الفصل 39 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
25
كلمة
60,894
وقت القراءة
305 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18
يلاحظ انسحاب الكل عداها، شيئًا فشئ. رحلت عائلته بنفس طريقة الآخرين. هي تقف الآن بجانب والدتها التي تبكي شوقًا لحبيب عمرها. شعر بأنها لحظة خاصة بينهما. حتى جاب عينيه رحيل وردة مع بدر، وحازم الذي رحل مع والديه دون وجود ياسمين التي جلست برفقتها وسام وزينات التي كانت غير قادرة على المجيء بنفسيتها على ولدها وعلى ما حدث من عقبات خلف بعضها عليها. سمع صوت شهقات أخرى لم تختف، شهقات غير شهقات زوجته ووالدتها. شهقات فريدة التي كانت تمنع نفسها عن البكاء. وعندما لاحظت رحيل الأغلب، أخرجت الكلمات التي تعد ثقلاً عليها وبصوت عالٍ قليلاً باعتقادها أنه يستمع إليها الآن، رغم أنه ظلمها وتركها مظلومة كالعادة. ولكن هذه المرة تركها دون عودة، دون أمل في التغيير. "أنا مكنش ليا ذنب في حاجة حصلتلي سواء منك أو من غيرك. أنا كان نفسي بس أعيش صح، أعيش حياتي صح. حتي في عز ما كنت وحشة كنت بردو عايزة أعيشها صح. مقبلتش منك غير الغلط، ومشيت معاك للآخر لحد ما غلطت بنفسي وقررت أمشي. ساعتها كان جوايا إحساس إني عايزة أمشي من الدنيا، مش بس من بيت عمري ما شفت فيه غير القهر والظلم. غلطت.. أنا عارفة إنّي غلطت لما عملت حاجة زي دي. غلطانة لما وثقت ومشيت ورا علاقة وهمية اتخدعت فيها. بعد كده عرفت إن كل حاجة بتبدأ مش راضية ربنا.. نهايتها هتبقى مش مرضية ليا.. بس عارف!" توقفت عن إكمال الحديث وهي تمسح وجهها برفق، حتى أكملت بوجع: "أنا راضية، بس وجعني أوي إن كل اللي حصل كان مترتب ليك بسببك إنت. أنا ضيعت نفسي بنفسي بس إنت كنت بردو سبب. قررت أنسى، بس الحاجة الوحيدة اللي واقفة ومش عايزة تعدي نظرتي لنفسي، مش الناس ليا.. لا دا نظرتي لنفسي بأني مش كاملة في عيني ولا حتى في عين اللي يعرف الحقيقة كاملة. قهرتي وأنا بشوف نفسي بتدفن بالبطيء وأنا والله كان لسه بدري أوي عليا!" أقسمت بآخر حديثها ووجدت من يتمسك بذراعيها برفق، حتى وجدته حازم الذي عاد مجددًا لها. أكملت دون أن تعطي اهتمامًا لوجوده بوقف الكلمات، بل أكملت بوجع: "بس أنا معتش يفرق معايا أي حاجة في الدنيا. طول عمرك بتجبرني بطريقة مباشرة أو مش مباشرة على إني أعمل حاجة إنت عايزها. حتى المرادي وأنت هنا وأنا واقفة وبقولك إني سامحتك عشان بس إنت بقيت في مكان تاني. سامحتك بس المرادي أنا مش مجبرة منك، أنا بقولها برضا تام من جوايا إني مسامحة، بس مش هنسى عشان ده صعب أوي عليا!" لاحظت سحب حازم لها، فردت قبل أن تستدير: "أرجوك افهمني إني مش هقدر أنسى.. بس والله العظيم سامحتك.. مع السلامة!" قالت وداعها عندما وجدت نفسها تُجبر على الرحيل منه هو، ومن شقيقها الذي خاف لحظة الانهيار بأن تأتي منها. رحلت معه إلى الخارج، بينما وقف غسان على بعد يراقب، وخُرة بقلبه المجيء لهذا المكان من الأساس رغم علمه بأن نهايته لا محالة ستكون هنا. وقف بجانب نيروز وهتف بلين لها وهي تحتوي والدتها: "مش كفاية كده؟" حركت رأسها بنعم وهي تنظر له بتفهم. توقفت قبل وقت عن ذرف الدموع، بينما هي متعبة وظهر ذلك عليها. الآن تبكي والدتها. ساند غسان يد سمية من الناحية الأخرى مثلها كي تسير معه بعيدًا عن هذا المكان المؤلم. كانت المقابر قريبة نسبيًا من المبنى، معه سيارة قام بتأجيرها هو الآخر كي يأخذ بها جميلة زوجته وحتى والدته وشقيقته في يوم كهذا. قبل دقائق ركبوا معًا السيارة التي تخص عز عقب خروجهم، ووقفت عقب دقائق أمام المبنى الخاص بأهل زوجته. بينما في الأعلى استندت ياسمين بأريحيه على الفراش ومعها كانت وسام التي نظرت لها بحب وهي تحثها: "بقيتي أحسن من الأول لما بدأتي تاكلي وتريحي جسمك على فكرة. كلي بقا اللي قدامك ده على ما ييجوا واسمعي الكلام. أنا واحدة ثانوية عامة يعني لازم مترفضليش طلب عشان والله أنا غلبانة!" تصنعت الدراما في آخر حديثها فضحكت ياسمين بصوت عالٍ، ورغم ما حدث ولكن نفسيتها تتحسن بسب وجود الكل بجانبها وبسبب حازم الذي يفوق تدريجيًا عندما يرى بسمتها الواسعة له وحالها الجيد دون أن يمسها سوء أو مكروه. "صعبتي عليا يا ويسو. من عيوني هاكل والله. بس قومي زي ما قولتلك هاتي كتبك وزاكري هنا عشان الوقت كده بيضيع عليكي بسببي. لاحسن بعد كده يقولوا كله من ياسمين.. بالذات أخوكي غسان أول واحد هيرمي عليا اللوم. فخلينا حبايب وقومي اسمعي الكلام!" كبتت وسام ضحكتها بخفة، ثم قالت ردًا على حديثها وهي تخرج هاتفها من جيب بنطالها الواسع: "جبت ده معايا. هشوف المراجعة أونلاين متقلقيش!" غمزت لها فبادلت ياسمين الغمزة وهي تحاول النهوض. فمنعتها وسام قائلة: "انتي رايحة فين؟ أنا سمعت الباب وهروح أفتحه أنا ارتاحي!" "دول أكيد هما. فخليني أقوم وخليكي ذاكري عشان متتعطليش!" وجدت الإصرار في نظراتها فنفت وسام وهي تسندها من كفها بيديها وخرجا معًا من الغرفة حتى أجلست وسام ياسمين في الصالة وهرولت ناحية الباب سريعًا كي تفتحه. وجدت أمامها جميلة فعانقتها وسام على الفور وهي تحثهم على الدخول. دخلت حنان وفرح وبقت وسام تعانق جميلة تحت نظرات عز المراقبة للوضع. "وحشتيني أوي يا جميلة.. أوي بجد!" "وإنت كمان يا وسام. بس هقعد معاكم النهاردة نزيل الشوق ده!" مرحت رغم ألمها فضحكت وسام بتفهم. ورحبت بعز بعينيها فأومأ برأسه ودخل. وعندما وجد جميلة تندفع بسرعة ناحية ياسمين أخفض نظراته على الفور عندما لاحظ بأن ياسمين بخصلاتها دون وعي منها عندما خرجت من الغرفة. تفهمت فرح وقوف عز، فنهضت ببطء تلتقط حجاب موضوع على الأريكة ووضعته على رأس ياسمين التي اندمجت في عناق جميلة الطويل. وجاهد الاثنان على عدم هبوط الدموع وكل واحدة تفكر بالآخر. أخرى بموت والدها فلا تريد أن تضغط عليها، وأخرى لا تريد الضغط على زوجة أخيها بسبب حالتها وما حدث لها من إنذار بالإجهاض. فبقوا صامتين ولغة العيون والاحتواء هي من تتحدث وليست الأفواه إلا بجملة الاشتياق! "وحشتيني يا بنت عايدة الحلوة!" ضحكت جميلة بيأس وهي ترد بالمثل، بينما دخل من الباب المفتوح حازم وفريدة وعايدة وحتى شادي برفقة منة ومعهم طارق السيارتين الذين وصلوا مع بعضهما وتبعهم سيارة بدر المأجرة إلى الآن وخلفه غسان. جلس عز بجانب حازم وجلست الفتيات بجانب بعضهن. بينما دخلت عايدة المطبخ فدلف خلفها جميلة التي نهضت تجلب زجاجة مياه لهم بالخارج. التفتت عايدة سريعًا فوجدت جميلة تطالعها بإبتسامة هادئة وهي تجلب الزجاجة. فمدت عايدة ذراعها وهي تتنفس بعمق، مرددة برفق تعاتبها: "أنا ليا عتاب عليكي. بردو لبستي أسود وإنتي عروسة ومسمعتيش كلامي!" نصحتها بالفعل بأن ترتدي ألوان داكنة ولكن ليس كل ما ترتديه أسود حتى لحذاء قدمها. طالعتها جميلة بصمت للحظات، ثم زفرت بصوت تراضيها: "مينفعش يا ماما. الحزن مش في اللبس بس مكنتش هبقى مرتاحة لو عملت غير كده. بعد إذنك متضغطييش وسيبيني بيه الفترة اللي ألبسه فيها براحتي من غير كلام!" طاقتها تنفذ وظهر ذلك بحديثها مع والدتها الآن. زفرت عايدة بيأس وهي تطالعها بشفقة، والأخرى لا تريد هذه النظرة أبدًا. لذا تركتها بعد ابتسامة تجاملها بها وخرجت، تعطيها لـ عز وحازم الذي شملها بنظراته وربت على كفها فور التقاطه الزجاجة منها. ابتسمت ترد له ابتسامته الذي يحفزها بها بالصمود. وسمعت الأصوات تعلو عندما صعود البقية من غسان ونيروز ووالدته وحتى والديه وبدر ووردة. وقفت جميلة بالشرفة مع فريدة التي انزوت بنفسها بعيدًا عنهم تحاول إخراج الثقل الذي على قلبها. بينما لم يترك شادي منة حتى وهي تستند الآن عليه. عبس وجهه وحاول أن يخفف من الوضع عندما قال: "جرى إيه يا عمي أنت واكل الجو مني على الآخر!" ضحك الشباب عليه وكذلك الرجال. فابتسمت هي وعينيها تتعلق بعينيه حينها رد والدها بنبرة هادئة واثقة: "في فرق معاملة يا حبيب عمك بالفطرة. مليش دخل فيها أنا!" إبتسم له بثبات وتركها معه واتجه أكثر ناحية الشباب. وعندما. خرجت فريدة تغسل وجهها كما حثتها شقيقتها، وجدت عز ينسحب كي يدخل إلى الشرفة لها وهو يراقبها بعينيه. التفتت جميلة بترقب تنظر من القادم حتى وجدته، فابتسمت. تقدم هو ليقف بجانبها وطالع الجو بنظرة أخرى، حتى عاد ينظر إليها بالكامل فوجد وجهها يطالع وجهه بحب وتقدير لم يراه من قبل. "تعرفي أنك حتى في الأسود حلوة برضه." طالعته بخجل وارتبكت نظراتها منه بالحرج، فمد يديه يقرب رأسها منه وهو يربت عليه مكملاً: "جميلة في كل حاجة.. ولما سألتك أول مرة عن سر خلطة جمالك مردتيش!" رفعت عينيها له، عينيها التي تبتسم تلقائياً لرؤيته، ضحك بخفة على ملامح وجهها وقال مباشرة بيقين: "بس دلوقتي عرفت السر!" سألته بتيه وهو يتأمل النظر بها، حينها أمسكت ياقته كالعادة تعدلها، وسألته بجدية هادئة: "إيه هو؟" "السر في جمال قلبك.." وأكمل بصدق شديد على نقاءها: "اللي حلو من جوه بيبقى حلو من بره أوي!" أدمعت عينيها تأثراً وقالت بعفوية شديدة: "انت بتقول كلام حلو أوي.. وأنا.. أنا ببقى قصاده مبعرفش أرد، انت بتعجزني!!" اندهش من دموعها العاجزة بشيء كهذا، فأمسك يديها وهو يبتسم بإطمئنان مردداً بنبرة سريعة يمنع دموعها بلهفة: "مش مهم والله.. كفاية نظرة عيونك دي ليا!" ضحكت على لهفته كي لا تذرف الدموع، حالتها متناقضة جداً. مسح وجهها بأصبعيه برفق، فحثته هي برفق مبدئياً: "عز ممكن أقولك حاجة؟" "نفسي تقولي والله!" ابتسمت بلطف على مداعبته الدائمة بهذا القول، أخذت نفساً عميقاً ثم بدأت في الحديث قائلة: "أنا عايزك تنزل الشغل بقى، أنا كويسة وبقيت أحسن من الأول شوية، ومامتك معايا.. وفرح كمان بعد ما بتيجي من المستشفى بتطلع تقعد شوية معايا، كل دي حاجات توضحلك اني تمام، بلاش تعطل نفسك عشاني وعشان تقعد معايا!" "دي مش مجاملة بتقوليلي معملهاش، إنتي مراتي ودا حقك مني، وبعدين الشغل آآدم دخل مع الشباب واشتغل معاهم يعني لو نقصوا فجه مكاني على ما أرجع لهم تاني.. مقفلتش الورشة أنا سيبتها مفتوحة عشان أكل العيش بردو بس قولت آخد إجازة كده كده كنت هاخدها عشان الجواز! بس طولتها عشانك لإني مكنتش هقدر أسيبك وإنت كده!" حركت عينيها بارتباك خفي، واعتدلت أكثر حتى رفعت عينيها تنظر له مجدداً تسأله باهتمام: "يعني هتنزل وهتشوف شغلك؟" وجد الخوف على مستقبل حياته بعينيها، وعلى عدم وقوف حياته وعمله عن شيء يخصها. حرك رأسه بعبث وخيرها بخبث: "هنزل لما ألاقيكي مبطلة عياط وكلام ملوش أي لازمة بعد الساعة ١٢ بليل عن إني مش ملزم استحمل واستحلمت كتير وصبرت عليكي ولسه صابر واني إزاي كده، هنزل لما ألاقيكي نشيطة كده وبصحتك وأدخل فمرة ألاقي كتبك حواليكي وبتذاكري!" ضحكت من حديثه المستاء من ما تفعله وتردده على مسامعه، فلتت منها ضحكة عليه. أما هو فبهذه الحالة كان يأخذ أدواراً كثيرة غير دور الزوج، ربما الأب التي حرمت منه! "أنا عايزك قوية وناجحة، عايز أحس إني ساندك للآخر لحد ما تاخدي شهادتك بإيدك، ساعتها هكون أكتر بني آدم سعيد في الدنيا هحس إني عملت حاجة معرفتش أعملها لنفسي، اللي متعرفيهوش إني فخور بيكي أوي وكل يوم بفتخر بيكي أكتر من اليوم اللي قبله، كمان عايز عيالنا يجوا يفتخروا بيكي كده زي ما أنا فخور بيكي!" كانت تعتقد بأن رجل مثله كان قد انقرض من هذا العالم وهذا الواقع، أما هو فهي تعلم بأنه آخر رجل من نوعه بطباعه ومشاعره وتفهمه رغم عدم تعليمه! مدت يديها تحتوي كفه وهاجس الأفكار في بداية علاقتهما كان يلح عليها بقوة بأنه سيرى نفسه قليلاً بجانبها لذا سيمنعها عن ما هي به. مهلاً، هو الذي جعلها تفكر بمجالها بطريقة أخرى، جعلها تحبه ولو شيئاً، جعلها تفعل ذلك بفخره لها! "هانت كلها كام شهر ويعملوا حفلة تخرج بتاعت سنة خامسة، أوعدك إني لما أتخرج هلبسك الطاقية والروب وهمسكك الشهادة في إيدك!" كانت صادقة فقد كانت حفلة التخرج للطب من السنة الخامسة بينما بقية السنتين تقضيهم خارج الجامعة بالتدريب. ضحك بخفة ثم ردد بمشاكسة متشككة: "يا شيخة دول سبع سنين طب، بالسهولة دي؟!!!" "أنا في سنة خمسة ولسه سنتين امتياز بس، متأكدة إنهم معاك هيبقوا حاجة تانية، وأه بسهولة، وحتي لو صعبة، فأنا أضحي عشانك وأستغنى عن حاجات كتير وأختارك أنت بس!!" رددت حديثاً معسولاً أتى من قلبها أخيراً، خفق قلبه ولم يكن لديه خيار سوى أنه دفعها بسرعة كي يعانقها تأثراً من حديثها هذا. ضمها بحب فياض وتمسكت هي بيديها خلف ظهره، اللحظة التي لا تتمنى زوالها ولولا هو بجانبها لأختلف الوضع تماماً. بينما في الخارج كانت ملامحها مرهقة منهكة بسبب حزنها، وبسبب هدوء غسان اللحظي قبل أيام كثيرة، ترجمت ذلك بأنه حزن لحازم ولكنها رأت بأن ذلك قد طال حتى ولو تعمد المرح ولكن نظرة عينيه تحفظها عن ظهر قلب، ولأن بها دور إعياء صعب من الزكام وألم في جسدها وحتى معدتها بتغير الأجواء المفاجئ. جلست ولم تفعل شيئاً مع الفتيات بالمطبخ. جلست بجانب ياسمين التي ابتسمت تشاكسها بمرح طفيف. وجدت من يهرول سريعاً من الباب إليها وكان يوسف الذي احتضن نيروز بينما ركض أدهم نحو فريدة، احتضنوهم بحب ولهفة ودخلت جنة مع آدم وفاطمة. وعندما وقفت فريدة لترحب بها تعلقت عينيها بعينيه بطريقة غريبة، بالفعل وجدت به الانطفاء الذي ظهر على ملامحه. كان يشغل نفسه بالعمل وتعمد كل مرة أن يطمئن على حازم دون أن تكون موجودة. هرب بنفسه ومن شعوره من آخر مرة واجهها بالكلمات منذ أسبوعين كاملين لم يراها بعد الحقيقة الموجعة الذي علمها عنها. رحبت فاطمة بهم كما رحبوا بها، حتى جلست بينهن ووقف هو مع الشباب خاصة بعد خروج عز الذي توجه ناحيته يرحب به مستفهماً عن أحوال العمل الذي اكتسب خبرة من الشباب أكثر وأكثر خلال الأيام الماضية. لاحظ احمرار أنفها ووجنتيها من الزكام وحتى عينيها التي تدور بتعب، فتوجه غسان يميل عليها متسائلاً بقلق: "نيروز. انت كويسة؟ لو مش قادرة تعالي نطلع نرتاح!" نفت برأسها بحنو وسعلت بيديها وبالمنديل الورقي ثم رفعت عينيها تجاوبه بإطمئنان: "لا.. لا أنا أخدت الدوا قبل ما أنزل وشوية وهفوق أكتر. متشغلش بالك!" لاحظ سعالها المتكرر وفجوتها في المساحة بينها وبين ياسمين كي لا تلتقط الأخرى منها الدور. طالعها بيأس من إصرارها فوجدها تؤكد برأسها بإطمئنان حتى استقام ينظر نحو شادي الذي هتف باسمه كي يتقدم ناحيته. في حين تدخلت منة بترقب تحثها برفق كونها طبيبة: "قومي بس اغسلي وشك بماية فاترة عشان درجة الحرارة تنزل وتفوقي أكتر قبل ما العلاج يعمل مفعول كمان!" أومأت لها نيروز وهي تبتسم حتى نهضت وتبعتها وسام خوفاً بأن تقع بالطريق فلم تعد تثق بثبات أحد بعد الذي حدث! هدوء حامد وحديثه المقتضب كمثل ما تفعل دلال يؤثران به جداً. يعاقب كأنه صغير بل وهو الذي لم يخطأ بشقيقه هكذا رأى هو. ورغم غياب شقيقه بسبب عمله ولكنه يرى الفتور من والديه معاً. وتلاحظه نيروز التي سألته مرة واحدة فقط حينها شتتها ولم يعطيها الجواب! انسحبت مع الصغير ناحية الشرفة تسمعه وهو يقص عليها يومياته في المدرسة وما يحدث. كانت فريدة تشاركه الحديث بحماس كي لا يمل بينما كان هو بريئاً. تاهت بملامحه اللطيفة وعلمت بأن هذا الصغير أحد التوأمان يحمل قلباً نقياً. لم يكن سوى أدهم التي وجدت به اللين عن الآخر ومن بين الحديث وجدته يردد بجملة عفوية أثارت اندهاشها منه: "وكمان.." انتي جميلة أوي يا فيفي، لما أكبر هتجوز واحدة حلوة زيك كده. ضحكت بخفة وهي تقرص وجنتيه ثم قالت وهي تعقد حاجبيها باستنكار تمثيلي: "انت بتعاكسني صح؟" "يعني ايه بعاكسك؟" سألها باهتمام، فضحكت بيأس وشعرت بدخول أحدهم الشرفة. اعتدلت بعدما كانت منحنية، وعندما وجدته برفقة "يوسف" أخذ الصغار بعضهما نحو الخارج بركض، يلعبان ببراءة. بينما وقف هو لثوان، يطالعها بتمعن وسألها بتلقائية: "عاملة ايه؟" أما هي فكانت تظن أنه سيحاصرها بوجوده في الأيام الماضية، وعندما لم تراه شعرت بأن هذا جيد وسيء بنفس الوقت. عقب حديثه المندفع لم تراه، وخمنت بأنه ندم ورحل عندما علم الحقيقة الموجعة بالنسبة لها. "الحمد لله!" ردت باقتضاب، وحاولت أن تفر من أمامه. ببنما كالعادة قاطع سيرها وهو يقف وردد بإنهزام، يسألها بصراحة، ناظراً نحو عينيها التائِهة كمثل شعوره: "أنا معرفتش لسه.. ليه بضعف قدامك؟" تفاجأت من سؤاله حيث يصارح ويسأل بنفس الوقت، وإحتدت عينيها لثوان، حتى رفعتها تحذره: "لوسمحت أنا مش هسمح بكلام من النوع ده، إبعد!" "أنا عايزك تجاوبيني لاني مش لاقي الجواب!" قالها "ٱدم" بيأس، فتراخت ملامحها وأدمعت عينيها بقهر داخلي. حينها اعتدلت ورددت دون خفاء: "يمكن عشان صعبت عليك، أو يمكن تكون ضعيف عشان فكرت اني هستسلم لكلامك حتى بعد ما بعدت ورجعت وعايز تتكلم بكلام ملوش لازمة عشان أجاريك. إنت عاوز ايه مني بقا.. سيبني فحالي!" سألته بإنهزام، ووضعت يديها تمسح وجهها، بينما تفاجأ هو من حديثها فرد بتبرير سريع: "مبعدتش عشان عرفت الحقيقة.. بعدت عشان آخر مرة قولتيلي ابعد عنك.. قولتيها بعزم ما عندك، واما واجهتك وسألتك مردتيش حتى لما قولتلك اني شكلي هحبك غصب عني!" "وليه غصب؟ انت كداب. وزيك زيهم، عايزني استسلم لكلامك الحلو اللي بتدخله فوسط الكلام؟ عايزني أصدق انك متصدمتش ومفكرتش تفكير تاني خالص صح؟ عايزني أقف أبص عليك وانت بتشفق عليا؟ مشيت بمزاجك ورجعت بردو بمزاجك. بتضحك على عقل مين بالظبط؟" قالتها بهجوم، لم يستنكر شئ كهذا بعد حادثها المؤلم، بل نفى بكل ثبات، وحرك رأسه ناحيتها أكثر وقال بصراحة، رغم أنها تلقي التهم عليه دون صبر: "أنا كنت بقول كلامي ده قبل حتى ما أعرف اللي حصل. أنا مبلعبش.. أنا جيتلك أقول اللي حاسه بصراحة حتى قبل ما يحصل!" إبتلعت غصة مريرة وقالت بإنكسار شديد: "بس أنا قولتلك لأ.. قولتلك مينفعش وإبعد. ودلوقتي بقولك امشي قبل ما يحصل اللي انت حاسس بيه، وامشي كمان قبل تفهم وتحدد اللي انت فيه ده إيه، عشان صدقني انت مش هتبقى مبسوط!" "أنا مش زيهم!" ضحكت "فريدة" بسخرية مؤلمة ولوت شفتيها بألم متهكم، حتى ردت بفقدان ثقة ظهر له بقوة: "اه ما كلهم بيقولوا كده وبيطلعوا أوحش بكتير منهم فالآخر!" زفر "ٱدم" بوجع منها، إلى الآن لم يرد عن سبها له من بين الحديث، تركها لأجل ألمها، ولكنه تنهد بعد لحظات، وسألها بجدية صادقة: "فرصة أثبتلك اني مبقتش منهم ولا زيهم. تقدري؟" سألها بصراحة، عن إعطاء فرصة له، وقفت لبرهة تستوعب ونفت برأسها بوجع، وهي تسمعه يكمل بشغف لم تراه به من قبل، حتى هو يتعجب من إصراره: "فرصة مش هتخسرك ولا هتخسرني. بس اديهاني وأنا هدخل البيت من بابه وأخطبك ونتعرف من أول وجديد. حتى لو مفيش حب بس أنا متأكد إنه هيجي مع الوقت واحنا بنفهم بعض!" وأكمل بتفسير هادئ كنبرته: "وأعطي نفسك انتي كمان فرصة قبل ما تديهاني. ولو وافقتي أنا عندي كلام كتير أقولهولك حتى لو مش هتصدقيه بس مستعد أقوله ساعتها!" أخرجت أنفاسها بتهدج، وقالت بضعف ظهر في نبرتها المكسورة: "انت مش فاهم حاجة يا ٱدم. كل دا مينفعش عشان هيبقي فوق طاقتي. بعد ما هيبقي فوق طاقتك انت كمان. مش لازم أنا يا بن الناس. أنا مكسورة كفاية من الدنيا ومش هتسحمل وجع تاني!" "هشيل عنك وجعك. هحاول أعمل ده. ثقي فيا وفنفسك وسيبي الباقي يجي زي ما يجي. بدر قرب يمشي وكل شوية يقولي أنا عندي ليك عروسة. بس أنا فالآخر مبقتش أفكر غير فيكي انتي. أنا شايفك تنفعي أبني بيت معاكي ونبدأ من جديد. كل واحد فينا حياته كانت صعبة. كل واحد غلط وبيتغير حتى لو اتظلمنا بس عندنا قوة نقوم من تاني. والا مكنش ربنا اختار لينا كل ده من الأول. "بدر" عايزني أستقر وكإن دي الحاجة اللي هتثبتله اني اتغيرت خالص للأبد عشان اتشغل وأحس بالمسئولية. ميهمنيش طالما ملقتش بنت الحلال. بس أنا دلوقتي مش هسيبه يختار. أنا دلوقتي عارف انا عايز مين وفاهم مين." وقبل أن يكمل حديثه وجد الدموع تنهمر منها وهي ترفض بقوة: "مينفعش والله العظيم. انت من حقك تستقر مع حد غيري. أنا مش جاهزة ومش قادرة أدخل فعلاقة. ولا حتى انت ليك ذنب تاخد مـ..." بتر حديثها بجمود، عندما اقترب أكثر وهو يردد بنبرة قوية: "ملككيش دعوة. أنا راضي.. راضيها وقابلها. وفكرت أنا مش متسرع أنا فكرت كويس فالأيام اللي فاتت. والله العظيم ما بتاع معايرة ولا هفتح الحوار ده. وحتي فالبعدين مش حسسك بكدة أبدا. إنت ليه خايفة؟" سألها بإنهزام، فمسحت عينيها بوجع، وهي تردد بقهر: "معتش أمان بالنسبالي. صدقني أنا مش هقـ..!" "لا.. دوري كويس هتلاقي ان لسه في خير. بصي أنا مش عايز ردك دلوقتي. بس فكري وردي براحتك. وأنا مش هفتح الموضوع تاني من عندي!" كادت أن تجيب بالرفض مرة أخرى ولكنها توقفت عندما رأته ينسحب إلى خارج الشرفة. العجيب أنها وجدت "فاطمة" فجأة أمامها وربتت على ذراعها بمواساة، حتى عانقتها بتشبت، وهي تسرد بألم وشغف بنفس ذات الوقت: "هتصدقيني لو قولتلك اني قولتله بلاش يقولك كده دلوقتي. هو حكالي وأنا قولتله ان مش سهل وفهمتك أكتر من أي حاجة. مع ان نفسي أوي تبدأي من جديد وتوافقي. الظاهر انه حبك يا فريدة. كل مرة كنت بكلمك اطمن عليكي كان هو اللي بيقولي اعمل كده عشان يشوف حالتك بقت عاملة ازاي. أنا مش عارفه ليه بيحصل كده وليه مفيش حاجة بسهولة بس والله العظيم ما هتندمي عليه. ٱدم حنين أوي وطيب أوي.. بس مش هنضغطك. فكري بس!" قالت حديثها من بين عناقها لها وتحت سماع الأخرى لهذه الكلمات، بينما تشد بعناقها بتشبت، وكأنها تريد ولا تريد! تجهزت سفرة الطعام بواسطة الفتيات والنساء ورص الشباب المقاعد بجوار بعضها. وجلست "نيروز" بهدوء بجانب "غسان" الذي راقبها بنظراته. وضعت النساء الطعام والأطباق حتى تجهزت بالكامل، وجلس الشباب منتظرين قدوم "بسام" الذي قال بأنه جاء في الأسفل وسيصعد فقط بالمصعد. جلست "جميلة" بجانب "عز" وكل منهم بجانب الآخر، ودخل "بسام" مرحبا بهم أخيرا، حتى جلس بجانب "ٱدم" الذي احتضنه بحب. تجمعهم كان ليس بالفرح فقط بل التجمع كان من الحزن أيضا! بدأ الكل في تناول الطعام وتقابلت أعين "بسام" معها وخفق قلبه في الحال عندما مالت تهمس بجوار أذن "منة" بحديث هادئ. دقت طبول الفرح والسعادة والكل كان قد علم عداه هو! بينما كانت "نيروز" غير قادرة على تناول الطعام، مال "غسان" برأسه يسألها باهتمام: "كلي يا نيروز.. مبتاكليش ليه؟" لم تتحرج من قولها، ولم تستطع أن تردفها لأحد غيره، ردت عليه بنفس الهمس: "مش هقدر.. لو أكلت وأنا تعبانة كده ممكن أرجع!" لم يتقزز من كلمتها، بل نظر لها ولملامحها المتعبة، ثم مد يديه يأتي بليمونة صغيرة حتى عصرها على طعامها وأشار لها بأن تأكل برفق: "طب كلي كده ولو حاجة بسيطة.. ما انتي لازم تأكلي عشان تاخدي بقية العلاج!" طالعته وهي تومئ له، تجاري ما يردده على مسامعها باهتمام، بينما اندمج الكل في تناول الطعام. ونظرات "آدم" لا تفارقها حتى وإن وجد الرفض منها، ولكنه يأمل بخلق فرصة بينهما حتى وإن كانت بهذه السرعة. تجرعت "نيروز" فقط من الحساء وتناولت طعامًا بسيطًا. ونهضت بعد دقائق منه تنسحب دون أن ينتبه لها الكل. في حين شعر "غسان" بالقلق وحاول الاندماج أكثر مع الشباب وحديثهم حتى نهض من كان على سفرة الغداء شخص فشخص. سمع سعالها من جديد. وبينما كانت النساء تحول الأطباق ناحية المطبخ، انسحب كي يراها فوجدها تقف بركن تمسك رأسها بتعب. من بين سعالها زفر بصوت ووقف حتى تهجمت ملامحه وهو يحثها بجدية: "ما تسمعي الكلام وتعالي نطلع يا نيروز. انتي مش شايفة نفسك عاملة إزاي؟" مسحت وجهها وهي تبتسم بتعب، حتى نفت بإصرار، وتمسكت بكفه فوقف يسندها برفق حتى خرجت تجلس مع من كان يجلس في الصالة. لاحظ تجمع الشباب من جديد ومن ناحية أخرى الفتيات. بينما عقب ما اغتسلت "جميلة" من يديها جففتهما وخرجت تنظر فوجدته يجلس بين الشباب مبتسمًا بهدوء يشارك حديثهم. لملمت أثر وضع السفرة وما عليها. ولاحظت تجمع النساء في المطبخ. حتى "حنان" والدة "عز". في حين وقفت "وسام" تأخذ هاتفها وهي تشير لهم بالوداع ناحية شقتها. بينما صاحت "دلال" في المطبخ بصوت عالٍ: "اسكتي انتي يا عايدة. الكوبايات مش هتكفي وانتي شايفة العدد ما شاء الله. دا غير اللي اتكسروا في العزا. أنا هندهلك "وسام" تجيب من عندي كام كوباية كده!!" صمتت "عايدة" ودخلت "فرح" على الجملة الأخيرة. حتى ابتسمت لها بهدوء وهي تصحح لها: "وسام مشت يا طنط. حضرتك محتاجة حاجة؟" قالتها بلباقة وابتسمت لها بلطف. حتى نفت وحاولت أن تخرج لتحث أحد توأميها حتى أوقفتها "حنان" بتفهم سريع: "راحة فين يختي. سيبي الرجالة مع بعضهم. روحي يا فرح انتي لـ وسام واشتالي معاها كام طقم كوبايات كده وتعالي!!" قالتها بعشم. وكانت "سمية" مندمجة مع "زينات" في غسل الأطباق. فقالت "دلال" بحرج لـ "حنان": "أنا قولت هتتحرج مني تروح!!" رسمت "فرح" ابتسامة هادئة عليها وأومأت بصمت. حتى انسحبت تنفذ ما قالته لها. لم تكن تريد "دلال" قول ذلك كي لا تخجلها. بينما تفهمت "حنان" حرجها. وأن "وردة" رحلت لتبدل ثياب صغيرها كما كانت "نيروز" منهكة و"جميلة" حالها معروف. ورغم أن الشقق متقاربة. ولكن كانت النساء تساعد بعضها بسرعة كي ينتهوا بسرعة من هذه الأعمال. أكملن الحديث بحب وتفهم من هذا الموقف. وثرثرت "حنان" عن طبيعة ابنتها الخدومة دون معارضة حيث طوال عمرها لم ترفض كون حالتهم معروفة وبالأخرى مرضها الأخير الذي غير من الأوضاع وجعلها كذلك. كان الشباب جالسين مع بعضهم وكل طرف يتحدث مع آخر غيره بعشوائية. ما لا تعلمه من بالداخل أن أحد التوأمان رحل ليبدل ملابسه الذي جاء بها سريعًا من العمل على سفرة الغداء. والآن مقابلته مع "فرح" ستكون إجبارية بالحرج من الطرفين كونه يخجل خجل رجولي لطيف وهرب بالأساس من عينيه التي تحاطها رغما عنه. انسحب "عز" يقف مع "جميلة" وهي تمسك طبق من بقية أطباق "الأرز باللبن" الذي تم توزيعه في المقابر على روح والدها. حاولت أطعامه بخجل بسبب من تقف على بعد منها كانت "منة" التي تحاوط "شادي" بنظراتها. إلى الآن تستنكر كيف يظهر بهذا الثبات رغم ما بداخله من ثورات ومعارك بين العقل والشعور وما يريده من اللا شعور بأشقائه. لا تنكر بأن حبها له قد زاد في الأيام الماضية وحاولت فعل كل شيء كي تخرجه من آخر حالة كانت لديه. بينما هو كان بارعًا في إخفاء وجعه. "مال قنصاتك منزلتش من عليا يعني؟" قال "شادي" غزله بها. وضحكت هي وهي تستند على السور الحديدي الخاص بالشرفة الكبيرة التي وجدت بالصالة. تعلقت عينيها بعينيه وقالت بلين ليس معهود منها كل الوقت: "جوزي بقى. ولا عندك مانع؟" ضحك بخفة وشعر بنظراتها المتأسفة له. والتي أصبحت طبيعة نظراتها له في الفترة الأخيرة بعد ما حدث. جاب عينيه المكان ومن بين ذلك جابت نظراته من بالخارج فوجد "والدها" ينظر إليهم من ضمن حديثه مع "حامد". ضحك وهو يعود بنظراته وقال بمرح: "معنديش أي مانع. الظاهر إن أبوكي هو اللي عنده حتى بصي!" أشار لها بعينيه. فضحك ضحكة خفيفة وأخذت نفسًا عميقًا وهي تنظر لعينيه ثم قالت بصدق: "دا بس عشان حاسس إني مرتاحة. أصل سألني انتي مبسوطة؟" ابتلع ريقه ولا يعلم لما ارتبك. بل سألها باهتزاز وعقله لا يفارق صدماتها بما حدث من موقف آخر مرة: "وقولتيله إيه؟" قلبت عينيها بمكر. ورفعت شفتيها بتسلية وهي تنظر بالمكان بتلاعب حتى قالت بخبث: "تفتكر إنت أنا قولتله إيه؟" "مش عارف.. ومش ضامنك عشان إنت مش سهلة بنقنصاتك دي!" حاولت ألا تخرج ضحكاتها بصوت. بل ضحكت وتعمدت مسك يديه. فاحتوى هو كفه أناملها وهو يستمع لحديثها الجاد الصادق: "قولتله إني مبسوطة أوي وأنا معاك.. مش بس عشان اتجوزت واستقريت. لا أنا مبسوطة عشان معايا راجل استحمل كتير أوي. راجل قوي يعني!" وكأنها ترسل له رسالة مشفرة تشجعه بها. سعد وخفق قلبه وتحولت اللحظة لمرح. حتى سألها بنبرة ضاحكة متشككة: "قولتله اني قوي يعني؟" حركت رأسها بنعم. فغمز لها بمشاكسة. حتى صمتت عندما وجدت "غسان" يقترب ضاربًا الآخر على كتفه من الخلف وقال بتبجح: "ما تخف محن وتلزيق يلا!" "عريس ي حبيبي. خف انت!" ضحك ونظر ناحيته بتشكك. فإلى الآن لم يصارحه بما يضيق صدره ويعلم جيدًا حالته عندما يخفي شيئًا عليه. اعتدل ورفع الملعقة يأكل من العلبة الصغيرة التي توجد بيديه وقال بمشاكسة هو الآخر: "طب ما أنا كمان عريس!" قالها بغمزة مراوغة. فانسحبت "منة" بهدوء تقف بجانب "جميلة" عندما اقترب "عز" من الآخران. واقترب على رد "شادي" وهو يكيده: "لا يا "غس" راحت عليك خلاص. انت مدقق بقالك شوية بردو فالشغلانة!" "غيركم لسه مدققش!" كان قول "عز" الأخير. فضرب "غسان" "شادي" بمرح. وضحك "عز" بخفة. حتى شاكسه "شادي" هو الآخر بوقاحة شبابية. في حين كان بالخارج "بدر" وهو يجلس بجانب "آدم" والذي ينظر إليها من على بعد وهي تتحدث مع "ياسمين" و"نيروز". وقبل دقائق خرجت "فرح" تقف أمام شقة "حامد" حتى دقت الباب دقتين ولم تجد رد. وعندما دقت الجرس وقفت قليلا تنتظر حتى فتح لها الباب أخيرًا بعد لحظات مع قوله الذي ظهر به الضيق وهو يضع المنشفة على رقبته مرتديا ملابس قطنية ملتصقة على جسده من الجزء العلوي دون أكمام. "يعني مش سامعة الباب يا وسام. لازم أخرج من الحمـ.." صمت سريعًا عندما شهقت هي بخفوت. وأهبطت نظراتها. على الرغم من أنه ليس به شيء كي يخفيه بنسبة لعورة رجل. ولكن مشهد كهذا بهذه المفاجأة غير المتوقعة جعله يتنحنح بحرج سريعًا يتأكد من دقها الجرس على شقتهم. قال بمفاجأة من قدومها: "فرح!!!!" واصل سريعا بحرج وارتباك: "أهلا أهلا يا فرح ..إتفضلي !!" أردفها "بسام" بلباقة، وهو يرجع إلى الخلف قليلا. فرفعت "فرح" وجهها بخجل، وهي تنظر على المكان من الداخل فردد هو سريعا بارتباك وكأنه يريدها بأن تدخل: "وسام اختي جوه، تعالي، وأنا همـشي أهو!" ترددت عينيها في النظر بينما طالعت وجهه بثبات، مهزوز وقالت بنبره هادئة: "أنا بس جيت أخد كوبايات زيادة عشان اللي هناك مش هتكفي، طنط دلال اللي بعتتني!!" "طب تعالي ادخلي المطبخ اهو، خدي اللي يعجبك..خدي اللي تحبيه!" تأخد ما يعجبها، لا تعلم لما ضحكت بخفة، على تعلثمه وحماسه الغير مفهوم، فإرتبك هو سريعا، وهو يتنحنح بحنجرته، حتي أشار لها بذراعه فدخلت بخطوات هادئة وأرجع ذراعه كي يدفع الباب حتي يبقي مفتوحا، في وجودها بأدب، منه. ابتلع ريقه بغير تصديق من كل ذلك المشهد من بدايته. وبخفة، إرتدي تيشرته الموضوع على مقبض غرفته وهو من وضعه بهذه الطريقه كي يخرج يرتديه بسرعه ليذهب مجددا. دخلت المطبخ تنتظر قدوم "وسام". ووضعت بوضع محرج جدا، فركت يديها بتوتر، من وجودها بٱخر مكان غير متوقع، المطبخ. تقف في المطبخ تنتظر صاحبة هذا المنزل. أما هو فدخل سريعا، حتي وجدها بموضعها واقفه، فخرج صوته يسألها سريعا: "مخدتيش ليه اللي انتي عايزاه. أساعدك؟" اقترب حتي دخل، فرجعت هي إلى الخلف بعفوية، تسأله بتردد: "المفروض "وسام" هي اللي تعرف، فأنا كنت مستنياها وكده زي ما مامتك قالت!" طالع وجهها بتمعن، وليست بغبية كي لا تلاحظ نظراته إليها كل مره. ابتلع ريقه وقال بنبره هادئة شديدة: "هي ..هي بتذاكر..أنا ممكن اساعدك انا .. أنا بفهم في المطبخ علفكرة!" إبتسمت بحرج. فتحرك هو سريعا، يرفع يديه يشير لها عن الاكواب المخصصه فحركت رأسها بممكن. حتي جذب واحد تلو الٱخر وقام برصهم بخفة. فاقتربت تساعدة حتي جذبت معه من منظم الأكواب، النوع الذي يأخذ هو منه. تلامست يديها معه بعفوية، فتحرك هو على الفور كي لا يوضع بوضع سئ حتي بالٱفكار. خجلت وهي تهبط يديها سريعا، حتي انتهوا من جذب الٱكواب وقال هو يحثها بتوتر خفي: "سبيهم هشتالهم أنا عادي!" حركت رأسها نفيا، وقالت بارتباك مخفي تبرر له سريعا: "لا دول كتير، وانا كنت جاية عشان أشتال معاها، هساعدك!" وعندما إنحنت بيديها وجسدها قليلا، لتجلب عدد من الأكواب لتحملهم، أوقفها حديثه التائه وهو يعتدل ينظر لها: "أنا فرحت أوي إنك اتكلمتي وبقيتي أحسن!" صمت قليلا. ولأول مره يقاوم خجله من حديث عابر مع أنثى وقال يصارحها: "شوفتك امبارح في المستشفي بعد ما خلصتي الجلسة وماشية!" عاهد على ان لا يتقرب ولكنها من جاءت له هذه المره. إعتدلت سريعا، تنظر له بحرج، وهي تبتسم. وقالت حينها بما أثار تعجبه من عدم نسيانها لحديثه قبل وقت طويل: "أيوة، بكمل الجلسات للٱخر عشان اكون أحسن. عطيت لنفسي فرصة، واقتنعت ان الرحلة مش كلها حلوه زي ما قولتلي لازم تكون شاقه بس أكون قدها!!" شعرت بهذه اللحظة ان شكرها له حان قوله. حيث كل مره كانت تجده في الحديث المطمئن. ابتسمت وقالت وهي تحث نفسها علي الثبات: "مكنتش بلحق كل مره اقوللك شكرا، علي كل كلمة كنت بتقولها ليا فوقت صعب. بس هو انت ممكن تقولي بتجيب الكلام ده منين؟" تتضح بأنها عفوية كمثل والدتها تماما. بل وما أخذه عنها من أول انطباع. ولكنه عاد بتذكر بأنه رٱها في وقت صعب عليها أول مره. كان يبتسم كالأبلة. هل حقا، تتحدث له بهذ ا الحديث؟ لا يعلم هو بأنه حديث عادي جدا. بينما بالنسبة له كان يتمني فقط حرف منها قبل هذا الوقت. تنحنح يجلي حنجرته وتاهت منه الكلمات وقبل أن يتحدث بالرد عليها. كانت "وسام" قد دخلت تقف بصدمة لم تمنع تلقائيتها في ان تردد جملتها: "انتوا بتعملوا ايه فالمطبخ؟" انتفضت "فرح" بخفة، بينما ارتبكت نظراته وهو يحمل الاكواب مرددا بتبرير: "فرح كانت جاية تاخد كوبايات من عندنا، وخبطت على الباب بس انتي مسمعتيش!" نظرت له بتشكك. فحذرها بعينيه حتي ابتسمت لها بلطف، وهي تقول بمكر داخلي: "منوره شقتنا بجد يا فرح!" "منوره بأهلها!" قالته "فرح" بلباقة. وتاه هو بالنظر لها فتنحنت حتي نظرت نحوه واقتربت تدفعه برفق، كي تخرجه من هذه الحالة. فتنحنح هو يجلي حنجرته وترك الأكواب لها. وقبل أن يخرج التفت مبتسما، وهو يقول: "هي معاكي أهي. بس لو احتاجتي حاجة تعاليلي تاني!!" فتحت "وسام" عينيها على وسعها. فردد هو سريعا بوضوح ببرر صدمة ما قاله للتو: "قصدي يعني تعالي خدي اللي انتي عايزاه وهي معاكي. البيت بيتك!" حملت "وسام" الأكواب وهي تكبت ضحكاتها تحت حرج "فرح". وعندما ابتعد هو عنهما رددت "وسام" بقلة حيلة زائفة لها: "الدكاتره دول عليهم حاجات كده ايـه!!" لم تفهم معني حديثها ولكنها رددت بتلقائية وهي تسير بجانبها إلى الخارج: "زي ايه؟ أنا كمان دكتورة!!" توقفت تحرك رأسها كي تنظر لها وكأنها تستوعب للتو. حتي وقفت "فرح" تنظر بغير فهم. وتلقت السؤال العبثي منها: "انت عارفه ده معناه ايه؟" حركت "فرح" عينيها بعشوائية جاهله عن فهم مقصدها ولكنها ردت بجهل: "ايه؟" هزت "وسام" كتفيها بغير علم وانفجرت ضاحكة بخبث، منها هي وحدها. وبعد ذلك تعالت ضحكات "فرح" عليها وعلي صوتها دون فهم للذي يحدث. فقد علمت للتو بأن الٱخري شخصية مرحة تختفي عن من لا تعرفهم ببنما الٱن تتعرف عليها أكثر. فما القادم؟ دخلت على الفور ناحية المطبخ كي يعدوا أكواب الشاي والعصائر لهم جميعا. دخلت "فرح" مع "وسام". وتبعهما بعد ذلك "بسام" الذي دخل بين الشباب الجالسة وجلس بجانب مقعد "ٱدم" علاقته به تطورت قليلا. حتي ان "بسام" بين الحين والٱخر يذهب معه إلى الشيخ في المسجد. مال "بسام" يهمس جوار أذنه باهتمام: "عملت ايه؟" ترقبت عينيه وإعتدل "ٱدم" ينظر له بصمت، للحظات. حتي تنهد مرددا بـ: "قولتلها تعطينا فرصة. مصممة على الرفض بس أخر حاجه قولتلها مش عاوز رد دلوقتي مع اني سمعت الرفض منها أكتر من كام مره!" وجد اليأس علي ملامحه. وتفهم هذه الحالة جيدا. يقدر بقوة، معني أن يرفض المرء حتي وان لم يتخلل قلبه الحب. فالرفض وحده شئ قاسي وثقيل! متستعجلش يا آدم ومتضغطهاش، سيبها براحتها على الآخر، عشان عارف إنك زي أخويا وهتفهمني. الكلام ده لإني عايز أقولك إن اللي حصل ليها مش سهل خالص على أي واحدة. واضح إنها متأثرة، بس شخصيتها مش ضعيفة، بالعكس دي قوية، لأنها ساعدت نفسها تقوم من تاني وتتعامل بشكل طبيعي، حتى لو ظاهرياً. فبرضه تعتبر صعبة إنها تحصل. وعايزك تفهم كمان إن الموضوع ده حساس. يعني لو حصل نصيب بينكم لازم جداً تكون متفهم لأقصى حد ممكن توصله لحد ما هي تاخد على طبعك وكلامك. يعني خلقك الضيق ده مش هينفع معاها خالص، وفي حاجات معينة لازم تعقل وتصبر فيها، ولو حتى بمجرد كلام. كان حديث بسام متعقلاً، لم يتحرج من قول ذلك، بل اعتبرها نصيحة من شقيق أكبر لشقيق أصغر سناً، كون الآخر يجهل أشياء كثيرة. وجده يزفر بصوت وهو يحرك رأسه متفهماً، وقال بقلة بنبرة صادقة تعلن عن مدى اهتمامه: أنا قولتلها هشيل عنها وجعها وهحاول أعمل ده، بس الظاهر إنها فاقدة الثقة في كل حاجة حواليها. مش فاهم ليه بتبص ليا على إني كداب ولسه على طريق الشمال، مع إني اتغيرت وبحاول أتغير أكتر. ما مش حاجة عجيبة ولا غريبة، وصدقني في دي عشان أسأل مجرب. الواحد لما بيخرج من أي علاقة أو أي حاجة مخذول ومش مستوعب ده حصل إزاي وأنا قدمت كل حاجة وإزاي كنت بعمل كده معاهم، كل ده في الآخر العقل بيتصدم منه. بيخلي الواحد شايف كل الناس زيهم وبيفقد الثقة تماماً، وبيخاف. بيخاف أوي يدخل علاقة تانية ويقدم كل اللي بيقدمه ليتخذل تاني. هي خايفة وفاقدة الثقة ومكسورة. بس في الآخر بنقابل ناس بيغيرولنا الفكرة. بنقابل الناس الصح، بس الوقت بيبقى غلط والشخص اللي بيبقى غلط ساعتها هو إحنا، هو اللي خارج من كل ده مش مستوعب ومصدوم وبيتعب أوي على ما يتأقلم من جديد من غير شك ولا فقدان ثقة وخوف من خذلان. قال كل ما يريد قوله من تجاربه الكلية، وآخرهم قارن نفسه برؤيتها عندما شعر بأن هذه عززت به نفسه وثقته، هي التي فعلت بدون مجهود ما كان يعاني منه ويرفضه ويرفض الشعور به. وبالنهاية استخدم الطريقة الخاطئة وفعل بعناد ما جعله يخسرها دون حتى الاعتراف ودون حتى علمها. بينما الآن ثمة شعور بداخله خلق بأن يلزم الاقتراب منها بجدية هذه المرة. نظر بسام لوجه الآخر عقب حديثه، حتى سمعه يتنهد تنهيدة حارة، فواصل يكمل وهو يعطيه الأمل بتعقل: انت بإيدك تغير الفكرة دي، بس من غير ضغط ولا غصب، فاهم؟ حرك رأسه بنعم، واعتدل عندما وجد دلال تتوجه ناحيتهم بالأكواب، في حين توجهت عايدة بصينية أكواب أخرى ناحية الشرفة الذي وقف بها البقية. أخذ عز منها الكوب وهو يشكرها، حتى قدم ما بيديه لجميلة أولاً، ثم من بعد ذلك أخذ واحد له. نظرت له عايدة بحب وتقدير، حتى توجهت للآخرين تعطيهم ما أعطته لعز، الذي ابتسم لها بحب. فرفعت هي عينيها تقابل عينيه التي تراقبها، وقالت بتلقائية: عارف نفسي في إيه يا عز؟ غمز لها بمشاكسة، وتجرع من الكوب وهو يردد سريعاً: لأ بس هموت وأعرف والله! ضحكت عليه بخفة. ومنذ أن شعرت بالثقل الذي عليها، تود أن تجلس أمام مكان تفضله كثيراً. تنهدت تردد بملامح هادئة تطلب منه: نفسي أروح أقعد قدام البحر على الكورنيش شوية! لم يتعجب، علم أنها تريد الهروب من المشاعر الحزينة. ابتلع ريقه وقال بترحاب لفكرتها: بس كده؟ تعالي يلا. تفاجأت من سرعته. حتى نظرت حولها بترقب، وعادت تردد بصوت منخفض: بس إحنا جايين نقعد معاهم شوية ونمشي، ممكن يزعلوا، وكمان مقعدتش مع نيروز وشكلها تعبانة! وقف لبرهة ينتظرها بأن تنتهي، حتى اعتدل يبتسم لها، نابساً بصوت هادئ: كلهم هنا محتاجين القاعدة دي. نخرج نقعد على الكورنيش شوية نغير جو، وبعد كده هم يروحوا مشوارهم ونرجع إحنا ناخد أمي ونروح، إيه رأيك؟ قصد ترك الكبار، وأخذ الشباب والفتيات بخروجة هادئة بسيطة. لاقت الفكرة استحساناً منها. وصمتت بعجز، غير قادرة على قولها لأحد خروج، ووالدها متوفي، تعتبرها جريمة. بينما هي بالأساس مجرد جلسة على كورنيش هادئة لتغيير نمط النفسية السيئة. وجدته يتوجه ناحية الشباب كي يخبرهم، والخارج أيضاً. لا تنكر أنها تفاجأت من سرعته، ووقفت حتى وجدت نفسها بصالة المنزل تستمع لترحيب الشباب بهذه الفكرة. وافق النساء على الجلوس حين عودتهم، وأصر شادي على مجيء حامد معهم لملاحظته بالتغير. في حين انسحب غسان يقف بجانب نيروز كي يسألها برفق: هتقدري ننزل ولا نخلينا قاعدين؟ تحمست للفكره من الأساس رغم تعبها. نظرت نحو مرآة طاولة في الصالة تعدل حجاب رأسها أكثر، ثم قالت بابتسامة هادئة: لأ خلينا ننزل نغير جو معاهم. تمعن النظر لها بمقدرتها ورأى رغبتها في النزول. فحرك عينيه بموافقة، حتى سمع الحديث العشوائي، وكل منهم كان يرتدي ملابس لائقة نسبياً، للهبوط أمام المبنى ناحية الكورنيش. تعالى يا فريدة! حثتها جميلة بابتسامة هادئة، وعندما شعرت بأنها سترفض، جذبتها من ذراعها بخفة، حتى نهضت. ولاحظ عز فعلتها فضحك بخفة. فقد تركته وتأبطت ذراع شقيقتها، وهو المرحب بالفكره والتنفيذ. حرك رأسه بقلة حيلة عليها وابتسم وهو يمد ذراعه لفرح كي تتأبطه، وبالفعل تأبطته وخرجت معه كي ينتظروهم في الأسفل. ابتسم غسان لها وهو يمسك يديها كي تسير معه. في حين وقف حازم ينظر نحو ملامح ياسمين الحزينة الضجرة، حتى مد يديه بحنو، يحذرها: خلاص موافق، بس متسوقيش الجنان. امشي براحتك معايا، كده كده هم خطوتين، قومي يلا! تلهفت وكأنها طفلة للتو، ونهضت بسرعة، تنتفض حتى ضحك عليها وهو يحذرها من اندفاعها هذا. سارت معه وحثتها سمية على التمهل بحذر. في حين سبقت فاطمة والأطفال مع آدم وبدر ووردة. عندما انسحب يأتي بشقيقته كي تهبط معهم، تلهفت وارتدت حجابها على ملابسها التي كانت تجلس بها وسط الشباب والعائلة ولم تبدلها. بجد يا بيسو هتخرجوني؟ رددتها وسام، وهي ترتدي حجابها بسرعة. فضحك وهو يضرب وجنتيها بخفة، ثم قال: خروج إيه يا هبلة؟ دا تحت البيت شوية وراجعين. ها خلصتي؟ تطلعت على نفسها وكانت متجهزة بالفعل. من البداية كانت تريد شيئاً كهذا يخفف عنها التوتر. اقتربت تقبل وجهه وتمنت بداخلها أن ترجع علاقته بغسان كمثل من قبل. فمنذ ما حدث وأيضاً لم يتواجهان مرة ثانية رغم حديث والديهم المقتضب معهما. ضحك وفرد ذراعه كي تتأبطه حتى أغلق باب الشقة خلفه ولاحظ هبوطهم جميعًا. فابتسمت وهي تركب المصعد حتى نظرت له وقالت بخبث: "عينك لمعت أوي وانت معاها!" ابتلع ريقه ضاغطًا على الزر واحمر وجهه حرجًا من حديثها الذي فهم معناه. قلب عينيه فوجدها توكزه بكتفيه بضحك خفيف ثم قالت بتبجح: "بس عارف بقيت ابلعها عن الأول!" تلهف عندما وجدها تردد بذلك وتزامنًا مع خروجها ردد هو بغير تصديق ودهشة: "بجد. هي طيبة أوي والله!!" من أين علم؟ أم أن العاشق يدافع بدون براهين وأسباب؟ نظرت له بتعجب وانفجرت في الضحك بصوت حتى كمم هو فمها بريبة عندما سار بجانبها ووجد الكل ينتظرهما. وعندما كتمت صوتها اقتربت أكثر تهمس له من بين سيرها بجانبه: "انت اللي طيب أوي يا دكتور بيسو. أوي يعني!" قالتها بابتسامة غير هينة جعلته ينظر لها بغير فهم. أما هي فلم تسطع إعطاء قبول لها بقوة، فقط بنسبة بسيطة مقارنة بـ "نيروز" فهي شيء آخر بل و"وسام" كشخصية ليست متهاونة للدرجة التي تجعلها تنسى أن الخلاف كله من بدايته لآخره كان بسببها هي بسبب "فرح" ولكن ما ذنب الأخرى من هذا التفكير؟ "يلا بينا!!" رددها "شادي" بابتسامة هادئة وأمسك كل طرف بيد من يخصه حتى تخطوا الطريق ناحية الاستراحات من على بعد. وجلس من جلس على الاستراحات وتقدم البقية ناحية البحر أكثر وكورنيشه الطويل أمام المارة والاستراحات. الذي يجلس عليها الناس بأشكالهم وأحوالهم المختلفة. وقفت "نيروز" تتنفس بعمق وراحة وهو بجانبها وعلى بعد منهم كان كل اثنان بمفردهما وثالثهما الحب. حركت عينيها ناحيته فوجدته يشملها بنظراته فابتسمت تسأله بمشاكسة ظهر بصوتها التعب من الزكام: "بتبصلي كده ليه؟" تنهد "غسان" يخرج أنفاسه حتى ابتسم ابتسامة هادئة وقال وهو يرفع ذراعه يحاوط كتفيها يسألها برده وكأنه يراوغ في الرد عليها بسهولة. عادةً ما تفهم طريقته في تعمده لمشاكستها حتى بمجرد حديث! "بس عارفه الست قالت إيه بقا؟" ابتهجت ملامحها لم تتذكر آخر مرة كان قد قالها. لذا ترقبت ملامحها وهي تسأله بلين رقيق عهده منها: "إيه؟" "مقولش في حبك غير .. الله .. الله الله .. على حبك يا حبيبي الله!!" استندت برأسها حتى سعلت فمرر يديه على كتفها كي تهدأ قليلًا. ابتسمت عقب ما انتهت وقالت بتعب وهي ترفع رأسها تواجه عينيه الدافئة: "ثبتني يا بن البدري!" من يجد الجملة يجدها صحيحة دون تقطع. بينما قالتها هي بسعال فنظر لها بقلق حتى استندت عليه براحة وقالت تلهيه عن ما يريده من رحيل: "طلع تليفونك نتصور!" جلس "طارق" بجانب "حامد" وفي الفترة الأخيرة أصبحا قريبين من بعضهما بلطف. انشغلا في الحديث. في حين بقوا الأطفال يلعبون. و"فاطمة" تقف بجانب "فريدة" وثالثهما على الهامش كان "آدم" الذي سمع "فريدة" تردد لشقيقته: "بس تربية التوأم صعبة أوي بجد. ربنا يكون في عونك. بس جنة عسولة وهادية أوي مش شقية زيهم!!" ابتسمت "فاطمة" ورفعت يديها تربت على كتف "فريدة" وهي تسرد: "جنة عاقلة زي خالها "بدر" واخده منه كتير أوي بس لما بتتعصب بتبقى واحدة تانية. أنا بقا التوأم متعبين آه بس يهون تعبهم لو هم حتى منك. أنا مبقتش عايزة حاجة غير إني أعيش ليهم وأقدر أربيهم كويس. وعقبال ياستي ما تجيبي توأم كده وتتعبي معاهم!!" قالت آخر حديثها بمرح فحركت "فريدة" رأسها نفيًا وهي تقول باندفاع: "لا توأم إيه. أنا عارفة تربيتهم بتبقى صعبة إزاي. وبعدين أنا بحب البنات أوي. نفسي أول ما أجيب أجيب بنت!!" اندمجت في الحديث وهي تسرد وكأنها لا ترفض شيئًا كهذا. وجدته يميل مرددًا بعبث وكأنه موجود بعروق شباب هذه العائلة: "لو تبقى شبهك كمان بقا. هتبقى حلوة أوي!" ارتبكت بعد أن عاهدت نفسها على أن لا تكون حادة جامدة معه وتبتعد عنه. كبتت "فاطمة" ضحكتها وذهبت لتجلس بجانب "حامد". وحاولت "فريدة" التصنع بالتجاهل فوجدته يعتدل وهو يردد مجددًا: "بس اشمعنى بتحبي البنات وعايزة أول خلفتك بنت يعني؟" تنفست بعمق وحاولت زوال ما جاء بتفكيرها كي تتعامل طبيعيًا. ابتسمت بتكلفة وقالت بتوضيح: "الرسول صلى الله عليه وسلم قال خيركم من بُشر بأنثى. وكمان بحس إنهم بيجوا بخيرهم ورزقهم على أهلهم. عامةً الأطفال رزق على فكرة. بحبهم!!" ابتسم "آدم" بإعجاب وقال بتيهة ناظرًا نحو عينيها بقوة كي ترتبك منه: "هم فعلًا رزق. وحلوين أوي أوي!" حركت نظراتها بارتباك قليل ما يظهر. وسألته باهتزاز تحاول النظر بمكان آخر غير عينيه: "هما إيه؟" "البنات. بالذات لو بنات فريدة من نوعها كده!" هل ذكر اسمها بشفرة ما؟ تجاهلت ما حدث واستغل نقطة التعامل المتغير لديها لصالحه. علّ ما بعقلها يلين تجاهه. وسيحاول. هكذا أردف لنفسه عندما وجدها تتجه ناحية "جميلة" و"عز". وقف "بسام" بجانب "وسام" التي وقفت بجانبها "فرح" تستمع لحديثهم المرح مع بعضهم. أخذت معها بعض الصور. ومن بينها هتفت "وسام" بخبث له: "تعالى يا بيسو اتصور معايا!" حدجها بقوة وتحذير. فرددت هي بتعلثم مرة أخرى زائف: "قصدي يا دكتور بسام يعني!" تعالت ضحكات "فرح" وأمسكت الهاتف كي تقوم بتصويرهما معًا. وعندما انتهت انتفضت "وسام" تردد: "أنا واقفة بين اتنين دكاترة مبعرفوش ياخدوا وضعيات تصوير. إيه ده!" توجهت برأسها ناحية "فرح" تسألها بجدية سؤال ليس له علاقة بوضعهم: "هو انت دحيحة يا فرح؟" عقدت ما بين حاجبيها بغرابة من سؤالها بينما رد هو ببراعة: "أي دكتور بيبقى دحيح. بيفضلوا يذاكروا لحد آخر عمرهم تقريبًا. عايزة إيه بعد كده يعني!" مطت شفتيها ونظرت ببراءة نحوهما وهي تتصنع التذكر لهذه العادة: "فعلاً. عندهم عادات وطقوس طويلة حتى كمان مبياكلش وأغلبهم بيروحوا يتجوزوا دكاترة زيهم ولا إيه يا بيـ .. يا بسام!" ما تريد هي منه؟ أم منهما؟ لم يستطع فهم ما بعقلها منذ أن بدأت. نظر بثبات وقال بمرواغة ينظر نحو الأخرى: "كنت الأول بقول مش مهم. بس دلوقتي.." توقف عن الحديث ونظر حوله بتيهة. وسرعان ما أكمل بصراحة: "بس دلوقتي حسيت إني بحب دكتورة!" اتسعت حدقتي "وسام" من حديثه التائه وتنحنت بحنجرتها. بينما الأخرى لم تتوقع بأن الحديث لها بل ابتسمت بلطف وهي تقول بغباء: "ربنا يديمكم لبعض. أكيد شغالة معاك في المستشفى!" ابتلع "بسام" ريقه بترقب وحرك رأسه نفيًا. بينما الأخرى تتابع بصمت وشفقة لوهلة شعرت بشقيقها وقلبه. "الحقيقة هي مش شغالة. لسه متوظفتش بس مسيرها تكمل وتشتغل.." أنتِ بردو حاطة خطة لارتباطك وجوازك من دكتور في المستقبل ولا سيباها كده عادي؟ توترت حدقتاها من السؤال، هكذا شعرت. ابتلعت ريقها ونفت بابتسامة هادئة تجيبه: "لا... أنا.. أنا مش حاطة كده الصراحة. عز اللي عنده المبادئ دي، يعني يغيّب ويقولي أنا مش هقبل بأقل من دكتور. وساعات يقولي أهم حاجة يكون ابن ناس ومحترم ومش مهم الباقي. والاختيار التاني الصراحة هو اللي غالب. حتى بعد تجربته مع جميلة وبعد ما ناسب حازم وكده. مش لازم دكتور لدكتورة ولا مهندس لمهندسة أو العكس لبعض. بحسها شكليات وناس مش بتعرف تفكر غير في المناظر والطبقات. يعني يمكن لو ركزوا على الأصل والأخلاق مكنتش حالات الطلاق هتزيد بالشكل ده كل يوم!" استرسلت في الحديث واندَمَجَت حتى نظر لها بإعجاب وأفكارها تواكب أفكاره، هو الآخر يريدها، يريدها. "شكلك عاقلة يا فرح ودماغك تقيلة تتوزن بذهب!" رددتها وسام بمشاكسة، فضحكت بخفة. ووجدت عز يتقرب منها متعمدًا الاقتراب وهو يهتف قائلًا بصوت مسموع: "كلمي جميلة يا فرح!" تحرك بسام بطريقة خافتة كي لا يوضع في موضع محرج معه، فاقترب تزامناً مع تحركها لزوجته، فوقف هو يوزع النظرات عليهم بتركيز، حتى تقابلت عيناه مع وسام وقال بهدوء ممتن: "شكل فرح ارتاحتلك على الآخر، دي مكانتش عايزة تيجي!" تحرجت من قوله اللطيف، حتى رفعت رأسها تردد بلباقة: "وأنا كمان ارتحت لها وبعدين إحنا عيلة في بعض بقا خلاص!" حرك عينيه نحو بسام فوجده يعبث بهاتفه، لا يريد لشقيقته بأن تختلط وتتعلق دون مسمى، وعلى الرغم من أنه رفضه، إلا أن الحال الآن حال آخر بعد اندماج العائلة مع بعضها وكأن شيئًا لم يكن! والآخر يأخذ ركنًا منه منذ آخر رفض! فقط الحديث مقتضب بينهما. "يلا يا فاطمة. يلا يا جماعة خلونا نروح عشان المأذون زمانه على وصول هناك. لازم نمشي!" موعد طلاقها؟ هكذا أردف بدر حتى اقترب الجميع بتفهم من بعضهم، ووقف حامد ينتظر عودتهم بعدما تذهب الفتيات مرة أخرى. ابتسمت ياسمين وهي تحتضن فاطمة وهمست لها جوار أذنها بـ: "مع السلامة يا فطوم. أنا عارفة إنك قوية وقدها. كفاية إنك هتختاري الصح ليكي ولولادك!" ابتسمت لها فاطمة بامتنان وأشارت لها بيديها وهي تلوح لها حتى أمسكت يد نيروز التي نظرت ناحية غسان وهي تقول: "متتأخرش بقا!" أومأ لها بابتسامة هادئة، وسارت مع نيروز، بينما أخذ عز جميلة وفرح ناحية المبنى كي ينتظر هبوط والدته للرحيل. وقف بسام ينظر على أثرها من على بعد، فضربه شادي بمشاكسة وهو يردد: "عينك يا بس!" نظر له بسام بسرعة، وكأنه يستوعب للتو، قلب عينيه بسخافة منه حتى أشار له قائلًا: "امشي بقا يا شادي. انت طولت الصراحة، مع السلامة يلا. خد بعضك وروح!" كبتت منة ضحكتها على إحراجه، فوقت يشير لها بأن تذهب مع فريدة تزامناً مع قوله: "لا امشي إيه.. أنا جاي معاكم عشان بعد الحوار ده لينا قاعدة كده مع بعض لأن الحال معتش عاجبني الصراحة!" حاول الهروب من نظراته ووجد الاثنان غسان يركب السيارة من على بعد يقترب كي يركب معه حامد، بينما سار شادي ناحية سيارته كي يركبها. وخلال ثوان، وقف حامد ينظر ناحية غسان الذي ينتظر قدومه وقد تعمد تركه بحدة، وهو يتوجه ناحية سيارة شادي. ذُهل بسام من فعلته وتنحنح سريعًا كي يركب بسيارة غسان في الخلف، فرد الآخر بغيظ من الموقف: "اطلع قدام يا روح أمك، مش سواق أهلك أنا!" ضغط بسام على فكه من أسلوبه وصفع الباب حتى ركب في الأمام وهو يرد عليه بجمود: "خلي كلامك معايا يبقي أحسن من كده عشان منزلش من بعض!" لوح غسان بذراعه تزامناً مع انطلاق السيارة بسرعة مع قوله الهازئ: "ده أسلوبي وإن كان عاجب!" وأكمل بسخرية لاذعة دون النظر ناحيته: "وبعدين إحنا لسه هنزعل من بعض، فوق يا دكتور!" "ما كله بسببك!" وكأن هذه المواجهة الثانية بعد آخر مواجهة، قلب غسان عينيه بحدة ورد بإندفاع: "قصر معايا عشان مقلبش العربية دي بينا." وأضاف بنظرة جامدة له: "ساعتها هيبقى بسببي فعلاً!" وجد التهور في نظراته يهدده، ألهذا الحد كلماته كانت قاسية حتى أنه لا يستطيع تخطي الوضع منذ فترة؟ تعمد الصمت وهو يخرج هاتفه كي لا يجاريه بتهوره. تنفس بسام بعمق وردد بخفوت من بين مسكته لهاتفه كي لا ينهزم أمامه بحديثه المتبجح له: "أنا مجيبش ورا يا غسان، ومش أنا!" "طظ!" رددها غسان بوقاحة بعد صوت فمه وأنفه معًا بالاعتراض. ضغط على هاتفه بعصبية مكتومة وندم لوهلة أنه ركب معه بمفرده! كي يصبح الوضع كذلك. صمت بضغط كي لا يتعاركا على الطريق حتى يصلا بخير! صعدت الفتيات وصعد عز عندما تيقن بأن والدته ستراوغ إن لم يعجلها هو، حديث نساء ولم ينتهي ولن ينتهي كهذا. أردف بينه وبين نفسه، دخل الكل شقة عايدة ولم تكن وردة موجودة، بل ذهبت مع بدر وفاطمة. وقف عز ينتظر انتهاءها من الحديث تحت نظرات جميلة الضاحكة عليه وهو ينتظر بصبر شديد لآخر ذرة تمسك لديه. "انت مستعجل على إيه يا عز؟ شكلك متحكم بقى ومش هتخليني أقعد ولا أروح لماما علطول!" شاكسته بخفة، فنظر لها بتشكك من عينيه وقال بجدية: "يا شيخة، بقا شكلي يدي كده؟" "خالص، بس مستعجل ليه؟" لاحظ قدوم والدته مع شقيقته من على بعد فتنفس بعمق، يوضح لها: "البيت مفهوش راجل، وكمان عشان امتحانك بكرة فعشان تلحقي تذاكري!" لا تغيب عن باله التفاصيل المفصلة عنها، ابتسمت بحنو حتى شملته بأنظارها أمامهن. تقدمت "حنان" ناحية الخارج وتبعتها "فرح" التي ودعتها "وسام" و"فريدة"، في حين عانقت "جميلة" البقية بوداع. حتى كانت آخر الكلمات لها من والدتها: "خلي بالك من نفسك ي حبيبتي، هبقى أكلمك أطمن عليكي، كلي كويس وركزي عشان امتحان بكرة، ربنا معاكي ي ضنايا!!" تتأثر كونها أول مرة ستخرج لاختبار بعيدة عنها، لم تشاركها التوتر، لن تعد لها طعام وهي جالسة بين كتبها. ضحكت "جميلة" بخفة، وودعت "منة" و"نيروز" و"ياسمين" التي غمزت لها بمرح، وهي تردد بغير اكتراث: "سيبك يبت من الامتحانات، أهم حاجة صحتك متجيش على نفسك لو مش قادرة ي عمة ابني يا حرباية!" تلقت قبلة منها طائرة فضحك الكل عليها حتى "جميلة" وهي تبادلها القبلة الطائرة، تحت ابتسامة "عز" الواسعة على حديث الأخيرة. أغلقت الباب خلفها مع دخول "زينات" وهي ترتدي ملابس خروج تناسبها وحقيبة. وقفت تبتسم لهم ابتسامة باهتة رغم ملامحها الحزينة وقالت رافضة الجلوس: "أنا رايحة المستشفى لحسن شوية، يمكن يفوق، محتاجين حاجة أجبهالكم وأنا جاية؟" رفض الكل بابتسامة هادئة حزينة مشفقة عليها، فالأخيرة حالتها النفسية سيئة بسبب ولدها مهما فعل، يظل شعورها رغماً عنها!! "لا كتر خيرك، بس استني شوية حازم يرجع ويجي معاكي مستعجلة لايه؟!" "لا الطريق ميتوهش يا عايدة، مع السلامة!" قالتها مشيرة بالوداع حتى أومأت لها "فريدة" بهدوء. أغمضت "نيروز" عينيها بإنهاك، حتى وقفت "سمية" تتجهز للرحيل ناحية شقتها عندما رحلت "منة" مع "دلال": "قومي يا نيروز ارتاحي عندي عما جوزك يجي شكلك تعبانة، وانتِ يا ياسمين قومي خدي علاجك ونامي على السرير بدل ما نرجع نحتاس تاني يا بنتي!" "حاضر يا ماما قايمة، كده كده عايدة مش هتسيبني فحالي انتوا هتمشوا من هنا وهي هتقعد تزغطني زي البط من هنا وتنيني زي العيال الصغيرة!" ضحكن عليها بخفة، حتى "عايدة" التي أشارت لها باهتمام وهي تضع كفها على ساقها فاحتضنتها "ياسمين" بحب. وقبل دقائق كانت قد رحلت "دلال" فانسحبت "وسام" هي الأخرى بعد وداعها لـ "فرح" و"جميلة". نهضت "نيروز" تستند على "سمية" و"سمية" تستند عليها في حين قاطعتها "فريدة" بحرج، تستأذنها: "بقولك يا نيروز.. أنا كنت يعني عايزة أقعد مع نفسي شوية، فبطلب منك افتحي المحل وكده!" لامتها "نيروز" بنظراتها، وإن كان الحال غير هذا الحال لاهتمت "نيروز" بالمحل ولكنها كل مرة يحدث عواقب تعطلها وآخرهم صحتها ووفاة عمها. ابتسمت لها وقالت بصدق: "المفروض متقوليش حاجة زي دي، المفتاح معاكي والمحل بتاعك افتحيه فأي وقت تحبيه، لو كنت أقدر أنزل تاني كنت نزلت بس حقيقي أنا تعبانة أوي ومش قادرة!" عانقتها "فريدة" بتأثر، حتى أُغلق باب شقة "عايدة". وركبت "فريدة" المصعد ودخلت "نيروز" بعد "سمية" التي فتحت الشقة مع قولها بملاحظتها: "فيها حاجة متغيرة بردو!" تنفست "نيروز" بعمق، حتى جلست على الأريكة بتعب، وهي توضح لها بشفقة: "هي دي الحقيقة يا ماما. اللي حصلها مش شوية، انطفت بدري أوي بس صبرها ده هيغيرها للأحسن أنا متأكدة!" كانت تتحدث بأريحية واستندت بظهرها ووالدتها تستمع إلى حديثها وهي تعود من آخر الطرقة بعدما جذبت علبة الدواء التي هبطت بها الأخرى في الصباح. "ربنا يجبر بخاطرها وخاطركم ويراضيكم ويسترها عليكم يارب!" أعطت لها الدواء عقب هذا الحديث فأخذته "نيروز" منها بامتنان، حتى جلست "سمية" بجانبها وأمسكت رأسها كي تستند الأخرى ناحية صدرها. ربتت على رأسها بحنان وتنهدت تأخذ أنفاسها بصوت، وهي تسألها: "وانتِ مالك بقا زعلانة من إيه كده ومش ناوية تحكي لأمك!" عقدت "نيروز" ما بين حاجبيها باستغراب طفيف وعلمت أن والدتها تعرفها أكثر من ذاتها. ضحكت بخفة، وهي تستند عليها أكثر ثم قالت بمشاكسة: "طول عمرك شقية يا سمية وبتعرفيني بسرعة!" "طبعاً، مش بنتي وضنايا وحتة مني!!" ابتسمت لها واستندت بجسدها بالكامل على الأريكة وهي تسعل حتى انتهت تأخذ أنفاسها مع ربت والدتها بيدها عليها. أخذت نفساً عميقاً وأخرجت ما يجعلها متناقضة لا تفهم ما يحدث. "مش عارفة.. بس حاسة "غسان" متغير معايا اليومين دول. اتعودت مسألوش مالك كتير عشان مبيقولش غير لما هو يكون عاوز كده، بس سألته وتوه، حتى كلامه قليل مع اللي حواليه بردو. تفتكري بيخوني؟" سألتها بمرح، فتعالت ضحكات "سمية" بصوت ويأس، وهي تجيبها: "يا بت حرام عليكي بلاش سوء الظن ده.. وبعدين تلاقيه زعلان من حاجة معينة. اعرفي يا حبيبتي إن الرجالة دول مجانين ساعة حلوين وساعة مش طايقين الدنيا باللي فيها وهنا يفوزوا أكتر كمان في النقطة دي عن الست.. يعني بطرق كتيرة مسيرة هيتكلم وتعرفي ماله. انتِ بس اللي لسه مش متعودة!" "هو معملش حاجة والله، أنا بس اللي زعلانة عشانه ومش عارفة أقوله كده عشان مفيش سبب ظاهر يوضح ده، فهماني؟" أومأت لها "سمية" بتفهم، وقبل أن ترد وجدت الحيرة بنبرة "نيروز" وهي تكمل: "كمان عيد ميلاده كمان يومين.. كنت عايزة أعمله حاجة حلوة زي ما عملي بس الظروف الأخيرة مش سامحة وأخاف أعمل حاجة تجمعنا "جميلة" تزعل أو "حازم" عشان حالة الوفاة!" "سبيها لله ي حبيبتي، بتدبر من عند ربنا مش لازم حاجة كبيرة، بيحبك وهيتراضى بأي حاجة حتى لو كلمة..!" قالتها بتعقل، ولم تعقب عن خوف الأخيرة من آداب الذوق العام عند حالة الوفاة فمعها كل الحق. سعلت أكثر حتى اعتدلت تحاول أخذ أنفاسها، فمسحت "سمية" على وجهها بقلق، قائلة: "إشربي ماية يا نيروز.. امسكي على مهلك!" أعطتها الزجاجة، فأمسكتها "نيروز" وهي تردد بإنهاك قبل أن تشرب: "أنا قلت له مش هقدر ولو أكلت هتعب مرضـ..." نهضت سريعًا، وكأنها كانت تشعر من عزم دور الزكام الذي وصل لمعدتها، هرولت ناحية المرحاض وهي تضع يديها على فمها بتعب، ووجه أحمر متشنج مع سعال صعب والقئ يداهمها. انتفضت "سمية" وهي تحمل الزجاجة قبل أن تقع على الأرض، حتى نهضت باندفاع خلفها تسير بخطوات سريعة قلقة. *** وفي المنزل على بعد آخر، دخل الجميع منزل والد "بدر"، وقد جاء بالفعل المأذون مع "عارف" ووالدته التي أصرت على القدوم معه. كان بالغرفة ومعه "المأذون" ومن تبعه. وقف "غسان" ينظر ناحية "فاطمة" التي جلست بأعصاب مفقودة ويتمسك بيديها "بدر"، وأمامها وقف "آدم". وعلى بعد بحجره معينة وقف "بسام" مع الأطفال يلهيهم عن هذه المناسبة التعيسة لهم في المستقبل إن علموا. كان "حازم" في الداخل يتطلع على الأوراق الخاصة بقدومها مع "عارف" وأيضًا المأذون. "إيه يا فاطمة فين اللي اتفقنا عليه.. مش كده.. لازم تكوني قوية!" حثها "بدر" بثبات، في حين تمسكت هي بكفه ببكاء وهي ترد عليه بنبرة ضعيفة: "غصب عني يا بدر.. معلش استني خمس دقايق كمان أخذ نفسي فيهم!" ترواغ أم ماذا تفعل؟ زفر بصبر، تركها واعتدل يشير لـ "وردة" بأن تعد أكواب من الشاي لهم، في حين زفر "آدم" بصوت أنفاسه الدافئة وردد بحدة ظهرت في حديثه لها: "جرى إيه يا فاطمة.. بتتلكعي ليه.. اللي زي ده ميستاهلش حبك افهمي بقا وقومي وأصلي طولك ده!" هو المندفع دائمًا. ترقبت ملامح الشباب حتى "شادي"، فوكزه "حامد" بتحذير، واقترب يمسك كفها كي يساعدها على النهوض، ونهضت بالفعل حتى دفعها هو بين أحضانه الحنونة رابتا على ظهرها برفق وهو يقول: "يا حبيتي إحنا جنبك وهنسندك.. دا الصح ليكي ولعيالك وانت بنفسك قولتي كده.. إجمِدي كده.. بنت عيلة البدري لازم تكون جامدة ميهزهاش حاجة زي عمك حامد كده!!" خرجت ضحكتها الخافتة واستطاع أن يخفف عنها توترها. تنفست بعمق وهي تحرك رأسها تومئ بطاعة. واعتدلت حتى تمسك "آدم" بكفها مع خروج قوله اللين: "وحياة أغلى حاجة فحياتي ماهخليكم محتاجين حاجة بس ساعديني يا فاطمة.. ساعديني وساعدي نفسك عشان نتعود على حياة جديدة صح ليكي وليهم!" رفعت كفه تقبله بأسف، وكأنها تثبت له أنه صحيحًا بتأثر. وجدت الخوف عليها وعلى أولادها بنبرته. اقترب "غسان" يدفع "آدم" بمرح طفيف ثم غمز لها بمشاكسة يخفف عنها كطبع من أنجبه: "عليا الطلاق ما عارف الجمال ده كله مش عايز يقاطع الزبالة اللي هناك دول إزاي.. فوقي يا فطوم.. إنت قيمتك عالية معدتش تنفع مع الواطيين دول!!" ضحكت بخفة وهي تنظر له نفس النظرة المتشككة. تعلم أنه بارع في تثبيت من أمامه بالحديث المعسول. ضحك الكل عليه بخفة وتشجعت هي أكثر وهي تأخذ أنفاسها قائلة بصوت جدي مستسلم: "عندك حق!" هلل الكل بصوت مرح وكأنها ليست مناسبة تدعي الحزن! ابتسمت لهم بامتنان. واقترب "بدر" يمسك كفها ومن الناحية الأخرى تمسكت هي بـ "حامد" كي يتوجهوا نحو الداخل حيث الغرفة. دخل خلفهم "غسان" و"شادي" وحتى "بسام"، بينما بقيت "وردة" مع الأطفال. دخلت بخطوات مرتبكة وتقابلت عينيها مع عيني "نجاة" والدة "عارف". جلست بجسد خاوي خائف بجانبها أشقائها، في حين تحركت عيني "عارف" نحوها وهو يسألها وكأن شيئًا لم يحدث: "إزيك يا فاطمة؟!" لم ترفع عينيها نحوه. ضغط "آدم" على فكه وقبل أن يرد الكبار، رد هو عليه بنبرة جامدة متبجحة: "أحسن منك ومن أمك يخويا.. خليك فحالك!" احتَدت عيني "نجاة" وحدّج "حامد" بتحذير كما فعل "بدر"، بينما شجعه "غسان" بنظراته بتشفي للآخر الذي إلى الآن علامات الضرب واللكم بوجهه لم تختفِ نهائيًا. أخذ "حامد" نفسًا عميقًا ثم بدأ بحديثه الآتي: "كويسة يا بني.. ومن غير ما ندخل في كلام كتير هتبقى كويسة هي وعيالها من غيرك.. طالما معرفتش تصونها ولا تحافظ عليها.. خراب البيوت مش بالساهل بس هو ده الحل الأنسب و.." قاطعته "نجاة" بجمود امرأة ظهر ذلك على ملامحها القوية الكبيرة سنًا: "مين اللي معرفش يحافظ على مين؟ بدل ما تعرفوها إنها قصرت ومن حقه يتجوز تاني!!" تشنجت ملامح "بدر" وقاطع حديث المأذون بالهدوء حديث "غسان" السريع لها بوقاحة: "إيه ده دا في حريم في القعدة!! لمؤاخذة افتكرتك راجل.. أصل القعدة دي للرجالة بس مع إن ابنك ميتحسبش منهم بس هي كده ولـ وصاحبة الشأن.. إنتِ إيه بقا اللي مقعدك وسطنا؟" "إنتِ إيه يا ست انتِ خربتي على أختي ولسه عايزة تخربي بكلامك ده؟ حطي لسانك جوا بؤك بدل ما وربنا اللي خلق الخلق ما تخرجي إنتِ وابنك سلام من هنا!!" كان قول "بدر" المنفعل، فنهض "آدم" باندفاع يمسك تلابيب "عارف" بانفعال وهو يردد بنبرة مرتفعة: "انت جايب أمك في ديلك ترد عنك وانت جاي يا حيلتها؟ إحنا مبندمش إيدنا على حريم بس أمد إيدي أنا عادي عليك مادام نفس العينة الو***" فصل "غسان" سريعًا عنه هو و"شادي" وأشار "حامد" له بحزم ليجلس. حتى اعتلى صوت المأذون مرددًا بعقل: "مش كده يا جماعة.. إهدوا شوية.. ولو حد عنده كلمة يحل ويرجع الماية لمجاريها يبقى جزاه الله كل الخير!" أشار "حازم" بيديه للمأذون قائلاً بتفهم: "معلوم يا عم الشيخ.. خلينا نبدأ" ابتلع البعض ريقه بترقب، و"برطمت" نجاة بغيظ، في حين كانت حرب النظرات بين "عارف" وبقية الشباب خاصة "آدم" تزامنا مع صوت المأذون وهو يقول مجددًا: "راجعوا نفسكم كويس للمرة الأخيرة.. إن أبغض الحلال عند الله الطلاق!" تحركت عيني "غسان" نحوه كي يعجله بقوله: "ونعمة بالله.. بس ملوش لزوم كل ده يعم الشيخ.. خلينا نبدأ علطول!" زفر بيأس وفتح دفتره الكبير يبدأ تزامنا مع قول "عارف" الذي ظهر به الندم من فقدانها: "فكري يا فاطمة.. أنا بحبك والله.. ومش حابب أطلقك.. فكري عشان عيالنا حتى وأنا هعملك كل اللي تعوزيه!" رفعت عينيها الباكية الآن نحوه وتنهدت بوجع، تنفي قبل أن ينفي أحد الجالسين: "علشان عيالنا لازم ننفصل وتبعد عننا يا عارف.. انت قادر وقاسي وعمرك ما حبيتنا.. انت مش شايف جروا إزاي أول ما شافوك ودخلوا جوه؟ قلبك موجعكش ولا ندمت على اللي عملته فيهم وفـ 'جنة' وانت عارف إنها تعبانة؟ كان فين عقلك وانت بتستقوي عليهم من غير سبب؟ لحد الآن علامة حرقك لـ 'جنة' في كتفها.. انت اتجننت خلاص بسبب أمك وكلامها اللي طيرلك عقلك وخلاك مبقتش باقي بعد ما كان فيك أمل الأول.. حرام عليك وعليها ربنا يسامحكم روحوا!" اندفعت "نجاة" تردد بتبرم واستهزاء: "حوش حوش البت طلع لها لسان وبتقوله أمك علمت وسوت.. دا انتـ.." "إخرسي يا ولية بدل ما أقطعلك لسانك.. أقطمي!" رددها "آدم" بلهجة آمرة حتى نظرت له بانفعال، وقبل أن ترد عليه هتف "عارف" بيأس: "ابدأ يعم الشيخ.." وكأنه ينتظر الوقت لينفصل. "بهذه السهولة؟" هكذا رددت لنفسها ولا تعلم ماذا تريد بالتحديد. صرخت نجاة بولدها بانفعال قبل قول كلمات الشيخ: "هتسيبه يغلط في أمك كده هو وأخته؟ مش بدل ما تقوم تسفخها قلمين وهي على ذمتك ترد مقام أمك اللي سندتك وجت معاك؟" إندفع غسان يفتح باب الغرفة بنفاذ صبر حتى قال متظاهراً بالبساطة: "أنا بقول تطلعي برا، أصل أنا بمد إيدي على حريم عادي مش زيهم!" فتحت عينيها بغضب ونهضت كما نهض الكل بإندفاع وهي تتحدث بصوت عالٍ رداً على حديثه المتبجح: "انت هتهددني يخويا ولا إيه؟ قال تمد إيدك عليّ؟ أصل هسكتلك أنا!" صمت الكل بعجز، وخرج صوت بسام بسخرية يردد قبل أن يردد شقيقه: "ما إنت لو معاكي راجل! بس نقول إيه!" إقترب غسان منها حتى أشار لها بيديه كي تخرج تزامناً مع خروج صوت عارف المنفعل: "قصدك إيه يجدع إنت؟ أنا ساكت من الصبح عشان نمشي الدنيا، لكن تقلي مني ومن أمي مش هسكت!" وقف بدر بغضب، يمسك وجه عارف بقوة بين يديه وهو يحركه بعصبية مردداً بنفس الانفعال: "طب سكت أمك كده ياروح أمك، وخلينا نخرج منها بالمعروف واتقي الشر!" إلتف الجميع حولهم وعارف يحاول الفصل بين يدي الآخر عنه، فصلوهم بهدوء حتى عاد الكل يجلس بعد قول المأذون بنفاذ صبر منهم: "يا خوانا مينفعش كده!" "ما تخلصنا وتبدأ يا عم الشيخ بقا!" قالها شادي بصبر قد نفذ هو الآخر، وافق المأذون برأسه وبدأ في تجهيز الكلمات والأوراق التي تتوجب الإمضاء، في حين اقتربت وردة بصينية الشاي من الباب حتى حرك بدر عينيه لها بأن تقف وتمتنع عن الدخول، ليس ضامناً كلمات نجاة القاسية. وقفت بغير فهم، حتى وقف غسان مقترباً منها يأخذ الصينية منها ويتوجه ناحية كل منهم يعطيهم الكوب. جاء عندها عندما وجدت نظرة الاشمئزاز منها، ابتسم بإستفزاز يهمس لها من بين الحديث الآخر: "بالسم الهاري!" أخذته بتعمد ولم ترفض، وحركت رأسها تنظر ناحية فاطمة، التي تحركت لتمضي كما كان يوجد شهود منهم. وعندما نهضت لتقف تقترب أكثر كي تمضي بتوتر، وشجعها بنظراتها الكل فعلتها بوجع، بعدما سمعت كلمات الطلاق منه مرة أخرى بطريقة شرعية قانونية. رأت أن هذا الأنسب رغم أنه الموجع. إستقامت تعتدل تخفي دموعها هذه المرة كي لا يرى كسرتها، وفي عودتها كي تجلس مرة أخرى، عرقلتها نجاة فعاق سيرها ووقع الشاي عليها، حينها تأوهت بوجع من سخونة المشروب. كتمت صرختها ووقف الكل بمفاجأة، وأندفع آدم يمسك نجاة من حجاب رأسها الأسود مردداً بسب بذئ: "يا بنت الـ***" صرخ بها واقترب بدر بخوف ناحية فاطمة كما اقترب الكل يسندونها كي تقف، في حين أمسك آدم رأسها بانفعال، حتى رجعت هي إلى الخلف وإصطدم رأسها في الشرفة. صرخت بألم، وانقض آدم عليها وكأنها فريسة، وفصله عنها بأعجوبة شادي وحازم. في حين خرج بدر وحامد بفاطمة نحو الخارج، حيث أنها بكت وليس من الألم بل بكت بكسرة. لم تكن لتستحق كل ذلك. أمسك غسان عارف صارخاً به بشدة منفعلة: "إحنا سكتنالك كتير أوي بس مش هتبقي إنت وأمك يا روح أمك!!!" صفعه على وجهه، وعندما وجد المأذون الوضع كذلك، فر هارباً نحو الخارج مردداً آيات ذكر بدعاء مصدوم من الذي يحدث بين هذه العائلة: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!" خرج وكان هروبه بخوف مضحك غير مناسب للوضع تماماً. ضرب غسان عارف فداره للوضع المتعاكس حتى اصطدمت رأس غسان بالخشب الموضوع كديكور. وعند هذه الدفعة زنت رأسه بقوة حتى شعر بآختلال توازنه فأسنده بسام سريعاً. عندما وجد أنفه تنزف الدماء أثر اصطدام رأسه القوي، أسنده بخوف، ناهيك عن جرح الخشب لوجه عارف حتى أن بسام دفعه بساقه فوقع عارف نصف وقعه ولحق نفسه في الحال وهو يتوجه باندفاع يخلص والدته من بين أيدي آدم المصمم على عدم تركها رغم الآخرين. شعر بشقيقه يغمض عينيه بقوة كي يخفي تشوشه ونفض رأسه وهو يدفعه كي يتوجه ناحية عارف، بينما كانت قوة بسام أكثر منه عندما سحبه رغماً عنه نحو الخارج. "إمشي... إمشي وخد أمك من هنا بدل ما تخرج ميتة!" ردد حازم جملته بجمود، مع مسك شادي لآدم رددها متخوفاً من ما يمكن أن يفعله بدر بغضبه عندما يأتي مجدداً. أمسك عارف يد والدته التي صرخت بألم رأسها. عدلت الحجاب وأخيراً ظهرت معالم الخوف عليها منهم، لذا سارت نحو الخارج خلف عارف قبل أن يكمل آدم ويعود بدر. وفي طريق خروج عارف اندفع غسان بكوب المياه نحوه كي يهشمه على رأسه، حاول بسام منعه بينما أصر الآخر فأمسك عارف معصم غسان بشدة وهو يدفعه عنه. تعمد الوقوف بجمود وتصنع الذكاء عندما تركها تقع من بين كفه وهو ممسك من الآخر فوقعت على رأس عارف كونه أقصر منه. تأوي بارتفاع، لم تتهشم الكوب لأن المسافة قريبة ولكن صوت وقوعها على جبهته يكفي لجعله يتألم. دفعه عنه وهو يمسك رأسه حتى دفعته ونجاة وهي تحثه على الخروج من هذا المنزل، مع مسك بسام لغسان. خرج بقية الشباب من الغرفة وصدر آدم يعلو ويهبط. ووردة تغلق على نفسها وعلى الأطفال الباب بخوف كما صرخ بها بسام قبل قليل وهو يخرج من الغرفة مع شقيقه بالغصب. لم يفهم الأطفال ما يحدث ولكن كان هناك أصوات بكاء البعض وصمت البعض الآخر. بكى أدهم بخوف مع جنة كونهما رأوا والدهم وابتعدوا عنه بخوف. أما يوسف فكان حينها يلعب مع يامن لذلك صمت بغير فهم وهو يربت ببراءة على ظهر أشقائه بخوف. ضمتهم وردة عندما وجدت الكل خائف حتى رددت بنبرة هادئة تطمئنهم: "بس... بس متخافوش يا حبايبي، مفيش حاجة!" "هو فين؟ راح فين هو وأمه!!!" ردد بها بدر بتشنج بعد مرور دقائق من وجوده بالداخل، ففهم حامد ما حدث من ذهاب الآخرين حتى قال له كي يهدأ وعينيه لا تغفل عن مسح بسام أنف غسان برفق بالمنديل الورقي: "أكيد واضح إنهم مشوا ومشي معاهم اللي كان بينكم. اعقل يا بدر، خلاص الموضوع خلص!" "لا مخلصش يا عمي، إنت مش شايف إيه اللي حصل لفاطمة؟" "شايف، بس عارف بردو إنك بتعرف تأذي، لكن إحنا مش بتوع كده. خلينا في حالنا وخلاص. شوية وهتبقى كويسة، كهن ستات بيحصل بلاش نورط نفسنا مادام كل حاجة انتهت وكويس أوي إنها خلاص معادش يربطها بيه حاجة. اعتبرها علامة من عند ربنا إن القرار صح فعلاً." صمت بإنهزام أمام الأنظار، وصمت آدم هو الآخر يسأله عنها: "فاطمة فين؟" "دهنتلها مرهم على رجلها وقالتلي إنها عايزة تنام!" علم أنها تتهرب من الوجع والكسرة كما علم الكل. تنحنح شادي بحرج حتى حاول الانسحاب مع حازم مشيراً لهم بالانتظار في الخارج كي تستعد السيارات عندما حثه حامد على أن يرحل معه لذا خرج هو يقوم بتشغيل السيارة حين خروجه. توقف بسام عن مسح وجه الآخر عندما ردد بخفوت له: "كفاية، مش عيل صغير في إيدك أنا!" "لا عيل، وعيل أوي كمان!" وكأنه يرد باستفزاز كي يثير حنقه. حدجة غسان بغيظ وهو يدفعه بطريقة غير مباشرة عنه، فابتسم بسام باستفزاز له. إعتدل حامد عندما فتحت غرفة الأطفال وخرجت منها وردة والأطفال، حيث حث بدر قائلاً: "أنا بقول تخليك النهاردة بايت هنا إنت ومراتك مع أختك وعيالها!" أيده بإيجاز وهو يحمل يامن على ساقه بملامح خالية من التعابير: "كنت هعمل كده!" علمت وردة بأنه في حالة ليست جيدة بأعصابه، ولكن تبدلت ملامحه للحنو عندما احتوى جنة برفق بين ذراعيه يطمئنها رداً عليها عندما سألت عن والدتها، في حين انحنى آدم. يقبل التوأمان بحب. فزفر "حامد" وهو يبتسم مودعاً لهم: "إحنا ماشيين، خلي بالك من أختك يا بدر، متسيبهاش فالأوضة كتير لوحدها!" "حاضر يا عمي!" ردد جملته بطاعة وانسحب "حامد" بعدما أشار لـ "غسان" وهو يقترب منهما مردداً بنبرة هادئة منخفضة: "يلا ولا ناوين تباتوا هنا؟ خلو عندكم دم ولا خلاص مبقاش من ريحته فكل حاجة!" وكأنه يخرج انفعال ما رآه عليهما، نظرا الاثنان لبعضهما بغرابة من أسلوبه المندفع. قد تعمد تجاهلهم الأيام الماضية منذ آخر ما حدث، بينما الآن صبره على ما يفعلانه انتهى! خرج نحو سيارة "شادي"، وركب بها هو و"حازم" في حين خرج هما بعدما ودعوهم بهدوء. التفت الأطفال حول "وردة" التي أخرجت لهم حلوى من الكيس البلاستيكي ترضيهم. وانسحب "آدم" هو الآخر ناحية الباب، فأوقفه قول "بدر" الحازم: "رايح فين؟" "هخرج أفك عن نفسي شوية، ولا حرام!" تعمد "بدر" تجاهله كي لا يتعارك معه، تركه يخرج ولم يلاحظ أن الباب أغلق خلفه سوى من الصغير الذي خرج معه وهو يمسح وجهه من الدموع العالقة آثارها، مردداً بطلب بريء طفولي: "عايز أجي معاك يا خالو!" ظهرت ابتسامة حانية على وجه "آدم" وعلم أن شقيقه هو من أرسله خلفه كي لا يتهور الآخر بفعل شيء. ضحك بيأس وهو يمرر يديه على خصلاته ثم قال بموافقة: "موافق يادوما، يلا بينا!" ولأنه خرج من الباب الخلفي، أزاح الغطاء عن الدراجة البخارية. حينها صفق "أدهم" بسعادة وحماس وتبدل وضعه وحاله بسرعة. فضحك "آدم" وهو يخرجها حتى خرج الصغير خلفه وركب "آدم" أولاً، ثم أخفض ذراعيه يحمله كي يضعه في الأمام خوفاً عليه أن ركب في الخلف. دارها بسرعة وسارت تزامناً مع قول "أدهم" له: "سوق بسرعة يا خالو!" لم يخف هذا الصغير. ضحك "آدم" بخفة وقال بسخرية له: "أه لو "بدر" سمعك، هيعلقنا سوا!" ضحك الصغير ببراءة ونظر حوله مع تطاير خصلاته من الهواء كما تتطاير خصلات "آدم" الذي سمعه يسأل بثرثرة يعلم أنها لن تنتهي: "إحنا رايحين فين؟" "مش عارف!" "تعالى نجيب آيس كريم ونروح لفيفي!" "فيفي مين؟" سأله بتيه مشوش بعقله بسبب آخر ما حدث من انفعال، وجده يرد عليه بتفسير طفولي: "فريدة!" ابتلع "آدم" ريقه ببطء ورد عليه بابتسامة واسعة: "غالي والطلب غالي، والغالي للغالي!" صمت حيث قالها بحماس، وواصل يسأله باهتمام: "قولتلي بتحب آيس كريم بطعم إيه؟" "الشيكولاتة، وهي بتحب الفانيليا!" "هي مين؟" "فيفي يا خالو، الله بقى!!" تأفف الصغير وقهقه "آدم" بصوت عالٍ عليه وعلى طريقته. كيف علم تفاصيلها وهو الذي يحاول فعل ذلك ولم يستطع إلى الآن؟ صغير مشاكس ليس هين إذن! "دا أنت شكلك كده يا حبيبي خالك هتنفعني عالآخر وبالجامد!" توقفت السيارات أمام المبنى حتى ركنت وصعد الكل رغم انتباههم لمحل الورد المفتوح، ولكن لم يقترب إلا "غسان" وحده بعد قول "شادي" قبل أن يصعد وهو يحثه: "إحنا فوق متتأخرش عشان عايزك فكلمتين، وهسبق أنا!" وافق برأسه وصعد "شادي" مع "بسام" و"حامد" و"حازم". اقترب "غسان" يدخل المحل حتى وجدها تجلس ترتب بشرود الصناديق الموضوع بها الورد الذي دبل بعضه وبقي الآخر. صفت بخفة البقية وكانت تنحني. وقف خلفها يتنحنح بحنجرته كي تنتبه، حتى نهضت سريعاً تلتفت بحرج. فسألها دون مقدمات عنها: "نيروز مش هنا؟" "لا، أنا اللي نزلت لوحدي!" حرك رأسه متفهماً، ونظر ناحية الورد حتى أخذ بيديه واحدة يستنشقها متسائلاً بغرابة: "مش عارف بيبهركم إزاي ده!" ضحكت بخفة على حديثه وقالت ببراعة في الرد: "مش لازم ننبهربيه، بس إحنا بننبهر بيه عشان اللي بيجيبه ويختاره لينا!" ابتسم نصف ابتسامة هادئة ورد عليها بنبرة هادئة قبل أن يلتفت لينظر نحو محل الصوت: "وجهة نظر!" التفت بعدها برأسه ينظر نحو الدراجة البخارية التي وقفت، وقبلها ركض الصغير نحو "فريدة" التي ابتسمت بمفاجأة فقد حمل لها آيس كريم بحماس. تقابل "آدم" معه وعلم من البداية أنها في الداخل عندما رآها، فركن الدراجة. حاول الهروب بعينيه من "غسان" الذي ضحك وكأنه يفهم تدريجياً ما يحدث، وخلال انشغال الإثنين في الحديث الطفولي، ضربه على كتفيه بخفة وهو يردد: "لا دا أنت الله يكون فعونك.. هو لسه بدري أوي كده؟" زفر "آدم" بيأس وقال رداً عليه: "لسة بدري أوي، بس بحاول!" تنفس بعمق، ولم تختف الابتسامة من وجهه حينما قال قبل أن يخرج من المحل مع غمزته المشاكسة: "مساءك فريد!" ضحك على قوله وهو يحرك رأسه ينظر نحو أثره، وعندما خرج تماماً، ابتسم لها وهي تقبل وجنتي الصغير برقة، حتى اعتدلت تنظر له. لم يترك فرصة للنظرات بل قال مفسراً: "قالي إنك بتحبي الفانيليا، عقبالي!" ابتسمت إلى أن نظرت له بغير فهم. فقال هو مصححاً: "عقبال ما أحب الفانيليا، أصلي مبستطعمهاش!" تشككت في حديثه وزفرت بصوت تخبره: "ع فكرة طعمها لذيذ!" "زي أحدهم!" لم تتعمد الهجوم، بل لاحظا اندماج الصغير في السير بالمكان باستكشاف. فابتسمت عليه وعلى حنوه وتذكره لها. فوجدت "آدم" يردد من جديد: "مش كان فاتي شغال هنا؟" ردت باستفزاز منتصر: "معلش!" وكأنها ترد الكلمة له ببرود، ضحك عليها وعلى طريقتها في قولها واستند يجلس على المقعد تزامناً مع جلوسها هي الأخرى. وبدأ يخبرها بنبرة لينة يفتح معها الحديث: "بس أنا اشتغلت شغل تاني كنت شغال فيه قبل كده، والصراحة الناس اللي هناك مية مية، عز دا برضو معلم." ابتسمت وقالت بتلقائية وكأنها لا تردف حديث متبجح للتو: "بس أنا مسألتكش إنت اشتغلت إيه وفين!" "عارف، بس بحب أحكي لك." ماطل في قولها وتصنعت عدم سماع ذلك. راقبت الصغير بعينيها، فعاد يسألها هو بملاحظة: "بس أدهم طلع بيحبك أوي!" "أنا بردو بحبه جداً، أصله حنين أوي!" مال كي يتقرب أكثر لتسمع نبرته اللينة. "زي خاله!" "أه وردة بتقول إن بدر حنين!" فتح عينيه مدهوشًا من تعمدها لإحراجه، وسرعان ما أخفى ذلك وهو يصحح لها بتبرم: "قصدي خاله التاني!" كبتت الضحكة وهي تتصنع عدم الاستماع، دارت وجهها كي لا يراها، بينما ردد هو بوضوح يطلب منها: "ما تسبيها تطلع واضْحَكِي، اجبري بخاطري حتى ياستي!" دارت وجهها تبتسم بهدوء حتى ردت بتبجح معهود: "سوري.. أنا مش بتاعت مجاملة!" "أومال بتاعت إيه؟" قصدت أن تخبره بطريقة غير مباشرة كي لا يجرح منها مجددًا، عارضت على أن لا تردفها ولكنها عاندت نفسها بقولها: "مش بتاعت حاجة ولا بتاعت حد!" "ليه؟ لما ممكن تكوني بتاعت حد بالحلال!" رددها بجدية دون ضغط وأمسك الوردة يستنشقها، فردت هي عليه بوضوح: "مش لازم، كده أحسن، ممكن تفهم ده؟" رفع عينيه ينظر نحو عينيها بمواجهة طويلة صامتة، ما وجده بعينيها لم يجده بآخر، ربما الكسرة وليست نظرة الإعجاب يا أبلة! هكذا ردد له عقله، فعارضه واستمع لما أملاه له قلبه وهو يردد بنبرة هادئة ونظرته بعينيها لم تتحرك بعد: "مع إن عينك بتقول حاجات تانية!" رمشت "فريدة" بأهدابها تحرك عينيها بمكان آخر، حتى تنهدت تصارحه بجدية: "بتكذب عليك!" نفى برأسه وقال بصدق يمدحها: "اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكذبوا!" نهضت من على المقعد وأعطته ظهرها تتوجه ناحية الخارج متصنعة عدم الاهتمام مع قولها الهازئ به في الخفاء: "انت مش واقعي خالص على فكرة!" تركته ولم يتحرك من مكانه، وعندما وقفت بشرود، جاءها رده بعد لحظات: "ولا انتي على فكرة!" اقترب يقف بجانبها فحركت رأسها تنظر له بتشكك، حتى عادت تنظر برأسها ناحية الدراجة البخارية تسأله بابتسامة ساخرة: "مش دي اللي كانت هتموتك؟" جلست على السلم وتقدم الصغير يلعب أمامهم على الطريق الترابي البعيد عن سير السيارات، فجلس "آدم" يرد عليها بشرود مع تنهيدة حارة: "لسه فاكرة؟" "وهنسى إزاي.. حاجب حسن متعلم لحد دلوقتي بسببها، أنا فاكرة كمان إنه كان اتكسر بايده ورجله وانت اللي اتدشملت على الآخر!" ضحك "آدم" على حديثها واعتدل يحرك رأسه بنعم، ثم أوضح لها بانتصار: "بس كله خير، ما رضوش يقبلوني في الجيش بسبب جرح رجلي!" توقف ثم سرد أكثر بوضوح: "غلطان برضو، ما أصلي مسمعتش كلام حسن لما قالي هدي السرعة!" "ومين يسمع كلام واحد زيه!!!" قالتها بقهر مخفي وهي تنظر نحو "أدهم"، فعاد "آدم" يرد بتفهم لحديثها بعد الآن: "كل ده مش فوعيه صدقيني، عارفة لو فاق هيتغير أو هيحاول يتغير!" ابتسمت "فريدة" بألم ورددت بكبر تخفي وجعها منه وعليه: "مبقاش يهمني إذا كان هيفوق ولا لأ.. عادي!!" "بتهيألك.. أنا لما كنت في طريق وحش مكنش هاممني الدنيا بحالها، بس لما فقت ورجعت لعقلي رجعت كمان لإخواتي وعلاقتي بيهم بقت أحسن زي زمان بعد ما كنت بايع الدنيا بحالها فـ.." بترت حديثه بإندفاع وهي تصحح له: "اديك قُلتها زي زمان.. لكن أنا وحسن مفيش بينا زمان يرجع أحسن زي ما كان، عشان مكنش فيه الأحسن أصلًا..!" صمت بإنهزام أمامها وأمام حديثها الذي جعلها صادقة في القول، فابتسمت بسخرية تشهده على الوضع لتثبت له صحة قولها: "شوفت؟ إحنا بعاد أوي!" كيف يبدل اليأس عندها بأمل وشغف؟ حديثها كمن ليس له فائدة يأخذها من الحياة، كمن خسر كل شيء، ابتلع ريقه بثبات ثم قال بمعارضة: "بالعكس إحنا قريبين أوي!" "مش بقولك مش واقعي!" هذه المرة سخرت منه، تجاهلها وهو يرفع رأسه ناحية السماء، حلت بدايات المساء والنجوم تظهر كما القمر في الأعلى، زفر بصوت يجيبها بمراوغة: "فعلاً مش واقعي، تحبي أثبتلك كمان؟" همهمت بانتظار، فأشار لها بعبث كي تنظر نحو السماء، رفعت رأسها تتمعن النظر، حتى سمعته يقترح بمراوغة رجل دب بقلبه بدايات الحب: "تيجي نتقاسم السما بنجومها والقمر؟" "إزاي ده!!!" عقدت حاجبيها بغرابة وهي تسأله باستنكار تستخف بعقله وكلماته، فوجدته يتزحزح قليلاً وهمس جوار رأسها بعبث شديد اللين: "انت تاخدي النجوم، وأنا آخدك انت!" هل قصد أنها القمر بنفسه لتوه؟ شعرت بأن وجهها قد تصبغ بحمرة الخجل، ثبتها بقوله، ابتعدت عنه بخجل، لم تريد ظهوره، بل ضحكت وهي تنهض تحرك رأسها بقلة حيلة تؤكد للمرة التي لا تعرف عددها: "فعلاً.. مش واقعي أبدًا!" ضحك بصوت وفتح ذراعيه لـ"أدهم" حتى جاء له يعانقه بسعادة، راقبت الوضع وهربت من نظراته، أما هو فعلم أن لديه القدرة على إيقاعها خاصةً أن قلبه يؤكد لعقله أن هذه الفتاة عينيها تنظر بنظرة الإعجاب له، فلما الهروب والرفض؟ وكأنها تريده ولا تريده بنفس الوقت..!!! بينما في الأعلى.. بعد استرجاع ما تناولته في معدتها قبل وقت جعلتها "سمية" تمدد على فراشها، وأصرت الأخرى على أن لا تقلق أحدهم، فجلست "سمية" بجانبها تمسد على خصلات شعرها برفق متسائلة بقلق: "بقيّتي أحسن دلوقتي؟" اعتدلت "نيروز" تبتسم بلين ثم أجابتها بإطمئنان لتأمن: "أحسن الحمدلله، لسه بتخافي عليا يا سمية حتى بعد ما اتجوزت وبعدت عنك شوية؟" حديث عابر عادي يردفه الجاهل عن عاطفة الأم، ضحكت "سمية" بقلة حيلة حتى أخذت نفسًا عميقًا تجيبها بعقل ووضوح: "غلبانة يا نيروز لو فاكرة إن بمجرد ما البنت تبعد عن أمها شوية ولا تتجوز الحب بيقل والخوف عليها يروح، الضنا يا حبيبتي حبه مبيروحش ولا بيقل دا الحاجة الوحيدة اللي حبها بيزيد كمان، مش هتعرفي كلامي ده غير لما تخلفي إن شاء الله وتبقي أم!!" اعتدلت "نيروز"، بملامحها الباهتة قليلاً، ترفع وجهها وذراعيها ناحية والدتها حتى عانقتها بتأثر تردد بعمق: "أنا بحبك أوي يا ماما، بحمد ربنا كل ثانية عليكي، وبشكره إنه استجاب لدعائي وبارك فعمرك ليا، من غيرك معرفش هعيش إزاي!" ضمتها سمية بحب فطري شديد وتنفست بهدوء ترد على حديثها بمشاكسة أم طبيعية: "يا بت هتعيشي عادي طالما الحكاية بقا فيها غسان!!" شهقت نيروز كعلامة على لومها حتى خرجت ضحكتها تعلن ضجرها: "ولا أي حد فالدنيا يقدر ياخد مكانك!" قبلتها بقمة رأسها وتمعنت سمية النظر ناحيتها وناحية جسدها حتى عينيها. ابتسمت بهدوء وقاطعت نهوض الأخرى وهي تردد: "استني انتي أنا اللي هفتح الباب!" نهضت سمية وقاطعتها نيروز سريعاً تهتف عالياً: "ماما!!" توقفت الأخرى تدير رأسها بهمهمة منخفضة. فأكدت نيروز عليها بحرص: "لو غسان ملوش لزوم تقوليله عشان بيقلق. أنا بقيت تمام!" أصبحت بحالة أحسن وهي كذلك. سعلت من بين الحديث. أومأت سمية بقلة حيلة توافقها حتى تقدمت ناحية الباب. فاعتدلت نيروز تقف ناحية المرآة وعادة. عندما تجد نفسها مرهقة بملامح باهتة تضع كحل العيون كي يخفي ارهاق عينيها. وضعته بحذر وأصبحت كالعادة ملفته جميلة واسعة. تبتسم كل مرة عندما يردد هو لها بأن كحل أعينها ينهكه كليا. عبثي ولم ولن تقابل شخص يفوق عليه بعبثه واختياره لكلمات معسولة مشاكسة لطيفة. "نيروز" آلتفتت على محل هذا الصوت. فكان صوت وسام التي وقفت على أعتاب باب الغرفة ودخلت عندما وجدتها واقفة. ابتسمت لها نيروز بلطف ثم قالت تحثها بلباقة: "تعالي يا وسام أقعدي.. تعالي!!!" "كان نفسي بس بابا عايزك هناك عندنا!" لم تتفاجأ. فهي أصبحت تذهب لهم كثيراً حتى أكثر من شقتها في الأعلى وأكثر من جلوسها عند والدتها. أومأت لها بطاعة. فوجدت سمية تناولها الحجاب بابتسامة هادئة. أخذته هي وعقدته بإحكام ثم استعدت أمام الأنظار كي تخرج. فأوقفتها والدتها وهي تخبرها: "لما تخلصي تعالي تاني عشان عايزاكي فحاجة مهمة!" أومأت لها هي الأخرى وسارت مع وسام حتى أغلقت سمية باب الشقة خلفهم بنفسها. تنفست بعمق. ومدت يديها على الهاتف الأرضي تطلب رقم الصيدلية لطلب دواء ما حتى يأتي لها بواسطة أي عامل منهم لعدم وجود أحدهم يلبي لها ما تريد الآن وللحق رغم بدر يفارق بسبب السفر إلا أنها تعتمد عليه بأشياء كثيرة كي لا تضغط من هو مضغوط حازم. علمت قبل قليل من خلال مكالمة هي ونيروز أن وردة وصغيرها وبدر سيقيمون هذه الليلة معهم. "أعمل فروالة ي طنط ولا مانجا؟!" رددتها منة الواقفة بمطبخ دلال تساعدها منذ ان رحل وعاد الآخرين. لم تتعمد الأخرى ان تفعل شي. بل كل مرة تعارض وهذه المرة عارضت بتوبيخ: "يا حبيبتي انتي عروسة. متعمليش حاجة. وبعدين أقعدي فاتك متوترة عشان امتحان بكرة ده. مش انتي بردو مع جميلة؟!" ابتسمت منة بلطف حتى أومأت تجيب بتصحيح أكثر: "آه نفس القسم!" "جراحة عامة بردو؟" أومأت وهي تضحك على أسلوبها. فلوت دلال شفتيها بتبرم وأسى وهي تتذكر ولدها: "يختي دا وجع وتعب. دا بسام يحبه عيني لا ببنام ولا بياكل كويس. مهو بردو كان نفس القسم ده. وتيجي تكلميه يقولك اصل فرصة كتيرة وأنا حابب ده!!" تعالت ضحكات منة وهي ترتب لها أعداد الاكواب تزامناً مع ردها الهادئ: "هو فعلاً حلو وليه فرص كتيرة. والأهم من ده لو اللي داخله بيحبه يبقي يهون بقا التعب ده!!" "ربنا يوفقكم وينجحكم يحبايب قلبي!" كانوا جالسين بغرفة مجتمعين بإصرار من شادي وحتى حامد الذي قرر إنهاء ما بيديه فعله. دقت نيروز الباب حتى أذن لها حامد بالدخول. وعندما فتحته وجدتهم متراصين بجانب بعضهم بترقب كبير مما وترها قليلاً. من حامد وشادي وبسام. وغسان الذي رفع عينيه ناحيتها بتمعن ولاحظ هو اصفرار وجهها الغير ظاهر إلا له كونه يحفظها عن ظهر قلب. "تعالي يا روز أقعدي!" أشار لها بالجلوس. واستشعرتها جلسة رجال جدية وليست كعائلة. وجهت عينيها ناحية غسان فوجدته يومأ لها. فآقتربت تجلس بجانبه وهي تفرك يديها حتى سعلت مرة أخرى فوضع هو كفه على ظهرها. ناول بسام كوب الماء لغسان كي يعطيه لها وبالفعل أخذه وهو يحثها على ان تشرب بتمهل تحت قول حامد الحاني: "ألف سلامة عليكي يا حبيبتي!" نظرت له بإمتنان. حتى حاولت أخذ أنفاسها ببطء. ترقب الكل وخرج صوت حامد وهو يفسر لها غرابتها بنبرة هادئة: "كلهم مستغربين بردو زيك كده. بس أنا قررت أخلى الزعل على المكشوف ويظهر بدل ما كل واحد شايل من التاني يا بنتي. قوليلى يا نيروز هو حد مزعلك هنا؟" ابتلعت ريقها بتوتر. ونظرت بريبة طفيفة وغير فهم تنفي بخفوت. حتى خرج صوتها الهادئ تبرر له: "لا.. ليه بتقول كدة يا عمو. انتوا عيلتي التانية و..غسان عارف ده!" تعلقت عينيها بعينيه بآخر حديثها. حتى عادت تسأل بخوف داخلي: "هو أنا عملت حاجة تزعلكم؟" "لا يا حبيبتي. إحنا بنفضفض مع بعض. وعشان بردة الصراحة حلوة. فإنتِ اكيد عارفه زيك زينا ان ولادي مقاطعين بعض!" دهش الإثنان من وضوحه الشديد بل وهو الذي يخفي كي لا تصعد المشاكل لأعلى الآن يوضح ويوضح لشخص آخر كان بيوم من الأيام ليس بينهم بينما الآن!! "آه إنتِ مش غريبة ودلوقتي واحدة متجوزة ومتجوزة ابني. أكيد مش هنخبي عليكي ولا هنشيل من بعض طالما احنا عيلة زي ما بتقولي..عشان كده مقعدلك بسام بنفسه معانا وتشوفي مزعلك في ايه بكل وضوح وهو بردو يقول انتي زعلتيه فحاجة ولا لأ!" توترت أكثر وظهر بحدقتيها الخوف المرتبك وكأنها فعلت جريمة للتو. حاول بسام الثبات والصبر وعدم الغيظ من ما وضعه به والده الآن كما كانت حالة غسان. الذي تحلى بالصبر إلى النهاية مع قول شادي المشجع لحامد: "عين العقل ي حج حامد. وعداك العيب!" أخذ بسام أنفاسه بصوت يخرج ما على صدره. وتقابلت عينيه معها وهي تنظر له بإرتباك. حينها رددت بهدوء من بين يدي غسان. الذي ربت بها على ساقها كي تهدأ: "أنا مش زعلانة من حاجة ولا من حد!" "يبقي هو اللي زعلان!" قالها حامد بتخمين. فخرج صوت بسام الذي صدمها للتو: "آه كنت واخد موقف وكنت فاكر اني عديتها بس معدتش. فكرتها هتفهم ده وتعتذر بس محصلش فطنشت..بس عادي بـ..." بتر غسان جملته بحزم. وقال بجدية شديدة: "لا مش عادي وخلاص..قول اللي مزعلك منها وخليك صريح!" ابتلعت ريقها رغم انها لا تخاف منهم ولكن الموقف بنفسه يرهبها. وكأنها فعلت جريمة بحقه دون وعي لدرجة الشك بنفسها. رفعت عينيها تردد بتحشرج لغسان كي لا يأخذ موقف منها: "أنا معملتش حاجة يا غسان.. والله!!" "متخافيش يا نيروز.." أنا عارف بس اصبري نشوف حصل إيه. منعرفوش. سعلت مجددًا، فأخذ "حامد" أنفاسه بهدوء، يشير بكفه له وهو يقول: "قول يا دكتور!" "دكتور" لا يرددها له إلا عندما يكون مشجعًا له بموقف ما، عندما يعلمه بطريقة ما أنه صواب بهذا القرار. رغم تعجب "بسام" إلا أنه علم أن والده سيعلم ما سيقوله للتو، بل ويقف معه به، ولكن بعقل كي لا تتأزم الأمور. شك "غسان" في نظرات "حامد" للآخر، وخلال ثوانٍ، كان حديث "بسام" قد خرج بصدق وهو يطالعها: "أنا عذرتها بعدين عشان أنا كمان كنت جيت عليها في وقت صعب زي هي جت عليا. بس أنا قولت هي واحدة بواحدة وربنا بياخد حقها مني!" تحركت الأعين حول بعضها ولبعضها، وعادت تترقب عندما سرد هو بنبرة هادئة: "يوم مشكلتي مع بابا وغسان، لما اتعصبت وضربنا بعض وقولت كلام مكنش لازم يتقال، فالحج طردني من البيت ساعتها. وقتها هي قالت كلام ليا أنا اتفاجئت منه، حتى لو كان خوف على غسان ودفاع عنه. بس صدمني!" ابتلعت ريقها هذه المرة وتذكرت كل ما أدرفته له من سب وتوبيخ بصراخ. بالفعل يتذكر "حامد". عقد "غسان" ما بين حاجبيه بجهل، فتعالى صوت "حامد" بعقل لها: "لو فاكرة يا نيروز إنتي قولتي إيه ساعتها تبقي غلطانة. أما بقا لو مش فاكرة يبقي كلامك كان ساعة غضب وراح لحاله من غير وعي منك!" ستصارحهم أم ستكذب؟ كيف ستقول إنها تتذكر كل حرف رددته له خوفًا على زوجها ودفاعًا عنه؟ ابتلعت ريقها ووجدت السؤال في عين "غسان"، فرفعت رأسها بجرأة وصراحة تردد مع دخول "منة" وهي تعطي لهم الأكواب ومن ثم خرجت مرة أخرى بهدوء واحترام لخصوصيتهم: "آه.. أنا.. أنا فاكرة!" ابتسم "حامد" على صراحتها، واحترم "شادي" ذلك. في حين سألها "غسان" بنبرة جادة: "وكنتي قولتي له إيه ساعتها؟" الكلمات تتردد في أذنها بصوت عالٍ، وإن رددتها الآن ستكون هي التي على خطأ غير أردفها في الموقف من الأساس! كيف لها بأن تدخل بينهما؟ "هو إنت إيه؟ مش بتحس بأخوك؟ مش شايفه وهو خايف عليك وبيفكر لك تكون مرتاح إزاي؟ كل شوية غاوي تكسره؟ إنت إنسان أناني ومبتحبش غير نفسك وغبي ومش فاهم أي حاجة بتحصل حواليك!" وضعت يديها على رأسها ثم أخفضتها ورفعت رأسها تردد بصراحة لهم: "كـ..كنت قولتلُه إنه مبيحسش بـ "غسان" ومبيخافش عليه، وإنه غاوي يكسره وبس.." توقفت كي تواصل بأكثر صراحة وصدق، وهي ترفع عينيها الخائفة نحو "غسان": "ساعتها شتمته غصب عني من حمقتي وقولتله إنه.. إنه أناني ومبيفهمش وغبي!" تقطعت في آخر حديثها. ورغم صدمته بكلماتها إلا أنه تعمد الصبر والسكون. بل عادت وكأنها تقسم على أن تردد بكل شيء حدث وقتها: "وساعتها بصيتلهم وزعقت وأنا مقهورة عشانك وقولتلهم كفاية اللي بيعملوه فيك ومعتش حد ليه دعوة بيك.. بس ساعتها أنا كـ...ـنـ..." قاطع "غسان" جملتها بصرامة، وهو يسألها بحدة بالغة: "ورفعتي صوتك على أبويا وأمي؟" ابتلعت ريقها برهبة، فعارض "حامد" بسرعة في الرد: "لا محصلش يبني!!" رددها كي لا يتأزم الوضع من ناحية أخرى. يعلم أن صراخها الثاني كان بغير وعي من عزم الانهيار، حتى أنها صفعت الباب خلفها. تنحنحت وهي تكتم الدموع بعينيها حتى قالت باعتراف له: "أنا عارفه إني غلطت فيك. ملقتكش ساعتها لما فوقت وكنت إنت مشيت خالص. بس دا مش سبب إني معترفش بغلطي. أنا آسفة حقك عليا!" وكأنه يريد سماع ذلك فقط منها بطبيعته الهادئة المتعقلة: "وأنا نسيت خلاص. لو عندك حاجة شيلاها مني قولي عشان نقفل الموضوع ده للآخر!" نفت برأسها بخفوت، فأومأ "حامد" لها حتى وجدها تردد بإهتزاز مرة أخرى: "مش زعلانة. وأنا.. مش نفسي يفضلوا كده. أنا كمان عايزاهم يرجعوا زي الأول.. ولو اللي بينهم رجع يكون بسببي فأنا آسفة مقصد..." وقبل أن تكمل كلماتها تحدث "حامد" بحنو ينفي ما قالته: "لا يا بنتي مفيش حاجة بسببك. أنا جبتك بعيد عن زعلهم عشان الدنيا تصفي. غير كده ملكيش يد ولا ذنب. إشربي بقا العصير وقومي ارتاحي!" حثها بحنو مرة أخرى، فهزت رأسها بنعم. في حين نظر هو بتخبط لعدم تصديقه ما حدث من حديث قاله له والده. تعمد السكون لأجل حالتها وهابت هي مقاطعته لها. ولكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيها عندما أخذ "غسان" الكوب من بين الحديث الآخر كي تشرب هي. نفت برأسها بسبب ألم زكامها. فوجدت الإصرار منه حتى رفعته ناحية فمها تتجرع منه بصمت، حتى تنتهي وتخرج. وعلى الرغم من أن "حامد" لن يغفل عن عدم نهوضها إلا أنه حرك رأسه لـ "شادي" يوافق ما سيقوله بيأس فقده معهما. "دلوقتي بقا لازم يبقي في نهاية للي إنتوا فيه ده!" اعتدل "غسان" محركًا عينيه بتجاهل. حتى قال بلا مبالاة تعمد ظهورها: "إحنا مين؟" زفر "حامد" بيأس منه، وحاول النهوض بحزن داخلي ولكن قاطعه نهوضه "شادي" وهو يشير له بأن يصبر. نهضت "نيروز" بتوتر، ولم تكمل الكوب بل تركته حتى استأذنت بعينيها منهم وخرجت من الباب وقد أغلقته خلفها تزامنا مع رد "شادي" المغتاظ: "بلاش يا غسان الطريقة دي. وعبر كلامنا وإتصافى مع أخوك جد من جد. ريح أبوك بقا معتش حد فيهم حمل كده ولا حتى الأيام مستاهله الزعل ده!" تنفس بصوت مسموع. واعتدل "بسام" يرمي بحديث مغتاظ هو الآخر: "عادته ولا هيشتريها. هو علطول مستفز مفيش جديد يا شادي. مع إنّي حاولت أعتذرله بس كل مرة هو اللي بيعكها!" ترقبت عيني "حامد". والتفت "غسان" برأسه ناحية "بسام" مبتسمًا بسخرية امتزجت بحديثه الذي خرج وقتها: "حلوة منك بس مني أشيك!" رمى له بحديث مستفز ولن تنتهي الجلسة بعد بشيء جيد! حرك "حامد" رأسه بقلة حيلة منه. فعاد "شادي" يتحدث بوضوح: "عدي يا غسان. عديها لأخوك. ملكوش غير بعض يا صاحبي. متخلوش الأيام والزعل يعمل فجوة بينكم. خافوا من الأيام عشان لما بتغيب مبترجعش الناس زي الأول تاني بنفس الود حتي الأخوات. حسوا باللي بيحصل في الدنيا.. معتش أمان واللي بيروح فيها الأيام دي معتش بيرجع!" قال حديثه بتأثر. فتراخت ملامح "بسام" الذي شعر بالخيبة التي بداخله وقال بتفسير غير عابئ بشيء: "أنا قولت إني عارف إني كنت صعب. بس مقولتش إني بعده وحش. حتى بعد ما قولتلُه يبعد وملوش دعوة بيا. كل مرة كنت عارف إنه بيرجع بعد أي خناقة ويشغل باله بيا وخوفنا على بعض بيرجع تاني. بس المرادي كل حاجة اتغيرت وعرفت إني كسرته. بس قولت عشان هو "غسان" فهيعدهالي ونرجع زي الأول!" توقف وقبل أن يكمل واجهه "غسان" بالحقيقة الساخرة الموجعة: "إنت ضمنتني يا بسام. ضمنت أعديلك عادي زي كل مرة وكإني مش بني آدم بحس وعندي دم. مجربتش تقول لابوك إنت قولتلي إيه كده؟ ما شادي عارف! ورغم إنه عارف جاي بردو يجي عليا أنا!" حاول "شادي" التبرير. فرد "بسام" يصارحه بنفس الوجع: "عرف.. ولما رجعت كنت همشي تاني ساعتها.. بس قعدت وعرفته اللي حصل. واللي متعرفوش إني اديته وعد أواجهك بس كل مرة بتعمل فيها مش فارق وبتصدني!" "وعد؟ يعني جاي تواجهني من نفسك فبتقل من نفسك!!" صبر رغم جرأة الحديث. سمعه يردد له بكلمات تثير انفعاله. فهتف "حامد" بتفهم صريح: "حقك تزعل.. اللي مكنش من حقك ساعتها تعمله إنك تكلم "عز"!!" نهض "غسان" يردد بإنفعال: "كمان هتغلطني؟ إنت متعرفش ابنك واللي كان هيعمله ساعتها؟ كنت عايزه يروح يعصيك ويتقدم من ورانا؟ ومش بس كده دا كان هيترفض كمان! انتوا محدش فاهم حاجة!" نهض "شادي" يمسكه كي يجلس مجددا، وظل "حامد" كأن شئ لم يكن وقال بعد كل ذلك بنبرته الهادئة: "لو كان اترفض كان هيرجع مكسور وعارف انه غلط لما كان هيمشي ويعارض. وهو عمل كده وكلم "عز" ورفضه بردو. ساعتها عرف ان الرفض التاني أهون من اللي كان هيحصل في الأول. انت شيلت عنه صحيح بس أنا كنت عايزك تسيبه يتعلم ويرجع ندمان حتى لو اتكسر!" رفع "غسان" عينيه يواجه عيني "حامد" وهو يردد بإنهزام: "وأنا معرفتش أسيبه فالأخر. خوفت عليه يتكسر ويتوجع تاني وحاولت أشيله من كل ده. رفض هو فالأخر وكأني بأذيه ورجع بردو موجوع وشيلني شيلته وقالي إن أنا السبب. مع كلام تاني خايب مش عايز افتكره!" ظهر الوجع في نبرته أخيرًا. وشعر "بسام"، بما فعله به من كسره بكلمات قاسية كمثل السهام، في حين كان الآخر يبحث عن راحته حتى بعدما قام بضربه ورحل... "أنا قولتلكم قبل كده.. إن محدش فيكم بيفكر زي ما بفكر ولا بيشيل الهم زيي. وفالآخر ببقى بردو غسان اللي غلطان وغسان اللي مكنش ينفع يعمل كده. غسان اللي بترموله اللوم!" وواصل يكمل بحزم وهو يوزع نظراته بينهم: "عشان كده أنا ماغلطتش لما حاولت أسمع كلامه وأبعد وكل واحد يخليه فحاله. بس بردو محدش سابني فحالي. ولا هو حب حاله وهو كده. ولا عارف هو نفسه عاوز إيه!!" نهض "بسام" يقف أمامه وهو جالس بصمت. صوت أنفاسه فقط التي تعلو بإنهزام. ابتلع ريقه وانحنى أمامه يعترف له رغم وجود والده: "إنت أبويا يا غسان. مينفعش تبعد ولا تسيبني فحالي. إنت مخربتش والله إنت بس حكمت على الحاجة من عندك إنت وسيبتني. مزعلتش على زعلي وقهرتي. معترفتش بحبي. قارنت كل حاجة بموضوعي الأولاني ومفرقتش أنا كنت فإيه الأول ودلوقتي بقيت إيه!" لا يريد الضعف. لا يريد الاستسلام له في كل مرة ليضمنه الآخر في النهاية ومن ثم يعود ضحية له ولكلماته. لم يرفع رأسه بل همهم بدعاء يختصر: "الله يصلح حالك يا بسام. إنت كبير كفاية تاخد بالك من نفسك وتعرف إنت عايز إيه ومش عايز إيه. سيبني فحالي وفحياتي خلينا كده أحسن!" لمعت عيني "بسام" من حديثه ورد بإنهزام: "أنا عايز أخويا.." وأكمل بنبرة جاهد بها أن يثبت رغم عدم رفع "غسان" رأسه له: "عايز أخويا معايا غسان. عايز نرجع زي الأول. إحنا عمرنا ما كنا كده ولا وصلنا للي إحنا فيه ده. عايز "غسان" عشان أحكيله على كل حاجة بتحصلي وحاسس بيها وعايز أعملها زي الأول. عايز صاحبي وصاحب أيامي الوحيد عشان أيامي مش ماشية زي ما كانت!" تأثر "حامد" من مشهدهما معًا، وعلم أن لين قلبهما مهما فعلا هما يغلب عليهما. بينما من بين عناد الاثنين يوجد بينهما شخص لا يتهاون في كسرته. شخص يخفي مشاعره ولا يظهرها أبدًا. مما جعلهم يأخذون الانطباع في تحميله كل شيء أو ليجعلانه يتخطى دون النظر لحاله السري غير المعلوم! والآخر بمشاعره المكتومة يرحل بعيدًا عنهم ثم يعود. أما هو؟ فلم ولن يتركهم أبدًا مهما كان به. والفترة الذي رحل بها عند صديقه أعلمهم على الفور أنه بمنزل "شادي" حينها من نبرة والدته في الهاتف. ضعيف القلب. يتظاهر بأنه قوي. أما في الداخل فكان العكس تمامًا. تنفس "غسان" بثقل. ورفع رأسه يجيبه بنبرة هادئة خالية ومجهولة من مشاعره: "أخوك موجود يا بسام. ممشيتش ومش همشي ولا عمري في يوم رفضتك ولا رفضت كلام عايز تقولهولي. أنا موجود فأي وقت!" نهض على الفور يهرب منه عندما وجد أنه على حافة الاستسلام. تجاهل مناداة "شادي" له وأغلق الباب خلفه. في حين ابتسم "حامد" بتفهم وقال: "كده يبقى عدى وسامح. وبهرب قبل ما يضعف. سيبه يومين وهتلاقي كلامه معاك رجع عادي من غير حاجة!" يعلم هو الآخر طبيعة شقيقه. زفر بصوت. وتنفس "حامد" بالنصف في الاطمئنان. أولا. كان يرى الجحود. بينما الآن يرى بوادر الضعف من الاثنان نحو بعضهما! احتضن "شادي" "بسام" بحب أخوي وشدد بعناقه بمشاكسة. حتى ضحك "بسام" فهمس الآخر جوار أذنه بـ: "لا بس فرح عامله عمايلها بردو!" ضربه "بسام" بتحذير. ولاحظ خروج "حامد" إلى الخارج وهو يطمئن "دلال" في حين ظل "غسان" بغرفته حتى دخل المرحاض وقرر الوقوف بشرفته قليلا قبل الرحيل. "أحب الحديث معك رغم أني لا أملك ما أقول" - محمود درويش جلست على المقعد وأمامها الكتب. منذ أن عادت وهي تجلس تذاكر مادة غدًا. تركه كي تنتهي على راحتها بتركيز. ولولا تشجيعه لما كانت تذاكر من الأساس. تنفست "جميلة" بعمق عندما ضاق بها كل شيء. توترها يشعرها بأنها قد تناست ما ذاكرته. أم أن نفسيتها كذلك. لمعت عينيها بالدموع وقبل أن تنهض وجدت أنه يفتح الباب حاملاً كوب وطبق به شطائر لها. ابتسمت على حنوه ومسحت عينيها على الفور وهي تنهض كي تأخذ منه ما بيديه مرددة بلوم: "أنا كنت هقوم أعملنا سوا!" ابتسم "عز" وهو يضع ما بيديه على مكتبها حتى رفع رأسه يحرك رأسه مرددًا بنبرة هادئة: "وأديني عملت أنا. ركزي إنتِ فاللي إنتِ فيه. وصلتي لحد فين؟" أخرجت أنفاسها وقالت تعلن قلة حيلتها: "راجعت بس حاسة إني ناسيه. بس هو توتر ونفسية مش أكتر!" تمعن النظر بوجهها باهتمام. بينما كانت تطالعه بابتسامة هادئة كملامحها حتى سحبت كفه كي يجلس أمامها على المقعد وناولته شطيرة كما أخذت هي. بدأ في تناولها وقالت بتردد: "عز هو إنت متدايق بسبب حوار المذاكرة ده!" ابتلع ما بفمه بهدوء. ونفى برأسه قائلاً بصراحة شديدة: "لا مش متدايق. أنا واخدك كدة يا جميلة وبلاش القلق الزيادة اللي إنتي فيه ده. أنا فاهم ومقدر!" تعمدت الصمت وهي تنظر له بتمعن. حتى ابتلعت ريقها ونهضت بخفة تجلب شيئًا من على بعد. حينها وقفت تقابل المرآة فنظرت نحو وجهها الذي فاق من شحوبه شيئًا فشئ. أخذت نفسًا عميقًا وكادت أن تلتفت لتعود له ما بيديها ولكنها لاحظت نظراته لها وعليها في المرآة وهي تقف توليه ظهرها. استدارت بابتسامة حرجة وتوجهت تمسك كفه بغيظ هادئ تعلمه: "لقيت الدبلة مقلوعة في الحمام وناسيها!" توسعت بسمته وصدم رأسه بتذكر بكف يديه وقال بتبرير: "كنت بتوضا فقولت أقلعها عشان زنقت عليا ونسيت ألبسها تاني!" عنفنه بنظراتها واقتربت تقف كي تنحني لتمسك كفه حتى تلبسه إياها برفق وهي تهتف بتنعنيف: "بلاش تنساها تاني. وكويس أوي إنك منزلش الورشة من غيرها!" كانت تظن أنها ستعتدل لتستقيم كي تقف وتعود لمقعدها. بينما حاوط هو بذراعه ظهرها من الخلف وهبطت خصلاتها أمام عينيها. فابتلع ريقه وهمس أمام وجهها بعمق وهو يزيح خصلاتها عنها: "مقدرش. أصلي بحب صاحبتها أوي!" توترت من حديثه وحتى همسه. فوجدته يقترب مقبلاً إحدى وجنتيها بهدوء. وهو ينهض فاعتدلت هي تقف حتى أنها مازالت محاصرة من ذراعه. مرر يديه على ظهرها يشجعها بحب. مقرراً. "يلا كملي مذاكرة، ربنا معاكي!" تعمد تركها، فهتفت هي تقطع سيره حتى التفت ينظر عندما نادت عليه تقترب: "عز!!" التفت بكامل جسده، واقتربت هي حتى وجد بعينيها نظرة الأسف لعدم أخذ حقوقه إلى الآن. ورغم مرور أسبوعين وعدة أيام تكفي، بينما تركها هو وقرر بأنه لم يقربها إلا عندما تصبح بنفسية أفضل. في البداية كان يرى خوفها وتوترها، ورغم أنه لاحظ قبولها عندما اقترب يقبل وجنتيها قبل لحظات، إلا أنه تجاهل ذلك تعمداً، كي يقدر حالتها أكثر وأن تنتهي من كل ذلك أولاً، كي لا يصبح ثقلاً ومسؤولية عليها من بين كل هذا، حتى في الاختبارات من بين حزنها. تلعثمت في الحديث، وأثارت شفقتها عليه بتحمله لعقبات كثيرة معها. علم على الفور ما تود قوله، ولكنه أمسك رأسها بين كفيه وقال بحديث واضح مكشوف هذه المرة: "ولا يهمك يا جميلة، أنا قررت إني مش هقرب غير لما تفوقي وتبقي في أحسن حالة، أنا فاهم كويس اللي بتمري بيه ومش متقل من ده ولا متدايق، أنا أهم حاجة عندي راحتك!!" طالعته بخجل، تحاول الثبات، فاقترب يقبلها بين عينيها برفق، وأشار بعينيه على الكتب، فتحركت رأسها بطاعة، وعاد هو يخرج من الغرفة بأكملها يشجع حاله على الصبر والثبات فقط لأجلها وأجل حالها. *** رحل شادي قبل قليل هو ومنة، ووقف غسان يودعهما للمرة الأخيرة قبل أن يركبا المصعد. أشار لهما بالوداع أخيراً، واعتدل يأخذ أنفاسه وهو يتقدم ناحية شقة سمية كي يدقها من أجل نيروز. وخلال ثوانٍ، فتح له الباب بواسطة سمية التي ابتسمت له بلين وهي تقول: "ادخل يا حبيبي، كوباية الشاي شكلها عايزاك هناك أهيه!" تعمدت قولها كي يدخل ولا يتسبب في إحراجها. دخل وهو يبتسم لها متسائلاً: "أومال نيروز فين؟" "هندهالك حاضر، بس اقعد اشرب الشاي، تحب أعملك حاجة تاكلها؟" نفى بلباقة، وهو يجلس حتى حمل الكوب واليد الأخرى حمل الهاتف يتصفح به إلى حين خروجها. بينما وقفت نيروز، ترتدي الحجاب مرة أخرى، فدخلت عليها سمية تخبرها بقدومه قائلة: "طلع غسان!" "حاضر هخرج أهو عشان نطلع!" توقفت تحكم حجابها أكثر، فوجدت والدتها تمعن النظر بها بقوة، فتذكرت نيروز على الفور قولها لها، فقالت تذكرها بفضول: "صحيح كنتي بتقولي إنك عايزاني في حاجة ومقولتيش!" سعلت مرة أخرى فور هذه الكلمات، فأخرجت سمية الكيس من بين يديها وأعطته لها وهي تحثها بتفسير: "بعت أجيب لك دوا الترجيع من الصيدلية ودول!" أمسكت الكيس حتى نظرت به وفتحت عينيها على وسعها بذهول، حتى سألتها بغير وعي: "إيه دول يا ماما!" وضعت سمية يدها على كتف نيروز بحنو، حتى قالت بتفسير تخبرها بصحة ما رأته: "ده اختبار حمل، عايزاكي تطلعي تعمليه وبكرة طمنيني!" حركت رأسها بغير استيعاب، ومن ثم ظهرت ابتسامة ساخرة مع ضحكتها بقولها: "حمل إيه يا ماما انت بتهزري؟ مش عشان رجعت أبقى حامل يعني، ما انت عارفة إني عندي برد وتعبانة..!" قاطعتها بجدية، تردد بحدس أمومي معروف: "لا مش عشان رجعتي، أنا عندي شك، انتي شكلك متغيره كده، راجعي نفسك كده، مش يمكن؟" توقفت تتذكر آخر مرة قد جاءت لها ضيفتها. كادت أن ترفض بتردد. بينما قاطعتها الأخرى بتفسير جريء عن زيادة أماكن معينة في جسدها كعلامة للحمل! احمرت وجنتيها، وانتهى قول سمية بـ: "واسمعي كلام أمك واعمليه مش هتخسري حاجة، وارجعي اتأكدي تاني بالاختبار التاني.. وبكرة ابقي قوليلي إن شاء الله، متقوليش لحد ولا حتى تعرفي جوزك.. بس شوفي كده من باب الإحساس والتأكيد بردو!" تجهل عن أشياء كثيرة، وقفت تستمتع بمفاجأة، ورغم أنها تتشكك بأن ما تقوله ليس صحيحاً، ولكنها وافقت بقلة حيلة من ضغطها: "حاضر يا ماما مع إني مش مقتنعة بكلامك ده على فكرة!" "يا بنتي هو انتي هتخسري حاجة، يلا اطلعي شوفي جوزك قاعد بره مستنيكي!!" أومأت وهي تضع الكيس بكفها تخفيه كما نصحتها والدتها، وخرجت تبتسم له، فنظر هو لها بصمت، حتى نهض بعجالة، ينظر نحو ملامحها الباهتة مردداً بتساؤل: "خدتي علاجك؟" "أه!" أكدت بابتسامة هادئة، فأومأ هو وهو يحاوط كتفيها كالعادة، هاتفاً ناحية الأخرى: "إحنا طالعين يا حماتي، عاوزة حاجة؟" "لا يا حبيبي كتر خيرك، خد بالك منها!" أشار ناحية عينيه بمرح طفيف، حتى حركت رأسها، فوجدت والدتها تشجعها بنظراتها على فعل ما بين كفها. وخلال دقائق صعد المصعد بهما، وأغلقت الأخرى الباب خلفهم. *** "مش ناوي تمشي بقا؟ ولا هتفضل قاعد كده كتير؟" رددتها فريدة بتبجح، فحرك آدم كتفيه ببساطة مجيباً على حديثها ببرود: "أنا أقعد في الحتة اللي تعجبني، براحتي." ابتسمت برفق على حديثه، ونظرت أمامها بشرود، كما كانت، وسألته أغرب سؤال وأكثر سؤال كان لا يتوقعه منها: "قولي لي كدة الحب بالنسبالك إيه؟" حرك رأسه باندفاع نحوها، فوجد ملامحها ثابتة تنتظر منه الجواب. من يربك من الآن؟ من يتعمد أن يوتر من؟ غير هينة هي بالمرة. ابتسم محاولاً الثبات وأجاب بوضوح صادق يسرد: "مجربتش الصراحة إني أحب. ممكن كنت عايش على إعجاب واحدة تلفتني بشكلها، تانية بجسمها، غيرها بروحها، وعرفت إن مفيش حد كامل. بس وصلت لحاجة فالآخر كده عرفتني إني لما أحب هشوف اللي بحبه كامل وحلو في كل حاجة. ساعات كنت بتجنن وروحت أعمل حاجة طايشة كده وارتبطت بس مفهمتنيش واختارت واحدة مش شبهي، غير إني عرفت بعد كده إن الارتباط ده حرام وأي كلام وذنوب على الفاضي. بس قررت أكتر على حد شبهي وملقتش. الحب هو إنك تشوفي اللي قدامك كأنك بتبصي لمرايا، تبقي على طبيعتك معاه وكأنك قاعدة مع نفسك، ويعني الأمان. بس بالنسبالي مبقتش أفرق امتى أكون مطمن وإمتى لا، غير مؤخراً، يعني بدأت أحس إني معجب غير كل الإعجاب اللي شوفته في حياتي. تفتكري ده حب؟" سألها بمراوغة، وأعجبت بكلماته، راوغت مثله تماماً، ونفت قائلة تصده: "وحتي لو، ما قولتك مينفعش!!" زفر بصوت عالٍ، وتعمد تجاهل ما قالته وسألها عن رأيها هي الأخرى: "طب وانت؟ الحب بالنسبالك إيه؟" حركت كتفيها بجهل، وهي تنهض ببطء، تزامناً مع ردها الهادئ: "مبقتش عارفة!" نهض هو الآخر واقترب أدهم منهم، فرد عليها بتساؤل جاد وكأنه ينتظر الجواب: "طب وهتعرفي امتى؟" "لما أحب بجد... مش حب احتياج!" ربما كانت تقصد حبها لشريف، الذي يمنع هو الحديث عن موضوعه بمنتهى الصبر كي لا يجرحها. ابتلع ريقه وشعر بقهر لحاله عندما فهم حديثها. أغلقت الإضاءة، وكان هو يساعدها، وعندما انتهت خرج. هو أولاً يركب الدراجة البخارية حاملاً الصغير أمامه. أغلقت المحل بحذر وهبطت السلم. ابتسمت لهم بلطف. فقال هو قبل أن تودعهم: "على فكرة أنا مكنتش عارف أروح فين، بس قلبي جابني هنا!" رددت بجرأة، رغم أنها لا تغازله، بل كررت قوله وهي تنظر نحو عينيه: "اللي عينهم حلوة مبيعرفوش يكذبوا." اندهش من قولها. فنظرت مجدداً نحو الصغير ثم رفعت عينيها تنظر نحو أهدابه الكثيفة. كانت عينيه كمثل عيني "غسان" برسمتها الموضوعة بتناسق مع ملامحهم الرجولية بوسامة بسيطة جداً. الملفت كانت الأعين ليست إلا. واصلت تكمل بوضوح، وهي تصحح له: "أدهم اللي قالك، هو قالي كده وعينيه حلوة فمعرفش يكذب!" قلبت الجملة وحولتها لشخص آخر ببراعة. تتلاعب به. ضحك بصوت متوسط في الارتفاع وقال يجاريها: "مقبولة منك، ما اللي عينيهم حلوة ربنا عاطيلهم قبول برضو!!" انحنت تقبل وجنتي الصغير بحب، حتى اعتدلت تشير لهما بيديها وهي تسير ناحية مدخل العمارة: "سلام!" أشار لها "أدهم" بيديه الصغيرتين بوداع. حتى ابتسم "أدم" بسمة هادئة لينة مريحة لا تحدث إلا قليلاً عندما تخرج منه بمثل هذه الأريحية الصادقة. انطلقت الدراجة بسرعة وحماس منه. جلوسه معها كل هذا الوقت غير بحالة الكثير كما غير من نفسية الصغير الذي كان خائفاً باكياً قبل خروجه من المنزل والذهاب إلى هنا. ربما كتب على قلب صغير وقلب أكبر معرفة طريق الراحة عند الإنهاك. بينما قلبها هي مشتت بين شعورها بالراحة واللامبالاة. أحياناً أخرى تكون اللامبالاة لديها زائفة. *** أما في الأعلى، خاصة شقة "غسان"، جلس هو على الفراش بعدما بدل ملابسه. أمسك هاتفه يطمئن على سير صديقه في الطريق كي يهاتفه. في حين انتظرها في أن تخرج. بدلت "نيروز" ملابسها وخرجت أخيراً. تحاول التماسك وتجاهل شعور رغبتها في استرجاع ما تناولته من عصير بمعدتها. خرجت من المرحاض كي تفعل ما نصحتها به والدتها في المرحاض الآخر بعيداً عنه. وعندما وجدته جالساً يغلق المكالمة، أشار لها بالاقتراب. فحاصرها وجلست على حافة الفراش. مسح على وجهه برفق وهو يسألها بقلق، ملاحظاً تغيرها الشديد فكل مرة يزداد وجهها شحوباً: "شكلك متغير كده ليه؟ لازم تيجي نكشف بكرة!" ابتسمت بحنو، تطمئنه بابتسامة هادئة راضية: "أنا كويسة متقلقش، بتحصل عادي!" صمت ينظر باهتمام. وغمز لها بمشاكسة، حتى مرر عينيه عليها بالكامل قاصداً العبث بكلماته وهو يردف بمرح طفيف يخفف عنها تعبها: "آه ما إنتي كويسة وحلوة كده كده على طول.. حتى زدتي وبقيتي بطل!!" زيادة أخرى؟ ابتلعت ريقها سريعاً. وعادت كلمات والدتها تتردد في أذنها. ابتسمت بإهتزاز ودارت وجهها بخجل، تهتف برقة وبسمة هادئة: "اللي انت شايفه مادام حلوة في نظرك!" ضحك "غسان" بصوت عالٍ وقال بعبث مجدداً ممسكاً بكفها: "ومحدش غيرك عارف يبقى حلو في نظري، إلا انت!!" قاومت شعورها ورددت بتقطع متعب: "ثبتني يا بن الـ..." توقفت عن الحديث عندما شعرت بالقئ يداهمها من جديد. هرولت بعدما نهضت باندفاع تتقيأ ناحية الحوض في المرحاض. حينها انتفض بخوف يهرول خلفها ووقف واضعاً يديها على ظهرها وهي تنحني. حاولت دفعه وهي تستمر فيما تفعله رغماً عنها. بينما وضع هو كلتا كفيه يضغط بهما على رأسها كطريقة لجلب ما يؤلم معدتها. استمرت حتى انتهت وخارت قواها من هذا. شعرت أن قدميها لا تحملها فقررت الجلوس على أرض المرحاض ولكنه سندها سريعاً مردداً يهدئها رغم خوفه: "خلاص.. خلاص.. مفيش حاجة. استحملي على ما أغسل وشك!" غسل وجهها بالماء وهو يسندها بذراعه. حتى انتهى فسندها معه ناحية الخارج إلى أن وضعها على الفراش بقلق. جذب الغطاء وانحنى يضع يديه على معدتها مردداً بلهفة شديدة: "خليكي كده على ما أنادي بسام يشوفك بسرعة!" أمسكت ذراعه تقطع سيره ناحية الهاتف وقالت وهي تستند على نفسها كي تجلس ببطء ومنعته بتعب قائلة: "لا، أنا حصل معايا كده تحت وماما جابتلي علاج الترجيع وأخدته لسه هيعمل مفعوله!" وقف ينظر لها بتوبيخ وقال مشيراً لها وهو يقترب: "وليه مقولتيش!!!!" وضعت يديها على معدتها تستلقي بتعب. ولم تجبه بسبب إنهاكها. فالتفت يجلس بخوف رابتاً عليها كي تنعم الراحة. فردت هي عندما شعرت بقدرتها على الحديث: "غطيني بس كويس يا غسان معلش واطفي النور عشان أرتاح!!" سعلت مجدداً. وعندما شعر بتعبها فعل ما قالته له. ولولا أنها أخذت الدواء الآخر لما وافقها. شعر بسكون جسدها فاطمئن قليلاً. حتى حاوطها بيديه مقرباً منها له مردداً بنبرة هادئة هامسة يسألها: "طب بقيتي أحسن؟" "آه." قالتها بهمس هي الأخرى تحاول النوم. في حين رد هو يحثها بجدية: "لو حسيتي بتعب تاني، هقوم نلبس ونكشف دلوقتي!" "لا متقلقش، بقيت أحسن والله. والصبح إن شاء الله هبقى تمام!" عانقها بخوف أخفاه. فحاوطت ظهره بذراعها كما فعل هو. وقبل هو كتفها بلين وهو يربت عليها حتى شعر بصمت الوضع وسكن. وبدأت عيناه في الإغفال وهي بين يديه كما تود الإغفال هي ولكنها تقاوم إلى حين أن يذهب هو لعالم آخر بأحلامه كي تنهض وتفعل ما حثته عليها والدتها. وبعد القئ الأخير ووجع جسدها ومعدتها ودوار رأسها مع الزكام زادت الشكوك برأسها وأفكارها تذهب هنا وهناك وتأتي بفكرة واحدة: هل حقاً أحمل برحمي جنيناً منه؟ أم مجرد علامات لحمل كاذب وعلامات أخرى لدور زكام شديد بمثل هذه القوة. قاوم النعاس وخرج صوته المبحوح يسألها بقلق: "كويسة؟" ابتسمت بحنو وتأثر على خوفه وأسندت رأسها على صدره عندما اعتدل وأجابت بإطمئنان كي لا يقلق: "آه." وواصلت بتردد تسأله عن ما حدث بين عائلته: "هو انت زعلان مني؟" علم مخزي حديثها وقرر من قبل مواجهتها بوقت لاحق. بينما صمت للحظات وهمهم ثم قال ينبهها: "لأ.. بس خليكي عارفة إن أمي وأبويا خط أحمر!" لا تعلم لماذا استشعرت الحدة في نبرته. ورغم أنه يريد النوم وشعر بالنعاس ولكنه يقاوم لوقت كي يتأكد من استقرار حالتها. ابتسم وقال بنفس الصوت الهادئ يسألها بعبث كي يبعد توترها وخوفها بسبب تعبها حتى لا تضغط: "عارفة الست قالت إيه؟" ابتلعت "نيروز" ريقها وأسندت كفها على معدته وأجابت بتساؤل شغوف بسماع الآتي منه: "إيه؟" شدد من احتضانها أكثر وقال جوار أذنها قبل أن تنتظم أنفاسه عقب وقت من آخر قول قاله. وكان قوله شطر من أحد أغاني كوكب أرضه ورداً على سؤالها.. أجابها بنفس ذات الوقت بعدما ضمها أكثر نحوه متنفساً بعمق شديد مستنشقاً رائحتها بين ذراعيه التي تحتويها بتملك ورفق: "قربك نعيم الروح." عقل مشوش كعقلها يستنزف الكثير من طاقتها في الأيام الماضية. لن تردد لأحدهم بأنه عرض عليها هذا العرض قبل أيام. كلما تصل لنقطة فارقة بقوله. أي أنها فعلياً تفكر كيف ستكون الفرصة. العجيب من شخصية كشخصيتها أنها لا تشفق على نفسها أولاً، بل عليه هو. ليس مجبر تماماً أن يرتبط ويخوض تجربة مع أنثى حدث لها ما حدث. وماذا بي؟ تسأل نفسها بكبرياء أنثى. صوتين عكس بعضهما، وإلى الآن لا تعلم من هو المنتصر الذي يعلو بداخل عقلها، ومن هو الذي على صواب؟ بوقت كهذا كانت تجلس "بمحل الورد" بمفردها، ترتشف من كوب القهوة التي أعدته بنفسها. ومن خلال الأيام التي مرت، زاد حماسها بزيادة الزوار للمحل بالفعل. كان في البداية غير معروف لأنه فُتح وأُغلق قليلاً. وعلى الرغم من أنها تواظب على فتحه بنفسها، إلا أنها تستنكر انشغال وقت "نيروز". في الأيام الماضية، رغم أنها شُفيت قليلاً وليس بالكامل من دور الزكام، راعتها وقدرت أن امرأة متزوجة مثلها لديها واجبات يلزم فعلها في شقتها، وليس كل الوقت وقت العمل في الخارج دون الاهتمام بما يتوجب عليها فعله. ورغم أن "فريدة" تُعد فتاة ذكية، إلا أنها لم تتوقع في كل مرة مجيئه بدراجته وسرده عليها لمختصر يومه بآخره، حيث عمله. جاء مرتين، ومرة أخرى، وكانت أول مرة مع الصغير. تحاول تجاهله كثيراً، لكنه لا يترك لها مجالاً بأن تتجاهله. يجبرها بأفعاله وكلماته بأن تنتظر وتجيب على حديثه العميق، وبالأخير الخيالي التي تسخر منه دوماً بقولها: "أنت مش واقعي على فكرة." عهد هذه الجملة منها، وأصبح ينتهز الفرص كي يرددها هي. أما هي فكانت أخذت العهد على أن تحسن المعاملة كي يرحل عنها، وكأنها تتأكد من أن أسلوبها المتحدي لشخصية مثله كان يجذبه لها أكثر. أما الآن، فتتعمد الصمت والتجاهل والرد على حجم الحديث بحجم أقل مختصر، رغم محاولته لخلق الحديث، ولكنها تتجاهل. ولجانب آخر ليس هين، أخبرها شعور كبرياء أنثى أن الذي يفعله معها لاقى استحسانها، حتى وإن تعمدت هدم الأمل والشغف به بقولها المقتضب في الرد. جانب داخله يعلن له بأن بها علامات حمراء تمنع عنها الاقتراب، بينما هو كان يتيقن بأنها من الداخل ليست كذلك. ويعلم بأنها ترفض لأسباب أصبحت مكشوفة، وأول الأسباب سببها هي. سببها الكبير الموجع. أخفى داخله حرقته منذ أن علم ورحل لشيخ المسجد عندما كان متخبطاً في التمسك. لم يعطه الآخر الحل، بل أعطاه منظوراً آخر. عمق الإيمان في قلبه أكثر. لطالما كانت هي الضحية. وإن استطاع هو أن يتخطى ما حدث كي يريدها كما هي، محاولاً تناسي ما حدث، فقد وصل إلى المكانة الجيدة من النضج. رجال آخرون لا تقتنع ولا تحبذ ولا ترضى على نفسها ذلك. أما هو، فتفكيره يتغير شيئاً فشئ، رغم أنه في البداية كان عكس ذلك تماماً، تماماً. "اللي بيسرح ده يا بيحب يا إما بيحب!" انتفضت على هذا القول بخفوت، ودارت المقعد المتحرك كما دارت وجهها، تنظر حتى وجدتـه واقفاً أمامها بهيئته. ربما يوجد أمر غريب هذه المرة. نعم، الملابس الذي يرتديها، ملابس العمل متسخة بشحم طفيف وزيوت سيارات معروفة. رفعت عينيها تنظر ناحية وجهه ولم ترحب به، بل حركت رأسها بغير اهتمام وهي تجلس مجدداً، حتى ردت على جملته بـ: "مش لازم على فكرة!" ورفعت "فريدة" عينيها مجدداً، تكمل قولها بتعمد: "أنت بس اللي عاوز تشوف كده!" حرك رأسه بإقتناع، وإستند بذراعه ينظر حوله. فقاطعته هي بتبجح في القول: "إنت إيه اللي جايبك دلوقتي وبلبس الشغل!" "في أسلوب أحسن؟ في نورت المكان يا 'آدم'. في إتفضل أقعد أعملك حاجة تشربها يا آدم؟ في حاجات حلوة كتير لآدم!!" كان قوله بحنق. فابتسمت هي بتهكم وقالت بسخرية تقلل منه: "ليه يعني شخصية آدم ده؟" لقبها بالمستفزة التي تثير حمقته. كل مرة يتعمد الصبر لشكه بأنها تختبره. إبتلع ريقه بثبات، كما هز رأسه بنعم وقال بثقة: "آه شخصية وانت عارفة!" وضعت الكوب بغير اكتراث، تسأله بإهمال لعدم الاهتمام بقوله: "عارفه إيه بقا؟" "عارفه إني شخصية ومعجبة كمان!" قول بثقة جديدة مرة أخرى منه، حتى أنه مد يديه يتلمس الباقات مع ردها الضاحك بإستهزاء: "غلبان أوي!" أخرج أنفاسه بصوت، وتعمد تغيير الحوار مجيباً على حديثها محاولاً الاهتمام بالتفاصيل في أي حديث تردفه هي، كي تنتبه له: "عالعموم أنا خلصت شغل بدري النهارده وعز بردو مشي، فقولت أمشي أنا كمان بدري عشان أجيب أدهم ويوسف من المدرسة!" حركت "فريدة" رأسها بتفهم، وقامت بصب "كوب شاي" ساخن تزامناً مع ردها المتسائل بملاحظة: "أنا فاكرة إن ليهم باص بيجوا فيه، حتى كان بينزلهم هنا لما كانوا قاعدين معانا. ليه رايح تجيبهم بنفسك؟" لم يجلس على المقعد كي لا يتسخ من ملابسه. لاحظت هي فعلته، حتى أنه رجع بقراره ووقف يجيب بنبرة جادة هادئة يذكرها: "فاطمة بقت تخاف من ساعة ما ننوس عين أمه خدهم من هناك. ساعتها قعدت يومين أوديهم وأجيبهم، ولما اطمنت رجع الباص ياخدهم. بس من ساعة حوار المأذون والطلاق واللي حصل زي ما حكيتلك، ورجعت تخاف تاني. و'جنة' تعبانة بقالها يومين مراحتش كمان!" استرسل في الحديث وكأنها شخصه المفضل يروي لها كل تفاصيل حياته. لاحظت هذه العادة، حيث قص ما لم يتعمد الآخر قصه على العائلة بأكملها، بل جزء علم وجزء يجهل. حركت رأسها متفهمة وهي تنصت، وما أن انتهى قالت هي مفسرة: "من ساعة آخر مرة روحت لفاطمة ولاحظت إن جنة تعبانة وعينيها متغيرة. بس كلمتهم واطمنت عليهم، وكده كده جايين بعد العصر والعيلة هتتجمع عند عمو حامد... إمسك إشرب الشاي!" قالتها بآخر حديثها بنبرة هادئة. ابتسم بلطف على اهتمامها وتغيرها الجذري. مد يديه يحمله من بين يديها، حتى لامست أصابعه كفها فابتعدت هي على الفور. وعلى الرغم من أنه لم يتعمد فعل ذلك، ولكن راق له خجلها التي تحاول محوه، مدعية الجرأة والثبات. تنحنح بحنجرته يرتشف من الكوب وأجاب عليها بوضوح، يخبرها عن قدومه بعد ساعات: "آه عرفت منهم. إن شاء الله هنيجي كلنا. حتى 'عز' بردو راح يجيب 'جميلة' من الامتحان وقال هيتغدوا ويجوا كلهم..!" تنفست بعمق وهي تحرك رأسها بإنصات. حتى أشارت له بأن يجلس على المقعد وهي تردد: "عالفكرة مش حرام يعني تقعد.. ما تقعد!" ضحك "آدم" بخفة، ونفى برأسه وهو يهبط الكوب من على شفتيه، ثم سنده وهو يعتدل هاتفا بنبرته الهادئة يعلمها: "لا.. لا لازم أمشي عشان أجيبهم من المدرسة زي ما قولتلك. سلام يا شاطرة!" أشار لها ملوحاً بيديه، فردت له الإشارة بعينيها فقط، رغم حنقها من اللقب الأخير، حتى وجدته يلتفت ونبس بنبرة مراوغة يخبـرها: "عالفكرة أنا عطيت الفانيليا الفرصة واستطعمتها.. عقبالك!" قصد بأن تعطيه هو الفرصة، ولمح بذلك بوضوح عندما غمز لها وخرج سريعاً قبل أن ترد بقول يهشم أمله وانتظاره. ابتسمت بأثره واعتدلت سريعاً، ترفض هذه الابتسامة، ولاحظت وقوفه لحظات، حتى سارت الدراجة، فتحركت قليلاً تنظر على القادم من الخارج، فوجدتها "نيروز"، التي دخلت تبتسم باتساع. وعلى ما يبدو عليها أنها كانت بالخارج بل وبمفردها. _" ايه يا روز كنتي فين كده؟ والله أكبر وشك منور مش خير؟" ضحكت "نيروز" وقبل أن تجيب وجدت علب كرتونية بيديها مغلفة، فسألتها بمشاكسة مرة أخرى: _" خارجة تشتري هدايا لمين ومكلفة كده!" وكزتها في كتفها، فتعالت ضحكات "نيروز"، وفسرت بنفس النبرة الضاحكة تجيب بتأكيد: _" عيد ميلاد غسان النهاردة، فخرجت قبل ما يجي من الشغل!" _" كل سنة وهو طيب.. ربنا يخليكم لبعض!" قالتها بلطف، فاعتدلت "نيروز" تحمل ما بيديها باعتدال، ورددت تخبرها: _" هطلع الحاجات دي وأغير، ولو غسان مجاش هنزل أقعد معاكي!" ابتسمت "فريدة" وهي تومئ لها بالإيجاب وقالت بتفهم: _" براحتك كده كده!" تستنكر قبولها في الحديث وتفسيرها عادةً ما يُعرف عن "نيروز"، أنها ثقيلة لا يعلم عنها أحد شيئًا كونها قليلة الحديث عن نفسها، بينما الآن تتحمس والإشراق على وجهها عكس الأيام الماضية التي كانت بها متعبة. خمنت أنه الحب ومن ثم السعادة والحماس بعيد مولد من اختاره قلبها! ألهذا الحد يغير الحب طباع الإنسان؟ سألت وحركت رأسها بإعجاب. تزامناً مع صعود "نيروز" في المصعد، لم تستطع الخروج في الأيام التي مرت بسبب وجوده وعودته مبكرًا قبل أن تقرر حتى الهبوط لفعل ما توده أو لشراء هدية له كي تحفظها حين اليوم المعهود! لم تتعمد الصعود للطابق الثالث حيث شقة والدتها ووالدته ووالده بل صعدت نحو طابقهم السابع حيث شقتها كي تستطيع تبديل ملابسها سريعًا قبل أن يأتي، فقد تأخر قليلاً عن الأيام الماضية! وضعت المفتاح في الباب ودخلت حتى خلعت حذاءها بإنهاك ووضعت ما بيديها على الطاولة في الصالة حتى أخرجت هاتفها وطلبت رقم "سمية" بأيدي ترتجف. ابتلعت ريقها تنتظر الرد وعندما سمعت صوتها قالت بنبرة سريعة: _" أيوة يا ماما.. أه أنا جيت.. تعالي يلا، هغير هدومي على ما تطلعي!" عندما سمعت الرد ردت برد تلقائي عليها وأغلقت الخط على الفور. دخلت الغرفة تخلع حجابها أولاً ثم ملابسها حتى فتحت الخزانة تجلب ملابس بيتيه مريحة وبدلتها في الغرفة سريعًا حتى وقفت أمام المرآة تنظر نحو وجهها وجسدها. ابتلعت ريقها بخوف أتى من توترها وسمعت جرس الشقة فعلمت أن "والدتها" قد جاءت بالفعل. سارت بخطوات سريعة ناحية الباب حتى فتحته فدخلت "سمية" بلهفة تسألها: _" طمنيني يا حبيبتي النتيجة طلعت إيه؟" إندفعت "نيروز"، نحو أحضانها بسرعة حتى اختنقت وخلال لحظات أدمعت عينيها وهي تعتدل واقفة تنظر نحو وجه "والدتها" المنتظر بترقب. ابتلعت ريقها بصعوبة وهبطت دمعتها باستيعاب وهي تتنفس بعمق وقالت تصارحها بالحقيقة عندما أمسكت كفها بأصابعها الباردة عكس جملتها التي غمرت الأخرى بالدفء: _" أنا حامل يا ماما.. أنا مش مصدقة إنه طلع بجد!!" وقفت "سمية" تنتظر وما إن سمعت جملتها دفعتها بفرحة شديدة داخل أحضانها وتأكدت بإحساسها الآن! عندما استطاعت أن تخرج الأخرى أخيرًا بمفردها تفعل تحليل الدم بعد أن ظهر الحمل صادق باختبار وكاذب متردد بآخر. حينها جلست يومين بتوتر لم تستطع بهم الخروج بسببه وبسبب تعبها أما الآن فتأكدت. أخرجتها "سمية" وهي تردد بتلهف تتلمس كتفي الأخرى بتأثر شديد: _" الحمد لله يارب.. الحمد لله.. كنت حاسة والله كنت حاسة.. زي ما قولتلك.. ربنا يكملك على خير يا حبيبتي ويقومك بألف سلامة!" ابتسمت "نيروز" من بين دموعها وإلى الآن لا تستطيع تصديق ذلك. ابتلعت ريقها ونظرت بسعادة بالغة لأول مرة تعيش هذا الشعور وبالفعل كان حديثه صحيحًا وقتها عندما أخبرها أن فكرتها ستتغير كليًا وأن قرار تأجيل الحمل كان من خوفها أيام ضغوط عليها ليس إلا حتى أنها ظنت أن هذه الأيام ستستمر كذلك بهذه الضغوط! تلمست معدتها بحرص وغير تصديق بينما مسحت "سمية" على وجهها برفق وقالت بنفس اللهفة: _" كده عرفتي هتفاجئيه بإيه بدل ما انتي موترانا معاكي أنا واخواتك.. أقعدي ومتتعبيش نفسك ومتعلميش حاجة!" حركت رأسها بموافقة، وابتسامتها لم ولن تزول إلى الآن. تمسكت "سمية" بذراعها وحثتها على الجلوس وهي تخبرها بلين مرة أخرى: _" على ما يجي بقا قوليله بينك وبينه بلاش تبقي عبيطة زي أختك ياسمين.. الحاجات دي فرحتها الأول بتبقي بين الواحد والواحدة وبعد كده ابقي عرفي الباقي.. إن شاء الله كلهم هيتجمعوا تحت بعد شوية تبقي تقوليلهم وتعرفيهم بقا." نصحتها مجددًا وتسير خلفها في كل نصيحة. هزت رأسها بالإيجاب، وتحركت نحو المطبخ. فرددت "نيروز" بنبرة هادئة كونها فهمت ما ستفعله الأخرى: _" مفيش مواعين يا ماما.. ارتاحي.. غسان غسلهم وكان بيغسلهم الأيام اللي فاتت لما كنت تعبانه.. متتعبيش نفسك." توقفت "سمية" وهي تبتسم ببشاشة حتى التفتت ترد من بين ضحكتها: _" غسيل دا إيه يا بنتي.. دا الكوباية ريحتها كانت زفرة لما جيت أشرب فيها امبارح!" قهقهت "نيروز" هذه المرة وضحكت "سمية" بصوت عال مع رد "نيروز" الضاحك بدفاعها عنه: _" على قده بقا يا ماما كتر خيره.. كلنا عارفين انه مبيعرفش يعمل حاجة بس عالأقل بيحاول!" نطقت جملتها بضحك وإلى الآن الفراشات تحلق فوق رأسها من كم السعادة وعدم الاستيعاب. ضحكت "والدتها" بيأس وحركت رأسها بتفهم حتى اقتربت منها تنظر نحو ملامحها بتأثر شديد. تلك الصغيرة كيف لها بأن تصبح أم خلال أشهر؟ بل وكيف تحمل بأحشائها جنين صغير على كل ذلك! متى كبرت؟ أدمعت عينيها وضمتها إلى صدرها بسعادة بالغة واختنقت نبرتها وهي تتحدث لها بجملتها المتأثرة: _" الأيام بتجري بسرعة أوي يا نيروز بس بردو مش عارفه اشوفك كبيرة في عيني." لسه هتفضلي الصغيرة! قبلت "نيروز" كفها ببركة وتنفست بعناقها براحة للحظات، حتى اعتدلت "سمية" تحثها برفق: "أنا هنزل أنا فات جوزك على وصول، قومي انتِ شوفي هتعمليله إيه وخلي بالك على نفسك ومتوطيش!" حركت رأسها توافق قولها بطاعة، حتى نهضت بعدما ربتت على ساقها، فاقت على إغلاقها الباب، فنهضت تضع يديها على فمها وهي تبتسم بفرح وتتخيل رد فعله عندما يعلم. شعرت هي الأخرى باقتراب موعد مجيئه فرتبت العلب الموضوعة على الطاولة في الداخل حيث غرفتهما معًا، وأخرجت ما صنعته بنفسها من الدرج ووضعته وأغلقت باب الغرفة جيدًا كي لا يأتي مندفعًا. تعمدت أن تجعله يتجهز للمفاجأة. وقفت أمام المرآة تمشط خصلاتها بترتيب، حتى تركتها خلفها بحرية، وخلعت عنها سترة الملابس البيتيه عندما شعرت بالاختناق. وضعت كحل الأعين وابتسامتها الهادئة لا تود أن تختفي. تنفست بعمق، حتى وضعت مرطب الشفاه. تحاول تجاهل النظر نحو موضع كتفها المكشوف والذي به أثر طعن سكين "حسن" لا تريد تذكره الآن بين لحظاتها السعيدة. انتفضت بتوتر عندما سمعت صوت إغلاق باب شقتها، واعتدلت تنظر نحو نفسها بحماس ولهفة كبرى. أخرجت الشمعة سريعًا وأشعلت القداحة التي ابتاعتها تزامناً مع هتفه من خلف الباب وهو يحاول فتحه بغرابة: "نيروز، إنتِ جوه؟" "أيوة، ثواني!" قالتها كي ينتظر، وعندما سمع صوت القداحة، شهق محاولًا فتح الباب مرة أخرى: "إنتِ بتشربي سجاير من ورايا؟" وعاد يسأل ببوادر قلق غير مفهوم وجاب عقله آخر مرة داهمها القيء: "إفتحي كدة، قافلة على نفسك ليه؟ إنتي كويسة؟" ضحكت عاليًا حيث علمت أنه ردد جملته الأولى عندما سمع صوت إشعالها القداحة. أخرجت الكعكة الصغيرة التي ابتاعتها وجهزت كل شيء وتوجهت نحو الباب بخطى حذرة ثابتة وهتفت باسمه كي يترقب: "غسان!" همهم بصبر حتى كاد أن يحثها على الفتح عندما شعر ببوادر القلق من حدوث شيء غريب. فوجدها تحثه بنبرة لطيفة ناعمة: "أنا هفتح بس ممكن تغمض عينك الأول؟" "ليه؟ قالعه؟" فتحت عينيها على وسعها من وقاحته، بينما رددها هو بوقاحة تلقائية. صمتت بحياء وغيظ بنفس ذات الوقت. علم سريعًا ما وضعها، فوافق بقلة حيلة ونفاذ صبر في الخفاء: "ماشي غمضتها!" وضعت يديها تفتح الباب المغلق وثوانٍ ونظرت ناحيته بحب فياض. أمسكت كفه تدخله وهي تحسبه داخل الغرفة فسار وهو يضع يديه على عينيه وقال بمرح: "هتشوحيني من البلكونة ولا إيه؟ لسه بدري عليا يرزقة، لو زعلتك في حاجة قوليلي وبلاش الكلام اللي يزعل ده!" ضحكت "نيروز" بخفة ووقفت أمامه وأمام الطاولة، حتى رفعت يديها تزيح كفه من على وجهه ففتح هو عينيه ينظر وأول ما وقعت عينيه كان عليها هي بملامحها الواضحة التي سلبته وظهرت أكثر بمساحيق التجميل الخفيفة، وكتفيها وعنقها المكشوفين بانجذاب، وخصلاتها. كل شيء بها يؤثر به. تنفس بعمق واتسعت ابتسامته عندما ابتسمت له هي بخجل وهي تشير بعينيها إلى الجانب الآخر. حرك رأسه ونظر باهتمام، حتى همهم متفاجئًا وهو يطيل النظر بالكعكة الصغيرة والشموع وأيضاً الورود، مع كلمة عيد الميلاد باللغة الإنجليزية. حرك رأسه متأثراً منها وسألها بعمق شديد وبغير تصديق: "إنتي فاكرة؟" "وازاي هنسى؟" رفع ذراعيه بحب يضمها بسعادة بالغة كتعبير بالامتنان، بينما همست هي بعمق ومشاعر واضحة صريحة: "كل سنة وانت معايا ومنتفرقش أبداً، وكل سنة وأنا بحبك كل يوم أكتر من اللي قبله يا بن البدري!!" ما زال يضمها بتأثر. أبسط الأشياء تسعده، ويسعده أكثر اهتمامها. ابتلع ريقه وقبل قمة رأسها بحب، حتى قال هو الآخر بغمزة عين حولت الوضع سريعًا: "إيه الحلاوة دي!" نظرت له "نيروز" بتعالي زائف وهتفت بمرح تزامناً مع جلوسه على المقعد كما جلست هي بجانبه: "شوفت بنعرف نفاجئ احنا كمان!" "أحلى مفاجأة في حياتي يا رزقة!" نظرت له بتشكك وقالت بشفرة وهي تناوله العلب ترسل له أحد الألغاز الذي سيحلها بعد دقائق: "متأكدة إنها هتبقى أحلى مفاجأة في حياتك بس بعد ما تفتح دول!" نظر "غسان" بابتسامة هادئة نحو العلب، حتى ضحك غامزًا مرة أخرى وقال بنبرة درامية متأثرة زائفة: "أأاه يا فلوسك يا غسان!!" ضحكت بقوة، وبدأ يفتح العلبة الأولى حتى وجد بها مرسال مع ساعة فضية أنيقة. سعد بما رآه وقال يظهر لها رضاه وفرحته: "جميلة أوي يا رزقة بس مش أجمل منك!" ابتسمت بحب له ولكلماته التي تعجبها حتى وإن كانت سريعة مشاكسة غير عميقة. فأشارت له يفتح المرسال الأول الذي يوجد بجانب الساعة. حتى أمسكه بحماس قليل ما يظهر وأمسكت هي العلبة الثانية بين كفها تنظر نحو ملامحه وهو يقرأ: "إلى ذلك الرجل الذي اختاره قلبي رغماً عن كل شيء ورغماً عن كل الظروف والعقبات.." "ظننت أن حبال براءتنا قد ذابت، وذكريات مأوانا ردمت، وأن حب طفولتنا البريء دفن مع الزمان. وحين شاءت الأقدار، عدت أنت لتتذكرني وأتذكرك أنا من جديد، أنت وتفاصيلك، وكأن ما حدث حدث ليلة أمس. أما عني، فكنت أنا الغير مهتمة بإدعائي ذلك. وأما عما بداخلي.. فكنت وما زلت أتذكر أدق الأشياء في طفولتنا، يحفر بي كلمات خطاباتك البريئة. أتذكر كم عدد نقاط الحروف في كل خطاب كنت تلقيه بشرفتي. ومر الزمان حتى عدت جاري وجار قلبي، إلى أن تخلله حبك الأبدي. وبين أنا وأنت قصة وحبل وصال كُتب عليه بالعودة، حتى دام وسيدوم." كان يقرأ اللغة التي تعشقها، أثر به كل حرف كان يقرأه. ولم ينتهي بعد، ابتلع ريقه وشجعته على أن يكمل القراءة بالمواصلة. "بينما اليوم سيقوى الوصال بيننا أكثر هذه المرة. سيقوى بحبل صغير، نصفه أنت والنصف الآخر أنا!" وكأنها لا تهنئه على عيد مولده، بل تتحدث عن الهدية. أما هو، ففهم الكلمات بلغة الحب، وليس ما كانت تقصده في كلماتها الأخيرة. ابتلع ريقه وأسند المرسال على الطاولة، ورفع ذراعه بتأثر يقربها منه، وقبل خصلاتها بتأثر أشد، وقال بإهتزاز: "كلامك ده كتير عليا أوي يا نيروز!" رفع كفها يقبله برفق، وابتسامته المتأثرة تظهر لها. فنظرت هي تنفي قوله برأسها، وقالت بلهفة وحماس: "جاهز تشوف الهدية التانية؟" "لسه كمان؟ أنا كده مش هستحمل والله!" قالها بحرارة، فضحكت بخفة. ومدت يديها بالعلبة الصغيرة تحثه قائلة بحماس شديد: "لازم تستحمل، لأن دي أحلى هدية هتشوفها في حياتك. سمي الله الأول وافتحها يلا!" أمسكها بحرص، وعقد بين حاجبيه بغرابة. بماذا يمكن أن تجلب له شيئاً بهذه العلبة الصغيرة جداً؟ تنفس بعمق، وفتحها. وحرك عينيه داخلها أكثر حتى برزت حدقتاه بذهول، وهو يرى اختبار الحمل الذي عرفه على الفور. أمسكه بلهفة سريعة، ينظر جيداً. وحرك رأسها ناحيتها، بغير تصديق شديد. لأول مرة يراه بهذه الحالة. ابتسمت باتساع شديد، وتأثرت أكثر عندما رأته يبتلع ريقه محاولاً إخراج الحديث، بعدما وجد البطاقة الصغيرة المكتوب بها: (كل سنة وانت طيب يا) قصدت أن تكتبها بالنسبة لطفله. انتفض يقف بإندفاع، وهو يمسك كفها. ووقع كل ذلك من يديه عندما أمسك كلتا يديها يسألها بنبرة متقطعة شديدة الذهول: "إحلفي كده يا نيروز؟ ده بجد صح؟ انتي مبتهزريش أكيد!!" نفت بسعادة. فشدد مسكته ليديها، ودفعها بقوة حتى ضمها بسعادة بالغة، يردد كلمات الشكر بصوت مهزوز متأثر. أدمعت عينيها، وظل وضعهما كذلك للحظات، حتى تحركت تعتدل من بين نظراته لها. أدمعت عينيه، وقال بتحشرج لم يستطع إخفاءه: "أنا مش مصدق وربنا!" ضحك بخفوت، والسعادة تغمره، وقال قول معهود بشدة منه، وكأنه يذكرها ببداية تحقيقه، بينما الآن مختلف عن كل مرة كان يرددها لها: "يعني كده بقت عال وهنجيب عيال خلاص؟" أكدت، وضحكت بخفة. وأمسكت كفه تضعه على معدتها، وقالت بنبرة شديدة العمق: "آه.. وأنا كمان مكنتش مصدقة، بس صدقت.. وانت كمان لازم تصدق. هنا حتة منك بتكبر، وكمان شهور هتيجي، وبعدها بشوية هتسمع أحلى كلمة بابا ممكن تسمعها في حياتك!" ابتلع غسان ريقه ببطء، وقال باستيعاب متأثر، يمسح دمعتها التي فرت منها للتو: "أنا فرحان.. قلبي فرحان أوي يا نيروز!" "وأنا كمان والله!" أقسمت لتظهر له السعادة المماثلة. رفع رأسه يخرج أنفاسه المتوترة، وما زال يتمسك بيديها. فابتسمت هي بسعادة، حتى أسندت رأسها ناحية قمة صدره. فمرر يديه على ظهرها برفق، وقال بنبرة هادئة يغمرها البهجة: "مبروك يا رزقة!" كان قوله هادئاً ليس مرحاً. شعرت بسعادته البالغة، ولم ترد، بل حاوطت ظهره بحب، وكأنها تتأكد من هذه اللحظة. وبينما شيء صغير منه ومنها ينمو بالمنتصف، لا تستطيع وصف مشاعر هذه اللحظة. أخرجها من دوامة مشاعرها عندما انتفض بلهفة، مردداً لها بعجالة متحمسة: "تعالي يلا.. يلا ننزل نقول لأمي وأبويا وإخواتي. دول هيفرحوا أوي!" "هنقولهم حاضر، بس أما نتجمع كلنا مع بعض عشان نعرفهم!" عانقها مجدداً بفرح. وتنفست هي بعمق، وهي تخبره تفاصيل ما فعلته. تذكر هو القئ وتعبها، وربط الأحداث ببعضها على الفور. أخذ أنفاسه ببطء، ونظر ناحية ملامحها وهي تجلس الآن تناوله من قطعة الكعكة. تناولها منها بصدر رحب، ودقات قلبه تتسارع. حينها مال يقبل رقبتها برقة، وهمس جوار أذنها بنبرة عميقة، وكأنه بهذه اللحظة استوعب: "هتبقي أحلى أم شوفتها في حياتي!" طالعته هي بسعادة عندما اعتدل. وتوقف كل منهم عن تناول الكعك، كي يستطيعا تناول الطعام الخاص بالغداء منذ أمس. نهض بعدها ونهضت هي، وقبل أن يتحدث، قالت هي بلطف، وهي تنظر نحو ملابس العمل الرسمية: "غير هدومك على ما أجهز الغدا!" صُدمت من صوت اعتراضه بموضع كهذا. لا يكف عن الوقاحة. اعتدل يتحدث بحزم: "تحضري إيه؟ انتي لازم ترتاحي على ما نشوف دكتورة نتابع معاها. وخليني أنا هحط الغدا أنا!" نظرت له بتردد، وقالت بضيق، وكأنها جهلت عن خوفه، وتمسكت بشيء آخر: "يا غسان انت مبتعرفش تجهز حاجة وبتبهدل الدنيا وبرجع أنضف وراك. آخر مرة وقعت رز على الأرض ولزق الدنيا، وهرجع أوطي أمسح وأكنـ" توقفت عندما سار متجاهلاً حديثها، بعدما دفعها برفق كي تجلس. حتى جلست، أثر يديه التي دفعتها بحرص. وسار وكأنها لم تتحدث بأي شيء. نظرت بدهشة لبروده وتحوله، من شخص متحمس لآخر لا يبالي. بينما لا تعلم هي كيف يخفق قلبه بسعادة إلى الآن، وما تمناه حدث بعد دعائه المجهول بأن يهديه طفلاً. رغم أن الوقت لم يتأخر في الإنجاب، ولكنه يحب الأطفال كثيراً، حتى أكثر منها هي شخصياً! "خلاص بقا يا جميلة؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش قولتلك بلاش تراجعي؟ هتعدي والله، فكي بقا!!" لم تتفوه بأي حرف عندما خرجت ورأته بعد الاختبار. بينما الآن، بعدما رحلت لشقتهما، جلست تبكي بصمت، وهي تطالع ورقة الامتحان بين يديها، وكأنها تستوعب ما فعلته. حاوط عز كتفيها برفق، مع هتفه لهذه الكلمات. أما هي، فمسحت وجهها بخيبة، وقالت بحزن: "مش خلاص يا عز؟ أنا عايزة أجيب تقدير ومعرفش مالي. كل ما بذاكر كإن مفيش حاجة ثبتت أول ما شوفت ورقة الامتحان." ذاكرتها أصبحت أضعف قليلاً عما كانت من قبل. وأما عنها، فتعتبر متفوقة طوال حياتها بسبب ضغط والدها عليها. ابتلعت ريقها بحزن. وفهم هو ما بها من تأخر وتوتر بسبب وفاة والدها وكل العقبات الأخيرة. رغم أنها تحاول أن تصبح أفضل. ظل يواسيها، وقبل يديها وجنتيها بمشاكسة، حتى ضحكت. فقال هو بمرح: "والله العظيم شكلك أحلى وانت بتضحكي. متزعليش نفسك بقا!" نظرت بخجل، وابتلعت ريقها ببطء. وهي تنظر مجددًا نحو الورقة وكأنها تستوعب. هتفت باستسلام مجددًا: "ما هو أصلًا كان امتحان صعب والله!" التقط الورقة من بين يديها وقطعها على الفور بفتور. حتى انحنى يضعها بسلة المهملات تحت دهشتها. فاعتدل هو بحزم مع قوله غير المبالي: "خلاص انتهت، فكري بقى فاللي بعده!" ابتسمت "جميلة" بقلة حيلة وزفرت بصوت عالٍ تحت نظراته الهادئة لها. رفع هو ذراعه يقربها منه حتى استندت عليه باستسلام ورددت تلومه: "مكنش لازم تقول لطنط تتعب نفسها وتطبخ، كنت هصحى بدري أعمل أكل قبل ما أمشي زي اليومين اللي فاتوا." ابتسم براحة على عقلها. فاعتدلت تنظر له بترقب لرده. حتى اعتدل هو الآخر يطالع وجهها المستدير بجواب على حديثها مفسرًا: "أم عز عزمانا نقول لأ يعني. وبعدين كويس لإني حاسس إن مفكيش أعصاب تحطي أكل وتغسلي وتعملي بسبب أم الامتحان ده. قومي البسي عبايتك خلينا ننزل نتغدى يلا وبعد كده نبقى نطلع نغير عشان نروح عندكم!" اقتربت بجرأة تقبل وجنتيه بحب وامتنان. رغم أنه يعلم أنها تخجل وبشدة، لكنها كانت حركة عفوية منها ردًا على حديثه العقلاني المتفهم وعلى احتواءه. تلمس وجنتيه بسعادة طفيفة. وفاق على نهوضها من جانبه. نهض هو الآخر ممسكًا بهاتفه يرد عن اتصال خاص بالعمل حين انتهائها. وبعد دقائق فتحت الغرفة وهي تحكم ارتداء حجابها الأسود كمثل عباءتها التي جعلته يقف ممعنًا النظر لتفاصيل جسدها لأول مرة. ابتسمت وهي تقترب حتى سألته بفضول أنثوي: "كنت بتكلم مين؟" كيف سيجيب بأنها نفس الشخص التي فعلت مشكلة بينهما من قبل؟ ابتلع ريقه لا يفضل الكذب ولكنه لم يتردد بقولها لطالما لم يفعل شيئًا خطأ بحقها: "واحدة عربيتها عطلانة وخلصت فبتتصل عشان تيجي تاخدها وقت نكون فاتحين فيه. انتِ عارفة المواعيد مبقتش زي الأول!" تنفست بصوت منخفض وسألته بوجه خالٍ من التعابير: "مش ملاحظ إن كل اللي بيكلموك على شغلهم ستات؟" أثارت غرابته ردها. علم مؤخرًا أنها غيورة بالخفاء. استنكر قولها وسألها بجدية جامدة: "قصدك إيه يا جميلة يعني؟" "قصدي إن هي دي اللي كانت اتصلت بيك قبل كده، ودي اللي فضلت تتصل من شوية واحنا برا وانت تعمدت متردش قدامي. مش قادرة تفهم إن في حاجة اسمها ذوق وإن مردتش عليها من أول مرة يبقى تبطل تتصل؟" اندفعت تواجهه بكلمات تكتمها. تلاحظ اتصالاتها المتكررة عليه. أدمعت عينيها في الخفاء. فابتلع ريقه بسرعة يرد عليها بهدوء متماسك: "مردتش عشان متزعليش إني معاكي ومش معاكي. وأنا قولتلك قبل كده اللي بيني وبينها شغل وبس وزبونة قديمة. ليه حاطاها في دماغك؟" "محطتهاش في دماغي، بس الظاهر كده إن عربيتها بتبوظ أكتر ما بتركبها ولا إيه رأيك؟ ولا تكون برضو مش ملاحظ ده؟" لمحت له بخبث الأخرى في ملاحقته. وقف ينظر لها مطولًا ولأول مرة يرى اندفاعها بهذه الطريقة. حرك رأسه ينفي وقال محاولًا إنهاء الحوار: "بلاش تظلمي حد يا جميلة. عدّي الحوار مش مستاهل. يلا ننزل!" كتمت الدموع بعينيها وقالت بصراحة: "مش بظلم حد بس أنا مسمعتش كلامها معاك مرة واحدة بس وعدّيت رغم إني لاحظت. طريقتها معاك مش كويسة. بترمي نفسها عليك أنا حاسة بده. طب قولي ليه مجتش تاخد عربيتها رغم إنها خلصت؟ أقولك أنا ليه؟ عشان أنت مكنتش موجود ومنزلتش عشان الظروف. ولما نزلت بقت تتصل تتحجج إنها مكانتش فاضية بس بقت فاضية لما أنت نزلت تشتغل من تاني صح؟" صمت يستمع لحديثها المختنق وقد شتت تفكيره. وما إن انتهت تنهد بصوت وصبر ورد عليها بتعقل: "أنا مفيش في دماغي كل الكلام ده. أنا مش شايف إلا انتي وده شغل ولو مش مرتاحة همسك شغلها لغيري عشان نفضها سيرة لكن مش هينفع أقولها متجيش أو متكلمنيش أصل مراتي بتغير. متجيش دي!!" وقفت مشدوهة من قوله المتخبط والمتردد بفهمها. تأخذ أي معنى منه؟ لم تغفل هي عن غيرتها ناحية الأخرى بصوتها وكلماتها الناعمة له وأيضًا تحترق تفكيرًا بهذه اللحظة بأن ماذا لو كانت هي الأجمل؟ شيطان الأنثى في الغيرة يغير أعقلهن ويجعل من بينهن الهادئة الساكنة أكثر من تختل عقليًا!! ابتلعت ريقها تواجهه مجددًا بقولها الساكن بشدة: "يعني إنت مش شايف غير غيرتي وبس؟ مش شايف إنها مش مظبوطة معاك وبتتمايع وتمط في الكلام عشان يطول وميخلصش سواء كان كلام أو شغل؟" زفر "عز" بصوت محاولًا تجاهل هذا الحديث مرددًا لها بإشارة كفه وقد تعمد اللين للهدوء كي لا ينقلب حالهما لآخر: "استهدي بالله يا جميلة عشان مفيش حاجة مستاهلة كل ده، ويلا ننزل!!" وقفت بسكون تعاند نفسها على عدم ذرف أي دمعة. ثمة شعور سيء يداهمها ولم تعلم هي من قبل أن شعور الغيرة والحدس الأنثوي يكون بمثل هذا الضيق الشديد التي تحاول إخفاءه وفشلت هذه المرة. أشار لها مجددًا وسار يفتح باب الشقة حتى اعتدلت تتنفس بصوت مسموع ورحلت هي الأخرى ترتدي حذاء خفيف أمام الشقة. أغلق الباب بيديه وانتظرها حتى هبطا سويًا ودخل هو أولًا من باب شقة والدته المفتوح دائمًا. وجد "فرح" تساعدها في وضع الأطباق على سفرة الطعام حتى صاحت من على بعد: "ما لسه بدري يا عز الرجال انت وهي.. ولا انت بقى متأخر عشان متساعدناش؟" ضحك على قول شقيقته واقترب يرفع ذراعه يضمها بشدة مرحة حتى تأوهت وهي تضحك بملء شدقيها. بينما وقفت الأخرى تنظر وهي تتابع من على بعد حتى انسحبت بصمت تحمل وتساعد "حنان" في الداخل. عقدت "فرح" ما بين حاجبيها بغرابة وسألته وهو يعدل المقاعد بجانب بعضها: "هو في حاجة ولا إيه يا عز؟ أنتم متخانقين؟" "لأ.. مفيش حاجة ما انتِ عارفه وشوفتيها وهي جاية متدايقة من الامتحان. شوية وهتفك. خشي هاتي بس فوطة عشان لسه مغير هدومي من شوية وهتتوسخ قبل ما أمشي كده!" أومأت له بطاعة ودخلت تجلب له ما قاله لها. دخل المطبخ فوجدها تحمل الصحون وقول "حنان" يعلو بحماس وهي تخرج ناحية السفرة تضع ما بيديها: "كده خلاص، تعالوا يلا.. سموا بالهنا والشفا!" أمسك من بين كفيها الطبق الساخن وأعطته له مبتسمة بمجاملة فقط. حتى تركته وخرجت وخرج هو بعدها. وخلال لحظات جلسوا بجانب بعضهم وخرجت "فرح" إليهم وبدأوا الطعام. مع سؤال "حنان" لها بتلقائية: "وانتِ بقى بتعرفي تطبخي يا جميلة ولا الواد عز هيقعد ينزل لي كل شوية ومش هرتاح في حياتي بقى؟" ضحكت على قولها وضحك "عز" عليها. بينما أجابت هي بحرج صريح: "آه بعرف بس مش كل حاجة الصراحة. حتى فرح عارفة!!" بتقولي فيها دي بقت خايبة من ساعة ما بقيت بصحتي من تاني واعتمدت عليا في كل حاجة زي الأول مش عارفه هتتجوز إزاي دي! طالعتها فرح بضيق تحت ضحكاتهم وقالت بعفوية في الرد: هتجوز عادي، دي مش مشكلة وبعدين قوام بتنسي كده، أومال مين اللي كان شايل البيت من فترة، اخص يا أم عز اخص! ضحكت وهي تشملها بنظراتها الحنونة، تعلم ذلك ولكنها تشاكسها. ابتسم عز باتساع وقال هو الآخر بمشاكسة لها: ومالك بتقوليها بثقة كده ليه يا فروحة؟ متقدملك عريس وأنا معرفش؟ وكان رد جميلة السريع عليه هو عندما قالت بمراوغة تسأله: وايه يعني لو جالها عريس؟ عندك مشكلة! تلقت قبلة طائرة من فرح، فضحك الكل ورد هو بمرح صريح: آه عندي، فرح دي مش هفرط فيها أبداً، دي بنتي! نظرت له بتشكك وابتسمت بحب عندما وجدتها ترد عليه بسعادة من قوله فقط، وتحت دعاء حنان لهم هي الأخرى. مرت عشر دقائق وكان الكل قد نهض من على سفرة الطعام وحولوا الأطباق ناحية المطبخ، ودخلت فرح تبدل ملابسها في حين قالت حنان لها بلطف: مش مستاهلين يا بنتي، اطلعي غيري انتي لاحسن قاعدين يرنوا على عز عشان مستنين! حينها ابتسمت بحب وصعدت بمفردها. وقف عز خلف والدته في المطبخ وما أثار غرابته أنها قالت وهي واقفة توليه ظهرها بخبرة سيدة كبيرة: مراتك زعلانة ليه يا عز؟ أنا قولت ما صدقت فاقت شوية من ساعة موت أبوها، بس النهارده واحنا قاعدين نظراتها مش مريحة كده وهي بتبصلك يخويا، انت مزعلها ولا إيه يا واد؟ تجرع من زجاجة المياه وانتهى حتى ابتسم بهدوء وقال ببساطة شديدة: مقدرش يا أم عز، هي بس دماغها بتفكر من زاوية تانية، أنا مليش فيها! يا خويا، أيا كان بيتضحك عليهم بكلمتين حلوين. اوعي يا واد تكون عبيط ومفكر إنك هتعيش معاها كده على الحب والأيام هتبقى عسل وبس، لازم تقابلوا مشاكل يا حبيبي، وخد لعلمك بقا المشاكل دي هي اللي بتحلي الحياة بينكم وبتقوي علاقتكم ببعضها، بس الجدع اللي يفهم. مع إنها بنت ناس ومحترمة وعاقلة يعني، إن زعلت منك بقا يبقى انت اللي غلطان! ابتسم على حديثها الهادئ وحاوط كتفيها من الخلف وهي توليه ظهرها حتى طبع قبلة على خدها برفق وقال بمرح طفيف: شكلك كده يا أم عز هتقفي في صفها من بدري وتبعيني! مقدرش أبيع حبيب عمري، انت كل حاجة حلوة شفتها يا عز. ربنا يسعدك ويهنيك ويريح قلبك يا حبيب أمك! ابتسم لها وتحرك ينتظر هبوطها بعد تبديل ملابسها. وقف في الصالة وسمع صوت دقات هاتف فرح يعلو فتوجه يمسكه وهو يردد عالياً كي تسمعه: تليفونك بيرن يا فرح! التقطه تزامناً مع فتحها باب غرفتها وهي تخرج منه فالتفت يردد بغرابة يخبرها بهوية المتصل: دي وسام، دا انتوا شكلكم قربتم جامد من بعض! ابتسمت بإهتزاز وهي تتفحص الهاتف وعندما امسكته توقف الاتصال من تلقاء نفسه. رفعت رأسها تؤكد وقالت بصدق: آه طيبة أوي وبحبها، وكمان ثانوية عامة ربنا معاها! همهم وهو يبتسم بتعجب من اختلاف الشخصيات وكذلك الأعمار، بينما زفرت هي براحة من عدم وجود رسائل على الشاشة الرئيسية منه كي لا يراها عز ويظن بها السوء. وأما عنها فلم تشعر أنها تفعل شيئاً خطأ. فقط أرسل لها بسام مرتين رسائل يطمئن بها عليها وعلى حالتها وأخبرها عن جلساتها الأخيرة. وكانت ترد عليه هي في الآونة الأخيرة عكس من قبل! وعلى الرغم من أنها لم تغفل عن قوله بأنه معجب ويحب طبيبة، ولكنها اعتبرت سؤاله عليها من باب القرابة والشهامة حيث أن بداية تعارفهم به كان من شهامته! أنا خلصت! رددتها جميلة وهي تدخل في حين كانت قد دخلت حنان لتبدل ملابسها. اتسعت ابتسامة عز وهو يقترب من وقفتها مردداً بمشاكسة كي يجعلها تلين: أجمل جميل يخلص! تجاهلت قوله ابتسمت بتكلفة فقط، حتى اقتربت من فرح التي أرسلت رسائل لوسام ترد عن عدم استطاعتها على الرد قبل أن تغلق الأخرى الخط بيأس! اللي شاغل الحلوة؟ شاكستها جميلة فضحكت فرح بسخرية وهي تريها صفحة المحادثة بحسرة زائفة حتى خرجت الضحكات العالية منهما تزامناً مع خروج حنان وهي تبحث عن الحذاء فقابلها به عز وهو ينحني يضعه أمام قدميها. عهدت منه الرفق فنظرت بتأثر كما تنظر كل مرة بحب. ربتت بيديها على ظهره حتى نهض باعتدال ينظر لها بابتسامته الصافية ولاحظ لطفه بها جميلة التي ابتسمت بتلقائية وكل مرة تتأكد من صحة اختيارها له تتأكد كل مرة بأنه عز الرجال، بينما بموقفها الأخير لم يثبت لها ذلك بالكامل! ردت ولا لسه؟ سألها بسام بنبرة متلهفة، فنظرت وسام نحو هاتفها بانتظار إلى أن أغلقت هي المكالمة بعد أن فهمت أن الأخرى ليست متفرغة. قررت إرسال لها رسائل. زفرت بصوت وحركت عينيها بخبث ناحيته، فكل مرة يتلهف لسماع صوتها في المكالمة وجعل الوسيط بينهما وسام شقيقته! دا انت الطرف الأكثر حماساً وعبطاً شكلك كده! سبته بمرح، فعنفها بنظراته وضحك بالنهاية وهو يؤكد بيأس. شعرت به وتوجهت تقترب كي تجلس على المقعد حتى نظرت له بتفهم وقالت بوضوح: بعتلها ماسدج وهترد، بس هي قالت لي امبارح إنها هتيجي معاهم، اطمن! تلهف بحماس وابتلع ريقه يحث نفسه على الانتظار، بينما سألته هي بخبث أخوي بهذه الأشياء: لما انت واقع كده ليه مفتحتش الموضوع تاني؟ قال بإنهزام يجيبها ولم يخجل من قولها بل رددها بصراحة وهو ينظر بعمق عيني شقيقته: خايف! لا تعلم لما مشاعرها تتضامن معه هو وليس البقية. منذ أن حدث ما حدث، ابتلعت ريقها بصعوبة كي تسأله مجدداً وهي تري نظرته الموجعة، بينما واصل هو يكمل بتفسير متخوف من القادم بسبب الماضي: أنا حاسس إني بعلق نفسي بأمل ضعيف، بس في نفس الوقت مش قادر أبطل تفكير، وخايف اترفض تاني، علشان أنا مش هقدر لو خدت خطوة تانية واترفضت برضو، بس في نفس الوقت بفكر إن السبب اللي كنت اترفضت عشانه راح وبقت محبوبة ومقبولة من الكل وأخدت فرصتها، ومن ناحية تانية بفكر في رفض بابا وغسان، مش عارف لسه مصممين ولا لأ. وأنا مش حمل خسارة ليهم وبقعد. أنا تايه أوي يا وسام بس اتأكدت إني بحب بجد مش مجرد كلام ومشاعر فاضية! لا تصدق بأنه أخرج لها ما بداخله قليلاً. ما يحدث ذلك؟ لم تعهد ذلك منه هو بل تعهد ذلك من الآخر! حاولت إخفاء دمعتها المشفقة وابتسمت بمشاكسة. تتصنع الريبة وهي تنظر حولها حتى اقتربت تهمس بجوار أذنه بمكر: "طب واللي يقولك على حاجة هتساعدك هتديله كام؟" تعالت ضحكاته على الفور وقال بنفس الهمس يسخر منها: "أنا برضه اللي أدي ولا إنت؟ ده حتى النهاردة عيد ميلادي!" رفعت ذراعها تشاكسه وعانقته وهي تضمه بحب وقالت من بين ضحكاته تخبره: "مستحيل أنسى عيد ميلادكم.. هديتكم عندي بس لما غسان ينزل ونتجمع!" "فرحتك هديتي يا وسام، عايزك دايماً فرحانة وراضية، وإن شاء الله تحققي حلمك قريب. أنا فخور بيكي وبتعبك عشان عارف إنك بتعملي اللي عليكي. التوفيق من عند ربنا، بلاش خوفك الزيادة ده، هو طبيعي بس اذكري ربنا على طول والهي نفسك عشان ميأثرش عليكي توترك ده!" ابتسمت له بتأثر وانحنت تجلب مشط الرأس من على الطاولة أمام المرآة التي توجد بغرفتها. حتى أعطته له واستدارت. فاعتدل يقوم بفك خصلاتها عن بعضها تزامناً مع قولها المشاكس من جديد: "تفتكر لما تتجوز هتبعد وهتبطل تسرحلي شعري كده؟" "إنت بتهزر؟ أكيد طبعاً، هسرح لشعري مراتي وأدلعها بقى وأعيش حياتي!" قالها بمرح. فهمهمت بضجر إلى أن خرج صوت ضحكاته بصوت عالٍ ونفى بطيبة ولين: "إنت هبلة صح؟ إزاي هبعد يعني قوليلي؟ وأول ما اتعلمت أسرح كان على يدك إنت وشعرك إنت. إنت شكلك هتتعبيني بغيرتك دي خدي بالك!" "حقي يا بيسو لأن إنت صاحبي اللي بيشاركني كل حاجة حتى هبلي، فتقوم واحدة تيجي تشاركك معايا؟ لا ده كده مش عدل بقى!" لا يعلم لما قال بإندفاع، وكأنه يريد تحقيق ذلك مع هذه التي نطق اسمها بلين شديد يسأل بها: "حتى لو اللي هتشاركك دي فرح؟" صمتت هي قليلاً ولم تعطه الجواب. بينما استمر هو يمشط خصلاتها حتى وجدها تلتفت وهي تسأله بجدية هذه المرة تذكره: "مش عايز برضه تعرف الحاجة اللي هتساعدك؟" "نفسي طبعاً، قوليلى!" ردد كلماته بقلة حيلة، ولا يعلم هو أن الآتي منها سيغير وضعه تماماً. ابتلعت ريقها بسرعة ورجعت من خصلاتها خلف أذنها وهي تقول بدراما مكشوفة: "أيوة.. بس كده هبقى فتّانة وهطلع وحشة أوي فنظر..." "ده إحنا دفنينه سوا يا ويسو عليا أنا برضه الكلام ده، طلعي اللي عندك وبلاش الدور المفقوس ده!" كان قوله مرحاً مما جعلها تضحك بخفة. فاعتدلت تتنفس بعمق وأخفضت صوتها رغم أن باب غرفتها مغلق ولم يكن معهما أحد غيرهما فقط. "بص.. إمبارح وإنت فالشغل لما ماما قفلت معاك عشان تعرف هترجع إمتى على الغدا، كان غسان قاعد معانا وبابا كمان. فهي لما قفلت قعدوا كده يجيبوا سيرتك، وبابا قعد يقول لغسان إنه يمشي الدنيا أكتر وميعاندش بقى مادام هو ضعف كده واتكشف والدنيا هدت شوية. فضحكوا والكلام جاب بعضه.. وجابوا سيرة فرح." ابتهجت ملامحه وانتظرها تكمل. فواصلت تكمل بنفس التفصيل الممل المضحك: "المهم. ماما قعدت تقول إنها طيبة وبنت حلال ومامتها كمان وغسان اتكلم عن عز أخوها برضه. فغسان لمحله كده بمكر إن يعني هيبقي رد فعله إيه لو إنت فتحت الموضوع تاني وروحت قولت إنك عايز تتقدملها. سكت شوية وقال وهو بيتريق حاجة كده مش فكراها أوي بس كان بيقول تقريباً: على الله ميقولش غصب عنك. بس هي حاجة ليها علاقة بكلامك وأسلوبك معاه آخر مرة اتخانقتم. غسان قعد يهوش ويلين كده فالكلام ودافع إنك مكنش قصدك وإن أسلوبك حاجة ودي حاجة تانية وشوية كلام كده عن النصيب بقى والبتاع!" أعطته أملاً. اتسعت ابتسامته واقترب يقبل وجنتيها بقوة. فتقززت هي. نظر حوله بغير تصديق حتى هتف بفرحة ظاهرة: "إنت عارفة ده يعني إيه؟ يعني أنا كده هيبقي ليا عين أفتح الموضوع اللي كنت خايف أفتحه!" "غسان"! وأه منه. فكر سريعاً به بتأثر. فالآخر لا يكف عن مساندته حتى ولو وجعه. وكأن شقيقته تفكر بما يفكر به هو الآخر فوكزت كتفه بمشاكسة وقالت بغمزة عين: "اشكر غسان بقى.. وأشكرني كمان عشان نقلتلك الكلام وهتدخلني النار!" ضحك بإنهزام وأمسك ماسيعقد به خصلاتها حتى فعلها وسمع أصوات في الخارج فاعتدلت تنهض وهي تخمن له: "شكل شادي ومنة جم بره، يلا نطلع!" خرج هو أولاً وتركها ترتدي شيئاً يسترها كمحجبة أمام غريب عنها. سمع صوت دلال وهي توبخ شادي بصوت عالٍ: "كده برضه يا شادي؟ أنا مش محلفاك يا واد متجيبش حاجة!" جاء وابتاع علبة من الجاتوه بسبب عيد ميلادهم واجتماع العائلة بعد قليل. رد عليها بمرح ودخل يسند الأكياس والعلب في المطبخ كما دخل بسام يرحب به ويساعده. جلست منة في الصالة وخرج حامد من غرفته حتى اقترب يرحب بها بلطف وقال بلين يسألها باهتمام: "عملتي إيه فالامتحان يا حبيبتي؟ باباكِ كان بيقول إنك مكلمه وأنتِ متوترة!" ابتسمت له بتقدير. فتحركت حتى جلست بجانبها وأجابته وهي تخرج أنفاسها بصوت: "والله أنا عملت اللي أقدر عليه بس كان صعب جداً والدفعة خارجة معيطة حتى جميلة!" طمأنها بأمان. ظهر في نبرته واقترب شادي يجلس بإنهاك وهو يسمعه يطمئنها حتى شجع حامد بقوله: "قولها يا حامد قولها فاكرة الامتحان نهاية العالم! بقنع فيها من ساعتها إن امتحان الآخرة ونجاحها في بيت جوزها أهم مش مصدقاني!" ضحكت عليه حتى غمزلها بمشاكسة تحت ضحكات حامد. اقترب بسام يجلس وخرجت وسام واقتربت دلال هي الأخرى مع سؤال شادي المتهم: "أومال فين أبو الغساسين؟" وكأن كان ينتظر السؤال كي يدق على الباب. نهض بسام يفتح الباب وما أن وجده نبس حامد من خلفه بضيق له: "إنت غاوي تعب يا بني؟ مش المفتاح معاك؟" كانت نيروز تتأبط ذراعه فدخل معها والسعادة تظهر بعينيه بشدة وعلى وجهه. كبرت دلال ما أن رأته كذلك. فوقف هو تحت ضحكة نيروز الواسعة وهو يتهف لوالده بحماس: "استني بس يا حامد، أعصابي مش فيا، جايبالكم حتة خبر هيموتكم من الفرحة!" "لا حول ولا قوة إلا بالله.. يموتنا ليه بس يا بني؟ خير إن شاء الله!" قالتها دلال تحت ترقب الكل. فابتلع ريقه وتعلقت عيناه بعينيها وقد قرر إخبار عائلته بشكل خاص غير العائلة في العموم. جيد أن صديقه هو الآخر هنا. ترقب شادي ومنة ووسام وبسام، وحتى والديه معاً. فأعطته القبول بخجل كي يرددها هو لهم. وقفت. تنفّس بعمق ونظر نحو وجه "حامد" و"دلال". رمى قنبلته لهم بقوله الذي ظهرت به السعادة: "هتبقوا جدو وتيتة قريب!" ثم واصل بنبرة أكثر ارتفاعاً يؤكد صدمتهم الفرحة: "نيروز حامل!" شهقت "وسام" بفرحة، ونظرت "دلال" بسعادة بالغة. كما توسعت بسمة "بسام" و"شادي" بغير تصديق. نظر "حامد" بقوة في عينيه كي يتأكد من أنه لا يمزح. في حين أدمعت عيني "نيروز"، وهي تسمع سؤال "دلال" بفرحتها الكبرى: "ونبي صحيح الكلام دا يا نيروز؟!" حركت "نيروز" رأسها بنعم. فدفع "شادي" "غسان" بشبابية داخل أحضانه حتى انضم لهم "بسام" وهم يهللون بصوت عالٍ فرحاً وسعيداً. في حين عانقت "منة" و"وسام" "نيروز". وخرجت تحتضن "دلال" التي ضمتها بسعادة وهي تردد بتلقائية: "تصدقي اني كنت حاسة ان في حاجة حلوه هتحصل. الحمد والشكر لله يارب!" أما هو، فنظرت له "دلال" بسعادة وضمه بعاطفة جياشة. إلى أن قبّل رأسها ببرٍّ تحت عناق "نيروز" لـ"حامد" وهو يردد لها: "ألف مبروك يا حبيبتي ربنا يقومك بألف سلامة وتجيبلنا حفيدنا سالم معافي وشبهك كده وحلو زيك بالظبط!" تأثرت في حين كان تصفيق "شادي" بحماس هو و"بسام" مبهج وكأنهما يحتفلان بإنجاز عظيم. ضحك "غسان" عليهم من بين مسكة ليد والدته التي أدمعت عينيها بحب وقالت بتأثر: "هتكبر أمك يا غسان.. هتكبرها يا واد.. الف مبروك يا حبيب قلبي يجي بألف سلامة ويتربي فعزك يارب!" عانقها مجدداً بغير تصديق، وتوجه بنفسه ناحية أشقائه يحتضنهما معاً. وقال بمشاكسة متأثرة: "هتبقي عم يا بسام.. وانت كمان يا وسام هتبقي عمه حرباية من اللي بيقولوا عليها دي!" نزلت دمعتها بتأثر وقالت بصدق: "أي حاجة منك مستحيل أبقي وحشه فحقها يا غسان. ربنا يقومها بالف سلامه هي والنونة. ساعتها هثبتلك اني مش هبقى حرباية!" ابتسم وقبّل رأسها. في حين رفع "بسام" كفه يضعه على كتفه وقال بنبرة مهزوزة متأثرة: "أنا مبسوط أوي يا غسان. مبروك وان شاء الله يجي بخير ويبقي ذرية صالحة. هتخليني عم يا عم!" وقبل أن يرد عليه تدخل "شادي" يرد هو الآخر: "وهيخليني عم أنا كمان يا عم!" عانقهما "غسان" بكلتا ذراعيه ونظر ناحية "حامد" الذي تمعن النظر بولده بفرحة لسعادته الشديدة. وضع كفه على كتفه بتأثر وقال بنبرة هادئة يبارك له: "مبروك يا حبيبي!" لم يستطع قول أكثر من ذلك من شدة التأثر. وعلم "غسان" ما يمر به في الحال فتوجه برأسه يقبّل قمة رأسه وغمز يغير الوضع عندما قال بمشاكسة: "ابسط يا حامد. حققتلك أمنيتك!" التف الكل حول "نيروز" التي ابتسمت لـ"منة" بسعادة من قولها وردت بحب وطيبة: "وعقبالك يا منة انت كمان يارب!" ردت لها لطفها في الحديث ومن مشاكسته لهم في ضربهم بخفة شبابية. تعلقت عينيه بعينيها وأدهشها رد فعله وحماسه المفاجئ. علمت أنه كل يوم يسرق منها قلبها أكثر. شردت بملامحه وتمسكت بدور من تحمل برحمها جنين بالنظر نحوه كي يأتي طفلها شبيهاً لوالده. غمز لها فحركت رأسها بحياء. وقد سمعت عراك والدتها مع "وسام" على طبيعة جنس المولود وجلوسه معها ام معهم ام شبيهاً لها ولهم؟ كل ذلك وهي التي اكتشفت اليوم بصحة حملها. ضحكت وهي تسمع الأصوات المتداخلة بين بعضها وغمرتها السعادة من جديد حتى انتبهت على ضحكات "منة" عليهم وفاقت على قول "دلال" المتلهف: "اسمعي بقا يا حبيبتي. انتي متعمليش حاجة أبد وتخلي بالك من نفسك كده وبلاش تتعبي نفسك!" أومأت دون حديث فقط تنظر بخجل خاصة من عينيه التي تحاوطها. تحركت قليلاً إلى أن دخل "غسان" خلف "دلال" المطبخ ولحقهما "شادي" و"بسام". في حين طالعها "حامد" بحب وظهرت السعادة على محياه وهو يبدأ بقوله الذي أثر بها: "قعدت يومين مش فاهم سبب زيارة ابوكي الله يرحمة ليا فالحلم. بس دلوقتي كل حاجة بانت. سبحان الله!" ترقبت ملامحها وقالت بلهفة: "بجد؟ شوفته؟ قالك ايه؟ إحكيلي لو ينفع!" أثر به لهفتها على والدها حتى بأحلام! أثار شفقته وعطفه أحياناً. لاحظ اقتراب "غسان" وحده كي يجلس بجانبها وبدأ هو في اكمال حديثه: "أه شوفت سالم الله يرحمه. كان لابس أبيض وماسك لفتين على دراعاته الاتنين وجه من بعيد وأنا كنت قاعد بصلي الفجر فالمسجد. دخل من الباب وهو على دراعاته لفتين بيض وكانوا أطفال صغيره لسه مولوده وبتعيط. ولما سألته مين دول قرب يعطيهملي وسند واحد على رجلي والتاني سابه على الأرض وضحكلي ومشي من غير ما يجاوب!!" أدمعت عينيها حتى هبطت دمعتها. فابتلع "غسان" ريقه ببطء وهو ينظر لها حتى رفع أنامله يمسح دموعها وقال بمشاكسة يخفف عنها: "بتعيطي ليه دلوقتي دا بيقولك لفتين. ليكونوا توأم!!" ضحكت من بين دموعها. ونظرت له باستخفاف أيمكن أن يتحقق الحلم بالتفصيل وليس جزء منه او الرسالة! ضحك وهو يضم رأسها ناحيته داعياً لوالدها بالرحمة. وحمل طبق الحلوى يعطي لها برفق وهو يحثها على تذوقه. اقترب "شادي" مع "بسام" وانحنى أمام ركبتي "غسان" يردد بمرح: "خد يا غس هديتك. كل سنة وإنت طيب والسنة الجاية يكون فوسطنا حبيب عمه يحتفل معانا بيك!" أمسك منه الكيس حتى نظر كي يرى ما محتوى الهدية. إلى أن وجد هيئة طقم كلاسيكي كامل. هكذا اعتادوا على جلب هدايا حتى ولو بسيطة. ابتسم له بحب وقال بتقدير: "مقبولة منك يا شوشو. وأنا اللي قولت هتزودلي المرتب وهتدلعني." يمرح لا أكثر لأنه يعلم بأن لا دخل به بمرتبات الموظفين. ضحك الآخر وغمز له وقال وهو ينظر لهم جميعاً: "نزودله المرتب ومالو. غلبان وداخل علي بامبرز ولبن وسيريلاك ودكاترة وحوارات!" نظر بريئه وفرحته جعلته يتناسى كل ذلك. ضحك الجميع بيأس منه. وبالتأكيد قد جلب "شادي" هدية أخرى لـ"بسام" هو الآخر. وخلال دقائق اعتلى جرس المنزل. فنهض "بسام" يفتحه حتى وجدهم أمامه مجتمعين. من "حازم" و"ياسمين" و"فريدة" وحتى "بدر" و"وردة" و"يامن" وكذلك "عز" الذي جاء ومعه عائلته الصغيرة من شقيقته وزوجته ووالدته. كما دخلت "سمية" هي الأخرى تجلس بجانب إبنتها برفق تسأل عن حالها. وتبعهم "عايدة". جلس الكل بصالة المنزل وتقابلت عيني "بسام" معها فـهربت من نظراته وهي ترحب من "وسام". فـاعتلى صوت "حامد" وهو يسأل: "أومال آدام وفاطمة إتأخروا ليه كده؟" أجابه "بدر" بأنهم في الطريق. بينما وقف "غسان" يردد بحماس قد ظهر: "إحنا عاوزينكم تتجمعوا كده عشان عندنا ليكم خبر حلو!" "خير يارب!" هتف بها البعض. وجلس مجدداً يتحدث مع "عز" في حين جلست "جميلة" بجانب "نيروز" تتحدث معها بعشوائية وعينيها لا تغفل عن "عز" الذي وبسهولة تجاهل شعورها بالغيرة والخوف عليه كزوج! ما هذا البرود؟! "شكلك حلو أوي النهاردة!" من قال؟ "بسام"؟ منذ متى وهو بارع في قول كلمات بثبات؟ لأنثى، ورغم أنه عاش تجربة سابقة إلا أنه يشعر بأنها أول من يشعر اتجاهها بهذه المشاعر المختلفة والمتخبطة. تورّدت وجنتا "فرح" ونظرت له باضطراب حتى قالت بتعلثم: "شكرًا، ده من ذوقك يا دكتور!" "ما بلاش دكتور، يعني أنا بحب التواضع والله. قولولي بسام ماشي." ضحكت بينما كان يتحدث بجدية عفوية غير قاصدًا مشاكساتها كونه يتحرج دون وجود مسمى بينهما. فيقل هو من نظرها. تأمل ضحكتها الواسعة وهي تحرك رأسها بموافقة وتأخذ عليه وقت بعد وقت: "حاضر يا بسام!" اسمه منها لحن، أم أنه يبالغ؟ هذا هو الحب. خفق قلبه بسعادة. ولو جلس يشرح لأحدهم عن أن عينيها جميلة جمال مبهر حتى تُرسم بلوحة ما بنفس النمط لم تظهر بنفس هذا الجمال، هكذا يراها. وعلى الرغم من أن ملامحها تكاد تكون عادية جداً، إلا أن ما يميزها هو سمار بشرتها الخفيف مع أهدابها الكثيفة السوداء الكحيلة ومدى وسعها ولون عدستها الداكن المائل إلى السواد بينما لم يكن كذلك. كما أن خصلاتها نفس الشيء شديدة السواد والنعومة! نسخة ثانية مصغرة من والدتها ولاحظ هو ذلك. كلما تسحبه أفكاره وشروده بها يستغفر في الحال. حتى أن شيطانه جعله يقيمها بالكامل حتى من نمط جسدها الممشوق وأنها فتاة متوسطة الطول. وجد من يشير له أمام وجهه وكان "غسان" الذي نظر له بتوبيخ غلفه المشاكسة حيث أن الأخرى قد اختفت من أمام أنظاره. علم أنه قرر نسيان ما حدث بينهما. فضحك على نظرة شقيقه ووجده يقول بنبرة خبيثة: "مش بطلنا شغل المراهقين ده من زمان!" شاكس "غسان" بتعنيف وأرسل له تحذيراً مبطناً. فتنحنح "بسام" بيأس واقترب يقول باستسلام: "مش عارف يا غسان بقا مالي كده. بس صدقني المرادي، أنا بحبها بجد ومش طايل حتى ألمحلها بـ دا!!" يتشتت له وإلى الآن لم يقتنع بصورة كاملة. ربت "غسان" على كتفيه وقال مردداً يحثه: "الصبر... الصبر يا بسام وصدقني إنت لو هي ليك، محدش هيقف فطريقكم!" زفر بصوت عالٍ وتركه حتى وجد "عز" ينفرد بنفسه ناحية شرفة صالة شقتهم كي يدخن سيجارته. اعتلى صوت هاتفه من جديد فزفر بملل وحديث "جميلة" يتردد بأذنيه بقوة. سمعت صوت دقات هاتفه التي تحفظها. فنهضت تنسحب حتى دخلت عليه. لم يدير وجهه لها بل هي من اقتربت تسأله بهدوء شديد: "هي تاني، صح؟" قرر عدم الرد كي لا يلفت الأنظار لهما بشيء خاص كهذا. لذا نفث دخان سيجارته ببطء وهو يضع الهاتف بجيب بنطاله. فتوقفت يديه عن حفظ الهاتف عندما أخذته منه بهدوء شديد تنظر نحو الشاشة وما إن وجدت اسمها نظرت بخيبة وابتسمت بسخرية من عدم أخذه لموقف إلى الآن. "مردتش عليها ليه؟ ما ترد، ولا خايف تجرح مشاعرها ومشاعري أنا مش مهم؟!" ابتلع ريقه وكشخص صبور مثله تحمل إلى أن أخذ الهاتف من بين يديها وحثها قبل أن تظهر حدته: "هاتي يا جميلة ربنا يهديكي. هي قفلت خلاص. اسكتي بقا وريحي دماغك وأطلعي اقعدي معاهم على ما أجي وراكي!" وضع الهاتف بجيب بنطاله. فأدمعت عينيها بحزن وقالت تواجهه: "انت بتتعامل كده ليه؟ ليه مش مقدر مشاعري؟!" تعمد الصمت وهو ينظر نحو عينيها وعندما شعرت بأنه عجز عن قول شيء، حركت رأسها بتفهم وحاولت الانسحاب فأمسك هو معصمها يقاطع سيرها بقوله: "يا جميلة إفهمي أنا..." وقبل أن يكمل واجهته بصراحة هادئة تخبره بضيق قلبها قبل ضيق ملامحها ومشاعرها: "انت شايف مفيش حاجة تستاهل مع إن مشاعري تستاهل يا عز!" حاول "عز" مقاطعتها كما قاطعته هي وردد يبرر لها مباشرة: "إنت شايفه الموضوع من نحية تانية، أنـ.." فصلت يديه عنها وشعرت بأنها يجب الانسحاب ومعاقبته بالصمت. كان من المفترض أن يرد ويخبرها بأنه سيحول مسؤولية العمل تبعها لغيره كما قال، لما لم يفعل ذلك؟ تركته وخرجت من الشرفة قبل أن يكمل فأخرج أنفاسه بإنهزام ولأول مرة يوضع بموضع كهذا. أما عنه فهو ليس بلعوب ليفعل شيء عكس ذلك وإنما يحافظ على زبون عمله منذ فترات كبيرة. مخلص ولكن تراه هو بأنه لا يجب أن يكون مخلص لهذا الحد خاصة بعدما تزوجها! خرجت نحو المرحاض كي تغسل وجهها لتفوق أكثر. هي الأخرى لأول مرة تجرب هذه المشاعر لذا كان سهل عليها أن تبكي. ومن بين الحديث العشوائي، فتح الباب ودخل "آدم" و"فاطمة" وصغارها الثلاثة. هرول الصغار إلى الداخل ودخلت هي ترحب بهم. في حين اقترب هو من جلوس "فريدة" التي انحنت تقبل وجنتي "أدهم". وعلى بعد قليل دخلت "فرح" تساعد "دلال" في المطبخ بعدما نادتها الأخرى بخبث كي ترى مستقبل ولدها. تعمدت فعل ذلك وهي تتمنى بأن يأخذ "بسام" الفرصة ولأنها تتلهف لذلك بعدما عرفت طبيعة شخصية "حنان" الطيبة. سألتها وهي تقف معها تساعدها بحرج يزول تدريجياً: "قوليلي يا حبيبتي هو في حد كده ولا كده فحياتك؟ ولا حد متكلم عليكي؟ محجوزة يعني؟" نظرت "فرح" بخجل وهي تناولها الأطباق وقالت بصراحة: "لا يا طنط مفيش، مفكرتش قبل كده يعني." همهمت بمكر واستأذنت تجلب منشفة للأطباق وتركتها ترص الأكواب. ومن بين ذلك كان منهم كوب له حد بسبب كسر لم ينتبه له أحد فأصيب إصبعها حتى تأوهت وهي تحركه بجانب بعيداً عنهم. تخلل أذنها صوته وهو يرد على أحدهم في طريقه إليها: "ثواني جايلك أهو!" دخل "بسام" وهو يرفع الستار وتوتر على الفور عندما وجدها تقف كذلك بحرج. رفعت وجهها وحركت يديها كي تخفيها عنه بحرج، ولكنه انتبه وبلمح البصر اقترب يسألها بلهفة حاول اخفاءها: "من ايه الدم ده؟ انتي كويسة؟" "أه.. الكوباية بس كانت مكسورة ومخدتش بالي!" ورغم إرتباكها قالتها. نظر نحو الكوب والتقطه كي يضعه في سلة المهملات. وجذب منديل ورقي من على الطاولة حتى مد يديه لتعطيه كفها. ترددت وحبست أنفاسها عندما مد يديه هو يضع المنديل الورقي على أصبعها كي تكتم الدماء. رفعت رأسها وتمسكت بيديها وهي تبتسم بإهتزاز مرددة له بامتنان: "شكراً." ابتلع "بسام" ريقه ووقف يجلب زجاجة المياه الذي كان يدخل لأجلها. وابتسم لها بإتساع وقال ببشاشة يشملها بنظراته: "خلي بالك من نفسك كده. دا إنت غالية بردو مهما كان. وبعدين إيه اللي مدخلك المطبخ؟ بتحبيه ولا إيه؟" قالها بمرح وحرجة يزول بمرور الوقت. فضحكت بخفة وهي تجيب بتلقائية: "لا.. بس مامتك قالتلي أساعدها عادي أنا متعودة على كده!" جاب أفكاره لؤم والدته في الحال. وشعر بأن الأمل يزداد. ضحك بخفة وقال يشاكسها في الخفاء يحاول زوال التوتر شيئاً فشئ: "تبقي بتحبك. خدي بالك محدش بيدخل مطبخ أمي ألا اللي بتحبه!" اعتلت ضحكتها الخفيفة ودخلت "دلال" حتى توقفت بغرابة. مسحتها من على وجهها في الحال تتصنع المفاجأة وهي تقترب منه مرددة: "انت هنا ي حبيبي!" دار رأسه ينظر وهو يومئ لها. وجد المكر على ملامح وجهها وتجاهل ذلك وهو ينسحب بحرج إلى الخارج. تزامناً مع جلوسهم جميعهم مع بعضهم، جلس "غسان" بجانبها واضعاً ذراعه عليها مع الحديث العشوائي بينهم وبين بعضهم. في حين سمعوا صوت دقات الباب، فتوجهت "دلال" تخرج من المطبخ سريعاً قبلهم كي تفتح، كونها من دعتها بلباقة. فتحت الباب بسرعة فوجدتها تقف بحرج، حتى رفعت رأسها تبتسم لها. فردت "دلال" بحرارة ترحب بها: "أدخلي يا زينات، تعالي اتفضلي!" رغم غرابة البعض، ولكن تجاهل من انتبه، عدا "نيروز" التي ابتلعت ريقها وهي ترفع رأسها تنظر ناحيته. فوجدته ينظر بغير اهتمام، حتى مال يهمس بجوار أذنها بما لا يغفل عنه: "انتي خوفتي ليه كده؟" بالفعل وجد الخوف في عينيها، خاصة بأنهما سيعلنان بعد قليل خبر حملها. ابتلعت ريقها وقالت تصارحه بالحقيقة: "علشان هتعرف، وأنا.. أنا لسه مش عاطياها الأمان!" زفر بصوت عالٍ ولاحظ جلوسها بجانب "فريدة" بحرج، فعاد ينظر ناحيتها وأخفض صوته وقال بجدية يطمئنها: "محدش يقدر يمسك بسوء طول ما أنا جنبك. والله ما هيكفيني فيهم حاجة لو حد جرب يعملك حاجة، متخافيش!" ونظر نحو معدتها التي لم يظهر عليها شيء، وعاد ينظر بعينيها. ففهمت أن شيئاً كهذا لا يستطيع أي منهما إخفاؤه، خارج مقدرتهما، خاصة أن ما هي سوى أشهر وستبرز بطنها. ابتلعت ريقها وأومأت، ولم تشعر بحديثه إلا بالأمان، لطالما معه لن يمسها أحد بسوء. حركت رأسها بابتسامة هادئة، ولاحظ جلوس شقيقه بجانبها هذه المرة. بينما نهضت "نيروز" برفق، ولم تغفل عن انسحاب "جميلة"، فانسحبت ترى لما تأخرت. شملها بنظراته والسعادة لا تتركه بخبر كهذا. بينما جلست بجانبه هذه المرة "سمية" التي ربتت على ساقه ونظرت له بفرحة، وقالت بصوت منخفض: "ألف مبروك يا بني، ربنا يكملها على خير ويتربى فعزك يارب!" ابتسم لها بفرحة، وربت على كفها بإمتنان. حتى خرج "عز" من الشرفة وتقابلت عينيه مع شقيقته التي تندمج بالحديث معه ومع شقيقته. شملها بنظرات متفقدة. وقبل أن يتحدث، مد "غسان" ذراعه بمرح، حتى اندفع "عز" يجلس بجانبه، فمال يهمس بملاحظة: "مالك يا عزوة مش فالمود ليه؟" زفر "عز" بصوت عالٍ، فعاد "غسان" يخمن بمرح: "أستنى أنا قربت أفهم، دا نكد صح؟ متنكد عليك يمعلم!" ضحك "عز" بخفة وأكد بسخرية. فعاد "غسان" يردد بحسرة مضحكة: "أيوة عارف أنا النكد ده، بس انت ملحقتش يعني ولا العرك ناطط لسابع جد في العيلة دي!!" لوي فمه بسخرية مرة أخرى وأشار له مردداً بحديث شبابي: "هو أنا كنت لحقت أولاني أصلاً؟ بس شكلك كده عندك حق، هو باين عرق ودساس!!" ضحك عليه بخفة، وسرعان ما وجد "جميلة" تخرج مع "نيروز"، فمال يهمس بجوار أذن "غسان": "مراتك بتهدي الدنيا، ولا كل حاجة هتفضل زي ما هي؟" سأله بترقب، فضحك "غسان" بقوة، ورد عليه بحديث لم يطمئن الآخر تماماً: "أحب أقولك إنها هتولع عالآخر يا عزوة!" شهق بطريقة مضحكة، فشاكس الإثنان بعضهما بمرح، وخفف عنه "غسان" ينصحه بالتمهل دون فهم شيء. بينما ردد ذلك كونه لم ينس ما عانته "جميلة". وجد "والده" يشير له تزامناً مع تقديم العصير لهم والحلوي. فإعتلى صوت "بدر": "كل سنة وأنتوا طيبين، ان شاء الله تبقي سنة كل واحد فيكم يكون محقق اللي هو عاوزه!" ردو عليه ووجدوا الكلمات اللطيفة من الكل. فخرج صوت "غسان" مردداً بالبشارة: "السنة الجاية ان شاء الله يكون معانا ضيف جديد، وبما انكم متجمعين فعاوز أقولكم على الخبر!!" ترقبت أنظار الكل، فوقف هو يردد بشموخ وسعادة ظهرت في نبرته: "عاوز أقولكم إن.. غسان البدري هيبقي أب يجدعان!" فتحت الأفواه واندهش الجميع مع أصوات التهليل العالية. بينما هي وجدت "جميلة" تشهق بصوت مسموع وهي تندفع بأحضانها. وركضت "ياسمين" كالمخلته تسألها بلهفة: "بجد؟ بجد يا نيروز؟" أومأت لها وهي تضحك بملء شدقيها، فعانقتها. وإلتفت النساء حولها كما الفتيات، حتى "فرح" و"فريدة" و"زينات" التي ابتسمت بلطف عندما سمعت للتو. في حين وقف "بدر" بفرحة عارمة يضم الآخر بصلابة، وهو يقول بنبرة مهزوزة من الفرحة: "ألف مبروك يا غسان، ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يباركلكم ويكمل حملها على خير ويقومولك بألف سلامة!" شدد من عناقه، كما عانقه "آدم" بمشاكسة وهو يردد بمرح: "هبقي عم للمرة التانية يا غسان يا بدري!" غمز له بإعجاب، فوجد "عز" يبتسم بسعادة من بين الحديث الشديد وقال وهو يقترب ليحتضنه بمباركة: "مبروك ي صاحبي!" ردد له المباركة وشعر "حامد" بمعنى الفرحة، رغم أنه لم يواجهه بحديث متأثر، إلا أنه يسعد لأجله بقوة. لأول مرة يطالع فرحته بهذه الدرجة. فرحت "وردة" كثيراً، كما كانت "عايدة" التي تحب التساؤل عن هذه الأشياء. ووقفت "زينات" أمام "نيروز" كما هي. بينما هذه المرة قالت بنبرة هادئة نقية: "مبروك يا نيروز. وربنا يقومك بالسلامة ويعدي شهور حملك على خير!" أومأت لها بابتسامة متكلفة ولم تنظر بعشم كي ترمي بأحضانها، بل أومأت فقط. تحت فرحة "حازم" الشديدة بالخبر وهو يعانق "غسان". كما سعدت "حنان"، وهي تتحدث بلهفة عن الخبر مع "دلال" والنساء. في حين تمسكت "ياسمين" التي برزت معدتها قليلاً، وقالت بفرحة شديدة: "أنا مش مصدقة خالص بجد يا نيروز!" عانقتها عقب قولها هذا. فردت "وردة" بمرح: "أنا بقا مصدقة أوي ان اخواتي الاتنين حوامل وزي القمر، ربنا يقومكم بألف سلامة ومشوفش فيكم حاجة وحشة أبداً!" عانقتهم وهبطت دمعتها بتأثر، كانت تضمهم بذراعيها كونها الكبرى. في حين ابتلع "بدر" ريقه بصعوبة وهو ينظر إليها متفهماً هذه اللحظة بقوة. بل ورغم أنها راضية، ولكن أخبار كهذه بالتأكيد توجعها من الداخل، حتى وإن كانت تحب الخير لهما، ولكنها بالنهاية حرمت من الإنجاب والحمل مرة أخرى غير مرتها الأولى الصعبة جداً!! وكأن خبر "نيروز" بحملها جعل "جميلة" تغير قليلا من سكونها بموقف "عز" معها، ضحكت بسعادة وتلاقت عينيها معه وهو يطالعها بشغف، وكأنه يتمنى هذه اللحظة ولكن لهما هما في المرة القادمة. هربت بعينيها منه في حين كانت تجلس "وسام" بينهما حيث "بسام وفرح". فقالت بلؤم: "عقبالك انت كمان يا بيسو لما تتجوز كده وتخليني عمتو بقا!" أصبح يفهم كل تلميحاتها الماكرة، ومؤخرا كل تمليحاتها تنصفه وتساعده. ابتسمت "فرح" لهما بلطف، فعاد هو يتحدث بهيام: "يارب يا ويسو، ويحنن قلب الدكتورة بقا وتاخد بالها إني بحبها!" كان ينظر ناحيتها وعندما رفعت عينيها بغرابة نحوه، حرك عينيه نحو شقيقته فوجد السؤال منها بتلقائية تستنكر: "هي متعرفش؟" ابتسم بلطافة ونفي برأسه. ولأول مرة تتعمق هي في النظر نحو ملامحه لما تسألين؟ وبخت نفسها ولكن وجد الرد من "وسام" وهي تجيب بنفس اللؤم: "لأ يا فرح، بجد صعبان عليا اوي تخيلي اللي بيحبها متعرفش إنه بيحبها أصلا." شعرت بالحرج من دخولها المفاجئ بشئ خاص كهذا، ولكنها نظرت بأسف لـ "بسام" وقالت له بإحترام في الرد كي لا تتدخل أكثر: "ان شاء الله تبقوا من نصيب بعض!" "تفتكري!" قالها وهو يحمل الكوب يعطيه لها، فأخذته وشقيقته تجلس في المنتصف بشكل مضحك بهذا الوضع. ابتسمت له بإمتنان وردت بإندماج، فعله أسلوبه معها وغير من الوضع تماما: "اه طبعا، إنت محترم جدا وممكن تعترف ليها بشكل كويس زي أخلاقك ساعتها هتفهمك وان شاء الله تكون بتبادلك نفس الشعور!" أخرج "بسام" أنفاسه بإهتزاز وقال وهو يجلي حنجرته متنحنحا بصوت: "دا ياريت والله تكون بتبادلني نفس الشعور، شكلها كده مش واخده بالها من أي حاجة. عندك أفكار ازاي أعترف لها وأمهد الموضوع على ما أدخل البيت من بابه وأتقدم لو هي وافقت!!" حاصرها وتوجب عليها الرد بالاقتراح! نظرت بعشوائية من وضعها بمثل هذا الموقف الذي يحتاج حديث مرتب وصمتت قليلا أمام نظرات "وسام" التي تكتم الضحكات. فردت هي بصوت هادئ: "بصراحة مش عارفة، لإن كل واحدة بتختلف عن غيرها. يعني مقدرش أقولك تقابلها تفتح معاها الموضوع ممكن تكون مش سامحة بكده، ومقدرتش أقولك مثلا تكلمها فتكون مش بترد علي حد غريب أو عاملة حدود!!!" وكأنها تفكر له بعشم، اندفعت في القول وهي تسأله مجددا: "هي.. هي تعرفك واتكلمت معاك قبل كده ولا مفيش بينكم كلام خالص؟ دي تفرق بردو!" وجد نفسه يحاصر بالحديث، فتنهد بارتباك. وكان رد شقيقته المندفع قبله وهي تقول: "عارفاه يا فروحة طبعًا، وبتتكلم معاه بس فاكرة انه بيحب واحدة تانية غيرها!" فتح عينيه على وسعها ووكزها في الخفاء، بينما انتظرتها الأخرى تكمل. وعندما انتهت نظرت بغير فهم لتبدل ملامحه. ابتلعت ريقها وشعرت بأن الحديث مشكوك به قليلا. تمسكت بالكوب بحرج من شعورها بأنهما يخفيان على بعضها تعابير وجه أمامها. فنظرت ناحية الجميع حتى وجدت كل منهم منشغل في الحديث. إبتلعت ريقها وسألته كي لا يفكر بأنها لا تود مساعدته: "طب دا سهل شوية عن انها متعرفهوش، هي اسمها ايه؟" هما من وضعا نفسهما بهذا الوضع السخيف المحرج والمربك. تركته شقيقته بندالة وهي تنهض وتمسك هو بيديها ولكنها تركته ربما تعمدت أن يواجهها. ولكنه حرك عينيه بعشوائية وابتلع ريقه كي يجيب بصراحة دون كذب: "اسمها فرح!" إهتز الكوب من يديها بطريقة ملحوظة، ولم توجه عينيها له إلا عندما ردد سريعا عندما شعر بتوترها: "صدفة صح؟ أصلها زي اسمك!" جاب عقلها عملها؟ لم تعمل معه ولم تكمل دراستها؟ هكذا قال. حاولت تجاهل ذلك وهي تبتلع ريقها ببطء، ثم قالت بنبرة مهزوزة: "اه.. صدفة حلوه واسم حلو مع اني بحبه بس مش اوي!" "ليه مبتحبيش اسمك؟" سألها بلين، فعادت تجيب بصدق مضحك: "مش لايق عليا!" حرك عينيه حوله ولاحظ تحرك الشباب ناحية الشرفة، فاقترب أكثر حتى أصبح جالس بجانبها ورد عليها بصراحة متعبه له: "غريبة مع إني شايفه لايق عليكي أوي، 'فرح' يعني نفس الوقت فرح وبهجة، وإنتِ يعني أي حد يشوفك بيحس ببهجة!" ماذا يفعل هو؟ كيف يردد كل مرة بحديث أجرأ من الذي قبله؟ اهتزت ملامحها وحتى عدستيها وهي تبتسم بخجل مرددة بشكر رسمي: "شكرا!" نهض تزامنا مع بسمته الهادئة يتحرك نحوهم في الداخل، أما هي فشعرت بسخونة وجهها من كثرة توتر الموقف. ورغم ان الفكرة لم تصلها بالكامل إلا أنها تحاول التجاهل. إقتربت من الفتيات، بينما جلس "أدهم" بجانب "فريدة" ممسكا هاتفها. وخرج "آدم" منسحبا حتى جلس بجانبها بأريحية واقترب يهمس بجدية: "ما تيجي ننزل نفتح المحل سوا!" شعرت "فريدة" بالعبث في نبرته وتحركت كي تبتعد عن قربه منها، حتى نفت بإحراج إذا فعلتها: "حد يسيبهم بعد الخبر ده برضو!" ابتسم يجاريها عندما شعر بسعادتها وقال بمراوغة: "لا، عقبالك!" استشعرت تلميحه المبطن، فابتلعت ريقها كي تتجاهل ما قاله لها لتوه. فعاد يتحدث بتأثر وهزمه قراره في عدم فتح الحوار من جديد: "فريدة.." دارت وجهها تردد: "نعم!" ٱخرج أنفاسه بصوت مسموع ووزع عينيها عليها وعلى الصغير الذي يستند على فخذها برأسه ممسكا بالهاتف. حتى رفع عينه ينظر داخل عمق عينيها وقال بفشل في اخفاء ما يجري بداخله: "ما تريحي قلبي!" نهضت برفق حتى ابتعد الصغير عنها. وقفت كي تنسحب بهروب، فأمسك معصمها بغير وعي حتى وجدها تدير رأسها تنظر بحدة له وهي توزع النظر بينه وبين معصمها الممسوك منه. تركها برفق وسارت هي ناحية البقية، فزفر هو بصوت عال بيأس. حتى ظهر على معالم وجه الخيبة يشعر بمشاعر مضطربة، والآن تأكد أنه يحبها بصدق، لما لم تشعر هي به؟ لما لم تود إعطاء فرصة له؟ جلست بجانب "زينات" التي ضيقت عينيها وهي تنظر نحوها ونحو "آدم" حتى سألتها بنبرة مندفعة متشككة: "إيه اللي بينك وبين آدم يا فريدة؟" تصنعت عدم الاهتمام ونفت باختصار: "مفيش حاجة بيني وبينه يا ماما، عادي!!" صمتت تنظر نحو ملامح وجهها بشرود، حتى عادت تنظر نحوه فوجدته يراقبها بعينيه، قررت أن تواجهها بوقت لاحق. في حين على الناحية الأخرى وقف "حامد" يربت على ذراع "بدر" وهو معه في الشرفة، وخرجت نبرته المطمئنة بقوله: "يبقى قولها النهارده عشان الميعاد قرب يا ابني، ربنا معاك!" أومأ له بثقل وهو يبتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه، خرج الشباب من المكان ناحية الخارج، فانسحب "بدر" خلف "عمه"، وقبل أن يجلس الجميع سمعوا صوت دقات الباب العالية في الخارج. نظر الكل حول بعضهم، وتقدم "غسان" بجانب "حازم" كي يفتح الباب وخلفهم الشباب البقية، مع قول "عايدة" بقلق: "خير يا رب، مين اللي بيخبط كده؟ وعلى باب مين؟" أيدتها "زينات" بغرابة: "مش عارفة، ومحدش هناك، كله هنا!" نهضت عندما استشعرت بالقلق، وعندما فتح الباب، صُدم "حازم" من ما رآه للتو من آخر أشخاص كان يتوقع قدومهم! "عمتي!!" لم تكن عمته مباشرة، بل شقيقة "زينات" ابنة عم والده. ابتلع ريقه بصعوبة، فهذه المرأة، "زينات" بجبروتها سابقًا، تعد نقطة ببحرها هي، متحكمة لحد كبير، ومن كبار العائلة. اقتربت "زينات" إلى الخارج، واهتزت ملامح "عايدة" و"سمية" وبالأخرى "نيروز"، التي رجعت خطوات إلى الخلف. كيف تنسى؟ من قاسمت إرث الفتيات مع عمها؟ هي من فعلت ذلك، ورغم أنها وأشقاءها أخذن حقهن، إلا أنهم ظلموا ولم يأخذ الحق وقتها كاملاً بسبب عمها. كيف تنسى "وردة" التي تبدلت ملامحها إلى الشحوب؟ هذه المرأة وابنتها من ضغطا على "زينات" بقولها كي يتزوج "بدر" ابنتها بسبب حالة "وردة" بعد إنجاب "يامن" وفقدان رحمها! كيف تنسى "سمية" وهي التي تعلم تمام العلم بأنها مكروهة منها وتُظلم بسبب تلقي التهم منها بأنها من وضعت علاقة "سالم" بـ "سليم" على الهامش منذ أن تزوجها "سالم". كل منهم يشهد لها شيء بحياته. أين كانت هي عند العقبات؟ أين كانت عند موت والده وعلم الكل بهذا الخبر؟ لم تستطع القدوم من سفرها، ولكنها الآن جاءت هي وأولادها! اقتربت "زينات" ترحب بهم بحرارة رغم خوفها مما هو آتٍ، بينما بعدما انتهت هي من ترحيبهم، نظرت نحو "حازم" وبقية عائلة الأكرمي، ورددت بنبرة قوية دون حرج: "إيه هتفضلوا واقفين متنحين كده؟ مش بدل ما تجروا على عمتكم وتسلموا؟ ولا خلاص اللي كان عايش مربيكم على الأدب راح!" اقترب "حازم" يرحب بهم وكأن قدومها كان ينقص الوضع. وقف "غسان" ينظر بترقب، وفتحت شقة "زينات" كي يدخل "سامر" يحمل الحقائب، وشقيقته تساعدانه. فقاطعهما "حازم" وهو يحمل عنهما الحقائب، ورددت "دلال" بلباقة قبل أن يرد عليها ويقترب أحد ليرحب: "اتفضلي عندنا الأول يا ست زهور، ميصحش تقفي تسلمي عليهم كده!" ورغم أنها كانت ستلتفت لتدخل شقة شقيقتها، ولكنها ابتسمت ابتسامة مصطنعة ودخلت عندما أشارت لها "دلال". لم تخلع حذاءها ودخلت بوقاحة، تجلس على المقعد وتبعها فتياتها. وعقب ذلك دخل "سامر" ومعه "حازم"، بعدما جاءت "زينات" تنتظر نهوضها كي تذهب معها نحو شقتها. وقفت بالركن، وترصصت "وردة" بجانب "ياسمين" و"جميلة" و"فريدة" ليرحبن بهم. كل منهم رحبت بها. وعند ترحيب "ياسمين"، نظرت "زهور" عمتها نحو بطنها البارزة قليلًا، وابتسمت بسخرية، تردد: "وطلعتي حامل كمان.. لا دي في حاجات كتير الظاهر إني معرفهاش وكأني غريبة!" وقفت تلك المتبجة دوماً، ونظرت نحو عينيها بجرأة، وكالعادة كانت "ياسمين" التي ابتسمت تردد ببساطة جريئة: "غريبة فعلاً يا عمتي لما متجيش عزاء ابن عمك اللي بقرب أخوكي الله يرحمه. أما الحمل فدي حاجة منحَبش كل الناس تعرفها، أصلي بخاف من الحسد. حتى اسألي حازم جوزي!" اغتظت ملامح "زهور" ونظرت بحدة نحوهم، حتى عادت ترد بنبرة قوية مجددًا: "لسه لسانك طويل وعايز قطعه يا بنت سالم!" "مش أطول من عمرك يا عمتي، ربنا يخليكي!" تجاهلتها ونظرت نحو "جميلة" الواقفة بجانب "عز" وشقيقته ووالدته، حتى ابتسمت مرة أخرى بسخرية وهي تعود بنظراتها نحو "عايدة": "لا بس يا عايدة، لعبيتها صح وكنتي قليلة الذوق لما متصلتيش تعزميني على فرح بنتك. عالأقل كانت عزومة مركبية طالما جوزك كان في السجن. مع إني اسمع إن الجوازة دي مكنش موافق عليها المرحوم ودا فيه كلام بعدين!!!" اهتزت ملامح "جميلة" رغم تحول ملامح "عز" للاستنكار. وردت "عايدة" تتحلى بالجرأة: "الظروف مكنتش أحسن حاجة ومكنش جوزي ساعتها يا زهور. ابن عمك طلقني قبل ما يدخل السجن، يعني طلقني قبل فرح جميلة بفترة!" رمشت "زهور" بغير اهتمام وأخذت الكوب من "دلال" التي قدمته لها بلباقة كونها ضيفة. أهبطت أنفها تشم قبل أن تتجرع منه بتبجح، وملامحها تنكمش تلقائيًا. وقف "سامر" ينظر ناحية "فريدة" بتسلية، كبرياء، وإلى الآن يتذكر دناءة فعلته المتهورة قبل سنوات. هربت بعينيها منه وحاولت الانسحاب كي تهبط لمحل الورد دون أن يلاحظ أحد. وقاطعها نبرة "مروة" ابنة "زهور": "رايحة فين يا فوفو؟ مش هتقعدي ترحبي بخالتك وولادها؟" "دي لسه ليها حساب عسير.. صحيح يا بت اللي سمعته ده؟" رددتها "زهور" بجرأة دون أن تفعل حساب للجميع. فقاطعتها "زينات" بحزم: "زهور!! بلاش الكلام ده.. لينا بيت نتكلم فيه مش وقـ" "اسكتي إنتي يا خايبة.. ليكي عين تتكلمي يا زينات بعد ما ضيعتي بيتك وولادك من إيدك. ما انتي ما لو مربياها مكنتش فلتت من تحت إيدك ومشيت زي ما سمعت، لكن نقول إيه.. مياعة وقلة أدب!" اندفعت "فريدة" تصرخ بها على فجأة: "بس.. متقوليش عليا كده! مش هسمحلك تتكلمي في حقي!" ترقبت الأعين بترقب وخوف لما هو آتٍ. واقترب "سامر" بجرأة يضحك باستفزاز حتى ردد بتهكم: "جرا إيه يا فوفة؟ إيه اللي حصل بس؟ مش دي كانت خالتك حبيبتك ولا الدنيا جت عليكي أوي كده!" اقترب "حازم" قبل أن ترد عليه حتى أشار لها بنبرة منخفضة: "امشي يا فريدة من هنا دلوقتي، انزلي اقعدي في المحل!" سمعت حديثه ولبته، وعاد يلتفت ليردد بحدة لها: "لاحظي إنك بتتكلمي في حق أختي، الكلام ده مينفعش!" نهضت ونهضت بناتها معها، فابتسمت باستهزاء ترد عليه: "أختك؟ كنت فين يا بتاع أختك ساعة اللي جرا؟ عنده حق أبوك لما قالي إنك خيبت من زمان أوي وطلعت عن طوعه لما اتجوزت بنت سمية اللي خربت من قبل.. طالعة زي أمها مراتك ميتخياروش عن بعض!" كادت أن تتحدث فأمسك "حازم" "ياسمين"، وأخذ أنفاسه بصوت ليهدأ الوضع: "الكلام ده مش حلو في حقنا دلوقتي ومعادش ينفع وأنا هسكت وهعدي وهعملك خاطر يا عمتي. اتفضلي روحي ارتاحي وبعدين نبقى نشوف حوراتكم دي!" اقتربت "زينات" أمام الأنظار تجلب يديها لتسندها بطاعة. سبقت بناتها، ووقف "آدم" ينظر بغيظ لها من ما فعلته مع "فريدة". في حين كان "غسان" كمثل عائلته ينظرون بغير وعي. وعندما سارت "زهور" قاطع سيرها وقوف "نيروز" وهي تتابع من على بعد. انسحب "غسان" ليقف بجانبها، فابتسمت هي بتهكم وهي تطالع وجهها: "مجتيش تسلمي على عمتك ليه يا نيروز؟ 'البدري' جمدوا قلبك؟" توقفت عاجزة عن الرد ونظرت نحو "غسان" الذي وضع ذراعه عليها بتملك كي يوصل لها رسالة مشفرة مع نظراته الجامدة ناحيتها بغير راحة. فتحركت عينيها باستهزاء وقالت بجرأة: "مش ابن عمك كان أولى بردو يا بنت سمية؟ ولا." للغريب تحلى. الآن تقف معها. الشيء المفيد التي كانت تفعله أنها كانت ترفض زواج "حسن" منها بغيرتها الشديدة، كانت تريده بأن يختار ابنتها الصغرى ولكنه كان يرفض. أما الآن، لا تحبذ هي بناتها بسبب غيرتهم وطبعهم المماثل لها. تحولت ملامح "غسان" للحدة من وقاحتها المبطنة وردد بنبرة مرتفعة يوبخها: "إنت بتقولي إيه يا ست إنتي لمراتي؟" قلبت عينيها بينما لم يقبل هو حديثها الوقح الذي يقلل من رجولته، فهتف يحذرها قبل أن تتمادى أكثر: "خدي بالك من كلامك عشان رد فعلي هيزعلك!" تدخل "حامد" يتحدث بهدوء ينبهها: "ميصحش الكلام ده يا ست زهور. نيروز بقت واحدة متجوزة ودا جوزها. عيب الكلام ده!" تركت يد "زينات"، والتفتت تنظر نحو "حامد" حتى قالت بتقليل: "وانت اللي هتقولي العيب ومش العيب؟ واحدة وعمتها بيتكلموا مع بعض متحشروش نفسكم بينا!" وقبل أن يندفع "غسان"، تحركت "نيروز"، تتمسك بذراع "حامد" بجرأة وردت عليها كي توقفها عند حدها وترفع من قيمتهم، خاصة "حامد": "عمو حامد بابايا. أنا راضية يتكلم ويرد عني في كل الأحوال." رفعت حاجبها بدهشة واحتواها "حامد" أسفل ذراعه. فتدخل "غسان" بتبجح: "متحشريش نفسك إنتي وسطنا. خليكي في حالك. والمرة الجاية لما تيجي تتكلمي مع أبويا كبير البيت تتكلمي بشكل أحسن من كده. خصوصاً إني مش محتاج أفكرك إنك واقفة في بيته. شرفتي!" يطردها بلباقة. نظرت حولها بإستخفاف وتركته دون رد كي تخرج من الباب لترحل ناحية شقة "زينات". ابتلعت "نيروز" ريقها وحاول "حازم" منع "ياسمين" عن قول شيء. في حين اقترب من "عز"، وحثه قائلاً بعقل: "بقولك إيه يا عز. روح اختي وامشوا من هنا. لآني عارف إنها مش هتخلص على كده ولسه قدامنا وجع دماغ. أنا مش مستعد أي حد فيهم يرجع للحالة اللي كان فيها." حرك "عز" رأسه موافقاً من أجل نفسية "جميلة" وقال موضحاً: "ماشي يا حازم، لو في حاجة رن عليا!" حرك رأسه بالإيجاب، وتوجه يودع الكل كي يرحل مع "جميلة" التي عانقت "والدتها" بخوف وقالت تحثها: "بلاش تحتكي معاهم كتير يا ماما عشان خاطري. أنا مش عايز اكي تزعلي من كلمة كده ولا كده!" "متقلقيش ي حبيبتي. مع السلامة انتي وخلي بالك من نفسك!" أشارت لها بالوداع وهي تسير معها ناحية السلم، بعد أن ودعت "نيروز" والفتيات. دخلت بعد ذلك شقتها وتبعتهما "ياسمين" مع "حازم" في حين جلست "نيروز" بأعصاب مفقودة، فناولتها "وسام" كوب ماء، وحثتها "سمية" بخوف: "بلاش توتري نفسك ي بنتي عشان اللي في بطنك." شعر "غسان" بالقلق وجلس بجانبها يطمئنها. في حين وقف "أدم" جوار "فاطمة" وأولادها. بينما سأل "بدر" بضيق واضح: "إيه اللي جابها دي دلوقتي؟ هي ناقصاها هي وولادها كمان!" صمت الكل والكل يحمل هم الآن بقدوم هذه العقبة. ظنوا أن الحياة ستبتسم لهم من جديد. بينما بوجود فرد كهذة. انسحبت "سمية" مع "وردة" التي تمسكت بصغيرها باحتواء، كما رحلت "ياسمين" من قبل مع "حازم" و"عايدة". وقف "بسام" يسأل "والده" بغرابة: "هي لسه قوية ومستقوية كده يا بابا؟ أنا مشوفتهاش من زمان أوي!" نظر له بأسى وكأنه يؤكد له جبروتها. أشار بقلة حيلة على ما فعلته هي بهم خلال دقائق معدودة فقط، وقال: "أديك شوفت اللي حصل!" وقف بصمت يتابع النظرات، في حين أمسك "غسان" كف "نيروز". فرددت "دلال" بلهفة: "على مهلك ي بنتي. متحطيش في بالك عشان صحتك. خدها يا غسان وارتاحوا جوا في أوضتك!" رددت آخر حديثها بلهفة. فأومأ "غسان" برأسه حتى سارت معه ناحية غرفته. والحال بعد أن كان مبهجاً بهم تفرق الكل من جديد بوقت مبكر. وقف "أدم" ينظر بغير وعي لما يحدث، وعندما لاحظ انسحاب الكل وقف يتنحنح بحرج. ثم وجد أن شقيقته وأولادها رحلوا مع "بدر" في الشقة الأخرى الخاصة بـ "سمية". وأين هي؟ رحلت من البداية عندما حثها شقيقها على ذلك. خفق قلبه في الحال عندما لاحظ أن ولد هذه المرأة "سامر" رحل واختفى أيضاً، حتى بعد مكوث والدته وشقيقاته أكثر. أغلق سحاب سترته بغير اهتمام وتحرك بعجالة. يردد من على بعد لـ عمه بعدما خمن أنه انسحب خلفها!!: "أنا همشي أنا يعمي!!" أغلق الباب خلفه، مهرولاً ناحية الأسفل من فكرة انسحاب الآخر خلفها هي. ولما هي؟ ابتلع ريقه بصعوبة. وها قد دقت طبول الخوف ثم الغيرة وحتى الخطر القادم بعد قليل!!! قبل وقت من الأحداث الأخيرة. هبطت تحبس الدموع في عينيها بكسرة. كلما تشعر بأنها تتناسى يذكرها مرارة كلمات أحدهم. وأحدهم هذه المرة كانت "خالتها" ذات الملامح القوية التي تدل على حدة كلماتها. وهي هي لم تعد تتحمل أي شيء، يكفي إخفاؤها قهرها بما حدث لها. تستمر للتعايش بسلام بينما الآخرون وكلماتهم لا يودون تركها حرة. لوهلة شعرت بأنها تشفق على حالها بقوة وهن. كل مرة يقلل أحد منها أمام غرباء. هو يعد غريب، وتلقت الخذلان من كلمات شقيقها أمامه في المرة الأخيرة. بينما الآن علم القريب والبعيد وحتى الغريب. لذا تركها وحثها "حازم" على الرحيل بعيداً قبل أن يحدث شيء بكلمات هذه المرأة الغير هينة. فتحت المحل بأيدي ترتجف. للمرة التي لا تعرف عددها تشعر بالتقليل من شأنها. في كل مرة تتحمل وكأن العقبات الأخيرة تأتي واحدة تلو الأخرى عليها. وبوجوه مثل هذه الوجوه التي رأتها قبل قليل لم تمر عقبتها على خير. هابت أن تفضح ويعلم من لا يعلم. وتعلم هي أن والدتها تنساق وراء كلمات شقيقتها الكبرى وكأنها عمياء لا ترى، بل وتهاب. بعد أن كانت لا تهاب أحد إلا شقيقتها. شقيقتها التي حكمت مع بقية العائلة زواج "سليم" منها بعد أن طلقت "زينات" من زوجها الأول لعدم قدرته على الإنجاب. وذكر ذلك من قبل. توقفت "فريدة" تأخذ أنفاسها وكلما تنسى ما كانت تفعله تشمئز من حالها وجاءوا هم يذكرونها. كم مرة اتحدت مع بنات خالتها لقهر بنات عمها بالحديث السام المتسلط. كم مرة كانت تقف مع "زهور" وهي تتعمد القوة. كم مرة حاولت التحدث كي تعلمهم عن دناءة "سامر" معها ولكنها صمتت بسبب والدها الذي لم يكن سيصدق ما ستقوله بسبب سيطرة "زهور" عليه. "سليم وزهور" كانا مقربين من بعضهما لحد كبير بسبب تقارب العمر أيضاً!! نزلت دمعتها كلما تذكرت نظرة عينيها التي تقابلت مع "آدم" عند حديث الآخرة عليها. تعجز عن وصف ما بداخلها لكنها لا تود الظهور أمامه كذلك أبداً. حتى ولو كان يعلم الحقيقة الموجعة. كما تعنف نفسها بنفس ذات الوقت ألا تنساق وراء مشاعره وبالأخرى مشاعرها الأخيرة المضطربة تجاهه تارة تشتد وتارة أخرى ترخي المعاملة. ماذا يريد قلبها وماذا يريد عقلها؟ صدرها يعلو ويهبط من فرط ما تكنه الآن بداخلها. مسحت بيديها وجهها وهي تحث نفسها على القوة. منذ متى وهي تعلن انهيارها أمام أحد؟ يكفي كوابيسها كل ليلة منذ ليلة اغتصابها على يد الحقير المحكوم عليه بالإعدام دون أن تعلم هي ذلك ولا حتى بقية العائلة. يكفي وجع! انحنت تحمل المنديل الورقي ربما وقع من أحد الزبائن وهي من تعمل على تنظيف المكان. انتشلته كي تضعه بسلة المهملات وفجأة وجدت حذاءه الأسود أمامها. رحل خلفها؟ يود تذكيرها؟ ماذا يريد منها؟ فإن كانت تتحد مع والدته وشقيقاته فظل هو التي كانت تبغضه بسبب أفعاله معها في الخفاء وهي التي توجب عليها الصمت!! انتفضت "فريدة" تقف سريعا وهي تنظر له بعينيه بجرأة دون خوف حتي رددت بنبرة حادة تعنفه: "إنت إيه اللي جايبك ورايا يا بني ادم انت؟" وأما عن "سامر" فكان يكبر "حازم" بعامين. ملامحه رجولية بشدة، كانت تشبهه بطباعه كمثل شقيقها "حسن". ورغم ذلك تزوج وفشل في زواجه ولم يفعلها ثانية. نظر لها "سامر" بتسلية واقترب أكثر يردد بنبرة صوت ظهر بها خبث رجل لعوب لم ولن ينسي محاولته في الاقتراب منها بيوم ما: "إيه يا فوفه مالك مش طيقاني ليه؟ قوام نسيتي اللي كان بينا يا ..بنت خالتي!" تشنجت ملامحها بطريقة ملحوظة ولاحظت قربه فرجعت إلى الخلف أكثر ورددت تشير بيديها بانفعال صريح: "هو أنا كان بيني وبينك ايه؟ لو سمحت امشي من هنا وسيبني فحالي. بدل ما هتشوف وش تاني عمرك ما شوفته. إبـــعد عني!" دفعته عنها عندما حاول الاقتراب فأمسك معصمها ومازال يبتسم حتي اقترب يردد بنبرة جادة غير مبالية: "لا دا انتي إيدك تقلت أوي. ولا إسمه إيه دمرك أوي كدة؟" كان قوله وقح صريح واضح بذلك. فتحت عينيها بصدمة من قوله وحاولت دفعه عنها بغضب حتي رجع إلى الخلف أثر دفعها له ورددت هي بنبره أكثر إرتفاع: "إخرس يا حيوان وابعد. بدل ما أفضحك فيها وأقول علي اللي كان. أنا لســـة منستش!" السئ بالنسبة لها أنها وجدته يضحك بغير اهتمام كي يجعلها تقهر أكثر. ابتلعت ريقها بصعوبة عندما وجدته يقترب مجددا. وهذه المره لم ترجع إلى الخلف ولكنه هتف يجاريها ببرود: "لسه منستيش ايه بقا؟" غمز لها بوقاحة مره أخرى. حبست الدموع في عينيها وحاولت الثبات ولأول مره تواجهه بها: "منستش قرفك لما كنت بتيجي عندنا وكل شوية كنت بتيجي ورايا تتلزق فيا وتحاول تتحرش بيا زي القذر المقرف. لسه فاكره كام مره اتحرشت بيا فيهم وكام مره حاولت تقرب وأنا مش فاهمه. ولما فهمت رفضتك بالقوة وكنت هوديك فداهية لو حد كان عرف." لم يهتز من كلماتها بل مد ذراعه يستند على السور الخشبي من خلفها وحاصرها فوقفت بثبات تبتلع ريقها وأكمل هو بقية الحديث بثقة: "ومتكلمتيش ولا ودتيني فداهية عشان محدش كان هيصدقك مش كده؟" بالفعل ان كانت تحدثت وقتها لما كان سيقف بصفها أحد. حتي والدها كان سيلقي اللوم عليها هي. وان حدث شئ كان سيتطور الوضع بزواجها منه من قرار "زهور" التي كانت ستأخذة وقتها. ذكية من صغرها ووضعت تحسبات عديدة ونسيت حقها الأساسي ولكن أين من كان سينصفها؟ خاصة ان "حازم" كانت هي سيئه بحقه وقتها. وجدته يكمل مره ٱخري بوقاحة شديدة جريئة: "ولا متكلمتيش عشان الحوار كان علي هواكي؟" صدمت مره أخري ودفعته عنها بكلتا يديها وهي تصرخ به هذه المره بصوت عال: "إخـــرس يا قـــذر يا زبـــالة!" حاصرها بمسك كلتا يديها وحاول الإقتراب. وقد تحولت ملامحه للغضب هذه المره من جرأتها في سبه ومد يديها عليه. حركها بعنف وقال بهمس يهددها: "إنت اللي قذرة وزبالة. فوقي يا بت. ها.. فوقي عشان لو مفوقتيش رجعلك اللي يفوقك منها ويعلمك الٱدب من جديد!" حاولت دفعه عنها بانفعال وهي تسبه ومن بين ذلك كان مصر على عدم تركها. هنا وبهذا الوقت كان يركض للحاق بها عندما تأكد من انسحاب الٱخر خلفها دون انتباه ٱحد. دخل "ٱدم" بإندفاع فاتحا الباب أكثر الباب الذي أغلقه "سامر" خلفه نصف غلقة فقط. ركض ناحيتهم بسرعة ووقف ينظر بغير وعي إلى أن اندفع يفصله عنها بقوة مرددا بحدة يصرخ به: "سـيبها يا.. ابـــعد عنها!" تعمد "سامر" عدم تركها بينما فصله "ٱدم" عنها ووقفت هي تذرف الدموع بانهيار تحت مسك "سامر" تلابيب "آدم " بقوة وهو يردد له: "وانت مال أهلك بيها!" "انا هقولك ياروح أمك. تعالى!" سحبه "ٱدم" ناحية الخارج خلفه وهو يتمسك به وكأنه سلالة من إحدي الحيوانات العنيفه. أخرجه بمنتصف الشارع أمام المحل حتي بدأ بالعراك معه وبدٱ "ٱدم" بتوجية لكمة قوية أسفل عينيه حتي تأوي الٱخر فأمسك رأسه يدفعها برأسه تحت صراخ "فريدة " بإنهيار شديد إلى ان تجمع الناس يفصلوهما عن بعضهما. ولم يسمع من فالطابق الثالث شئ حتي أن الصراخ لم يكن عاليًا هذه المره. ابتلعت ريقها بضفف عندما وقف "ٱدم" ينظر بعصبية مفرطة ورجلان يمسكان ذراعيه كي لا يتوجه ناحيته في حين فعل الٱخر كذلك. والذي وقف بإنفعال يردد له بغضب من بين إمساك ٱخرين له أيضا: "وحياة أمك لهعرفك!" سبه "ٱدم" وحاول التقدم ناحيته بنفس الصراخ: "ما تيجي ياض. تعالى عرفني يلا أنا واقفلك أهو. تعالى يا و**!" منعه الرجلان حتي نفض يديهما وتعمد "سامر" الرد بطريقة ٱخري غير ذلك تمامًا عندما توقف على فجأه يأخذ أنفاسه وهو يدفع عنه من يمسكانه حتي التفت بإنفعال يدخل مدخل العماره وكأنه لم يفعل شئ للتو. ابتسم "ٱدم" باستهزاء ولاحظ انسحاب الكل بينما وقفت هي تتنفس بصوت وهي تهبط الدموع. دفع عنه الرجلان برفق اللذان ظلا معه وردد لهما بنبره هادئة على وعده لعدم فعل شئ حتي تركانه وسمع صوت ٱذان المغرب. اقترب منها حتي تمسك بيديها بلهفة يسألها بخوف: "فريدة ..انت كويسة؟ عملك حاجه الواد ده؟ قرب منك؟" نفت بانهيار من الدموع وحركت رأسها بـ "لا" تمسك بمعصمها برفق وهو يسحبها نحو الداخل حتي أجلسها علي المقعد وجذب زجاجة المياه يحثها علي ان تشرب منها وعندما لم تستجيب وضع بكفه القليل ومسح وجهها بجرأة حتي أخذت أنفاسها ببطئ ورددت بتقطع حديث غير مفهوم. حتي حاول تهدأتها وهو يقول بقلق يطمأنها: "إهدي متخافيش!" وقف يطالع وجهها لوقت كي تستعيد قوتها وتماسكها. كانت يديها ترتجف فإبتلع ريقه بعجز عن عدم مقدرته علي احتوائها. انحني أمام مقعدها دون ان يتلسمها وردد بخوف من حالتها هذه: "إهدي عشان خاطري.. متخافيش. مفيش حاجة. أنا موجود معاكي. مش هيحصل حاجة تاني متقلقيش!" كل هذه كلمات كي تطمئن ابتلعت ريقها وهي تنظر له ومن بين ملاحظتها هتفت بتعلثم تخبره بنبره منخفضه: "شـفـتك بتجيب دم!!!" ابتسم بحب لها ظهر في نظرة عينيه لم يصعق ولم يتلمس فمه بل هتف بنبره خشنة وهو يطالع وجهها ولأول مره يري ضعفها الظاهر بقوة كهذه المره: "مش مهم. الأهم إنت تكوني بخير. بـخير!" سألها باهتمام وابتلعت ريقها تعي كل خوفه واهتمامه لأجلها. انتفض جسدها برعشة فأمسك يديها بتلقائية حتي بعدته هي عنها. فتحنح بحرج وهو يعتدل حتى وقف يعرض عليها: "طب تعالي أطلعك ونقفل المحل!" وقفت "فريدة" تحاول أن تستند وقالت بنبرة مبحوحة: "أنا هقدر أطلع.. مـ مـتتعبش نفسك، روح صلي انت!" وقف وكأنه يتأكد من قولها إلا أن حركت رأسها له تؤكد بأنها أصبحت بخير قليلاً. تنفس بصوت مسموع وسمع أذان الإقامة، فرد يسألها بتشكك: "متأكدة؟" "أه، روح قبل ما الصلاة تفوتك!" حرك رأسه موافق، ثم اعتدل ينظر لها بتفقد لمرة أخيرة قبل الرحيل. لاحظ خروجها بعده وهي تجلب المفتاح، فأمسكه منها كي يغلق المحل. وعندما خرجت أغلقه هو وأعطاها المفتاح، حتى أشار لها يحثها بلين: "إمْسِكِي براحتك وإنتِ طالعة!" ابتسمت نصف ابتسامة. لم يلبثا ثوانٍ حتى وجدت الشباب يجتمعون للذهاب إلى الصلاة ومعهم "حامد" هذه المرة. هرول "حازم" يمسك كفها بخوف، ما إن رأى ملامح وجهها الشاحبة حتى سألها بقلق: "مالك يافريدة؟ في ايه؟" وقف كلا من "حامد" و"غسان" و"بسام" و"شادي" و"بدر" يترقبون الرد. فرد "آدم" سريعًا بنبرة هادئة يوقف اندفاع شقيقه الذي رأى دماء فمه: "كويسة يا حازم ربنا ستر، تعالوا بس نصلي وهحكيلم أنا على كل حاجة، وسيبوها تطلع هي بقت تمام!!" لم تكن لديها القدرة للرد بوضوح، لذا نظرت له بامتنان. فربت "حازم" على كفها بغير فهم، حيث أنه خمن في البداية كلمات عمته وقرر تأجيل المواجهة معها والعتاب، بينما الآن يبدو أن الوضع أكثر شدة. انسحبت وهي تشير له بأنها بخير، حتى أومأ يحثها على التمهل واقترب مع قول "حامد" الذي ظهر به القلق وهو يرى "بدر" يخرج منديلًا ورقيًا يمسح به فم الآخر بحنو: "خير يا بني ايه اللي حصل قلقتنا؟" "انت متخانق مع مين يآدم؟ ومالها فريدة عاملة كده ليه؟" سأله "غسان" بغرابة، وقبل أن يسأل "حازم" مجددًا، أشار لهم "آدم" بعجالة: "هقولكم والله على اللي فيها، بس نصلي الأول ونشوف الحوار ده!" وأما عنها فعندما ركبت المصعد صعد بها نحو طابقها. ابتلعت ريقها بتفكير منهك عندما فتح وقررت عدم الذهاب ناحية شقة "والدتها"، لذا دقت جرس شقة "سمية" التي فتحت هي لها الباب وما إن رأت عينيها الباكية بآثار الدموع والشحوب، طالعتها بلهفة وهي تسألها عندما أمسكت ذراعها تُدخلها نحوهم في الداخل من تجمعهم لديها بشقتها بعد رحيل الرجال للصلاة. ذهبن النساء والفتيات لشقة "سمية": "مالك يا بنتي حصلك ايه؟" التفت الفتيات حولها، ونهضت "نيروز" مع "ياسمين" وعلى مقربة منهم كانت "فاطمة" و"وردة" وحتى "منة" ومعهم "عايدة" و"دلال" و"وسام". "مفيش.. حصل خناقة تحت بيني وبين سامر فـ.. فـ آدم اتدخل!" شهقت "فاطمة" بخوف، لطالما علمت اندفاع شقيقها وغضبه السريع. فردت "عايدة" وهي تضمها ناحية صدرها: "من ايه ده يا بنتي؟ طب انتي كويسة؟" "أه." رددتها بخواء، ولأول مرة تهاب وتخاف الذهاب لشقتهم. تعلم تمام العلم بأنهم سيقيمون عندهم ولم تقبل هذه المرة النوم بنفس الشقة التي هم بها. جلسن بجانبها الفتيات يحاولن مواساتها بفهم أكثر عن الذي حدث، فابتلعت ريقها بصمت ولم ترد بسبب ما بها من فقدان أعصاب. ما رآته بعيني "سامر" رأته من قبل عندما اقترب منها "شريف" ما قبل الواقعة الموجعة بالنسبة لها، و"سامر" يتوقع منه فعل أي شيء لذا تخاف القادم خاصة أنه ليس من أنصار ترك الحق والهروب، وهرب هو من "آدم" بعد العراك والتهويش. تتوقع حدوث وتدبير شيء منه لطالما تعلم شخصيته وطباعه عن ظهر قلب، كيف تنسى. انتفضت عندما سمعت صوت إغلاق باب الشقة الخاصة بـ "زينات" وعلمت أنه هبط إلى الأسفل مجددًا. هرولت تقف خلف الباب تحت غرابة الكل ونظرت من خلف العدسة ووجدت "والدتها" تقف مع "زهور" وحولهم فتيات خالتها. ابتلعت ريقها عندما وجدت "زينات" تحاول إمساك "زهور" كي تهدأها، فردت "زهور" بشموخ شديد: "اسكتي يا زينات، سايبة بنتك تنزل وتقعد لوحدها بعد اللي حصل، أهو سهل يقرب منها أي واحد بعد ما بقت سهلة في نظر الكل، صبرك عليا نشوف كلام سامر ده!" "يا زهور افهمي ابنك فاهم غلط، آدم وفريدة مفيش بينهم حاجة كده أبدًا، آدم بيشتغل مع فريدة في المحل ده وتلاقيه كان مقرب يساعدها مش اللي في دماغكم!" جحظت عينا "فريدة" بصدمة. ماذا قال هذا الحقير عنها؟ خاض بها، تخلصت من شقيقها وجاء هو. انهارت أعصابها والتفتت تجلس على المقعد وهي تضع يديها على فمها بخوف، تحت تجمع الآخرين حولها. فردت "نيروز" بخوف، والتي وقفت تستمع بجانبها: "ايه الكلام اللي سمعته دا يا فريدة؟ هو ايه اللي حصل لكل ده؟" كانت معالم الدهشة على وجوههم ولم تترك "فريدة" لهم الفرصة للسؤال، بل أجابت على حديث الأخيرة برهبة مخفية: "سامر حط بصماته، شـ...شكله طلع عليا كلام مش كويس أنا وآدم." صُدم الكل ولم تترك لهم مرة أخرى فرصة بأن تظهر صدمتهم واعتراضهم في الحديث، بل رددت بنبرة مختنقة وهي تجلس القرفصاء ولأول مرة يظهر الضعف أمام الكل عندما أعلنت الاستسلام بالبكاء والحديث وهي تشهق، تدفن رأسها بين كفيها وهي تستند على ساقيها: "أنا.. أنا تعبت والله، مبقتش حمل حاجة أقسم بالله!" رددتها بوهن جعلت البعض يندفع نحوها لاسنادها كي تقف وتجلس على المقعد مع مواساتهم. بينما وقفت "سمية" بأعين دامعة لأجلها، وبكت "وسام" بشفقة. كما ربتت كل من "نيروز" و"ياسمين" و"ووردة" عليها كي تهدأ وجلبت "منة" لها كوب ماء بسرعة كي تأخذ أنفاسها. لم تمر دقائق وسمعوا صوت همهمات عالية بالخارج، بالتأكيد كان "سامر" الذي صعد مرة أخرى عندما وجد المحل مغلقًا. هرولت "نيروز" تستمع بقلق، وبجانبها كانت "ياسمين" تسترق السمع، وكانت بقية الفتيات في الخلفية مع النساء ومراعاتهم لـ "فريدة" التي هابت عودة "سامر". "بقولكم مش تحت مبتسمعوش، يعني أكيد مشت معاه أو طلعت تاني، خبطي يا مروة على القطران ده!" يسب الباب باب شقة "حامد"! فقدت "زينات" السيطرة. في حين دقت الشقيقة الأخرى له "أسماء" باب شقة "عايدة". استندت "زهور" على عصاها بشدة وأشارت له بهدوء شديد: "خبط هنا.. على سمية يا سامر!" تدخل بقوة في حياتهم رغم أنها لا تملك عليهم أي حق وهذا هو طبعها عندما تعود. هتفت "زينات" بضيق لشقيقتها: "يا زهور ادخلي ربنا يهديكي، فريدة مستحيل تعمل كده وبعدين يعني ايه مش تحت أكيد بتشتري حاجة من الصيدلية أو حاجة وهتيجي أنا عارفه أنا، أنا أمها وعارفه أنا بقولك إيه، بنتي متعملش كده أبدًا، اوزني عقلك شوية!" "قولتلك اقطمي يا زينات، طلعتي خايبة ومش عارفة أي حاجة، بس أنا رجعتلك أهو أشوف حياتك اللي انخربت دي وإنتِ قاعدة ساكتة ولا كأن حاجة بتحصل، قال واثقة أوي من بنتك، يشيخة روحي مش كان فاتك محافظة عليها وعلى بيتك بدل اللي حصل!" كل مرة تضغط عليها بالحديث ولم تعاتبها بالكامل بعد كل ذلك. عادت لتحاسبها على كل شيء حتى طلبها لطلاقها من "سليم" قبل الحبس. زفرت "مروة" بضيق: "محدش بيرد!" "وهنا كمان يا سامر بردو!" كان قول "أسماء" هو الأخير. فـ تجاهلهم ورفع يديه يدق باب شقة "سمية" التي كانت بداخلها تقف كلا من "نيروز" و"ياسمين" خلف الباب يتابعان الذي يحدث بالخارج بصدمة. في حين الحديث الأخير كان بصوت عالٍ فسمعن النساء بالكامل والفتيات. أخرجت "نيروز" هاتفها من جيب عباءتها وهي تبتلع ريقها برهبة كي تطلب رقم "غسان" رغم أنه في المسجد. ، حاولت "ياسمين" الاندفاع بشراسةٍ كي تفتح الباب بينما منعتها "سمية"و"عايدة" بخوفٍ وهما يسحبونها ناحية الداخل تزامناً مع قول "سامر" الهازئ :




_" عرفنا إنكم ورا الباب ومحدش قلبه جايبه يفتح ، بس طلعولنا كده الحلوة اللي مستخبية جوه دي نتفاهم معاها ونعرف ازاي المحترمة بنت الناس المحترمين ، كانت فوضع مخل مع اللي اسمه" ٱدم " في المحل ، اصله كان ز...!"




كان سيكمل بكل وقاحة حديث جارح؟؟؟ لا يصح سماعه خاصة لهن؟؟وعلى فجأه لم يشعر هو بقدومهم سمع صوت دقات هاتف "غسان " الذي صعد على السُلم مع "حازم " و"شادي" والبقية كانوا ينتظرون المصعد ، وبالوقت نفسه سمع"حازم" قوله الٱخير ، فاقترب بإندفاعٍ يمسك ياقة قميصه من غلو الدماء بعروقه علي ما سمعه للتو:




_" انت بتقول ايه على اختي يا"سامر" ؟؟ انت اتجننت؟؟؟!"




وقف ثابتاً لم يهزه شئ وخرج البقية من المصعد ، حتي اغلق"غسان" الخط على "نيروز " عندما تفهم ما حدث ، تنهد "سامر" بصوتٍ مسموع بينما دقت "زهور" بعصاها الأرض وهي تقترب مردفة بحزمٍ :




_'' جرا ايه يا حازم ، إعمل احترام للكبيرة حتى !"




لوي فمه بإستهزاءٍ وردد تزامناً مع اقتراب "ٱدم" بشرر:




_" كان هو عمل احترام الأول ، انتِ مش سامعة قال ايه؟؟؟؟"




زفرت بنفاذ صبر ، وابتلعت النساء ريقها بصعوبةٍ فالداخل ، في حين دقت "زهور" الباب بحزمٍ متجاهلة صوت "زينات " في الخلفية و تردد بالصبر بينما قالت هى بجديةٍ شديدة:




_" افتحوا ياللي جوه وقدروا اللي واقفين دول ، احنا مش بتوع شر ،اخرجي يا فريدة وقولي اللي حصل!"




اهتز جسدها في الداخل في حين اندفع"ٱدم" يردد عندما فهم رمي البلاء عليه من الكلمات وكانت همسات شقيقة بالتحذير، لكنه تجاهل وردد بإنفعالٍ:





_" بقولكوا ايــه ..انتوا هتعيشوا الدور ، هو رمي بلى وخلاص ، عليا الحـ.."




بتر "بدر" حديثه عندما وقف بحزمٍ ينظر لها ولولدها مردداً بنبره قوية كي يخرس ألسنتهم :




_"خدوا بالكم من كلامكم ، مش كل مره نعديلكم بلوه ومصيبه ، كفاية المره اللي فاتت بعدت عنكم وعن محاولتكم فانكم تخربوا حياتي وتجوزيلي بنتك علي مراتي ، مش هيبقي اخويا المرادي كمان!!!!"




توقف لبرهه ثم قال مجدداً بهدوءٍ :




_" ٱدم ميعملش كده ، وقبل دا ،. فريدة أخلاقها متسمحش بالقرف اللي بتفكروا فيه !!"




تدخل "حامد" يسأل"سامر" بعقلٍ كي يهدأ الوضع :




_" هو حصل ايه يابني لكل ده ، شوفتهم بإيه يعني ، ما تخزي الشيطان واسكت خلي الدنيا هادية !"




إعتدل"سامر" ينفض يدي "حازم " وتوجه بعينيه وحديثه لـ "حامد " غافلاً عن عيني "غسان" التي تراقب تحركاته بالتفصيل لعدم ثقته بالقادم منه :




_"معلش يحج حامد ، ما انت مش هتصدق عشان ده ابن اخوك ، بس الأستاذ كان واقف ومقرب منها وبيحاول لمؤاخذه يعني .. بس أنا عشان ابن ناس حاولت ابعده عنها ولما رفض بالقوة اتعاركنا حتي بس على الضرب اللي فوشه ووشي لو مش مصدق !!.."




شهق البعض ، فصرخ "ٱدم" به بشدةٍ :




_" انت عقلك فوت ياض انتَ ؟؟؟ بتكذب الكذبه وتصدقها انت وأمك يا***"




سبه فحاول الٱخر الآندفاع هو و"حازم " وفصلاهما "بسام"و"شادي" في حين رد "حامد " بجدية:




_" أنا اللي بقول الكلام ده ميطلعش لا من ٱدم ولا من فريدة اللي كلنا عارفين أخلاقها ، إعقل يبني ولم الدور وادخل الشقة من تاني واخزي الشيطان!!"




تعالت ضحكات "مروة " بشماتةٍ وكبتتها علي الفور عندما واصلت "زهور" بجمودٍ :




_" طلع اختك ي حازم تتكلم ، طالما مخفية وخايفة تطلع يبقي الكلام صح !"




_" أنا لحد الٱن محترم سنك وصلة الرحم وحتي الدم ، بلاش تجبريني أتخلى عن كل دول ، ٱنا اختي متخافش طالما معملتش حاجة ومش محتاج منك تحكمي وتخليها تطلع تقول الحق ، هي كده كده معاها حق! من غير تبرير !!"




رددها بحزمٍ ، وقبل ان تجيب ردد "سامر" بإستفزازٍ جاد :




_" يا جدع دا أنا شايفهم بعيني دول ، متخيبش وخليك راجل كده علي أخواتك متبقاش بقرون !! ."




حاول "حازم " الإندفاع نحوه بشررٍ و"بدر" من أمسكة بقوة مع "شادي"و"بسام" بينما اقترب "غسان " يضرب بأنامله بخفةٍ على كتف "سامر" مردداً بفظاظةٍ يختصر رده علي حديثه :




_"يبقي مبتشوفش كويس ومحتاج نضارة ،غير كده مفيش!"




صمت "غسان" يشملهم بنظراته وحرك رأسه يحثه بجديةٍ :





_" وشِد يلا من هنا وخليك انت الراجل وخد عيلتك المقطقطة دي وارجع الشقة أو مكان ما جيتم ، تبقوا ريحتوا واستريحتوا !"




إغتاظ ونفض يديه من على كتفه ورد بخشونةٍ فظة كمثل الٱخير :




_"بلاش انت وخليك لطيف زي ما كنت وابعد!"




حاول "غسان" الثبات أمام الأعين التي تترقب وقال بثباتٍ مجدداً يسأله :




_" هو أنا مقولتلكش؟"




_"لا مقولتش "




رددها "سامر" باستخفافٍ ، فعاد "غسان" يجيبه متحلياً بالصبر :




_" لا إعرف بقا إن الوجه لطيف والعقل مخيف والفعل هسيبك تجربه وتحكم بنفسك"




وواصل يكمل بتبجحٍ يثير استفزاز الٱخر :




_" أصل اللي بيتكلم مببعملش ، واللي بيعمل مبيتكلمش!!"




ضغط على فكه عقب قولها وأمسكه بقوةٍ على فجأه يحاصره مستنداّ على الباب المغلق حتي انتفض من. "غسان" قال محذراً: "مش عايز أقولك هيبقي إزاي، عشان ده حازم عامل احترام لعمته وصلة القرابة. أما بقا غيره لو مد إيده هيغلط نفسه أكتر ما إنت بتحاول تغلطه. وغيرهم، هما الاتنين لو اتلموا مع بعض كده عليك هتطلع فالآخر..." اقترب يهمس جوار أذنه بسباب بذئ، حتى دفعه الآخر عنه بعصبية. فتعمد "غسان" الضحك كي يثير استفزازه، وردد مرة أخرى يكمل وهو يشير إليه بعينيه ساخراً: "خد ماما يلا يا حبيب ماما وخش، وابقى اسأل ابن خالتك قبل ما تقف فمكان اتعلم فيه قبل كده وبرضه ملقاش غير أمه تسنده زي النسوان. تحب تجرب وأمك تسندك؟!" ورفع "غسان" كفيه مدعياً البراءة: "أنا معنديش مانع تجرب!" أوقفته "زهور" بعصاها تمنع ابنها عن التوجه نحو "غسان" الذي كان مستفزاً له لحد كبير. ورددت بصرامة لـ "حازم": "وقوفك مع الغريب علينا مش صح فحقك وحقنا يا بن سليم. وطالما أختك مطلعتش يبقى كان اللي كان وغلطت للمرة التانية!" تشنجت ملامحه، وتدخل "بسام" يردف بجدية من قبله: "عيب يا ست تقولي كده، مش بدل ما تعاتبي ابنك على كل اللي قاله وحش فحقها؟ ما هو قالك هو واثق في أخته ومعملتش كده، يبقى ارجعي لرؤى وسيبك من اللي حصل، إذ كان أمها منطقتش ولا صدقت بالكلام اللي اتقال!" حولت نظراتها بينه وبين "غسان" وابتسمت باستهزاء، حتى رددت بافتراء كاذب: "أمها صدقت وسابت الكبير يحكم عليها مادام عجزت عن التربية!" نظر الجميع لها بخيبة، ولم تستطع النفي بسبب سيطرة الأخرى عليها. فُتح الباب باندفاع، رغم رفض البعض والبعض الآخر أيد خروجها كي يسكن الوضع. هلت "فريدة" من خلفه بملامح باهتة تنظر ناحية الكل. نظرت "مروة" إليها قائلة بلؤم تتصنع البراءة: "تعالي يا فريدة، شوفي اللي بيحصل. هو حقاً إنتِ كـ..." كانت تحاول التماسك والصد لهم والرد، لذا اقتربت منها تشير بيديها بانفعال كي تحرجها: "وإنتي مالك؟ مليكيش دعوة!" اقتربت "زينات" منها بخوف، فتعالى صوت "زهور" وهي تهتف بسؤال صريح: "صحيح يا بت الكلام ده؟ إنتِ كنتي فعلاً مع الواد ده تحت وكان مقرب منك!" إغتاظ "حازم" من إصرارها، فنظر "حامد" حوله بضيق، وقال محاولاً تهدئة الوضع وعدم التصعيد من حجمه للمرة الأخيرة: "مينفعش يا جماعة كلامكم على السلم كده ميصحش، ادخلوا أي شقة مفتوحة واتكلموا!" كان التجمع قريب من شقة "سمية"، وخلال لحظات دخل الكل ملتفين حول بعضهم في الصالة. في حين وقف "حازم" يشير إليهم بانفعال صريح: "هو مفيش كلام هيتقال أصلاً، ورغم إننا دخلنا بس أنا ماشي أنا وأختي ســ..." وقبل أن يهتف بالوداع، فصلت "زهور" يديه عن "فريدة" مرددة بحزم: "إلزم حدك يا حازم وسيب كبيرك يتصرف، مش هتعرف مصلحة أختك أكتر مني!" نفضت "فريدة" ذراعها بنفور، وقالت بنبرة مرتفعة: "ابعدي عني بقى، أنا معملتش حاجة، ولا آدم قرب مني، ابنك هو اللي مقرف وهو اللي كان بيحاول يعمل كده..." زدفعتها عنها بانهيار، ورددت بصراخ لهم عندما فاض بها الكيل: "سيبوني فحالي بقى حرام عليكم!!!" احتواها "حازم" بخوف مع "عايدة" و"زينات"، في حين اندفع "سامر" بتمثيل وهو يصرخ بها: "بترمي بلاكي عليا دلوقتي يا بنت خالتي؟ بقا دي آخرتها لما أجي ألحقك وأقول على اللي فيها تدبسيني أنا؟!" هدأ ببراعة في التمثيل، وقال بخبث شيطان برع في إتقان الدور: "عالعموم قابلها منك مع إن الظلم وحش، الحركات القذرة دي متخرجش مني، بس هحل الوضع ده كله وهنقذه..!!" وقف الكل ينظر نحو حديثه بشك، عدا من تبعه. فعاد يلقي بمفاجئته: "هنقذه يا مه، كده كده، ومن الحاجات اللي جايين عشانها اللي هقوله ده، بس الظاهر أن أوانه يجي قبل نصيبه. ورغم إنه افترى منك عليا، بس أنا بطلب إيدها منك يا مه عشان... ننهي الموضوع ده!" فتح الكل عينيه بصدمة، وأشارت له "زهور" بالصبر. في حين اندفع "حازم" مردداً برفض شديد: "على جثتي لو ده حصل، سامع!!" تصنع البراءة وأتقن دور المظلوم الذي على حق عندما قال يفتري عليها: "يبقى اللي شوفته صح ومكنتش محتاج نضارة، يبقى في بينه وبينها حاجة!!" كادت أن تتحدث "زهور" فصرخت "زينات" بصوت عال: "بس بقى اسكتوا، كفاية!!!!" تجاهلتها "زهور" ونهضت تشير على من تبعها، حتى قالت بهدوء شديد: "لحد هنا وكل واحد يحط لسانه جوه بؤه، الموضوع لسه مخلصش بس مسيرة يتفتح من تاني قريب، يلا!!" أشارت لولدها وبناتها. في حين كاد أن يرفض "سامر" فواصلت "زهور": "يلا كلامنا ده هيبقى بعدين، لما تفوق بنتك يا زينات، ويفوق الباقي لما كل واحد يبطل يتدخل فاللي ملوش فيه!!" سارت قبل أن يندفع أحدهم بالكلمات. خرجت ناحية شقة "زينات" وتبعها أولادها. في حين بكت "فريدة" بانهيار في أحضان "حازم" الذي وقف مصدوماً من تغير الحال بمثل هذه الطريقة. بينما كان هو في خبيته وعجزه وصمته وحتى حرقته عندما سمع طلبها للزواج من "سامر" أيعقل؟! جلست "ياسمين" بجانب "سمية" بخواء، في حين وقفت "نيروز" بعينين دامعتين على حال "فريدة" حتى احتواها "غسان" برفق. لحظات صمت متعبة ومنهكة للكل وصوت شهقاتها يمزق منهم جميعاً. تلاقت عيني "منة" مع "شادي" والتي انسحبت تبكي على هذا الحال المتعب. أشار "حامد" لهم بالانسحاب، حتى رحل "بسام" مع "شادي" ناحية الشقة الأخرى. ووقف "بدر" مع الصغار بعيداً كي يشتتهم عن الجو المشحون بالتوتر. كما أن "حازم" قد ضمها بقوة وهو يهتف بخوف عليها: "بالله عليكي يا فريدة ما تعملي كده، خليكي ثابتة عشان خاطري ومتخافيش والله ما حد هيقدر يقربلك طول ما أنا على وش الأرض!" بكت بقوة وانهارت أكثر والأصوات تتداخل في عقلها رأسها تعلو ومشاهدها الموجعة تراها أمام عينيها وهي تنفي. لحظة هجومه عليها. لحظة تكتيفه لها وهو يعتدي عليها. بكاءها. انهيارها. توسلها. أسفها كي يتركها. خذلانها. قهرها. حسرتها. تنفي برأسها. كانت تظن بأنها قوية بينما الآن هي أضعف ما يكون. سُرقت قوتها وضاع ثباتها وانهارت حتى وقعت من بين يديه مغشية عليها. كما حدث يوم تلقيها خبر وفاة والدها. صرخت "زينات" بخوف واندفع "آدم" نحوها بخوف وهلع كما هتف الجميع باسمها. رحل "بسام"!!!! أين "منة" الطبيبة؟ اقتربت تهرول في حين انحنى "حازم" يلتقطها بين ذراعيه عندما شعر بانهيار جسدها بضعف موجع مستسلمة للسحابة السوداء. انحنى وهي على الأرض معه، ضارباً وجنتيها وهو يردد بلهفة مختنقة: "فريدة! فوقي.. فوقي عشان خاطري.. ردي عليا!" سقطت دمعته بضعف. وبكت "زينات" بأعصاب منهارة تجلس على بعد غير قادرة على الاقتراب عندما هرول "غسان" مع "آدم" يحثان "حازم" على حملها ناحية أي غرفة في الداخل من الغرف الأربعة. حملها بقوة لا يعلم من أين أتت ربما من خوفه. في حين وقف الشباب غير قادرين على الدخول كمل دخلت النساء والفتيات. وهرولت "وسام" تنادي "بسام" كي يساعد "منة" في الكشف على "فريدة"!! لم تستطع "نيروز" الاقتراب ناحية الداخل بل وقفت تضع يديها على أذنها ببوادر انهيار لحقه "غسان" على الفور عندما دفعها ناحية أحضانه يردد عليها كي يخرجها من حالتها هذه: "أنا جنبك.. متخافيش مفيش حاجة! صدرها يعلو يهبط وخرجت من حالة اللاوعي وهي تتمسك بذراعية تردد بخوف: "أنا خايفة أوي يا غسان عايزه امشي .. مشيني من هنا عشان خاطري !!" أرادت البعد ورغم خوفها على "فريدة" الا انها تود الرحيل من مكان العقبات كي يتغير القدر والظروف كي تتغير رجفة يديها كي لا تفقد جنينها!!!! التي علمت بوجوده برحمها اليوم قبل ساعات فقط !!! ولم تستمر الفرحة لها كما لم تستمر كل مره ، سحبها بخوف ناحية الخارج يساندها ناحية شقة "والده" تزامنا مع اصطدامه بجسد "بسام" الذي هرول بسرعة ناحية الداخل ووقف "شادي" ينتظر مع "بدر" و"ٱدم" الذي كان في أعلى مراحل الخوف الذي لم يشعره من قبل .. في المره السابقه عندما اغشي عليها خاف وهاب ولكن لم تكن بنفس هذه القوة والشدة في درجة الخوف!!! الٱن يتأكد من حبها الذي تخلل قلبه واقتحمه دون استئذان ، ذاق مرارة الخوف الشديد من الفقدان للمره الثانية ، حيث لم تكن بمثل هذه القوه إلا عندما شعر بٱنه سيفقد "والدته " وهذة كانت المره الأولى!!! خرجت "فاطمة" من الداخل تعطي"ٱدم" وهو أول من وجدته يقترب منها ، أعطته إسم محلول دواء كي يجلبه من الصيدلية بسرعة ، أخذ الورقه الذي كتبها "بسام" وسألها بلهفة وهو يأخذه منها: "طب هي ..هي فاقت ولا ايه .. طمنيني يا فاطمة ونبي !!" نظرت له بخوف من قلقها وقلقه وعجلته قائلة أمام الأنظار: "لسه ي ٱدم بس لازم تاخد الجهاز ده عشان تقدر تفوق و تشد نفسها روح بس بسرعه هاته !" سار يهرول سريعا في طريقه ، ودقات قلبه تتنافس على التسارع فيما بينها ، الح يأتي خلفه الخوف ! ومن ثم إما قرار الخذلان أو الٱمان!! ثم يعود الخوف لأكثر درجة يرتفع وهذه المره يعلو بسؤاله هل سأشعر بالخذلان ؟ أم سأنعم بالٱمان ؟.. سؤال محير وياليت الطرق تخبرنا بنهايتها قبل ان نسلكها ، دخلت "زينات" الغرفة معهم لها ، وتوجه "بدر" ناحية الغرفة مشيرا للأطفال كي يذهبوا خلفه ومعهم كان "يامن" ، وقف "شادي" بركن ما ينتظر خروج "منة" كما كان يجلس "حامد" بقلق ممسكا بسبحته يستغفر بنية فك هذه العقبة الشديدة المفاجئة لهم والسريعة بأحداثها عليهم!!.. تتأكد تماما أن قلبه لها ولكنها لا تثق بمن حوله وحولها ، لا تعلم لم تبكي بسبب هذا الموقف وهذه المشاعر التي تشعرها معه لأول مره ، شعور جيد لكنه متعب!! تشعر بأنها ستسلبه منها وهي الجاهلة عن فعل دلال النساء ، ومن بين حديث لحديث نسائي تعلمه عن عين الرجال التي تخون رغما عنهم كانت هي واقعه بالمنتصف لا تريد ضياعه بينما هو يفكر بطريقة ٱخري أنه لايري إلا هي ، ولم يختار إلا هي أيضا في النهاية ماذا تريد بعد ذلك؟؟ الإثنان لم يفهما بعضهما ، ولكنها طرفان عاقلين إلى حد مما جعل الٱمر هادئ ساكن ، ولكن أحيانا السكون يعد انذار بالخطر لبعض العلاقات! تتوتر بسبب قدوم أقاربها ولم يسألها عنهم إلا بالمقتضب حينها تركته يجلس في الأسفل وصعدت تبدل ملابسها ومنذ وقتها تذاكر ولم تلبث وقت بالمذاكرة إلا قليل جدا حيث أنها نهضت تبدل ثيابها لٱخري وهي تأخذ دور استحمام كي تفوق من دوامتها هذه !! خرجت "جميلة " من المرحاض تضع شعرها بمنشفة طويلة كما ارتدت ملابسها وعليها شئ يستر كتفيها وظهرها وحتي ساقيها ، تركت الر بط الخاص بخصرها ولم تعقده حتي أنها سارت ناحية الغرفة كي تفرد خصلاتها وتنظر نحو ملامحها بالمرٱه ، ورغم انها جميلة شكلا واسما إلان ارهاقها وحزنها ظهر علي ملامحها ، ورغم انه لم يتقرب منها إلا انها تراعي موقفه جيدا كما يراعي ويقدر هو ! يا هذه من يتحملك كل هذا لا يستطيع خيانتك ؟ أكدت قول قلبها وأصوات العقل توسوس لها ، زفرت بصوت عال ، لم لم يحاول ويردد لهذه المرٱه بأن تهاتف أحد غيره متحجج بأي حجة كي يراضيها ؟ يراضي الٱخرين علي حسابها ؟ الآخرين ؟ بل ونساء ؟ لم تكن تعلم بأنها ستعاني لهذا الحد ، أحبته وكانت الطرف الٱكثر شعور بالتملك ! ربما معاملة والدها معها جعلتها كذلك تخاف وتهاب كل شئ!!! وضعت المنشفة علي المقعد الحديث أمام المرٱه وتركت خصلاتها خلفها ، كانت خصلاتها السوداء طويلة أسفل ظهرها كمثل شعر شقيقتها تماما ، أكثر من وصفا بجمال الشعر كانا هما ، ومن خلفهما "نيروز" مباشرة ولكن "نيروز" لم يكن شعرها ناعما مسترسلا كمثلهما !! وصفا هما بالسواد وهي بلون القهوة!! .. إنتفضت بفزع عندما وجدته يفتح الغرفة بتلقائية لم تسمع صوت باب شقتها ، متي جاء. اتضح انه أتي منذ دقائق حتي أنها التفتت تنظر فوجدت أزرار قميصه جميعها مفتوحه وظهر جزئه العلوي لأول مره أمام عينيها الخجولة ، اتضح بأنه دخل متأكدا بعدم وجودها .. طالعته بإرتباك في حين نظر هو ناحية المرٱه التي عكست ظهرها بخصلات شعرها الطويلة الذي يكتشفها هو ايضا لأول مرة ، تعمد اللباقة في القول وهو يقترب متنحنحا ثم قال: "مكنتش اعرف إنك موجودة !" لم يعتذر كونها زوجته لكنه برر عندما وجدها تنظر بفزع من اندفاعه لفتح الباب ، حثت نفسها على الثبات حتي أمام هيئته وتنفست بعمق ، تردد بغير اهتمام هادئ جدا: "عادي ، محصلش حاجة !" عاديا بالطبع ؟ ما المشكلة ؟ حركت كتفيها ببساطة والتفتت كأن شئ لم يكن وبدأت في تمشيط خصلاتها ، بينما نظر هو بتمعن لها ، تهلكه حتي بأفعالها كي تعاقبه بالصمت ؟! وقف خلفها ونظر لها بالمرآة يطلب منها بلطف: "طب عاتبيني تاني ومتسكتيش كدة.. يمكن المرادي عندي كلام أقوله مع اني مغلطش فحاجة!" لم تلتفت ناحيته، بل ردت بنبرة مهزوزة خانتها: "براحتك طالما مش شايف إنك لازم تقدر مشاعري!" "أنا مقدرها جداً، انتِ اللي مش مقدراها والله!" لم تفهم قوله، ربما يقصد شئ آخر تجهل عنه بطبيعة أخلاقها المنغلقة بقوة وجهل. لم تجبه رغم أن هذه تهمة يلقيها عليها، ولكنها استشعرت ذهاب محور الحديث لموضع آخر. لذا وضع ذراعه على كتفيها يحتضنها من الخلف كي ينعم بالراحة. توقفت عن تمشيط خصلاتها بينما ردد هو بصوت هادئ: "لما فكرت فيها من شوية قولت إن لازم نظرتي تتغير شوية بعد ما اتجوزت. هخلي اتصالات استلام شغل الحريم لواحد غيري. وعشان تكوني عارفة هي رنت وأنا تحت وقولتلها شغلك مبقاش فإيدي وعطيتها رقم أحمد اللي معايا فالورشة. مرضية." وكأي رجل لا يود الاعتراف بأنه هو المخطئ، خاصة أن المتصلة بررت له في آخر مكالمة بجرأة أنها تريده هو من يتولى سيارتها. هنا تأكد بأن شعور "جميلة" كان صادق. قبل إحدى وجنتيها فالتفتت تنظر له بسكون. فاعتدل هو وهو يبتسم لها حتى ظهرت ابتسامة هادئة على شفتيها. احتوى كفيها بين يديه وقال بصدق: "أنا ملقتكيش بسهولة ومستحيل أفرط فيكي بسهولة. والله يا يستي لو ألف واحدة غيرك فمش هبص ولا عايز غيرك انتِ بس. أنا مش طماع. أنا معايا أجمل واحدة في الدنيا ومالية عيني كمان أوي!" توسعت بسمتها من حديثه المعسول فقبل كفيها برفق. ورددت هي بهدوء: "أقولك حاجة؟" "نفسي تقولي والله!" ضحكت بيأس منه فتشبثت بيديه وقالت بثقة من طبعه اللين اللبق: "كنت عارفة إن مش هيهون عليك زعلي!" "زعلك وحش يا جميلة وصعب عليا. انتِ بتسكتي ومش بتواجهي علطول ودا غلط!" صمتت بانهزام. فزفر هو بصوت يسألها باهتمام يغير مجرى الحديث: "زاكرتي؟" "أه شوية صغيرين كده وبعد كده قومت أستحمي وأغير هدومي!" نظر نحو ملابسها بعفوية، وكلما يحاول الاقتراب يرى عقبة تحزنها وتغير وضعهما. جابت عينيه تفاصيلها بهدوء. فحاولت هي إغلاق أزرار قميصه بتلقائية ولكنه أمسك يديها مردداً يرفض بابتسامة هادئة: "لا أنا هغير!" طالعته بسكون ونظرت نحو عينيه بشدة. كونها بالنهاية حزنت ورضيت وبهذه اللحظة شعرت بأن كل شيء عليها حتى خوفها من قدوم أفراد لم تأتِ منذ فترة. دفعت نفسها بأحضانه كي تشعر بالأمان. تفاجأ من فعلتها. ولم يتردد في رفع ذراعه يضمها أكثر مشدداً في العناق. يشعر بهروبها من الجميع وتلجأ إليه هو إلا بالراحة. أنها تأمنه ولا تهابه. تثق به! تنفست بعمق. ومرر هو يديه على ظهرها برفق. حينها هتف باسمها بنبرة اهتزت رغماً عنه: "جميلة.." رفعت "جميلة" عينيها ناحيته بتردد. وثبتت نظراتها بنظراته. حينها ابتلعت ريقها براحة. ورمشت بأهدابها تقاوم حرجها. في حين سألها هو بتيه ولكن كانت نبرته صريحة واعية لما هو آتٍ بموافقتها: "انتي حاسة أنك أحسن؟ قادرة؟" علمت أنه يسأل عن حالتها النفسية وقدرتها في خوض التجارب، خاصة التجربة الذي يسألها هو عنها برفق لها. ورغم أنه وجد القبول بعينيها لكنه يريد الجواب. فسألها مجدداً بصراحة أكثر: "مستعدة أقرب ولا.. مش جاهزة؟" وبرر سريعاً بتقدير قبل أن تجيب: "أنا.. أنا مش عايز أحطك تحت ضغط!" طالعته بصمت. وابتلعت ريقها بارتباك. وسألها بعينيه الشغوفة نظرة فهمتها سريعاً. فحركت رأسها بالإيجاب تقبل وقالت بنبرة هادئة تعطيه القبول صراحة: "موافقة. ولو كل حاجة ضغطاني فانت الحاجة الوحيدة اللي مبتضغطنيش ولا بتيجي عليا!" لم يصدق ذلك ولكنها قاومت كل الخوف وأكدت وهي تتمسك بأنامله تحرك رأسها بنعم تعطيه القبول والتصريح للقرب. لم يكن يعلم بأنه سيتبسم بسعادة تخونه. وقف يعتدل وقال بابتسامة حانية يطلب منها: "طب ممكن أعمل حاجة كان نفسي اعملها. هي حركة قدمت بس أنا كنت مقرر أحققها من زمان!" طالعته بغرابة. فأمسك هو كفها يسحبها خلفه ناحية الخارج. فتح الباب ورغم أنها بملابس بيتية ألا أنه يعلم أن البيت لم يكن به سوى هما وشقيقته ووالدته في الأسفل وحتى الشرفة مغلقة. سحبها ناحية الخارج وابتسم باتساع لها عندما انحنى يحملها بذراعيه. وكأنه يحملها بفستان زفافها التي لم تسعد به. شهقت بقوة من مفاجأته لحملها بهذه الطريقة. واعتدل هو يقف حتى سار وأغلق الباب خلفه بطريقة مضحكة. حتى سار ناحية الغرفة مرة أخرى وكأنه مختل عقلي للتو. أهبطها حتى جلست على طرف الفراش فوقفت تعتدل بذهول وهي تسأله بضحك: "إيه اللي انت عملته ده؟" ضحك على نبرتها الضاحكة ووقف يسرد بتلقائية: "شيلتك كإني شايلك يوم فرحنا. أم عز مبتبطلش تحكيلنا على أبو شـ.. على أبو عز لما شالها وضهره وجعه. وكانت كل شوية تقولي لما تتجوز ابقى شيل عروستك عشان تبقى انت المسيطر!" ضحكت بقوة. وتراجع عن قول اسم شقيقه هذه المرة لأجلها. ضحك وهو يؤكد. ولكنه اقترب يسحبها حتى جلست بجانبه على الفراش وأكمل يصارحها بالبقية: "بس عز بقا ضهره موجعوش. علشان انتِ في خفة الفراشة بالظبط. خفيفة في كل حتة وكل مكان حتى على قلبي!" احمرت وجنتيها وردت على حديثه بحياء تعجز عن الرد: "انت بتعجزني أوي وأنا.." قاطع "عز" حديثها عندما اقترب يقبل قمة رأسها برفق شديد وقال بنبرة هادئة محبة لها وبها: "مش مهم. المهم إني بحبك وكلامي بيربكك ويلغبطك زي كل مرة بشوفك فيها وبتلخبطيني كأنها أول مرة!" ماذا يريد!! ماذا يريد هو. يكفي قول كلمات تفتك بها وبقلبها الجاهل. مرر يديه على ظهرها بحنان. وقال بنبرة يغمرها الحب يدندن لها بمرح طفيف يخفف عنها ما تشعر به: "أه يا حلو يا مسليني يلي بنار الهجر كاويني إملا المدام يا جميل واسقيني من كثر شوقي عليك ما بنام حبيت جميل يا ريتني ضلّه حاز الجمال والحسن كلّه لما رأيت ملك فؤادي صبرت قلبي وحملت ذلّه" وكأن الكلمات تشرح حاله. وعلم ببراعة كيف يجعلها تتأثر. وعقب ما انتهى اقترب منها يميل هامساً ببحة رجولية هائمة بها: "حبيت جميل وبقيت وهبقي ضله علطول!" تعلقت عينيها بعينيه وجابت عينيه تقاسيم وجهها الجميلة. وحتى خصلاتها الذي يمرر يديه عليها الآن وكأنه يمشطها بيديه بعمق. حينها كان على وشك تقبيلها بكل لطف. كيف لها بأن لا تستسلم له بعد كل هذه الكلمات والأفعال منذ أن عرفته!! خاصة الأفعال التي تؤثر في فتاة مثلها لم تعتد يوم على هذا النوع من الحديث. بينما الآن تتأثر كونها لم تحب أحد مثلما أحبته هي. وأكثر ما قدرته بأفعاله هو صبره حتى صبره لآخر لحظة. وكان يستعد للرفض وعدم القبول متقبلاً ذلك إلى أن تشفى هي نفسياً بالكامل. أعطته القبول وأخذ هو الفرصة. وبعد كل ذلك وبعد هذه المشاعر وحتى الوقت. جعلها ملكاً له. ملكاً لـ "عز الرجال" وتأكدت بأنها لم ولن تندم على حدوث كل ذلك عندما عهدت أضعاف الحب منه هو. عندما وجدت اللطف والحنو. والأسف!! همسات الأسف على كل ما رأته بحياتها، وعلى كل ما شعرت به من كسرة، وعلى كل خذلان ذاقته بمرارة، وعلى كل بحة صوت مقهورة بعد كل ظلم تلقته. أسف على كل شيء عدا اختيارها له. عند هذه النقطة، ردد بهمس الوعد على أن يجعلها سعيدة راضية، وعلى أن ينفذ وصية رسول الله في معاشرتها بحياتهما معًا. "جميلة" جملت حياته، وكان هو "عز" حيث عزز الثقة وعزز كل شيء كانت تشعر بقلته. وكأنهم يخرجون من عقبه وتأتي غيرها، ولم يقدر أي منهم على التحمل فتزول بعقبه أخرى أشد. وكأن الاختبار يعاهد على أن لا ينتهي سوى عندما يجد بأعين الجميع الرضا التام. رغمًا عن المرء يشعر بالوجع في كل شيء، حتى بأبسط الأشياء عليه. طاقة التحمل تهلك، والمطلوب كان الصبر حتى في أشد الأوقات وجعًا. مرت عقارب الساعة بسرعة، وقبل وقت هبط الكل لتأدية صلاة العشاء، ومن ثم عادوا مرة ثانية. وهذه المرة عاد الكل يجلس بشقة "سمية"، ورغم أن "آدم" جلب الدواء، ولكن أعطاه لها "بسام" و"منة"، وتركوها تستوعب تدريجيًا وهم ينتظرون بالخارج. بينما هو وقف في الشرفة، ولأول مرة يدعو لها بالسجود بكل خوف على أن تصبح بخير حتى وإن لم تكن له. هبطت دمعته وتيقن بأن هذه الدمعة ما هي إلا دمعة الحب الذي امتزج بالخوف. رفع يديه يمسح وجهه بيأس، داعيًا بينه وبين نفسه على أن تكون بأفضل حال. لم يكن "غسان" هنا، ورغم أنه هبط، ولكنه لم يعد إلى الشقة، بل ظل معها هناك يبعدها عن جو التوتر. جلس "حازم" بصمت ينتظرها بأن تفوق، بينما لم تفتح عينيها إلى الآن، وكانت معها بالداخل "وردة" و"عايدة". وجلست "زينات" ببكاء صامت عاجز. وترقبت أنظار الكل عندما خرج صوته بجدية يحذرها: "لو مشيتي ورا كلام أختك مش هتشوفي مني عدل يا مرات أبويا. مفيش جواز منها لسامر، وبكل احترام قولي لها تمشي مطرح ما جت. مبقناش محتاجين كبير، إحنا كبار كفاية وعايشين ومسؤولين. عشان كده لو أختي جرالها حاجة، أو لو حد فكر يقرب منها ويغصبها على حاجة مش عايزاها، هتشوفوا وش حازم التاني اللي لا هيعمل احترام لكبير ولا صغير ولا لأم ولا لميت حتى!" هبطت دموع "زينات"، والتزم الجميع الصمت، بينما رددت هي بنبرة باكية تبرر له: "والله العظيم ما أعرف حاجة عن موضوع سامر ده، أنا زي زيكم أول مرة أعرف. وبعدين أنا.. أنا مش موافقة، مش عايزة غير بنتي وراحتها وبس، مش محتاجة حاجة تاني، ولا قلت غير كده!" خرجت نبرة "ياسمين" بجرأة في التدخل وهي تلومها بجمود: "لا، انتِ مقولتيش كده يا مرات عمي. إنتِ مجربتيش تتكلمي وترفضي أصلاً. وسيبتيهم يتكلموا عنها ويحكموا وكأنها هي اللي ليها حكم عليكي وعليها!" "مبقفش لزهور فحاجة. هي طول عمرها كده. مقدرش أقول لا أو أعارضها. بسـ..." وقبل أن تكمل تبريراتها، هتف "حازم" بإندفاع يقاطعها: "بس دي بنتك! إنتي واعية؟ بلاش تخربي اللي حاولتي تصلحيه مع فريدة بطلوع الروح. المرادي مش هتسامحك ولا هتعديهالك!" كلما يزيد الحديث تبكي بوهن وضعف وقلة حيلة. ابتلعت ريقها بخوف من القادم. في حين أمسكت "ياسمين" كفه كي يهدأ. راقب "بدر" وقوف "آدم" على باب الشرفة يتابع بصمت. بينما تدخل "حامد" يهدأ من كبر الحوار: "إهدى ي بني، وفكر بالعقل. كده كده دي كبيرة عيلتكم دلوقتي، يعني مهما قدرت مش هتعرف تمشيها إلا ما تمشي هي من هنا. متركبش نفسك الغلط في فترة قعادهم. اللي أقصدُه يعني خليك هادي وعاقل قبل ما تعمل أي حاجة!" حرك رأسه يومئ بتقدير لحديثه، وأخذ أنفاسه بصوت وهو يحرك عينيه نحو "بسام" وسأله بقلق: "هتفوق إمتى يا بسام؟" "المفروض تكون فاقت دلوقتي أو بتفوق لسة. متقلقش!" وقف "حازم" يبتسم بتكلفة لوقوف "شادي" خلف مقعد "منة" حتى ربت على كتفيه وقال يحثه بلين: "روح انت ي شادي. لسه قدامك طريق والدنيا ليل!" استشعر انتظاره لأجله، فنفى بشهامة: "إزاي بس ي حازم؟ معاك لحد ما تفوق ونطمّن عليها!" "اسمع كلامي ي شادي. كتر خيرك لحد هنا. مش عارف أقولك إيه ولا لمنة، وحتى لبسام كمان!" عنفه "بسام" بلوم، في حين حرك "شادي" رأسه يومئ بطاعة. ونهضت "منة" توصيهم على أن يهاتفوها عندما تفوق الأخرى. ودعتهم بالأحضان، حتى "دلال" التي استشعرت بها وكأنها والدة زوجها. أشارت لهم بسكون، وأمسك هو هاتفه يرسل لـ "غسان" بأنه سيرحل. فتح الباب ورحلا الاثنان بعدما ركبا المصعد. ولم يلبث ثوانٍ إلا اعتلى صوت جرس الشقة. فتقدم "بدر" يفتح الباب، وخرجت "وردة" من الغرفة. وعندما فتح هو الباب، نظر بضيق واضح لها، ولم تكن سوى "مروة" التي عرضت عليه للزواج منها. بل وبسبب طمع "زهور" به كونه مهندس بالسفر والخارج. لا تعلم هي أصل الحكاية!! تصنعت الرقة المبالغ بها وهي تسأله: "ممكن أدخل؟ عايزة خالتو زينات ضروري!" أفسح لها بصمت، ووجد نظرات "وردة" المهتمة والتي تتابع بوجع كلما تتذكر. وقفت "مروة" بالمنتصف ونظرت ناحية "زينات" وهي تهتف: "كلمي ماما ي خالتو. بتقولك ناوية تباتي هنا ولا إيه؟" لا تقدر؟ لا تقدر بأن ابنتها مسها الضرر؟ ابتلعت ريقها ببطء، وقالت أن لا مانع من الذهاب لمعرفة ماذا تريد كي تعود مجددًا مرة أخرى. سارت "زينات" قبلها، بينما كان "بدر" يقف بجانب باب الشقة. ولاحظت "مروة" خروج "يامن" من إحدى الغرف، وعندما هرول ناحية والده، لحقته هي وهي تنحني بدلال تحمله متصنعة البراءة وهي تقبله. حتى التقتت متعمدة وضع "وردة" على الهامش: "يامن كبر وبقى عسول قوي يا بدر!" وقفت "ياسمين" تأخذه منها برفق، ورددت بتبجح لها: "قولي الله أكبر بس. عشان العين فلقت الحجر يا مروة!" وضعت يديها على صدرها بشهقة، وقالت بلؤم وهي توزع نظراتها بينهم: "صحيح عندك حق. عليا دي. سهيت واتلهيت. أصل فعلاً لازم نقول الله أكبر بالذات لو على واحد وحيد أمه وأبوه زي يامن كده ومش هيتخاوى أبداً!" وقحة وفظة وجريئة عن حتى شقيقتها الأخرى، والكبرى التي تزوجت ولم تأتِ معهم. شحبت ملامح "وردة" حتى أنها سمعت صوت كسر قلبها. ارتجف جسدها بوهن من رهبة ما سمعته من جرح لها، فوقفت "سمية" سريعًا تحتويها مع قول "بدر" الجامد لها: "بلاش شغل المداري ده. خلينا على المكشوف لإني بحذرك تتطاولي بالكلام. وملكش دعوة أنا حابب ابني يبقى وحيد وحابب مراتي. وأحب أقولك ريحي نفسك انتي واللي بعتاكي. عشان وردة مراتي الأولى والأخيرة. ودا كلامي للمرة الأخيرة بالحسنى، غير كده هتشوفي وحش!" قلبت عينها بغير اهتمام، ونظرت نحو "وردة" بنظرة وضحت لها بأنها تقلل من شأنها. لي حين اقتربت "ياسمين" تردد لها بجمود مستفز: "برا ي ميمي بقا. أصلك شايفة العدد ما شاء الله وانتِ مزحمة المكان أوي وأنا حامل ومش قادرة آخد نفسي. فضي مكان وخلي سرسوب الهوا يدخل من الباب اللي انتي واقفة قدامه ده!" اغتاظت، فأشارت لها "ياسمين" مرة أخرى بكيد. حتى نظرت لها "مروة" بحدة وهي تلتفت لتخرج من الباب. في حين حاول "حازم" و"بدر" و"حامد" و"وسام"، وحتى "بسام" على عدم الضحك لما أدرفته "ياسمين"، ولكنهم فشلوا وخرجت الضحكات رغم الموقف الصعب، ولكنهم ضحكوا بيأس. فرددت هي بشموخ وهي تضع يديها على معدتها البارزة قليلًا بتعب، وقالت بغرور زائف مع اتجاهها لتجلس: "مش عارفة من غيري كنتوا هتعيشوا إزاي في النكد ده!" أمسك "حازم" يديها ليسندها بيأس لتجلس وهو يضحك مع رد "حامد" الهادئ بابتسامة واسعة: "عندك حق يا بنتي. على رأي أبوكي الله يرحمه. ياسمين فاكهة البيت!" ابتسامة تأثر زينت محياها، في نفس الوقت التي خرجت "عايدة" بها من الغرفة. ترقبت أنظار الكل، في حين هتفت "عايدة" بنبرة هادئة متلهفة: "فريدة فاقت!" نهض البعض، وتقدم "آدم" بعفوية. ومنعته أنظار "بدر" الذي وقف بجانب "حامد" الذي وقف يستأذن لطالما فاقت هي، مقرراً. الزيارة بوقت آخر مادامت أصبحت بخير. خرج بهدوء ودخلت الفتيات ناحية الداخل مع النساء وحازم، في حين رحل حامد. ودخل بدر الشرفة يشير لآدم بأن يدخل معه أكثر. وقف ينظر نحو ملامحه باستفهام وسأله بجدية، يواجهه بدون مقدمات: "إنت حبيتها ولا إيه؟" وقف آدم يبتلع ريقه بصعوبة، في حين وجد أن الصراحة تطلب نفسها بهذا الوقت. نظر بتيهه وتعلقت عيناه بعيني شقيقه للحظات، إلى أن صارحه وهو يؤكد بقلة حيلة يعلن انهزامه أمام هذه الجريئة صاحبة الأعين التي لا تعرف الكذب، الأعين التي عجزت عن إخفاء نظرة الإعجاب منها له وتصر على العناد: "غصب عني يا بدر، مش بإيدي!" كان يتوقع شيئًا كهذا، ظنه يلعب في البداية كعادته. ابتلع بدر ريقه ورفع يديه على رأس آدم يمرر خصلاته وهو يزفر بصوت، من هذا الحال الذي وقع به. وسأله مرة أخرى بتوبيخ متعب لأجله: "طب ليه مقلتش؟ ليه مكلمتش حازم من الأول وتبقى راجل يدخل بيتها من بابه؟ انت عارف الوقتي إحنا وقعنا في إيه؟ عارف لو جيت تطلب إيدها وتتقدم هيتقال إيه؟ والكلام هيتأكد إنه صح إزاي؟" لعبها سامر ببراعة إذن. نظر بتيهه واختنقت نبرته وهو يبرر له بعجز: "كنت ناوي أدخل البيت من بابه، بس هي مكانتش مستعدة وأنا عذرتها وصبرت. الأول مكنتش عارف ولا حاسس بحب، إنما دلوقتي أنا خايف!" رددها باستسلام واقترب يرفع عينيه ناحية أخرى كي يخفي دمعته وهو يكمل بوجع: "خايف تروح مني ولغيري!" صمت بدر بعجز هو الآخر، وتنفس بصوت مسموع وهو يلين بنبرته يسأله عنها: "طب وهي يا آدم، بتبادلك نفس الشعور؟ ولا بتوجع نفسك على الفاضي يا بن أمي وأبويا؟" "معرفش!" إلى الآن يجهل، قالها بسكون. وعاد يردد ما يستشعره: "بس أنا.. حاسس إنها بدأت تعجب بيا وتتكلم معايا أحسن من كلامها في الأول، حاسس إنها ارتاحتلي وقبلتني، بس برضو لسة تايهة وبتوهني معاها!" ابتلع غصة مريرة بحلقه عقب هذه الكلمات ووجد ذراع شقيقه تلتف حول كتفيه بمواساة وهدوء. يربت برفق، هامساً بشرود: "اصبر يا آدم، مسير الحال يتعدل وهتمشي بتدابير ربنا!" استند الآخر على كتفيه بتعب من كم التفكير، بينما خرجت الفتيات والنساء منسحبين. حتى ياسمين سارت لشقة عايدة معها لإعداد طعام صحي لها. في حين انسحبت وردة تنز بوجعها. وجلست فاطمة تطعم كل الصغار حتى يامن التي تركته وردة بنفسيتها التي ساءت من مجرد حديث جارح وقاسي يذكرها بالماضي كما ذكرها عودتهم. وحتى سمية التي توجهت ناحية غرفتها لتستريح. ولأن فريدة كانت بغرفة ياسمين، فكان حازم يجلس بأريحية أكثر. وعندما شعر بإنسحاب الكل، نهض يجلس برفقتها على الفراش ممسكاً كفه الدافئ، بينما هي تنظر ناحية سقف الغرفة بشرود. عندما وجدته يدلك كفها الحر غير المعلق به الإبر، ابتسمت بحنو وابتلعت ريقها تطلب منه بأعين باكية: "متسبنيش ليهم يا حازم، أنا تعبت أوي ومش حمل وجع من تاني!" وجعت نبرتها وتوسلها بالخفاء. ابتلع ريقه ومرر يديه على خصلات رأسها التي كشفت وقال بنبرة مطمئنة: "مين دا اللي يسيب بنته للغريب يا فريدة؟ بقا دا كلام؟ وحياتك عندي ما حد يقدر يقرب منك ولا يغصبك على حاجة مش عايزاها وأنا موجود!" ابتسمت على مشاكسته في طريقته لإدراج الحديث. وقرر مشاكستها أكثر عندما مال يهمس بمرح: "طب أقولك حاجة؟ أنا عايز ياسمين تقعد تبص ليكي كده علطول عشان اللي فبطنها يطلع شبهك. عندي إحساس إنه بنت وكلهم برضو بيقولوا كده. تفتكري؟" استطاع أن يلهيها عن تذكر الألم. ابتسمت بخفة ونظرت له بحب رغم الوجع وقالت تجاوبه: "للدرجادي؟" "انتي مستقلية بنفسك ولا إيه؟ متخلنيش بقا أسميها فريدة لو جت بنت!" نفت بلهفة وهي تبتسم من بين مسكه لكفها برفق: "لا بلاش فريدة عشان خاطري!" ابتسم بتفهم وأهبط شفتيه يقبل رأسها برفق وقال بلطف هادئ كنبرته: "خلاص يبقى انتي اللي تسميها لو جت بنت إيه رأيك؟" اعتدلت تحاول الجلوس أكثر فساعدها ببطء، تزامناً مع قولها المنصدم: "بجد؟ ياسمين هتوافق؟" ضحك وهو يعتدل وظهرت الخشونة الزائفة في صوته وهو يجيبها بمرح: "ومتوافقش ليه؟ خدي بالك أنا مسيطر أوي، إحنا رجالة بردو مش أي كلام. قولي بس اللي نفسك فيه ويحصل علطول!" رفعت ذراعها الحر تعانقه بتلقائية وأعين يفيض بها الدمع. ورددت بتحشرج متأثر: "ربنا يخليك ليا يا حازم، وتفضل سندي طول العمر!" مرر يديه عليها بحنان. واعتدلت هي تسند رأسها على الوسادة من خلف ظهرها. شعرت بالخزي من عدم قدوم والدتها إلى الآن ولكنها تقدر ورأت بأن من الأفضل عدم قدومها كي لا تسحبهم خلفها ويحدث عواقب. نهض يفصل المحلول وامسك يدها يحرص، يخرج الإبرة عندما لاحظ الانتهاء. وضع كل ذلك بكيس بلاستيكي ولم يتعمد وضعها بالسلة بسبب الصغار. لذا اعتدل يخبرها: "هرميهم وأشوف أكل عايدة إتأخر ليه وهرجعلك!" هزت رأسها توافقه، وخرج حتى وجد بدر يقف مع آدم، ويبدو أنهما كانا على وشك الدق على الباب. تفهم ما يريدانه فالتفت يشير لها على حجاب رأسها فمدت يديها بتعب تضعه على رأسها. وسار هو بطريقه وهو يحثهم برفق وثقة منهم: "ادخلوا، راجعالكم اهو!" وقف بدر بعدما دخل وتبعه آدم الذي انهزم وجلس على الفور بقلق متفحصاً تعابير وجهها الشاحب. وردد باهتزاز تراه به لأول مرة بعدما ردد الآخر لها بحديث لبق: "ألف سلامة عليكي يا فريدة!" ابتسمت بتعب ولاحظت ابتعاد بدر بقصد كي يترك فرصة له عندما وجده موجوع بهذا الشكل. تعلقت عيناه بها بشدة وهمس بها يترقب باهتمام. في حين اهتزت هي أمام أنظاره وتحركت عينيها بعشوائية وبدأت تقرر بأن تعتذر: "آدم.. أنا آسفة على كلام سامر وافتراه عليك. أنا حاولت أتكلم وأقول الحقيقة، لأنك اتدبست بمصيبة عاوز يلفقهالي بأي طريق.." بتر آدم جملتها عندما هتف هو برضا تام: "أنا مستعد أقع في ألف مصيبة عشانك، وألف مشكلة كمان، مادام الحل هو انت ومعايا!" تسارعت دقات قلبها بتوتر. ولما الآن؟ لما يوترها الآن. ابتلعت ريقها بتعلثم. وعاد يسألها هو بوضوح: "إنت موافقة على الكلام اللي اتقال ده؟" "لأ." نفت بإيجاز تعمدت عدم النظر ناحية وجهه وخاصة عينيه التي تشعر أمامها بأنها مكشوفة. لا يريد التهور في القول والحديث لذا لم يعد لديه القدرة على قول وترتيب الكلمات. ماذا يفعل بوضع كهذا. وجدها تتحدث مرة أخرى توضح وكأن ضميرها أوجعها كي لا تتركه مع أفكاره وحده بأذى: "مستحيل أوافق حتى لو كلهم موافقين وواقفين ضدي. مش عايزاه حتى لو موت نفسه بمحاولاته القذرة دي!" ربما تعطيك الأمل يا هذا. تجرأ وهيا. نفى بتردد كي يفي بوعده لعدم فتح الحوار إلى أن تصارحه بردها وموافقتها. تعمدت على أن تكشف أوراقه بطبع غير هين عندما سألته بجرأة: "ليه بتسأل ومهتم؟" تتصنع الغباء. ياهذه! ألا تتذكرين الموضوع الذي تم فتحه معك وذاق الرفض على يديك، بينما أصر ولم يتركك حتى عندما سمع رفضه. أين الفرصة؟ "علشان أنا طالبك وراغبك! عشان أنا اللي عايزك وشاري!" أخرجت الثقل الذي على صدرها بأنفاسها ونفت رغم صوتها الداخلي الذي يحثها على القبول هذه المرة: "مش هقدر يا آدم. أنا كل حاجة جت وجاية على بقسوة. مفيش حاجة رحمتني. وخايفة.. خايفة أدخل تجربة زي دي وأظلم وأتظلم. خايفة متستحملنيش. خايفة من حاجات كتير الماضي عملهالي عقَد مبتتحلش!" اندفع يردد بنبرة صادقة بشدة: "حلها عندي. إديني الفرصة وشوفيني من جديد!" وصارح بالغير مباشر: "أنا كمان خايف. بس خايف تبقي لغيري. أنا عايزك إنتِ وموافقتك ومش عايز حاجة تاني منك بعد كده!" ردد بطلب القبول منها من دون المشاعر. من دون الحب! هبطت دمعتها بتحسر على حالها وتشتت. وقبل أن يتحدث أكثر، دخل "حازم" مع "ياسمين" و"زينات" الغرفة! انسحب ببطء ونظر لها نظرة أخيرة يودعها بها للمرة الثانية وهو يطلب منها التفكير في الأمر! خرج إلى الخارج ووقف مع "بدر" وأغلق الحديث بإنهاك عندما قال يعلمه: "أنا همشي يا بدر. أنا وفاطمة والعيال. ابقى طمني!" وافق على الفور يمليه على أن يأخذ حرصه وأشار لشقيقته التي خرجت بعدما ودعت "فريدة" هي والصغار. وعقب ما خرجت زفرت "فريدة" بصوت متعب وكان صوتها الواضح ظاهر لهم عندما رددت لـ "زينات" بنفي: "ما قولتلك لا يا ماما مش هاجي معاكي. ولا هبات هناك. أنا هفضل قاعدة هنا!" وافقتها "ياسمين" كونها بغرفتها أمام أنظار "حازم": "خلاص خليكي وأنا هنام جنبك!" كادت أن تعارض "زينات" بينما وقف "حازم" قبلها يشير بحزم: "خلاص. خليها قاعدة مرتاحة. روحي لهم انتي.. وياسمين جنبها!" صمتت رغما عنها. واعتدلت "فريدة" كي تستلقي أكثر بتعب. فحاولت "عايدة" الخروج وهي تسحب "زينات". ووقف "حازم" يشير لـ "ياسمين": "الأكل أهو خليها تاكل. وأنا هناك عند عايدة. لو تعبت أو في حاجة اتصلي بيا!" "ماشي يا حبيبتي!" رددتها بمرح. فضحك هو عليها وسمع صوت ضحكات "فريدة" اليائسة منها. توجه يعانقها بحب. وهمست هي له بمشاكسة: "هتوحشني يا حازومي. بس يلا كله يهون عشان عمتو العقربة!" صمتت الأخرى بضحك. وقبل هو قمة رأسها يحثها مرة أخرى: "خدي بالك من نفسك وبلاش تتحركي كتير. خليها تاكل بس ونامي على طول!" أشارت على عينيها بطاعة. وخرج هو إلى الخارج خلف "والدته" وزوجة أبيه. حيث إن قد خلا المكان من التجمع قليلا وكل منهم ذهب لشقته وغرفته! "لا لسه نايمة مصحتش!" أجاب "غسان" بذلك وهو يجلس بينهم وهذه المرة كانت جلستهم كمثل في السابق. كعائلة دافئة تنعم بالحب في التجمع رغم الصعاب. خرج قبل قليل وجلس معهم في غرفة "حامد" الذي جلس على الفراش بحانب "دلال". وفي المنتصف بشكل مضحك كانت تجلس "وسام" وعلى كل طرف من الفراش كان يجلس أحدهما. ناحية "والده" وكان "غسان" ومن الناحية الأخرى كان "بسام". زفر "حامد" بصوت بينما رددت "دلال" تواسيه: _"تنام براحتها يا حبيبي، خد بالك منها بس، ربنا يقومها بألف سلامة ويعدي الأيام على خير يا رب!" مد "غسان" يديه مقترباً ليقبل كفها ببر، فمسحت على خصلاته تحت ابتسامتهم المريحة. اعتدل أكثر عندما هتفت "وسام" بسعادة رغم ما حدث: _"بس أنا فرحانة أوي يا غسان بجد، مبسوطة وطايرة من الفرحة!" توسعت بسمته لأجل سعادتها، وأكمل "بسام" هذه المرة بفرحة ظهرت في نبرته: _"وأنا كمان، كلنا طايرين من الفرحة عشان الخبر ده، تخيل كده يا غسان تخلف وعيالك يفتكروني أبوهم، ياااه!!" شعر بنشوة الشر الزائف وهو يرددها، ضحكوا عليه بقوة، ووكزت "دلال" ساقه من بين ضحكاتها العالية، فردد "غسان" له هذه المرة بلين عكس كل مرة كان يجيب بها بالتبجح وحتى المرح: _"حد يطول تبقى أبوه يا بسام، عقبال ما تلاقي بنت الحلال ويرزقك بعيل بردو يفتكرني أبوه وداين تِدَان بقا!" _" لا ونبي بلاش أنت، هتبوظهملي!!" أدرفها بخوف زائف، فتعلقت عينهما معاً، وشيء كهذا انتبه له الجميع بفرحة. في حين لاحظت "دلال" سكون "حامد"، فرددت تشاكسه بمرح: _"مالك يا حج، ساكت ليه كده ما تشاركنا اومال!" توجهت الأنظار ناحيته، فاعتدل أكثر بملامح وجهه المريحة ووضع كفه على ساق "غسان" مردداً بصدق وسعادة: _"أنا بس فرحان، رغم اللي حصل ده كله، بس فرحة قلبي مكانها، مبسوط ليه ومبسوط لـ "نيروز" بنتي وحبيبتي!" تأثر "غسان" منه وقبل رأسه بتأثر تحت ابتسامة الكل، ثم عاد سريعاً يخرج من التأثر بمرح وهو يشاكسه: _"جرى إيه يا حامد، نيروز نيروز، شكيت يا جدع إنك بتحبها أكتر مني!" اندفعت "وسام" بمشاكسة غيورة: _"ومني!" من بداية الجلسة ترد له الضربات على ساقه فيرد لها. وكان "بسام" الذي عاد يضربها بمرح وطفولية هذه المرة فاندجت معه، بينما رد "حامد" عليه بصدق. وهذه المرة وقفت هي بحرج خلف الباب تخجل من الدق عليه: _"طبعاً، بحبها، نيروز دي بنت حلال وطيبة، ربنا يصلح حالها وحالكم، يمكن مبتعرفش تعبر عن حبها أوي غير فالوقت الشديد، بس هي بقلبها ده نعمة اسألني أنا، محتاجة بس اللي يفهمها، غياب أبوها مأثر بردو، بس أنا بحاول أملى مكانه، واللي ردت بيه النهارده قدام زهور عشان تعزز كرامتي وتخلي قيمتي عندها وقصاد الكل كبيرة.. قادر يزود معزتها عندي أضعاف، لأن هي كده كده غالية!" يلاحظ ردها هو الآخر، لكنه لم يشكرها ولم يواجهها بسبب الأحداث. تفاجأت من حديثه وأدمعت عينيها. فردد "بسام" قبل أن يهتف أحدهم بحديث آخر: _"ربنا يخليكم لبعض يا غس، خلي بالك منها، الحمل فالأول شهور مببقاش ثابت أوي فمتضغطهاش وخليها تريح نفسها!!" أومأ بطاعة، وعاد "غسان" يردد له بحماس غريب: _"إحجزلي بكرة عند دكتورة شاطرة كده نتابع عندها، المفروض نروح نكشف بكرة!" _" عيني ليك يا غس انت وابنك بس كده!" مد ذراعه يشاكسه وهو يضم رأسه بمرح فضحكوا بخفة تحت دقات الباب من "نيروز". هتف "حامد" كونه الأكبر بامتلاكه للغرفة: _"تعالي يا بنتي!" علم أنها هي، من سيكون غيرها في الشقة. دخلت "نيروز" بخطوات هادئة تبتسم بهدوء. فنهض "غسان" وقاطع نهوضه إمساك والده له، عندما أشار لها وهو يتزحزح قليلاً من أسفل الغطاء يشير لهن بأن يزيحن مكان أكثر: _"تعالي يا حبيبتي، اقعدي هنا جنبي!" ترددت بحرج، ووقفت تنفي بخجل: _"لا أنا هقعد على الكرسي هنا عادي، عشان تبقوا براحتكم!!" وقبل أن يقاطع "حامد" وعائلته، هتف "بسام" بمرح يشجعها: _"روحي دا محدش بيقعد جنبه على السرير إلا الغالي بس، حتى شوفي قعدتنا أنا وجوزك!!!!" ضحكت كما ضحك الكل وتوجهت تحت عيني "غسان" التي تشجعها وجلست أخيراً. فرفع "حامد" ذراعه يربت على كتفها يسألها بحنو: _"بقيتي كويسة؟" حركت رأسها ورغم أن حملها يتضح بأنه يتضمن القيء حتى يثبت، إلا أنها تقاوم هذا الشعور، خاصة أن الأحداث الأخيرة توترها فيداهمها شعور القيء من جديد. ولكنها أومأت كي لا تقلقهم بقولها: _"الحمد لله كويسة، متحرمش من سؤالك يا عمو!" توجه برأسه يقبل قمتها ببر ورفق، فاعتلى صوت "غسان" بحنق زائف: _"لا بقا كده بقا أنا هغيّر!" ضحكوا عليه بخفة، وقالت "دلال" تشاكسه: _"إيه يا حج، ما تسيبله مراته الله!!" وكانت الضحكات سيدة الموقف. جذب "غسان" مقعداً كي يجلس بجانب جلستها على الفراش ووضع ذراعه عليها يحتويها بحب، بينما توردت وجنتيها بخجل. فمال يهمس من بين ضحكات وحديث الآخرين: _"يحلاوة قلب اللي هتبقى أم لما يدق يدق!!" اهتز ثباتها من كلماته وابتسمت حتى رفعت عينيها تنظر له وهي تردد بنبرة لينة هادئة: _"أنا فرحانة أوي عشان انت كمان فرحان!" لاحظ كتم تعابير وجهها، فابتسم وسرعان ما تحدث عندما لاحظ تعابيرها: _"إنت تعبانة لسه؟!" نفت وحاولت أخذ أنفاسها. في حين أخفض "بسام" هاتفه من على أذنيه وقال بنبرة مرتفعة يخبره: _"حجزتلكم يا غس، بكرة إن شاء الله تروحوا على خير تكشفوا ونطمن!" ابتسمت له بامتنان تحت حماس الكل، وأجابت "نيروز" عليه هي هذه المرة: _"شكراً يا بسام!" وقبل أن يجيبها بلطف، ومن بين نظراتهم انتفض الكل عندما نهضت تضع يديها على فمها بسرعة. انتفض "غسان" بخوف، بينما نهضت هي تسير بسرعة نحو الخارج. حاول "حامد" النهوض كما حاولت "دلال" وهي تردد بخوف: _"بسم الله الرحمن الرحيم!" هرول خلفها "غسان" بينما دخلت هي المرحاض تغلق الباب خلفها كي لا يتقزز أحدهم. في حين حاول "غسان" فتحه بسرعة وقلق، ووقفت "وسام" خلفه وتجمع الكل في الطرقة. ومع نبرة "حامد" القلقة وهو يهتف باسمها كما فعل "غسان" وهو يتحدث بلهفة من أمام الباب: _"افتحي يا نيروز، خليني أشوف مالك!!!" وضع "بسام" يديه على كتف "غسان" وتعمد الهدوء والسكون كي يشعره بأنه أمر طبيعي ليحدث: _"متخافش يا غسان، ده أمر طبيعي فأول الحمل لحد وقت معين وهتبقى تمام، حصل كده قبل كده؟" هز رأسه بنعم بلهفة، فأشار له مردداً بنبرة هادئة: _"طب اطمن عليها، على ما أجيب لها برشام يهديها وميكونش مضر للحمل وعلى ما تكشفوا بكرة.. ثواني!!!" تركته بسرعة ودخل غرفته، في حين وقفت "دلال" خلفه مع "حامد". وردد "غسان" بإنفعال بها هذه المرة وهو يطرق على الباب: _"ما تفتحي يا نيروز الزفت ده، بلاش أم القلق ده على المسا..!!" أمسكت "دلال" ذراعه كي يهدأ قلقه وقالت تخبره بسكون: _"براحة يا بني، تلاقيها اتحرجت حد منا يقرف، أنا هروح أفتح أوضتك وأوضب سريريك كده ووسام هتعمل لها حاجة تشربها وخليك معاها وهي هتفتح لما متلاقيش غيرك!" أشارت لـ "حامد" فتفهم وسارت "وسام" سريعاً ناحية المطبخ، في حين ردد هو بلين أهدأ من السابق: _"يا نيروز افتحي خليني أطمن عليكي، محدش معايا كلـ.." وقبل أن يكمل فتحت الباب بملامح مرهقة فأسندها على الفور بلهفة. بينما أدمعت عينيها من عزم التعب والإنهاك. لم تكن لتعلم أن الحمل متعب لهذه الدرجة. أسندها بخوف وهو يمرر يديه على ظهرها حتى دخل بها ناحية الغرفة. أجلسها على الفراش برفق. ومدت "دلال" كفها تزيح حجاب رأسها بحرص وهي تطمئنها: _"معلش يا حبيتي، كل ده بيحصل فأول الحمل لبعض الناس، استحملي ربنا معاكي يا بنتي!" ابتسمت لها بإنهاك، وأشارت لـ "غسان" كي يساعدها في أن يخلعا عنها عباءتها. وبالفعل خلعها الاثنان بحذر. وتمددت هي على الفراش بمساعدته رغم حرجها. فردت عليها "دلال" الغطاء. بينما جلس "غسان" واضعاً كفه على معدتها والآخر على جبهتها يسألها بخوف وقلق: "حاسة إنك أحسن؟" أومأت. ودخلت "وسام" سريعاً تناولها كوب المشروب الساخن. فنظر لها بإمتنان. ولاحظت "دلال" مناداة "بسام" من على بعد. وقبل أن تتوجه أخذ "حامد" منه الدواء ودخل هو يعطيه له بلهفة وهو يحثه: "اعطوهالها يبني وخليها ترتاح عالآخر. خليكم بايتين هنا النهاردة!" "هعمل كده!" وافقه "غسان" بكلماته هذه. وانسحب الكل وأغلق "حامد" الغرفة ليتركهما. بينما ساعدها "غسان" سريعاً بأن تجلس باعتدال حتى جلست وتجرعت من الكوب ومن ثم أخذت القرص بهدوء. إلى أن اعتدل وجعلها تعتدل لتستلقي مجدداً. نظرت بخجل على الموقف وحتى ما فعلته. علم ما تفكر به هي وما شعرت به فأهبط شفتيه يقبل رأسها برفق وقال يطمئنها: "دي حاجة غصب عنك. ارتاحي وبكرة إن شاء الله هنروح نكشف ونطمن!" لاحظ اصفرار وجهها من جديد. ونظر بشفقة لها فمسد على خصلاتها برفق. بينما ردت هي بلطف شديد تحث نفسها على التحمل كما تحثه بطريقة غير مباشرة: "كله يهون قصاد إن اللي فبطني يكون بخير ويجي بالسلامة!" ضحكت بخفة. وتعب واعتدل هو يستلقي بجانبها ينظر لها باهتمام. وواصلت تكمل بمشاكسة طفيفة تخبره: "مافيش حاجة ببلاش يابن البدري!" ابتسم وعادت أنفاسه بعد الحبس. واستند يقرب رأسها منه لتستند على كتفه وردد هو بصراحة بالغة: "عندك حق. بس انت وصحتك عندي بالدنيا. يمكن مش حاسس بيكي بس خايف عليكي أكتر من أي حاجة. ربنا يهون عليكي أيامك يا نيروز!" دعا لها وردد اسمها بهدوء متخوف دون سخرية. ابتسمت بحب وحاوطت كتفيه من الأمام بذراعها وهي تستند بتعب. ورددت بنبرة منخفضة منهكة: "بحبك وانت بتخاف عليا أوي!!" شاكسها بمرح، نابساً بنبرة خشنة هادئة: "دا أنا خوفت والست خافت وكلنا خوفنا!" "الست؟" رددتها باستنكار. وأكد هو وهو يحتويها بذراعه مردداً بهدوء يسألها بعدما أكد: "آه. عارفة قالت إيه؟" "إيه؟" رددت بتعب وهي تبتسم بارتياح. ودندن هو بهدوء يخبرها: "وبين الليل وآلامه..وبين الخوف وأوهامه..بخاف عليك وبخاف تنساني والشوق إليك على طول صحاني!!" ابتسمت "نيروز" بلطف. وقالت بحب شديد له كالعادة: "ثبتني يا بن البدري. بس إنت عرفت خلاص. أنا عمري ما هنساك!" توقفت عن الحديث ثم رفعت عينيها لأعلى حيث عينيه بعدما كانت تستند عليه وسألته بجدية شغوفة: "عارف ليه؟" أجاب "غسان" بنعم هادئ وهو يحرك كفه: "آه عرفت!!" كان واثقاً عندما حرك كفه يجيب بنعم ويؤكد عندما وضع يديه على معدتها. فابتسمت تؤكد وتثبت ما جاء بعقله بقولها المفسر: "بالظبط. علشان اللي موجود هنا منك. فبقى صعب أنساك. وحبل القرب اتربط بالقوي المرادي يابن حامد البدري!!" حديثها أصبح غير هين على قلبه الضعيف تجاهها. خاصة أن مشاعره مختلطة بفرحته المختلفة الذي يجربها ويعيشها لأول مرة. كل مرة ينعم بها وبقربها بعيداً عن أي جو مشحون بالسوء والشدة وينجح هو في كل مرة بأن يكون معها وأن يجعلها بعيدة عن مكان الوجع. كل مرة يمتن للقدر الذي جمعه بها حتى ولو كانت ليست هينة بطباعها وانهزم هو بعدم قدرته على كره ذلك بها. ورغم أنه يخاف ويهاب من القادم وبالأخص بسبب عودة أقاربها إلا أنه يطمئن كونها معه. يسعد لشعور بأنه في المستقبل سيكون أب لطفل مجهول جنسه. يختلف وحياته تختلف جذرياً معها وبسببها هي ولا شيء يضاهي لحظة الاطمئنان وهو جوارها وهي جواره. بل ويطمئن أكثر من ناحية أخرى وبكل فرح عندما سمع الآن بطريقة ما أنه أصبح صعب نسيانه. أصبح صعب نسيان حدة الشباب هذه المرة. حالها ينقلب وأمس غير اليوم. تتسلل بمثل هذا الصباح كي لا يراها أحد وهي ترحل. ربما هروب منهم أو من مكان الوجع أو هروب من ما هو آت. أم ماذا؟ وبنفس المكان التي تسللت به وقفت به العائلة بأكملها بخوف من عدم وجودها بمفاجأة. كانت هنا أمس أين ذهبت؟ أين رحلت مجدداً؟ حتى هو لا يعي ما يحدث. أين ذهبت هي ولما يشعر بالخوف الشديد هذه المرة؟ وكيف ترحل بعد حالتها في الأمس؟ وهل فقدها أم ستعود؟ وكأن الكلمات لها هي التي تعاني سراً وجهراً. الاثنان معاً. ما حدث لها أمس متعب ومنهك لأعصابها. عودتهم في السابق كانت لا تؤثر بها بينما الآن كل شيء تغير حتى عودتهم بالنسبة لها أمر بات صعب عليها بعد أن كان العكس تماماً. من ناحية "زهور" وفتياتها أما هو فكانت ومازالت تبغضه بسبب ما كان يحاول فعله بالخفاء. دناءته تفوح منه منذ زمن. خاصة أنها تغيرت وتتغير ومازالت تخفي لهم أسرار من نواحي أخرى لا يعلمها سواهم. حالها ينقلب وأمس غير اليوم. تتسلل بمثل هذا الصباح كي لا يراها أحد وهي ترحل. ربما هروب منهم أو من مكان الوجع أو هروب من ما هو آت. أم ماذا؟ باتت لا تعلم ما يجري داخلها من تناقض وياليتها تعلم نهاية هذا المطاف. الهواء المنعش الآن يداعب بشرتها يشعرها بالأمان قليلاً بعدما استيقظت في الصباح الباكر تتسل كي تخرج إلى الخارج بمفردها. تعلم أن حركة مثل هذه ستقلب الحال ولكنها فاض بها فأرادت الجلوس بمفردها بعد كم الضغوط التي رأتها وشهدتها معهم وعليهم. ساعدها نوم "ياسمين" الثقيل وكانت هي ترتدي ملابسها المناسبة للخروج لذا ارتدت حجابها عليها فقط وخرجت بعيداً عن المبنى حيث جلسة تريح بها العقل. ولكن كيف؟ بات مستحيل راحته وحتى القلب أيضاً لم يهدأ بعد منذ أن سلب منها أعز ما تملك. تركت الكل واختارت نفسها ولكن هل ذلك الذي جاء على فجأة سيختارها ويتمسك بها بالإجبار؟ أم ماذا؟ كلما ينشغل عقلها بهذه الأسئلة يضيق صدرها. ورغم أنها تعلم أن "حازم" لم ولن يتركها إلا أنها تفكر جدياً في عرض "آدم" عليها. والآن تفكر للمرة الثانية بطريقة مختلفة ولكن الثابت كمثل طريقتها الأولى أنها ستظلمه. قارنت ووضعت الأمران أمام بعضهما. سامر لا يؤتمن بينما الآخر تري به سكون. رجل يفعل الآن المستحيل من أجل شقيقته وأولادها ويتمسك بها هي من ناحية أخرى بعد حادثها الأليم. تري به خصال لم تراها حتى في شقيقها من الوالدين وبعضها كان لا يوجد في والدها أيضاً. لما يتمسك رغم أنها تختلق أعذار؟ لما يصر على العرض والطلب بينما هي لا تمل ولا تكل في ترديد حديث جاد جامد بالرفض؟ وأحياناً أخرى يكون حديث قاس موجع مؤلم ليتراجع. ماذا ماذا فعل هو؟ ماذا يريد منها كي يتحلى بكل هذا الإصرار؟ بالنسبة لها أمره عجيب بعد فقدانها الثقة والأمان بصنف الرجال أجمع. صعب. صعب جداً أن ترد هذه الثقة بسهولة. شبه ابتسامة ساخرة تظهر كلما تقارن مرة أخرى. في السابق كانت سجينة تود الخروج والهروب من مكان اعتدى عليها فيه. بينما الآن سجينة الخوف لمرة أخرى. سجينة الأفكار على الرغم من أنها حرة تستنشق الهواء الحر. اتسع صدرها من هذا الهواء وتنفست بصوت مسموع، وملابسها تتطاير منه. وهي تقف تنظر ناحية البحر، والتي اختارت له مكانًا أبعد من المبنى كي تنفرد بنفسها. فرت دمعة منها وهي تتذكر كل شيء بأسى. "بحر علم الله أحمد كل من يلقاه يسعد حوضك الصافي المبرد للذي يعشق محمد يفتح الله الله العوالم في إمام للمكارم لجميع الرسل خاتم الحبيب مولاي محمد خير خلق الله طه مثل شمس في ضحاها هذه الدنيا نراها في ضياء من محمد أكحل العينين أدعج نوره المحبوب أبلج أشنب الأسنان افلج فاق رسل الله محمد وجهه يا ناس نائر سيدي مولى مولى البشائر دخرنا نور البصائر اسمه الهادي محمد قدره العالي المفضل وصفة الغالي الغالي المكمل وحي ربي قد تنزل للحبيب مولاي محمد فضله عم النواحي لظلام الكفر ماحي في الصحارى والبطاحي اشرقت أنوار محمد صلي يا ربي وسلم على النبي خير البرية." "عليه أفضل الصلاة والسلام." الصوت العذب كان بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم. التفتت بكامل جسدها تنظر نحو العربة التي، وللجمال، تمتلكها سيدة خمسينية بشوشة الوجه. تملك العربة التي كانت عليها أسماء مزخرفة عربية، لتُعلق بميدالية خشبية أو بشيء بسيط. ورائحة الدخان المعطر التي تشعله هي تتخلل أنفها بعد أن تخلل سمعها مدح المصطفى. أسندت السيدة العربة على بعد قليل من وقفة "فريدة" التي ما زالت تستمع إلى المدح للنبي. فرت منها دموعها هذه المرة ربما تأثرًا أو يقينًا، لا تعلم. لكنها تعلم أن الحال يضيق، والله يسمح لها بأن يشرح صدرها بهذه الكلمات الطيبة مع المنظر الرائع في هذا الصباح البهيج. تفاجأت بعد لحظات من الشرود بها وهي تمد يديها لها بزجاجة مياه صغيرة بلاستيكية مع قولها اللين الطيب: "إمسكي يا بنتي اغسلي وشك وفوّقي كده، محدش واخد منها حاجة!" فعلتها بمنتهى البساطة. مسحت "فريدة" وجهها بسرعة، والتقطت منها الزجاجة بغرابة من فعلتها الهادئة. لم تسألها مثلاً ماذا حل بها؟ هكذا جاء بعقلها. بينما وكأن الأخرى تعتاد على ذلك. زفرت السيدة بصوت مسموع وابتسمت بهدوء كنبرتها التي خرجت: "لما كل يوم ألاقي ناس بنفس الحال دا كده واقفة تبص للبحر والدموع بتنزل من غير استئذان!" انصتت بإندماج، في حين تابعت السيدة تكمل حديثها: "تبقى صعبة الدنيا أوي وبرغم وسعها بس ضاقت على كتير أوي. وما ضاقت إلا وربنا فرجها." أشارت بذراعها ناحية البحر بغير اهتمام، وركزت عينيها نحو عيني "فريدة" تخبرها بأسى داخلي وهي تشير لها ناحية البحر بأمواجه الهادئة بشدة: "صاحب الأيام والشقى بس محبوش!" حديثها عشوائي لحد كبير. ربما لها أسبابها الخاصة. ترقبت "فريدة" لحديثها الواثق، وفهمت مغزى حديثها فردت بحرج تبرر لها: "منظرة بيريح الواحد." ابتسمت وقالت وهي تسحب المقعد الخشبي لتجلس عليه: "بس ملهوش أمان زي الدنيا بالظبط، وفي الآخر البني آدم بيزعل وهو عارف من الأول إنهم بياخدوا أكتر ما بيدوا." يتضح بأنها تحمل بين طيات حديثها الكثير والكثير. ابتلعت ريقها وأكملت ثرثرتها التي سلبت تركيز "فريدة" إليها: "البحر ده خد مني الضنا. ابني كان شاب جميل وحليوة كده. أما الدنيا بقا فـ دي بعدت عني بنتي اللي من ساعة ما وعيت وهي شايفة إن عيشة أهلها مش عدل لحد ما اتجوزت ومشيت وكأنها ما صدقت تستعار مننا ومتعرفناش تاني!" ابتلعت "فريدة" ريقها بشفقة، وتفاجأت من ثبات هذه السيدة. وبخفة وجدتها ترفع يديها تقبل باطنها وكفها مرددة برضا تام: "بس عمري ما قولت غير الحمد لله رضا. أصله ساترني مش حاوجني ومهما خد مني ببقى عارفة إنه هيراضيني!" ربما هذه رسالة لها. أعجبت بحديثها العميق وتجرعت من الزجاجة بسكون حتى انتهت، فأخذتها منها السيدة ونبست بنبرة مشرقة: "صباحك سعيد. ولا أي حاجة تستاهل دموعك تنزل!" توسعت ابتسامتها ووجدت الأمل من حديثها الجاهل عن حالها. ربما أرسلها الله في طريقها. نظرت لها بإمتنان، وقالت بشكر: "شكرًا!" تلاحظ دقات الهاتف التي تتعمد تجاهله. لم تضغط عليها السيدة بل ابتسمت بلطف. في حين ترقبت عيني "فريدة" باهتمام وهي تسألها: "ممكن أشوف الأسماء دي!" "يادي الكسوف لكاكه أنا دايماً كده وأخدتك فدوكة. قومي طبعاً بينا نشوف.. بس ألا صحيح هو إنتي اسمك إيه؟" ابتسمت "فريدة" وهي تنهض محركة عينيها على المساحة التي توجد بها ما تبيعه السيدة. وردت على سؤالها وهي تتعمق النظر بالبحث عن اسم معين: "فريـــدة!!" "اللهم صلي على النبي. اسمك جميل يا فريدة. هدورلك عليه. تعالي!" اتجهت أكثر، وعلى الرغم من أن هاتفها يدق عالياً، إلا أنها تتجاهله. تنفست بعمق، ووجدت الأخرى تمط شفتيها بأسف: "مش موجود. إنتي عارفة؟ أنا بشطب آخر اللي معايا عشان أروح أجيب شغل جديد تاني!" أثارت شفقتها، ومدت يديها تأخذ البخور المعطر بين يديها بابتسامة لطيفة وقالت بنبرة هادئة: "ولا يهمك هاخد دول!" اتسعت ابتسامة السيدة وسرعان ما عاق أنظارها مرة أخرى اسمه هو! هل يوجد اسمه ولا يوجد أسماء توأم شقيقته؟ بحثت عنهما ولم تجدهما. وعندما ترقبت أنظارها بلهفة لوجود "أدهم" لم تجده بل كان "آدم"! وبكل تلقائية مدت يديها تلتقط اسم "آدم" ثم رفعت عينيها تكمل: "وده كمان هاخده!" "إنت تاخدي اللي انتِ عايزاه يا حلوة. العربية كلها تحت أمر عيونك!" ابتسمت بحب لها ووضعت يديها خلف حافظ الهاتف، تخرج بالأموال منه بعدما رأت هوية المتصل وتجاهلت مرة أخرى. مدت يدها للآخري كي تأخذ منها، بينما نظرت لها بسعادة. فبخفة راضتها في حين اتجهت هي الأولى لتراضيها. أخذت منها وهي تقبل يديها من الأمام والظهر علامة على شكر الله على هذه النعمة في الصباح. تمسكت "فريدة" بهم جيداً، ووقفت وقبل أن تتحدث وجدت الهاتف يدق مرة أخرى. لذا تنهدت الثانية تنظر لها بلطف، ثم قالت تنصحها: "ردي يا بنتي. طمنيهم عليكي. ريحيهم ترتاحي!" زفرت بصوت يعلن عن مدى إنهاكها، واعتدلت تؤدي بعدما أومأت بالإيجاب: "شكراً لإنك خففتي عني. عاوزة حاجة قبل ما أمشي؟" "آه.. عاوزة أجي المرة الجاية ألاقيكي بتضحكي وبتشاركي البحر فرحك ويا سلام لو مش لوحدك! الدنيا دي يبنتي عايزة ونس. صاحب كده لو ميتلي يشيلك. الوحدة وحشة أوي. الرحلة محتاجة اللي يخفف عنا مش اللي يوقع دموعنا. فهماني يا فريدة؟" أدمعت عينيها وكأن الأخرى تشعر بما يجتاح عقلها وقلبها. أومأت بنعم، وتحركت عينيها نحو كفها الذي يتمسك باسمه وكأنه معها. لا تعلم لما اختارت اسمه ولما قررت بإندفاع أن تبتاعه. ربما قدر ونصيب! لوحت لها بيديها تشير لها بالوداع وعقدت العزم على أن تأتي هنا مرة أخرى كي تراها مجدداً. كانت تعتقد بأن الأمل زال من الحياة، أو الأمان في الناس قد اختفى، ذرة الخير ضاعت! ولكنها تيقنت بأن هناك ما تبقي من ذرة الخير في أشخاص قلة. أشخاص قلة يساعدونها على أخذ قرار لشخص آخر لا يعلمون عنه شيئاً، وهي من تعلم عنه وحدها كل شيء! رفعت الهاتف بيأس كي تجيب وهي تسير في طريقها إلى حيث ما أتت منه. "ألو.. أيوة يا حازم!" "إنت فين ومبترديش على الزفت اللي في إيدك ليه من أول مرة؟" صرخ عليها أمام كل الواقفين بشقة "سمية" في هذا الوقت المبكر. حالته مفزوعة بطريقة هادئة مريبة عندما جاب عقله كل شيء، خاصة هروبها قبل فترة لهلاكها. وبنفس المكان التي تسللت به وقفت به العائلة بأكملها بخوف من عدم وجودها. بمفاجأة، كانت هنا أمس. أين ذهبت؟ أين رحلت مجددًا؟ حتى هو لا يعي ما يحدث. أين ذهبت هي، ولماذا يشعر بالخوف الشديد هذه المرة؟ وكيف ترحل بعد حالتها في الأمس؟ وهل فقدها أم ستعود؟ عقلهم مشتت، وبالأخص عند تذكرهم لحالتها المرضية أمس. حتى "زينات" التي انسحبت تراها ولم تجدها، فزع الجميع. حتى أن من كثرة تأخير ردها، دق على هاتف "آدم" ربما فعل فعلة مجنونة وسارت معه لخروج غير مفهوم. يعلم طبيعة اندفاع "آدم" جيدًا، كما يلاحظ قربه من شقيقته، ولكنه تركها كي يأتي بنهايتها. وقفت "ياسمين" بخوف من تحول "حازم" الغريب، وحتى "حامد" الذي جاء معه "بسام" و"دلال" و"نيروز" مع "غسان" عندما علموا الخبر من شقيقتها ووالدتها. ونهضت مع عائلته بنهاية تناول الإفطار معهم. أجابت "فريدة" على الجانب الآخر بخوف متلعلثم من لهجته الصارخة المرتفعة: "إهدي يا حـ..." "في لحظة تكوني موجودة قدامي، سامعة ولا مش سامعة؟" "حاضر قولتلك جاية في الطريق وقربت." أمرها مجددًا بلهجة أمره وزفر بصوت مسموع حتى أغلق الخط. رفع يديه يمررها بخصلاته وهو يرى بكاء "زينات" منذ أن علمت الخبر. وضعت "عايدة" يديها على كتفيه كي يهدأ وهي تردد بنبرة هادئة: "إهدي ي بني الحمد لله إنها ردت وطلع خير، متخافش!" وقفت بصمت يحرك عينيه على الجميع. فبلحظة كل شيء انقلب مرة أخرى، وجيد أن الآخرين لم يستيقظوا بعد حتى يشمتوا بخروجها دون علمهم وخوفهم بهذه الطريقة يثير لشماتتهم بقوة. حرك عينيه بجمود وأجاب بإنفعال ظهر في كلماته ولم يدرك أن الواقفة أمامه هي والدته: "المفروض أعمل إيه لما نصحى مش على بعضنا ونتفاجئ إن الأبلة مشت؟ ما عملتش حساب لأخوها تستأذن مش بدل ما تقع من طولها في أي حتة بره ومحدش يعرف عنها حاجة. إحنا كنا فين وبقينا في إيه؟ دا كتر خير الدنيا بقا على كده إن عمتي وولادها مش صاحين وإلا كان الكلام طلع واتحرف عليها. وهي عارفه دا. محدش يجي جنبي بقا لما تجيلي. عايزة تخرج تفك عن نفسها أخرجها أنا. لكن متنساش إن امبارح كان متعلق لها محاليل ولسة في حوار كشف وفحص، والنهاردة راحة تخرج في الدُرى وسايبة الواحد مع دماغه يفكر هي فين وحصلها إيه وكمان مردتش إلا بطلوع الروح!!!" عنفها في عدم وجودها وكل ذلك كان خوف عليها لا أكثر. ابتلعت "ياسمين" ريقها وأثار غرابتها ذلك ولكنها منفعل بشدة قوية لهذا السبب وأسباب أخرى منها توجب ذهابه اليوم بالمحكمة مع الشباب لحكم الإعدام على "شريف" دون علم أحد من العائلة. وعلى حديثه الأخير دخل "آدم" مهرولًا من باب الشقة بعدما جاء منذ أن أغلق الهاتف. دخل يسأل شقيقه بلهفة عليها. فسحبه خلفه بعيدًا كي لا يلاحظ أحدهم هذا الاندفاع. ابتلعت "نيروز" ريقها ووجد البعض أن معه كل الحق. في حين اقترب "غسان" يمسك يديه كي يجلسه على المقعد مرددًا بحزم: "إهدي ي حازم خلاص بقى. كويس إنها تمام. لما تيجي ابقى عاتبها بينك وبينها. إنت دلوقتي بتزعق ومحموق على أمك وهي أصلا مش موجودة. روق دمك وبراحة!" نظرت "عايدة" بعجز وهي تربت على ظهر "زينات" بمواساة كي تهدأ. في حين أيد "حامد" و"بسام" الحديث. أسندت "وردة" "ياسمين"، لتجلس. في حين أشار "غسان" لـ "نيروز" بأن ترتاح. صمت "حازم" متحليًا بالسكون على الرغم من أن خوفه عليها كان السبب الأول، ولكنه يشعر بضيق الأركان عليه. يتحمل لكثير ولديه ندبات ظاهرة وأخرى مخفية لا يريد أن يظهرها كي لا يعلم أحدهم. ومع ذلك يتوجب عليه التحمل وحماية من حوله حتى بنفسيتهم. "خلاص ي جماعة مش مستاهلة كل القلق ده. الحمد لله إنها طلعت بخير ومحصلهاش حاجة وكمان قريبة من هنا وجاية في الطريق!" حاول "بسام" قولها كي يهدأ الوضع أكثر. في حين خرج "آدم" مع "بدر" من الشرفة وسأل "حازم" بإهتمام: "لسه مجتش؟" "لأ!" رددها بإقتضاب. تزامناً مع خروجها من المصعد وهي تبتلع ريقها بخوف. دخلت "فريدة" بخطوات هادئة ساكنة. وعندما نظر لها الكل ابتهجت ملامحهم. في حين قبل أن يقترب أحد، وقف "حازم" بإندفاع ليقترب منها حتى أمسك معصمها يسألها بحدة: "كنتي فين؟" تعلثمت من منظره وحتى لهجته التي تثير خوفها. في حين حاولت إخراج الحديث منها بغير فهم لهذه الحالة وقالت بارتباك كي يهدأ هو: "إهدي بس ومتتعصـ.." "بقـــولك كنتي فين؟!!" قاطعها بحزم واقترب الشباب و"حامد" بترقب. أما هي فتجمعت الدموع بمقلتيها من طريقته ورددت تجيبه بصراحة: "خرجت أتمشى شوية لوحدي أشم شوية هوا." لم يترك معصمها بل وبخها بجدية صارمة: "من غير ما تعملي حساب لينا. تشمي هوا عادي جداً وتسيبينا لدماغنا تودي وتجيب. ما هو لو كنتي بتردي بسرعة ومتقلقيناش مكنش دا بقا الحال. خارجة إزاي يعني كده من دماغك ومنك لنفسك؟ إنتي ناسيه إنتي كنتي في إيه امبارح وحالتك كانت عاملة إزاي؟!!" هبطت دمعها تنفي وقالت بتبرير عندما ترك معصمها بفصل "غسان" كفه عنها: "مقصدتش أقلق حد عليا. أنا كويسة محصلش حاجة. لكن مفكرتش إن حد هيقلق عليا أوي كده. أنا كنت بس عايزة أقعد لوحدي شوية!!" "يا بنتي هو حد يعمل اللي عملتيه دا فوقت زي ده. عالأقل كنتي ردي حرام عليكي قلبي نشفتي دمي. ربنا يسامحك!" رددتها "زينات" وهي تتوجه تقف بالمنتصف وبطريقة ما جعلته يبتعد عنها عندما دفعتها بأحضانها كي لا تبكي. في حين وقف "غسان" يوبخه في نظراته مع الآخرين حتى وقف يستمع للحديث دون أن ينبس شيئًا. أما هي فجلست بأحضان والدتها وتوقفت عن البكاء وهي تمسح وجهها برفق. في حين جلبت لها "وردة" كوب من المياه وبقية أقراص لم تأخذها أمس. حثتها على أخذها برفق. في حين انسحب "حازم" معهم ناحية الشرفة ووقف ينصت لقول "حامد" المتعقل: "إهدي يبني وهدي نفسك مفيش حاجة مستاهلة. ومتخليش اللي مش موجود يبقى موجود ويكبر الموضوع على حاجة انتهت خلاص!" برر "حازم" سريعًا بخوف مستسلم بعد كل هذا الإنفعال: "ي حج حامد أنا خايف عليها. بقيت بخاف عليهم. لإني مش حمل إني أتوجع فحد تاني والله!!" ربت على كتفيه بتفهم. في حين خرج صوت "بدر" بعقل هو الآخر: "خلاص يعم الموضوع انتهى. قوم يلا عشان نفطر ونقعدلنا شوية حلوين كده تروق فيهم وبعد كده نروح المحكمة معاك!" أيدوه حيث يعلم الجميع. في حين تعالى صوت "غسان" بخبرهم: "أنا هروح أنا ونيروز نكشف. استنوا على ما نيجي عشان نمشي سوا بإذن الله!". حرك رأسه مؤيدًا ونهض يخرج معهم. في حين وقف "آدم" يبتلع ريقه وللمرة الثانية على التوالي تحبس أنفاسه بسببها هي. لا تود الراحة أبداً. "قومي يا ياسمين عشان تاخدي علاجك. تعالي!" رددها "حازم" وهو يساندها برفق للشقة الأخرى تبعته "عايدة" ولم تغفل "فريدة" عن. نظراته المتساءلة منها سيأخذ موقف. على أية حال سندها ورحل مع والدته. وبقت هي جالسة بعدما انسحبت "وردة" مع "سمية" إلى المطبخ لإعداد الفطور. بينما نهضت "زينات" بعد قولها المحفز لها وهي تنظر إليها بإهتمام: "قومي يا فريدة. قومي غيري هدومك دي يلا. شكلك مبهدل من إمبارح ي بنتي!" رفضت بحزم وهي تصر على الجلوس. ولاحظت خروج "دلال" و "حامد" و "بسام" من الباب. رفعت عينيها تواجه عيني "والدتها" وقالت بصراحة شديدة ترفض: "أنا قولت مش هدخل الشقة دي طول ما هم موجودين فيها. سيبني فحالي بقا!" رددتها بإستسلام للتعب وضيق مرة أخرى. فأشارت لها بلهفة كي لا تنهار مرة أخرى ووقفت باعتدال تخبرها: "خلاص.. خلاص خليكي أنا هجيبلك غيار من هناك تغيري هنا. خليكي شوية وهرجعلك." هرولت سريعا. وكل ما تريده هي ان ترضيها خاصة أنها تلاحظ إنهاكها بنفسيتها ولا تود خسارتها مرة أخرى. خرجت وأغلقت الباب خلفها. بينما اقتربت "نيروز" تحاوط كتفيها بإحتواء. وبهذه اللحظة تشعر بها كثيرا عندما تذكرت كل رغباتها في الخروج لتبقى بمفردها: "متزعليش. أنا حاسة بيكي والله. أوقات الواحد بزهق من كل حاجة ويبقى عايز يمشي لمكان محدش يعرفه لمجرد بس إنه ينفرد بنفسه. أنا كنت كده. وحازم مش قاصد حاجة. حازم واحنا كنا هنموت من القلق عليكي ي هبلة انتي!" أخرجت "فريدة" أنفاسها بصوت عال وهي تتنهد بتعب وقالت بيقين من إنفعال شقيقها: "أنا عارفه يا نيروز ده. بس أنا فعلا مش قادرة حاسة إن كل حاجة متقفلة فوشي. أنا تعبت ومبقتش قادرة أستحمل أي حاجة!" لم ترفع يديها تبادلها العناق بسبب تمسكها بكفها إلى الآن باسمه بين يديها. لذا لم تستطيع أن تربت عليها ولا تريد أن تكشف. وكأنها تعتبره سر لا تعلم هي بأن من حولها بعضهم يعلم ما يشعره "آدم" تجاهها. حتى بمجرد النظرات التي كشفته أمامهم. مثل الٱن عندما كانت تخمن بأن من تعانقها لا تعلم. بينما مالت "نيروز" تهمس جوار أذنها بـ: "طب بصي وراكي كدة!" التفتت بحركة تلقائية تنظر حتى وجدت "غسان". يقف بجانب "آدم" يحدث أحدهم على الهاتف من المحتمل مقر عمله. بينما "ٱدم" ينظر إليها بشرود عميق. حتى أنهما ينظران وهو لا يلاحظ ذلك بل يشرد بها من على بعد. ارتبكت في الخفاء وهي تعود برأسها تنظر مدعية عدم الفهم. في حين نهضت "نيروز" بعدما غمزت لها بخفة تخبرها ما تعلم أن الٱخري تعلمه وتشتت به أيضا: "وقع خلاص!" حركت أنظارها بعشوائية حتى عادت تقابل عدسة "نيروز" البنية التي تواجهها. فرددت وهي تنهض تهرب من الحديث: "هو مين ده أصلا!" ودلاله على عدم الاعتراف بذلك لم تنتظر الرد على السؤال بل انصرفت بعيدا مدعية النظر بمرآة ما توجد في الصالة كي تعدل الحجاب. ضحكت "نيروز" بخفة. ووجدته يودع "ٱدم" ويتوجه ناحيتها حتى قال مرددا بهدوء: "يلا احنا نطلع علشان نغير ونلحق نكشف!" وقفت "نيروز" تبتسم له بلطف. وجدته يشملها بنظراتها ووجدت الأسف في عدم قدرته على الاحتفال بشكل ألطف بسبب الظروف!! نظرت نحو كفه وسألته بفضول ولم تغفل عن حديثه الهادئ اللطيف في الهاتف: "كنت بتكلم مين؟" إعتدل "غسان" يضع الهاتف بجيب بنطاله الرياضي المريح وحاوط كتفيها حتى سار معها إلى الخارج تزامنا مع رده الصادق: "إنچي. لإني مش هعرف أروح الشغل النهاردة!" اغتاظت بطريقة ليست ملحوظة وتنفست بهدوء تام وقالت تسأله بنبره هادئة بشدة كي تخفي مشاعرها: "بجد؟ وقولتلها ايه بقى؟" إلتقط غيرتها التي مازالت إلى الآن ورغم أنها خفت تجاه المدعوة بـ "انجي". الا أنه يري غيظها باختلاطه في العمل مع صنف النساء خاصة الفتيات التي من نفس عمرها وأكبر. فهن يتدربن تحت ادراته هو! التقت "غسان" غيرتها بعدستيها ونظر بتسلية وهو يتصنع عدم الاهتمام وقال مبتسماً على فجأة يخبرها بجرأة صريحة: "قولتلها إني معجب!" والعادي بالنسبة لعقل تمتلكه هي حاولت كتم غيظها ونظرت ببرود يعتاده منها أغلب الوقت، بل والمفاجئ هذه المرة أنها صمتت لم تجب، تحلت بالصمت وتجاهلته، فعاد هو يردد مجدداً يضغط نقطة ما بداخلها تحاول اخفاءها هي: "وقولتلها كمان إني بحب وواقع!" حركت "نيروز" كتفيها ببساطة وبرعت في ردها عليه هذه المرة بـ: "وتقولها ليه؟ ما هي عارفة!" "عارفة إيه؟" تنهدت تتحلى بالثقة أكثر والثقل الذي يليق له، وابتلعت ريقها تتوجه برأسها ناحيته أكثر ورفعت بنيتها تهتف جملتها بثبات، أخذته منه: "عارفة إنك معجب وواقع وبتحب، بس مش فانچي بنت أم إنچي!!" كانت عفوية بطلاقة لذا أطلق ضحكة رجولية عالية وسألها بمراوغة: "أومال في بنت مين؟" قلبت عينيها باستخفاف، تكتم ضحكتها على ضحكته وحركت رأسها تجيبه بغرور زائف مقلدة نبرته في قول هذا اللقب لها بطريقته: "في بنت الأكرمي!!" غمز لها "غسان"، في الحال بإعجاب، وردد بعبث يجاريها: "طب وربنا صادقة!" كاد أن يقترب ليقبل وجنتيها ولكنها أخفت قناع المرح الذي يجتاحها بالضحك على عبثه وقدمت سوارها على فجأة ناحية عنقه فتوقف سريعاً ينظر لها بذهول، وقبل أن تتحدث هي بتعنف سبق هو وردد بجملة يرددها لها ماضي وحاضر: "قلبك أسود أوي يا بنت الأكرمي!" "مش أسود من قلبك يا بن البدري!" انحنى برأسه يقبل يديها المعلق بها السوار الحاد فتراخت على الفور وهي تعود لسابق عهدها، وابتسمت من هذه المشادة العبثية، وحركت عينيها ناحية الداخل فلم تجد أحد يتابع، عادت تنظر بعينيه وهو يبتسم يشير لها بالخروج، فسألته هي بجدية هذه المرة: "قولتلي بقا هتروح فين مع حازم وبدر بعد ما نكشف؟" كادت أن تسأله مجدداً وهو يدخل المصعد بعدما فتح حتى دخلت هي معه وأغلق عليهما ولكنه رأى الفضول بعينيها عن ما يخص ذهابه مع "حازم" والشباب بعد الكشف لذا خرج عن محور هذه النظرات وشاكسها بقوله يبعدها عن الحوار بتشتيته: "لا بس انت حلوة أوي النهاردة كدة ليه؟" "قصدك إني مش حلوة طول؟" وكأنها تتحدث بجدية شديدة، كيف؟ هرمونات الحمل وبهذه السرعة؟ لا يعقل، حديث بينه وبين نفسه عندما كبت ضحكته ينفي يجاري عقلها وهو يفتح باب الشقة بالمفتاح: "إنت حلوة فكل الأوقات يا رزقة!" "ثبتني يا بن البدري!" قالتها بخجل وهي تغلق الباب خلفها، واستطاع أن يغير مجرى الحديث في حين بأنها ليست هينة، ولم تغفل عن قرارها بأن تسأله مجدداً!!! بينما في الأسفل، وجد نفسه بمفرده في الشرفة أما هي فكانت تقف تطالع ملامح وجهها بالمرآة تعدل الحجاب أكثر، ابتلعت ريقها وهي تتذكر تلميح "نيروز"، لها، ألهذا الحد يتضح عليه وهي تتعمد تجاهله بكل جمود؟ ومنذ متى تشفقين على مشاعر لا تهمك من الأساس؟ حركت كتفيها بغير علم للسؤال، وتنفست بصوت مسموع ونظرت نحو اسمه الذي يوجد بين كفها، لاحت ابتسامة عفوية عليها وكلما تشعر بأنها تنساق وراء مشاعر لا تود تحديها من الأساس تنهر نفسها. وعلى الرغم من أنها تعلم بأنه في الشرفة إلا أنها اتجهت تدخلها بثقة، فوجدته يوليها ظهره ناظراً بشرود آخر، ودت مشاكسته ولكن بجدية شديدة عندما كررت جملته الذي قالها لها من قبل في صباح الأمس: "اللي بيسرح دا يا بيحب يا إما بيحب!" علم أنها خلفه منذ لحظات، ضحك عندما علم مخزي حديثها وأخفى بسمته الواسعة سريعاً وهو يلتفت، ونهرها بتلقائية، ويبدو أن هو الآخر تفكيره من نفس تفكير "حازم" في شعوره بالخوف عليها: "إنت إزاي تنزلي كدة من غير ما تقولي لحد وتسبيهم قلقانين عليكي؟" "وانت مالك!" عادت تكرر الردود بتبجح واستفزاز، زفر بصوت مسموع يخفي عيظه من برودها وعاد يصارح بكلمات قليلة: "إنت تهميني!!" يود أن يربكها، باتت ترتبك في حضرته بسهولة نظرت "فريدة" أمامها بصمت، وتعمدت عدم النظر له ولا لوجهه وخاصة عينيه، حينها أجابته بجرأة لحديث صريح تخبره به: "أنا قولتلك اللي عندي، وحتى لسه مدتكش الرد اللي مستنيه لو مكنتش سمعت الرد أصلاً!" في حين بأنها تشتت وتشعر بأشياء لم تفهمها إلا أنها تضغط نفسها بوجع مخفي كي تردد هذه الكلمات التي بدت قاسية عليه، إندفع يشير بيديه وكأنه ينفجر بما يتحمله لأجلها من حديث: "هو انتي بتعملي فيا كده ليه؟" هزمها نبرته التي ظهر بها الألم ولم تستطع تعمد التبجح في الرد هذه المرة بل رددت بأعين لامعة من الدموع العالقة التي لا تود هبوطها، رددت بكل صراحة واستسلام تخبره بكلمتان فهم مخزاهم جيداً: "علشان تبعد!" أخرج أنفاسه ومرر يديه على وجهه بتيه وردد بنبرة مختنقة من الرفض: "بس أنا مش عاوز ابعد، افهمي ده، افهمي اني عايزك ومش عايز غيري يفكر فيكي ولا يطلبك حتي لو ده مش هيحصل، أنا حاسس انك بتعلقيني فالفاضي شوية كلام هادي وشوية ترفضي حتي البصة فوشي، انتي مش عارفه انتي عايزه إيه.. بس لو قدامك فرصة توجعيني بكلمة مبتفوتيهاش يا فريدة!!" وأكمل يصارحها دون حرج، يخرج بما يشعره صراحة: "مع اني متمسك بيكي بس انتي بتعلقيني بيكي ساعة وساعة تانية تبعديني، أنا مش عايز كدة ي بنت الحلال أنا مقدرش على التعب ده وبرغم كل ده عايزك ومش قادر اتخلى عشان فاهمك وعارف انه مش بمزاجك!" كيف يدخر كل هذه المشاعر المختنقة ومنذ متى من الأساس؟ غريب هو وهي من سألت نفسها وأجابت رغم ألمها هو الآخر، فرت دمعتها بوجع وصارحته مجدداً بما لا يعرفه: "أنا معلقتكش بيا انت اللي مصمم وكل اللي حصل مني أنا عملته عشان مش عايزة أوجعك بعدين، إرحمني يا آدم، أنا خايفة، خايفة أوي لإن الماضي مرحمنيش وسايب أثر فيا مش قادرة أشيله، متلومنيش على كل ده. أنا واحدة اتكسرت من الدنيا ومحدش حاسس بكسرتي دي من كل النواحي، أنا مش قابلالك واحدة زيي يا بن الناس!" مسحت دموعها باستسلام في آخر حديثها، وابتلعت ريقها، وسمعته يردد بنبرة شديدة الهدوء يخبرها مجدداً للمرة الذي لا يعرف عددها: "أنا قابلك بكل عيوبك اللي انتي شايفاها سبب للبعد، قابلك زي ما انت كدة، عايزك على الحال ده." بس ادي نفسك فرصة واديني أنا كمان الفرصة متوقفيش نفسك على اللي فات فكري فبكره وان جيتي معايا لبكره وايدك مسكت فإيدي عمري ما هخليكي تندمي ودا وعد مني ليكي ولأي حد يعارض يتمسك بطريقة غير طبيعية هكذا تري وتري ان خسارته كبيرة ولكنها لا تريد ضغطه إبتلعت ريقها بتعب وصمتت عكس المرات السابقه التي كانت تردد بها بالرفض دون الاستماع لباقي الحديث أخرج علبة المناشف الورقية وقدمها لها بلطف وقال بنبره هادئه خاليه من مشاعر مؤلمة يشعرها الٱن امسكي امسحي وشك قدمت كفها الذي يوجد به إسمه ولٱن أعصابها تفقدها بطريقة ليست ملحوظة حاولت التوازن بين العلبة وبين القطعة الخشبية التي توجد بكفها وعليها اسمه ولكنها وقعت منها أرضا كانت لا تود ان يراها ولكنه حرك عينيه نحو ما وقع وانحني سريعا بتلقائية ينظر نحوها وآلتقطعها بخفقات قلب عالية لا تسمعها هي بل رفع رأسه بغير تصديق يسألها بنبره ظهرت بها مشاعره اتجاهها دي عشاني؟ نفت سريعا بإرتباك شديد تحاول اخفاءه تحاول أخذها منه باندفاع ولكنه أبعد يديه على الفور لأ! عادت تسكن بعد حركته هذه وهربت بعينيها وهي تمسح وجهها تخفي توترها الذي أصبح يظهر أمامه بسهولة بينما نظر هو لها بتمعن وقال بنبره مبتسمة هادئة لينة يكرر ما قاله لها من قبل اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكدبوا! لا بيعرفوا! رددتها بإصرار دون النظر له فأشار لها بنفس الإصرار وهو يهتف بطلب طب عيني فعينك كدة! كانت لا تعلم كيف لبت غرضه وطلبه ونظرت له بعمق عينيه طالت النظرات بينهما وردد هو بحديث ٱخر تحت تأثره بالنظر لها ولعينيها التي زينت بلمعة الدموع سألها بلهفة محب يريد سماع الجواب لطلبه وعرضه صدقيني أنا مش عايز غيرك امسكي فإيدي بس واديني الأمان وعمري ما هسيبها بس ترتاحي وتقولي ارتاحت ووثقت سيبيلي فرصة بس اخليكي تاخدي كل ده!! ابتلعت ريقها بصعوبة تحت تأثير كلماته وكأنه شعر بلحظة شرودها فردد يسألها بلين كي ترضخ وتأمن وتترك المتبقي له هو إمتى هتريحي قلبي وتديني ردك؟ تعلقت عينيها بعينيه ورفعت يديها ببطئ تمسح وجهها برفق وقالت بتلقائية دون التفكير بذلك ولكنها تعلم أنها لن تندم على إجابتها هذه والتي كانت بليل بعد ما تيجي من الشغل تحت فمحل الورد! تحركت شفتيه بابتسامة هادئة وحرك رأسه بقبول وانتظار مع قوله الهادئ يبقى اتفقنا! تنحنت بحنجرتها ومسحت انفها وكأنها جعلته يصمت الٱن عنها لا تعلم هي ما القادم لها فتحت عينيها بذهول عندما سمعته يردد لها بكل تبجح بس أنا لسه عند رأيي شكلك مش حلو وانتي بتعيطي! وكأنه كلما يمر الوقت بينما يردد لها بحديث كان قد قاله لها من قبل أخفت ذهولها المستنكر لقوله بهذه الكلمات في هذه اللحظة تحديدا وقالت هي الٱخري بإستخفاف وانا لسه عند كلامي محدش طلب رأيك! وأنا بردو قولتلك.. تناست طبيعة رده في هذا الحديث وقالت بتلقائية تعلن غرابتها وهي تسأله قولتلي ايه؟ ان رأيي أمر مفروض إجباري يعني يا شاطرة! ضحك بإستفزاز بعد هذا القول وخرج وتركها بعدما نجح في ان يثير غيظها وقفت تنظر نحو أثره بابتسامة لطيفة لا تعلم كيف خرجت ولكنها سمعت قول "سمية" المتلهف له بعد حديث "بدر" له بأن يجلس قليلا ما تقعد ي بني إفطر دقيقتين والفطار يجهز! أنا الحمد لله فطرت من بدري ولازم أروح الورشه دلوقتي مع السلامة ابقي كلمني يا بدر لما تيجي تجهز انت و حازم! أشار له بالوداع وأغلق الباب خلفه وهو يتمسك ويتشبت بالقطعة الخشبية بين يديه بابتسامة هادئة غريبة قليل ما تظهر على شفتيه تجاهلت "وردة" قوله الٱخير رغم فضولها ولكنها تتجنبه منذ أمس رغم انه لا يوجد لدية ذنب ولكنها جرحت من الكلمات السامة أمامه وإمامهم بكل وجع خرجت "فريدة" من الشرفه ونادت "وردة" عليها بعدما ذهبت "سمية" ناحية المطبخ تعالى ي فوفو أقعدي علشان نفطر يلا! رددتها بلطف فأومأت لها "فريدة" بموافقة تزامنا مع توجها بمرح وهي تنحني لتحمل "يامن" لتقبله بحب حيث كان يتوجه ليتمسك بساق والدته بينما هي لحقته تحت بسمة "بدر" الهادئة وهو يقترب حتي جلس على مقعد السفرة مرددا بتعقل لها متزعليش من حازم يا فريدة كان خايف عليكي شوية ويرجع يهدي انت عارفه لما يتعصب ببقى عامل ازاي بلاش تحطي فنفسك انتي عشان متتعبيش تاني ويحصللك حاجة الحمد لله عدت على خير وخلاص! ابتسمت وهي تجلس على المقعد الذي أمامه ووضعت الصغير بمرح أمامها بحب تداعبه مع ردها الهادئ عارفه يا بدر شكرا على كلامك ده أنا فاهمه أنه كان خايف يمكن انا غلطت اني طنشت فعلا ومردتش على اتصالاتكم أنا ٱسفه بس كنت محتاجة وقت مع نفسي شوية أقعد فيه! نظر لها بتفهم وقدم ذراعه لـ "يامن" كي يأتي له في حين سمعتها "سمية"و",وردة" وهما يأتيان ببقية الصحون من على بعد وخرج صوت "سمية" لها بلطف متزعليش يا حبيبتي كله بيعدي ولا كأن اللي حصل حصل كلي انتي بس عشان صحتك يلا بالهنا والشفا وأيدت "وردة" بعشم وحب صادق لها أيوة. ولإن في علاج بتاخديه بعد الأكل برضو ربنا يشفيكي ويخفف عنك يا حبيبتي! نظرت لهم بإمتنان ولو شعرت بشئ في هذه اللحظة لشعرت بالندم على عدم استيعابها لنقاؤهم وحبهم لها منذ زمن وان كانت تعي وقتها لما كان حالها هو حالها الحالي التي تحاول التعايش والتأقلم به توقعت بأن الحياة ستقف عن كسرها عند هذه النقطة ولكن لا تعلم هي بأن نهاية هذا اليوم خاصة عليها هي ليس هين!! ماذا الٱن؟ لاشيء ان ارتاح في أحضانك هذا هو الحال!!-من رسائل كافكا إلى ميلينا- لم تنعم هي براحة إلا بين ذراعيه بين أحضانه وإحتوائه لها صدق من سماه عز الرجال في الأخلاق وحتي طريقته وطباعه وخصاله لم تشعر تجاه أحد من قبل كمثل ما تشعر تجاهه بدأا حياتهما كأي زوجين طبيعين والألطف بالنسبة لها عندما تذكرت أنها شاركته في الصلاة ووقف هو إمام بها صوته هادئ في القرٱن خاشع متيقن كان لٱخر لحظة لا يربد ضغطها بينما هي من عرضت عليه القبول أكثر من مره ورغم انها جاهلة بمشاعر كثيرة إلا أن حبها له يظهر بصدق في عينيها الذي يشعر وكأنه تائه عند النظر إليها لم تعهد منه منذ ان عرفته إلا اللين لم يحدثها بطريقة ليست محببه لها لم يصرخ عليها لأسباب قد فعلتها تثير حنقه كل ما يفعله هو تعمد الصبر الشديد وكما كان من قبل تعمد عليها الصبر أيضا بشدة هذه الفتره والٱن بهذه الساعة وهذه اللحظة جابت عينيها تنظر ولم تجده بجانبها علمت أنه إستقيظ ليهبط او للمرحاض من المحتمل! ومن ما تشعر به من حرج قررت عدم النهوض خلفه ربما ذهب ليدخن سيجارته كعادته فالخارج بعيدا عن الغرفة وعنها. تنفست "جميلة" بعمق ونهضت ببطئ من على الفراش حتي انحنت تعدله بترتيب وحرص إلى ان طوت الغطاء بتناسق ووضعته علي. حافة الفراش عدلت ملابسها التي ترتديها أكثر ومرت يديها على خصلاتها التي تركتها خلفها كي تجف ووقفت لبرهه أمام المرٱه تنظر نحو وجهها المتورد وحتي ملامحها التي تعود للإشراق مجددا الشئ التي تتأكد منه أنها لم ولن تندم على خوض هذه التجربة بوقت كهذا تتأكد بأنها تتعافي وقت بوقت وهو بالٱخص لا يعد حملا عليها بل هو الذي يخفف عنها الأحمال والأثقال بمجرد إحتوائه لها وهي تتنفس براحة بين ذراعيه تسند رأسها على كتفه وكأنها تملك الحياة وما عليها من طمأنينة! لم ترد الخروج رغم أنها أخرجت ملابس بيتيه لترتديها ولكنها جلست مجددا على الفراش تحاول الإتصال بوالدتها وعقلها منشغل به: أين هو؟ ولم تأخر؟ لم تخرج هي من الأساس؟ وعندما لم تجيب والدتها على الإتصال، نهضت تفتح باب الغرفة لتبحث عنه حتى سمعت صوت بالمطبخ فتوجهت بهدوء. حتى نظرت له بابتسامة هادئة وهو يوليها ظهره بكتفيه وذراعيه المكشوفتين بسمار بشرته. "ويا ترى بقا هتفضل كده علطول ولا فالاول بس؟" إلتفت "عز" وكانت اللفافه بين شفتيه وكأنه لا يترك الفرصه. ترك المقلاة من بين يديه وابتسم باتساع، يطفئ سيجارته واقترب بسعادة ينظر نحو وجهها ممعنا النظر لتقاسيم وجهها وردد وهو يمد كفه يتمسك بيديها والٱخر يمرره على خصلات شعرها: "ده صباحية مباركة يا عروسة!" إبتسمت بحياء، ورفعت عينيها تنظر له بصمت، إلى أن عاد يرد علي حديثها بصراحة: "مش عارف بصراحة، بس قولت أعمل زي ما بيعملوا فالأفلام والمسلسلات!" شاكسته بحياء يروق له عندما توسعت ابتسامتها وجلست على المقعد في المطبخ: "يعني مش عشان خاطري؟" ضحكت عقب ما قالتها، بينما جلس هو أمامها مستندا وتلمس بشرتها بحب، حتى قال بصدق نابع لمشاعره التي ظهرت في نبرته لها: "وعشان خاطر المدام طبعا، أنا مبسوط أوي والله، يارب تكوني إنتي كمان مبسوطة زيي ي جميلة!" تمسكت بكفه فرفعه هو الى شفتيه يقبل باطنه تزامنا مع قولها وهي تنهض لتقف: "أنا كمان مبسوطة، عشان معاك وليك يا عز، ربنا يخليك ليا وتفضل كده متتغيرش، إنت العوض من ربنا ليا، كل يوم بحمد ربنا عليك." هابت فراقه كهوس بعد فقدان والدها فجأة، توجهت برأسها تستند على كتفيه المكشوف وقالت بنبره متحشرجة: "يارب منخسرش بعض ولا نتوجع فبعض ونفضل مع بعض طول العمر!" مرر يديه على ظهرها بنعومة ملابسها و برفق وشعر بها، ضمها بشدة بكلتا ذراعيه وتنفس بصوت مسموع وهمس جوار أذنها وهي تستند عليه: "عمري ما اسيب الجميل اللي بقيت ليه ضل!" تحركت "جميلة" ترفع رأسها لتنظر له بينما مال هو يقبل وجنتيها بحب وقال يحثها برفق: "يلا نفطر، تحبي ناكل هنا ولا فالأوضه!" "أي مكان، المهم تفطر كويس انت علشان تنزل شغلك، أكيد إتأخرت النهاردة!" رددت ٱخر حديثها بخجل، بينما وضع هو الصينينة على طاولة المطبخ وجلس وهو يدفعها برفق لتجلس تزامنا مع قوله المفسر: "لا مش رايح النهاردة!" علمت أنه أخذ عطلة قصيرة، ابتسمت برضا وتفهم، ومدت يديها تبدأ بالبسملة، في حين حثها هو برفق: "وميمنعش بردو تذاكري مادتك الجاية دي ولا ايه؟" يحثها برفق على الإهتمام بمستقبلها، ابتسمت بحب على إهتمامه وتناولت معه الطعام برفق وهي تومأ بطاعة، في حين رددت هي بتلقائية قلقة: "عارف، م.." "لا بس هموت وأعرف والله!" ضحكت بصوت عال على مشاكسته، وعادت تردد من بين نبرتها الضاحكة: "ماما مش بترد عليا، مع انها بتصحي بدري جدا، قلقانة يكون حصل حاجة من عمتي وولادها!" سردت عليه مختصر أقاربها بعد صلاة الفجر وهما يجلسان سويا، لذا تفهم وقال بنبره مطمئنة: "متخافيش تلاقيها مش سامعة التليفون بس، سيبك من قرايبك دول وفكك منهم خالص، دا الحمد لله انك بقيتي فبيت عز الرجال بعيد عنهم!" ضحكت مره أخرى بيأس، وناولها بيديه لقمة صغيره حتي تناولتها من بين أنامله بهدوء، وعادت تسأل هي بإهتمام: "ليه فرح مطلعتش زي كل يوم قبل ما تروح المستشفى؟ هي مش هنا ولا ايه؟" ابتسم "عز" على سؤالها وعاد يناولها مجددا وشاكسها مره أخري بجدية مرحة: "لا موجودة، بس محدش بيزور العرايس فالصباحية بدري كده!" ابتلعت ما بفمها ولم تتعمد النظر إليه بل ٱخبرها وبطريقة ما أنه أخبر والدته بإتمام زواجه، نهضت تلتفت كي تغسل يديها تزامنا مع قولها الهادئ دون النظر له: "أنا الحمد لله شبعت!" كاد أن يعترض بينما لم تعطه الفرصه، اتجهت ناحية الغرفه سريعا كي تجلب ملابسها لتبدلها لتقابل من يأتي بعدما علمت"حنان"!! نهض يغتسل ورحل خلفها حتي دفع باب الغرفه برفق ووجدها تقف تتمسك بملابسها بيديها، وضع كفية على كتفيها ولا حظ هو خجلها الزائد الأقرب إلى الخوف ولكن ليس منه بل من الفكرة نفسها التي أصبحت مكشوفة قليلا، بينما لا تعلم هي بعاداتهم رغم انها أقرب من طبقته إلا أنها فعليا تسكن بحارة شعبية عكس عمارتها التي كانت بها. وقبل أن يتحدث بشئ يخفف عنها وجدت الهاتف يدق عاليا، ابتسمت له بحرج، بينما انحني هو ليلتقطه ونظر بعفوية ناحية اسم المتصل فوجده "والدتها" ابتسم وهو يعطيه لها وقال يخبرها: "دي مامتك، هسيبك تكلميها براحتك!!" تنهد بصوت وأشار لها بأنه سيخرج في حين خرج وأغلق الباب خلفه تاركا لها الخصوصية لتتحدث مع والدتها في الهاتف ولأنها تقترب من فهم ما حدث لـ العادت جيدا، علمت أن من المفترض ان تأتي والدتها بزيارة ومشتريات عدة لوالدة "عز"، بعد كل ذلك الوقت من بعد وفاة والدتها وبالٱخص بعدما أصبحت زوجته فعليا، نوت إخبارها على أية حال كي تسير وتأخذ التقاليد مجراها بينهم وكي لا تستنكر والدة "عز" شئ لهم!! "ما قولتلك مشوار يا نيروز، اسكتي بقا، من امته وانتي عايزه تعرفي كل حاجة كدة!!!!" ليس من طبعها الفضول! تأفف منها. نظرت له "نيروز" بحزن وهي تقف بمنتصف الغرفة بعدما تجهزت قبل وقت للخروج، وقف "غسان" يضع مشط الرأس تزامنا مع هذه الكلمات بينما رددت هي بغير راحة له: "علشان عندي احساس بعدم الراحة ي غسان، حاساك مخبي عليا حاجة!!" جاب عينيه وجهها وجسدها بالكامل بنظرة ساكنة وتنهد يخرج أنفاسه بهدوء مرددا بإقتضاب يحاول تجنب الضرر لها بأقل شئ وأقل حديث: "يلا عشان بسام مستني تحت!" يتجاهل. إغتاظت من طريقته ورفعت يديها تشير له بإنفعال: "انت بتتجاهلني ليه؟ ما ترد عليا وتعبرني!!!" زفر "غسان" بصوت مسموع، ولأول مره يتغاضي عن حركة يديها التي تثير انفعاله بل أمسك يديها برفق يحتويها بين كفه وقال يجاريها كي لا تتعب مجددا: "مش بتجاهلك يا نيروز، بس إفهمي انه موضوع كدة بنخلصه سوا بعيد عن العيلة والحوارات ووجع الدماغ، ومتقلقيش مفيش حاجة تقلق ولا رايح أخونك من ورا ضهرك، مرضية كدة؟" يفهم معنى نظراتها جيدا، تركت كفة بجفاء ورفعت عينيها تواجهه بإصرار: "انت بتاخدني على قد عقلي؟" أغمض "غسان" عينيه بنفاذ صبر واعتدل يدخل هاتفه بجيب بنطاله وقال بتأفف صريح: "لا، دا لو الحمل بيعمل كده واحنا لسه فالأول فكده هيبقي كتير أوي، كتير!!" تركها وخرج من الغرفة يخرج حذائه كي يرتديه، اما هي فتجمعت الدموع بمقلتيها كيف يتجاهل حديثها بها الضيق، لم لم يفهمها بهدوء، مسحت دمعتها الحساسة وهي تنسحب خلفه تسأله باختناق: "انت مش مستحملني ليه ي غسان، انت بردو مفهمتش اني مش عايزه أقعد في البيت طول ما هم هنا وانت مش موجود معايا، متسبنيش!!!" لم ترددها صراحة، لم تصارح بخوفها مباشرة!! ابتلع ريقه ووقف لبرهة يعي ما قالته. "تخاف في عدم وجوده؟" ابتلع ريقه وتقدم يمسك رأسها بحنو. حتى اقترب يقبل قمة رأسها برفق. وقال يطمئنها بإندفاع يخفف عنها: "خايفة من إيه يا رزقة؟ عليا الطلاق لو حد لمس شعرة منك لأدفنه هنا في شقة زينات!" ورغم أن قوله مرح وجاد بنفس ذات الوقت إلا أنها نفت بسرعة تخبره: "مش عايزة كده. أنا مش عايزة أتأخر. مش عايزة أقعد مش مطمنة!" رددتها بحدس أنثوي لم يهتم لهذا الحدس بما هو قادم. بل تنهد واهتم لقلقها وهي بهذا الوضع. حتى ابتسم يحاوط كتفيها يحاول مراضاتها بكل الطرق: "خلاص. هوديكي عند جميلة بعد ما نكشف تقعدي معاها شوية. وأما نرجع هاخدك. مرضية تاني كده؟" بالفعل تريد الجلوس معها منذ فترة تفتقدها. ابتسمت وهي تومئ له بينما مال هو حتى اقترب يقبل وجنتيها بمرح. وغمز لها بمشاكسة. يردف لها: "ابقى تعالي دوغري يا بطل ومتلفيش وتدوري. مش حمل اللف والدوران أنا. كفايا دوخاني في حبك!" ضحكت كالمختلة وعينيها تلمع إلى الآن بدموعها. أمسك "غسان" يديها يديرها بحرص. لفستانها الهادئ بلونه الداكن وقال يغير من نمط نفسيتها الحالية: "بس إيه الحلاوة دي!" ابتسمت "نيروز"، بخجل. وتأثرت من محاولاته الكثيرة للتخفيف عنها بسبب إعياءها وحملها. لذا ابتلعت ريقها ببطء. وقالت قولها المعهود بتأثر: "ثبتني يا بن البدري!" ضحك "غسان" بخفة. وهبطت عينيه لمعدتها الغير بارزة. بل وضع هو كفه هذه المرة ليمرره على معدتها بسعادة. فوضعت يديها على يديه وسألته قائلة بحماس: "مبسوط؟" نظر لمشهدهما في المرآة وركز ببطء عندما همس ووجدته يميل برأسه من خلفها يردد بجانب أذنها: "إنت شايفة إيه؟" "شايفاك أول مرة تكون بالحماس والسعادة دي. رد فعلك فاجئني علشان دايماً بيقولوا الأب مش بيحس بالأحاسيس دي إلا لما يشيل طفله على إيديه لأول مرة. لكن الأم فرحتها وحبها فطرة. بس أنا فرحانة أوي لكن مش قادرة أعبر زيك. إنت فاهمني صح؟" محققة بقولها. ابتلع ريقه بهدوء. وصمت يستوعب ما قالته. ربما معها حق وسعادته هذه شيء وعندما يحمل طفله شيء آخر. "فاهمك ومبسوط مش بس عشان هبقى أب زي ما بتقولي. سر سعادتي أكتر إن أي كان اللي هيجي ويخليني أب فهو منك إنت مش من حد غيرك!!" أدمعت عينيها بتأثر من عمق كلماته التي تزيد من خفقات قلبها وكأنها مراهقة الآن بين ذراعيه يحتضنها لأول مرة!! مشاعر متضاربة وهي هي الوسيط التي تتشتت ولكنها سعيدة وفقط حتى بسعادته. هذه. حركت رأسها ناحية رأسه بالجانب فوجدته يؤكد حديثه بنظرة عينيه على هذا الحال. فتعلقت عيناهما معا. وحاوط هو بذراعه منتصف جسدها بمعدتها وخصرها. أما هي فنطقت بأمنياتها على هذا الحال وهي تري وضعهما في المرآة: "إحنا حلوين أوي يا غسان واحنا مع بعض. متبعدش" قصدت فراقه بأي طريقة؟ ابتسم وقال بثبات. هادئ يطالع عينيها مردداً. بثقة: "مش هبعد. أثبتلك؟" لم يعطها فرصتها بل بات اقترابه منها بشدة. قاربت على فهم ما يرمي إليه بحديثه العبثي الذي يثبتها كالبلهاء لا تستطع فعل شيء. اندمجت بما فعله على فجأة رغم صدمتها في البداية. عالم آخر وردي اندمجت في قبلته لها وعقلها يخيل شكلهما بالمستقبل وهم بأطفال معا. أما هو فكانت هذه الطريقة الوحيدة بهذا الاندفاع كي يثبت لها قوله. قليل ما ترى منه حديث غزل جاد هائم بل عادة ما يكون مرح مشاكس وعبثي لذا لا تتسارع دقات قلبها على الدوام. بينما بالجدية تعتقد بأنها مازلت فتاة لا تتخطى الخمسة عشر عام!!! فعلة جريئة كهذه وهما على وشك الخروج جعلتها ترتبك في الحال ولكنها لم تمنع. لذا في انخراطها بهذه المشاعر وأفكارها سندها بذراعه وعندما ابتعد قليلا. بوجهه نظر ناحية المرآة وصوت أنفاسه يلفح بشرتها. أما هي فحاولت إخراج هاتفها تهرب بعينيها منه وصوت أنفاسها العالية يسمعه هو. سألها بعبث شديد وهو يطالع وجهها: "إتأكدتي؟" تورّدت وجنتيها ورفعت رأسها تتحلى بالثبات وقاومت حتى ردت بحديث آخر: "إتأكدت من حاجة واحدة بس كنت متأكدة منها!" تتمسك بتعابير وجه ليست من حالها الآن. حركت عينيها ببطء. تنظر ناحية الهاتف فعاد هو يسألها بضحكة خافتة متسلية: "إيه هي؟" "إنك قليل الأدب يا بن البدري!" إعتلت ضحكات "غسان" الرجولية بصوت. بينما هي من أخرجت هاتفها من حقيبتها هذه المرة. ووقفت تعتدل على هذا الوضع حتى اخذت الصورة بحب. إعتدل بعدها. وإنحني يبحث عن حذائها حتى كادت أن تنحني فمنعها سريعاً بلهفة: "خليكي أنا هجيبه. متوطيش!" مد ذراعه يسحبه. سحب أول ما وجده دون أن يخيرها. حتى جلس مستنداً. ليضعه أمام قدمها في الأسفل. ابتسمت بتأثر له وإرتدت بمساعدت يديه الحانية وحينها مررت يديها بخصلاته إلى ان إعتدل وهو ينهض مردداً. بابتسامة عابثة: "مرتاحة فيها؟ ولا أشيلك جوه قلبي وخلاص؟" قهقهت بصوت مسموع من مداعبته هذه في الحديث. ولأن قليل ما تخرج ضحكتها بقوة. ولكن اذا ضحكت تجعل من أمامها يضحك على صوتها دون سبب وهكذا ضحك هو بسعادة. فعادت تتحدث بنبرة بها أثر الضحك: "مرتاحة كده وانت شايلني جوه قلبك. الاتنين يا غسان!" عانقته عقب كلماتها هذه. فعانقها هو بحب. دون ان يشد بعناقه لأجل ما بها. وخرجت تقبل وجنتيه بسعادة. وشعر هو بحماسها الذي يخلق بسبب حملها وسعادتها. لذا حاول ان يميل ليقبلها بمرح. هذه المرة بينما فعلت هي مالا يتوقعه. عندما فتحت سوارها الحاد. ووضعته أسفل رقبته بشراسة. وقالت بنبرة غير هينة تخبره: "بسام مستني تحت!!" تفاجئ من فعلتها وأمسك يديها حتى عاد الطرف الحاد لمكانه. فغمز لها بمشاكسة. وقال وهو يسحبها برفق. خلفه: "كده غلط على الزلط يرجع الرمل يزعل!!" ضحكت بخفة. وأغلق هو الباب خلفه بهدوء. فقالت هي بحزم. تقلد نبرته الخشنة في المعارضة والهروب وأشارت بنفس إشارة يديه عندما يتصنع التجاهل: "أهو ده اللي عندي. وإسكتي بقا!" ضحك "غسان" عليها وعلم بأنها في حالة مزاجية جيدة تمنى بأن تستمر دون حدوث شيء. فمنذ ان علمها وحالها هذا لا يستمر إلى النهاية أبداً. وكأنها بنفسها تشعر وتنفي ما تشعر به بهذا المرح المفاجئ: "اسكتي!! أنا تقوليلي اسكتي!! وبعدين." "لا انا مبقولش كدة متحوريش!" "يا شيخ طب عال أوي مسيري اثبتلك انك بتقولها كتير!" رددت كلمته المعهودة دائماً. فقال هو بعبث وهو ينتظر المصعد معها: "لا ده كدة عال أوي وهنجيب عيال تربية غسان البدري بصحيح!!" *** تعالت زغروطة عفوية جداً من فم "عايدة" قبل قليل حتي اجتمع الكل بشقتها وعلموا ما سبب هذه الفعله. وقف "حازم" بجانب "ياسمين" و"بدر" الذي وقف يتابع دخول البعض من باب الشقة. وحينما علم الكل هتفت "عايدة" تخبر "حازم": "عايزين نبقى ننزل نشتري الحاجات قبل ما نروح زيارة لأختك!" أومأ لها بطاعة. وقال يختصر مقدراً صبر "عز" كل هذه الفترة متذكراً كلماته وهو يوصيه على شقيقته: "حاضر. على ما آجي من مشواري هشوف الموضوع ده!" دخل بعد ذلك الشرفة وشعرت "فريدة" بأنه مستاء منها في حين تجمعت النساء ليباركن لـ "عايدة" بشئ كهذا. في حين عندما سمعوا صوت الزغاريد منها هم الكل في الشقة الأخرى لارتداء ملابسهم وتجمعوا أمام باب شقة "عايدة" التي أغلقتها "وردة" و"دلال" عقب الدخول. وتزامناً مع ذلك وقفت "زهور" بغيظ تكتمه قبل أن تدق الباب. وقفت بجانبها "زينات" بقلق وهي تسمعها تردد لها وهي تنفض ذراعها عنها لتتركها وبجانبها كان "سامر" وخلفه شقيقتيه: "إسكتي يا زينات. بيزغرطوا على ايه دول؟ على عمرهم؟ مش مراعين موت الراجل اللي لسه يدوب مكمل شهر؟ ايه قلة الحيا دي!!!" وقبل ان ترفع كفها المجعد لتدق الباب فتح المصعد وخرجت منه "نيروز" مع "غسان" الذي زفر بضيق زائف ما إن رآهم. وقصد فعلها أمام أنظارهم لاحظتها "نيروز" عندما وجدهم متجمعين أمام الباب. وتزامناً مع ذلك خرج "بسام" غالقا باب شقتهم خلفه وهو يصفر برواقة إلا أن انتفض ووقف مرة واحدة ينظر بغرابة. في حين سألهم "غسان" بنبرة هادئة شبيهة للبرود: "مش خير؟" ابتلعت "نيروز" ريقها ناهيك عن نظرات الفتيات الحقودة اتجاهها. صمتت "زهور" تدق باب المنزل بعصبية. في حين قبل أن يوبخها "غسان" بالتمهل لهذا الاندفاع نطق "سامر" يجيبه باستخفاف: "خليك في حالك وملكش فيه!" "بيتك باللي فيه!" نطقها "غسان" ببساطة شديدة تحت ذهول "نيروز" بفتح عينيها من سبه في الخفاء بهذه البساطة الشديدة. بينما كبت "بسام" ضحكته على رد شقيقه. تشنجت ملامح "سامر" في حين التفتت "زهور" تنظر بوجهها ناحيته تجيبه على وقاحته هذه خاصة أنها وبهذه اللحظة وهذا الوضع رأته ما هو إلا شخص قادم لآفتعال شجار للتسلية ليس إلا: "قلة الأدب ليها ناسها. فـ مش هنقول ونعيد كتير!" صمتت وحركت عينيها نحو "نيروز" وقالت باستخفاف: "مش نسأل بردو قبل ما نناسب؟ أدي آخرة اللي يعارض عمه وعيلته كلها ويبيعها ويشتري الغريب!" تعالى صوت "مروة" بحقد تؤيد أكثر وهي تتضامن مع كلمات والدتها: "كان ماله حسن؟ دا حتي كان دايب فيكي دوب كدة. كان بيعشق التراب اللي بتمشي عليه!!" ضحك "سامر" باستفزاز. وتشنجت ملامح "نيروز" وهي تهدر بإنفعال للأخيرة: "إخرسي يا بتاعة انتي. انتي بتقولي ايه؟ أنا واحدة متجوزة وبحب جوزي. متجيبيش سيرتي على لسانك سامعة!!" حركت "مروة" عينيها بترقب. في حين وقفت "زينات" بخوف. وفتح الباب تزامناً مع خوف "بسام" عندما وجد سكون "غسان" بهذه الطريقة. ولم تجيب النساء بل من رد على "نيروز" كان "سامر" الذي قال بوقاحة يقلل منها ومن وجود "غسان": "سيرة ايه يا نيروز بقا؟ دا حسن لمؤاخذة مكنش بيبطل يجيب سيرتك بـ.." دفعه "غسان" بغضب حتى إصطدم الٱخر بمن خلفه واستند على باب الشقة المفتوح بصوت حتى تأوه من ظهره. رفع "غسان" كفه أسفل رقبة الٱخر يخنقه بإنفعال من ترديده كلمات وقحة لعرض زوجته. وردد بشرر وهو يضغط على رقبة الٱخر باختناق: "أنا مش حذرتك وقولتلك كان لازم تسأل قبل ما تيجي. متخافش بقا يروح أمك عشان انت جيت لقبرك برجلك!!!!!" وأكمل وهو يزيد عليه بضغطة يديه مردداً بصراخ: "قولت سألت ولا أمسح بيك الأسفلت؟ فعملتلي فيها جامد؟ تعالالي بقا!!!" سدد له لكمة قوية بوجهه وقبل أن يندمج أكثر فصل الشباب "غسان" عنه بصدمة قبل أن يلفظ الٱخر أنفاسه الٱخيرة أسفل يديه. صرخت "نيروز" بخوف وتمسكت بمعدتها وكأنها تهاب سقوط الجنين من أحشاءها لا تود أي خسارة. لا تود ذلك!!! لاحظت "مروة" تمسكها بمعدتها وعلمت على الفور بملاحظة. ومن بين هذه الأصوات بين النساء والرجال بفصلهم عن بعضهما توجهت "مروة" تدفع "نيروز" بخبث دون أن تفعل هذا صراحة. تحركت من جانبها لتدخل بين الزحام فإصطدمت بجسد "نيروز" بشدة حتى فقدت "نيروز" توازنها وصرخت قبل أن تقع بـ أه عالية مرتفعة: "ااااه!" بعدها وقعت على الأرض تصطدم ونزلت الدموع بألم من وقعتها هذه تلهفت "سمية" بخوف. بينما من بين مسك الشباب جسد "غسان" ترك التركيز معهم والتفت برأسه ينظر نحوها حتى لمح بعينيه جسدها وهي تحاول بضعف الاستناد لتقف بينما لم تساعدها أعصابها بالخوف. هتف بخوف وهو يدفعهم عنه بقوة: "نيروز!!!!" تركهم وتقدم ناحية الخارج أكثر حتى إنحنى بإندفاع يسندها كي تنهض بخوف ولهفة مع يدي "سمية" و"بسام" الذي ركض على الفور ناحيتها. خرجت "وسام" تنظر من الشقة بصدمة من كل هذا التجمع. بينما وقفت "نيروز" بمساعدتهم تقدمت تدخل شقة "سمية" مع "وردة" التي هرولت بسرعة مع "ياسمين" من الشقة الٱخرى. أخذ "حازم" "سامر" ناحية الداخل بانفعال كما سحبت "زهور" ولدها معه بمشاعر خوف أت باللحظة الٱخيرة من تهور "غسان" المفاجئ بعد كم البرود التي عهدته منه. وقفت "فريدة" تبتلع ريقها بجانب "زينات" التي وجدت بعينيها الخوف. فوقفت "عايدة" تنظر بقلق نحو "سامر" الذي تمسك "حازم" بملابسه من فوق وهو يحركه بغيظ مردداً بانفعال منه: "انت ايه ي بني انت؟ ماشي تقول يا شكل للبيع؟ أنا مش محذركم من المشاكل؟ أنا مليش دعوه لا بيك ولا بأمك وأخواتك لو غسان فضى دماغه ليك!" فـ حلو عننا بقا كفاية مشاكل. الواحد ما صدق يخرج من الهم اللي كان فيه. لو جايين تخربوا أنا مش هسمح بـ كده عشان تبقوا واعيين! وقفت "زهور" تنظر بأنفاس مسموعة، بينما دفع "سامر" يد "حازم" عنه وقال بفظاظة ينفعل: "هنخاف منك ومنه يعني ولا إيه؟ ما فداهية. وبعدين قبل ما تتحمق كده وتقولي بقول شكل للبيع كنت شوفهم وهما جايين علينا الأول!" تدخلت "فريدة" بدفاع، تردد بصلابة في كلماتها: "نيروز عمرها ما تعمل حاجة تجر شكل حد بيها، ولا جوزها طالما هي معاه. أكيد حد فيكم سمعهم كلمتين ملهمش لازمة!" لوت "زهور" شفتيها بتهكم، وهي تراقب الأنظار، وعندما انتهت "فريدة" ردت هي عليها بجمود تسخر: "الله دا انتي كمان طلعللك صوت أهو. مش بدل ما تتكسفي على دمك وتسكتي من ساعة حوار امبارح. أوعي يا بت تكوني فكراني ناسية. أنا سكت بس بمزاجي ومن هنا ورايح ضلعك المعوج ده أنا اللي هعدلهولك بدل ما انتي ماشية تتمايعي كده على خلق الله!" شهقت "عايدة"، وقبل أن يتهور "حازم" في الرد تهورت "فريدة" من قبله وهي تصرخ بها ترد على الحديث بحديث أوقح: "أنا بردو اللي ماشية اتمايع ولا بنتك هي اللي مايعة وماشية تتلزق في واحد مش عايزها. محدش ليه كلمة عليا فيكـ.." إغتاظت "مروة" وتقدمت بتهور تمسكها من شعرها من الخلف أسفل الحجاب حتى تأوهت "فريدة"، والآخرى تسبها بحقد: "بتقولي على مين كده ي بت انتي. انتي نسيتي نفسك ونسيتي انتي راجعة بـ إيه. نسيتي.. ولا بت إيه بقا المفروض نقول مدام!" أسرع الكل يفصلاهما عن بعضهما، بينما رغم وجع الكلمات إلا أن "فريدة" اندفعت تركلها في معدتها وهي تدفعها لتقع أرضا، حتى تبرك فوقها بشرر، وكأن بهذه اللحظة ستخرج كل ما بها عليها من طاقة سلبية. "أقسم بالله ما انتي فالتة من تحت إيدي فيومك!" وكأنهما بالعامية تربيا في الشارع وليس مكان آخر غيره من سبهما لبعضهما. وقف "سامر" ينظر بشماتة، عندما وجد "مروة" مسيطرة في البداية، ومن ثم عندما دفعتها "فريدة". وكأن الكل يعي تدريجيا ما يحدث. ركض "حازم" ناحيتهم كما ركضت "زينات" و "عايدة". دفع شقيقته من على "مروة" وهو يتسمك بمعصمها بقوة، وانفعال يمنع "فريدة" عنها. يعلم أن تركت عليها لصعدت روح الأخرى في الحال! والغريب أن بجبروت مثل جبروت "زهور"، وقفت تتابع بصمت وسكون، لطالما تعلم أن "حازم" لم يرضي هذه الإهانة وقلة القيمة للعائلة. في حين أشارت لـ "اسماء" ابنتها الصغرى بعدم التدخل. وقف "حازم" بينهما بأنفاس مسموعة يدفع الإثنان عن بعضهما بعدما حاولت كل منهما لمس الأخرى مرة أخرى. "بس خلاص!" رددها بأمر وتمسك بيد "فريدة"، في حين حدج "سامر" "مروة" بأن تقف صامتة. خرج صوت "حازم" الموبخ للاثنين: "إيه القرف اللي حصل ده؟ إيه ده أنا عايز أفهم دلوقتي حالا. إيه؟ تربية شوارع؟!" تدخلت "مروة" بوقاحة توقفه عند حده: "اتكلم عنك وعن اختك!" زفر بصوت مسموع ومازال يمسك بشقيقته، وكان قد قرر الهدوء ولكن بعد كلماتها الأخيرة له، تشنجت ملامحه وهدر بغيظ واضح من وقاحتها: "أنا كنت ناوي اجيبلك حقك مع أنك غلطتي فيها الأول، وكنت ناوي بردو احاسبكم أنتم الاتنين. بس بعد قلة أدبك دي فأنا مش شايف حاجة غير غلطتك فأختي. وأقسم بالله العظيم لو كلامك ده خرج من لسانك ليها تاني ما هعمل حساب لامك اللي واقفه دي!" تدخلت "زهور"، تهدر بصوت عال تشير لإبنتها: "تعالي يا مروة هنا!" سارت وهي تعدل حجابها وملابسها ورمقت الأخرى بغل. والعجيب بأن "زهور" تصمت. تعمدت الصمت أكثر وغيرت مجرى الحديث مما أثار ريبتهم: "خلينا فالمهم. مش عيب تكون راجل بيتك ويطلع حركة خايبة زي دي وأبوك لسه ميت!" عقد ما بين حاجبيه بغرابة من قولها، ونظرت "عايدة" بغير فهم حتى تدخلت تسألها بإستنكار: "تقصدي إيه يا زهور بكلامك ده؟ حازم ابني راجل غصب عن عين أي حد!" "أقصد فراغة عينك وقلة ذوقك ي عايدة، لما الزغاريط تخرج من دارك وجوزك لسه متحللش فتربته!" إغتاظت ملامحها وهدرت بصوت تنفي قولها: "قولتلك مكنش جوزي!" رفعت "زهور" عينيها تحدجها بقوة. في حين تدخلت "زينات" تهدأ من روعة الوضع: "أكيد متقصدش يا زهور. ما تصبري نشوف يمكن عندهم خبر حلو. الله!" أشار "حازم" بيديه هذه المرة وترك معصم "فريدة" واقترب يوضح لها بخشونة: "ولو مسهيناش. مش شايف إنها حركة بايخة. ابويا مات ووقت حداده كمان يعتبر عدى. واللي راح راح وربنا يسامحه. مش هنقعد طول الحياة نبكي ونشكي ونوقف حياتنا على كده. حركة زي دي تحرق دمنا عنك انتي شخصيا. فخلي كل واحد فحاله مرتاح!" عارضت قوله بحزم شديد: "لا تبكو وتشكوا. لو اللي راح دا سليم ابوك اللي رباك. زغاريط وفرحة إيه دي. يكونش بتجوزوا حد ولا بتحتفلوا بطلب جواز سامر من فريدة ان شاء الله! يكون كده يعني!" رددت آخرها بسخرية لاذعة. ابتهجت ملامح "سامر" بخبث. بينما اندفعت "فريدة" تردد برفض قاطع: "دا على جثتي لو اتجوزت إبنك ده. اقسم بالله العظيم على جثتي سامعة!" تجاهلت قولها وعادت "عايدة" تبرر لها كطبيعة شخصيتها التي تعود لينة في كل مشادة كلامية لتهدئة الوضع لا أكثر من ذلك: "لا مش عشان جواز سامر اللي أصلا إترفض ي زهور. والموضوع ده منتهى!" ترقبت عيني "زينات" وتصنعت "زهور" الإهمال في الإنصات وقالت وهي تشير بفظاظة: "أومال على إيه. خير يعني في إيه تفرحوا عليه. من ساعة ما جينا وهلينا عليكم وانتوا لاويين وشكم ومعقدين الدنيا!" لم تحبذ "فريدة" سرد تفاصيل عن شئ كهذا خاص بـ "جميلة". بينما بهذا الموضع كان يجب الكل أن يعلم للمباركة لا أكثر. وهذا كان من تقاليد "عز" ووالدته بذهاب لهم زيارة كاملة مبهجة لحياة شعبية بسيطة بحارة شعبية كذلك. بينما في زواج "غسان" و"حازم" لم يكن الأمر مفسرا بهذه الدرجة. كان بين أطراف معينة في العائلة وليس بأكملها! أنسحبت بضيق ناحية الشرفة واذنها تتردد بها كلمات "مروة"!! في حين وقف "حازم" يتابع "عايدة" التي قررت إخبارهم بإختصار لما حدث كي يتركوهم بوضعهم دون مشاكل!!! جلست والكل ملتف حولها تتجرع من كوب المياه ببطئ. مسح "غسان" على وجهها برفق وخوف. بينما تشبتت ببطنها وفهم "بسام" معنى خوفها فاقترب ومد يديه يأخذ الكوب من بين يديها ونظر لـ "غسان" نظرة فهم معناها سريعا. بينما كانت تجلس "سمية" من الناحية الأخرى تحتوي ذراعها بخوف. ووقفت كل من "ياسمين" و "وردة" يتابعان مع "بدر" هو الآخر من بين قلق "حامد" و "دلال" ووقوف "وسام" بجانب شقيقها. "متخافيش ان شاء الله هيكون بخير. قادرة تقفي؟" كان ذلك قول "بسام" وليس "غسان" الذي هاب وخاف وحبست أنفاسه فقط يحتويها ويتمسك بكفها بخوف دون قدرة على قول شيء بعد صدمته بوقوعها وهي بموضع كهذا! عرف "بسام" كيف يحتوي الموقف وهو يشير على بطنها بإطمئنان. وعندما سمعت حديثه أومأت بنعم، فخرج صوت "غسان" أخيرا بلهفة بعدما أكدت هي: "طب قومي.. قومي عشان نطمن يا نيروز يلا!" قالها وهو يبتلع ريقه ونهض تزامنا مع نهوضها. إنكمشت ملامحها بألم. ووقفت "ياسمين" تمرر يديها على كتفيها بقلق. حتى عانقتها بعفوية شديدة. رفعت "نيروز" ذراعها تمرره على ظهرها وهي تردد بتقطع من أثر صدمتها بما حدث: "أنا كويسة." "متخافيش!" انحنت "وردة" تنفض رداء "نيروز" بحنو، كي تزيل أي أثر من أتربة ناعمة كانت قد وقعت عليها. وجاءت عند ربطة خصرها وعقدته ببطء، وايدي ترتجف تحت نظرة "نيروز" التائهة. "أنا هسبق يا غسان أخرج العربية على ما تيجوا، على مهلكم!" أومأ له "غسان" وأخرج المفتاح من جيبه يعطيه له. وسار "بسام" بعدها سريعا ناحية الأسفل. في حين اختل توازن "نيروز" بقلة، حتي أسندها "غسان" بذراعه بإندفاع. وسألها بلهفة مرة أخرى: "نيروز!!! انتي كويسة؟" أومأت وهي تمسك رأسها. وانتبهت لتقدم "دلال" وهي تعدل حجاب رأسها أكثر لها. وربت على رأسها بحنان دون نطق حديث. فشجعت "سمية" "غسان" على السير كي يطمئن: "اسندها ي بني وحاولوا تروحوا بسرعة تطمنوا!!" تلهفت "وردة" قبل أن تردد "ياسمين": "استنى، انا هاجي معاكم!" نفى "غسان" سريعا وهو يسحبها برفق في طريقه ناحية الخارج: "لا، لا خليكي يا وردة. أنا معاها وبسام معايا كمان متتعبيش نفسك وأنا هتصل أطمنكم ان شاء الله بعد ما نخرج من عند الدكتورة!" حركت رأسها تومئ كما أومأ الكل. وحثه "حامد" بنظراته على أن ينتبه لها بشدة، كي لا تقع منه. فهم ووافق بعينيه وخرج يقف أمام المصعد يسندها بذراع ويضغط على الزر بأنامل يد الذراع الآخر. تنهدت بتقطع، وكأنها لا تستطيع أخذ أنفاسها باختناق وهي ترى مكان ما وقعت به. لم ترى دفع الأخرى لها بالخفاء وتستنكر كيف حدث هذا. إلا أن الجميع يعتقد بأنها من وقعت واختل توازنها. بينما هو يشك بهذا الوضع الذي حدث بين تجمع وكانت هي منه بينه بجانب زوجته ولم يغفل عن شيء كهذا. هبط المصعد بهما بعد لحظات. وخرجت هي معه تتأبط ذراعه وهو يحاوط بذراعه كتفيها يتولي زمام سيرها بطريقة ليست مباشرة كي لا تقع. وقف يفتح لها الباب الأمامي. وردد "بسام" له وهو يهبط المقعد الأمامي: "خليها تركب قدام ي غسان وانا هنزلها الكرسي عشان تقدر تقعد مرتاحة في الطريق!" صمت وصمته تعني موافقته دون جهد. جهز لها "بسام" المقعد. في حين سحبها "غسان" برفق لتجلس على المقعد. حتى جلست تنظر له بابتسامة هادئة تطمئنه. أراحت ظهرها قليلا، وتنفست بصوت، تحاول تحمل الوجع الذي انتشر بجسدها من وقعتها هذه. في حين وقف "بسام" يمرر كفه على ذراع "غسان" يحثه بلين: "خليك أنا هسوق. أقعد انت ورا كرسيها وخليك متابع كده يمكن ترجع ودا طبيعي يعني عشان متقلقش بس!!" زفر بصوت مسموع يتحمل ضغوط كل مرة دون تفسير لكنه لا يريد شعور ذلك، خوفا عليها. فتح الباب الخلفي وجلس ينظر نحو المقعد الذي مال عاق ساقيه من الخلف. حتى أسندت هي رأسها فمد كفه يمسح وجهها برفق، يسألها للمرة الأخيرة قبل أن تسير السيارة بواسطة "بسام": "حاسة بوجع؟" في كل مرة لا تكتمل فرحتها إلى النهاية! خبر حملها لم ينتهي بخير بسبب عواقب أمس. وهذه المرة كانت تتلهف لذهاب أول مرة عند طبيبة ما لتتابع حملها معه هو مع شريكها. بينما الآن تذهب للمرة الأولى لتتابع ولكن مع وجود شك أنها تذهب لتتأكد من وجوده وعدم وجود ضرر بها أو بالجنين الذي يعد غير ثابت بشدة. ووقعة كهذه من المحتمل أن تؤثر عليه! لم تسقط دمعتها بسبب تحليها بالثبات أمامه. أخذت أنفاسها بتقطع ولم تغفل عن خوفه عليها ورجفة يديه التي قليل ما تحدث. في حين أجابته بنبرة حاولت أن تكون ثابتة بها: "لا أنا كويسة متقلقش!" قالتها وهي ترفع عينيها مستندة بأريحية وقاومت أي خجل بسبب تعبها هذا. تقابلت عينيها مع رأسه وعينيه هو بصورة مقلوبة. فابتسم وهو يمرر أنامله على وجهها ورفع عينيه ناحية "بسام" يحثه بنبرته الهادئة: "إفتح الشباك اللي جنبها ده ي بسام شوية!" فتحه قليلا من المحرك بجانبه بضغطة، وفتح حتى دخل الهواء يداعب بشرتها. وتحرك قفصها الصدري بهبوط وصعود كما كانت عينيها شاردتين وهي تنظر نحو الخارج، تفكر ككل مرة تحاول التفكير وتهرب كي لا تعترض. لما لم تكتمل فرحتها إلى النهاية؟ حركت رأسها تبتسم باتساع شديد عندما تعمد "بسام" تشغيل أغنية لـ "أم كلثوم" واعتلت الكلمات من نصف الأغنية تقريبا: "ونظرتك سحر وإلهام وبسمتك فرحة قلبين عايشين علي الأمل البسام" ضحكت عندما مال "غسان" برأسه عليها من الخلف يردد بمرح كي يخفف عنها: "بيفهم الواد ده برضو!" "أي خدمة يا غس!" رددها "بسام" وهو يغمز له فبادله "غسان" الغمزة. فمال "غسان" يهمس مجددا بمشاكسة عابثة تزامنا مع قول الست نفس الكلمات: "ونظرتك سحر وإلهام.." رددها ببطء كما كانت الكلمات وتعلقت عينيها بعينيه بخجل. فنظر لها بإطمئنان ومد ذراعه يضع كفه على معدتها التي كانت تضع هي عليها كفها وقال مجددا يطمئنها بثقة: "ان شاء الله انتوا الاتنين بخير ومحصلكوش اي حاجة. أنا متأكد. متخافيش!" تمسكت بأنامله ووجدت الترجي بالدعاء في عينيها. فزفر بصوت يدعو بينه وبين نفسه وبين خالقه. كما تأثر "بسام" من توترها الزائد بفقدان ما بأحشائها. وسبحان الخالق يخلق الغريزة من بداية وضع الجنين برحم الأم. وكأن الخوف وقتها شيء فطري لا يلزمه مقدمات وقوانين لوضعه أو حتى زواله! "وازاي الحكاية دي متمتش من أول يوم. ايه الخيابة دي!" نطقت "زهور" بهذه الكلمات بتبجح، وكأنها تستغل الحديث كي تعارض وفقط. كادت أن تبرهن "عايدة" عليها. بينما هتف "حازم" بحزم: "والله دي حاجة متخصناش. وانتي نفسك عارفه كويس ان عرفنا خبر موته يوم فرح جميلة!" وقبل أن تتطاول بالحديث ردد "حازم" مجددا بصرامة: "والموضوع ده انتهي وبلاش نفتحه تاني. عندك كلمة تقوليها ي عمتي تبقي تدعي لأختي وجوزها ان ربنا يسعدهم غير كده بلاش!" تأففت من ضيق أفقه وقالت بحدة تعبر عن معالم وجهها المتشنجة بمحاصرته لها بالحديث: "انت هتعدل عليا ولا ايه؟" "لأ مبعدلش. أنا بقول كلام في الأصول لازم نعمل بيه ومنلتش فيه لت النسوان الحوار انتهي. اتفضلي اقعدي او ارجعي الشقة التانية زي ما تحبي البيت بيتك!" حدجه "سامر" بضيق، ودخل غرفته مشيرا لوالدته بأن تدخل خلفه كي يرحلون هم. وبالفعل، التفتت "زهور" بهدوء تشير لشقيقتها وأولادها للرحيل خلفها. بعدما نظر "سامر" بشرود ناحية الشرفة التي تقف بها "فريدة"، وقال بهمس منخفض قبل أن ينسحب للخارج: "ومالو من حق الفريد يتدلع. كلها ساعات وهصدمك وأكسر عينك الجامدة اللي مبقاش يهمها حد دي!" قالها بشرود يرتبط بسكون "زهور" وكأنهما يدبران لأمر مدهش وصادم. فما القادم؟ انتفضت على صوت إغلاق باب الشقة بقوة. وعلمت أن "والدتها" رحلت معهم ولم تبق معها كي لا تثير الأنظار ناحيتها مجددا وتثير العراك بين أي طرف وهي! نزلت دموعها الساخنة على وجنتيها بسبب لقب الأخرى الوقح لها. كلما شاءت بأن تتخطى تتعثر بكلمات ونظرات أحدهم. سارت القشعريرة بجسدها وانتفضت بخفوت طفيف عندما جابت ذاكرتها مجددا تفاصيل اليوم المشهود بالوجع الشديد. اليوم الذي غير حياتها كليا. يوم اعتدائه عليها. في الفترات الأخيرة أصبحت تتذكر كثيرا وتلبسها هذه الحالة ربما من الضغوط. شهقت بخوف وصرخت بصوت مبحوح وهي داخل أفكارها عندما وجدت يد أحدهم توضع على كتفيها من الخلف. انتفضت مع صراخها هذا وعندما وجدته هو ارتمت بنفسها في أحضانه تعلن دموعها ببكاءها بعد صراخها. لم يتفاجئ "حازم" من رد فعلها. بل يتوجع بشدة ما تمر هي به يؤلم فؤاده. اختنقت أنفاسه وهي تشهق تتشبت في قميصه من الخلف. مرر يديه على ظهرها وربط يديه معا يضمها بوجع. واليوم سيلقي الآخر عقابه بكل ما فعله بها وبوالده وبهم. لكنه لم يقدر على قول ذلك لها رغم أنها هي الأولى التي يحق لها بأن تعلم نهاية الشخص الذي فعل بها فعلته الشنيعة وإلى الآن تعاني. شهقت بتمزق وضم رأسها ناحيته وخرجت نبرته أخيرًا باختناق شديد: "وحياة أغلى حاجة عندك ما تعملي فنفسك كده يا فريدة، متوجعيش في قلبك وقلبي يا بنت أبويا!" شهقت بوجع وقالت بتقطع، تعلن استسلامها: "أنا تعبت، تعبت يا حازم ومبقتش حمل أي حاجة، نفسي الدنيا تسيبني في حالي بقى، والله العظيم ندمانة وبندم، بقيت بتمني كنت أموت ساعتها ولا يحصل كده، ليه محدش بيسيبني في حالي، ليه الكل عايز يوجعني، وأنا موجوعة والله كفاية من الدنيا دي، نفسي أرتاح بقى نفسي يا حازم والله العظيم نفسي أنا تعبت!!!" نزلت دمعته على قولها الذي بح بصوت فتاة ظُلمت بعدما سمحت للخطأ دون أن تعلم بأنه خطأ. اختنق صدره وضاق وهي تتشبث وخلفهم "عايدة" تنظر بأعين باكية تتابع الوضع بينهما. تمسك برأسها وأخرجها ورأت حينها دموعه فرفعت يديها بلهفة تمسح وجهه وكأنها تندم على وجعه من أجلها. رددت بأسف موجع له: "أنا آسفة والله العظيم آسفة، بس أنا معتش قادرة والله، متزعلش أنا.." بتر حديثها وقال بضعف شديد ظهر في نبرته عندما احتوى رأسها بين كفيه: "إنت راسك دايما مرفوعة، ودايما هتقدري بوقوفنا جنبك وطول ما انتي ماشية صح، مش عايز أشوفك مكسورة كده تاني فاهمة؟ أنا أختي تبقى جامدة وقوية وميهزهاش أي حاجة!!" ابتسمت "فريدة" بألم من بين دموعها وقالت بيأس مخذول: "كنت، كنت يا حازم، دلوقتي صدقني متماسكة بالعافية، مش ضامنة أقع في أي وقت وكل حاجة تخوني حتى نفسي!!" ورددت بالبقية تتوسل إليه مجددًا: "عشان كده أمانة عليك ما تسيبني ليهم، أمانة عليك ما تسيبني لسامر، أنا بكرهه، مبحبوش ومش عايزاه، دا إنسان زبالة صدقني، متخليهمش يضغطوني ويضغطوك عشان خاطري يا حازم مشيهم من هنا لو بتحبني أنا كنت كويسة من غيرهم والله، مش عارفة ليه بيحصل كده!!" كانت كلماتها متقطعة بخوف إلى أن ضم رأسها ناحية صدره يحثها على الهدوء. تنفست بين احتواءه لها وردد يجيب هو بنبرة متلهفة صادقة: "وحياتك عندي ما هسيبهم يجبروكي على حاجة مش عايزاها، ولا هسلمك لأي حد كده والسلام، بنتنا ياخدها أحسن من أحسن واحد، أوعي تفكري إني هقبل بكده، مستحيل أفرط فيكي وأبيعك يا هبلة انتي!!" ابتسمت على آخر ما قاله كما كان يبتسم هو بوجع وبسمتهما هذه المرة كانت قاسية على قلب كل منهما فهو يتوجع لأجل أنها تردد دائمًا وكأنها لا تثق وبكل يأس يعلم أن والده السبب في ذلك وبقوة. أما هي فعلمت نفس علمه أن كل ما يجتاح عقلها وقلبها بفقدان الأمان في البداية كان من والدها التي وإن وضعت بهذا الوضع وهو على قيد الحياة لتركها تتزوج تخفي العار التي فعلته به وبالعائلة من وجهة نظره. لكنه لم يلحق ذلك وتولى زمام الأمور الجبل الشامخ الذي كلما تثقل عليه أحمال الحياة يقوى ولا يضعف أبدًا وكأن أضعف ضعف يزيده قوة!! *** بينما في شقة "سمية" جلست بإنهاك تستريح وبجانبها والدتها وانسحب "حامد" ومن يتبعه. في حين لاحظ "بدر" انسحاب "وردة" ناحية الغرفة. كل مرة ينوي بها قول ما يريد قوله لا يستطيع والموعد بات قريب. تنفس بصوت مسموع ولأن "سمية" تعلم، ففي كل مرة تسأله إن كان أخبرها أم لا. سمع صوت بكاء "يامن"، فاستأذن بعينيه حتى دخل وفتح الغرفة ومن ثم أغلقها خلفه وجدها تلاعبه بحنو ولم تعطي اهتمامًا شديدًا لدخوله من الأساس. يلاحظ ذلك منذ أمس ولكنه تعمد أن لا يركز بقوة مع أفعالها بعد كلمات "مروة"، السامة لها. "بابا!" رددها "يامن" بطفولية فابتسم "بدر" باتساع وهو يجلس بجانبها مال يطبع قبلة على وجنتي الصغير بمشاكسة يداعبه حتى ضحك من جديد. عانقه "بدر" بقوة ولاحظت هي أن العناق مختلف عن كل مرة. أما هو ففي هذه اللحظة لا يتخيل بأنه سيفارق لفترة. رفع ذراعه يضم "وردة" ناحيته وبينهما صغيرهما وبدأ هو بالحديث عندما سألها باهتمام: "مالك يا وردة؟" نفت بابتسامة متكلفة وتصنعت النظر نحو صغيرهما وهي تجيبه: "عادي مفيش حاجة!" نهض بدون مقدمات يحمل "يامن" حتى فتح باب الغرفة وهمس جوار أذنه بـ: "روح لتيتة بسرعة!" أهبطه أرضًا وركض حتى ضحك "بدر" عليه ومن ثم أغلق الباب وهو يقترب. أما هي فحاولت النهوض بينما قاطعه هو نهوضها بيديه التي تمسكت بمعصمها بهدوء شديد. رفعت عينيها الحزينة تقابل وجهه بتعب وتجمعت الدموع وكأنها هشة ضعيفة تنتظر فقط نظرة أحدهم المتفهمه لحالها. وهو كان أحدهم. ورغم أنهما غير مركز عليهما ولأن بهذا تعد العقبات والمشاكل قليلة بينهما بينما الآن وجد بينهما مشكلة لا يريد هو قولها بسببها. وقبل أن تهبط دموعها منها رفع يديه يقرب رأسها من كتفيه فمالت تستند بإستسلام تزامناً مع قوله المفسر لها والمتفهم الهادئ الظاهر بحنوه: "أعملك إيه بس يا وردة عشان تصدقي إني بحبك ومستحيل أتخلى عنك ولا عن ابني؟ والله العظيم أنا راضي ومش زعلان. أنا مبسوط عشان إنتي في حياتي وجبتيلي أحلى حاجة في دنيتي. ربنا يقدرنا ويعينا على تربيته سوا!" هبطت دمعة "وردة" وهي تستند عليه وخرجت ترفع رأسها له وقالت بتحشرج تبرر له: "أنا مصدقاك يا بدر بس أنا مكسورة. كل ما بحاول أنسى وأعيش وأشوف إنك قابل ومتمسك حد يجي يشككني في نفسي ويكسر خاطري بكلام ملوش لازمة. أنا تعبانة يا بدر والله ومليش أي ذنب في كده. دي حكمة ربنا وأنا مش معترضة بس حواليا أسباب بتلعب في دماغي ومبقتش قادرة أفكر.." صمت يستمع إلى أن تنتهي دون أن يقاطع. صمت يأتي بٱخرها للنهاية علها تستريح في حين تحركت تردد بلهفة سريعة وكأن الخوف يلح عليها ويعطيها الشك: "بس إنت فاهم ده صح؟ مش هتسيبني وتتجوزها عليا صح؟" سألته بلهفة شديدة وتفاجأ هو من خوفها الشديد. تنهد يأخذ أنفاسه ورفع يديه يمسح وجهها برفق وقال بصدق شديد هادئ عكس لهفتها هذه: "أنا فاهم ده من زمان والموضوع ده بالنسبالي مقفول. ومستعد أحلفلك على كتاب ربنا دلوقتي إنه مبجيش في دماغي لمجرد إني بفكر فيه حتى. يا وردة أنا مش عايز من الدنيا غيرك وغير ابني. ولا أي واحدة في الدنيا تقدر تاخد مكانك ولا تملى عيني زيك يا أم يامن!" دللها بٱخر حديثها فابتسمت من بين دموعها وقهرها. تنفست ببطء. وكلما يقلل أحدهم ثقتها بنفسها يعود هو ويعزز ذلك بقوة. جابت عينيه حنايا وجهها بحب وطالعها بقوة وكأنه يملي عينيه منها. لاحظت نظراته فتمسكت بكفه ومدت ذراعها تجلبه هي ناحية أحضانها حتى أسند رأسه على كتفها كما أسندت رأسها على كتفه وقالت بأسف: "أنا بحبك أوي يا بدر. إنت مستحمل ظروف دايمة مش أي حد يقدر يعيشها. مقدرش أعيش من غيرك والله!" ابتسم بحب على عقلها الدائم في التراجع وأكملت هي تفسر وتبرر أكثر: "كفاية بس إنك مسبتنيش ولا أجبرتني أقعد في بيتنا. كفاية إنك خليتني أقعد هنا معاهم ومسيبهومش ولا لحظة وانت كمان قعدت معايا علشان خاطري وأنا عارفة ده. أنا نفسي منسافرش تاني بس أنا عارفه إنه مش هينفع!" وكأنها تمهد ليفتح هو الحوار منه. مرر يديه على ظهرها وقال رداً على حديثها: "أنا عشانك أعمل أي حاجة يا وردة بس ياريت كان ليا فرصة هنا أو حتى حد كان يديني فرصة شغل هنا. بس إنتي عارفة كل حاجة هناك. والأجازة الطويلة دي عملتلي مشاكل في الفترة الأخيرة ومبقتش فاهم حاجة!" خرجت تنظر له بخوف فلأول مرة يخبرها بأن عطلتهما سببت له شئ. ابتلعت ريقها وهي تسأله بقلق. وكان هو ذكياً بهذه اللحظة عندما إسترسل يخبرها تدريجياً: "البديل اللي كان مكاني بعد فترة الإجازة مشى من هناك وبعدها مش لاقي حد والإجازة إنتي عارفه معادها انتهى وكل ده من غير مرتب. بس أنا مش هاممني الفلوس زي ما هاممني شغلي اللي قرب يضيع مني واسمي ينزل تاني بعد ما طلعت واشتغلت أكبره. حتى الشركة مبقتش تعذر ده وقالتلي لازم أحجز في أقرب وقت عشان أرجع أشتغل على مشروع معين شهر ولو في بديل معايا ممكن كام إسبوع بس!!!" صدمت وارتجفت يديها بتوتر. وابتلعت ريقها بقلق وسألته بتيهه شديدة: "قـ.. قصدك إننا هنسافر قريب؟" تمعن النظر لتغير معالم وجهها. ومد يده يمسك كفها بين كفه الأكبر ونفى برأسه يرمي لها بقنبلته: "لأ. أنا بس اللي هسافر لوحدي!" أدمعت عيني "وردة", مجدداً وكأنها تنفي ما قاله بذهول. لأول مرة يفعلها منذ زواجهما!! أردفت بتعلثم تسأله وكأنها لا تريد التصديق: "وهتسيبنا؟" تريد السفر معه ولا تريد السفر من الأساس تتخبط بشدة. وجعه سؤالها وكأنه سيتخلى بإرادته تعلم أنه أمر مرغوم عليه ولكنه برر بلهفة يسكنها: "غصب عني يا وردة. بعد كده هترفد من شغلي خالص وانتي عارفه إنه مهم أوي ودي حاجة مجبر عليها. ومن ناحية تانية الظروف إنتي عارفه مبقتش زي الأول. أنا صرفت كتير أوي فالأجازة دي بسبب الشقة اللي عدلتها لآدم وكمان فاطمة وولادها محتاجين مجهود حتى لو عارف ده هيبعت فلوس بس معادش حاجة بتكفي. الحمل زاد عليا أوي يا وردة وٱدم بيساعد بس اكتشفت إن مفيش حاجة بتخلص وكل حاجة كتير أوي دا غير فلوس تأجير العربيات وفجأة لقيتني فدوامة ومينفعش أقعد أكتر وجت من عند الشغل نفسه. أنا عارف إن كل حاجة برزقها بس بدعي ربنا يقدرني ويرزقني برزقهم!" فتح عقلها لأشياء كثيرة. ورغم أن حالته المادية جيدة إلا أن في الفترة الأخيرة ساءت قليلاً. أدمعت عينيها بهذه اللحظة شفقة عليه وتمسكت بكفه تبرر له قبل أن يفهم أنها أنانية لنفسها وولدها: "يمكن مش حاسة بيك وبالضغط ده بس والله مش زعلانه غير على إني هبقى من غيرك. أنا ويامن. إنت عارف إحنا عمرنا ما جربنا نقعد من غيرك لحظة وانت في مكان وإحنا مكان تاني. أقولك؟" رددت حديثها بلهفة. وٱخره سألته سريعاً دون التفكير وعادت تحثه وكأنها غفت أن هذا يتطلب مصاريف أكثر وأكثر وترتيبات: "أنا موافقه أمشي. عادي احجزلنا أنا ويامن وهاجي معاك!" ضم عينيه بأسى وكان يتوقع شئ كهذا منها. ابتلع ريقه واحتوي كتفيها بيديه يخبرها بالصادم بالنسبة لها: "مينفعش يا وردة المرادي. صدقيني مينفعش. أنا حجزت وهمشي قريب ومينفعش أخدك من الأساس السفر تبع الشغل مش سفر إقامة شوية وراجع زي الأول. و زي ما قولتلك يمكن شهر ويمكن إسبوعين لو إسبوعين هنزلكم تاني. لو شهر هجدد من هناك وابعتلك إنتي ويامن تجولي هناك عشان نقعد زي ما كنا. ساعتها مش هسيبكم لوحدكم وغسان هيبقي يمشي في الإجراءات بس صدقيني أنا لسه مش عارف تحديد لده. مش عارف هقعد وابعتلكم ولا هنزل شوية معاكم ونرجع تاني!!" هبطت الدموع منها بكثرة. ونظرت له بلوم وهي تضع كلتا كفيها على وجهها تردد بنبرة باكية من بين بكاءها بغير تصديق: "ليه يا بدر ليه مقولتليش وجاي تفاجئني دلوقتي!!" ضمها إليه بتحشرج وابتلع ريقه بأسف يخبرها عن أن الأمر خارج مقدرته: "والله العظيم غصب عني أنا أسف حقك عليا!" وواصل مجدداً يحثها بطلب رفيق بها: "وحياتي عندك ما تعملي في نفسك كده. خليني أطمن إني همشي وإنتوا بخير!" مش هسيبكم ولا لحظة والله. هتصل بيكي علطول وهبقى معاكي إنتي ويامن كإني هنا بالظبط. تركت هي وجهها، ومسح هو دموعها، وحاولت أخذ أنفاسها وهي تشهق بصوت مسموع. عانقها مجددًا بشدة، فحاوطت هي ظهره بتشبث وكأنها تخاف وتهاب أن يتركها في هذه اللحظة. أوصاها على الثبات مرة أخرى من بين عناقه لها: "متخافيش بقا لو بتحبيني. اجمدي كده وخلي بالك من نفسك ومن يامن. ولو في أي حاجة وأنا مش هنا، متتردديش لحظة تكلمي غسان، هو فاهم كل حاجة. أنا سايبكم أمانة عنده وهو مش هيُهملكم، صدقيني!" حركت رأسها بصمت، ورددت بإيجاز بصوت مبحوح. فداعب هو وجنتيها كي يخفف عنها، وقال مرة أخرى: "خلاص بقا يا وردة عشان خاطري، فكي وسيبيني أقعد اليومين أملى عيني من ضحكتك الحلوة دي!" ابتسمت كي تراضيه وكأنه يضغط عليها ولا يخفف عنها في الحال. تنفست بصوت، وكعقل أنثى جالت أفكارها رحيله في وجود "مروة". وكأن الأمور ترتبط ببعضها البعض. جيد من ناحية، وناحية أخرى عكس ذلك. ولكنها ستحاول جاهدة على الصمود وعدم الاعتماد عليه كي تثبت بوجوده. هي أم، ويجب أن تفعل بهذه الكلمة. حركت رأسها تؤكد أفكارها، وزفرت بصوت عالٍ، وقالت بجدية شديدة: "حاضر. بس ده ميشيلش زعلي منك أبدًا. إنت بتحطني قدام الأمر الواقع ومقولتليش، وكإني عيلة صغيرة قد ابنك يا بدر!" "كان لازم أعمل كده. أنا بضعف قدام أم يامن، ولو كل ده كان حصل قبل ما أحجز، كنت هبيع الدنيا باللي فيها!" يتلاعب بالحديث كطبع عائلته هو الآخر. نظرت له بتشكك بعدستيها الخضراء كمثل شقيقتها ووالدها. أعين لامعة تتشكك في حديثه المعسول بشكل مرح بالنسبة له فقط. عادت تنظر له بجدية، وقالت بسخرية هادئة: "بتضحك عليا بالكلام ومفكرني هبلة!" ضحك بخفة، وشدد من عناقه لها، وقال بمرح يخفف عنها ما تشعر به: "مستحيل. إزاي هضحك على أعقل وأهدى واحدة شفتها عيني. هو أنا وقعت فيكي من قليل!" انهزمت بطيبة أمام حديثه، ومررت كفها على ظهره فوجدته يميل ليطبع قبلة على خدها الذي احمر من البكاء. ابتسمت بحنو، وكطبيعتها اللينة بشدة والحنونة، دعت له مرددة برفق وصدق: "تروح وترجع لينا بألف سلامة!" مرر يديه على شعرها بحب، وثمة ابتسامة مريحة زينت محياه وكأن الثقل الذي على قلبه قد زاح. بينما ردد هو بنفس اللين ينظر نحو عينيها بعمق: "ربنا يخليكي ليا يا وردة إنتي ويامن. هتوحشوني، بس أنا عارف إني سايبكم في حفظ الله ومطمن. مفيش حاجة عنده بتروح ولا بتتأذى أبدًا!" قبل قمة رأسها ببر، فتقدمت تقبل وجنتيه بهدوء، وهي تبتسم له. فضحك وهو يشاكسها بالكلمات كي لا تفكر كثيرًا. بينما هي بدأت تفكر كيف لها بأن تحيا من دونه. علاقتهما كتبت معًا، ولم يترك أي منهما الآخر. بينما الآن يتوجب عليها تحمل هذا الاختبار الصعب وتتيقن بأن سهولته ستنعم بها لطالما بجانبها عائلتها الصغيرة. والدتها، شقيقتها، شقيقتها الأخرى، عم زوجها وولده التي وضعت أمانة لديه. وحتى البقية التي كانت تفكر بوجع كيف ستتركهم وترحل معه مرة أخرى! *** انتظرهما "بسام" بالخارج وهما بغرفة الكشف معًا. فقط ذهب ليرتدي بالطو الطب الأبيض كي لا يُجازى رفض طلب إذنه للرحيل مع "حازم" والشباب. المستشفيات الخاصة تشتد في التعليمات، وأن رحل سيُخصم منه اليوم وكأنه بعشرة أيام. عبس وجهه من حديثه قبل قليل مع المتولي لزمام أمور هذه الإجراءات، وعلم أن كل شيء ليس بهذه السهولة. استغفر ونظر نحو شاشة هاتفه يرسل لـ "حازم" اعتذاره بعدم مقدرته على القدوم. في حين كانت "نيروز" تعتدل في الداخل لترتيب ملابسها، وهي تسمع الطبيبة تملي عليها نصائح هي و"غسان" الذي وقف بإهتمام يسأل الطبيبة للمرة التي لا يعرف عددها: "يعني هما الاتنين كويسين يا دكتورة؟ محصلش حاجة صح؟" وأجابت حينها الطبيبة برسمية لبقة: "لا الحمد لله بخير، وإديك شوفت في السونار. ألف مبروك، بس زي ما قولتلكم تنام على ضهرها الفترة دي لحد ما الحمل يثبت. وفي شوية مثبتات هكتبلكم عليها. وبخصوص الدوخة اللي قولتي عليها، المثبتات بتوطي الضغط، فخلي بالك يا مدام لم تيجي تقومي وتمشي. لكن المغص ده عادي في الأول!" تنفست "نيروز" بإطمئنان. وأمسك "غسان" كفها محاوطًا كتفيها كي يسندها، وأخذ من الطبيبة الورقة ناظرًا لها بإمتنان ونطق بـ: "شكرًا." "على إيه يا أستاذ. متنسوش الكلام اللي قولته وخلوا بالكم. وبالنسبة للترجيع فده أمر طبيعي وفي علاج هيقلله!" أومأت لها "نيروز" بحرج. وتلاقت عينيها مع "غسان" الذي مد يديه ليُهبط حجابها الذي رجع إلى الخلف أثر نومها. ابتلع ريقه مبتسمًا، وسحبها معه نحو الخارج حتى أغلق الباب خلفه مع قوله لها: "شوفتي كنت متأكد إنكم بخير. مبروك يا رزقة!" وكأنه يبارك للمرة الأولى. تأثرت من خوفه، وخرج معها بسعادة هادئة إلى أن جلست وجلس هو بجانبها يبحث عن شقيقه الذي كان هنا قبل دقائق. ومن بين نظراتها بعشوائية، أمسك كفها وغمز لها بمرح يُذكرها: "فاكرة لما قولتلك هنا... عقبال ما تعملي سونار ابننا؟" تذكرت، وكيف لها بأن تنسى عبثه. ضحكت "نيروز" بخفة، وأكدت برأسها قائلة بصراحة تسخر منه، ولم تغفل عن سبب قدومها من ضرب "زينات" لها: "آه فاكرة. هنسى إزاي حاجة زي دي. بعد كتب كتابنا بيوم رايح تقولي كده!" أكد برأسه بثقة، وهو يضحك وكأنه يستوعب إلى الآن. فوجدها تتمسك بأنامله بخوف، وقالت مجددًا: "حلوين وإحنا مع بعض، متبعدش ومتعملش حاجة تخلي فيه أسباب للبعد، عشان خاطري!" أثارت غرابته كلماته، ولكنه ابتسم لها بلطف، وقال بلين شديد ينفي ما قالته: "وإزاي هنبعد، مش قولتي الحبل اتربط المرادي بالقوي؟" تمعنت "نيروز" النظر نحو تقاسيم وجهه، وخاصة عينيه. حينها أكدت برأسها وقالت بصراحة تكشف خوفها: "أيوة. بس النهاردة خوفت أوي!" علم لهفتها وخوفها بفقدان ما بداخلها منه. تنفس بصوت مسموع، وحرك رأسه بأمان وقال يُطمئنها بحديث هادئ: "لا متخافيش طول ما أنا معاكي!" شعرت بالخطر عليه. لطالما يتحالف "سامر" وشقيقته مع والدتهما ويثيرون المشاكل. آخر ما رأته غضب "غسان" على كلمات بدأت بها "زهور" ومن ابنتها، وأكمل بعدهما "سامر". نفت بإندفاع توصيه: "لا خايفة. أنا مش عايزة إك يبقى ليك علاقة بسامر وأخته وحتى عمتي. متردش عليهم عشان خاطري وابعد نفسك عنهم. سامر ده مؤذي قوي زي عمتي بالظبط، إنت متعرفهمش!!!" تعود مجددًا بالخوف عليه. نظر لها بصمت، وإلى الآن يخفي انفعاله بالكلمات التي قالتها عمتها وأولادها. وبقول كهذا رد هو عليه بحدة: "عايزاني أعمل إيه؟ لما ألاقي كلام مش ولابد على مراتي؟ أقف ساكت وأسقفلهم؟ فوقي يا نيروز وافهمي إن الكلام اللي اتقال ده فيه قطع رقاب، وأنا مش قرني عشان أقف أسمعهم ومردش بإيدي. دا مش عدل ليكي عشان أنا مطيقش على مراتي نص كلمة بالذات اللي سمعناه ده، بعد ما بيجي على كرامتي كرجل!" "يـا غسـ.." بتر حديثها عندما أغلق الموضوع بحزم. ولاحظ قدوم شقيقه من على بعد: "اقفلي الموضوع ده دلوقتي. خلصنا!" نظرت له "نيروز" وهي تتحلى بالصمت. وجاء "بسام" يستعلم على كشفهما، وقال يسألهم بإهتمام ولهفة: "طمنوني قالتلكم إيه؟" الحمد لله هي واللي فبطنها بخير وكتبت لينا على شوية أدوية كدة. مد "بسام" يديه يأخذ الورقة ليقرأ ما محتوى الأدوية، وعندما مرر عينيه زفر بصوت وهو يحاول طي الورقة مردداً يخبره: "طب سيبها وأنا هجيبهم من صيدلية قريب." أخذ "غسان" الورقة سريعاً ووقف يعتدل مردداً يخبره بما سيفعله بإختصار: "لا سيبهم، أنا كده كده هعدي أجيب المرتب وأشتريهم. انت مش هتستأذن وجاي ولا نظامك ايه؟" نفى "بسام" بأسف وتنفس بصوت يخبره بتفسير: "للأسف مش هعرف أستأذن النهاردة، حتى أنا متضايق، بس أنا كلمت حازم أفهمه على الحوار و.." وقبل أن يكمل بتفسير، حذره "غسان" بعينيه من أن يكمل بتفسير أمام "نيروز"، فغير هو مجرى الحديث وهو يخرج بطاقة بلاستيكية من جيب بنطاله: "خد هاتلي مرتبى أنا كمان طالما وإنت رايح، انت عارف كده كده كلمة السر!" أخذها منه موافقاً، وضرب كتفه بمواساة يحثه قائلاً برفق: "ماشي متشيلش هم انت ومتتصدرش بدماغك لحد هنا عشان شغلك، أنا هرسي الدنيا وهو هيقدر!" تابعت "نيروز" الحديث بينهما ووقفت عندما نادت إحدى الممرضات على "بسام"، فأشار له الٱخر بالوداع ممسكاً بيدي "نيروز"، كي ينصرفا. هم الٱخرين ابتلعت ريقها وهي تنتظر معه بصمت وسألته قائلة بترقب: "هو إحنا رايحين فين دلوقتي؟" أجابها باختصار وهو يدخل معها المصعد: "هجيب العلاج والفلوس دي وهوديكى عند جميلة وأمشي!" وافقت بنظراتها وهبط المصعد بهما، في حين وقف "بسام" ينظر بغير تصديق لما أرسلت الممرضة. "فرح" أتت وانتهت الجلسة وقاربت على الرحيل. تنفست بصوت متقطع من تسرعها ولكنها قالت تفسر له بإرتباك: "أنا قولت أشوفك موجود ولا لأ وكده طالما أنا هنا. وعموماً، شكراً على سؤالك عليا بعد كل جلسة!" هذا ليس تفسير ولكنه فرح بشدة، ابتهجت ملامحه ووضع يديه بنفس الإرتباك في جيب البالطو وقال بغير وعي ببلاهة: "شكر إيه يا فرح شكر إيه بس!!" وكأنه يقولها بتعب، فعلته هب بفؤاده، عقدت ما بين حاجبيها بغرابة قبل أن تضحك على قوله بخفة تحاول إخفاء ذلك، سألته متنحنة بحرج حتى قالت بلباقة: "هو انتوا مش جايين النهاردة لـ "جميلة وعز"؟" قوس حاجبيه وسألها بجهل: "ليه؟" وضعت نفسها بموضع محرج جداً، ابتلعت ريقها ودق هاتفها برقم "والدتها" ينقذها، فأشارت له بعجالة: "طيب أا لازم أمشي، هستأذن أنا!" وقف "بسام" يقاطعها بسرعة حتى سألها بجرأة: "طب مش هشوفك تاني؟" على مشارف قوله لها بأنه يريد أن يفتح معها موضوع ما، بينما لم يفاتح هو أهله أولاً كيف؟ ابتسمت بلطف وقالت وهي تضغط على زر اخفاض الصوت: "آه، إن شاء الله، ما أنا معاكم هنا لحد ما أنتهي من الجلسات دي!" "أنا مش قصدي الجلسات بس إنتي قدها عموماً يا فرح!" قالها بابتسامة هادئة هائمة، تعلقت عينيها به بطريقة غريبة وسرعان ما حركتها بابتسامة هادئة تمتن له بعينيها، فقال هو من جديد يفسح لها المجال: "آه معلش اتفضلي!" أشارت له بالوداع فلوح لها بتيه، وهي من بدأت هذه المرة! ربما بعفوية شديدة منها كونها تأخذ عليه وقت بعد وقت هو وشقيقته! ابتلع ريقه وتنهد بتعب وقال بصوت مسموع به وبين نفسه: "توهتيني يا فرح، مش عارف هتوديني على فين بعد كده، يخربيت عقلك!!" هي من تعيده لسابق عهده تدريجياً بعدما أصبح منطفي، في حين أن المرح كان لا يفارقه حتى بينه وبين نفسه!! وبعد مرور بعض الوقت الأقرب لساعة إلا بضعة دقائق كانت مازالت معه في السيارة، ابتاع العلاج ووقف كثيراً إلى أن وجده بدوره، في حين مل من البحث عن وجود ماكينة بها أموال ليجلب راتبه الشهري له ولشقيقه، ومن بين انتظارها الٱن وهي تنظر بالشرفة تترقب وهو يقف يوليها ظهره، تنفست بعمق تنتظر، وعندما وجدته يلتفت ليضع الأموال بجيبه، ابتسمت برضا ودخل هو يركب بجانبها في الأمام، حينها سألته لتتأكد: "جبتهم؟" "أه، عايزين بس نعدي نجيب حاجة في إيدينا واحنا رايحين لـ "عز" و"جميلة"!" ابتسمت على لطفه ولباقته وشردت مرة أخرى وهي تنظر ناحية الشرفة، وسارت السيارة من جديد بقيادته هو، في حين صب تركيزه على الطريق الذي علم حواريّه مقرراً الوقوف على إحدى الجوانب أمام محل "حلوى". تنفست بصوت مسموع وأدمعت عينيها لسبب مجهول أتى من شعورها بتلقائية وهي تفكر، ترددت رغم أنها تعلم الرد منه، ولكنها حثت نفسها على الشجاعة وهي تلتفت برأسها تفرك بيديها الذي لاحظها هو وعلم أنها تريد قول شيء: "غسان!" همهم بإنتظار، ونظر بعشوائية، وعندما نظر نحو المرآة التي بجانبها ليرى من خلفه من السيارات، نظر نحو وجهها ووجد عينيها اللامعة تقابل عينيه، حينها ترقب باهتمام ثم سألها بقلق: "مالك؟ إيه اللي حصل؟ حاسة بوجع ولا إيه؟" نفت سريعاً، ترخي ملامحه بقلقه وقالت بصراحة: "لا متخافش أنا كويسة، أنا بس كنت عاوزة أطلب منك طلب بس خايفة ترفض!" صمت قليلا ينظر نحوها، وتحركت السيارة من جديد، وعندما استخدم عقله نفى صراحة دون رفق: "لأ يا نيروز، لو اللي في دماغي فـ هيبقى لأ!!" انكمشت ملامحها بحزن، كانت تتوقع شيئاً كهذا، في حين أدمعت عينيها أكثر وهي تسأله بلوم هادئ: "ليه يا غسان؟ وديني ومش هيحصل حاجة صدقني أوعدك!!" تتلهف لزيارة كهذه؟ ماذا تريد هذه التي لا تكف عن الوجع؟ هذا السؤال الذي يعهده قلبه منها في بعض الأحوال تعمد تجاهلها كي لا تبكي ويتشاجر حتى لو بكلمات هادئة، ولكنها يبدو أنها تصر عندما رددت توبخه عن تجاهلها: "إنت مش بترد عليا ليه؟" وبعد محاولة فاشلة منه في تعمد الصمت، هدمتها هي فالحال عندما اندفع يوضح بتفسير جامد: "ولا هرد ومش موافق يا نيروز، لأن إنتي مبتشوفيش نفسك ولا بتستوعبي إيه اللي بيجرالك لما بتروحي تزوريه في المقابر. ولا أنا. عايز أفكرك بعدها بيحصلك إيه لمدة كام يوم. إنتي دلوقتي وضعك اتغير كمان وحالتك متسمحش للحالة اللي بتجيبيها لنفسك دي. إنتي ناسيه الدكتورة قالت إيه؟ أهم حاجة صحتك النفسية، وأنا مش هجازف بيكم. عايزة تشاركيه وماله بينك وبينه وإنتي مع نفسك وهيحس بيكي!" هبطت دمعتها بحزن، وابتلعت ريقها تردد بنبرة يغمرها الحزن: "إنت مش حاسس بيا ولا حتى فاهمني، إنت بترفض وخلاص!" "لا فاهمك وحافظك، وعشان كده قولتلك بلاش!" رددها بحزم، وصب أنظاره على الطريق مرة أخرى، في حين رددت هي بانكسار من تخبطها بمشاعر الحمل وتغير هرمونات جسدها الذي يتضح شيئاً فشئ: "قلت بلاش عشان مش خايف عليا أنا يا غسان، أنا وإنت عارفين كويس إنت رفضت وبقيت خايف على مين بالظبط!" من متى وهو الذي يلحقها بذراعيه كلما تنهار في هذه الزيارة الموجعة؟ علم تخبطها ومشاعرها، ولم يتعمد الانفعال. بل ضغط نفسه من عدم الرد بالكلمات الساخرة، وصمت ينظر ناحيتها يعي ما قالته جيدًا. وبرر بكلمات مقتضبة عكس معناها: "اللي تشوفيه يا نيروز، مع إن محدش هاممني في كل ده غيرك أنت. بس اللي يريحك طالما شايفه كده، فالحالتين كده كده مش هتروحي، وانتهينا يا بنت الناس من الموضوع ده!" ركن السيارة تزامناً مع هذه الكلمات. وعاندت مشاعرها التي تفيض بالدموع منذ كتير. بل ومنذ متى وهي تتعمد الضعف أمامه؟ التقطت منديل ورقي تمسح وجهها، متحاشية النظر إليه بعد هذا الرفض الصريح، رغم أنها كانت تتوقع كلمات حادة ساخرة على آخر قول قالته يثير غيظه. بينما لم يفعل ذلك ولم يرغب في شجار ترغبه هي. هبط من السيارة يدخل هذا المحل ليجلب زيارة لبقة لـ "عز" ووالدته. هي الأخرى وجدت اتصال آخر من "زينات"، رغم أن "غسان" طمأن عائلتها. بينما لم تهاتفها "زينات". لتثبت لها أنها تغيرت حالتها الآن لا تسمح الرد بصوتها المختنق من آخر نبرة وحديث باكي رددته له. وعلى أية حال انقطع الاتصال. فدخلت هي على صفحة رسائل ما بينها وبين "جميلة" تخبرها بأنها قادمة قبل أن تأتي فجأة! ولا تعلم هي ما حدث من تطورات بينها وبين "عز"، لا هي ولا "غسان"، حيث علم الكل عداهم وهم كانا بالأعلى! وبعد دقائق وجدته يضع الأكياس في الخلف، وتقدم ليركب في الأمام، حتى قدم لها علبة صغيرة بحنو، يحثها على أن تتناول ما بها: "امسكي، كلي!" أمسكته دون النظر له، تأخذ منه موقف. في حين أخرج هو من الكيس الآخر مشروب الليمون بالنعناع لها وله. فتح لها أحدهما وقدمه لها برفق، يحثها على أن تشربه: "واشربي ده كـمـ..!" "مبحبوش!" فتح "غسان" فاهه بصدمة وضحك على الفور، يردد بغير تصديق: "يا شيخة!" "أه ومش عايزة شكراً!" كانت تتوقع بأنه سيضغط عليها كزوج حنون، بينما أخذه وأشار لها بغير اهتمام، مردداً بتبجح: "أحسن وفرتي!" طالعته بذهول واغتاظت ملامحها، فابتسم بإستفزاز وهو يتجرع منه، حتى دار محرك السيارة. وأشار بإصبعه مجدداً على العلبة التي تركتها على ساقها بعناد: "لو مش ناوية تاخدي دي كمان هاتيها!" هذه المرة توسعت عينيها أكثر، ووضعت العلبة على ساقه هو دون حديث، فضحك يحرك رأسه، مردداً بخفوت: "مجنونة والله!!" "والله عال، دا كمان شوية هتجوعني أنا واللي فبطني! أنا باكل لإتنين دلوقتي وانت بايع خالص ومش مهتم ومريح دماغك!" رددتها بحنق، وتارة تكون هادئة وأخرى شرسة، لم يستطع فهمها. ابتسم ابتسامه واسعة وغمز لها، مردداً بعبث، يجاري تغير مزاجها: "مقدرش أبيعكم، دا انتو اللي جوا القلب! أنا كلي ليكم!" ابتسمت بتهكم. متى لحق أن يجمعها بجملة واحدة مع من بأحشائها؟ حركت عينيها بإستخفاف، تنظر نحو الشرفة، تعود لفكرة رغبتها في زيارة المقابر. بينما لم يتركها هو مع نفسها. فتح لها العلبة عند إشارة توقف السيارات، وفتح لها علبة مشروب الليمون بالنعناع، وقدمهما لها بيديه، يحاول الوزن بينهما، مردداً يحثها بلين: "خدي بقا يا رزقة ومتبقيش قفوشة! وبعدين مش انتي اللي اتقمصتي وقولتي مش عايزة ومبحبوش؟!" أعطته زاوية كتفها بضيق. فمد ذراعه أكثر يحثها مجدداً: "إمسك بقا يبطل!" نظرت له بطرف عينيها وابتلعت ريقها، حتى تنهدت تردد بإستسلام له، تستغل تغير طريقه في الحديث بمحاولته لإرضائها: "وافق ي غسان بس المرادي عشـ.." تأفف من ضغطها وإصرارها، وترك العلبة على ساقها، وقال بحزم صارم يغلق محور هذا الحديث: "إحنا قفلنا الحوار ده وخلصنا منه، ومتفتحيهوش تاني عشان أنا ساكت عشانك!" وعاد برأسه ينظر ناحية الطريق، وقال باختصار يكمل: "وأنا صبري مش طويل!" نظرت له متمعنة، تنتظر أن يلتفت لتتقابل عينيه معها، ربما يضغف. لكنه لم يحرك رأسه وظل الصمت بينهما. إلى أن ركن السيارة، فهبطت هي بعد أن نزل وفتح الباب في الخلف يحمل العلبة بين يديه. سارت بتمهل معه، حتى وجدت بوابة المنزل مفتوحة، فدخل يدق باب شقة "حنان" أولاً. وانتظر بعدها بدقائق إلى أن فتحت له "حنان"، وتوسعت بسمتها بفرحة أكثر من التي كانت بها، وهي تردد بترحيب حار: "أهلاً أهلاً! ايه النور ده! ادخلو تعالوا يا دي الهنا!!" وقف بعدما رحب عليها وأهبط بعض من الأكياس بجانب بابها في الداخل، وهو يرى "نيروز" تعانقها. بينما ردد هو قبل أن تصر على قولها: "كتر خيرك ي أم عز، بس هنطلع احنا أصل مستعجلين. عز فوق." "ايوة فوق ي حبيبي، عريس بقا منزلش الشغل النهاردة!" ورغم عفويتها، ولكن تشكك "غسان" من قولها. ولم تنتبه "نيروز" للتفاصيل. فأومأ ولو يشير لـ "نيروز" التي ودعتها سريعاً، وهي تشير كي تصعد السلم. حمل ما بيديه بذراع، وبالآخر يترقب به صعودها على السلم بجانبه. إلى أن وقفت وهو بجانبها، ووضع يديه يدق الجرس بانتظار. حينها سمع أذان الظهر، ووجد أن الوقت يضيق به. انتظر قليلاً إلى أن فتح "عز". وما إن وجده توسعت ابتسامته، فاعتلى صوت "غسان" يشاكسه: "ايه ي عزوة كل ده على ما تفتح!" "حبيبي، منور والله، تعالو اتفضلوا!" خلع "غسان" حذاءه وانتظرها حتى خلعته دون أن تنحني. وعندما دخل بجانبها وأمامها "عز"، ناوله "غسان" ما بيديه، فعنفه "عز" بلطف على تكلفته هذه. واتجه ناحية المطبخ يضعهم، في حين جلست "نيروز" بجانبه. فالتفت بوجهه يحثها بسخرية: "افردي وشك ده شوية، حرام عليكي انتي جاية لعرسان لسه!" نظرت له بحدة، وقالت ترمي اللوم عليه: "كله بسببك، لو كنت وافقت مكنش حـ.." قاطع "غسان" حديثها بحدة بالغة، يحذرها هذه المرة: "هنقعد نعيد ونزيد تاني! اسكتي بقا!" التزمت الصمت. وعندما وجدت "جميلة" تدخل بسرعة بفرح لها، تهتف بإسمها، وخلفها كان "عز". نهضت "نيروز" بإندفاع، ترمي بأحضانها بترحيب حار. ووقف "غسان" يعنف نهوضها بهذا الشكل: "براحة على نفسك ي مجنونة انتي!!" لم تعطي له اهتماماً. بينما ضحكت "جميلة" وهي ترحب به، فرحب بها بعينيه بلباقة. واقترب "عز" يجلس بجانبه، بعدما دفعه ليجلس مع قول "جميلة" له بأسف: "معلش ي غسان أصلها وحشتني!" اعتلى صوته بسخرية، يخبرها: "لحقت يعني دا انتوا لسه كنتوا عندنا امبارح!!" تعمدت عدم الاهتمام ولا النظر ناحيته. في حين سحبتها "جميلة" معها ناحية المطبخ. وبقى "عز" مع "غسان" الذي ضرب ساقه بخفة، يسأله: "عامل ايه يا عز، ايه الدنيا!" ابتسم "عز". بسعادة لقدومه، وقبل أن يطمئنه، سأله "غسان" بمشاكسة: "اتصالحتوا والدنيا هدت ولا ولعت من مراتي زي ما قولتلك!" ضحك "عز" وأجابه هذه المرة بعكس ما يتوقع سماعه: "لا الصراحة دا بالعكس الدنيا بقت فل بينا عالاخر، بارك لاخوك بقا!" فهم "غسان" على الفور وعانقه بسعادة. ولوهلة شعر بالحرج من قدومه دون علم هو و"نيروز". ربت من بين احتضانه له وقال يبارك: "ألف مبروك يا عزة، ربنا يسعدكم!" ونهض بعدها يحثه بعجالة: "تعالى ننزل نصلي الضهر عشان عندي مشوار كده وهضطر أسيب نيروز معاكم شوية، ولا أخدها وأفلسع؟" "انت بتقول إيه، يا عم! البيت بيتها، كده كده أنا نازل تحت أقعد وهسيبهم بقا مع بعضهم شوية، بس انت رايح فين كده؟" لا يعلم هو بأن شقيقه المتسبب بذلك، وعارض "حازم" كي لا يحدث مشكلة بين شقيقته بحساسية بينهما. نفى برأسه، يعلمه بنبرة هادئة: "لا دا مشوار كده مع حازم وبدر ومش هنتأخر يعني متخدش فبالك!" وقبل أن يرد "عز" عليه، دخلت "جميلة"، بالضيافة له. ولاحظت نهوضه فرددت تقاطع سيرهما: "انتوا رايحين فين؟ اشرب العصير الأول يا غسان اتفضل!" رفض "غسان" بحرج رجولي هادئ: "لا معلش تتعوض، أنا نازل أصلي وأكيد نيروز قالتلك إنها هتقعد معاكي شوية على ما أرجع آخدها. خدي بالك منها يا جميلة دي هبلة وممكن تقع منك في أي لحظة!" اغتاظت ملامح "نيروز" بينما تفهمت "جميلة" ونظرت تطمئنه. وقبل أن تتحدث، ردت "نيروز" عليه بابتسامة مستفزة: "أنا مش هبلة!" أشار لها بفظاظة أمامهم، فضحك "عز"، مع قول "جميلة" الضاحك عليهما: "متقلقش في عيني، اطمن!" اعتدل بوقفته. ووقف "عز" ينظر تجاه "جميلة" في حين اقترب "غسان" يحثها برفق: "خلي بالك من نفسك على ما أرجع يا.. هبلة!" حركت عينيها تسخر منه مجددا، وقالت تلومه بتوبيخ مبطن: "أخلي بالي من نفسي برضه؟" توجه يقبل رأسها برفق، وهو يؤكد بنفس استفزازها. واعتدل يسير خلف "عز" حتى لاحظت إغلاق باب الشقة. زفرت "نيروز" بضيق، في حين عنفتها "جميلة" بجدية: "انتي مستفزة ليه يا نيروز بجد؟" كانت تعتقد بأنها ستوبخها بجدية، بينما ضحكت وهي تتحرك معها ناحية المطبخ. وفي طريقها ردت عليها "نيروز" باستنكار: "أنا برضه اللي مستفزة؟" انحنت "جميلة" تضع طبق الغسيل أمام غسالة الملابس وأخرجت منها الملابس تزامنا مع قولها الصريح: "أه انتي على فكرة، وهو عنده حق ميودكيش هناك خايف عليكي، افهمي!" انحنت تحمل الطبق، ثم توجهت نحو شرفة المطبخ تفتحها ووضعت الطبق على مقعد عال. وناولتها "نيروز" بعفوية كي تنشر الأخرى بتناسق، في حين أكملت "جميلة": "وأنا معاه جدا، لأن نفسيتك دلوقتي أهم حاجة في الحمل، ولا ناسية ياسمين كان جراها إيه من فترة؟" زفرت "نيروز" بضيق، ووضعت أمامها علبة المشابك، في حين ردت "نيروز" بتلقائية: "وانتي الصادقة كنت هحصلي اللي حصلها النهاردة لولا ستر ربنا! الحمد لله." ترقبت ملامح "جميلة" باهتمام وسألتها بقلق، وهي تلتفت بكامل جسدها لها: "ليه خير حصل إيه؟" كيف تخفي عليها وهي رفيقة الدرب؟ جلست "نيروز"، وقررت سرد المختصر عليها، ولكن بطريقة تطمئنها كي لا تأتي هي و"عز" بهذه الأوقات. وبدأت قبل أن تسرد وهي تخرج أنفاسها بتنهيدة: "أقولك إيه ولا إيه؟ حصل شوية حاجات كده لغبطت الدنيا.. هحكيلك!" ترقبت حواس الأخرى بفضول، ولم تنتبه لقلق ما ردته "نيروز"، بل قالت هي بالمثل: "وأنا كمان عايزة أقولك على حاجة. بس بعد ما تحكي انتي. قولي يلا وأنا سمعاكي. وسيبى الطبق أنا هجيب منه أنا.. عشان متدوخيش انتي!" زفرت بصوت، وكل واحدة تترقب. بينما بدأت "نيروز" في سرد مختصر لآخر الأحداث كي تسمع قول الأخرى لتخبرها بالمقتضب أنها أصبحت زوجته بالفعل. وظل الاثنان معا يتسامران تحت قلق "جميلة" ولهفتها على شقيقتها وهي تستمع لكل ذلك، بينما الأخرى تعلم جيدًا كيف ستطمئنها حتى لا تقلق! "السلام عليكم ورحمة الله... السلام عليكم ورحمة الله!" حرك "آدم" رأسه بخشوع خلف الإمام بعد انتهاء صلاة الظهر. رحل من عمله وبدل ملابسه لذهابه مع "حازم" والبقية. غمرته الراحة وتغمره في كل مرة عندما يجد نفسه على طريق الاستقامة. ابتلع ريقه ورفع عينيه بترجٍ وانتظار القبول كما حثته هي. يشعر بثقل على قلبه شديد وكأن كل الأمور تعانده. زفر بصوت، وكل مرة تتغير ملامحه من مجرد تخيله بأنها لم تكن له. أيمكن أن تكون من نصيب الآخر؟ في كل مرة يلقى على يديها الرفض يتمسك أكثر من السابق. وبالنسبة له هو، فهذا الأمر ينهكه من الداخل وينهك رجولته. الشيء الذي يجعله يتمسك هي تلك النظرة الذي يراها بعينيها التي تلمع. وأوقات أخرى يهيئ له عقله بأنها ترفض لأنها لا تتقبله وأن ما يراه مجرد خرافات يبرهنها ويبررها له قلبه. كان لا يحكم بقلبه، بينما في الآونة الأخيرة لا يفعل إلا ما يشعر به فؤاده. فؤاده يريدها حتى بعدما ظُلمت هي. تنفس بصوت مسموع يحاول ابتلاع الغصة المريرة بحلقه كلما تذكر دموعها المنكسرة وهو العاجز حتى عن دفعها بأحضانه أو الذهاب للذي فعل ذلك بها وجعله يذيق مرارة الإعدام على يديه هو بكل غضب وليس على حبل مشنقة قانوني. أين حقها هي؟ حقها يجب أن تأخذه بيديها! هكذا هتف صوت الشر الذي بداخله. ومن ناحية أخرى، لا يلاحق عن تكليفات المنزل لدى شقيقته وأولادها رغم أن "بدر" يساعد هو الآخر، ولكن المسئولية كبيرة. كبيرة جدًا أكثر ما كان يعتقد ولكنه يكافح! تحركت عينيه سريعًا على الشيخ الذي كان أحد أسباب قربه من الله واستقامته. ربع الشيخ ساقيه أمامه وتنفس بعمق وهو يربت على ساق "آدم" مرددًا له بنبرة هادئة مع ملامح وجه بشوشة: "شايل الهم ليه يا بني وربك موجود؟" وكأنه أتى له كما يأتي في كل مرة لينقذه من بئر أفكاره الغويطة. حفرة تكاد توجهه ناحية الاعتراض، ولكنه يعود سريعًا بالشكر كلما قارن حاله بداية ونهاية! زفر "آدم" بصوت، وكانت حالته ضيقة وكأنه الوقت الذي يشعر به المرء أن الحياة تغلق أبوابها في وجهه من أكثر من ناحية. كان يظن أن الأمل في روحه سيستمر بقوته الأولى، بينما الآن يرى في كل خطوة شيئًا صعبًا يتعثر. وما تعثرت إلا وفرجت، هكذا شجع حاله، بينما ما جاء على عقله بصوته المتحشرج لشيخه الذي جلس ينتظر بفارغ الصبر رده. ورد "آدم" عليه بأنفاس ضيقة وملامح قد تراخت من رؤيته له: "اختبارات ربنا والحمل زاد أوي يا عم الشيخ. حاسس إني مش قادر للحمل ده بس مكمل عشان ده واجبي. مكمل لله عشان عارف إنه هيجازيني في الآخر ومش هيرضي بكسرتي وضعفي. بس الدنيا صعبة أوي!" أدمعت عينيه بآخر ما أردفه من حديث مختنق مهتز. ربت الشيخ على ساقه بيقين وكأنه يحثه على الصبر وأخذ نفسًا طويلًا بثبات هادئ ووقار وقال يبدأ في حديثه ليترقب الآخر: "والله أرحم بالفتى من نفسه، فاعمل فما كلفت ما لم تستطع." قال جملته بثقة بالغة في الله. كلمات مذكورة فعليًا لـ - أبو العتاهية. حينها فهم "آدم" وترقبت جميع حواسه عندما واصل الشيخ بقية حديثه بأمل ويقين: "الدنيا أه صعبة، وربنا نزلنا يختبرنا فيها عشان نهايتها يا جنة يا نار. قبل كل ده بنلاقي اختبارات وابتلاءات ربنا بيحطها في طريقنا ومن قبلها سبحانه وتعالى بيكون عارف وفاهم إيه هي آخرتنا." ولكن ربك بيقول إيه؟ اسعى ي عبدي وأنا هسعى معاك. وعمره أبداً ما يحمل البني آدم فوق طاقته. طالما حطك في اختبار وامتحان أو حتى ابتلاء، بيبقى عارف إنك قده علشان كده وضعك فيه. لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. سارت القشعريرة في جسده في الحال، عنده أنصت لآخر حديثه والذي كان آيات بينات معطرة بالإيمان، وكأن حواسه تترقب لسماع المزيد. ردد بنبرة منخفضة قبل أن يكمل الآخر: "ونعم بالله العلي العظيم، الحمدلله على كل حال!" "صح، لازم نحمد ربنا على كل حال، وخليك دايماً كده فاهم وعارف إن سبحانه وتعالى بيحبك مادام وقعك في اختباره، يتوجب عليك الصبر والتحمل ولك الآخرة الحسنة، شوف." أشار بآخر حديثه كي ينتبه أكثر، وابتسم ببشاشة كبيرة وهو يكمل بما جعل الآخر يبتسم تلقائياً وعينيه تلمع بلمعة الإيمان والأمل المتجدد: "عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقارير)!" وعندما انتهى بسرد ما ردده من علمه المتواضع، قال مرة ثانية بإيمان: "ده حديث، وجالك تاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة)!" صمت بإنهزام أمام المصادر الموثوقة بحديث يردده بكل يقين وتقوى. زفر بصوت مريح وسمعه يكمل وهو يربت على كف "آدم": "ربنا معاك ي بني، معاك في كل مكان ومش هيسيبك. توكل أنت على الله وأشكره علطول. خلي دايماً ذكره على لسانك تنزاح همومك!" ابتسم واتسعت ابتسامته وحرك رأسه يومئ بطاعة، وحاول النهوض ولكن ليس قبل حديثه المتأثر له: "كتر خيرك يعم الشيخ، ربنا دايمًا بيحطك في طريقي، شكرًا ليك!" "الشكر لله ي عم آدم، اسعى أنت وسيب كل حاجة على ربنا!" نهض بعدها يعدل سترته وملابسه وتحسس هاتفه الذي دق، وتبسم بلطف له وعاد يخرج هاتفه وهو يشير للآخر بأنه سيرحل، وثمة أمل وشعور جيد يغمره من جديد!! حينها أجاب على شقيقه بأنه سيتجه إليهم بأقرب وقت!! *** بينما في شقة "سمية" تجهز "بدر" و"حازم"، ينتظران قدوم "آدم" و"غسان" وفهم "حازم" عذر "بسام". دخلت "فريدة" ترد على الهاتف التي هاتفتها به "جميلة" لتطمئن بعدما علمت ما حدث بهدوء بواسطة "نيروز". وعلمت العائلة أن "نيروز" تجلس مع "جميلة" في شقتها هناك. أما هنا ذهبت "دلال" شقتها تعد وجبة الغداء في حين فعلت المثل "عايدة" وتركت "سمية" تستريح لتعد لها هي الأخرى مثلها كما يتقاسما دائمًا هذه الأشياء العائلية البسيطة. وشاركتهم "دلال" في شراء نفس الصنف من الطعام. جلست "وردة" تتسامر مع والدتها و"ياسمين" وعلمت أن الكل كان يعلم عداها هي وكانوا ينتظرون فقط لحظة اخبارها بواسطة "بدر". أهبط "حازم" الهاتف من على أذنه ونظر ناحية الجميع بعشوائية، في حين لم يجد "حامد" هنا فقد ظل في المسجد ورحلوا هم. "جاهزين كده ننزل؟" حرك "بدر" رأسه موافقاً وقال يؤيده: "أيوه خلينا ننزل نستناهم تحت علشان نمشي علطول!" تحرك معه ونظر "حازم" لـ "ياسمين" نظرة تعهدها منه في قلقه وحثه على أن تهتم بحالها. ابتسمت بإطمئنان وتحركت نحوه تغلق أزرار لم يغلقها هو، وعنفته بعينيها بلؤم وقالت بمرح شرس في لحظة انشغال الجميع في الحديث: "مش عايز تقولي رايح فين وعديناها لكن وحياة أمك عايدة لو طلعت بتخوني ولا رايح تلعب بديلك أنت وهم هنزعل من بعض!!" لم يكن تهديد بتاتاً، قصدت ذلك للتهوين عليه بطبعها المرح. تصنع الريبة ونظر حوله بخوف حتى أهبط يديها برفق وضحك بيأس منها ينفي وهو يجيب: "ي ستار يارب نزعل من بعض! دا أنا قولت هتقطعيني حتت كده زي الفيديو اللي بعتهولي على التيك توك!" انكمشت ملامحها بضجر ونظرت له تردد بحنق: "علفكرة أنت بقيت بطنش ومش بتشوفهم كلهم زي أيام الخطوبة!" حرك رأسه بقلة حيلة عليها، وتمسك بكفها يخبرها بجدية هادئة: "أنا لا رايح أخونك ولا ألعب بديلي معاهم، بس كل اللي عايزه منك تدعيلي وخلاص، ممكن؟" "عيوني ليك يمتر، بدعيلك علطول من كل قلبي!" ابتسمت "ياسمين" في هذه اللحظة تنظر نحو عدستيه الحزينة في الخفاء. تساءلت ربما من الأحداث الأخيرة ولا تعلم هي ما سيذهب إليه بعد دقائق. تنفست بعمق وأخرجها من شرودها رده على حديثها بابتسامة هادئة: "ما بلاش عيونك!" "ليه؟" "بتوه فيها والله وبغرق، ومبلاقيش حد يطلعني من خضرتها وأنا دلوقتي مستعجل جداً!" ضحكت وقبل أن تجيب، ضرب "بدر" كتفيه بسخرية يعجله: "ما تـ يلا ي عم حازم، مش وقته غرق وعوم، مش مصيف هو!" بهذه اللحظة كان يترقب الكل فضحك الجميع وتحول الوضع بخفة لبهجة بسيطة بعد وقت توتر وحزن. أومأ وهو يرد له ضربته على كتفيه وأشار لهم بالوداع وسار هو و"بدر" معاً. وبوقتها توجهت "ياسمين" لتجلس على المقعد بتعب بجانب شقيقتها وقبل أن تقترب من "يامن" لتداعبه وجدت جرس المنزل يدق. حينها وقفت "سمية" تفتحه وبعد لحظات وجدت "زينات" أمامها، فابتسمت بترحيب واحترام تحثها على الدخول ولم تغفل عن ملابسها التي ترتديها للخروج!!: "تعالي ي زينات أدخلي!" دخلت بالفعل وهي تتمسك بالهاتف وعادت "سمية" تجلس وهي تشير لها أمام فتياتها لتجلس. وبالفعل جلست "زينات" ورفعت رأسها بترقب. حينها خرجت "فريدة" من الشرفة وسمعت "والدتها" تردف بسؤال مهتم يعلن عن قلقها الواضح الصادق: "أنا.. كلمت نيروز كذا مرة بس مش بترد. كنت قلقانة وعايزة اطمن الدكتورة قالتلها إيه والوقعة أثرت ولا هي كويسة؟" نظرت "وردة" بلين بينما ظهر حرج "سمية" على معالم وجهها عندما علمت ما تقصد فعله ابنتها. تعلم أن "نيروز" ليس من أنصار الغفران بسهولة وبساطة. ستأخذ وقتها بتأكيد ولكن من بين هذا الوقت تتعمد فعل أشياء لا يتوجب عليها فعلها هكذا رأت هي. تأسفت بعشم وهي ترد عليها تحت انصات "ياسمين" و "فريدة" التي جلست بجانبها: "معلش ي زينات تلاقيها مسمعتش التليفون. بس الحمد لله يارب ربنا ستر وهي بخير هي واللي في بطنها دعواتك ربنا يكمل حملها على خير وتقوملنا بألف سلامة!" ابتسمت بإطمئنان. في حين لانت شفتي "ياسمين" بسعادة من تغيرها هذا ونظرت "فريدة" لها بحب تحت رد "زينات" المتلهف: "بدعيلها ربنا يكملها على خير هي وياسمين ويقوموا بألف سلامة يارب!" ابتسمن جميعاً عليها في حين استمر الحديث بينهم بعشوائية وهذه المرة بادرت "زينات" بحمل "يامن" كي تشاكسه مشاكسة امرأة أو لربما جدة. هكذا شعرت هي وهي تنظر نحو "فريدة" التي علمت أنها تخفي قهرها بحديثها وابتسامتها هذه!! وأه لو تعلم هي ما يخطط لإبنتها من خلف ظهرها، لو تعلم ما القادم بفعل شقيقتها وولدها! "انت جهزت بس اللي اتفقنا عليه؟" رددت هذه الجملة على الجانب الآخر بشقة "زينات" التي بها في غرفة تجلس بها "زهور" وحولها "سامر" و"مروة" و"أسماء". ترك "سامر" الهاتف من بين يديه ونظر ناحية الباب كي يتأكد من عدم وجودها، ومن ثم أجاب بحماس غريب: "أه ظبطت كل حاجة!" عقدت "أسماء" ما بين حاجبيها وهي تتساءل بجهل عن محور حديثهم: "هو ايه ده اللي اتفقتوا عليه؟" لمعت عيني "سامر" بخبث، في حين نظرت "زهور" لها باستخفاف وهي تتجاهلها معقبة على "سامر" مجددًا: "أهم حاجة ميكونش حد من الرجالة موجود زي ما قولتلي، متأكد من الحكاية دي يا سامر؟" ابتلعت "أسماء" ريقها بتوجس، في حين ترقبت عيني "مروة" بانتظار متشفي. وكان رد "سامر" المقلق عندما أجاب بعينين شاردتين: "متقلقيش ياما مفيش حد فيهم هنا، وأنا سامعه بودني دي وهو بيتكلم في البلكونة على الحوار اللي كلمتك فيه ده. مالك من ساعتها كده وانتي مش تمام؟" ضغطت على فكها تتذكر صدمة ما علمته، وخرجت نبرتها الصريحة بشرر تخبره وتخبر من كان لا يعلم: "الموضوع ده مش لازم يتسكت عليه، يعني ايه يخبى علينا إن سليم ميت مقتول؟ الحكاية بتوسع منه أوي عشان نشيل إيدنا من كل حاجة بس كله إلا إنه يداري خبر زي ده!" شهقت "أسماء" بمفاجأة، في حين علم الجميع كل ذلك وهو يتصنت عليه وعلى الجانب الآخر مصادره التي باتت مهمة مترقبة لأخبار لا تعلمها العائلة حتى. كيف؟ يبدو أنهم الخطر نفسه عليهم! اعتدل "سامر" وهو يلتفت برأسه مبتسمًا بتهكم شديد وبدأ بشفرة في حديثه أثارت فضول الجميع: "ومش بس كده، دا انتي هتتصدمي لو عرفتي مين القاتل ياما!" كانت حزينة على وفاته والأكثر وفاته بهذا الشكل ورغبتها في الشجار والحدة كانت تفوق كل ذلك، لذا قوست حاجبيها باستغراب وسألته بنبرة لا تطيق الانتظار أكثر: "لو عندك حاجة ياريت تقول علطول وبلاش اللف والدوران ده!" وقف "سامر" وكأن الشر الذي بداخله يتشفى لأضعفهم. ابتلع ريقه وأخذ أنفاسه يخبرها بالصادم بالنسبة لها: "اللي قتله يبقى أخو جوز جميلة!" جهلت عن سبب دخوله السجن من الأساس، وامتلئ عقلها بقضية تدخل بها مع أشخاص ذات منصب عالٍ. لذا تأذت! بينما لم تسأل بعد ذلك وبعد حديث "سليم" معها على أنه يرفض زواج "عز" من "جميلة" أقنعها بأنه مجرد فرق طبقات وحالة التعليم! فتحت عينيها على وسعها ونهضت بعدما استندت على عصاها تردد بنبرة قوية ترفض تصديق ذلك: "ايه اللي انت بتقوله ده يا سامر؟ الكلام ده صح فعلاً ولا بتهري في الفاضي؟" "وعهد ربنا زي ما بقولك كده ياما!!" ورغم صدمة الآخرين إلا أن واحدة صدمت وواحدة تشفت بما هو قادم. أما هو فاقترب يؤيد وهو يحرك رأسه بالإيجاب. ومفاجأة هذا الخبر عليها جعلتها تبتلع ريقها بشرود! حركت عينيها نحو الباب سريعًا وضربت بعصاها الأرض وهي تقترب منهم حتى التفوا حولها ورددت مبدئيًا: "اسمعوا، ولا كأنكم سمعتوا أي حاجة لحد ما موضوع سامر وفريدة يحصل، بعدها نشوف الحكاية دي ونحاسب اللي متحاسبش!!" ردد آخر حديثها بتفكير شارد مغتاظ من كل ما يحدث من خلف ظهرها وهي التي تعتبر نفسها كبيرة هذه العائلة. عادت "زهور" تسأله مجددًا بنبرة حازمة: "المأذون والناس اللي معاه هييجوا إمته؟" "نصاية كده وكل حاجة تمشي وتحصل زي ما رتبنالها!" مأذون؟ زواج بالإكراه؟ ربط من لا يعلم الأمور ببعضها، وخافت "أسماء" القادم. في حين ابتسمت "مروة" قائلة والحقد يظهر في خيوط نبرتها الناعمة التي تخفي طيات الكره المفاجئ بالخفاء: "أحسن خليها تتربي وتعرف مقامها!" صاحت "زهور" تردد هي الأخرى عقب قول ابنتها الأخير: "البت دي مش هتتظبط غير بالجواز من بعد ما حصل اللي حصل، لو حد عرف باللي كان.. منظر العيلة هيبقي في الأرض، كويس إنهم قدروا يلموا الحوار ده ويخبوه بأي حكاية. ناصح ابن عايدة بس مش أنصح من زهور. الصبر.. لازم كل واحد يعرف مقامه كويس بعد كده!" وقبل أن يرد أي منهم بحديث آخر، سمعوا صوت إغلاق باب الشقة. خرجوا بالتدريج من الغرفة ووجدوا "زينات" تدخل الغرفة بملابسها التي كانت ترتديها للخروج وذهبت لشقة "سمية" أولاً. خرجت بعد لحظات تجلب حقيبتها ووقفت تنظر لوقوفهم حتى ابتسمت بتكلفة تخبرهم: "أنا رايحة المستشفى لـ حسن يا زهور. خدي راحتك البيت بتاعك. عايزة حاجة أجبهالك وأنا جاية؟" حضورها من الأساس كان لا يهمها مثل عدم حضورها. جيد بنسبة ما أنها سترحل من الأساس. الأخرى تسيطر بالكامل عليها. حركت رأسها نفيًا وقالت تشير لها بحزم: "لا بالسلامة انتي يازينات!" "فريدة جاية معاكي ي خالتو؟" كان هذا قول "مروة" بطريقتها الهادئة المتصنعة. ورغم غيظ "زينات" منها بما فعلته مع ابنتها إلا أنها لا تستطيع قول أو نقد شيء لأجل شقيقتها والدة الأخيرة. نفت برأسها فقط وأشارت لهم بالوداع حتى أغلقت باب الشقة خلفها وخرجت أنفاس "سامر" براحة من سير كل شيء كما هو. وعلى فجأة تعالى صوت "أسماء" وهي تسأل شقيقها باستفهام لما تراه بالنسبة لفتاة في سنها وسن "فريدة": "بس مش انت كبير شوية على فريدة يا سامر؟ فرق السن تقريبًا حوالي حداشر سنة، مش ظلم ده؟" ردت "زهور" بحدة تخرسها: "اخرسي يابت! هي هتلاقي اللي يتستر على الفضيحة اللي حصلت دي فين؟ دا كويس أوي إن أخوكي هياخدها ويتستر عليها ويقبل بيها وعايزها. على الله يعلمها إن الله حق!" رفعت "مروة" كفها على وجه "أسماء" برفق مستفزة تردد لها بحديث عادة ما تردده وهي تتصنع البراءة وهدوء ما قبل التحول: "قلبك رهيف كدة علطول ي ٱسموءة؟!" وعلى فجأة احتدمت نبرة "مروة" بأعين شرانية وهي تخبرها بجدية جامدة في الحديث: "فوقي يختي دي كانت هتموت اختك تحت إيدها. حني هنا وفكك منهم. اللي زي دي مبقتش تبقى على حاجة بعد اللي راح منها. مبقتش زي الأول ولو كانت كويسة معاكي فدلوقتي لو في فرصة قدامها تبيعك وتموتك هتعملها!!" "انتوا اللي بتبيعوها، حرام عليكم علفكرة. ايه يعني اتقدملها سامر ورفضت؟ ما يمكن بكرة يجيلها واحد يقبلها ويعوضها ويرضى بحالها؟ حطوا نفسكم مكانها. لو أنا هتخليني آخد واحد غصب كده يا سامر؟" وعلى غير العادي من هذا الدفاع المستميت بالنسبة لأعينهم التي ترى، رفع "سامر" يديه يدفع ذراعها بقوة وملامح متشنجة أمامهن حتى حركها بإنفعال يردد من بين ضغطه على فكه: "تحطوا نفسكم مكان مين؟ فوقي يا بت انتي لو كنتي مكانها انتي واختك أنا كنت دفنتكم بالحيا. مش بدل ما تقولي بنعمل فيها جميلة، اخرسي ودخلي لسانك جوا بؤك بدل ما أزعلك!!" تأوهت بذراعها وتركت "زهور" ولدها يتعامل معها بسلبية امرأة تقف دائمًا مع الظلم وتترك الحق. تشجعت "أسماء" رغم أعينها اللامعة بالدموع وقالت بإندفاع وقح لطالما الوقاحة شيء معهود بالنسبة لشخصياتهم هذه: "لا مش جميلة يا سامر إنت اللي ***. كلنا عارفين انت عايزها أوي كده، مش آخر البنات الحلوين هي." كفاية اللي حصلها، حس لأول مرة في حياتك أنت وأختك وأمك بقا! "انت بتشتميني يروح أمك؟ بتشتميني ي بت عشان واحدة زي دي؟!" حاولت ألا تنفلت تأوهاتها بالوجع من مسكته، ولكن تحشرجت نبرتها وهي تكابر بعنادها في الرد أمام أعين غير راضية تمامًا عن دفاعها هذا بحق الأخرى: "آه بشتمك عشان انت كدة فعلًا ومش عايزها غير عشان بس جـ.." بتّرت جملتها عندما تلقت صفعة قوية على وجهها، فانفجرت باكية وكادت أن تدفعه عنها باندفاع. فانفعل أكثر تحت صمت "مروة" المريب، وكاد أن يصفعها على وجهها مرة أخرى. ولكن اقتربت "زهور" بذكاء، تقف في المنتصف واقتربت تخفض صوتها بثبات، تحذرها هذه المرة: "قسماً عظماً يا أسماء، لو كلمة من اللي اتقالت هنا خرجت قبل ما كل حاجة تحصل، مش هتشوفي خير مني يا بنت بطني. فاهمة؟ ولا نعيدو تاني؟!" من بين دموعها شحبت ملامحها جراء هذا التهديد الصريح، بملامح مثل ملامح وجه والدتها الصارمة التي لا تتحدث عبثًا أبدًا. ابتلعت ريقها بخوف، وتعمدت الصمت حتى نفض "سامر" ذراعه من عليها بضيق، ومسح على وجهه. ومن ثم ترقب الكل مرة أخرى عندما اعتلى صوت هاتفه في جيب بنطاله، وقبل أن يجيب، أشار بإصبعه ناحية "مروة" مرددًا بصرامة: "خليها تهدي على نفسها كدة وتقول هديت، عشان بعد ما أخلص المكالمة هاجيلها أقولها تعمل إيه. وياويلها لو لقيت غلطة، بموتها تحت إيدي!" *** وعلى الجانب الآخر.. وقفت "فريدة" تبتسم بحب، وهي تحمل "يامن" تطعمه بين ذراعيها وكأنها تعتاد على ذلك. تعلقت به كما تعلقت بـ "يوسف وأدهم" في الآونة الأخيرة، ولربما تعلقت بشبه اسم الثاني. لاحت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تتوجه برأسها تقبل خده الممتلئ قليلاً. وعقلها لا يغفل على إعطاء أحدهم موعد، بداية من الآن تتوتر ولا تعلم كيف ستعطيه الرد أو ما هو الرد من الأساس. القبول؟ أم الرفض للمرة الأخيرة؟ بداخلها مشاعر تنمو تجاهه، ولكن لا تستطيع فهمها. تارة شفقة وتارة إعجاب، وتتخبط هي بين الاثنين. كيف ستعيش مع شخص تشفق عليه؟ كان يهمها الحب في البداية، ولكن الآن لم يكن من مطالبها الأولى! بعد ما حدث لها من وجع، لا تقدر هي على نسيانه! الحب عندما يسير المرء خلف هذا اللقب وما يفعله بالفؤاد، تبدأ الخيبة الكبرى.. إما الراحة الأبدية! وهي.. هي لم ترتاح أبدًا، وحتى لم تشعر بخيبة الحبيب. هو لم يكن حبيب بل كان مخادعًا، يخدعها. كان يسير خلف فكرة انتقام قوية انتهت بما لا تعلمه هي! انتهت بإعدامه. وأه لو علمت ما نهاية هذا المخادع!! لا تستطيع التعافي إلى الآن. كيف ستقبل هذه المشاعر من آخر دون اهتزاز بالثقة وشعور النقص؟ كيف ستتحمل وهي التي طاقتها نفذت؟ كيف ستقبل على خطوة تعارف وعقلها لا يهيئ لها ذلك؟ والكاسر بنسبة لفتاة مثلها، كيف بعد كل ذلك ستنجرف وراء فكرة الزواج؟ القرب! الحياة! الشراكة... كيف وهي التي كرّهت أفكارها عن كل ذلك؟ تهاب هذه الفكرة أيضًا منذ لحظة اعتداءه عليها. نفت وهي تغمض عينيها بقوة، ووسواس عقلها بالخوف والانهيار على كل خطوة سوف تقبل عليها يلح عليها. تنفي برأسها بقوة - لا. لن يحدث كل ذلك مرة أخرى! - لا.. لا أريد هذا الوجع مجددًا. تنفي برأسها بقوة شديدة، وعادت تسكن رأسها وعينيها تغمض وتفيض بالدمع عندما توصلت مرة أخرى لصوت اعتلى بعقلها: - لكنه آدم! - وماذا تعني بـ "آدم"؟ - الراحة التي شعرت بها في وجوده، وإلى الآن عقلك يصر على استنكار ذلك! - كفى ألم. - هو الدواء لداء الألم الذي بداخلك! - دائي ليس له دواء! - له دواء واحد فقط! فتحت عينيها وشهقت مرة أخرى حتى انفجرت باكية. في الآونة الأخيرة نفسيتها لم تكن طبيعية كذلك. ماذا حدث؟ الصغير لم يكن بين ذراعيها، والآن تجد نفسها بين أحضان "سمية" و"ياسمين" و"وردة" يمسح على وجهها بالمياه. كيف حدث؟ تحلم وهي مستيقظة؟ أم أنها بوادر اختلال عقلي؟ مجنونة! بكت أكثر وتلعن نفسها التي تظهر الضعف. منذ متى؟ من قبل حتى بعدما حدث كانت تتماسك!! يبدو أن الأحداث الأخيرة جعلتها تنفجر على أتفه الأشياء.!! "الله أكبر.. بسم الله الرحمن الرحيم!!!!" رددتها "سمية" بآيات ذكر بنبرتها المختنقة بشفقة. في حين وقفت "ياسمين" ولأول مرة تدمع عينيها بطريقة صريحة على حالها. ليس هين.. ليس هين أبدًا ما بها. وقفت "وردة" تمسح وجهها بأيدي ترتجف، ومدت "ياسمين" كفيها تحتوي أيدي "فريدة" الباردة تدلكها برفق، وهي تملي عليها كلمات كي تهدأ من روعها: "اهدي.. اهدي خلاص مفيش حاجة من اللي انتي شوفتيها دي!" اعتقدت بأنها تذكرت بعقل ذكي لطالما تعلم هذه الحالة التي قد حدثت لـ "نيروز" من قبل. بينما هي لم تتخيل، هي فقط فاض بها!! تنفست بصوت مسموع وهدأ انهيارها شيئًا فشئ، وسمعوا هم صوت دقات الباب العالية. توجهت "وردة" لتفتح الباب. وكانوا هن في الخلفية خلفها يراعون تلك التي تشعر بالكسرة. وجدت أمامها "أسماء"، وعلى ما يبدو يظهر على ملامحها التوتر غير المفهوم والغير ظاهر لهم. نظرت "وردة" بملامح متصلبة، فرددت "أسماء" باهتزاز: "بقولك يا وردة، ممكن أدخل أعمل تليفون من عند أي حد فيكم؟ أصل مفيش شبكة هناك!" تركت الباب مفتوح وأومأت دون صوت. فدخلت "أسماء" واعتدلت "فريدة" بتعب، وهي تتحامل كي لا تلاحظ الأخرى ما حدث. في حين وقفت تطلب من "وردة" بحرج زائف: "ممكن تليفونك؟" أخذته من "يامن" وأعطته لها. فابتسمت هي تتقدم ناحية الشرفة تقف بأنفاس محبوسة. قد حثها شقيقها على أخذ الهواتف منهن بأي طريقة كي لا يصل الشباب في الوقت المعهود بفعل أي واحدة منهن. تصنعت بخوف أنها تهاتف رقم أحدهم وأغلقت الهاتف بيديها مطولاً حتى وضعته بجيبها، وهي تقترب منهم مرة أخرى تتحدث بأسف مخادع: "مش بتجمع أو في مشكلة في تليفونك. ممكن تليفونك يا ياسمين!" أجابت "ياسمين" بفظاظة تقلب عينيها بتبجح: "لأ!" ذهلت من قولها المتبجح، ولكنها تحملت ورددت مرة أخرى بلطف: "أنا آسفة خلاص. أنا بس كنت عايزة أكلم واحدة صاحبتي في حاجة مهمة!" أخرجته "ياسمين" من جيبها وأعطته لها بتأفف، ورأت أنها لم ترى أذية صريحة منها، فما الرفض؟ "امسكي ومتاخديش عليها كتير!" أخذته منها وابتلعت ريقها وهي تتوجه مجددًا ناحية الشرفة. وفي طريقها وجدت على الطاولة هاتف خمنت بأنه هاتف "فريدة"، وآخر بأزرار ليس حديث بالطبع يخص "سمية". التفتت برأسها تبتلع ريقها بتوجس وأخذتهم بخفة معها ناحية الشرفة تقوم بتخبأتهم بأي شيء، ورددت بصوت منخفض وهي تنحني: "يارب تيجي بسرعة يا سامر وتلحق الدنيا قبل ما اتفضح." كانت يداها ترتجف، في حين تزامناً مع دق باب الشقة. نهضت "فريدة" تدخل غرفة "نيروز" هذه المرة عندما وجهتها "سمية"، وهي تسندها تركتها ودخلت تغلق الباب، وعادت "سمية" تفتح الباب. حتى وجدت "زهور" وبجانبها "مروة". ابتلعت ريقها بتوتر هادئ. وتحدثت "زهور" بحديث معهود: "جرا إيه ي سمية؟ هتسيبيني واقفة على الباب كدة؟ لسه قلة الذوق بتجري في دمك؟" "أمي عمرها ما كانت قليلة الذوق زي ناس كده. عايزين إيه؟ مش كفاية اللي حصل الصبح!" كان ذلك قول "ياسمين" بضجر واضح. ودخلت "زهور" تبتسم بكيد، حتى جلست بتبجح دون استئذان، وبجانبها جلست "مروة" تحت أنظارهم المترقبة. ووقفت "وردة" تراقب ما يحدث بارتباك، كثير ما يداهمها بهذه اللحظات. ابتلعت "سمية" ريقها بترقب. في حين نظرت "زهور" لهن بتفحص وجابت عينيها تفاصيل "ياسمين". وقالت بفظاظة تشير لها: "بلاش انتي عشان حملك، خليكي فجنب!" تشنجت ملامح "ياسمين" وهي تقترب ثم وقفت تردد بوقاحة: "الجنب ده اللي انتوا هتقعدوا فيه، إيه البجاحة دي؟ داخلين بيتنا تقعدوا بعد ما بسببكم كل حاجة بتتدمر، مش كفاية اختي اللي وقعت من طولها بسببكم ولا البت الغلبانة اللي مبقتش حمل حاجة كمان عايزين تاخدوها غصب، ربنا ينتقم منكم!" ضحكت "مروة" باستفزاز وأشارت لها بتمهل تكيدها بحديث بارد يشعل من أعصابها: "بلاش انتي ياياسو، أعصابك مش كدة عشان اللي في بطنك، بعدين حازم نحسبوا علينا عيل زي أمه!" تسبها في الخفاء إقتربت "ياسمين" وانحنت تهمس بكل وقاحة: "وبلاش انتي يامروة عشان وانتي بتحاسبي اختي على نسبها انتي وأمك نسيتوا حاجة مهمة أوي!" إغتاظت ولكن إستمرت "ياسمين" بكيد. تردد: "إنها نفس العيلة اللي عينكم كانت هتتقلع كده من مكانها على جوز أختي التانية، ولا نسيتوا؟ أنا مبنساش!" جزت أسنان من الإثنان معا. أكملت "ياسمين" بوقاحة أكثر ترد عن نفسها بعدما ردت عن شقيقتيها: "وبعدين نحسبوا عيل زي أمه عادي، ماهو أصل العيلة أحسن بكتير من واحدة ومن غير لمؤاخذه و***" وكأن ما يحدث عاديا. تحكمت في تعابير وجهها بعد سبها. شهقت "وردة" من الخطر القادم بعد هذه السبة النابية من فم كان يعرف دائما بالوقاحة ولكن ليس بهذه وأمام كبيرة عائلة حتى ولو إسما. فهي تسب ابنتها. وقبل أن تنفعل "زهور". ردت "سمية" لابنتها: "ارجعي يا ياسمين!" "لا والنبي قوام أخدتي بالك إنها ناقصة رباية؟" ابتسمت "ياسمين" هذه المرة لعمتها واستقامت تردد ببساطة وكأن الحديث ليس لأكبر منها سنا: "بس أحسن من الرخص يا عمتي، بالذات لو واحدة بترمي نفسها على واحد متجوز وكمان مخلف. عارفة دي بيقولوا عليها إيه؟!" كل ذلك تترقب "فريدة" من خلف الباب باستسلام لا تقوى على الصد أو الشجار. كل ما يهمها الراحة. تابعت الآتي عندما وقفت "مروة" تستند بأريحية مع حديثها المبهم: "الرخيص هنا عارفين هو مين كويس أوي، يلا كلها دقايق كدة وتتلم!!" علمت أن الحديث على "فريدة". فاقتربت "وردة" أولا تردد بتساؤل: "قصدك إيه يامروة ما توضحي!" دقت "زهور" بعصاها وقامت تهتف بوضوح: "تقصد إن سامر طالع دلوقتي وفإيده مأذون وشهود عشان هيكتب كتابه على الهانم اللي حطت راسنا فالأرض، خشوا نادوها تجهز!" وأشارت بيديها بفظاظة رغم صدمتهم جميعا واعينهم التي اتسعت: "ومن غير صوت وكلام كتير، خليها تحضر بسكات!" صرخت "ياسمين" بإنفعال وكأنها لا تعي ما يحدث وما وضعن به من عدم وجود سند من الشباب الٱن: "إنت بتقولي إيه ي خرفانة انتي!!" شهقت "مروة" هذه المرة من ما سبته "ياسمين" لها. في حين اقتربت "سمية" مع رفع "زهور" عصاها ببطء مهدد على بطن "ياسمين" البارزة وقالت بنبرة هادئة تحذرها: "صوتك ولسانك احفظيهم، بدل ما يطلعوا في حاجة تانية وانتي فاهماني كويس!!" ركضت "سمية" بخوف تسحب "ياسمين" بهلع قبل أن يحدث ما تنوي الأخرى فعله للتهويش. اتسعت عيني "وردة" كما اتسعت عيني "فريدة" في الداخل بغير تصديق. ومن بين ذلك خرجت "دلال" بسرعة مع "وسام" و"عايدة" يدخلن من الباب الشقة بغير فهم. وتعالى صوت "سمية" برفض وهي تتشبت في جسد ابنتها "ياسمين": "مستحيل اللي بتقولي عليه ده يحصل، مأذون مين وجواز إيه، انتي اتجننتي يا زهور؟!" شهقت "عايدة" مع "دلال". في حين سألت "وسام" "وردة" عن ما حدث بخوف شديد. بينما تعالى صوت "مروة" ترد على "سمية": "لا هيحصل وابقي شوفي مين هيقف في طريقنا والجنان ده من غير لمؤاخذه زي ما بنتك بتقول، سيبناه ليكي انتي وهي!!" كثرت الوقاحة بشكل لا يليق. وقبل أن تتدخل أي منهم. دخل من الباب "سامر" و"المأذون" وبعض من الشباب الشهود. نزلت دموع "وردة" وحتى "سمية". في حين وقفت "عايدة" تصد طريقهم وهي تردد بنبرة جاهدت بأن تكون بها ثابتة: "على جثتي لو ده حصل ي سامر!" ضحك "سامر" وأشار للبقية في الدخول نحو الداخل. ووقف هو يبتسم باستفزاز يرد بجرأة: "ومالو ننفذلك كلامك!" نفخ في وجهها حتى تطايرت خصلات شعرها البيضاء التي خرجت بها بخوف دون أن تسترها. دخل ودفع كتفها بحقارة. ونظر لكل الواقفين وعلى وجوههم الصدمة وسأل عنها بإهتمام: "هي فين؟ خرجوها يلا حالا، بدل ما أوريكوا الوش اللي عاينه لحاجة زي دي من ناس زيكم كده!" لم تجب أي واحدة منهن وكل منهن وقفت تنظر وكأن دلو من الماء البارد سقط في الحال على رؤوسهن. تبدل الحال مرة أخرى. يا لوجع هذه الحياة ويا لعدم ثبات شئ بهذه الدنيا. نزلت الدموع. ولو كان "حامد" هنا لكان الأمر هين عن ذلك بطريقة بسيطة. بينما جلس هو بالمسجد ولم يأتي. ردد مرة أخرى بصراخ يسألهم: "فريــــدة فين ما تنطقوا!!" انتفضت الأجساد برهبة من تحوله. ووقفت شقيقته "أسماء" تردد بخوف شديد تشير له بإصبعها ناحية غرفة "نيروز": "هـ..هنا في الأوضه..دي!" رددتها بتعلثم. ونظرت لها "ياسمين" بذهول عندما تفهمت بداية كل ما حدث. فهي الٱن تتحسس جيب تنورتها الطويلة. ولم تجد هاتفها كي تستنجد بأحدهم عندما شعرت بالعجز. وقفت "وسام" بوجه شاحب وحاولت التسلل ناحية باب الشقة دون أن ينتبه لها أحد. في حين توجهت "مروة" مسرعة ناحية باب غرفة "نيروز" والكل حولها ينظر بخوف شديد والبعض أوجه مبللة بدموع عاجزة عن فعل شئ في هذه اللحظات الضيقة. ومن بين جلستها كذلك بأريحية شديدة عندما خلعت حجابها وتناولت من كوب العصير التي أعدته لها "جميلة". وكما علمت آخر التطورات وسعدت لأجلها بشدة. تسامرا قليلا بحديث عشوائي. ومن بين جلوسها وهي بجانبها. سألتها "نيروز" باهتمام: "وعلى كده طنط حماتك حلوة معاكي ولا مش اللي هي؟" ابتسمت "جميلة" لها وحركت رأسها تسرد عليها بصراحة: "لا كويسة الحمد لله، مش صعبة ويارب تفضل كدة علطول. د أنا بسمع إن هنا حوالينا مشاكل كتير من النوع ده!" حركت "نيروز" رأسها توافقها. في حين نظرت لها "جميلة" بإهتمام وعبرت عن فرحتها قائلة: "سيبك انتي، أنا فرحانة أوي إني هبقي خالتو، هتبقي أم عسولة أوي يا نيروز!" لانت شفتيها بحب. وقبل أن ترد لها لهفتها سمعت صوت جرس المنزل. فنهضت "جميلة" تنظر من العدسة حتى وجدت "عز". تعمد دق الجرس تحسبا لجلوس "نيروز". ابتسمت وهي تدير رأسها ناحية "نيروز" تخبرها: "دا عز!" التقطت حجاب رأسها تضعه عليها تخفي خصلاتها، في حين لم تتعمد "جميلة" وضع شيء يستر كتفيها أو حتى ساقيها وخصلاتها. بل فتحت الباب بابتسامة صافية إلى أن تنحنح هو بحرج، فحثته على الدخول. ودخل هو يقف بطاقمه الرياضي المريح، يخبرهم: "أم عز جهزت الغدا تحت ومستنياكم!" نظرت "جميلة" بمفاجأة، في حين خجلت "نيروز" وقالت بحرج: "تسلموا، بس ملوش لزوم، شكلنا جينا ورطناكم!" ابتسم بخفة، ونفى قائلاً بلباقة: "متقوليش كده، وبعدين دي بعتاني مخصوص، ولا عاوزه تزعلي أمي بقا؟" ضحكت بخفة مع "جميلة" ونفت وهي تنهض بخجل، فاقتربت "جميلة" تردد له بتفسير: "مكنش ليه لزوم يا عز، عندنا أكل من امبارح!" "عروسة بقا مينفعش تعملي حاجة، ولا انتي إيه رايك؟" ابتسمت بحياء، وهي تؤكد، والتقطت عباءتها ترتديها وتركت خصلاتها لطالما لا يوجد أحد في الأسفل. أشارت لـ "نيروز" واقتربت ولكنها تعرقلت بساق خشبية لأحد المقاعد، وقبل أن تقع سندتها "جميلة"، وانحنى "عز" سريعا تحسبا لشيء. إلى أن تأوهت وهي تعتدل، واعتدل "عز" سريعا يردد بجدية مرحة يحذرها بخوف زائف: "لا لا خدي بالك، دا انتي أمانة، دي فيها موتي دي من غسان!" احمرت وجنتيها من موقفها هذا، حتى ضحكت بخفة، وسندتها "جميلة" بخوف وهي تسألها: "انتي كويسة؟ ولا حاسة إنك دايخة؟" "لا أنا كويسة، أنا بس اتعنئلت!" أومأت بيأس منها، وتقدم "عز" وهما خلفه، إلى أن أغلقت "جميلة" الباب بذراعها، ومن بين هبوطهم سألته "جميلة" باهتمام: "أومال فرح لسه مجتش ولا إيه؟" "جت من زمان بس قالت تسيبكم مع بعض على راحتكم!" وعند هذا الحديث دخل من باب شقة "والدته"، حينها نهضت "فرح" بابتسامة واسعة ترحب بـ"نيروز" بحرارة وهي تعانقها. تركتهم "جميلة" كي تدخل لتساعد "حنان" في رص الأطباق، ودخلت تردد بقولها المحرج: "تعبتي نفسك ليه بس ي طنط!" اندفعت وهي تلتفت، فهي لم تراها منذ الصباح، وبعد أن علمت، عانقتها وهي تردد عليها بالمباركة. تركتها بخجل بعد ذلك، ومدت يديها تحمل الأطباق نحو الخارج، حتى قابلت "عز" الذي ضحك بحب وهو يتخطاها بعد قوله الهادئ اللين الذي سلب قلبها: "آه يا حلو ويا مسليني!" ضحكت بخفة عليه، وجلست "نيروز" مع "فرح" التي حدثتها عن "وسام"، فأكدت "نيروز" قولها بلطف: "هي فعلاً عسولة ودمها خفيف، شكلكوا بقيتوا صحاب." "آه ساعات بكلمها أطمن عليها على الدراسة وحالها وكده، وهي بردو بتبقى تكلمني!" تشككت "نيروز" في طبيعة "وسام"، ليست هينة كمثل "غسان" تماما، بالتأكيد يتم التخطيط لشيء ما! حركت رأسها وخلف هذا تلغي تفكيرها وتخفيه، حتى جلس الجميع على مائدة الطعام، وصاحت "حنان" بسعادة طيبة: "منورانا يا نيروز والله.." وعادت تشير لها بلهفة، سيدة كبيرة خبيرة بما ينفع الحمل: "كلي يحبيبتي، ربنا يعينك ويكملك على خير، اشربي الشوربة دي مفيدة ليكي، اشربي!" تورّدت وجنتيها بالحرج، في حين ابتسمت "جميلة" وتلاقت عيناها معه، هو وهو يتخيلها تحمل برحمها جنين في القادم! ستصبح أجمل مما هي عليه. حرك رأسه مؤكدا، وتيقن بأن كل شيء بأوانه. وبعد ما يقارب العشر دقائق نهض الكل بالتدريج، ووقفت "فرح" تحمل مع والدتها بعدما أقسمت "حنان" على "جميلة" و"نيروز" بعدم فعل شيء. انسحب "عز" ناحية الشرفة التي بغرفة "فرح" كي يدخن سيجارته بأريحية، وبقت "نيروز" مع "جميلة" وانضمت إليهم "فرح" في النهاية. "أخبار جلساتك إيه يا فرح؟" ابتسمت "فرح" على اهتمامها وردت بهدوء، تخبرها: "الحمد لله، قربت انتهي منها على خير!" حركت "نيروز" رأسها، وتزامنا مع ذلك خرج "عز" من غرفتها بهاتف "فرح" الذي اعتلى صوته في الداخل وهي لا تسمعه. حينها أخذه وخرج يردد وهو يقترب منهن: "تليفونك بيرن يا فرح، وسام!!" وسام؟ بهذا الوقت؟ ابتسمت بعفوية تحت غرابة "نيروز" في حين ترقبت "جميلة" وتلاقت أعينهما مع بعضهما بغير علم من الطرفين. وأجابت هي على المكالمة ولم تجد صوت في البداية. "ألوو... وسام؟" صمتت تستمع إلى أصوات بعيدة عشوائية، ورددت مجددا بعدما فتحت مكبر الصوت كي تسمع بوضوح، والكل يسمع معها الآن: "وسام؟ انتي سمعاني؟ ألو؟!" __________________________________________ توقفت اللحظة عند توجه "مروة" لدخول الغرفة تقتحمها، في حين حاولت "وسام" الانسحاب إلى أن خرجت دون أن يراها أحد. واقترب "سامر" من الباب بعدها يغلقه وهو يقف أمامهم مرددا بتحذير: "اللي هيحاول يخرج منكم هقطع رجله!" ترقب الكل وثبتت الأقدام بخوف، عداها هي التي تحاول التملص من بين ذراعي والدتها التي تسحبها كي لا تنفعل، بينما لم تستطع إمساك لسانها الذي ردد بوقاحة له: "انت فاكر نفسك راجل كده يعني يا زبالة انت؟!" أثارت غضبه بشدة، وقبل أن يقترب سمع الكل شهقة "مروة" العالية مع صراخها بفزع وهي ترى آخر ما جاء على عقلهم!! هرول الكل ناحية الغرفة تزامنا مع صوت صراخ "مروة": "الحقني يا سامر، الحق بسرعة!!" وتوقف تنظر بأعين منصدمة تشير لها بأيدي ترتعش وهي تراها بوضعها ذلك تحذرها كي تهدأ: "انتي بتعملي ايه؟" بتعملي إيه يا مجنونة؟ دخل الكل على الفور بخوف، واتسعت العيون وكل منهم قد تسمر بمكانه. تشنج جسد "عايدة" وفقدت "سمية" أعصابها، وصرخت "وردة" بصوت عالٍ بجانب "ياسمين" التي ارتجفت أوصالها عندما وجدوا "فريدة" تقف على سور الشرفة بعدم اتزان، تهددهم برمي نفسها من الطابق الثالث. لربما قررت فعلها دون تهديد. تعالى صراخ "وردة" بالبكاء وهي تهدهدها بهلع تحت صدمة "سامر". ومن خلفه: "إعقلي يا فريدة، إعقلي وانزلي بالله عليكي!" تقدمت وهي تسير على حافة السور، تمسح وجهها بعنف وحالة اللا وعي تسيطر عليها في الحال بما وصلت له نفسيتها. أسرع "سامر" يقترب، ولكنها صرخت به وهي تقف وبصوت مرتفع كاد أن يقطع من أحبالها الصوتية، رددت به بصراخ: "إرجع، إرجع بقولك، هموت نفسي!" حبست الأنفاس ووقف هو بخوف، يشير لها بيديه بتهدل وهو يقول بتقطع من أثر ما يراه: "اهدي بس اهدي وانزلي ومـ..." قاطعت حديثه بصراخ جعل "وسام" تترك الرد على المكالمة التي طلبتها. طلبت شقيقها ولم يجب، والآخر هاتفه مغلق. بمن تجيب ووالدها يترك هاتفه في المنزل. سمعت أن "عز" لم يرحل، مهم لذا ضغطت على رقم "فرح". وانتفضت بفزع عندما غيرت طريقها وهي تذهب ناحية الصوت من شقتها، هي ناحية غرفة "غسان" التي فتحتها تحت صوت "فرح" في الهاتف وهي تطلب منها الرد بقلق للمرة التي لا تعلم عددها. "بس ولا كلمة بقا حرام عليكم!" توقف متسمراً بمكانه عندما وجد توازنها يختل، وعادت تصرخ مجدداً بانهيار قبل أن يتحدث أحد بخوف: "أنا هريحكم مني، والله العظيم لأريحكم مني عشان تسيبوني فحالي بقا!" ارتجفت يدي "وسام" وجحظت عينيها بذهول عندما نظرت على المشهد من أمامها بعدما دخلت شرفة غرفة شقيقها. وعلى هذا الصراخ تجمع عدد من الناس ينظرون بذهول في الأسفل. الوضع يتأزم. صرخت "عايدة" بالنجدة بصوت عالٍ جعلت "جميلة" على الجانب الآخر تنتفض بفزع وخوف مع "نيروز" التي استمعت لنبرة "سمية" الباكية بعجز: "انزلي يا بنتي، انزلي يا فريدة حرام عليكي. قربي انزلي ومحدش هيهوب ناحيتك بس انزلي بس!" نفت وهي تبكي وتضحك بهستيرية بنفس الوقت عندما رأت اهتزاز "زهور" وأولادها. وعلى الجانب الآخر هلع الكل، حتى "عز" الذي خمن ما جاء بعقله من أين تهبط؟ ماذا تحاول هي؟ يعلم بأن لا أحد من الشباب هناك. ولكن ماذا يجري؟ يختل توازنها أكثر والأصوات في الأسفل تردد لها بالتراجع. ولحظة كهذه لا تسمع إلا لصوت عقلها وشيطانها الذي تغلب بأفكارها. لا ترى من كثرة دموعها. حاولت "ياسمين" الاقتراب مع "أسماء" التي كانت ترتجف مثل الأولى تماماً، ولكن أشارت لهن هي وهي تصرخ بصوت أعلى من السابق: "قلت محدش يقرب، سامعين؟ هموت نفسي، هشوح نفسي لو حد قرب أكتر، امشوا، إمشوا من هنا وسيبوني فحالي بقا حرام عليكم!" خرج صوت "زهور" برهبة، قد شعرت بها أخيرًا، وقالت بما لا يتوافق مع طباعها: "انتي اللي حرام عليكي ي بنتي، انزلي، انزلي بقولك وهنتفاهم!" اندفعت تلتفت وكادت أن تقع بالفعل، ولكنها تمسكت بنفسها تحت أجسادهم التي انتفضت برهبة. والتفتت تنظر بعينيها وأخذت وضع الوقوع والسقوط بظهرها، ورددت على آخر حديث قد سمعته من الأخيرة بصراخ كل فترة يعلو عن ما كان: "اسكتي، سامعة؟ اسكـتي خالص وامشي من هنا، مش عايزة أسمع حاجة من حد! أنا بكرهكم، وبكره نفسي وبكره كل حاجة حواليا!" كان لا ينتظر هو على الجانب الآخر، لمح زوجته تصعد لترتدي سريعا بخوف وفزع تحت صوت "فرح" المذهول وهي تترجى "وسام" تجيبها على الناحية الأخرى. في حين ضربت "حنان" صدرها بحسرة وعينيها قد هبطت منها الدموع. وعندما وجدتها "نيروز" كذلك، وضعت يديها على أذنها تنفي برهبة وضعف وخفقات قلبها تزداد بسرعة قياسية. كمن تهرب من أحدهم يود اللحاق بها بأخذ وحبس أنفاسها. أنفاسها؟ وهل ظلت كي لا تحبس؟ قد حبست الأنفاس من الناحيتين. جهة يقف الكل بخوف وعجز من الاقتراب خوفاً من تنفيذ ما قالته هذه الذي رأى البعض بأنها فقدت عقلها. وجهة وصلت لهم الفكرة جيداً ويودون اللحاق والسير مع من أخرج هاتفه يقوم بعدة اتصالات قبل أن يخرج مهرولاً ناحية الخارج لهم! أما هي فأصبحت لا تريد شيئاً من الحياة. أصوات عقلها تتداخل وعينيها تغلق بتشوش. وبهذه اللحظة كيف لا تسترجع ذاكرتها كل شيء موجع حدث لها، خاصة الحادثة. صوت بكاءها يتداخل مع صوت بكاءهم وصوتهم بأن تتراجع. وأصوات أخرى تتعالى وتتهامس في الأسفل. وأخرى كانت تدق على الأبواب في يوم صراخها على اعتداءه عليها. وأخرى بجانبها من الشرفة المجاورة للمباني الجانبية. ورعشة جسدها في الحالتين بعد انتهائه من الاعتداء. والآن ترتجف ما إن سمعت الأصوات تعلو حتى بصوت "حامد" الذي جاء وميزته على الفور. لم تستطع أن تخرج من كل ذلك. تفتح عينيها وتغلقها وتلعن الحياة بعد أن كانت تستقيم تعاهد على التحمل، ولكن فاض بها. فما الحل؟ سألت نفسها وسالت الدموع. ولو شرح الوضع أكثر لشعرت أن هذه الدموع بمثابة نزف دماء. دماء القهر والوجع والكسرة والضعف وهي تضرب وجنتيها الآن بغير استيعاب. من أوصلها لهذه الحالة؟ الآن لا تريد شيئاً سوى الراحة. واعتقدت بأنها سترتاح إلى الأبد عندما تلقي بنفسها من هنا. باتت لا ترى الآن سوى أنها سوف تلقي بنفسها كي يفتح لها الموت ذراعيه. اعتقدت بشيء لا يحدث. اعتقدت من كثرة الوجع بأنها ستقابل الراحة الأبدية بمحاولة فعل شيء قررته بداخلها بعزم، وكأنها لا تهاب. عندما قررت الانتحار. انتحار؟ وماذا يجلب هو غير العذاب؟ بعيد كل البعد عن الراحة الأبدية. وبعقل أصبح ضعيف من التحمل كانت هي تعتقد ذلك. وفي البداية كانت تعتقد أن كتمانها ليس مؤذياً وأنها تتخطى بالفعل. بينما الآن الشيء الوحيد الذي ينتبه له الجزء العاقل من عقلها. أن التظاهر باللاشيء والتعامل بطريقة عادية ليس طبيعي أبداً. تأكدت أن عدم التأثر في البداية ليس شيئاً مفرح وأن الكتمان كان أكبر خطر!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...