كي لا تتحرك: "منزلش يا حازم صح؟ قولي والنبي إني مسقطتش عشان خاطري!" قالتها ببكاء وهي تتحسس بيديها موضع معدتها فربت هو على معدتها بحنو. ثم انحني يقبل مكان لمسته وهو يقول بتحشرج يقطع حديثها: "الحمد لله.. الحمد لله يا ياسمين. ربنا كتبله يعيش ويكمل. بس أنا أهم حاجة عندي إنت. إنت متتعوضيش عشان خاطري خدي بالك من نفسك ومن صحتك. مبقتش قادر.. مش هبقى حمل ضربة تانية وأنا كدة." رفعت يديها تمسح دموعه وبكت بضعف وهي تحرك رأسها فاعتدل بجلسته ينتظر هذا المحلول كي ينتهي. ومن بينه اقترب كي يسند رأسها على كتفه وهو يربت على ظهرها كطفلة صغيرة بين يدي والدها يطمئنها بأن ليس بها مكروه. وأن ما بها مجرد "شكة من دبوس" بهذه اللغة فيما بينهم. في الخارج وقف بدر كي يساعد حازم في الرحيل. وعقد حامد العزم على أن يجعلهم يرحلوا من غسان ونيروز وسمية وحتى طارق الذي رحل وهو يوصي شادي. وقف شادي من على الأعتاب يودع حازم الذي أومأ له برأسه بتفهم. فرحل هو الآخر وهذه المرة بسيارته نحو منزله هو. بينما في أقل من ساعة سيكون حازم عائد إلى المبنى ومعه ياسمين بمساعدة بدر. في حين أن البقية رحلوا قبل وقت. كانت وردة تنتظر بقلق وخوف على ياسمين ولولا أنها إطمأنت هي وزينات وفريدة وحتى دلال وابنتها وسام لما كانت حالتهم ستكون كذلك أبداً. من بين جلستها الآن على سجادة الصلاة بغرفة جميلة. تبكي للخالق وحده. أغلقت المصحف وهي تمسح دموعها ثم رفعت يديها كعلامة للدعاء وهي تقول دعاء فك الكرب والتهوين لكل ما يحدث: "اللهم إليك أشكو ضعفي قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا ارحم الراحمين انت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني. أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا ابالي. غير ان عافيتك هي اوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة. أن يحل على غضبك. أو ينزل بي سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك." إستمرت في الدعاء وكانت تقف على أعتاب باب الغرفة زينات التي رفعت يديها تفعل مثلها وهي تردد "آمين" بوجع. سمعت صوت الحديث العشوائي وعلمت أنهم أتوا من الخارج فمسحت وجهها وهي تنهض حتى خرجت بعدما خرجت زينات بلهفة ووجدت حامد يطمئنهم بالحديث. ومن بين كل ذلك إنسحب غسان مع نيروز للأعلى عندما شعر بأن طاقتها تنتهي بالفعل. جلست دلال بإنهاك. وإستندت وسام على كتف حامد فربت هو على رأسها بحنو وهو يحثها على النهوض نحو شقتهم. في حين وقفت وردة تنتظر قدوم بدر ومن الجهة الأخرى تشتاق لصغيرها والتي لم تراه منذ ما حدث فقد أخذته فاطمة وقتها مع الأطفال في السيارة وجلس معهم من وقتها هناك بعيداً عن هذه الأجواء المشحونة بالحزن والسلبية. مرت دقائق كثيرة وصداع رأسها لا يتركها من كم الجهد التي بذلته بنفسيتها وضغطها. وقفت نيروز تبدل ملابسها لأخرى مريحة في المرحاض. حتى مدت يديها تمسح وتغسل وجهها بقوة. تجهد وبوادر دور الزكام تظهر من جديد عليها. اعتدلت تمسح وجهها وخرجت فوجدته يدخل الغرفة مع دخولها وهو يعد كوب من المشروب الساخن مع شطيرة صغيرة ووضعها على الطاولة الصغيرة الحديثة. فخرجت تبتسم له بإمتنان وإرهاق. فوقف هو كي يخفف عنها والتفت خلفها كي يترك عقدة شعرها. أن تُترك خصلاتها دون عقدها فستشعر بالراحة ولو قليل بعد كونه يفضل تركها لخصلاتها بهذه الطريقة. ابتسمت له وهي تسير حتى جلست على مقعد مريح وجلس هو بجانبها. تعلقت عينيها بعينيه بإمتنان وقالت بشكر تحت تأثر لما فعله: "أنا مش عارفه أقولك ايه يا غسان.." كل مرة بتقف جنبي وجنبنا للآخر. ربنا يخليك ليا! أدمعت عينيها بتأثر. فابتسم يشاكسها كي يخفف عنها، ورفع كفه يمسح على خصلاتها مع قوله اللين المشاكس كي يخفف عنها: "قولي بحبك!" ضحكت بيأس منه كي تراضيه، ونظرت بحب هادئ. ومن ثم حركت عينيها نحو الكوب وأخذته من بين يديه دون معارضة. هي تعلم الآن بأنها بنهاية الأمر تنهزم أمام إصراره. تجرعت منه بهدوء مع قضمها، رغم أنها لا تقوى على تناول طعام مهما كان حجمه. ولكنه يصر الآن بنظراته! "استنى ثواني أخرجلك لبس عشان تغير!" قالتها وهي تحاول النهوض عندما وجدته يعتدل، ولاحظت ملابسه التي ظهر عليها الانكماش والإهمال. أمسك معصمها يقاطع نهوضها، ثم قال بابتسامة هادئة وهو يقوم بفك الأزرار أكثر كي يخلعه: "سهلة خالص... أهو!" قذف القميص على بُعد. واستند بجسده بإريحية وهو يحاوط كتفيها. فابتسمت وركزت بعينيها نحو جرح جانبه الذي طُعن به من "حسن". تركت الكوب أخيرًا حتى وضعته بجانبها، واستندت برأسها على كتفه بتلقائية. فلمس وجهها كتفه العاري الجامد بعظمته. ولكنها على أية حال تشعر بالراحة عند الاستناد عليه: "طلع كتفك شيال وبيسند أي حد يميل عليه... وعمره في يوم ما مال هو!" قصدت مساندته للكل غالبًا! ابتسم وهو يخرج أنفاسه ورد بعمق وهو يمرر يديه على ذراعها محاوطًا كتفيها: "ولا هيميل طول ما 'نيروز' ساندة عليه!" ابتسمت ابتسامة باهته وأغمضت عينيها بإرهاق. ثم فتحتها، فحاول هو التخفيف عنها عندما قال بمرح كي يجعلها تضحك رغم هذه الظروف: "أنا... عايز خناقة كده ولا كام كلمة من بتوعك يسخنوا الدنيا بدل الهدوء ده. أنا مش متعود على كده. أنا... فين النكد؟!" ضحكت بخفة. ولم يفشل هو بالتخفيف عنها، بل نجح رغم وجعها وحزنها. ولكنها ضحكت ربما بألم. جاب عينيه تقاسيم وجهها فردت هي بهدوء تعترف له: "مبحبش خناقنا ولا بُعدنا. بس عايزة أقولك إني بحبك أوي. وأي حد غيرك كان فاته اتخلى عني بقاله كتير عند أول حاجة حصلت من ساعة ما دخلت حياته. وكإني بوظتها عالآخر! انت استحملت معايا... وبتستحمل كتير أوي. أنا... أنا آسفة!" عقلها لا يتذكر إلا صبره على "حسن"، ولامس قلبها إنسانيته رغم ما فعله ورغم شخصيته التي لا تظهر بأنها كذلك! "أنا أستحمل أي حاجة عشان بنت الأكرمي!" أهبط شفتيه يقبل كتفها برفق. واعتدل يمسك وجهها بين يديه حتى طالع عينيها الحزينة وملامحها وهتف بلين يأثر بها: "ملامحك متستاهلش تبهت كده يا نيروز. الموت حق، وحتي الحياة ابتلائات واختبارات من ربنا لينا. مش محتاجين غير الصبر. الصبر من غير ما نجهد نفسنا!" ابتسمت له بإطمئنان. ومسحت لحيته الخفيفة بيديها. ثم مررت يديها على خصلاته ترتبها. ومن بين اندماجها قبل وجنتيها بمشاكسة. فضحكت هي بيأس منه. ثم قالت بصوت مختنق تحاول به أن تثبت وتظهر له الاطمئنان: "تعرف إنك قليل الأدب... بس بحبك ويطمن فوجودك!" ضحك بخفة، يؤكد وغمز لها بمشاكسة طفيفة. ونهض يشير لها بأن تنهض وحثها على أن تنهض. وفتح ذراعيه على آخرهما يشير لها بالدخول بين ذراعيه. فعل كذلك كونه يشعر بكبتها. دخلت بتأثر بين ذراعيه ولم تنهمر الدموع هذه المرة، بل أدمعت عينيها تأثرًا. ومرر هو يديه على ظهرها ومؤخرة رأسها بخصلاتها. فردد هو وهي تحاوط خصره بذراعيها تعقده بتشبث، وكأن هذه هي لحظة الأمان والحماية من قسوة من بالخارج بالنسبة لها: "ابن البدري مش على بعضه عشانك والله!" صارحها بوجعه هو الآخر وحزنه لأجل حزنها. فاستمرت هي تشدد بعناقه كما كان هو يحتجزها بين ذراعيه باحتواء! ... بينما في الأسفل: دخلت "زينات" شقتها وخلفها "فريدة". عندما وجدوا أن الكل يحتاج راحة أو قسطًا منها على الأقل. الجميع حتى بعد قدوم "حازم" و"ياسمين" و"بدر". واطمأن الجميع عليها ونامت هي بسبات عميق بين أحضانه بغرفته. جلست "عايدة" بغرفتها تهاتف رقم "جميلة" بلهفة كي تطمئن عليها! ووقف "حامد" بصالة شقته ينظر ناحية "بدر" الشارد وقال بدون مقدمات: "مقولتلهاش لسه يا بدر؟" رفع رأسه ينظر بيأس وهو ينفي. فزفر "حامد" بصوت ثم قال يوبخه: "انت غلطان عشان زنقت نفسك وحتى ممهدتلهاش إن ده هيحصل. حتى الوقتي صعب تمهد!" وضع "بدر" كفيه على رأسه بثقل. وحينها وجد ذراعي "دلال" تحتضنه بعاطفة أمومة. لم ينعم بذلك منذ مدة كبيرة. دخل بين ذراعيها بإستسلام فربتت "دلال" عليه بحنو ثم قالت بإطمئنان: "متخافش يا حبيبي... هي هتفهم الوضع والدنيا هتمشي وكله بيعدي!" لم ينبس بأي حرف. وراقب "حامد" ما يحدث بقلة حيلة. بينما كان "بسام" بغرفته واستطاع بأن ينفرد ليقوم بمذاكرة لم تنته بعد لمهنة الطب التي لا تنتهي أبدًا. سيحاول التركيز على أية حال إن لم يقطعه شيء أو صراخ أو ماشابه من عائلة الأكرمي! ... الساعات تمر وروحه الآن إما أن تخرج إلى الأبد أو ستبقى بين الحياة والموت. سيلفظ أنفاسه الأخيرة. أم أن استسلام جسده بهذه الطريقة سيجعل عقله كذلك من كثرة ما يتجرعه الآن لا يقدر على النهوض بل ولا على فتح عينيه. الآن الموت يقترب منه وهو على الفراش دون أن يعلم أحد. أُغشي عليه بغيبوبة أتت من ضعف جسده. وإن لم يلحقه أحد لذهب في سبات عميق لا نهوض منه أبدًا إلا يوم الساعة! "ازاي تسيبني واقفة على الباب أصلًا كدة يا 'سمير'؟ أنا وانت ومترضاش تفتح؟ دا ايه ده؟ دي مش قلة ذوق؟ أدي مجايب أخوك يا سيدي. حاجة تعر والعوج اشتغل من الصباحية!" كان الحديث يخرج غضبًا من "دولت" التي قالت كل ذلك بمنتصف شقة "شادي" بمنتهى التبجح. شادي الذي جاء قبل ساعات وبقي معها وعندما جاءوا مرة أخرى فتح لهم يرحب بهم! كانت "منة" تقف خلف باب الغرفة. تمسح وجهها ودموعها. تتذكر كيف كانت تهاب بأن تفتح لهم وهي بمفردها دون وجود "شادي". لا تثق بهم ولم تعطيهم الأمان. وعلمت "دولت" بحدسها الأنثوي المتفهم أمور النساء هذه! وقف "شادي" يستمع إلى هذه الكلمات وأمامه "سمير" و"فتحي" الغاضبان أيضًا! "جرا إيه يا 'شادي'؟ مراتك مش عطيانا الأمان وخايفة مننا لإيه؟ بنعض إحنا ولا إيه؟ وبعدين خارج رايح فين وسايبها يوم صباحيتك؟" وأكمل "سمير" بقية كلماته بإنفعال يخرج له بما يكبته: "ورا الواد اللي اسمه 'غسان' بردو؟ خد بالك الواد ده طمعان فيك و..." "سيبه يا سمير... مهما تقول مش هيسمعك. بيدخل من هنا ويخرج من هنا زي دخان السيجارة دي بالظبط!" قولان خلف بعضهما وقبل ذلك قول "دولت". تشنجت ملامح "شادي" بإنفعال. وإلى الآن يحاول أن يحترمهم. ردد بنبرة هادئة أو ربما هذا الهدوء هو هدوء ما يسبق العاصفة: "خلصتم؟ ولا لسه في حاجة تاني عايزين تقولها؟" "روح يا أخويا إتشطر على مراتك. عملالك إيه كده لدرجة إنك مش شايفها غلطانة؟ لحقت تسقيك إيه دي؟" قالتها "دولت" وهي تلوي شفتيها بتبرم. فاحتدت عينيه ونظر ناحيتها وقال محذرًا. "إنتي واقفة في بيتي وبيت صاحبته بقت منة مراتي. يعني تحترميها وتقفي تتكلمي عليها بشكل أحسن من ده، سامعة ولا مش سامعة يا مرات أخويا؟" اندفع سمير يردد بغضب: "انت هتعلم مراتي الأدب قدامي كمان؟" وجدوا منة أمامهم، فنظر ناحيتها شادي مردداً بأمر: "ادخلي جوه يا منة!" "لا مش داخلة.. مش داخلة وخليهم يقولوا هم جايين عايزين إيه منك، ما كفاية بقى!" صرخت بهم بأخر حديثها لأجله، فأغمض عينيه بنفاذ صبر وسمع صوت دولت الساخر: "ما شاء الله طلعلك صوت أهو وبتخربشي كمان بالكلام. كان فين ده؟ دا أنا قولت إنك صعبة وما خرجتش يعني ولا شوفت!" تشنجت ملامح منة وردت بانفعال على حديثها: "انت لسه متعرفنيش لحد دلوقتي؟ بس أنا متربية على مبادئ وأصول مينفعش أتخطاها، بالذات لو على ضيوف في بيتي!" قذفت الحديث بمنتصف وجهها، وإنصدمت الأخرى بجرأة ما قالته، تعتبرها ضيفة؟ صاح سمير بانفعال له: "سامع مراتك يا شادي؟ سامعها وهي بتقول على أخواتك ضيوف في بيتهم؟ ولا عامل نفسك أطرش دلوقتي؟" وأكمل فتحي على نفس نهج حديث شقيقه الآخر مردداً بتهكم: "ولسه ياما هنشوف يا عريس..!" رفع شادي عينيه بتحمل ينظر ناحيتهم، ثم توجه كي يتمسك بمعصمها ليسحبها خلفه حتى دخلت الغرفة وأغلق هو الغرفة خلفها. فاقترب فتحي يردد بسخرية مرة أخرى: "لا راجل أوي يا خويا.. خليها تتفرعن علينا كمان كمان. انت مش هتـ..." بتر الحديث عندما صرخ شادي بقوة وعنف: "كــــفـــاية بقا.. إخرســـوا..!!" قالها بانفعال وتوجه بخطوات سريعة يقترب وهو يسرد بوجع وصوت مرتفع: "كل مرة بكبركم وبرضه بتصغروني قصادكم وقصاد نفسي.. أنا مش عايز منكم حاجة.. مش محتاج حاجة. كل واحد يخلي لسانه جوه بؤه ومسمعش ولا كلمة!" "وايه كمان يا بن أمي وأبويا؟ وايه كمان بتبقى مراتك على أخواتك؟" قالها سمير، فأكمل شادي حديثه بوجع: "محدش بقالي منكم عشان أبقيه.. واللي فيها خلي كل حاجة ترجع زي ما كانت. كل واحد يرجع سفره تاني وحلوا عني وعن دماغي وسبوني في حالي. مش حتى الونس اللي ما صدقت لقيته مستكترينه عليا؟ كفاية بقى سيبوا الواحد في حاله زي ما سبتوه من قبل!" اقترب فتحي ينظر ناحيته حتى هتف باستهزاء: "فرق السن اللي بينك وبينا يا باش محاسب، مينسكش إزاي تتكلم مع أخواتك الكبار!" لوي شادي فمه بنفس الاستهزاء وقال يقلل منه بتعمد: "الكبير كبير بأفعاله يا فتحي يا خويا.. بس انت بقى معرفتش تكون كبير بالحرام اللي انت عايش فيه. خليني ساكت أحسـ..!!" وقبل أن يكمل كلماته، أثارت الكلمات غيظ فتحي وانفعاله. وعلى فجأة، قبل أن يكمل شادي كلمته الأخيرة، صفعه الآخر على صفحة وجهه بقسوة، حتى شهقت دولت رغم جبروتها واندفع سمير يفصل فتحي عنه. بينما وقف شادي بخواء وكأنه لم يتلق صفعة الآن، صفع منهم من قبل بقلبه، فلما التأثر؟ ابتلع ريقه بثبات زائف، وسمعت منة من الداخل كل ذلك ولم تستطع الخروج بسبب إغلاق شادي الباب عليها. "بتقولي حرام وحلال؟ ما تعلمني كمان الأدب يا ضنايا!!" هدر بها بانفعال، ونظر له شادي بخيبة وقال بكل هدوء يرد على حديثه: "مش شرط الكبير يعلم الصغير الأدب يا فتحي.. أنا صغير عنكم بس قادر أعلم كل واحد الأدب وأخليه يلزم حده. بس عيب مني وفي حقي أرفع إيدي على أخويا الكبير. عندي حل تاني لو محدش عمله دلوقتي وسمع كلامي فيه، هتشوفوا وش شادي التاني، اللهم بلغت!!!" "هتعمل إيه يعني؟ انت بتهددنا؟" هدر فتحي بانفعال، والآخر يمسك ذراعه كي لا يندفع. بينما فتح شادي هاتفه يهوش به وقال بتبجح جريء يساومه بطريقة ما: "هبلغ عنك!" فتح فتحي عينيه بصدمة، ولوهلة شعر بالخوف من فكرة فعلها والبلاغ عنه بتزوير الأموال. وقبل أن يتحدث أحدهم بنفس الصدمة رغم علمهم، توجه شادي ناحية الباب بتبجح لم يكن هين عليه هو: "من غير مطرود واجبكم وصل. وأخوكم عريس وراجل ورفع راسكم. أظن مفيش حاجة تانية محتاجة تتقال ولا حتى تتعرف!" فتح سمير عينيه بذهول، ثم قال: "انت بتطردنا يا شادي؟ بتطرد أخواتك؟" وسأل فتحي بسخرية مجدداً، ضامناً عدم فعل الآخر عن ما هدد به: "بتطردنا عشان دي؟" "دي اللي هي مراتي. مع السلامة.. والكحك هيبقى يوصلكم قبل ما تسافروا!" فتحت دولت عينيها بدهشة من وقاحته، واندفعت بخطواتها تخرج إلى الخارج وانسحب خلفها زوجها والآخر من بين نظرات الغضب الموجهة له بشدة. أغلق الباب واغمض عينيه بضغط. كان يعتقد بأنه انتهى من كل ذلك. ما الذي حل عليه الآن؟ توجه يفتح الغرفة فوجدها تجلس القرفصاء وحاولت التحرك سريعاً عندما دخل، وعندما استمعت إلى كل كلمة كان قد قالها، حتى وإن فقد القدرة على العتاب والحديث به لهم. بينما تعلم أن هذا لا فائدة منه الآن. وجدته يتوجه ويرتمي بجانبها بإنهاك، حتى دفن رأسه بين أحضانها بإستسلام، فضمته باحتواء وهي تشعر بمدى ثقله. فقال هو بقلة حيلة لها: "شادي بيه بتاعك.. تعب وجاب آخره يا منة!" رغم أن الحديث مرح، ولكنه ردده بوجع واهتزاز. فأدمعت عينيها لأجله ومسحت على رأسه وهي تهبط رأسها كي تقبل قمة رأسه وهي تقول بأسف عن ما يحدث له: "أنا آسفة حقك على راسي أنا والله!!!" "مش عايز حقي يا منة.. أنا عايز أرتاح.. ينفع أرتاح؟!" حركت رأسها إيجاباً. والآن هي من تواسي وتحتوي. فرد الغطاء عليه بتعب، وكل ما يشعر به من خذلان تحاول هي محوه وهي تربت عليه بلهفة. والأوقات التي من المفترض أن تنقضي بسعادة وحب تنقضي بوجع لدى الجميع دون استثناء. حتى معهما. بينما هي ستحاول جاهدة أن تخرجه من هذه الحالة. المساء ساكن مثل سكونهم، وكل منهم يجلس بتيهه إما برفقة أحد أو بمفردهم. ومن بين هذا، هناك في شقة عز، كانت هي تنهض الآن من على سجادة الصلاة تطويها بصمت. وخلعت عنها ملابس الصلاة وفاقت نسبياً فقط بعد قدوم شقيقها وبعد ما حدث لفرح، وحتى بعدما هاتفت والدتها. وقبل أن تجلس وجدته يدخل الغرفة بابتسامته الهادئة. يعلم أن موعد امتحاناتها النهائي بعد فترة من زواجهما، وكانت هي ستحاول أن توفق الوقت على أية حال. بينما الآن؟ كيف ستفعلها؟ عندما شعر بأنها بدت منتبهة عن البداية، أراد تشتيتها عن الأفكار وعن البكاء. لذا ابتسم لها الآن وهو يتوجه ليمسك يديها برفق وسألها بحب: "انتي ليه حلوة حتى وانتي معيطة بقى؟" ابتسمت على حديثه وسحبها خلفه حتى جلست وجلس هو بجانبها. وتزامناً مع ذلك رددت هي بألم: "أنا عارفة إنك مجبر تستحمل حاجات معايا مش لازم إنك تستحملها. أنا عايزة أتأسفك على اللي بتمر بيه معايا بس والله أنـ.." قاطع عز حديثها بلين شديد وهو يقترب يقبل إحدى وجنتيها بهدوء ثم قال يكمل هو حديثها: "بس والله بحبك ومستعد أفوت في أي حاجة عشانك!" لا تعلم لما خجلت من قربه. يكفي أنها طالعت ملابسها قبل وقت واكتشفت بأنه بدلها لها بالكامل. أين كانت هي؟ أين كان عقلها؟ سألت نفسها وتوردت وجنتيها رغم ملامحها الباهتة وأخذت نفساً. عميقاً أمام عينيه التي تحاصرها، وقالت: "أنا مش مصدقة أي حاجة بتحصل حواليا غير... غير بس وجودك جنبي!" عانقها وسند ظهره على خشب الفراش الحديث، فاستندت هي تقاوم شعورها، فوجدته يردد من بين احتوائه لها: "مش مهم... المهم إن أنا جنبك ومش هسيبك!" تنفست بعمق، ووجدته يعتدل، فاعتدلت تنظر له بتركيز، عندما بدأ هو مردفاً بحديثه الهادئ العقلاني: "والمهم كمان إنك في أقرب وقت تقعدي تذاكري وتشوفي اللي وراكي عشان الامتحانات!" أومأت له. وعندما شعرت بأنه تسطح على الفراش، تحرجت. بل وهي التي غفت في أحضانه بانهيار. كيف تخجل الآن؟ فرد ذراعه وابتسم باتساع، يشجعها: "تعالي!" أمسكت الغطاء بكفيها بارتجاف، وانحنت تستند برأسها على ذراعه تزامناً مع فرد الغطاء، وساعدها هو بذلك. وما إن انتهت، اعتدل على جانبه الأيمن وقرب رأسها من صدره، فباتت أنفاسه الساخنة تلفح فروة رأسها بخصلاتها السوداء المعقودة على شكل كعكة كبيرة. وبيديه اليسرى حاوط خصرها برفق، وهمس بجوار أذنها بحب، عندما شعر بتوتر أنفاسها غير المنتظمة، مما يعني أنها على مشارف البكاء أو على مشارف الارتباك بوسواس عقلها: "نامي ومتخافيش... متفكريش في أي حاجة!" انهزمت وبكت بصمت. وشعر هو بذلك، فرفع ذراعه يحاوط كتفيها من الأمام، وحركها كي تلتفت، فالتفتت بانهزام، ووجهها بمقابلة وجهه. وحاوط ظهرها هذه المرة، وهو يسمعها تردد بخوف، من فقدان شخص آخر: "أنا خايفة!" لصق رأسها بصدره وشدد بعناقه لها باحتواء، وسألها بعمق شديد: "بس أنا بقيت ضلك خلاص. ينفع تخافي؟" نفت بعينيها، وعينيها التائهه تغفو بإنهاك تحت يديه التي يمررها على ظهرها بأمان، وحتى على رأسها، وتارة يحتوي خصرها كي يثبت لها بأنها محاوطة بالأمان، بأمانه هو! شعر بانتظام أنفاسها، بينما عينيها تتشنج وكتفها يرتعش بين الحين والآخر. رفع كفه يضعه على رأسها بشفقة، وهمس ببعض آيات الذكر وأذكار معينة كي تستكين وتهدأ، حتى في أحلامها. ومن بين ذلك، لم يفشل وضعها في أن يجعل عينيه تدمع الآن وتلمع بدموع لأجلها. بل وبعد وقت، غفى هو الآخر وهو يحاصرها بأحضانه بشدة، وكأنها ستهرب منه في الحال. لا يعلم بأنها هربت من الجميع وأصبحت معه هو. غفى هو الآخر وعقله يفكر بالراحة لها وليس له هو. هو المكافح المجاهد. يبقى الكل عليه، وتصبح نفسه الغير أنانية آخر اهتماماته. هو الأب قبل أوانه، والزوج أيضاً قبل أوانه. فلم يستنكر كل الذي يحدث! هل يوجد أمر يصعق أحدهم أكثر مما هو به؟ تحمل لكثير. موت والده، حالة أشقائه، وحتى وضع زوجته الآن باحتمالية ضياع جنينها منها المرة القادمة إن لم تأخذ الراحة الكافية بنفسيتها قبل جسدها! نهض بخفة من على الفراش متوجهاً ناحية الباب كي يفتحه، ومن ثم أغلقه خلفه ببطء، كي لا تستيقظ. وجد "سمية" تجلس برفقة "عايدة" بصمت في الصالة. أخرج أنفاسه بصوت. ووجد "بدر" يدخل من الباب برفقة "وردة"، حتى جلست هي بجانبهن. ووقف "بدر" بجانب "حازم". بعد أن اطمأنت "نيروز" على شقيقتها، لم تهبط هي ولا حتى هو. وهو من أصر على ذلك كي ترتاح، وبقي بجانبها إلى أن غفت بعالم آخر. وهبط هو الآن كي يطمئن على "حازم" صديقه، ولكنه لم يدخل الشقة، بل أشار أنه قادم بعد دقائق. وبحث بجيب بنطاله عن مفتاح باب الشقة. فتح شقة "حامد" ودخلها. وقبل أن يخطو أكثر ليطمئن عليهم بعد هذا الوقت، وجد غرفة شقيقته مفتوحة، فتقدم ينظر، وجدها تستند برأسها بين ذراعي "بسام". علم أنها مضغوطة، بل والتوتر الخاص باختباراتها يزداد في عز هذه الأوضاع الموجعة المشوشة للعقل. اعتدلت ما أن وجدته يقف على أعتاب باب الغرفة، وابتسمت له، فاعتدل "بسام" ينظر له بصمت، تحت سؤال "وسام" باهتمام: "نيروز عاملة إيه دلوقتي؟" "كويسة!" قالها بابتسامة حانية وهو يرفع يديه يمررها على خصلاتها. فحاولت التحرك كي تجلس على المكتب. ونظر لها هما بتفهم، ونظراتهم المشجعة التقطتها منهم، حتى ابتسمت تهز رأسها بإيمان قوي على أنها قادرة. خرج وخرج الآخر وهو يغلق الغرفة خلفه. وقبل أن يتوجه إلى الخارج، قاطعه "بسام" سيره بسؤاله الذي ظهر به الخزي: "إيه يا "غسان"؟ هنفضل كده لحد امتى؟" جابه عينيه ملامحه بتمعن، وابتسم بسخرية، وهو يشير بغير اهتمام: "علطول، عشان تبقي مرتاح بعيد عني وأنا كمان كده، وكل واحد يخليه في نفسه وحياته، بدل ما أخربها لك بالقوي المرة الجاية. أنت بتنسي كلامك ولا إيه يا دكتور بسام؟ مش ده كلامك برضه؟" وجد الألم بعينيه مخفي. واقترب "بسام" يبتلع ريقه، حتى ظهر الأسف بعينيه، وحتى حديثه الموجوع وهو يبرر ككل مرة يبرر بعد أن يكسر قلبه: "أنا مكنش قصدي أقولك كل الكلام ده... م..." بترت جملته عندما خرج صوت "غسان" بانفعال، وهو يشير له مندفعاً بحديثه الصادق يوقف مبرراته الخادعة لقلبه: "لأ كان قصدك. كان قصدك كل حرف قولته وخرج منك في لحظة زي دي!!" توقف وأكمل بعدها بتهكم، يصحح له: "ما هو الكلام اللي الواحد نفسه يقوله وشايله بقاله كتير جواه... بيخرجه في الوقت ده. فإنت مش محتاج تبرر ولا محتاج تقول مكنش قصدك!!" "بس أنا مش ندمان على اللي قولته. يمكن طريقتي صعبة، واختارت الكلام الأصعب. بس كل حرف قولته أنت متعرفش كان خارج مني إزاي. أنت محسستش بيا وأنت بتعمل اللي في دماغك أنت وكأن أنا أنت!!" قالها بهدوء، وابتلع ريقه بوجع، وهو يردد بنفس الجملة الذي قالها له من قبل ولكن بانفعال، بينما الآن قالها بكسرة: "وأنا مش أنت، ولا حتى أنت زيي!!" وقف "حامد" بجوار "دلال" من على بعد، يتابعان الحوار المهلك لهم قبل توأميهم. بينما وقفت "وسام" خلف الباب تستمع وتتمنى بأن يتخطى "غسان" ما حدث كي يعود لسابق عهده. ضحك "غسان" باستهزاء، ثم سرد عليه بوضوح: "سيبك من كل الكلام ده يا بسام. عارف هتسيبك ليه المرة دي؟... عشان أنا مش هعدي ولا هاجي على نفسي وهمحي زعلي منك بسرعة زي ما بيحصل. وع فكرة أنت برضه بتخربها لي بس مبقولكش كده. وفاكر لك برضه المرات اللي خربتها لي. بس أنت دايماً كده مبتعرفش تختار الوقت المناسب ومن بين كل الناس مبترجعش تيجي غير عليا. مبتجيش غير على أكتر واحد بيخاف عليك وعلى حياتك ومصلحتك!!" توقف يمرر عينيه بخذلان، ثم أكمل بتفسير: "واعرف إنك أنت اللي بتخرب على نفسك حياتك مش أنا. أنا حتى وصلت إني أحميك من دماغك وتفكيرك وقراراتك اللي بتخرج في لحظة ضعف أو لحظة تسرع. مش فاكر أول مرة رفضت فرح مبدئياً، قولتلك إيه؟ قفلت الكلام بإيه؟ أقولك أنا؟... أقولك إني رفضتها لحد ما اللي إحنا فيه يعدي وتحاول تتأكد من مشاعرك وتبعد تكون هي كمان اتحسنت للأفضل. عاندت قصادي زي كل مرة وقبل ده قولتلك جملة أنت حتى مفتكرتهاش. قولتلك أصبر ولو ربنا عايز حاجة هتكون..." بس عاندت ووقفت قدامي بكل الطرق عشان بس تنفذ اللي فدماغك وتعارضني وخلاص. بس أخرك إيه؟ تقف قصاد الكل عشان تثبت إنك صح في حاجة إنت مش عارفها أصلاً! طالعة بصمت، يستمع إلى كل حرف يردده الآخر على مسامعه. وسمعه يكمل مرة أخرى: "مشيت وعاندت وقصدت الجحود على أمك واختك وأبوك اللي كان هيروح فيها بسبب زعله عليك وهو شايفك تايه ومتغير ومش عارف إنت بتعمل إيه. جينا ندور ملقينكش جنبنا. ده إنت حتى لما وقفت جنبي وحاولت تمنع عني حاجة كنت هضيع نفسي بسببها بوظت الدنيا وقولت كلام لمراتي في عز ما كانت مش شايفة قدامها بسبب زعلها على أمها. زي كل مرة بتقول كلام وتيجي في الآخر تقول مكنش قصدي. بس أنا عديت وخلاص ومرة ومرة والتانية، بس المرادي لا تأذيني ولا أذيك، خليني في حالي وخليك في حالك. ابعدوا عن بعض وعن حياة بعض زي ما إنت عايز بردو بالظبط!" صمت يتنفس بصوت مسموع بعد كل هذا الحديث الذي خرج دفعة واحدة. واقترب "حامد" مع رد "بسام" الهادئ: "ماشي يا غسان. معاك إني غلطت ومعاك في كل حاجة، بس قدام أمك وأبوك عايز أقولك حاجة بقت فيك وإنت مش واخد بالك. وحاجة كمان مخلياك مش عارف تصفي بحجة إني قولتلك كلام كسرك. إنت مش عارف تعدي أي حاجة عشان نيروز عندك بقت في كفة وإحنا كلنا في كفة تانية!" تفاجأت "دلال" من حديثه وحتى "حامد" بينما الآخر وقف يطالعه بصمت. وسأل عقله بكيف يترجم الأمور لهذه الدرجة وهذه الجملة؟ وما دخل الآخر بذلك؟ أم أنه قارن كل شيء يحدث وأغلب ما يحدث تكون هي الأحداث؟ "دخلتها في كلامك ليه وهي ملهاش علاقة باللي حصل؟ أنا بحذرك تاني، ملكش دعوة بيا ولا بحياتي ولا حتى بمراتي!" قالها "غسان" متحلياً بآخر ذرة صبر لديه، فرد الآخر مبرهناً بوضوح: "أنا مليش دعوة بحاجة. أنا بقول اللي أنا شايفه، عشان إنت معدتش وراكمت كل اللي حصل من أول ما حصلت مشكلة مراتك معايا!" ربما حديثه من وجعه بعدم رؤيته أن علاقتهما ليست كما كانت من قبل في السابق قبل حتى ظهور "نيروز" وظهور حبها. زفر "غسان" بصوت مسموع وتهجمت ملامحه بطريقة ملحوظة وهو يرد عليه حديثه بسؤال جامد: "وإيه اللي مزعلك من مراتي ومخليك مش قابلها كده عشان أكون فاهم وواعي للكلام بردو؟" فهمه بالخطأ مرة أخرى، فرد "بسام" يبرر بصدق: "إنت بردو مش عارف تفهمني ولا تفهم كلامي!" كاد أن يسترسل، فوقف "حامد" يقطع حديثهما بهدوء: "شوف يا غسان، إنت رايح فين يلا!" قال حديثه بخوف مخفي كي لا يتأزم الوضع بينهما رغم رغبته في أن يتصافيان. ابتسم "غسان" من زاوية فمه بسخرية ثم قال: "لا مش متحرك من هنا. خلي بالك إنت بس على نفسك أصل معاك حيطة مايلة!" حول خوفه بترك "والده" معه بطريقة أخرى ساخرة رغم قلقه على صحته وعلى أن ينفعل "بسام" عليه في غيابه. تشنجت ملامح "بسام" ورد بسؤال جامد: "إنت تقصد إيه بالكلام ده؟" أخرج علبة سجائره من جيب بنطاله بتبجح أمام الكل ورد بغير اكتراث: "أقصد اللي أقصدُه، مش هتحاسبني على اللي عايز أقوله!" وأشعل قداحته وأكمل بصراحة: "أصل مش هخاف أقول إني مبقتش ضامن أسيبك مع أبوك لأحسن يحصله حاجة بسببك. فأنا قاعد واللي عايز يمشي يتفضل يلا من غير مطرود. عشان عالأقل كده أضمن إن أبويا ميجرالوش حاجة من مجرد كلام بايخ هتقوله الوقتي أو بعدين!" إغتاظ "حامد" من طريقته وأمسك ذراع "بسام" مع "دلال" عندما اندفع "بسام" يقول بصوت عال: "إنت هتخاف على أبويا مني؟ وكمان بتطردني من بيته؟ إنت اتجننت؟" حرك "غسان" رأسه بنعم ثم قال بهدوء شديد مختصراً الرد بـ: "أه!" أدمعت عيني "دلال" بحسرة، بينما وقف "حامد" يمسك موضع قلبه بألم، فأسنده "بسام" سريعاً. وأندفع "غسان" هو الآخر يسنده بكفه بقلق حتى جلس "حامد" على الأريكة بتعب يحاول إخفاءه. ومن بين هذا لم يفشل "غسان" في النظر نحو وجه شقيقه بحدة. وقد تعمد الاثنان الصمت وهما يطالعان وجه "حامد" التي جلست بجانبه "دلال" وخرجت "وسام" بلهفة تنظر. "إنتوا عايزين تموتوا أبوكم؟ حرام عليكم بقى، حرام!" إنفجرت "دلال" تصرخ بهما ولأول مرة تندفع بهما بهذه الطريقة. صمت "بسام" بسكون وطالعها "غسان" بتمعن وهي تردد مجدداً تحت نظرات "حامد" الذي عجز عن قول شيء: "إنتوا جرالكم إيه؟ مستحيل تكونوا ولادي اللي خلفتهم وربيتهم! أنا مش شايفة فيكم حاجة واحدة حلوة كانت موجودة فيكم زمان. إيه غيركم بالسرعة دي؟ ليه بقيتوا مع بعض كده؟ قاصدين متريحوش قلبي أنا وأبوكم؟ عايزين تموتونا بحسرتنا واحنا بنقول معرفناش نخليهم يحبوا بعض ويسندوا بعض؟ روحوا ربنا يسامحكم على اللي بتعملوه فينا ده!" رددت اللوم بصراخ وهي تبكي، وتمسكت بكف "حامد" الذي أشار لها بأن تصمت. وبالفعل صمتت تحت نظراتهم الساكنة. توبخهم وكأنهم صغار وخرج صوت "غسان" وهو يسأل "حامد" متعمداً عدم الرد عليها كي لا تصرخ به مرة أخرى: "إنت خدت دواك يا حج النهارده؟" إندفعت "دلال" تدفع كفه عن "حامد" بشراسة قليلاً ما تظهر وعاندت قبالهم وهي تردد مجدداً بصراخ آخر: "ملكش دعوة! معتش حد ليه دعوة. سيبوه في حاله. إحنا لسه محتاجينه. محناش زيكم كل واحد مبقاش همه غير نفسه وبس!" نزلت دموعها وحاولت مساندة "حامد" كي يقف. ونزلت دموع "وسام" بينما نظر "غسان" لـ "والدته" وردد بنبرة هادئة كي تهدأ وتتفهم: "متخديش حد بذنب حد. قدري وافهمي مرة واحدة في حياتك إن غسان مش مجبر يعدي على طول في كل مرة أي حاجة بتحصل هنا!" قال حديثه بهدوء شديد، فرفعت "دلال" وجهها تنظر له بعينين خائبة وهي تقول: "إسكت.. إسكت بقى.. أنا مش فاهمة حاجة غير إن الحياة مستاهلش نضيع منها أيام على زعل ممكن يروح في ثانية قصاد بس إنكم تكونوا في كتف بعض!" وأكملت بعتاب موجع: "ليه بتعملوا فينا وفنفسكم كده؟ وعشان إيه ومين؟ يخسارة عليكم!" تركت يد "حامد" ونظرت نحو عيني "بسام" و"غسان" ثم قالت تخرج بحديث على صدرها تكتمه: "يا خسارة من أول ما عاندت وخرجت عن طوعنا ومشيت عايز تعمل حاجة عارضها أبوك في الأول. ويا خسارة عشان اخترت غيرنا وفاكرنا مش فاهمين اللي فيها. قسوة قلبك وبعدك وكل حاجة. حتى كلامك لأخوك اللي أول مرة أحس إنه عايز يعديلك حاجات بس مش عارف. كلام إيه اللي موقف الحال بينكم كده؟ كلام إيه يا بسام اللي كسرت بيه أخوك؟" كان حديثها ناحية "بسام" وعادت تلوم "غسان" مرة أخرى: "وخسارة عليك إنت كمان وعلى عقلك. عشان حتى برغم إنك مسبتناش بس مش عارف توزن حياتك لا مع أخوك ولا مع مراتك وسايب الدنيا عايمة مش مفهومة مين غلطان ومين لأ وكله اتراكم ومحدش صفى من ناحية التاني. ولا عارف تختار وقت مناسب شاطر بس تقول خايف على أبوك. فين خوفك ده وانت بتعمل وبتقول اللي قولته دلوقتي؟ جرا لقلبك إيه؟ رد!" رفع "غسان" عينيه نحوها ورد يعارض جزء من حديثها: "أنا مقولتلوش حاجة غلط ومعرفش هو شايل إيه منها أنا معرفوش!" "وقلبي زي ما هو، بس المرة اللي وقفت أصد حاجة بتوجعه من حد فيكم شوفتوني اتغيرت؟" "انت الكبير، انت العاقل، ملكش حد غير إخواتك في الدنيا دي!" قالتها ببكاء، تعلم بأن الآخر إن تحدث سيدمر الوضع، لذا تترجى "غسان" بطريقة غير مباشرة، فهم معنى حديثها فرد على حديثها بوجع: "أنا مش الكبير ولا حتى العاقل، خليكي عادلة ومتجيش عليا وأنتي بتحاولي تخليني أعدي حاجة وجعتني!" ابتلعت ريقها وتقابلت عينيها مع عيني "بسام" الصامت، حتى أشارت له بعينيها توبخه: "يارب تكون مبسوط كده!" "سبيهم يا دلال، هما أحرار، معتش كلام يجيب نتيجة، إسنديني خليني أقوم!" قالها "حامد" بإنهاك، ولم ينحني "غسان" ليسنده عندما تفهم بأنه رفضهما الآن، بينما انحنى "بسام" بخوف يسنده. حينها عارض "حامد" وهو يستند على زوجته وابنته، تاركهم خلفه قاصدًا وصول رسالة معينة لهم. بأنه الآن يستند على نساء وليس رجال قام بتربيتهما على المساندة. انسحب "بسام" ناحية غرفته، وقبل أن يفتحها وجد "غسان" يركض ناحية باب الشقة عندما سمع صراخ "زينات" وهي تقول: "إلحقني يا حازم، إلحق حسن، أخوك مبينطقش وقاطع النفس!" أخذت تصرخ بالنجدة، وفتحت الشقق وهرول الجميع ناحية الداخل. بينما وقف "غسان" ينظر بعدما ركض، فوجد "حازم" يهرول ناحية الداخل بخوف فطري على شقيقه، وحتى "عايدة" و"فريدة" التي وقفت تنظر بسكون. فركض "بسام" يتفحصه سريعا وهو يضع يديه نحو رقبته وأنفاسه وحتى يديه ورأسه، وصاح عندما وجد أن نبضه ضعيف وبقوة عندما أهبط رأسه ناحية موضع قلبه. نهض باندفاع وهو يصيح عاليا ليحث "بدر" وهو يقول: "اطلب الإسعاف بسرعة يا بدر!" قصد أن تأتي سيارة الإسعاف لهذه المستشفى القريبة لسوء وضعه. بينما وقف "حازم" ينظر بتيه وهو يهز شقيقه بغير وعي. حاول "بسام" فعل أي شيء كي لا يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومن بين ذلك طلب "بدر" سيارة الإسعاف. ووقفت "فريدة" إلى الآن بسكون مريب تنظر بجسد أجبر على التصلب عند حدوث شيء لذلك الشخص. بكت "زينات" بحرقة، لا تريد خسارته هو أيضًا مهما فعل، ولدها وفلذة كبدها وعاطفة الأمومة رغما عنها تدب بها بقوة. بينما هو استسلم لغيبوبة إجبارية، وبين الحياة والموت كان هو هذه المرة. من بين هزات شقيقه وبكاء النساء بشفقة حوله، وتوتر البعض وكان البعض الآخر يجهل عن كل ذلك من "ياسمين" و"نيروز" و"جميلة" هي الأخرى. الوضع مؤلم، وخاصة بهذا اليوم العصيب الملئ بالأحداث الموجعة لهم. للعائلة التي كتب عليها المعاناة، كتب عليها الوجع بلا استثناء، البؤس، العسر، العناء، كل هذا ينطبق عليهم بشدة. وإن تطلب الأمر لسردت قصتهم في كتاب عنوانه "الوجع" وستحكى القصة عن "شقاء عائلة!".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...