الفصل 42 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
21
كلمة
22,475
وقت القراءة
113 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

ظن أنه سيتعافى بعد رؤيتها آخر ما حدث. ظن أنه سيهدأ بعدما قبل كفها وعانقها حتى غفت بين ذراعيه. كل ذلك ذهب هباء، والغصة المريرة التي توجد بقلبه وحلقه لم يستطع أن يتخطاها حتى. بل تصر وهو يصر على الوجع! ما نهاية كل ذلك؟!

منذ اليوم التي كانت لا تكف به على الصراخ، هزم قلبه ولم يتعمد رؤيتها، فقط يطمئن من والدته وشقيقته ووالده. الذين لا يكفون على الزيارة لها. انصاعت "دلال" وأصبحت تزورهم بالفعل، ومن حين لآخر كانت تذهب "وسام" لها هي الأخرى. بينما هو عارض كل مشاعره مثل السابق وبقى بين نفسه وعمله ووجعه الذي لا ينتهي.

أما هي فحالها من نفس حاله. وعلى الرغم من أنها تتذكر عودة "حسن" وما حدث من انهيار لها ومنها، إلا أنها تصنعت عدم تذكر ذلك كي لا ينتهي بها المطاف وتتيقن من الحقيقة الموجعة. بأنها بالفعل لم تهدأ سوى بين ذراعيه. تتذكر قدومه، ولكن بعد ذلك تم محو كل شيء من ذاكرتها. ولكنها تأكدت بأن قلبها قد خانها بقول إحدى الكلمات له، كي يتصنع الكبرياء ولم يسأل عنها. هكذا أوصلها عقلها. تحمل تجاهه مشاعر متخبطة منذ مقابلتهما في الشرفة وقوله لمعلومات سيفعلها وخطط بالقادم جعلت الدماء تغلي بعروقها.

لا تستطيع هي الأخرى فهم ما يجري بداخلها. تريده ولا تريده. عودة حسن من جديد تشكل لها خوف، ولكن ليس منه بل خوف عليه هو، على "غسان" التي لأول مرة تشعر بمدى الخطر الذي يكنه للآخر. نهاية ذلك تهاب منها ولا تريد أن تخسره، حتى وإن باتت بعيدة، وإن اختارت هي البعد من الأساس.

سعلت بخفة وهي تتسطح على هذا الفراش التي لم تتركه. ليل نهار باتت هي عليه ولم تتركه، ولم تعد تحبذ الجلوس معهم بالخارج. رغم أن "ياسمين" رحلت أمس لشقتها، ولكنها ستعود مجددًا. بينما اليوم علمت أن "جميلة" ستأتي لها بمفردها. وقفت "فريدة" ترفع يديها كي تدق باب غرفتها، تحاول معها كي تجعلها تخرج. شجعوها بالخارج على فعل ذلك. وذهبت "سمية" إلى المطبخ ومعها "وردة". في حين أذنت "نيروز" بصوت خافت للطارق: "أدخلي!

فتحت "فريدة" الباب برفق وظهرت ابتسامة هادئة. اقتربت تقف حتى ابتسمت لها "نيروز". ابتسامة هادئة فقالت الأخرى وهي تجلس بجانبها على طرف الفراش: "إيه يا روز؟ عاملة إيه النهاردة؟ حركت "نيروز" رأسها ترد بنبرة هادئة: "أنا كويسة الحمد لله."

شفقت حتى على نبرتها الضعيفة. نظرت نحو معدتها التي تضع عليها هي كفها كالعادة بتشبث، وكأنها تهاب صغيرها ورحيله مما تفعله. حركت "نيروز" عينيها نحوها فوجدت "فريدة" تنهض تحاول فتح شرفة مربعة صغيرة كي يطل منها الضوء ويدخل بها الهواء. وفتحت بتلقائية خزانتها تخرج لها ملابس هادئة ذات لون فاتح تعكس عليها حالتها كي تتحسن. والتفتت تبتسم تحت غرابة "نيروز"، وقالت تحثها: "ممكن بقا تقومي معايا تغيري عشان تفوقي شوية؟

ويا سلام لو تيجي ننزل نقعد في محل الورد! محل الورد التي هي الأخرى تهاب التفكير به. إلى الآن تفكر لماذا ستتصرف بهذه التي أصبحت معضلة معها. لم تقبل هذه الهدية لطالما أصبحا منفصلين بعد الآن. شردت للحظات وخرجت بينما الأخرى تتابع باهتمام، ولكنها ابتسمت تجاربها برفض غير مباشر: "تمام سيبيهم وهغير يا فريدة كمان شوية. بس معلش مش هقدر أنزل معاكي. انزلي انتي! ظلت للحظات تستمع وأرادت تركها كما تشاء وهي تربت على ساقيها

الملابس وتحركت تحثها: "ماشي هسيبك بس بمزاجي علفكرة. وكمان هنزل وياريت تيجي تفكي على نفسك شوية. هستناكي حتى لو مش موافقة! تركتها "فريدة" من بعد ذلك وخرجت تومئ لـ"وردة وسمية" التي حملت واحدة منهم صينية طعام صغيرة وأخرى دواءها. انصرفت تخرج من الباب كي تتجه نحو الأسفل. بينما اعتدلت "نيروز" أكثر بملامح خاوية تنظر بشرود وكأنها لا تستمع إلى قول والدتها: "يلا يا حبيبتي بقا عشان تاكلي وتاخدي الدوا!

ساعدتها "وردة" وهي تسحب الطاولة لها، فجلست "سمية" على طرف الفراش تحاول إطعامها مثل الصغيرة. ابتسمت لها باتساع تحثها أكثر وحاولت سلب تركيزها وهي تنظر نحو ملامحها. فتحدثت "وردة" بمشاكسة: "شوف مين بتبص لمين! انتهزي انتي الفرصة يا روز وبصي لماما عشان تخلفي شبهها! ضحكت "سمية" بخفة، فابتسمت "نيروز" بانتباه، وسمعت قول والدتها: "يختي تبص لمين؟ ما خلاص بقا راحت علينا. وبعدين هو في أحلى منها يعني؟

هي تبص لنفسها بس وتجيب عيال حلوين كده زيها، مع إنّي أشك بقا عشان محدش هيجيب زي جمال بناتي! عند هذا القول وضحكت "نيروز"، تنخرط مع الحديث وقالت لها بسخرية محببة: "واثقة من نفسك أوي يا ماما." "طبعًا. أومال إيه. ولو جينا للبص بقا فأنا مبصتش لحد غير أبوكم. الله يرحمه كان أجمل راجل تشوفه عيني ويحبه قلبي! تترحّموا عليه خاصة هي بحزن. وخرج صوت "وردة" تشاكسها بمرح:

"أيوه يا شقية عشان كده أنا وياسمين طالعين شبهه. ونيروز بقا اللي واخده منكم انتوا الاتنين! أيدت وهي تحرك رأسها ومازالت تطعمها، بينما واصلت بتفسير مرح يلوم من تطعمهما: "بس بقا يا وردة متقوليش كده لاحسن نيروز بتزعل عشان شبهي أنا أكتر. كان نفسها تبقي شبه أبوها أصلها كانت تحبه أوي أكتر مني! نفت "نيروز" بلهفة تحت ضحكاتهم وقالت تبرر: "متقوليش كده ياماما، محصلش الكلام ده." "ولو حصل يعني فيها إيه؟

يعني هو أبوكي يا بت مكنش يتحب؟ أتاهم الرد من "ياسمين"، التي جاءت ولم يشعر بها أحد. ردت هي عليها بتبجح: "يا ولية احترمي نفسك بقا الراجل ميت وانتي عجزتي. كفاية شقاوة يا سمسم." انتفضت "سمية" وضحكت "نيروز"، بينما لاحظت "وردة" قدومها منذ لحظات. فاندفعت "سمية" تردد بإندفاع حانق ناهيك عن بقية الضحكات: "إنت بتطلعي منين؟ جيتي إمته؟

"جيت من شوية مع حازم بس هو هناك عند عايدة وجيت أنا لقيتكم قاعدين تعاكسوا فالراجل وهو ميت. أومال لو حي يا سمسم كنتي عملتي إيه؟ مش مكسوفة. اقتربت تجلس بكيد بين "وردة" و"نيروز" بينما لوت "سمية" شفتيها بتهكم وقالت ساخرة: "دا أهلاً وسهلاً انتي جيتي وفضيتي بقا! والمتوقع أنها ردحت لها تراقص لها حاجبيها مرددة وهي تستند على كتف "وردة": "بيت أبويا يا ست سمية وأجي فالوقت اللي أنا عايزاه!

ضحكت بيأس هذه المرة واقتربت تأكل مكان شقيقتها وهي من لحقت ما بالملعقة فضحكت "نيروز" على طفولتها التي لم تنتهي بعد ونظرت "سمية" لها بغيظ فرفعت "ياسمين" ذراعيها تحتوي "نيروز" و"وردة" وسألتهم بجدية مضحكة بسبب الطعام الذي لم يبتلع بعد في فمها: "بقولكم إيه قولولي بصراحة أمكم صارحتكم قبل كده وقالتلكم إنها لقاني على باب جامع صح قولوا أه!!

ضحكن الثلاثة عليها بحب ومن عفويتها التي لا تنتهي وحتى تلقائيتها ونفت شقيقتيها وأيدت "سمية" بيأس مع ضحكتها وهي تحرك رأسها بنعم، فضربت "ياسمين" ساقها بإنهزام وقالت: "أنا كنت حاسة، كنت شاكة والله! وقفت "زينات" تضع الوشاح على كتفيها وحجاب رأسها علمت بأنها مطلوبة في الحديث مع "حازم" الذي حاصر "فريدة" قبل النزول وانتظر قدوم "جميلة" هي الأخرى خرجت من الغرفة تتحاشي النظر نحوهن وبالأخص شقيقتها وفتياتها وقاطع سيرها صوت "زهور"

وهي تسألها بإستفهام: "راحة فين يا زينات مش خير؟ وردت بتأفف تلتقط المفتاح من على الطاولة: "راحة مطرح ما راحة! أغلقت "زينات" الباب من خلفها ووقفت تنظر ناحية باب شقة "عايدة" حتى رفعت يديها تدق جرس المنزل إلى أن مرت لحظات وفتحت لها الباب بواسطة "فريدة" التي نظرت لها بصمت، فسألتها "زينات" بلهفة وهي تدخل: "إزيك يا فريدة عاملة إيه؟ اختصرت "فريدة" حينها الرد باقتضاب وهي تتركها حتى دخلت بعد قولها: "كويسة! لما تتجنبها مجدداً؟

ألمها قلبها من بعد ابنتها عنها بالتدريج دخلت بخطوات تشرح مدى حزنها من الموقف ووجدت "حازم" يجلس وبجانبه "عايدة" ابتلعت ريقها وجلست فحرك رأسه ينظر تجاهها إلى أن مرت لحظات وحثته والدته على التمهل بينما لم يستطع اخفاء الحدة في نبرته رغم ان هذا القول ليس هو سبب رغبته في قدومها: "أنا عايز أفهم اختك ممشيتش لحد دلوقتي ليه هي وعيالها؟

تقطعت نبرتها منه ومن سؤاله تعجز عن حثهم على الرحيل حتى ابتلعت ريقها ورفعت عينيها برأسها تلتفت نحوه ثم قالت بما جعله يستنكر: "معرفش! "يعني إيه معرفش دي؟ ممكن تعطيني تفسير واحد ليها؟ أنا كل حاجة حصلت كاتبها وكاتمها جوايا وبقول معلش متتكلمش بس انت متعرفيش أنا عاينالك إيه لحد دلوقتي!! ترقبت الأنظار واتجهت "فريدة" سريعاً تفتح الباب في حين واصل هو بنبره هادئة جادة:

"مش ده السبب اللي عايزك عشانه ولممكم ليه، بس قبل كل ده طالما حصل فرصة نقعد مع بعض كده من غير قرف اختك وعيالها فأنا من حقي أتكلم وأقولك وأحاسبك كمان عشان أنا فاض بيا وساكت!! هابت "عايدة" القادم وكان الطارق "جميلة" التي أتت مع "فرح" بمفردهما بسيب عمل "عز" وقفت بجانب شقيقتها واستمع الاثنان لحديث "حازم" الآخر:

"سيبك من إنك سكتي لأختك وعيالها، أنا عايز أفهم حاجة واحدة بس، ليه بتستغفليني وكملتي تستغفليني من أول ما نيمتيني على إن ابنك لسه في غيبوبته ومفوقش؟ كل شوية أسألك تكذبي، هو انت شايفاني إزاي؟ ابتلعت "زينات" ريقها بقلق واعتدلت تأخذ أنفاسها وهي تبرر:

"أنا مقصدتش استغفلك ولا أكدب عشان حاجة غير إني خوفت على ابني يتأذي وانت عارف كويس مين ممكن يطوله لو عرف بس إنه بقى تمام، غير كده كنت ممكن أقول، بس أنا ابني بخاف عليه غصب عني ونفسي ياخد فرصة جديدة بمساعدتك أول واحد بس حتى انت مش مشجعني تاخد فرصة زي دي معايا! تحرك وحرك رأسه بأسى وانهزمت نبرته التي أظهرت مدى عجزه بهذا الوضع:

"ابنك اللي مش مساعد نفسه حتى ولا عاطي لنفسه فرصة، وكأن دماغه بقت متسستمة على إن ده هو الحال وحابب كده ولو فاق يرجع تاني، قوليلي انتي هو فيه كده، فيه حد عايز يبقى كده؟ "حسن فعلاً متشتت يا حازم، حسن ابني ضايع ومحتاج اللي يقومه، انت مشوفتوش كان عامل إزاي!! كان قولها بنبرة باكية وخرت قلب "فريدة" و"عايدة" و"جميلة" التي أدمعت عينيهم، بينما هو أخذ نفساً عميقاً يخبرها بقوله:

"لو نفسه يبقى كويس عالأقل كان شال دماغه من نيروز بدل اللي حصلها منه آخر مرة لما كان موجود برضه بدون علم أي حد هنا، ولا انتي فاكراني مش عارف إنكم سامعين الصريخ وكل حاجة وبالك مهدأش إلا ما تابعتيه بيجري وبيهرب، لحد إمتى هيفضل كده ولحد إمتى هيهرب؟ سالت دموعها شققة عليه وقالت بدفاع فطري:

"حسن معمي، مش شايف قدامه حاجة غير إنه ملوش دنيا وحياة، مقنع إنه بيحب نيروز وإنها هتكون ليه حتى لو إيه حصل، انت مش حاسس باللي أنا حاسة بيه، أنا مش قادرة أشوفه كده ولا قادرة أسلمه تسليم أهالي، أنا شايفة ابني ممرض، وممرض بنيروز أكتر من المرض اللي فيه من اللي بيدمنه!! تعالت أنفاسه تأثراً في الخفاء ولمعت عينيه وهو يتذكر تشتته بآخر مرة رفع رأسه وسألها وهو ينظر لها وكان سؤاله حازم مثله تماماً: "وهو فين دلوقتي؟

نفت "زينات" بنفس النبرة الباكية عندما تذكرت آخر مكالمة وآخر ما علمته من أخبار: "معرفش، ومشي من المستشفى، حتى كان فايق يدوب بداية على إنه يتعافى، بهروبه اليومين اللي فاتوا فهمت إنه رجع للي كان فيه بعد تعب طويل، اللي مصبرني إنه هيرجع لأنه مش هيعرف يسد فلوس كيفه إلا مني زي كل مرة بياخد مني فلوس فيها ويمشي تاني! نزلت دمعة "جميلة" قهراً، والآن تتجمع العائلة! رفعت "عايدة" عينيها تلومها بحسرة حزينة.

"ضيعتي ابنك يا زينات ولسه بتضيعيه. ليه مقولتيش من بدري؟ يشعر أن الهموم تزداد والثقل والحمل كذلك. أخذ "حازم" أنفاسه ببطء وابتلع ريقه يتغاضى عن تصرفها وقال يحثها: "على تليفون منك أول ما ييجي تعرفيني علطول وتسيبي الباقي عليا! أكدت برأسها بلهفة. أما هو فقرر أن يأخذ القرار الصحيح حتى وإن لم يقتنع بمدى إصرار شقيقه أن يصبح أفضل. جلست "جميلة" بجانب "فريدة" وبدأ "حازم" تغير هذا الحديث بقوله الآتي:

"أنا مجمعكم عشان فلوس وحق كل واحد! ترقبت العينين من الجميع. بينما "عايدة" و"زينات" كل واحدة منهما لم تكن لديها إرث خاص، إنهما قد طلقا منه قبل أن يموت وجرت الأمور بعدها. ركز عينيه على "زينات" وأعطاها ورقة ما أخرجها من حقيبته وقال يشرح لها الوضع:

"كمحامي قسمت كل حاجة بما يرضي الله. وحطيت فلوس فريدة في حساب في البنك تعمل به مشروع. أنا جهزتها فأنا اللي هكمله وأنا المسئول عنه. واللي معاكي دول رقم فلوس حسن اللي اتحطت بردو. بس مش لازم يفهم ده غير بعد ما أشوف هعمل إيه معاه. أنا وثقت فيكي وعرفتك اللي فيها عشان لو حصل أي حركة منك مش هتشوفي كويس. وعرفتك كل ده لأنك من حقك بردو تعرفي. وفلوسه دي إن شاء الله هيبقى منها علاجه الجاي ده لو أخد وخدنا معاه الفرصة. والباقي لما يفوق يبقي يشغلهم في حاجة. ده غير إنه قرب أوي يجيله إنذار من الجيش المتأخر عليه بسبب سقوطه في الجامعة فمصاريف كل حاجة موجودة بين إيدك!

حركت رأسها بتفهم وطوت الورقة تنظر له بإمتنان واهتمامه جعلها تتأثر تعجز عن الرد. بينما تحدثت "فريدة" بلطف: "ربنا يخليك لينا يا حازم وتفضل سندنا طول العمر! ابتسم لها بإتساع وابتسمت "جميلة" الذي نظر لها "حازم". وأكمل: "وانتِ كمان يا جميلة فلوسك زي فريدة بالظبط فحساب ليكي. وانتِ ليكي كامل الحرية فيهم. ولو عايزة رأيي أرجح إنك تحفظيهم لحد ما تكوني مؤهلة إنك تفتحي عيادة وتعمليها إن شاء الله يا دكتورة!

أدمعت عينيها تأثراً واقتربت تعانقه حتى احتواها بحب. تحت دعاء "عايدة" لهم. واقتربت "فريدة" هي الأخرى تدخل بذلك العناق. بينما ترددت "زينات" في الحديث ولكنها تحدثت وحسمت الأمر: "أنا عارفة إني مليش حق أسأل سؤال زي ده بس من رقم الفلوس عرفت إن مش هم دول بس. إنت رجعت حق سمية وبناتها." هذه المرة ابتسم ولم يشعر بالضيق. بل رد بنبرته الهادئة يخبرها:

"رجعت حق مراتي وأمها وأخواتها اللي كان أخده أبويا ورجعولهم مش كامل. أظن دا حقهم ولا إيه؟ ابتسمت تؤكد. وأكدت "عايدة" بلهفة: "طبعاً حقهم يا حبيبي. ربنا يصلح حالك ويوفقك في حياتك يارب وينصرك دايماً. وأشيل عيالك بقا! ضحك عليها كما ضحك البقية. وأشار ناحية عينيه وقال: "من عيني يا عايدة. كلها كام شهر وتشتالي زي ما انتي عايزة!! وكان قول "زينات" السريع وهي تحاول النهوض: "ربنا يقومها بألف سلامة!

تعلقت عينيها بعيني "فريدة" التي نهضت هي الأخرى تستأذن كي تنصرف لأسفل حيث ينتظرها "حامد". وتقابل الاثنان عند باب الشقة. هنا وتجمعت الدموع بمقلتي "زينات" تسألها بحزن: "زعلانة مني ليه يا فريدة؟ أنا مليش ذنب في حاجة والله العظيم! فتحت الباب وخرجا الاثنان. ونظرت "فريدة" لها بعدما أغلقت الباب وتأثرت بحزن والدتها فأجابت توضح لها:

"أنا مش زعلانة. أنا خايفة يا ماما. وانتي الوحيدة اللي أقدر أقولك إني خايفة. نفسي أحضنك وأنام في حضنك بس مش قادرة ومش عارفة أدخل البيت. قوليلهم يمشوا!! رفعت "زينات" ذراعيها تضمها بتشبت. فأرتمت الأخرى بين أحضانها تتنفس بعمق. تعلم أن المكان لا يستدعي لذلك التأثر ولكن تحدثت الأخرى تبرر لها بضعف:

"والله العظيم ما بيدي حاجة يا فريدة. انتي وحشاني أوي. ونفسي أبقى معاكي. قولتلهم يمشوا كمان بس معرفش إيه اللي مقعدهم. بس مسيرهم يمشوا. لكن والله غصب عني سامحيني!

أم وابنتها ولم يقدرا على عيش حياة طبيعية. بسبب أشخاص لم تعرف معنى العقل. خرجت تومئ برأسها وتخلت عن أي شيء لترضيها وكأنها تشعر بالحزن الذي بداخلها. فتح باب شقتهم وخرجت "أسماء" بترقب بعد فترة مراقبة ولكن ليس لهم بل تريد وتنتظر عودة شخص ما من الخارج من الشقة المقابلة ولم يأتي إلى الآن فقررت الهبوط لشراء أي شيء بحجة كي تنتظره وتلحق به عندما يعود رغم أنها لا يوجد بينها وبينه أي حديث أو تعارف وهي من ستبدأ ترأى من هذا؟

"رايحة فين يا أسماء؟ كذلك سألت "زينات" بينما رمقتها "فريدة" بحدة واستنكار. فنظرت لها الأخرى بصمت. وعادت تخفي توترها بقولها: "رايحة الصيدلية اللي تحت أشتري حاجة. عايزة حاجة يا خالتو؟ وقبل أن ترد "زينات" ردت "فريدة" بفظاظة عليها: "لأ مش عايزة ولو هتعوز انتي وأهلك آخر ناس نعوز منهم حاجة. شوفي طريقك يلا بقا يختي!! اعتاظت "أسماء" منها ورمقتها بجمود وهي تتخطاها حتى هبط بها المصعد قبل لحظات. فوبختها "زينات" بقولها:

"ليه كدة يا فريدة؟ طب دي حتى طييبة عن أخواتها! سخرت منها "فريدة" وعدلت حجاب "والدتها" بعفوية وقالت بتهكم: "ده انتِ اللي طيبة يا أم حسن! ضحكت بخفة على شراستها. لم تغفل عن أنها أخذت طبعها وطبع العائلة عامة. ابتسمت على ضحكتها فتنفست بعمق تزامناً مع والدتها لها: "خدي بالك من نفسك! حركت رأسها وتحركت "زينات" تفتح الباب حتى أغلقته خلفها. وفتح باب شقة "عايدة" التي خرجت منه وتبعها "حازم" و"جميلة". فنظر لها "حازم" متفهماً

وقال يخبرها: "لما تفضي كدة تعاليلي عشان عايز أتكلم معاكي شوية! استغربت ولكنها أومأت وانتظرت المصعد كي يفتح. ودخلت "عايدة" الشقة المقابلة وهرولت "جميلة" تعانق "نيروز" ما أن رأتها تخرج من المرحاض مرتدية تلك الملابس الطويلة التي أخرجتها لها "فريدة" وساعدتها "وردة" بعد الطعام. ابتسمت واحتضنتها بحب. ورغم أنها تأتي لها دائماً إلا أن "نيروز" ردت عليها بنفس تأثر قولها: "وانتِ كمان وحشتيني!! "يا محنكم!!

ضحكوا على قول "ياسمين" التي تشعر بالغيرة. فضحك "حازم" الذي يأخذ موقف إلى الآن منها. تناست كل شيء عندما نظرت لضحكته فتجاهلها هو على الفور وعادت تحزن هي ثم نظرت له بضجر. تتخبط في مشاعرها ولكنها تعمدت تجاهله مثله تماماً. سحبوها كي تجلس وسطهم وبإستسلام جلست ناهيك عن خصلات شعرها التي تتركها أمام "حازم" بغير وعي بما وضعت "وردة" على رأسها الحجاب تنهرها. فشردت "نيروز" بتعب بماذا إن كان هنا ورآها كذلك أمام غريب. أمام غيرة. حتى غيرته تشتاق لها!

ابتلعت ريقها تنهر كل ذلك وترقبت كما ترقب الكل عندما تحدث "حازم" بصوت عال يلفت انتباههم: "عايزكم فحاجة مهمة عدى عليها كتير بس ده حقكم ولازم تاخدوه وتعرفوا اللي حصل!! ترقبت الأعين من الجميع، حتى "ياسمين" التي جهلت عن ما فعله. أما الآن فتعمد سرد كل شئ عليهم وأخبارهم بمبالغ كل شخص منهم. ***

خرجت من غرفتها تنظر على وجودهم في الشقة بينما لم تجد أحد سوى "دلال" التي تجلس شاردة أمام التلفاز. اقتربت منها "وسام" تبتسم وسألت عن "يامن" الذي كان هنا قبل وقت قليل ولكنه هبط مع "حامد": "أومال فين يامن وبابا راح فين كمان؟ رفعت "دلال" رأسها تجيب وهي تنشغل بتقشير ما بيديها: "نزلوا تحت يقعدوا في المحل! "وغسان لسه مجاش برضو؟ سألتها "وسام" بإهتمام، فنفت "دلال" بيأس:

"لا، آخر مرة اتصلنا عليه عشان يلحق الغدا معانا، اديكي سمعتي ساعتها انه مش هيتغدى معانا وقالي متعمليش حسابي هتأخر شوية فالشغل. برن عليه تاني تليفونه مقفول! تنفست بهدوء واقتربت تجلس بجانبها وهي تطمئنها: "متقلقيش ياماما، عادي يتأخر فالشغل. أكيد وراه حاجات كتيرة بعد الاجازة اللي خدها. الوقتي يرجع هيروح فين يعني! صمتت "دلال" تندمج في ما تفعله بحزن علي حاله، وندبت مجددا كالعادة: "قولي هيروح فين بمنظره ده؟

دا معتش بياكل زي الناس ولا بقا يتكلم ويقعد معانا زي الأول. أنا قلبي موجوع عليه أوي يا وسام. مش عارفة هيفضل كده لحد امته. لا منه عايز يفضل كده ولا منه قادر يرجع وبيعاند. أنا تعبتله والله! انكمشت ملامحها بحزن لأجله، حتي هو معها لم يعد كما في السابق بسبب انفراده غالبا بالوجع. ربتت على كتفيها وأخرجت أنفاسها تواسيها: "ان شاء الله هيبقى كويس ياماما متخافيش. هو هنا معانا والحمد لله انه ممشاش وكمان احنا جنبه!

"دا ابني وانا عارفاه. هو لا عايزنا جنبه ولا عايز يكون هنا. هو عايزها هي. وهي داست علي قلبها واتجاحدت وبعدت عنه وقالتله يطلقها. أنا مش كارهاها بس كارهه اللي عملته فإبني. أنا حاسة ان غسان وقع المرادي بالجامد. انا مشوفتش اخوكي كده قبل كده. وده اللي تاعبني! أدمعت عينيها من حديثها وردت بعقل تهدأها:

"دا نصيب يا ماما و متعترضيش. وبعدين ان شاء الله غسان هيبقي تمام. وقوي وهيقدر يقف من تاني أو هو ماسك نفسه اصلا ومش مبين حاجة. اكيد دي قوة وهيكون كده بجد مش مجرد كلام. أنا كلمت نيروز وهي كمان شكلها تعبان ومرهق موجوعة ومعرفش ايه اللي وصلهم لكدة. بس أنا بدور على حل ليهم عشان يرجعوا ومش لاقيه. أنا كمان مش مبسوطالهم كده! توجب عليها الصمت بحسرة كي لا توتر ابنتها التي اقترب موعد أول امتحاناتها. ابتسمت لها بهدوء

ونهضت بتعب في جسدها وقالت: "قومي اعملك حاجة تشربيها وخشي ذاكري. ربنا معاكي يا بنتي وميضيعلكيش تعب أبدا يارب! ابتسمت بحب عليها ونهضت تقف معها بالمطبخ قليلا. تلك الوقفه التي تزيد من تحسن حالتها النفسية. ابتسمت وهي تستمع إليها وهي تدعى لها مجددا! *** "وردة يا جدو! رددها "يامن" بطفولية وهو يحملها يوجهها له. ابتسم "حامد" بتأثر وحمله علي ساقه بداخل "محل الورد" وابتسم يقبل وجنتيه وقال بمشاكسة يدغدغه:

"حبيب جدو وقلب جدو من جوه. هاتلي حضن دافي يلا! عناق دافئ مجددا. عانقه الصغير بحب وهو يضحك تحت مراقبة "فرح" و"فريدة" لهذا المشهد اللطيف. وسرعان ما اندمجت "فريدة"، بينما اقتربت "فرح"، تداعب "يامن" من على بعد. فأشار لها "حامد" بالاقتراب حتى اقتربت تجلس بحرج. فقال هو يشاكسها بعاطفة أبوية: "ايه القمر ده بقى؟ طالعته "فرح" بخجل من مجاملته وابتسمت تجيبه بلباقة: "شكرا يا عمو دا من ذوق حضرتك! توسعت بسمته وقال بصدق يصارحها:

"بس دي مش مجاملة خدي بالك. وعايز اقولك بقا ان عينيكي ورموشك حلوين وبيفكروني دايما بعيون دلال." ضحكت من مشاكسته، ولكنها بالفعل تمتلك أعين جذابة مثل والدتها تماما. توردت وجنتيها بخجل وفركت يديها وتركتها تشاكس "يامن" مجددا. بينما هو سألها بجدية يهاب رفض ولده بالقادم: "قوليلي بقا. مستعدة تتخطبي أو تتجوزي فالوقت ده ولا مش بتفكري في كدة؟ اصل واحدة زيك حلوه أكيد العرسان على بابها كتير ولا ايه؟

تحرجت من طبيعة هذا الحديث، ولكنها رفعت عينيها تجيبه بهدوء تتخلى عن خجلها: "أنا مرفضتش قبل كدة بصراحة. عز اللي بيرفض ومش بيوافق لأنه عارف الناس أكتر ومش شايف ان حد مناسب. ولو في ساعات برفض عشان ملقتش لسه الشخص المناسب. ولحد دلوقتي مركزه فاهدافي لاني لسه برضو ملقتش الشخص اللي يناسبني أو اللي أنا شايفاه يناسب وعز بردو. أصل عز بيغير أوي وما بيصدق يرفض!

اكتملت بعفويتها في الاندماج في الحديث. ربما هذه العادة ما جذبته ناحيتها. تستحق. أومأ "حامد" ونظر لها بسعادة يحرك رأسه لأفكاره. فهي الأخرى شخصية لا تشبه "نيروز" تماما. وبعقلية وطباع مثل "دلال" ستفضل "فرح" بعفويتها واندماجها السريع في الحديث وليست منغلقة مثل الأخرى. ضحك بخفة وقال يجاريها: "بس هو عنده حق فعلا. حقه يغير من اللي هيجي وياخد الجمال والعسل ده كله!

بس قوليلي انت شايفة المناسب ده شخص عامل ازاي يعني عايزاه يكون ازاي؟ لأول مره يسألها أحدهم بهذا الشكل تارك لها حرية التعبير لنفسها هي. ربما هذا عامل من العوامل التي كانت تعاني من فقدانها في البداية. أما الآن فبدأت تشعر بعد تعافيها بأنها مسئولة وليست كل المسئولية علي غيرها. ابتلعت ريقها وظلت برهه تفكر ثم بدأت تتحدث بهدوء لتجيبه بإختصار عفوي جدا: "عايزاه يكون زي عز! جملة جعلته يبتسم فخرا واعجابا بها وبقولها اللطيف.

توسعت بسمته وقال يؤيديها: "فعلا عز ابن حلال أوي. بس تفتكري لسه في منه؟

"معرفش ممكن يكون لسه في منه ولا لأ. بس أنا مش عايزه الا واحد زيه فحنيته وتفهمه وعقله. أنا عز دا بابايا وعيلتي كلها. نفسي في شخص يفهمني من غير ما اتكلم زيه كده. ويستحملني حتي لو عملت ايه. من كتر ما شايفاه مثلي الأعلى وعمل حاجات كتير أوي فأنا مش قادرة اتكلم واقول على اللي عمله واللي بعمله. أنا لو جالي وقت وبفقد كل حاجة فيه بيبقي هو السبب اللي هكمل عشانه. لازم امشي وأكمل الطريق اللي ببقى عارفه خلاص ان نهايته بتكون فخر بيا. بس الحقيقه أنا اللي ببقى فخورة بيه أوي. انت تعرف يا عمو؟

أنا لسه فاكره فرحته يوم نتيجة الثانوية العامة!!!! اندمجت أكثر وابتسم يشجعها ويجاريها وعقب ما توقفت ابتسمت تتذكر رد فعله. وصمتت تشرد بتأثر تحت نظراته التي تراقبها. وعلم أنها شخصية سهل أن ترضى. سهل أن تتعايش بينهم بمثل هذه الافكار والحديث. لا يصدق انها بخفة استطاعت ان تقوي علاقتها مع "وسام" ابنته. ضحك بينه وبين نفسه على "بسام" وقال بخفوت بينما نادت "فريدة" عليها: "طول عمرك عينك على الفالحة يبن اللذينة!!

قصد حينها جمال "تاج" ولكن كان جمالها خارجي وظاهري فقط!! لا غير. ابتسم بأسى على تجربته السابقة وتنفس بعمق يتمني سير الحال بهدوء كي يتم كل شي بمجرد مفاتحته لـ "عز" بعدما اتفق مع "بسام" و"غسان" وزوجته " على ذلك من بين الحديث دون أخذ ميعاد محدد لذلك. *** أعلى المبنى في الطابق الثالث. دخلت هي غرفتها وتركتهم.

انفردت في ذكريات مرت عندما سلب منها عمها حقها ولم تأخذ حقها بالكامل. نزلت دمعتها تأثراً وشعرت بلوعة قلبها في الاشتياق له، على الرغم من أنها تقف في الشرفة الآن، ولكنها ترى أن شرفته مغلقة. ترى أين هو منذ عدة أيام. لم تعاني الآن وهي من اختارت كل ذلك.

مسحت دموعها وهي تنظر بعشوائية إلى أن تخلل سمعها صوت سيارته التي تحفظها عن ظهر قلب. أهبطت رأسها تنظر فوجدته يصف سيارته ومن ثم خرج منها بعد دقائق. تلك الهيئة الرسمية التي تراه بها في أغلب أوقات عمله. أحياناً تهلكها رغم أنه طبيعي، بينما هي تراه بعين لم يراه أحد بها. تحبس كل غزلها وكلماتها به إلى حين آخر، وبلحظة تاه منها وضاع الوقت وسلب منها هذا الحين.

خفق قلبها خفقة المشتاق ونظرت بتركيز فوجدت التخبط به وهو يقف ينظر على المحل الذي يذكره بها من على بعد، وحسم أمره وقرر الدخول ناحية المبنى. محل الورد. منذ أن علمت ما فعله "حازم"، أول شيء جاء ببالها حينها أن هذه الأموال سترد لصاحبها، عندما ترد له حقه بذلك كي لا تأخذ منه شيئاً أصبح ليس من حقها، أو هكذا تظن بأن هذا شيء عادي كي يحدث. لم تشعر بأن كل ذلك يهلكها، حتى مظهره ورؤيته بعد غياب أيام يؤلمها ويهبط منها الدموع الآن.

أما هو، فنظر بتخبط بالفعل. لم تكذب نظرتها، ولكنه التفت وقبل أن يقترب من درج المبنى، وقف عندما وجدها تقترب منه. عقد "غسان" ما بين حاجبيه بغرابة، واستند على السيارة ما إن وجدها تشير له، ولم تكن سوى "أسماء" التي كانت تنظر بخوف حتى يراها أحد. ركز عينيه عليها بينما هي وقفت بتردد تبدأ الحديث بـ: "أنا عارفة إنك مستغرب، بس ممكن خمس دقايق بس نتكلم فيهم."

تفحصها هو بنظراته، الوضع قد مراقب منها في الأعلى عندما فتحت عدستيها بصدمة من هذا المشهد التي تراه، وبغير وعي سارت بإندفاع تخرج، حتى أغلقت العباءة، وها هي تقرر الهبوط بعد أيام لم تر بها الطريق. ماذا ستبرر في الخارج كي تهبط؟ كيف ستهرب؟ لما تقف معه؟ ولم يستسلم لها وهو ينظر لها كذلك. فتحت الغرفة تحاول التماسك كي تعطيهم أي حجة لتهبط، بينما بداخلها مشاعر غريبة. ربما الآن تعلم قيمته بقلبها وقيمة حبه بهذه الغيرة.

"وأنا هضيع من وقتي خمس دقايق عشانك ليه؟ شخصية." أشعل "غسان" اللفافة بين شفتيه وأمسكها وهو يردد قوله هذا، بينما هي تتوتر بالأساس. ابتلعت ريقها بخوف لم يختفِ بعد، ونظرت حولها بترقب، وعادت تترجاه بقولها: "معلش تعالى على نفسك، اللي محتاجاك علشانه ضروري وهينفعك قبل مني صدقني يا غسان! تعمد الثبات بمكانه كي يزداد خوفها. أهذه طريقة لرد كل ما فعلوه بها؟ لا يهم. تفحص وجهها بإنتظار وقال يختصر: "سامعك!

فركت "أسماء" يديها ورفعت رأسها تقترب منه أكثر وهي تردد بصوت منخفض وكأن أحدهم يسمعها: "مش هينفع هنا، تعالى نقعد فأي مكان! لم تتغير ملامح وجهه، بل نظر بهذا القرب بغرابة، وكأنها تخاف من أن يسمعها هذا التراب. نظر بتسلية وهمس بخشونة ينبهها: "ويا ترى بالقرب ده، سامر أخوكي عارف اللي انتي بتعمليه وانتِ نازلة تستنيني؟ انتبهت من قربها وابتعدت وهي تتحرك لتقف بجانبه تلتفت مرة أخرى، ومن ثم ثبتت عينيها بعينيه وقالت بصراحة:

"لا هو ميعرفش ومحدش يعرف علشان كده بقولك تعالي نمشي بعيد شوية عن هنا، ومش هتندمي! أغراه قولها والفضول يتآكل به كما القلق الذي توصل له بطبيعة تفكيره، بينما الجانب الآخر جعله يلتفت برأسه حتى ردد بحدة يهددها: "انتِ عارفة لو طلعتي بتستخفي أنا هعمل فيكي ايه؟ إعتدلت "أسماء" تقف أمامه ونفت برأسها بلهفة: "والله العظيم ما بحور، ولو عرفت اللي جيالك عشانه هتشكرني! أخرج الدخان من أنفه واعتدل يخرج المفتاح مجيباً على قولها بفظاظة:

"مبشكرش ناقص! ابتلعت إهانته ونظرت مجدداً حتى وجدته يركز نظراته خلفها بتمعن واهتمام. تلك اللمعة الغريبة تظهر بعدستيه ولم يراها إلا هو وهي. هي التي سارت بهدوء شديد وبجانبها "جميلة" التي لا تفهم شيئاً، فقط تردد بأنها تود الهبوط لمحل الورد للجلوس. وماذا الآن؟

استندت عليها بطريقة طبيعية، واقتربت توكز الأخرى بأن تصمت. بينما هو راقبها وهي تقترب مع ابنة عمها من على بعد. اعتدل "غسان" بوقفته يملي عينيه المشتاقة لطلتها برؤيتها، وسرعان ما نهر نفسه وهو يحرك عينيه ناحية "أسماء" التي التفتت حولها أكثر من مرة، بينما "نيروز" اقتربت تنظر بإستنكار له عندما تصنع تجاهل قدومها واقترابها. بل حرك عينيه ناحية "أسماء" وقال يسألها بتأفف: "عايزة نروح فين يعني؟

وقبل أن ترد "أسماء"، سمعت خطواتها تقترب بل ووقفت الآن تأخذ أنفاسها ورفعت بنيتها الفاتحة تخبره من تحت فكها تتصنع البرود المماثل لما يفعله تماماً معها: "عايزاك فموضوع مهم على إنفراد!

كانت نظرة عينيه من على قرب كادت أن تكشف، بينما ابتلع "غسان" ريقه ينظر نحو ملامحها الهادئة وقبل أن يجيب وجدها تحدج الأخرى بإستنكار غريب وهي تطالعه بغيظ مخفي، حتى اقتربت "نيروز" أكثر ودفعتها بكتفيها بطريقة ليست واضحة فاندفعت الأخرى إلى الخلف منها. برقت عدستي "جميلة"، بينما لم يستطع "غسان" اخفاء بسمته، بل خرجت عندما سألها عن قرب: "و ايه الموضوع المهم اللي لسه بيني وبينك؟

أرادت تجاهله. واقتربت "نيروز" حينها من "أسماء" الصامته وهمست لها بصوت هادئ يحمل بين طياته الكثير: "انتِ واقفة بتعملي ايه هنا مع جوزي؟ من أين جاءت هذه الشراسة؟ زوجها؟ لم يسمع "غسان" ما قالته، بينما فضحتها الأخرى عندما تعالى صوتها بإندفاع مغتاظ من دفعها لها قبل قليل: "جوزك مين؟ انتِ ناسية انك اتطلقتي؟ وبعدين انتي مالك واقفه ولا مش واقفة، هو أنا واقفة على دماغك؟

الآن ستكتم دموع قهرها بقولها الأول واستماعها له. لاحظ تشنج عضلات وجهها بإخفاء بكاء منهار من الحقيقة الموجعة، وتصنعت الثبات وهي تجيبها بنبرة هادئة تهددها: "هو فعلاً مش أنا اللي مالي، أحنا نجيب أخوكي وامك يشوفوكي واقفة فين ومع مين، ساعتها نبقى نراجع بقا ردك بعدين!! ابتلعت "أسماء" ريقها ووقفت "جميلة" تتابع بصمت، بينما واصلت "نيروز" بنبرة حادة ساكنة: "وانسى إنّي اتطلقت أو منساش، ملكيش الحق إنك تقوليلي كدة سامعة؟

ولا اعيدلك تاني؟ أخرجت "أسماء" أنفاسها بصوت عالٍ وشعرت بأنها ضغطت عليها الآن، لذا اقتربت تهمس أمام وجهها بكيد: "لا مش سامعة، أنا شايفة، شايفة بس انك هتموتي عليه ومبقتيش طايلاه خلاص!! ذهلت "نيروز" من قولها فأطبقت سريعا على خصلاتها من خلف الحجاب وأمسكت بذراعها الآخر كتفها بعنف، حتى انتفضت "جميلة" ووقف "غسان" يتابع بإعجاب تحولها هذا من الغيرة. بينما تأوهت الأخرى تردد لها بصوت عالٍ تحاول فصلها عنها:

"ابعدي عني.. سيبيني يا حيوانة انت! لم تتركها "نيروز"، وكأن هذه هي فرصتها لإخراج كبتها الذي بداخلها، بل حركتها بعنفوان تحت محاولة "جميلة" للفصل بينهما بقولها المرتفع: "بس يا نيروز اسكتي. سيبيها مينفعش كدة، احنا في الشارع! لم تستمع لها بل تحاول جاهدة على أن تجعلها تقع، بينما أبت الأخرى وحاولت دفعها ببراعة من منتصف خصرها ناحية معدتها بعنفوان، فأمسك "غسان" ذراعها بقوة وفصلهما، ولم يترك يدها الذي حذرها بها بجمود معنفاً

إياها: "ايدك دي كانت راحة فين يا روح أمك؟ ارتبكت نظراتها وحاولت التملص تحت صوت أنفاس "نيروز" العالية، بينما حاولت هي التبرير كي لا تخسر فرصتها، فحذرها مجدداً: "لو ايدك اتمدت عليها هزعلك، سامعة؟ حركت "أسماء" رأسها بطاعة، تحاول أن لا تخسر من وجدت به أمل المساعدة، ابتلعت ريقها وحرك معصمها بين قبضته، يتعمد التقليل منها عندما قال يرفع من شأن الأخرى: "واتأسفيها."

برقت عدستي "نيروز"، فهي المنتصرة بالنهاية عندما قبضت على خصلاتها، وبالفعل سمعت اعتراضها وهي تحاول التملص بغيظ من بين يديه: "مستحيل! أنا مغلطش فيها هي اللي بـ... بتر "غسان" هذه الجملة عندما ضغط على معصمها أكثر وواجهها بعينيه التي تهددها بقوله: "اتأسفيلها بدل ما رد فعلي أنا اللي يزعلك بعدين! هل قصد أن يبيعها؟ أن يخبر شقيقها ووالدتها بأنها تنتظره؟ نظرت "أسماء" بخوف ورفعت عينيها ناحية "نيروز" التي تنظر بمفاجأة،

وقالت بخفوت: "أنا آسفة! هل كان الصوت منخفضاً؟ تراضت الأخرى من القول رغم أنها تبغضها، ولكنها صدمت مجدداً عندما اعتدل يشير لها بقوله يحثها أكثر: "مش سامعك، علي صوتك! أمسكت معصمها بألم، ولمعت عينيها بالدموع عندما لبت غرضه مجدداً تتأسف بصوت أعلى أمام نظرات "جميلة" المذهولة، وقلل منها تعمداً كي يرفع من شأن "نيروز" أمام نفسها من قبلهم: "أنا آسفة يا نيروز!

هذا آخر رد فعل كان من قدرته فعله بهذا الحال الغير مفهوم، بينما قلبت "نيروز" عينيها بإستخفاف منها، ووقفت تنظر للصدمة التي لا تعرف عددها بهذا الوقت عندما ضغط على مفتاحه بالزر وحث الأخرى قائلاً رغم عنه بتأفف آخر لا يخلو من الثبات أمام عينيها التي تراقبه: "اركبي على ما أجيلك! أومأت "أسماء" بطاعة، بينما رفعت "نيروز" رأسها تنظر له فوجدته يحرك رأسه ليطالعها، تقابلت الأعين بحديث مكبوت، ولمعت عينيها بغير وعي عندما سألته بتعب

ظهر في نبرتها الملامة له: "انت خارج معاها؟ أوجعته نبرتها، ووقفت "جميلة" تتابع الوضع بحسرة، بينما هو تحسس جيبه بغير اهتمام واعتدل بوقفته يردد بفظاظة مقصودة: "ملكش فيه! تحولت مئة وثمانون درجة الآن، عندما اقتربت تردد بتبجح، أخذته منه كما أخذت منه ردها الآتي بقولها المماثل لقوله من قبل: "بيتك باللي فيه! شهقت "جميلة"، بينما لم تتحرك هي انش واحد حتى بعدما وجدته يقترب يميل منها وقال مردداً بإعجاب لامتزاج طباعها بطباعه

وحتى الأقوال إلى الآن: "حلوة منك أوي.. بس مني أشيك! شعرت "نيروز" حينها بأنه سيقبلها بكيد على إحدى وجنتيها كي يثبت لها سيطرته الموجودة إلى الآن حتى في الكلمات! دارت وجهها سريعاً بصدمة من جرأته بهذا المكان، بل وبعد الانفصال، بينما تعد هي بعدته! ولكنها لم ولن تسمح بذلك! ابتلعت ريقها واشمئز وجهها من ما فعله مع الأخرى بخروجه أمام عينيها بكل وقاحة! "انت ازاي طلعت بالبجاحة دي؟ عادي كده وقدام عيني كمان؟

انتهز "غسان" ضعف قولها واقترب أكثر، يردد لها بوقاحة يبعد عن محور الحديث: "بصراحة عينك ميحصلش قدامها كده، متستحقش بحلاوتها تشوف ده، بس لو فاكرة ده مينفعش تشوفه عينك يبقي الجاي ايه؟ اتسعت بنيتها بغير تصديق من وقاحته المبطنة، وشعر بالانتشاء عندما وجعها الآن، لمعت عينيها ودارت وجهها قبل أن تهبط، بينما تعالت نبرة "جميلة" تحثها على أن يبتعدا من هذا المكان: "تعالي يا نيروز، يلا نمشي من هنا!

نفت ونفضت يديها بوجع عندما دارت وجهها تنظر ناحية "أسماء" وهي تجلس بالأمام في المقعد بالسيارة. هذا مكانها هي، كيف تجلس به؟ كبتت مشاعرها وقالت بمنتهى الغرور التي تحاول ظهوره وظهور الثبات: "مفيش فيها حاجة عدلة، عشان كده اتلميتوا على بعض! قصدت أن تظهر له بأنه مثلها لا يوجد به شيء جيد. نظر بهدوء لثباتها الذي يراه، ومن ثم حرك رأسه تجاه الأخرى التي تجلس بالسيارة. وقال بهمس قبل أن يرحل ويتركها: "لأ حلوة!

وردد بإستفزاز يطالعها من أعلاها لأسفلها حتى أكمل بما جعلها تنظر بصمت عاجز عن الرد: "بس متحطيش نفسك في مقارنة معاها! بماذا يريد؟ ترك القول مفتوحاً بالسيئ والجيد، لم تفهم بعد الآن ماذا يقصد! الآن يلعب على نقاط كثيرة، يجذبها ناحيته بقول وينفرها منه بقول آخر حتى يجعلها مشتتة نفس التشتت التي وضعته هي به بين الفراق واللافراق!

ابتلعت ريقها تعي أذيته في قول الحديث لها، ونزلت دمعتها التي فرت منها ومسحتها على الفور، حتى تمسكت بها يد "جميلة" التي واساتها بشفقة: "متزعليش يا نيروز، سيبك منه، تعالي معايا، تعالي يلا نروح نقعد في المحل شوية!

لم تسمع أي قول منها، بل سارت خطوتين وقبل أن تخطو أكثر، التفت بوجهها تنظر بألم ناحية سيارته الذي ركبها وانتظر حتى تدخل كي يسير بسيارته بعيداً عن هنا، وما إن وجدها تنظر، التفت بوجهه ببطء بعدما تقابلت أعينهما معاً، تابع دخولها المحل عقب ذلك بالمرآة مع "جميلة"، فدار السيارة بصمت وابتعد بها من أمام المبنى.

دخلت "نيروز" تحبس الدموع بمقلتيها وتصنعت في رسم ابتسامة هادئة عندما رأت وجه "حامد"، وهو يجلس كذلك، اقتربت ولفتت أنظاره بالداخل كما البقية عندما قالت وهي تقف أمامه: "مساء الخير يا عمو! هل هذا صوتها؟ رفع "حامد" عينيه سريعاً من على المصحف ورمقها بلهفة وهو يشير لها بسعادة من هبوطها: "مساء الخير يا قلب عمو، تعالي، تعالي اقعدي ارتاحي، أيوه كده انزلي واخرجي وشوفي الدنيا!

رسمت ابتسامة حزينة على وجهها وجلست كما أشار، فوجدت "يامن" يترك "فرح" التي رحبت بها بحب، فبادلتها الأخرى الترحيب، بينما ركض الصغير يردد باسمها: "روز! ضحكت بخفة وحاولت أن تحمله، بينما نصحتها "جميلة" برفق وهي تحمله لتضعه على قدمها بحرص: "براحة يا نيروز، براحتك عشان حملك!

امتن لها "حامد" بنظراته وتابع الحب الذي بينها وبين "نيروز" و"يامن" التي قبلته بحب وهي تعانقه، لا تعلم لما تشعر به في كل مرة بأنه صغيرها هي، أو أنه يمهد لها قدوم صغير مثل مشاكس تماماً، هل نسيت أن هذا الصغير من رائحة صغيرها هو الآخر؟ من نفس العائلة ونفس الدماء على الأغلب؟ أي رائحة الآخر به!

ابتلعت ريقها تنظر معه في الهاتف الخاص بـ "فرح" التي قدمته له بأغنية طفولية بريئة. ابتسمت بإتساع وهي تبادله حماسة البرئ كي لا ينفر منها. أما "جميلة" فتركتها واقتربت من "فريدة" التي وقفت تنظم من على قرب وهي تتابع ما حدث. وانفلت كلمتها وهي تشاكسها قائلة بشفرة ما: "ايه يا عروسة! استنكرت "فريدة" القول وسألت تتخلى عن فكرتها التي جاءت بعقلها: "ايه عروسة دي؟ طالعتها "جميلة" بشك والتقطت تصنعها الجهل ووكزتها قائلة بمزاح:

"يا بت!! بقى مش عارفة إن في كلام داير عليكي انتِ وٱدم؟ ولا انتِ فاكراني هبلة وبريالة بقا عشان مخدتش بالي من نظراته والبتاعة اللي شوفتها فإيده! صمتت "فريدة" تتخلى عن الحرج وهربت بعينيها بينما تعالت ضحكات "جميلة" وهي تكمل: "أنا قعدت اقول فنفسي العيون دي مش غريبه عليا، وفنفس الوقت ملفتة وفريدة؟! عنفتها فريدة بنظراتها بينما مالت الٱخرى تقبل وجنتيها وقالت بصراحة تغازلها: "عينيكِ لو وسط مليون أقدر أفرقها. تعرفي ليه؟

سؤال ليس يحتاج لجواب الكل يعلم قرابة الشبه الكبير بينهما. أحياناً يظن أنهما توأمان على قرب الشبة بملامح الوجه الجميلة. ضحكت "فريدة", وردت تجيبها: "مش محتاجة تفكير. بس هو بيشوفها فريدة من نوعها علي فكرة! شهقت "جميلة" من جرأتها وعادت ترد بيأس ضاحك منها: "طول عمرك جريئة وهتودي نفسك فداهية والله!!

عانقتها "فريدة" بفرحة هذه المرة، وبادلتها الأخرى العناق بسعادة لأجلها. وانتظرت الأولى لحظة حديث "حازم" بتوتر من الٱن عندما ربطت الأمور ببعضها!! . بينما وقفت "فرح" تلاعب "يامن" مع "نيروز", التي تبتسم بلطف. لم تشعر هي بأن دمعتها تتناقض مع كل ذلك وعقلها شارد بقوة به وبها. الٱن وحرفياً تشعر بكي قلبها. مشاعرها تنهرها. لم لم تصر في ان تفاتحه في ذلك الموضوع التي قالته له؟

غبية. هكذا سبت نفسها. بينما لم تستطيع توقف التخيل. ألم ما يفعله بها يزداد. هل هي ألمته لهذا الحد؟ وان ألمته؟ لما لم يستخدم نفس السلاح التي ألمته به؟ بل يستخدم سلاح أقوى. غيرتها؟

لم تعرف هي بأن هذا الأمر كان صدفة وليس من تدبيرة هو. يالسخرية هذه المشاعر. العاشق لم تفضحه عيناه بل تفضحه غيرته المفرطة حتي وان حاول أخفاءها. الٱن يظهر كل ذلك منها. لم تكن تعرف بأنها تكن له حباً كثيراً كهذا. الوقت التي أصرت عليه هي بأن ينتهي بينهما بقول الفراق والإنفصال. يثبت لها بأنها تعي قيمته جيدا في غيابه!! تبا لهذا القلب المتمسك بالخفاء. وان رددت لأحدهم بأنها تعاني الٱن فلن يصدقها أحد. حتى هو!

فعلت أقسي شئ يمكن فعله بقلبها الضعيف تجاهه. بارعة في اخفاء اهتزازها أمامه وكل شئ. كيف يخرج مع غيرها؟ يبتسم؟ ينظر؟

وان جاءت هي للنظرات فهي تعلم أنه وقح يمكنه فعل أي شئ وهذا ما يحرق بداخلها شئ من جهة أخرى. دقائق قليلة شردت بهم بدموع وجعها من كل ذلك الضغط. بينما رفع "حامد" يديه يمسح وجهه برفق بعدما أشار للفتيات بالابتعاد عنها قليلا بعدما انتبهها حتى لشهقاتها المسموعة دون وعي منها. فاقت "نيروز" وانتفضت على يده الحانيه التي تمسح وجهها بتلهف يهدأ فزعها بقوله: "اهدي يا حبيبتي متخافيش!! ثم أضاف يسألها بقلق وهو يوجه

لها منشفة ورقية بيضاء: "انتِ كويسة؟ كيف ستجيب على هذا السؤال؟ سالت دموعها وهي تنفي برأسها وصارحته بإنهزام: "لأ! تفاجئ من هذا الإستسلام الغريب. بينما وضع كفه يربت على كفها بحنو وقال وهو ينهض: "طب قومي معايا. تعالي نتمشى شوية أنا وانتِ عند البحر وناخد يامن معانا ايه رٱيك؟

حاصرها بقوله فإبتلعت ريقها توافقه ونهضت حتى عدلت من عباءتها أكثر ومن حجبها ورابط خصرها وإلتفتت برأسها تنظر فوجدت "جميلة" تعدل لها ملابسها أكثر من الخلف وواستها بهمسات هادئة مع "فريدة" وعلى ناحية ٱخرى ابتسمت لها "فرح" وهي تنظر لها ولحالها بحزن. فأشار لهم "حامد" بأنه سيأخذها وسيسير بها قليلا. وبالفعل قد سارت هي تتمسك بكفه بعدما قدمه لها فتمسكت به بحرج وكأنها الصغيرة التي تتشبت بيد والدها. ومن جانب ٱخر تمسك "يامن" بكف "حامد" وهو يسير لأجله بتمهل معها وخرج الثلاثة من المحل تحت نظراتهن المشفقة وترقبت عينيهما عندما نبست "فريدة"

بتعب من حالها: "نيروز بتتعذب من البعد ده وبتعذب نفسها واللي فبطنها معاها! ٱخرجت "جميلة" تنهيدة حارة وأجابتها بحسرة: "اللي بينهم يستاهل اكتر من كده. بس نيروز مش حامل كل ده. وهو كمان مش سايبها تاخد نفسها. دا مش بيخرج كلمة منه ألا وبيبقي قاصد يتوهها ويخليها مش على بعضها. وهي بتتأثر عشان بتحبه وهو بيكابر فهي تكابر زيه. أنا تعبت من العلاقه دي أومال هي تعمل ايه!!! لم تفضل بأن تتدخل ولكن تلقائيتها جعلتها تتدخل

حتى قالت تخبرهم بهدوء: "يمكن عشان هي علاقه متعبة زي ما بتقولي فالوقت ده صح ليهم عشان يقدروا بعض أكتر! نظرت "فريدة" تجاه "فرح" بإنصات فنفت "جميلة" بحزن توضح لها: "مش لما يبقي فيها رجوع! بالمنظر ده هيقفوا قصاد بعض على مين يوجع التاني ويعاند أكتر! قولها كان من خلال متابعتها المشهد بينهما قبل وقت. التزمت الاثنان الصمت. وجلست "جميلة" تخرج هاتفها كي تطلب رقم "عز" للإطمئنان عليه. فوكزتها "فريدة" بجرأة حتى

قالت تخبرها تنتهز الفرصة: "وخليه يطمني على ٱدم. أصل أنا رفضت اديله رقمي! ضحكت "فرح" عليها بينما ابتسمت "جميلة", تلبي غرضها بقولها له في الهاتف: "واخبار ٱدم ايه يا عز؟ أصل في واحدة هنا بتسأل عليه وخايفة وقلقانة." ضحك هو بمرح على الجانب الٱخر ونهض من أسفل السيارة يجفف يديه بملابس عمله ونظر تجاه "ٱدم" الذي يعمل وٱخبرها. بنبرة ضاحكة: "زي الفل. بيشتغل عشان يعرف يتجوز الواحدة اللي بتسأل عليه!

برقت عيني "فريدة" من قوله عندما سمعت نبرته في مكبر الصوت. ابتلعت ريقها وحينها قد إقترب "ٱدم" عندما ناداه "عز". وقال وهو يميل على الهاتف يردد بمشاكسة: "طب وربنا أصيلة يا شاطرة. طلعتي ملهوفة عليا وبتسألي كمان! احمرت وجنتيها عندما سمعت ضحكته المساكشة لها وابتعدت دون رد. فضحكت "جميلة" تستفهم منه بهدوء: "هتيجي امته؟ أنا وفرح عندنا زي ما عرفتك. ومستنين تيجي فأي وقت عشان نروح معاك."

"قربت اخلص. لما اخلص ان شاء الله هروح اغير واجيلكم اطمن علي غسان ونقعد شوية ونروح." أومأت وكأنه يراها بينما تطلعت على ملابسها اليوم الذي أخرجها هو لها عاقداً العزم على ان تترك ارتداء الملابس السودء وستبدأ اليوم في ارتداء ملابس ٱخري ملونه. على الرغم من انها تذهب للاختبارات بملابس داكنه إلا أن اليوم أخذ هذا القرار قبل أن يرحل. هتفت بإسمه قائلة: "عز" "عيونه والله العظيم! قولي سامعاك. ضحكت بخفة، وطالعت

رداءها الأبيض وقالت تخبره: "أنا سمعت كلامك على فكرة ولبست الدرايس الأبيض اللي طلعتهولي." حتى نبرتها للآن يظهر بها الحياء. لامس قلبه قولها، وأتاها صوته الهادئ يسألها بمزاح عميق: "يعني ست الملاك اللي بتطلع أحلى واحدة في الأبيض رجعت من تاني؟ وأجابت بخجل طفيف تؤكد: "آه، وعايزاك تيجي عشان تقولي انت أحلى واحدة شافتها عيني بتلبس ابيض بقى." "تصدقي بالله؟ "لا إله إلا الله." "حرام جميل زيك يطلب الاهتمام، ده كدة كدة هيحصل."

ورغم أنها زادت في مشاعرها بطريقة غريبة، إلا أنها لا تستطيع التعبير سوى بهذه الغرابة الواضحة، وهو يحب ذلك. ضحكت بخفة. فسمعت صوته يحثها على الإغلاق من طرفها هي، كي يرى ما بيديه ومن يحدثه من شباب معه. لبت غرضه وأغلقت. ولم تغفل بأن حياتها تتغير كليًا على يديه هو. لم تنعم بأي شيء جيد سوى على يديه وبين يديه! كلمات الحب كلها لا توفي حق عز الرجال، تتأكد وتتأكد من ذلك!

لا يصدق ما سمعه باختصار منها. هل الخوف والقلق الذي داهمه ظهر عليه الآن؟ ابتلع غسان ريقه بصعوبة، ورفع عينيه بصمت دام لكثير بتعب. لم تقرر على أن تفارق أولاً كي يحدث كل ذلك؟ أخذ أنفاسه ورأى النادل يضع المشروبات، ففتح علبة سجائره يخرج اللفافة كي يشعلها وعقله منشغل بالكثير والكثير! حتى في بعدها تضغطه ويضغطه عقباتهما معًا. بينما هي، رفعت عينيها بتوتر تنتظر أي رد منه، وعندما لم يتحدث أكدت عليه كي تتحدث

باختصار أكثر هذه المرة: "لو مش مصدقني أنا ممكن أثبتلك بالطريقة اللي تحبها، بس صدقني فعلاً اللي قولتهولك ده بجد. وسامر وأمي وحتى أختي مروة قعدوا يلعبوا في دماغه ويقولولوا إنها اتطلقت منك ومعدتش راجعالك وإنهم هيساعدوه زي ما قولتلك إنه يتجوزها!

احتدت نظرة عينيه وهو يراقب تفاصيلها عند إخراج الحديث، يحاول استكشاف أي خداع بها. بينما بقى ثابتًا بسرعة ينتظر منها بقية الحديث الذي كان قد شرد عنه للحظات. استنكرت صمته الشديد، بينما واصلت هي تكمل بقلق من صمته واستشفت مدى الخطر التي أوقعت به نفسها وهي معه الآن!

"بس زي ما قولتلك هو مشي وهم قاعدين منتظرين وبيراهنوا إنه أكيد هيرجع تاني. شوية اتصلوا ورد وبعد كده تليفونه اتقفل ومنعرفش عنه حاجة. وقبل ما يمشي عرفنا إنه هو اللي أكيد كان سبب الصريخ من كام يوم من نيروز. أنا مقدرتش أبص بسرعة من أي شباك أشوفه هو ولا لأ، بس سمعت خالتي بتتكلم معاه في التليفون وبتترجاه ميجيش دلوقتي خالص عشان انت متعملهوش حاجة!

أخرج دخان سيجارته بصبر، لا يعلم من أين أتى. حرك غسان رأسه وتأكد شكه بوجوده حينها. وما دب القلق بها هو حديثه بنبرته عندما قال: "انت عارفة بعد كلامك ده إيه اللي ممكن يحصل؟ وزعت أسماء نظراتها بخوف داخلي واندفعت تردد بشرطها:

"أنا عرفتك حاجة محدش عرف بيها ولا كان هيعرف، ولو عرفوا في البيت إني نزلت قولتلك حاجة زي دي هيموتوني. أنا شرطي بعد ما تعرف إنك متأذيش حسن ولا تيجي جنبه، بس تمنع تهوره واللي ممكن يحصل على حسب تفكير سامر!

كتلة صبر لبسته الآن امرأة. وإن نهض وواجهها بلكمة ستقع أرضًا وسيلقى اللوم عليه. أخذ أنفاسه بصوت وخرجت سبة نابية من بين شفتيه سب بها حسن، وسامر، وحتى والدتها وشقيقتها. اتسعت عينيها من وقاحته، صمتت تكتم كل ذلك وأجاب هو على حديثها بـ: "مش هتاخدي مني ضمان بده. أنا مبمشيش على شروط حد! "بس أنا عرفتك حاجة كانت هتضيع منك نيروز. أنا عارفة إنك متقدرش من غيرها، بلاش نضحك على بعض!

تجرأت كي تثبت له بأنها ليست هينة. بينما ابتسم هو بإصفرار يقترب مستندًا على الطاولة وسألها بمنتهى السخرية: "المفروض كده أخاف ولا أجيب ناس تخاف؟ قلب عينيه باستخفاف، بينما هي علمت أنه يكشف ارتباكها المخفي. كيف وهي تفرك يديها؟ تركت يديها وأشارت له بتحذير، رغم ارتجافة يديها بعدما علمت أنه لا يوثق به أبدًا: "أنا بحذرك لو جيت جنب حسن! انت شوف هتعمل إيه مع مراتك بعيد عنه!

التقط غسان الخوف في عينيها عليه، وربط الحديث ببعضه، وسألها أوقح سؤال يمكن أن يسأله لها: "اللي بينك وبين حسن وصل لحد فين؟ انفرجت شفتيها بصدمة من جرأة السؤال، وابتلعت ريقها تسبه بتعنيف متوتر: "انت.. قليل الأدب! أنا غلطانة إني فكرت أساعدك من الأول! كادت أن تنهض أسماء، بينما مد غسان ذراعه يدفع يديها حتى جلست مندفعة بتحريك المقعد قليلاً أثر دفعها. تجمدت تعابير وجهه ورد بنبرة كشفتها: "تساعديني لوحدي؟

انت فاكراني مختوم على قفايا؟ ما زال يمسك معصمها بيديه، تركه بإندفاع واعتدل يريح ظهره ومد يديه يخرج اللفافة من بين شفتيه وأكمل تحت ترقبها: "انت جاية تقوليلي وليكي مصلحة من ده كله. هتقولي إيه هي؟ هسمعك، مش هتقولي يبقى شرطك ملوش قيمة عندي! حاصرها وخيرها تحت ضغط. رفعت عينيها تحاوطه بنظراتها للحظات، وقالت تهرب من نظرته باعترافها الذي لم يعيره اهتمام: "أنا بحب حسن! لا تعلم سبب ضحكته التي خرجت فكتمها بقصد، ثم تغير كل

ذلك عندما شهدها بلوم زائف: "كده برضه تستخف بعقلي؟ الآن تندم. ندم شديد بأنها اتخذت مثل ذلك القرار. جانبه الآخر لا يظهر إلا مع من يستحقون ذلك. هي كانت منهم. عنفته بشرر من تلك النظرات التي لم تريحها قط: "قصدك إيه يعني؟ "اللي بعده! أشار لها هو بيديه كي تأتي ببعد هذا القول. ماذا بعده؟ وماذا يريد؟ نهضت بعصبية تهتف بـ: "ده كل اللي عندي وده أخري معاه. اللي بتحاول توصل ليه مش موجود ومحصلش من أصله!

رفع غسان رأسه يشملها بنظراته وقال وهو يحرك رأسه نفيًا بعدم اقتناع من اندفاعها بمثل هذه الطريقة: "مش مقتنع." ونهض هو الآخر يضعها تحت تهديد وقال بعكس ما بداخله: "وأنا ونيروز انفصلنا وكل واحد راح لحاله. تشوف حياتها عادي ربنا يصلح حالها. يعني ولا كأنك قولتيلي أي حاجة. مخسرتيش بس غير إني بإيدي أضيعك دلوقتي عند أهلك باللي سمعته. بس مش هعمل كده." وواصل وهو يخرج الحساب يضعه على الطاولة مع قوله:

"ولا كأنك قولتيلي حاجة. ده باعتبار لو كنتي قولتي كل اللي عندك. لكن لو في حاجة مخبياها فأنا مش هقعد أتشرطلك وأهددك. لأ." وأشار بيديه وهو يضع ما بيديه الأخرى بجيب بنطاله: "مهمنيش." سارت بجانبه بصمت وهي تسمع بقية حديثه عندما خرج من الباب: "أما بقى لو افتكرتي حاجة فأنا في الخدمة! وغمز يكمل قائلاً بتسلية للفتك بأعصابها وأفكارها: "عشان جدع." لمح لها بشيء سلب منها تركيزها. ركبت السيارة بجانبه بصمت.

بينما هو تركها وضرب بكل ما قاله هو لها عرض الحائط. وخمن عودتها له في اللاحق بمثل هذه العودة. عودتها له مرة أخرى أو عدم عودتها فهذا أصبح غير مهم لديه. واستطاع أن يجعلها تغفل عن ذلك بعدما أخذ منها المضمون في هذه المقابلة المهمة والذي جعل النيران تندلع بداخله وداخل عروقه الآن بعدما علم آخر خبر كان يتوقعه بهذه الظروف. وكأن هذا ينقصه. بارع في إخفاء ذلك وفي ارتداء ثوب وقناع ليس له من الأساس.

على الأقل ظهرت ابتسامة صغيرة الآن منتصرة على شفتيه بعد هذه المواجهة التي كانت بينه وبين آخر شخصية لا يتوقعها أبداً. باعتبار أنه لا يوجد بينهما أي تعارف من قبل. وبالنسبة له كانت هذه المقابلة لديه بمثابة كنز ثمين. ظنت الآخرى وقاربت على أن تقتنع بقوله الغير مبالي بـ "نيروز". وحرك الأفكار والشكوك برأسها. وسألت نفسها. هل كل ما فعلته ذهب هباء؟ وإن قولها وحديثها له لم يفيده. وجعله يضغطها بشيء هي من بدأته دون تفكير.

داعب الهواء بشرتها بملامحها الهادئة النقية. حتى نظرة عينيها خاوية من أي شيء. وبعد انفجار عقلها وشدة أعصابها أو حتى احتراقها لم تتحمل في النهاية بأن تظل كذلك وهي الآن مع والده. بل استسلمت واخترق قلبها بسهم الندم. الندم التي تشعره وشعرته منذ أن ردد لها كلمة الطلاق. علمت أن عقلها وطبعها لا يعرف بسهولة. وأنها لم ولن تستطيع أن تفارقه. بينما وجدت أن هذا الصواب لا غيره وستصر على ذلك. تيقنت بأنها معقدة به.

معقدة بحبه التي لا تستطيع أن تتركه وتترك مشاعرها. ظنت أنه شيء سهل بإعتبار أنها تخلت بسهولة أو هكذا تصنعت بأنه بسهولة. بينما من الداخل لم يكن كذلك أبداً. جالت عينيها المبني من على بعد بعدما التفتت فوجدت "حامد" يلاعب "يامن" ومازال ينتظر منها بأن تتحدث. ولكن عندما تركته ووقفت تنظر بمفردها. تركها ربما هذا سيريح من نفسيتها قليلاً. ابتسمت "نيروز" عندما وجدته ينظر لها باهتمام وكأنه يسألها بعينيه. فأومأت تخبره بنبرة هادئة.

"نرجع المحل تاني! سألته ورفع هو رأسه يبتسم لها وهتف بلطف. "نرجع وماله. بس بقيتي أحسن؟ ابتسمت بتكلفة وهي تومأ له واقتربت تعود معه. وبالفعل سارت بجانبه بخطوات هادئة إلى أن تخطى الثلاثة الطريق. وتم التوجه بالقرب من ناحية المحل. ودخلت خلف "حامد". ولكنها قبل أن تدخل سمعت صوت سيارته تقف. فالتفتت تنظر وتوجعت مرة أخرى ما أن رأتها بجانبه إلى الآن.

كتمت دموعها ونهرت نفسها على أن تلتفت ودخلت تنظر نحو الفتيات تتحمل هذا الوجع الذي احتلها. لاحظت "جميلة" دموعها العالقة. فيما تصنعت هي بالانشغال بأي شيء. وعلى بعد رفع "حامد" رأسه ينظر له عندما دخل المحل. فحثه على الاقتراب ليجلس. "تعالى أقعد. اتأخرت ليه النهاردة؟ "كان ورايا شغل كتير! هل يخدع والده؟ إن خدعه فكيف يستطيع أن يخدعها هي. هي التي تابعت كل شيء. ارتجفت يديها واعتدلت رغم الأنظار عليها.

ولكنها أبت أن تظهر هذا الضعف وقاطعت مسك "فريدة" للصينية وهي من أمسكتها كي تقدم لـ "حامد" الشاي. وأخبرتها قائلة بهدوء تقطع عنها التوجه والاقتراب. "سيبيه هوديه أنا." تركته "فريدة" وانصاعت لها توافقها. وحملته "نيروز" وخلفها الثلاثة يقفن يتابعن هذه التي اقتربت ووقفت تتحلى بثبات زائف وحتى البسمة المصطنعة. وهي تميل لتعطي "حامد" الكوب بقولها. "اتفضل الشاي يا عمو! تفحصها "غسان" بنظراته.

ولو تعلم هي بأن هذه النظرات ما هي إلا نظرات اشتياق. وألم الهجر والبعد. دار وجهه عنها يتصنع التجاهل وابتلع ريقه يسمع قوله والده لها بحب. "تسلمي يا حبيبتي! ابتسمت ابتسامة وظهرت أنها باهتة رغما عنها واعتدلت تقف وهي تتمسك بالصينية. تفحصته هذه المرة بعينيها. بينما كان هو لا ينظر ناحيتها. انتهزت الفرصة وانشغلت بتعب به هو. عينيها عالق بها أسئلة كثيرة جداً. التقطها "حامد" الذي نهض بخفة يشير لهن بتركهما معاً.

ربما يوجد هناك أمل. أما هو فلاحظ خروجهن قليلاً بالخارج حتى الباب قد أغلق ولكن ليس بالكامل. رفع رأسه ينظر ناحيتها فوجدها تتأمله. ما بين نظرات لوم وعتاب وربما تقزز من ما فعله بجهلها عن ما يدبر لها من خلفها. مسكينة. تنهد يخرج أنفاسه ولاذ له تفحصها له بصمت مريب. ولا تعلم كيف أصبح بهذا القرب عندما وقف أمامها. فخرجت من هذا الشرود ويديها المتمسكة بالصينية ترتجف. وسمعت قوله الساخر يسألها عن قرب. "وحشتك؟

ربما هذا السؤال ساخر جداً. أو قصد بأن يظهره كذلك. ما لا يعلمه بأنه خرج منه بإنهزام موجع للغاية. أما قلبه وعقله فهما مشتتان الآن بما سمعه من الأخرى. لا يثق بها ولا بعائلتها. ولكنه بنفس الوقت كيف سيسمح في أن يفكر بها غيره لطلب الزواج حتى وليس الزواج بالفعل. مشاعر صعبة تلبسه هو لا يريدها من الأساس. ظن أنه سيتألم من البعد والآن تثقل الضغوط عليه وأغلبها منها ومن ما يفكر وما سمعه. هل تركها للنهاية؟

أم سيردها كي لا يستطع أحدهم بمجرد التفكير لزواجها. كيف؟ وهي تحمل صغيره بداخلها. وعدتها طويلة. ما الذي يمكن فعله مع ذلك الذي يتشبه بالرجال وهو بعيد كل البعد عنهم. مشاعر متضاربة. كما كانت مشاعرها تماماً وهي تستمع لسؤاله. بما ستجيب؟ بنعم؟ مستحيل. لوت "نيروز" شفتيها بإستنكار مؤلم وتعمدت القسوة والفتور في الرد عندما هتفت بـ. "تبقى غلبان لو فكرت إنك وحشتني! اتسعت ابتسامته وداخلها عكسها تماماً. ضغطت على أسنانها بتحمل لهذا.

بينما ردد هو على قولها بحديث متهكم. "وأنا مش غلبان. انت اللي غلبانة وأوي كمان! صمتت وتحلت بالصمت. فتحرك هو يسألها بنبرة جادة مجدداً. "ايه الموضوع المهم اللي بيني وبينك وكنتي عايزاني فيه من شوية؟ هل يتذكر إلى الآن؟ نهرت نفسها ورددت بأنه واجب التذكر عليه. لم؟ ولم خرج معها وتركها ثم عاد يهتم. "موضوع يخصك انت وانت المستفيد. لأن لو يخصني فأكيد مكنتش هرد عليك بعد ما مشيت وجيت بمزاجك. كنت استني ارد بمزاجي زي ما عملت بالظبط!

جعلها تشعر بالضيق. اعتدل بترقب وضغط على غيرتها بقوله الآتي. "الحاجة اللي معايا مكنتش تقدر تستنى. لكن انت موجودة فأي وقت! هل هذا قول مستفز؟ أم إهانة. اندفعت تردف بانفعال وهي تشير بالصينية التي بين يديها. "يعني ايه موجودة فأي وقت دي؟ انت ضمنتني؟ استطاع هو أخذ هذا الرد المنفعل منها كي يكمل الآتي. إقترب يأخذ الصينية من بين يديها ليضعها على الطاولة واعتدل يرد عليها بنبرة هادئة جادة هذه المرة. رفض بأن يخرج بها وجعه منها.

"شوفتي لما تحسي إن اللي قدامك ضامنك بعد ما تفوقي بتتدايقي ازاي. حسيتي بوجعي وأنا شايفك ضمناني فكل وقت وكل مرة ولا لسه محستيش؟ وعارضت بقوة أشبه بنبرة باكية تخفي خلفها الانهيار. "أنا مضمنتكش!!! "لا ضمنتيني. وأوي كمان لدرجة إنك فضلت تقولي طلقني وانت واثقة اني مش هعملها. واتصدمتي لما قولتهالك حتي لو كنتي عايزة ده! واجهها بالحقيقة الموجعة. ابتلعت ريقها بإرتباك ظهر على ملامحها وحبست دموعها.

بينما تحشرجت نبرتها وهي تسأله بوجع. واضعة كفها على وجهها والآخر على معدتها. "انت عاوز ايه مني؟ بينما نهر كل ذلك ورفض واعتلاه الكبرياء، تغيرت ردات فعله في كل مرة وعكس كل ذلك بـ: "انت اللي عايزه مني مش أنا! لم تشعر بأن دمعتها قد هبطت وخانتها، بينما رفضت مثله الضعف وأكدت قوله قائلة بكبرياء أنثى: "عندك حق." وأضافت بعدما ابتلعت ريقها وجلست على المقعد تريح جسدها بمنتهى الثبات أمام بنيته الداكنة التي تراقبها بقوة:

"أنا اللي محتاجاك عشان بعد كده مبقاش محتاجة حاجة منك! لم يفهم "غسان" قولها ولكنه وقف ينتظر الآتي، أما هي فتنفست بصوت عالٍ تخيرة بكبرياء: "يا تاخد تمن المحل يا تاخد المحل وميبقاش ليا فيه حاجة! هل تعمدت التقليل من شأنه؟ التزم الصمت وجلس يستند بانتظار، فأضافت سريعا تكمل وهي توضح: "مهما كان دي كانت هدية بينا في يوم من الأيام، وعشان هدية كبيرة أوي كدة فأنا مش هقبل ده دلوقتي، فإختار! نفى "غسان" بشفتيه وغمز يرفض ذلك بـ:

"تؤ.. أنا مبخيرش ولا باخد فلوس هدايا من حد، أنا بشفق بس! عقدت ما بين حاجبيها وسألته تنفي ما جاء بعقلها: "يعني ايه؟ "يعني بشفق عليكي علشان انت عقلك تعبان.. فهسيب ليكي المحل ده تاكلي منه عيش بس مش عشانك، دا عشان اللي فبطنك وعشان ده أكل عيش ناس تانية معاكي هنا! اندفعت تقف وأشارت له بانفعال عمل على خروجه بكلماته: "أنا مش محتاجة صدقة من حد." ووقف هو الآخر ببطء ينفي بابتسامة هادئة ووضع كفه بجرأة على معدتها وقال:

"دي مش صدقة دي عشان اللي فبطنك، واللي مني، أكيد هيحتاج مصاريف غير اللي هساعدك بيها وملزومة بيها مني والنص التاني بتاع بنت عمك والباقي لبيت ابويا! كيف رتب لكل ذلك؟ ابتلعت ريقها وبعدت عن محور الحديث وهي تنفض يديه بعيدًا عن معدتها وقالت تحذره بإشمئزاز: "ابعد ايدك دي عني! نفض يديه منها بهذه الطريقة بمثابة وجع آخر، وهو من جعلها تفعل ذلك، اعتلى صدره بانفاسه التي تخرج وتدخل واقترب أكثر منها. ووقفت هي تتحلى بالثبات

حتى بعدما قال يخبرها: "انتي ناسية انه حقي وانك فى عدتي؟ ابتلعت "نيروز"، ريقها بطريقة ملحوظة، فاقترب هو أكثر حتى رجعت تصطدم في الطاولة وأكمل في جرأته عندما واصل بجملته الآتية: "وحقي كمان أعمل أكتر من كدة! وازداد القرب وهي تقف بخوف، تتوتر ويظهر الارتباك على معالمها وأضاف مجددًا بهمس هذه المرة: "زي اني أردك مثلا."

كادت أن تتعثر قدميها وتقع الطاولة خلفها بينما هو حاوط خصرها بذراعه ودفعها ناحيته أكثر حتى اعتدلت في وقفتها بخفقات قلب عالية، بينما لم يتركها هو وابتسم ابتسامة عبثية يسألها: "ايه رأيك في حقوقي؟ نفضت "نيروز" ذراعه وحاولت التملص وهي تدفعه بقوة مرددة بتعنيف: "دا فـ أحلامك، ابعد.. ابعد عني وابعد ايدك المقرفة دي، اللي يخليك تخرج مع واحدة غيري يخليك تعمل الأكتر من كدة، بتحبها؟ هتتجوزها صح؟ ومسكت ايدها كمان؟

اندفعت بأقوالها تسأله بنبرة قوية، نظر لها هو بتعجب واندفع إلى الخلف منها ومن دفعها له، فأحكم وقفته سريعا وهو يستمع لأسئلتها المندفعة التي ظهر بها الحدة والانفعال، لا يصدق أن بعد هذا الانفعال دموع، دموع غزيرة باستسلام بعدما جلست بخواء على المقعد تخفي وجهها وكلماتها المتقطعة تخرج بوجع له تظهر له بعد ألم الخفاء القليل التي لم تتحمله رغم قصر الوقت بشعور الغيرة هذه: "انت بتعمل فيا كدة ليه؟ حرام عليك!!

أنا مش حأمل كل ده.. مستحيل ارجعلك لو قصدت تعمل كل ده عشان ارجعلك واقولك الكلام ده.. انت مبتحسش ومعندكش دم. وخاين وكداب." وحركت رأسها بقوة من بين هذه الدموع ونهرته قائلة بإندفاع آخر: "انت كداب يا غسان!!!! كل هذا بنبرتها الباكية وهي تخفي وجهها أمام ذهوله واهتزاز ثباته ولم تتوقف الي هنا بل واصلت بنفس المشاعر والبكاء المؤلم: "قاصد توجع قلبي بكل ده صح؟ قاصد تركبها معاك العربية عشان تحرق دمي بوجودها معاك!!

اختارتها عني قدامها؟ فاكر لما خليتها تتأسفلي تبقي كدة رفعت راسي؟ طب لما مشيت معاها مفكرتش انا ممكن أحس بإيه؟ مفكرتش بعد ما خليتني أحبك بسهولة وخليتني بردو أبعد عشانك تقوم تعمل كل ده؟ ليه؟ ده أنا بعدت عشانك قبل مني خوفت عليك، عرفت انك كداب وعمرك ما حبيت فيا حاجه؟ وجعته نبرتها ولومها التي مازالت الي الان تلقي عليه اللوم وتقلب كل الموازين عليه هو؟

لمعت عينيه وسألها بنفس اللوم عند قول عدم حبه لها فأشار بإنكسار ناحية معدتها بعينيه وقال بسكون مؤلم: "وابني اللي فبطنك دا ايه يا نيروز؟ مش حب؟ اندفعت تقف بانهيار أعصاب ونفت بأعين باكية حمراء:

"لأ مش حب، مفيش حاجة اسمها حامل منك يبقي انت بتحبني، ياما ناس سابوا بعض وهم لسه حوامل ومشوا او فضلوا ومبطلوش يأذوا فيهم زي ما انت بتحاول تأذي فيا كدة، مش كل حب بينتهي بجواز وعيال وخلفه، في حب انك متعرفش تشوف غيري، حب يعني تمسك حتى لو بان غير كده، انت عمرك ما فهمتني!!!!!! أرسلت له حجم كبير من التشتت، تجعله يندم؟ أتعاتب نفسها؟ ابتلع "غسان" ريقه بصعوبة وحرك عينيه اللامعة ناحيتها بإستسلام مؤلم وقال يرد على حديثها:

"اديكي قولتي بنفسك، حب يعني تمسك وانت اللي متمسكتش مش أنا، أنا فضلت متمسك وانت اللي مكنتيش عايزه كدة، لكن انا فعلا معرفتش أشوف غيرك ولا أذيتك أنا أستاهل كل ده! "انت خونتي الوعد والعهد قبل مني، قريب قولتيلي انك مستحيل تقدري تبعدي عشان ده! وانتهي قوله الساكن بإشارة يديه على معدتها، فتلقائياً تمسكت بمعدتها تتشبث ببكاء بها وكأنه يذكرها بما تلومه به وهو لها من الأساس. "فاكره قولتيلي إيه؟

قولتيلي مستحيل تقدري تبعدي عشان حبل قربنا اتربط بالقوي، حتى قبلها وكأنك كنتي حاسة إن في حاجة هتحصل. مبتطلتيش تقوليلي أوعى تبعد عشان إحنا حلوين مع بعض. قولتيلي كمان متعملش حاجة تكون سبب البعد بينا. بس عارفه مين اللي عمل حاجة سببت البعد؟ صمتت "نيروز" بإنهزام تستمع لوجعه وخفق قلبها من نبرته الموجعة عندما أشار بيتهمها بصدق تعلمه. "انتِ."

وابتسم هو بإستهزاء من هذا الحال ورفع رأسه يرد ساخراً من ما فعلته به حتى مشاعره استهان بها. "وياريتها حاجة واحدة بس عملتيها! مسحت دموعها التي تهبط إلى الآن ورددت بنبرة خاوية عندما وجدت كل اللوم يلقى عليها الآن دون قدرة منها على البراهين والتبرير. "إحنا خلاص، مننفعش لبعض."

وقف "غسان" ثابتاً بسكون هادئ، فاعتدلت هي تتقدم إلى الأمام وطرف عباءتها يعلق بالطاولة، فرجعت إلى الخلف بإندفاع. ولحقها كفه الذي مسك كفها يدفعها برفق. تأوهت وهي تمسك معدتها بألم، فسألها بنبرة هادئة قلّقها حتى ظهرت لهفته رغماً عنه. "إنتِ كويسة؟ هربت بعينيها الباكية ونفت قائلة بإنهاك منه ومن هذه الظروف التي تجمعهم الاثنان وثالثهما الوجع بينهما.

"لا.. وابعد عني مش عايزة أشوفك، انت وجودك بيأذيني وبيتعبني. حس بيا. ولو عايزني أبقى كويسة أنا واللي في بطني، معتش تقرب مني حتى ولو بكلمة! حديث قالته رغماً عنها، ابتلعت ريقها تخفي اهتزاز كلماتها الباكية. أما هو فلا يعلم من أين أتى بهذه الطاعة أمام إنهاكها وقال يجاريها بنفس الإنهاك. "ماشي يا نيروز اللي انتِ عايزاه."

وأضاف ينبهها لبداية هذا الحديث الذي كان قد خرج منها وبرر رغم أنه ليس من أنصار التبرير، ولكن أمام عينيها البريئة ينهزم وتتخبط طباعه وأقسى طبع لديه يلين أمامها ولها وحدها هي لـ "نيروز"، وفقط. "وعشان تكوني عارفة أنا مش هرخص ولا هقلل من نفسي عشان أبقى قاصد أجيبها قدامك. أنا لو عايز أعمل كده مش هتعرفي تتلمي على أعصابك ساعتها حتى. عشان كده مش محتاج أقولك إن ده مش ترتيب مني!

وجدت الصدق منه ولم تقتنع رغم شعورها بالقليل من الراحة وذكرته بقول كان قد قاله لها من قبل بقسوة. "مبقاش يهمني." حديثها من حديثه لها في الشرفة وواصلت تذكرة بسخرية موجعة. "زيك." حينها قد أكمل أنه لا يهمه سوى صغيره التي تحمله هي. أدمعت عينيها مجدداً عندما ردد بخفوت يصارحها. "كنت كداب وقصدت أكون كداب ساعتها. مع إني بعرف أكدب يا نيروز! وأضاف يقترب ولبسته حالة الانهيار بمشاعره الموجعة. "بس وأنا معاكي مبعرفش أكدب!

التفتت واجهشت بالبكاء بصوت عالٍ من هذا الضغط. الاثنان عالقان بقوة وبالمنتصف المؤلم هناك توجد رغبة الرجوع ولكن يأبى الطرفان. -هو يأبى بسبب كبريائه الذي هزمه وجعه منها. -وهي تأبى بسبب رؤيتها لكل ذلك بعينيه، فكيف ستعود وهو معها كذلك؟ هل لم يستطع العودة كما كان معها من قبل؟

تلك هي العقبة الحقيقية الموجعة بالنسبة لنا جميعاً. لا نشعر بقيمة الشخص أو الشيء إلا عندما يُسلب منا. أحياناً يُسلب بمنتهى القسوة وأحياناً أخرى يُسلب بمنتهى الهدوء حتى لا نشعر بزواله إلا فجأة وبالتدريج تزداد المفاجأة! حركت "نيروز" عينيها التي غمرتها الدموع والآن كشفت المشاعر واتضح السبب الذي يقف عائق رغم حب الاثنان الظاهر. وأجابت بنبرة مختنقة ترد على حديثه بتأييد هي الأخرى.

"أنا كمان مبعرفش أكدب. بس خلينا نكمل في اللف والدوران على بعض. خليك مكمل في كلامك وأنا كمان هصدق كدبك وهقول إنك فعلاً مبقاش يهمك أي حاجة غير اللي في بطني وإنك بطلت تحبني وقريب هتتجوز وهتنسى كل ده عشان راجل وليك احتياجاتك ومش هتقعد كده زيي. بس لو فكرت أعمل زيك حضرتك تردني؟ فلما تردني معرفش أتجوز غيرك ولا أعرف أطلق منك وأعيش للي في بطني أربيه وأخد بالي منه عشان متاخدوش مني لأم تانية غيري. صح؟ مش انت عايز كده؟

مش ده كلامك ليا؟ لم تعطيه فرصة للرد بعد اندفاعها بكل ذلك بل أضافت بابتسامة مستهزءة بنفسها. "ودا كذبك اللي أنا هصدقه يا غسان! لم يكن يعلم بأن كل حرف أردفه لها تدخره وتتذكره بمثل هذا الألم! ولكنه ردد لنفسه بأنها وجعته أيضاً لما لم يردد لها وعلى مسامعها بذلك مراراً وتكراراً. ظهرت لمعة عينيه وقال يسألها بسكون. "نفس السؤال هسألهولك من تاني.. عارفه إيه هي مشكلتك؟

اختنقت نبرتها وتوجعت بما فيه الكفاية من هذه المواجهة. وكشفت مشاعرها بحبها له وتحتسب شئ بسيط أمام ما كشفه لها كي تنظر بعين أخرى وليست عين المظلومة دائماً منه. ردت باختناق عليه وظهر حبها بقولها. "هكدب زيك عشان عايزة أسمعك يا غسان. يمكن تكون المرة الأخيرة! جوابه فعلته هي بجملتها الأخيرة! ولكنه عاد يرد وصارحها حينها بـ.

"مشكلتك دايماً إنك مندفعة ومتسرعة. بس تسرعك ده في الآخر بيجيب ندمك بأقصى سرعة وساعتها بتعرفي كويس قد إيه انتِ كنتي غبية يا نيروز." وأضاف "غسان" بصراحة ساكنة بعيدة كل البعد عن القصد بالسب. "ومازلتِ!! شهقت بتلقائية بصوت خافت. وحركت عينيها بسكون وقبل أن ترد قاطعها هو ووضع إصبعه على شفتيها وداهمها بمحاصرته لسؤاله لها. "قوليلي.. مندمنتيش على قرارك وعلى اللي عملتيه؟ عجزت عن الرد حينها. بما ستصارح؟

على أية حال تعلمت من معلمها الكذب. نفت بخداع برأسها تنفي. فابتسم يفهم خداعها وقال. "كدابة! "حتى ولو كذابة، فات أوانه الكلام ده!! وأضافت ترجع خطوة إلى الخلف عنه وسخرت منه بقولها الآتي. "ولو كنت كذابة زي ما بتقول فأنا متعلمتوش غير منك! "أنا مكدبتش عليكي في حاجة ولا حتى عرفت أكدب. كل حاجة كانت صادقة مني ومعاكي. مش مشكلتي إنك كدابة وشايفة الكل زيك. انتِ فاكراني كداب في مشاعري وحبي زيك بالظبط!! "ونهاية دا كله إيه؟

كان قولها مبحوح من كثرة البكاء وحتى قوله واتهامه لها تركته ولم ترد عليه. وكان رده عليها. "انتِ اختارتي نهاية كل ده من شوية! قوست "نيروز" حاجبيها بعدم تركيز. فابتسم "غسان" بإنهاك ينبهها. "مش بقولك متسرعة! انتظرت قوله الذي تلى هذا. قوله المنهزم عندما ذكرها بقولها بهدوء. "نهايته بعدي عنك عشان وجودي بيأذيكي وبيتعبك ومش هقرب منك ولو بكلمة زي ما قولتي بالظبط! خفق قلبها بسرعة. هل ستحرم حتى من كلماته حتى ولو كانت سامة؟

ابتلعت ريقها بصعوبة وعقلها ينفي كل الأفكار التي جاءت بعقلها ولم يتركها بعدها بجواب. وحتى هو لم يكمل بقول أي شيء ليريح هذا العقل الذي على وشك الانفجار لسبب واحد فقط!! للتفكير به!! ماذا فعل الهوى بهما؟ ماذا فعل الحب لاثنين؟ عجزت كل أمور الحياة المنطقية عن فهم ما يجري بهما، وفهم كل منهم للآخر على الرغم من وجود الحب. ماذا فعل الشوق بعد كل ذلك؟

لم يفعل أي شيء سوى أنه جعلهما يكشفان مشاعرهما، بينما شيطان الحب موجود ولم يختفِ. الكبرياء أحيانًا يعتبره البعض شيطانًا. هو يعتبر شيطانها، الكبرياء وهي كذلك. والاثنان عالقان وعجزا عن وجود الحل للمرة التي لا يعرف أي منهما عددها. التفت "غسان" بجسده كي يفتح الباب أكثر، بينما هي وقفت تتابعه بأعين لامعة. لم تعد لديها قدرة على فعل أو قول شيء، ولكنها هتفت للمرة الأخيرة تصحح له:

"حتى لو قلت ده، فانت مش هتقدر تعمل ده. النصيب مخلي شققنا جنب بعض وربنا أراد إني أحمل منك. هتبعد إزاي؟ وبمتتهى الخواء الموجع للاثنين، قال قبل أن يخرج من المحل: "عادي هعملها طالما وجودي بيتعبك. مش فارقة كتير اللي اتقال.. اتقال وخرج خلاص! هنا قصد تركها على راحتها حين أن تضع حملها منه. ما الذي بيديه كي يمكن فعله؟

شهور عدتها طويلة وهذا ما يلهمه الصبر. حتى الصبر على "حسن" هو الآخر. ترك كل شيء إلى حين آخر ودخل المبنى بوجعه منها وفقط. وحتى هي هرولت لتصعد خلفه ناحية غرفتها قبل أن تأتي أي منهن لها تستجوبها من على بعد. لاحظ الكل خروجهما، فجاء "حامد"، معهن من على بعد وحينها دخلت "نيروز" مهرولة تنتظر المصعد الآخر كي تصعد. تحث نفسها على التماسك لآخر ذرة. حين فقط دخولها لغرفتها حينها ستنهار ويتيح لهذا الانهيار المكبوت بالخروج.

طالع "حامد" أثرهما بفقدان أمل وتمكن الحزن منه على حالهما، حتى ظهر على ملامحه التي رأتها "فريدة" و"فرح"، بينما صعدت "جميلة" تهرول خلف "نيروز". سمع أذان المغرب فأمسك "يامن" كي يأخذه معه وأخبرهما مردفًا: "هروح أصلي. خلي بالكم أنتم على ما أرجع." أومأت "فريدة" ودخلت "فرح" بعدها بحزن على ما حدث بجهل منهم، فالوضع وتعابير الوجه تشرح نفسها. ******

بعدما فتح "حازم" الباب، دفعت الكل من أمامها وهرولت ناحية غرفتها بسرعة فائقة ترفض أي شيء. انتهت بإغلاق الباب بقوة ترفض فتحه لأحد، تحت دقات "وردة" و"ياسمين" لها ووقوف "حازم" وهو ينظر بغير فهم. بينما خفق قلب "سمية" بخوف وجلست تضرب ركبتيها بحسرة من حالها الذي عاد وخافت حدوث أي انهيار بعده. "ليه كده بس يا بنتي؟ ليه حرام عليكي؟ أنا تعبت خلاص، معتش فيا أعصاب لكل ده يعالم!!!

واستها "عايدة"، بينما "نيروز" لم تتمكن من كبت أي شيء وظهرت دموعها وانهيارها بالحزن أمامهم، لذا ركضت مسرعة ناحية الداخل. دخلت "جميلة"، تهرول من الباب تتوجه ناحية غرفتها تدق هي الأخرى معهم بصوت عالٍ كمثل نبرتها في قولها الآتي بخوف: "افتحي كده يا نيروز. بالله عليكي افتحي وريني نفسك. قولى لي طيب حصل إيه؟ عملك حاجة؟ ردي عليا عشان خاطري!

استمرت "وردة" في أن تدق عليها الباب ولما تسمع أي واحدة منهن إلا صوت شهقاتها العالية بتمزق وصوت البكاء. بينما ترقبت أنظار "ياسمين" لقول "جميلة"، فاندفعت تسألها بنبرة ليست هينة بالمرة: "هو مين ده؟ متقوليش إنه غسان؟ هي قابلته تحت؟ أكدت "جميلة" شكوكها، فنظرت "ياسمين" بغضب ونهرتها قائلة: "وسيبتيها معاه؟ انت مشوفتيش حالها من كام يوم كان عامل إزاي؟ هو احنا كنا ناقصين؟ انت بتفهمي ولا غبية ومبتفهميش؟

تجمعت الدموع بمقلتيها من هذا الهجوم. واعتدلت "ياسمين"، أمام أعينهم كي تتوجه ناحية باب الشقة لتتجه ناحيته، بينما قاطع سيرها مسك "حازم" لمعصمها وهتف محذرًا لها: "انت رايحة فين؟ ملكيش دعوة باللي حصل! حاولت دفعه عنها بعنفوان، وقالت بشراسة رغم إمساك جسدها من "عايدة": "وسع كده. عايزني اسكت إزاي؟ لازم أروح أشوف هو عملها إيه وإيه اللي خلاها تيجي بالشكل ده وتقفل على نفسها وتقطع نفسها من العياط!

أحكم "حازم" مسكها وقال محذرًا مرة أخرى عندما وجد "سمية" تنهض تمسح عينيها بعجالة، تبحث عن حجاب رأسها بعينيها: "ملكيش دعوة قلتلك. انتِ آخر واحدة تتدخلي سامعة؟ وأضاف يسحبها أكثر كي يدفعها لتجلس على المقعد تحت سيطرته: "اقعدي ومتتحركيش من مكانك بدل ما رد فعلي ميعجبكيش. أمك هي اللي هتتصرف وانتِ هتفضلي هنا وأي حرف منك بعد كلامي ده مش هيحصل! كادت أن تتحدث، بينما احتدت عينيه ينهرها وهو يشير لها بكفه: "بـــس اسكتي. ولا كلمة!

تشنجت ملامحها بغيظ وضجر شديد، بينما انفردت "جميلة" بركن ما بنفسها تبكي من حديث "ياسمين" لها، وبالأخرى بسبب فقدان أملها بعدم فتح "نيروز" الباب. ولكن تحشرجت نبرة "وردة"، أمامهم عندما استمرت دون يأس في طرقها على باب حجرتها وقالت تحثها بلهفة: "افتحيلي يا نيروز. افتحيلي أنا طيب عشان خاطري وبلاش تعيطي بالشكل ده. خافي على نفسك بالله عليكي ومتعمليش كده!

ومن ثم بعد ذلك خرجت "سمية" وهي تضع حجابها على رأسها وخلفها "عايدة"، بينما بقى "حازم" معهن يحاول هو الآخر فرض أمره على زوجته ومساعدة "وردة" في أن تفتح "نيروز" لهم الباب. "براحة بس يا سمية واستهدي بالله! رددتها "عايدة" بقلق من اندفاعها بهذا الشكل. تركتها "سمية" هذه المرة دون رد ورفعت يديها تدق باب شقة "حامد" حتى فتحت "دلال" الباب وتفاجأت من ملامح "سمية" التي سألتها بنبرة جاهدت بها الثبات: "ابنك فين يا دلال؟

تعلثم لسانها من هذا السؤال المندفع فأشارت لها فقط على الدخول. فدخلت "سمية" وخلفها "عايدة" واغلقت "دلال" الباب. وحينها ردت عليها بنبرة هادئة تسألها بقلق: "فيه إيه يا سمية؟ إيه اللي حصل؟

"اللي حصل إني عايزة أشوف ابنك آخره إيه في كل المواضيع دي. أنا ساكتة بقالي فترة وبقول يا ستي عدي. يستي يا ما بيحصل مشاكل وبتخلص. لكن إني أحاول أسند بنتي وأبعدها عن أي ضغط ويجي هو في لحظة يخليها منهارة وتروح تقفل على نفسها من تاني واحنا لسه من فترة كنا بنحتاس فيها وفحالها يبقى ده ميرضيش حد أبدا. أنا بنتي مش حمل كل ده يا دلال وابنك حتى مش مقدر ولا حاسس. ده حتى مش مقدر إنها حامل وسايباهالي بالشكل ده. أنا بقيت أخاف على إني أفوق في مرة ألاقيها سقطانة من اللي بتعمله في نفسها بسبب ابنك!

داهمتها بأقوال كثيرة. وتفاجأت "دلال" من هجومها بمثل هذا الخوف. ماذا فعل الآخر بها؟ تعالت الأنفاس وكانت الساحة بمثابة كائنات تحارب فقط لأجل فلذات كبدها من خطر كائنات أخرى، أو لربما من خطر فريسة تود النيل من الأبناء. فطرة. فطرة. ابتلعت "دلال" ريقها وحاولت على أن تهدأ الوضع بعدما خرجت "وسام" من غرفتها تستمع إلى كل ذلك. ووجدت نبرة "والدتها" تخرج وهي تحث "سمية" بقولها الهادئ:

"طب تعالي نقعد كده بس واستهدي بالله. وهناديلك غسان زي ما تحبي. تعالي اقعدي. تعالي يلا انتي وعايدة واستغفري ربنا كده مش عيالنا اللي هيوقعوا بينا يا سمية ويخسرونا بعض! اتجهت معها "سمية" و"عايدة" للجلوس وقالت الأولى تنفي قولها: "مقولتش نخسر بعض يا دلال. بس أنا حقي إني أخاف على بنتي. زي ما حقك بالظبط تخافي على ابنك وتزعلي عليه وعلى زعله، ولا ده محصلش؟

"لا حصل ومش هنكر. معاكي حق في كل كلامك ده. وأنا زعلت فعلاً. بس زعلي وزعلك ده أنا وانتي عارفين إنه ملوش أي تلاتين لازمة لأننا منعرفش لحد دلوقتي إيه اللي جرى بينهم. وتاني حاجة مينفعش زعلنا على عيالنا يأثر بينا وبعلاقتنا. انتي اختي يا سمية وبدل ما نقول ابني وبنتك الأصح نحاول نصلح بينهم لو في حل! زواج الجيران والأقارب من أكبر العقبات بهذا المجتمع!

مشكلة وحلها صعب، بعد كونها عقبة كبيرة ومهما كانت المشكلة صغرى فتكبر هي مع الأطراف الذين حولهم. أخرجت "سمية" أنفاسها واخفضت رأسها بعدما هبطت دموعها وصرحت لها بتعب:

"أنا عمري ما ازعل ولا اشيل منك يا دلال. أنا كل زعلي علي بنتي. نيروز مش كويسة وبتعاني وأنا عاجزة مش قادرة أعملها حاجة. محدش هيحس بيا غير لو اتحط فمكاني. انتِ اكيد حاسة بيا. بس انا شيلتي أكبر منك. ابنك راجل ومسئول وبإيده يعمل حاجات كتير انما بنتي ليها ماضي صعب بخاف منه يرجعلها. وكونها حامل دي مسئولية اكبر عليا وفي الأول وفي الٱخر بنت مهما حصل هي اللي بتضر بسبب نظرة الناس للحال. انا ليه اندم اني جوزتها مع ان ده الصح؟

طب هتزعلي لوقولتلك اني شايلة من ابنك عشان مجاش علطول يقولي انتي بنتك عملت واحد اتنين تلاته ساعتها لو بنتي غلطانه هقف فصفه وهفهمها غلطها بطريقتي. بس ميسبهاش كده يا دلال. ولا يسيبنا لدماغنا هو وهي!! أنا ليه اراجع نفسي واندم اني وافقت عليه؟ هو ده طيب اللي هيصونها؟ دا أنا قايلاله بعضمة لساني دي. ان انا عاطياك حته غالية من قلبي اوعي تفرط فيها بالساهل!! حكمت بفطرة الأم!! وبتلقائية تأخذ صف ابنتها! طبيعي إذن!

حركت "دلال" رأسها بأسى ودافعت عن ولدها قائلة بنفس الحسرة: "فكرك غسان يعني مبسوط؟ انا ابني مش كويس من ساعة اللي حصل وموجوعة عليه نفس وجعك على بنتك. بس قوليلي كده ازاي هنحكم عليهم واحنا مش فاهمين حاجة؟ أو ازاي بتندمي يا سمية وانتي مش عارفة اذا كان ابني غلطان ولا مش غلطان؟ وليه الندم وكل ده نصيب من الأول!! فاندفعت بعدها "سمية" تردد بنبرة باكية وبقوة تسألها بقهر: "والطلاق اللي بينهم ده بردو بقا النصيب خلاص يا أم غسان؟

كان رد "عايدة" هو الآتي عندما حاولت التدخل بعقل تهدأ من الاندفاع وتسكن من أوجاعهم: "صلوا على النبي بس كده. ان شاء الله خير وربنا عمره ما بيجيب حاجة وحشه ولو وقفنا على رجل واحدة نقول خلاص اتطلقوا. وهم ليهم نصيب مع بعض بعدين يبقي ملوش لازمة. احنا دلوقتي ندعيلهم ولو حد دماغه لانت منهم يفهمنا ساعتها ايه اللي جرا ولو في حل أكيد هنحاوله والباقي ده من عند ربنا. اهدوا بس! وكان قولهما خلف بعضهما: -"عليه أفضل الصلاة والسلام"

-"عليه الصلاة والسلام" توقفن عن الحديث للحظات. بينما دقت "وسام" غرفة "غسان" فلم تسمع صوته ولكنها سمعت صوت الماء بالمرحاض في الداخل. لذا فتحت الغرفة واغلقتها خلفها تنتظر خروجة. وتحسبا لأي شئ اقتربت من المرحاض وقالت من خلف الباب تخبره كي يأخذ احتياطاته: "غسان. أنا مستنياك هنا فالأوضة. خلص بسرعة واطلع!

سمع قولها من الداخل وميز صوتها وهمهم يوافقها وكل شئ يداهمه حتي دقات الباب على المرحاض عندما كانت تعجله بتأفف. صوتها وهي تنهره في أغلب الأوقات بأنه مهمل يلقي ملابسة في كل مكان! ابتسم بسخرية. واكتفى بكل الطرق في أخذ الوجع منها. كل مره يتألم رغم انه يتوقع في كل مره بأنه هو من هزمها في الرد والوجع الذي يلقيه لها فتأخذه! الٱن سأل وبعد هذه المواجهة خصيصا.. -أي منهما وجعه أكبر؟ -من منهما تخطى لغيره الكثير وإلى الٱن يتحمل؟

-من منهما تمسك بالهوى ملبيا نظرية الحب؟ -من بهما خان الوعد أولا؟ -أي منهما تمسك بالوعود والعهود بينهما؟ -أي منهما كان قلبه متسع ليأخذ من الحب ومن جهة أخرى يأخذ شوكه؟ -من منهما المؤذي؟ -من منهما القادر إلى الٱن على الأذى؟

أمسك "غسان" رأسه بجوار أذنيه بكلا كفيه وسالت دماء أنفه مع المياه كالعادة من ضغطه النفسي. حاول أخذ أنفاسه وابتلع ريقه. واعتدل ينوي الوضوء قبل ان ينتهي حتي يرتدي ملابسه. قرارات كثيرة تجرى أمام عينه ربما سيقرر و سيكرر الرحيل مرة أخرى بأخذ قرار موجع على البعض ولكنه وجد ان هذا الصواب!!

انتهى من ارتداء ملابسه وأمسك المنشفة يجفف خصلاته ووجه ووضعها حول رقبته بإهمال وفتح الباب حتى وجدها تقف خلف باب غرفته تستمع إلى الحديث بينهما في الخارج بقلق وتوتر من ان يتطور الوضع بينهم! قوس حاجبيه ورمقها بطرف عينيه وسألها بجدية: "مالك واقفة كدة ليه؟ في ايه؟ ابتلعت "وسام" ريقها وأخبرته بقلق: "طنط سمية بره. وكانت جاية محموقة. بتقول نيروز قافلة علي نفسها من ساعة ما رجعت من تحت. انت كلمتها؟!

يعلم انها أخرجت كبتها بالإنفعال والاقوال حين مواجهتهما معا. لذا لا يتأكد من حدوث انهيار. ورغم القلق الذي اعتراه الا أنه أجاب على سؤالها الأخير مختصرا: "آه" حركت عينيها بعشوائية. وهابت ان تسأله خاصة. بالفترة الأخيرة أصبح حساسا تجاه أي حديث يحمل معنيان!! ولكنها قتلت التردد وسألته مردفة بخوف: "طب انت عملت فيها حاجة فعلا؟ نظر لسؤالها بغير تصديق. بماذا يمكنه ان يفعل بها؟ أخرج أنفاسه وقذف المنشفة يسخر منها

بسرعة بدلا من الاندهاش: "انتِ عبيطة يا وسام؟ هعمل فيها ايه؟ محصلش حاجة بينا غير كلام! التزمت الصمت واتجه يمشط خصلاته أمام المرآة بغير اهتمام. وملامح وجهه تتشنج بغيظ من ما يصل لمسامعه من الخارج! ترك المشط واقترب يفتح الباب غير مبالٍ برفض وسام بحرص. ولكنه خرج. وعندما فتح الباب ظهر أمام أعينهم.

وقفت سمية باندفاع وتلاقت الأعين بصمت. بينما هو رأى دموعها على وجهها فهدأ قليلاً يراعي حالتها. ترجته دلال بنظراتها، فنظر لها دون رد. وسمع قول سمية: "عايزاك في كلمتين يا غسان! ابتعدت دلال مع عايدة وسحبتها معها ناحية المطبخ. ووقفت وسام في الخلف. وقبل أن يرد عليها، التفت يشير لشقيقته بأمر هادئ: "البسي حاجة عليكي وروحي شوفيها! وكان الاندفاع من سمية بغير وعي: "مش لما تفتح لنا الأول؟ عملت إيه في بنتي؟

ضغط على فكه بتحمل من تهمتها له. وتجاهلها وحرك رأسه مجددًا ورفع يديه يشير لها في التوجه لـ "نيروز". انسحبت وسام ترتدي خمار والدتها عليها حتى خرجت من الباب وأغلقت خلفها. بينما هو اقترب من الأريكة التي توجد بالصالة وأشار لها يتعمد احترامها رغماً عنها: "اتفضلي! جلست سمية بتعب وجلس أمامها ينتظر قولها بصبر قرر التحلي به. ولم تنتظر هي قوله كي تبدأ الحديث بل بدأت هي تردد:

"نيروز جاية من تحت معيطة وجرت قفلت على نفسها ورفضت تفتح لحد. أنا عايزة أفهم إيه اللي بيحصل معاكم بالظبط وعملتلها إيه؟ وقبل أن يباشر حتى بخروج نبرته للدفاع عن نفسه، انفجرت هي باكية بحرقة مرددة كلماته الآتية وكأن طاقة تحملها انتهت عند هذه النقطة: "قدك هي قد عنادك ده يا ابني؟

حرام عليك البت حامل ومش هتحمل أي حاجة من دي. أنا تعبت واستحملت كتير. اش حال ما أنا فهماك الوضع وحكيالك واخدت منك وعد بعد كل ده إنك مش هتيجي عليها ولا هتوجعني فيها، بقا كده؟ ليه؟ ليه مجتش من أول خلاف بينكم تقولي نيروز بنتك يا ست سمية عملت وعملت وعملت؟ كنت هرفضك يا ابني؟ كنت هقولك لا مش عايزة أسمعك؟ رفع غسان عينيه ينظر لنحيبها وتنهد يخرج أنفاسه يخبرها بما يراه ويقتنع به:

"مش كل مشكلة كانت تبقى بين الواحد ومراته تنفع تتقال. أظن في حاجة اسمها أسرار بيوت! إلى الآن دافع ويدافع عن صورتها بما فعلته حتى من أقرب الناس إليها. ومن ناحية أخرى لا يثق بها أن علمت فلربما تجبر ابنتها على الصلح وستجعلها تقدم على الاستمرار وهي الأخرى ترفض. ورأى الرفض بعينيها كيف سيجعلها معه رغماً عنها. اندفعت مرة أخرى تخبره بضعف وهي تمسح بكفها دموع عينيها:

"لا في حالات معينة لازم نعرف. أو طالما انتوا مش عاقلين كفاية يبقى تعرفونا الدنيا بينكم ماشية إزاي! صمت يرى اندفاعها وتسرعها بالحديث مثل ابنتها. سأل نفسه وأعطاها هي مبرر تحت مسمى الفطرة. وابتلع ريقه ورفع رأسه ينتظرها كي تنتهي بكل ما تريد قوله. وبالفعل واصلت تكمل بتعب آخر:

"أنا مش هسمح لحد يجي على بنتي. كفاية أوي اللي فيها ومش هشهدك على اللي حصلها عشان انت بنفسك شوفت اللي جرالها وهي مهدتش إلا معاك ساعتها. لو هتفضل تشد وترخي حتى بعد ما رميت عليها اليمين وتقابلها تزعلها بكلمة أنا اللي هقفلك يا غسان. عشان بنتي مبقتش ضامنها ولا ضامنة صحتها دي. دي ممكن تطب ساكتة مني فمرة واحدة من غير ما أحس. نيروز مش زيك ولا زي أخواتها وأنا معطتهاش ليك عشان تلعب بيها شوية وترجعها لي تعبانة ومعاها مسؤولية هي نفسها مش واعية ولحد دلوقتي بسبب طلاقك ليها!

وتحمل هذه الكلمات أيضًا إلى أن انتهت. وقال بصبر شديد يخبرها: "بنتك اللي طلبت الطلاق! وأضاف يدافع عن نفسه من أقوالها هذه:

"وأنا مش راجل لمؤاخذة عشان ألعب ببنات الناس. وانتِ قلتي إنك لحد دلوقتي متعرفيش اللي انتِ عايزة تعرفيه ووصل الحال لكده. فمتلومنيش على حاجة انتي مش فاهمة فيها مين الغلطان. ورجعت وقلتلك ده نصيب. بس مترجعيش انتي تقوليلي إني بأذيهالك ومرجعالك بمسؤولية أنا شيلت إيدي منها. أنا مش هخليها محتاجة حاجة ومخليتش إيدي من حاجة ومش محتاج أبررلك أكتر من كده!

"وأنا مش عايزة كده. أنا عايزة بنتي بيتها يتصلح وميتخربش. بس مش جايلك عشان أقولك رجعها. أنا جايلك أقولك لو ناوي على الحال ده يبقى ترجع عنها وملكش دعوة بيها! اغتاظ من لهجتها واعتدل ينظر ناحيتها يسألها بإستخفاف: "وانتِ شايفاني عملتلها إيه وانتِ عجزتي عن إنك تداويه؟ رجعت يوم زي ما حسن رجع وخلاها تصرخ ومحدش عرف يعملها حاجة؟ ولما سألت كله سكت ومقالش الحقيقة؟ طب ماهي معاكي أهيه واتأذت عرفتي تعمليلها إيه؟

وأضاف يوقفها عن هذا الحد التي تخطه بالحديث دون فهم ما حدث فقط ترمي اللوم ثم التهم. وعند هذه التهم نفذ صبره: "ولا انتِ فاكراني نايم على وداني؟ حدقت به بعينيها وشعرت بالعجز عن الرد في هذا الموضوع. في حين عاد يكمل لها هو: "كنتي هتوصلي بيها لحد فين؟ وهتوقفي حسن إزاي؟ اللي ميعرفش يوقفه عند حده السنين دي كلها مش هيعرف يوقفه دلوقتي. بس دي زي ما قولتي بنتك فقوليلي بقا كنتي هتعملي إيه؟ "انت قصدك إيه؟

قصدك إني سايبة الأذى يطول بنتي وواقفة ساكتة؟ نظر غسان بلامبالاة زائفة وأجاب حينها بما أنهى هذا الحوار: "معرفش وميهمنيش أعرف. اللي يهمني واللي يهمك هي بنتك واللي في بطنها وأي أذى مش هسمح إنه يطولهم حتى ولو كان مين. ده بعد إني مبأذيهش ولا مسيتها بسوء زي ما جاية تقوليلي!!! وقفت حينها سمية بسكون وأخذت أنفاسها وهي ترى دلال تخرج بأكواب عصير. أهبطت سمية عينيها له وردت تحذره:

"وأنا مش محتاجة منك إنك تحميها. أنا أم وعارفة أقدر أحمي بنتي إزاي! "كنتي حميتيها من زمان. أو حتى من قريب! وجعها قوله الصريح دون حرج أو مراعاة. وجعلها تنظر في الأمر بجدية بعد شعور العجز. وربما بهذه اللحظة ورثت منها نيروز الكبرياء عندما قالت له قبل أن تسير: "بنتي ملكش دعوة بيها. ابعد عنها ودا آخر كلام بيني وبينك في الموضوع ده! نهض غسان يقف أمام نظرات الآخرين. وقبل أن تسير قال يعاند قولها مصارحًا يلمح لحمل ابنتها منه:

"أنا وانتِ عارفين إن الكلام ده مش هيمشي بينا ولا هيحصل! "لأ هيحصل. وبنتي عندي وانت ملكش حاجة غير اللي في بطنها ومستغنين عن خدماتك لحد ما تولد ومسموحلك بعدها تيجي تشوفها وتشوف خلفتك! أرادت رد أي شيء شعرت به ابنتها. دفاع شديد بسبب ألم موضع قلبها على ابنتها. ظلمته الآن بهذا القول ومزال يحاصرها بعناده وهتف بـ: "مبسمعش غير اللي على مزاجي وبس!

تركها حينها وتخطاها مقتربًا من شرفة الصالة. بينما هي عاتبت دلال بعينيها وتركتها بعدما حبست الدموع بعينيها وخرجت دون حتى أن تنتظر عايدة التي نظرت بأسف لـ دلال الحزينة وقالت: "معلش اعذريها يا دلال. اللي بيحصل برضه مش سهل عليكم ولا عليها. ادعي.. ادعي ربنا يصلح ويهدي الحال! أومأت لها بسكون وجلست بعدها توافق على انصرافها. حينها هبطت دموعها بحسرة على هذا الحال!

أما هو فوقف يتنفس بصوت عالٍ متعب. يرى الضغط من الكل يوجه إليه وهو هو المضطر على التحمل! كابر على هبوط أي دمعة منه وابتلع ريقه يتذكر أنه لم يقضي فرض المغرب. لذا أخرج أنفاسه بثقل واقترب يخرج حينها قابل بطريقة سكون والدته التي نظرت له بلهفة وعجزت عن قول أي حديث. لم تعد تعلم كيف ستتعامل الآن. رفعت عينيها الحزينة لعينيه التي تشبهها وابتلعت ريقها تلومه بتعب من حاله: "كده برضو يا ابني؟ ليه دا كله من الأول بس!

التفتت الرؤوس بسرعة ناحية الباب الذي فتح قبل أي رد من غسان ولم يكن سوى التوأم الآخر. دخل "بسام" وأغلق الباب بقدميه من كثرة الأكياس الذي يحملها بين يديه، فقط ابتاع ما يحتاجه المنزل. رفع عينيه وهو يخلع حذاءه وابتسم باتساع. "مساءكم زي العسل اللي أنا شاريهولكم بفلوسي وشقايا! استطاع شقيقه أن يجعله يضحك. هل يقوم بإذلالهم؟

ابتسمت "دلال" بيأس منه، وتركهما وهو يحول الأكياس. واقترب "غسان" يحمل معه ناحية المطبخ، فدخل الاثنان وهي تجلس في الصالة تحاول تماسك نفسها بكتم الدموع وخفت آثار بكاءها. بينما خرج الاثنان بعد دقائق واقترب "بسام" بحب يجلس بالقرب منها يستشعر صمتها، حتى أنها لم تنهض لتساعده. رفع أنامله يداعب وجنتيها المنكمشة فضحكت بيأس وراق لها اهتمامه في سؤاله المشاكس: "مين اللي مزعلك يا أم غسان؟ وفين حب عمرك؟ ازاي سايبك زعلانة كده؟

من كثرة ما كان يحمله لم ينتبه لمحل الورد إن كان مفتوحًا أو مغلقًا، بل صعد مباشرة. وقف "غسان" يتابع بسكون، بينما نفضت يديه مرددة: "اسكت يا ولا. ابعد عني. خليكم طول عمركم كده محدش بيريح قلبي فيكم ربنا يسامحكم روحوا! استنكر رد فعلها المبالغ به، بل ونهضت تدخل المرحاض بعدما نظرت لـ"غسان" الواقف. فطالع هو شقيقه باستغراب، وقبل أن يسأله هرب "غسان" منه وأخبره بما يجعله يبتعد: "فرح تحت! نهض باندفاع ونجحت

خطة الآخر عندما ردد بلهفة: "احلف!!! حرك رأسه يماشي قوله، فاعتدل سريعًا يرجع خصلاته ممراً يديه عليها وابتسم بانجذاب وسأله بحماس: "ها شكلي حلو؟ وإن لم يكن توأمه لنفى بفظاظة، فتعمد الثبات واعتدل يردد بتعالٍ زائف: "انت عارف ردي! تحمس "بسام" أكثر، وقبل أن يسير بسرعة كي يخرج، نبهه "غسان" قائلاً: "بس ريحتك بنج! أشار له بغير اهتمام واقترب يرتدي حذاءه تزامناً مع قوله غير المهتم: "مش مهم. ما هي دكتورة بردو وفاهمة الدنيا."

وكانت عجلته ظاهرة بشدة عندما واصل يشير بيديه بحماس متلهف: "سلام!! ابتسم على قوله وسمع صوت إغلاق باب الشقة، فتوجه "غسان" ناحية غرفته كي يصلي قبل أن تؤذن العشاء. ***

جلست بحيرة تتابع ملامح "حامد" من على بعد، وحتى "يامن" الذي غفى على ساقه، فأخذ يمرر كفه على خصلاته بحنان. شرد وبيديه الأخرى السبحة يسبح ويستغفر. يفكر بأن نهاية هذا الوجع ليست مرضية خاصة لولده الذي يرى به التغير الذي لم يراه من قبل. ومع ذلك مجبر على الصمت ليس بيديه حل أي شيء، وإن كان فالوضع كل فترة يسوء عن قبل! خرج "حامد" من شروده عندما وجدها تقترب وأشارت له بحنو لطيف: "هات يامن عنك شوية يا عمو!

ابتسم لـ "فرح"، ووافق فقد ألمته ساقه. أخذته منه وجلست على المقعد المريح الذي أمامه ووضعته على ساقها تهزها برفق. تابعها "حامد" فتنفست هي بعمق، ورفعت رأسها تحاول أن تهون عليه: "أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه. ممكن مبعرفش أرتب كلامي أو أتكلم وأواسي. بس أنا شايفة إن كل ده من عند ربنا. وربنا مش بيجيب حاجة وحشة أبدًا وبيعوضنا!

تأثر من قولها. واللطيف بأنها لم تعتبره كبير مقامًا، لذا لم تهون عليه بكلمات بعلمها وتصبره بها، بل تحدثت بتلقائية مريحة جعلته ولأول مرة منذ أن رآها يشعر بالراحة ناحيتها. ابتلع ريقه وابتسم ببشاشة ولم يقاطعها وتفاجأ من اندماجها عندما واصلت: "تعرف؟

دكتور بسام ابن حضرتك كان ربنا بيطلعه في طريقي كل ما الدنيا تضيق بيا. ومكنش بيبطل في كل مرة يصبرني يفوقني ويفتح عيني عن إن كل اللي بيجرالنا هو ابتلاءات واختبارات من ربنا عشان نصبر عليها! لم تخجل من قول ذلك ورفعت رأسها تصارحه بابتسامة لطيفة: "أنا ممتنة ليه جدًا على فكرة ومش ناسية ولا مرة كان موجود فيها...

التزمت الصمت بخجل عندما وجدته يقف خلف "والده" هو أم لا. تمعنت النظر بنظام ملابسه والأكثر هي غمازته التي ميزته، فعلمت على الفور أنه هو وليس الآخر. التفت "حامد" برأسه وانتفض بمرح حتى قال: "بسم الله الرحمن الرحيم. إيه؟ بتيجي على السيرة؟ وقف "بسام" غير مبالٍ بأي قول، بل ظل ينظر لها بتيه ورد على والده بنفس التيه والقول المتشتت بها: "يا سلام. لو أجي كل مرة على نفس السيرة من نفس الشخـ.."

قرصه والده بذراعه فانتفض بتأوّ، واعتدل بتنحنح بحنجرته وترك الأماكن وجذب مقعد يجلس بجانبه ومد يده يمررها على وجه "يامن" بينما نظر لها هو بحب وسألها باهتمام وهو مندمج: "مساء الخير يا فرح. عاملة إيه؟ أما هي فلم ترفع عينيها ناحيته، بل ردت وهي تنظر نحو وجه الصغير: "الحمد لله وانت؟ "أنا زي الفل. زي الفل أوي كمان عشان شوفتك!

حينها مال بنفس الهيام يقبل وجنتي "يامن" على ساقها وتخلى عن حرجه، بل وصل معها الآن إلى أن يكشف طباعه المرحة أمامها باعتبارها ليست غريبة على قلبه! اعتدل مرة أخرى أمام عيني "حامد" التي تتابعه باهتمام. فلم ينظر "بسام" ناحيته ونظر ناحيتها وقال بجرأة يطلب منها: "ممكن تبصيلي؟ رفعت عينيها تقابل عينيه، فتعلقت عينيه بها وحركها سريعًا يهرب من هذا التأثر وقال بلباقة:

"أنا مبسوط إني كنت جنبك بطريقة ما فوقتك الصعب. ومبسوط أكتر إنك لسه فاكرة كل كلمة قولتها. أنا اللي ممتن ليكي لإنك في نفس الوقت ظهرتيلي في وقت صعب! رفع "حامد" حاجبيه يتابع هذا، ولاحظت "فريدة" ما يحدث بعد خروج الزبون وضحكت بخفة وغير تصديق من هذه العلاقة التي ظهرت من نظرات "بسام" واقترابه بمثل هذا الشغف دون حد أو حرج! بل على الأغلب تراه ساكن خجول في بعض الأوقات الأخرى!

تابعت بحماس ما يحدث حتى من خجل "فرح" التي عجزت عن الرد، بينما صاح "حامد" يوقف كل ذلك بـ: "كفاية.. كفاية يا حبيبي سيبها تقوم وتشيل الواد! حذره تحذير مبطن، فتلهف هو وقال يحثها: "طب خليكي خليكي وأنا هشيله! "لا سيبه عادي أنا كمان عايزة أطلع عشان أشوف نيروز وجميلة! رفض وحمله من على ساقيها ووقف بحماس يشير لها: "طب تعالي معايا وأنا اللي هشيله!

شعرت "فرح" بالحرج ووافقته، بينما سعد هو وهو يتخطي "والده" الذي ضحك وتركه يذهب معها، فلو كان الآخر بمثل هذه الدرجة من بداية التعارف لما تركه يغلق عليه مصعد واحد معها! ولكنه "بسام"!

خرجت معه "فرح" وراق لها هذا الاهتمام والحديث المبطن منه. التزم هو الصمت إلى أن صعد أول درجة من درج ما قبل البوابة الكبيرة الخاصة بالمبنى. فقابل البواب المعروف حتى ابتسم له بإتساع. وصعدت "فرح" بجانبه وقبل أن تخطو أكثر نادى عليها أحدهم عن قرب من خلفهما وبنفس الوقت قاطع به حديث "بسام" الذي كان سيخرج لها في الحين. "فرح! هل سمع صوته؟ صوت "عز" الذي أصبح يشكل له رعباً؟ حرك شفتيه يميناً ويساراً وابتلع ريقه يهمس بخفوت لنفسه:

"يا مصيبتي، يا لهوي يا خرابي، انت مبتجيش تقفشني إلا في الأوقات دي، حبكت! ابتسمت ترحب بشقيقها، أما هو فلم يلتفت بجسده وظنه "عز" "غسان" لطالما يحمل "يامن" القريب منه. "إذيك يا غسان" اقترب "عز" ينظر ومعه "فرح" التي كادت أن تصحح له، بينما رفع الآخر رأسه وهو ينظر ثم قال يرد عليه بخداع: "إذيك يا عزوة عامل إيه؟

قال نفس رد شقيقه ليهرب من هذا الموقف المحرج الذي يقع به كل مرة أمام عينيه. ابتسم "عز" بخبث وطالع ملامحه جيداً، بينما ارتبك الآخر فتصنع أنه لم يكشفه وقال رداً عليه: "الحمد لله، انت عامل إيه؟ سار الثلاثة مع بعضهم ينتظرون المصعد ورد عليه "بسام" دون أن ينظر له داخل عينيه فانفلتت ضحكات "عز" وهو يهمس له بالقرب من موضع أذنه: "أنا بعرف أفرق على فكرة، بيقولوا عليا لماح وانت." شعر "بسام" بالحرج وأنقذ الموقف عندما قال بارتباك:

"كنت بهزر معاك يا عز، مش قابلها ولا إيه؟ نفى "عز" برأسه وابتسم متعمداً، هز ثباته الزائف: "لا إزاي دا انت حبيبي يا بسام، قابل هزارك طبعاً. لو هزار!

تشرط بآخر جملته، فخرج "بسام" من المصعد وهم خلفه ومد يديه يدق الباب بهدوء، ومن فتحت له كانت "وسام" الذي تفاجئ من وجودها تنحنح يجلي حنجرته ودخل عندما سمح له ولـ"عز" الذي بحث عنها بعينيه أول شئ رحب بوالدتها وبالآخرين وحتى شقيقها، بينما لم يجدها والكل على ملامحه الهدوء. أخذت "وردة" صغيرها من "بسام" بعدما علم الكل أنه هو، وشكرته قائلة بامتنان: "كتر خيرك يا بسام، شكراً!

"على إيه، ادخلي حطيها على السرير بقا خليه ينام شكله لعب لما قال بس! ابتسمت بخفة وأكدت برأسها فتوجهت بعدها، بينما هو تقابلت عينيه مع "وسام" ومال يسألها بهمس: "هو في إيه كده؟ "تعالى أحكيلك! استأذنا للانصراف، بينما حرك "عز" عينيه فلم يجدها، حينها سأل "عايدة" باهتمام عنها: "أومال فين جميلة؟ "في الحمام وخارجة."

ابتسم يومأ وجلست "فرح" بجانب "ياسمين" التي صمتت بعجز من عدم فتح "نيروز" الباب. ولاحظ "عز" اقترابها، لحظة، ملامح وجهها لما بهتت فجأة وعينيها متعكرة. شعر بالقلق واقترب، هي منه تتصنع اللاشئ وشاكسته كي يظهر الأمر طبيعي. "حمدالله على السلامة! "الله يسلم جميلي! ابتسمت بحب على ما لقبها به، فنظرت بشرود. وقبل أن تنخرط، أمسك كفها يحركها معه حتى نهض بهدوء يبتعد ودخل شرفة الصالة. بها دارها بيديه برداءها الأبيض

وقال يغازلها بما طلبته: "أحلى واحدة تلبس أبيض، عاملة زي الملاك فيه! خجلت من قوله ولكنها لم تتحمس مثلما كان يتوقع. رفع كفه يمرره على حنايا وجهها وقال يسألها بقلق عندما لاحظ سكونها الغريب معه: "مالك؟ حاولت ألا تلمع الدموع بمقلتيها ودارت وجهها تنفي قبل أن تبكي: "مفيش حاجة.. عادي! دار "عز" وجهها بيديه بقلق آخر قد زاد، وتفحصها بعينيه يردد بمفاجأة: "كل الدموع المحبوسة دي ومفيش؟ صمتت "جميلة" بعجز فسألها بحنو كي لا يضغطها:

"إيه اللي حصل طيب؟ في حاجة زعلتك؟ حد زعلك؟ نفت تبتلع ريقها وقررت ألا تخبره شيئًا كهذا. ابتسمت ابتسامة صغيرة تخبره: "لا مفيش، نيروز بس زعلت تاني وقابلت غسان تحت فالمحل ولما طلعت قفلت على نفسها ومش راضية تفتح لحد! هربت بعد ذلك بقولها رغم ترقبه لما قالته، ولكنها لديه العدد رقم واحد. لذا عندما لاحظ هروبها بعينيها قال يحاصرها بجدية:

"بس عينك بتقول إن ده مش السبب لوحده، احكيلي حصل إيه تاني وزعلانة من إيه بالظبط لأنك مبتعرفيش تلفي وتدوري يا جميلة! وجدت أنها ستنهزم أمام هذا الحنو التي لم ترَ مثله. تنفست الصعداء ووجدته مازال ينتظر قولها. بل هذه المرة دلك كفها بين كفه فنظرت له بإستسلام وقررت قص له ما حدث وأحزنها بهذه الطريقة رغما عنها. "قومي خدي علاجك."

نظرت له "ياسمين" بطرف عينيها. إلى الآن ومنذ أيام لم يتهاون بعد وما فعلته اليوم زاد من حدته معها. رمقته بجمود والتزمت البرود ولكن كانت نبرة "حازم" عليها عندما قال ينبهها: "إيه؟ أنا بكلم نفسي؟ ودت الانفجار بوجهه في الحال عندما التفتت بكامل جسدها تحذره بشراسة، تتخلى عن استسلامها الذي لا يليق بها أبدًا: "إنت مالك.. ملكش دعوة بيا ومتكلمنيش بالطريقة دي ولا ترفع صوتك عليا! تحلى بالقليل من الصبر وأمسك كفها يهدأها بتحذير

كي لا تجلب لهما الأنظار: "صوتك يوطى عشان في ناس حوالينا مش لازم يسمعوا جنانك! "أنا مش مجنونة.. وســع كدة! نهضت بعدها تتجه ناحية المرحاض بمفردها. وتابعت "سمية" ما يحدث بينهما لذا حركت رأسها بقلة حيلة من ابنتها وتقابلت عينيها مع عيني "حازم" الذي ابتسم لها بهدوء يطمئنها بعينيه وفقط.

"فـ حسيت إني غلطت إني سببتها كدة معاه وهي كانت نازلة معايا من الأول بس والله عمو حامد هو اللي قالنا، واعتقد غسان معملش فيها حاجة هي اللي نفسيتها مش كويسة! نزلت دمعتها بصمت وهي تكمل له ما قالته، بينما تعيد مرة أخرى بحزن: "قامت ياسمين مزعقالي وقالتلي إنت مبتفهميش وغبية. حسيتها كانت هتهجم عليا من كتر الخوف على اختها. أنا بس مزعلتش منها على قد ما زعلت إني حسيت إني السبب فكل ده!!!

رفع "عز" إبهامه يمسح دمعتها بحنو، وخرجت أنفاسه الدافئة يواسيها رغم ضيقه لأجلها ولكنه يتسم بالعقل في أغلب الأوقات: "متزعليش هي مش قصدها بالظبط يا جميلة، وبعدين إنت مش السبب فحاجة، وعارف إني مش فإيدك تمنعيهم يشوفوا بعض، دي حاجة طبيعية ولازم لأنكم جنب بعض وجيران كمان وقرايب. الواحد بس لما بيتحمق عشان اخواته مبيشوفش قدامه!

كلمات هادئة ساكنة لا تغير الوضع قليلا، ولكنه طمأنها لأنه عز. عز الرجال الخاص بها هي وحدها. أومأت برأسها فعاد هو يشاكسها بقوله: "وبعدين صحيح مش إنت قولتيلي إن مرات اخوكي دي هبلة، متاخديش على كلامها يستي." "بس يا عز متقولش على ياسمين كدة، أنا بحبها أوي ومش بعتبرها مرات اخويا، ياسمين اختي! ابتسم على لين قلبها وضم رأسها ناحية صدره وربت على ظهرها برفق، وقال قول عادة ما يفعل به، حمل كل الحقوق لنفسه رغم أنه

ليس لديه ذنب بها وبفعلها: "حقك عليا أنا، متزعليش بقى! اتسعت بسمتها منه وشاكسته بقولها أو بقوله هو الذي يردده على مسامعها دائما: "هزعل إزاي، وإنت ضلي! ضحك "عز" هذه المرة بسعادة، والسعادة من قبلها شيء ومنذ أن أصبحت معه شيء آخر تماما. فرد ذراعيه لها وعانقته في حين قال هو: "عندك حق، إزاي يبقي في زعل وأنا ضل جميلة! دخل "حازم" بضيق من مشهدهما ونبهه بحنق: "العشا بتأذن يا روميو، يلا نتوضى عشان ننزل نصلي!

ضحك "عز" على حديثه بصوت عال وحررها بخجلها من بين ذراعيه واقترب يشير له ضاحكا: "إيه يا عم مراتي الله!! ابتسم "حازم" بهذه اللحظة بسعادة من سعادتها ولكن كيف لم يلاحظ عينيها التي تظهر عليها أثر بكاء. اقترب يمسك ذقنها يرفع وجهها له وسألها باستغراب غمره قلق: "إنت معيطة؟ وقف "عز" وتعمد عدم الحديث أما هي فإن نفت فلم يصدقها. توقع "حازم" السبب سريعا، فلثم وجهها بكفيه وقال بأسف حاني بدلا من الأخرى:

"أنا آسف يا جميلة، متزعليش منها، أنا هكلمها أنا عشانك، بس إنت عارفه إنه غصب، مش غريبة عليكي هي كدة علطول! وأضاف يرفض تبريره لها وقال يراضيها: "بس ليكي عليا هعاتبهالك، البت دي غلطاتها كترت يا بت يا جميلة، اللي مصبرني عليها إنها حامل بس والله!! كان حديثه مرحا كي لا يجعل بينهما موقفا من لا شيء خرجت ضحكتها الخافتة وقالت تؤيد حديثه بمعارضة أخرى: "لا متكلمهاش، أنا مش زعلانة منها، وربنا معاها الحمل مش سهل بردو!

وشاكسها شقيقها آنذاك وهو يقرص وجنتيها برفق وقال: "عقبالك! زحفت الحمرة لوجنتيها وابتسمت تجاريه بإيماءة بسيطة. فرد "عز" عليه هذه المرة: "يارب يا حازوم، ادعيلنا بقا! طالعه "حازم" بضجر وتجاهله بغيرة طفيفة. ونظر بابتسامة واسعة ناحية شقيقته التي ضحكت بصوت عال عندما سمعت قول "عز" المرح لها: "شوفتي بيحبني أوي حازم أخوكي ده!

عمل الاثنان على التخفيف عنها وعلمت هي ذلك. خرجت ضحكتها عليهما بحب وهي تحاوطهما بنظراتها. وربما علم "عز" الآن أنه طبيعي ما يفعله لطالما يفعل بودار ذلك مع "بسام" بمجرد النظرات فقط. انسحب الاثنان كي يقوما بالوضوء للصلاة. اتجهت "جميلة" لتجلس بجانب "فرح" وعينيها لا تفارق سكون غرفة "نيروز".

اقترب "عز" و"حازم" وكان الأول يهبط أكمامه. فتح الاثنان الباب وأشار لهما "عز" بالوداع مؤقتاً. تزامناً مع اغلاقه الباب، كان "بسام" يخرج من الباب الآخر ومعه "غسان". ابتسم له الاثنان واقترب "عز" يحتضنه بحرارة وقال: "ازيك يا عم؟ فينك من زمان؟ واحشني. أنا كنت هجيلك علفكرة بعد الصلاة! ابتسم "غسان" له ورد عليه بنبرة هادئة: "هنصلي مع بعض كمان يعزوة. وبعد الصلاة الحج حامد بيقول انه عايزك، فهتقعد معانا حبه كدة!

وافق برضا واتجه معه تحت لهفة "بسام" الذي رافق "حازم" هو الآخر بعدما رحب بـ "غسان". وبعد قليل فتح المصعد لهم حتى دخلوا وهبط بهم لأسفل. أخذت أنفاسها ببطء وحاولت الاستعداد كي تغلق محل الورد لتصعد. ولكن ما يجعلها تنتظر هو عودة "حامد" من المسجد. ظهرت ابتسامة بسيطة على شفتيها وهي تتذكر لهفتها وسعادتها ثم خجلها من كلماته في الهاتف. تعذبه بكل الطرق حتى بعدما حصل على موافقتها! وككل مرة تفكر به يظهر لها.

سمعت صوت دراجته البخارية وبلهفة واسعة أسرعت تقف على باب المحل فوجدته يقترب. هبط بعدما أوقف الدراجة ورفع رأسه يبتسم لها باتساع واقترب يغمز مردفاً: "دا مساء أي حاجة فريدة من نوعها! ظهرت أسنانها من ابتسامتها الواسعة بشدة ورمشت بأهدابها تسأله باهتمام: "عامل ايه؟ "عامل مستعجل والله العظيم وعايز اتجوزك النهاردة قبل بكرة! حاولت تجاهل قوله وحركت رأسها سريعاً بجهة أخرى. فنظر نحوها وسألها بمشاكسة:

"المهم انا عامل ايه أنا وأمي معاكي؟ تلقائياً رفعت يديها تتحسس قلادته وتنفست بصوت مسموع وأومأت برأسها تخبره: "انت شايف ايه؟ "أنا شايف اننا لازم نكون زي الفل طالما فرقبتك انت! كل مرة يثبتها بالأقوال. أحياناً تهاب هذه الأقوال ويلبسها الخوف من جديد. شردت للحظات واغمضت عينيها تحاول عدم تذكر ما جاء على ذاكرتها من ذكريات موجعة. إلى متى ستظل تداهمها هذه الذكريات؟ "فتحي عينك!

انتفضت على قوله ونبرته الخشنة. حركت "فريدو" رأسها بعدما فتحت عينيها فوجدت بيديه وردة صغيرة بيضاء. قدمها لها "آدم" وأخذ أنفاسه بصوت مسموع وردد يخبرها بعمق: "انتِ عاملة زي الوردة دي بالظبط، عارفه ليه؟ نفت دون أن تردد أي حديث وابتلعت ريقها تأخذها منه بتردد من هذه المشاعر التي ظهرت بقوة وجدية عليه. وقالت تستفهم بابتسامة رقيقة: "ليه؟ يعلم هذا التشتت والخوف والمشاعر المرتبكة التي تلبسها منذ أن اعترف الاثنان لبعضهما.

وتعمد قول الآتي بطريقته: "علشان بيضة وحلوه زيك. وعشان مهما جه عليها حاجة بيبان. ولو مفيش بردو بيبان. والأهم إنها نضيفة أوي وشكلها مريح للعين والقلب. وليها طاقة لوحدها بتملى المكان. وقادرة تخطف الانظار ليها." حينها سخرت من كلماته وقالت تسأله بتهكم: "كل ده الوردة عملته؟ نفي بشفتيه وقال ينفي بحديثه: "لأ" وأضاف "آدم" بصدق نابع من فؤاده أمام هذه الأعين التي تهلكه: "كل ده فريدة اللي عملته!!

وأشار على نفسه بأنامله وقال غامزاً لها بمرح: "بس فالعبد لله! استنشقت الوردة ونظرت له بتعالي. ومن ثم إلتفت الاثنان برأسهما سريعاً عندما وجدا الشباب يقتربون بعجالة قبل أن تنتهي الصلاة. علم "آدم" فقال لها بنبرة سريعة وهو يرجع إلى الخلف كي يقابلهم: "هروح أصلي وأرجعلك! أومأت ووجدت "حازم" يقترب منها باستنكار بعدما رمق "آدم" بغيظ وهتف بنبره جادة: "ايه اللي موقفك كده؟ "عادي كنت بشوف مين جه!

حجة. نظر لها بعدم اقتناع وحثها على الدخول للداخل بنظرة عينيه. فوافقت بتوتر من عينيه ودخلت وهي تتمسك بالوردة. بينما رحل هو خلفهم ناحية المسجد القريب. غريب وعجيب هذا الأمر. هي التي ترافق الزهور الآن تتفاجئ وتسعد ما إن يهديها أحدهم وردة. علمت أن الأصل ليس أبداً بقيمة الهدية بقدر قيمة الشخص ومعزته وغالباً حبه. حب. الآن وكأنه شئ غريب عليها رغم الاعتراف ولكنها تعيش مشاعر مختلفة لم تجربها من قبل.

من قبل كان خداع. احتياج. عرض. طلب. موافقة. كل ذلك تحت علاقة دون مسمى. ورغم أن ما بينهما الآن على مقربة من دون مسمى ولكن صدقه في الجدية لإكمال العلاقة بعلاقة شرعية ليست محرمة تصدقه. بل الأمر كان يقف فقط على الرفض أو الموافقة وهذا كان منها هي. كانت تشعر بقلة شأنها. هل سيأتي أحدهم بعدما حدث لها حادثها وسيخيرها بالموافقة أو الرفض؟ لم يفعلها أحد سواه! رفع من شأنها ولم يتعمد الحديث بشيء حساس كهذا.

وإن دخل منزلها من بابه فحينها سيحق له فتح هذه العقبة بلباقة عندما يكونا على مشارف الزواج. ما يؤلمها هو ألمه. أحياناً أخرى تفكر به وبمشاعره ولم تزداد هذه الفكرة سوى بعد سمعاها لكلماتهم السامة. كلمات خالتها وبنات خالتها وحتى "سامر". كل ذلك يتردد بقوة بين الحين والآخر وأهمهم من سيتحملها. من سيتحمل حادثها حتى وإن ظهر ذلك في القادم سيكون العكس تماماً. يحركون ثقتها التي تحركت من دون علمهم.

الكل يقتنع بأنها ذات قلب قوي لم ولن يؤثر بها شيء حتى حادثها. أهذا لأنها تخطت؟ كيف وهي تتضح بأنها لم تتخطى. آخرهم عقبة انتحارها ومحاولتها على فعل ذلك بمنتهى الانهيار. الحقيقة أن داخلها عكس ظاهرها، ما يوجد بداخل المرء ليس المرء الآخر تماماً بمخاوف وأفكار وأسرار لا يعلمها غيره. "بقى هو واخد عقلك كل ده لدرجة إني دخلت وانت ولا هنا يا فوفو؟ انتفضت فريدة بحسرة سريعة وفتحت عينيها باتساع. كيف يأتي إلى هنا؟

ابتلعت ريقها وحاولت أخذ أنفاسها، تحاول نسيان تكرار هذا المشهد في بداية عودته مع والدته وشقيقتيه. حاولت نهره بقوة وحدة كي لا يخمن بأنه استطاع أن يحرك هذا الثبات. "انت جاي هنا ليه يا سامر؟ عايز إيه؟ امشي اطلع بره أحسنلك أو روحوا خالص أفضل زي ما حازم طردكم! وأضافت وهي تتحرك ونظرت بتقزز تشير له بكفها وقالت بتبجح: "هو انتوا إيه؟ معندكوش ريحة الدم؟ مبتحسوش ولا بتتكسفوا؟

نظر لها بتسلية واعتدل في حمل الأكياس الذي كان يهبط ليبتاعها من الأساس. وابتسم يستفزها بنفي: "لأ مبنحسش ولا عندنا ريحة الدم، وبجحين كمان. بس قوليلي يعني هل هيبقي أكتر منك يا بت؟ ابتلعت ريقها بارتباك خفي ووجدته يكمل وهو يعتدل أكثر كي يسير: "أصل المفروض بعد اللي يحصل لواحدة زيك تجري تقفل على نفسها وتستخبى من وشوش الناس ونظراتهم ليها. ولا انت متعرفيش دلوقتي الواحد منا بيبص لواحدة زيك إزاي؟ أثار انفعالها وحاولت

كيده بنفس طريقته وقالت: "أنا أشرف منك ومن عشرة زيك يا قذر انت. ولا ناسي انت كنت هتموت وتتجوزني إزاي.. وفي الآخر معرفتش حتى تتجوزني غصب يا مقرف! ضحك سامر ليثير حنقها وقهرها أكثر وغمز بوقاحة يخبرها: "لا ما أنا رجعت افتكرت إن أنا مبعرفش آخد حاجة مستعملة، ومحيت حتة الطيبة اللي فيا. الحق عليا يا بت كنت عايز أتستر عليكي وأوقف لسان الناس اللي تعرف! اعتلت أنفاسها بقمة صدرها وسبته ثم قالت تعنفه:

"المستعملة دي تبقي أمك وأخواتك يا زبالة يا قذر!! اقترب سامر منها متحكماً بانفعاله. فرجعت هي خطوات إلى الخلف بينما ابتسم هو بإصفرار وقال بنبرة منخفضة: "عاذرك.. اللي حصل فيكي مش شوية برضو. بس أقولك على حاجة؟ صمت يرى اهتزازها وواصل يلعب بأعصابها أكثر متعمداً التقليل منها: "يعني بسأل نفسي مين الحيوان اللي ياخد واحدة زيك غصب؟ تفحصها بجرأة. فابتلعت فريدة ريقها بصعوبة وتجرأت في الرد تأخذ حقها بالتقليل منه:

"ميختلفش عن الحيوان اللي واقف قدامي بالظبط! صبر على سبابها المتواصل. ووقف ينظر على أنفاسها التي تصعد قمة صدرها وتخفضه بطريقة ملحوظة. ولوي شفتيه بسخرية وقال رداً على حديثها بـ: "عموماً يا بخته ويا بخت اللي انت من بخته! وأضاف يشير لها قبل أن يلتفت ليخرج: "مع إني متوقعش. أصل الراجل منا مهما قال وزاد، نظرته لواحدة *** مبتتغيرش!

خرجت سبة نابية من بين شفتيها على الأرجح لم يسمعها بوضوح بعدما تعمد السرعة كي يخرج قبل قدوم أحدهم وقبل أن تهزمه هي بردها كالعادة. جلست فريدة بصمت تلفظ أنفاسها بسرعة. جيد أنه خرج وساء ما تركه من أثر! دار عقلها وتجمعت دموعها بمقلتيها. متى ستنتهي من كل هذا؟ حديثه وكلماته بمثابة سهام حادة تجرحها، حتى وإن تظاهرت بأنها لا تبالي! عقلها يبالي.. قلبها يبالي.. كرامتها كانثى تبالي!

رفعت كفها تجفف وجهها سريعاً ما أن سمعت صوت الشباب عن قرب هم وحامد. تصنعت الانشغال بأي شيء في حين وقف حامد ببتسم لهم من بين الحديث العشوائي. وراقب حديث عز مع غسان، الذي أشار لوالده بعينيه بعيداً عن بسام الذي كان يتحدث مع آدم وحازم. "اسمح لي يا عز يا بني في كلمتين كده! حرك عز رأسه بانتباه وقال باحترام يوافقه: "طبعاً يا حج حامد. أنت تقول اللي عايزه من غير استئذان!

ابتسم حامد له واقترب عز يحمل مقعد له بذراعه كي يحثه على الجلوس. في حين انسحب غسان كي يصعد فلحقه بسام كي يترك والده يمسك زمام الأمور أولاً. ومن ثم سيبدأ هو. بينما وقف آدم مع حازم. في الداخل بعيداً عن فريدة التي انشغلت في تنظيم ما أمامها وبجانبها. "اتفضل. خير إيه اللي حضرتك عايزني فيه؟ ابتسم عز عقب ما ردده بلطف. بينما طالعه حامد وهو يسبح بسبحته. حرك رأسه يؤكد كلمته من بين جملته وقال مصارحاً:

"هو خير فعلاً اللي جايلك فيه إن شاء الله! وأضاف بعد ذلك بتفسير محرج: "اللي يخليني محروج منك إني مخدتكش فوق عندي أكلمك بس حسبتها من ناحية تانية وقولت ميصحش أفاتحك فموضوع زي ده وأنا قاعد في بيتي وانت اللي عندي. عشان كده قولت نشيل الإحراج ده وأفاتحك هنا كإني مقابلك واحنا خارجين من الصلاة وبعدين أقولك. مفيش أحلى من كده! لم يفهم مبرراته ولكنه حرك رأسه بغير فهم وانتظره بعدما قال ببوادر قلق:

"ولا إحراج ولا حاجة. أنا مش فاهمك بس مفيش بينا الحاجات دي. أنا سامع حضرتك اتفضل! تنفس حامد بصوت مسموع واتسعت ابتسامته يخبره: "أنا جايلك في خير، وطالبين القرب منك بالحلال إن شاء الله في أختك الدكتورة فرح! وابتلع ريقه فهو الآخر رغم ما يظهر عليه من وقار إلا أنه يهاب رفض ابنه: "لـ ابني الدكتور بسام." ترددت عيني عز بتشتت سريع ونظر بعشوائية. حتى ابتلع ريقه وقبل أن يجيب أسرع حامد وهو يكمل بقية حديثه:

"واحنا مش مستعجلين خالص، ومش مستني ردك دلوقتي. وعارف إن وسبق وطلبها ابني بس الطريقة ولا الظروف مكنوش قد كده. وعارف برضو إن غسان كان قالك من قبلها متوافقش عشان كان خايف على أختك وعلى أخوه لأن وقته هم الاتنين مكنوش فحالة كويسة تسمح للقرب ده. يمكن محدش فيهم كلمك الأول عشان منفكرش حاجات عدت. بس أنا اللي بكلمك دلوقتي باعتباري أبوه. وربنا يصلح الحال!

وضح له نقاط مجهولة كان سيسألها لو لم يفاتحه أحدهما من جديد. صمت للحظات واعتدل بجلسته يوضح له هو الآخر بنبرة هادئة عاقلة: "الحقيقة أنا مش متفاجئ، ولا عندي إحساس بالرفض وفنفس الوقت القبول مش كامل عندي. أنا فرح دي أغلى حاجة على قلبي وأمانة كبيرة أوي بين إيدي عشان كده معرفتش أقبل أي حد بيجيلها. وشهادة حق إن أولادك يا حج حامد...

أنا أشهد بتربيتكم، لأنهم في وقت من الأوقات كانوا جنبي، والاتنين مش واحد. وحضرتك كمان مش ناسي إنك قولتلي أكتر خبر رجع ليا روحي من تاني يوم فرح غسان، ساعة كتب كتابي على مراتي. أنا لو قعدت أعد أصلكم وشهامتكم وجدعنتكم معايا مش هوفي حقكم، بس ده جواز وعلاقة ومش حاجة بتروح وبتيجي، دي حاجة دايمة! ابتسم على لباقته في الحديث، ورغم قلقه إلا أنه انتظره للنهاية. فأكمل "عز"، بعدما أخذ أنفاسه ببطء:

"أنا كعز، وأعوذ بالله من كلمة أنا، مع حفظ غلاوتك ومقامك عندي، بشوف إن الحاجات دي عايزة تفكير وقعدة. بس بما إننا معاكم ومعاشرينكم من فترة كبيرة، فأنا معنديش كلام ينفع أقوله الوقت غير إني هكلم فرح أختي وهرد على حضرتك بعد ما أعرفها وأسمع ردها! ابتهجت ملامح "حامد" بينما سمعه يضيف مجدداً:

"إنك تكلمني دي حاجة على راسي، بس اعذرني أنا مش بإيدي موافقة أو قبول، لأن قبولي قبل ما أختي تعرف حاجة وبعده حاجة تانية. وحابب أعرفك إني موافق مبدئياً، بس نقط خوفي اللي بتقولي موافقش مش هقولها غير بعد ما نشوف النصيب هيودينا لحد فين. لو حصل نصيب إن شاء الله هكلمكم نتفق ونتكلم عن كل حاجة ساعتها، ولو محصلش هبلغكم بردو. واللي فيه الخير يقدمه ربنا! حينها سعد "حامد" من تعقله ورزانته، ومد كفه يردد ببهجة وهو يربت على كتفيه:

"عين العقل يا بني والله العظيم.. إن شاء الله يكون بينهم نصيب بأمر ربنا ونناسبك." ابتسم "عز" بخفة وقال يرد له لطفه بالحديث: "أنا اللي يشرفني أناسب ناس زيكم بأمانة!

نهض "حامد"، بعدها فأسنده "عز" بمساعدة. حينها التفت ينادي "حازم" كي يخبره بأنه سيصعد. في حين رفع "حامد" رأسه فوجد الثلاثة يقفون بشرفة "غسان" ومعهم "دلال"، فضحك بخفة على انتظارهم للحظة الحاسمة وحرك رأسه بقلة حيلة منهم. في حين دخل المحل ووجد "فريدة" تستعد لإغلاقه. صعد "حازم" مع "عز" بعدما أشار لها بأن تصعد خلفه فوافقت. بينما ابتسم "ٱدم" لـ عمه وراقب سكونها الغريب بنظراته. ولكنه التفت يضع المقاعد بالداخل، ولاحظ انسحاب "حامد" للخارج وحثه قائلاً

بعشم: "ما تيجي تطلع معانا؟ انت مش سامعهم بينادوا عليك فوق؟ تحرك "ٱدم" يرفع رأسه، فهتف "بسام" بصوت عال: "تعالى اقعد شوية بيقولك غسان! سخر منه بعدما ضحك وقال ساخراً وهو يشير له بيديه بتساؤل بصوت مرتفع: "طب هو إيه نظامه؟ مبيعرفش يتكلم ولا إيه؟ وكان قول "غسان" له من بين ضحكات الآخرين، عندما رفع صوته يجيبه بتبجح: "لأ بعرف يا روح أمك جنات! شهق "ٱدم"، ونظر حوله بريبة، واقترب يشهد على أفعال ولده:

"دا بيقول اسم أمي فالشارع يعمي!!! "الله يرحمها يا ابني، متزعلش تعالى اطلع خد حقك! كان قوله مرحاً بصوت ضاحك، فاعتدل "ٱدم" مع سكون الجو وقال يخبره: "لا أنا هروح أنا عشان متأخرش على فاطمة."

وافقه "حامد" بيأس وأشار له بالوداع حتى لمحه يدخل المبنى. في حين اقترب هو يدخل فوجدها تقف تحمل أكواب معينة كي تأخذها لتصعد بها. حملهم منها، فارتبكت في الخفاء ترفع عينيها بمكان آخر. أما هو فخرج يسندهم على الرصيف، ووقف ينظر ناحيتها وهي تغلق الضوء، ثم سحبت الباب إلى الخارج كي تغلقه. تابعها باهتمام وسألها برفق من خلفها: "مالك ساكتة ليه؟ فأخبرته "فريدة" بهدوء شديد وهي توليه ظهرها: "مفيش."

ومن ثم التفتت تنحني لتحمل الأكواب، ففرد يديه يقاطع فعلتها وقال قوله المعتاد ولكن بعمق: "اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكذبوا! صمتت واعتدلت بخواء، تمنع سقوط دموعها وسألته بإندفاع أتى من ضغطها: "هتبان على حقيقتك امتى يا ٱدم؟ هتمل مني امتى وتعايرني؟ اتسعت عينيه من جملتها التي جعلته عاجزاً عن الرد لبرهة. أما هي فوقعت دمعتها وتحشرجت نبرتها بشدة وهي تسأله بقهر ظهر بتفاصيل حروفها عندما نطقتها. حرك رأسه بخفوت وتاه للحظة،

يبادلها سؤالها بسؤال آخر: "إيه اللي خلاكي تقولي كدة؟ وقبل أن ترفع يديها لتزيل آثار دمعتها، مسحها هو بتأثر وقال يشعر بجرحها: "أنا ببان على حقيقتي معاكي، ودلوقتي هي دي حقيقتي يا فريدة." واعتدل يكمل بعدما ابتلع ريقه كي يبدأ وعوده: "ولو مش عارفة إيه هي الحقيقة، فالحقيقة إني عمري ما هجرحك ولا هعايرك. مش همل منك يا فريدة. محدش بيمل من حاجة فريدة من نوعها، أول مرة أشوف زيها، أو أول مرة أبقى كدة معاها! وسألها بوجع أخذه منها:

"إنتِ ليه مش مصدقاني؟ ونفت برأسها ترد بنبرة متألمة تصارحه بصدق تحلت به الآن: "علشان مفيش كدة. مفيش كدة في مجتمعنا ده يا آدم. مفيش حد هيقبل بواحدة زيي اتداس عليها ومبقتش زي ما أي راجل بيعوز شريكته وحبيبته. مش ذنبي والله العظيم. والله ما ذنبي يا ٱدم، يا ريتني كنت مت قبل ما كل ده يحصل! وصارحته بمنتهى الألم: "أنا خايفة أوي مع إني بحبك!

لمعت عينيه منها ومن حديثها ومن وجعها الذي ظهر بكل انش ظهر في تقاسيم وجهها. تنفس بتقطع ونفى قولها بـ: "لأ في يا فريدة. في حتى لو قليلين بس لسه فيه. أنا عارف إنه مش ذنبك، بس مش ذنبي كمان أحاسبك وأعايرك، مش من حقي. مستعد أحلفلك لو في يوم جيت عليكي ووجعتك بكدة، يبقى أبعد عنك ساعتها ومستاهلكيش يا بنت الحلال!

وقفت تائهة وابتلعت ريقها ومازالت عالقة في كلماته قبل لحظات. ابتسمت ترد بدلاً عن الحديث بابتسامة هادئة وأومأت فقط. فنظر لها مطولاً وقال يسألها يشتت عنها تفكيرها هذا: "عارفة إيه اللي بقى من أحلامي المستقبلية! رفعت "فريدة" عينيها تنظر بتساؤل، فوجدته يشير بيديه على دراجته البخارية وإلتفت برأسه يخبرها وكأنه حلم بعيد وقريب بنفس الوقت: "إني آخدك ورايا هنا وأنتِ مراتي ونفضل نلف الدنيا كلها مع بعض!

استطاع أن يجعلها تضحك بخفة، وسخرت منه من بين ضحكتها العالية: "نلف كل الدنيا بـ دي؟ "آه، أصل لما بتكوني معايا، أي حاجة مش ممكن تحصل بتحصل! أثّر بها قوله وعادت تبتسم بخجل. ورفعت عينيها تخفف من أجواء الوجع التي بدأت بها وقالت تمازحه وهي تذكره بحادثة ألمحت بـ: "ونعمل أحسن حادثة ونتجبس إحنا الاتنين في سريرين جنب بعض في المستشفى الحكومي اللي على أول كوبري منطقتكم!! حينها غمز لها "آدم"، وقال بمرح وهو يميل مشيراً لها بقوله:

"وبنبقى أحلى us بين الواحد والواحدة! وضعت يديها على فمها تكتم صوت ضحكتها كي لا تخرج بصوت عالٍ. فضحك هو مثلها ولكن بصوت هادئ واقترب من الدراجة يركبها عندما اعتدلت هي ودارت بهدوء. فحملت هي الأكواب وأشارت له بيديها بحذر وهي تتمسك بما تمسكه: "سلام! رفع عينيها الذي يعلقها بسوار في معصمه وقبلها بمشاكسة، وقال يشير لها هو الآخر: "سلام يا صاحبة أحلى عيون حلوة مبتعرفش تكدب! وكالعادة أجابت وهي تلتفت لتسير: "لأ بيعرفوا!

وكان قوله المعهود وهو يسير بالدراجة أمام الطريق الترابي التي تسير عليه. وقبل أن تصعد الدرجة الأولى وقف وهتف بصوت مرتفع يخبرها بقوله المعتاد: "طب عيني في عينك كده! بالوقت ذاته أخرج هاتفه وعلم أنها ستلبي غرضه. فالتفتت هي تنظر له بابتسامة واسعة، وإذا به كان قد التقط الصورة بسرعة فائقة. فنظرت بغير تصديق وغمز لها مردداً: "استني بكرة موجز الأخبار

بالدليل وفوق الصورة عنوان: شاهد شاب يقف أسفل بيت فتاة سرقت قلبه وصرح قلبه التي سلبته بأنه لن يتنازل عن حبها وسيظل متمسكاً بها لآخر العمر. المسروق منه قلبه بين قوسين آدم البدري. سلام!!! سمعت بعد ذلك ضحكته العالية مع فعل احتكاك بالأسفلت ومن ثم أشار بالوداع، وكل هذه الأصوات امتزجت مع صوت ضحكتها العالية بإعجاب وسعادة لما قاله للتو وبرع في قلب الموازين بكل سرعة! ***

السعادة في بدايتها تحتله الآن عندما سمع ماحدث بين "والده" وبين "عز". كان يجلس في غرفة "غسان" على فراشه وبجانبه "حامد" ومن الناحية الأخرى "غسان" وعلى طرف الفراش كانت "دلال" ومن الناحية الأخرى "وسام"، التي تلهفت تسأل والدها بفرحة: "يعني قريب هزغرط يا بوب؟

ضحك الثلاثة لها، بينما نظرت لها "دلال" بحدة تنهرها بسبب حساسية "غسان" من قولها خاصة بأنه الآن يطلق عليه مطلق والآخر مقبل على خطبة. لاحظ "غسان" نظراتها فمد ذراعه يقربها منه بحب، وقال يشاكسها: "أيوه، زغرطي وعيشي حياتك وزيطي، بس زغروطة خطوبة بسام عندي مش زي زغروطة نتيجة الثانوية العامة! ختم قوله بغمزة عين، فرفعت رأسها بسعادة رغم توترها. وعلى الرغم من أن الغد بداية امتحانات من نوعية (الإحصاء والتربية الدينية والاقتصاد)

، إلا أنها تشعر بتوتر قصد "غسان" إخراجها منه عندما تعمد الإصرار على أن تجلس قبل أن تنام مبكراً. نظر "بسام" بسعادة وردد بفرحة يترجاهم: "دعواتكم تكمل على خير بقا عشان ساعتها هتبقى لا تسع الغرفة أجنحتي والله العظيم! شمله "غسان" بنظراته وهوي ضرب كتفيه بثقة وقال: "أنا اللي بقولك أنا إنها هتوافق! "بجد؟ رددها بلهفة، فضحك الكل عليه وكان رد "دلال" طبيعي منها حينما قالت: "بجد أوي كمان، إنت مستقل بنفسك ولا إيه ياواد؟

دا أنت دكتور قد الدنيا!! هذا اللقب ترددته عادة، نظروا إلى بعضهم وانفجروا ضاحكين، وقال "بسام وغسان" بصوت واحد: "قـــد الـــدنـــيـــا تـــانـــي!! خرجت ضحكاتها بصخب، ونظر لها "حامد" بسعادة، حتى اندمج معهم وأجابها "بسام" بنبرة بها أثر الضحك: "طب ما هي دكتورة يا ماما! "مليش دعوة يا خويا، أنا ليا إن ابني دكتور وقد الدنيا كمان!!

اقترب "بسام" يقبل وجنتيها بسعادة، حتى ابتسمت بحب رغم شدته في قبلته المرحة إلا أنها دفعته عنها أخيراً باشمئزاز زائف ونظرت تجاه "وسام" وحثتها قائلة: "قومي يلا يا وسام عشان تنامي، عليكي بكرة امتحان بدري! لاحظ الاثنان توترها ووالدها أيضاً. وبعدما نهضت هتف "حامد" مردداً يقاطعها: "استني!

إلتفتت فأشار لها بأن تصعد على الفراش بجانبه. جلست بينه بلهفة، وبين "بسام" التي شاكسته بضربها له كالعادة. فضمها "حامد" بحنو، وسألها قائلاً: "خايفة ليه؟ وقبل أن تجيب هتف "بسام" بنبرة هادئة يحثها: "مش عايزك تخافي طالما انتِ عاملة اللي عليكي. انتِ مش ذاكرتي المواد اللي ملهاش لازمة دي؟ عليكي إحصا ووطنية صح؟ أومأت، فتدخل "غسان" يطمئنها مردداً:

"متخافيش هتعدي، متوتريش نفسك على دول، ركزي فالجاي وشيلي أي خوف من جواكي، ونامي بدري عشان أوصلك بكرة إن شاء الله أنا وبسام! ابتسمت "وسام" فوجدت قبلة "حامد" على جبينها هي الأسرع. ففركت هي كفيها، وحاولت النهوض تردد لهم: "يلا تصبحوا على خير! ومن بين تحركها ربتت "دلال" على ظهرها، فأمسكت "وسام" كفها تقبله ونهضت مرددة بمرح تخبرها: "بما إني مبعملهاش كتير، بس بلا أهو حسنات تقف معايا في امتحان بكرة!

ضحكت عليها بخفة، وأشار لهم بمرح حتى خرجت من باب غرفتها. دعت لها "والدتها" في خروجها. بينما هتف "بسام" يخبرهم بثقة بها: "أنا واثق فيها خدوا بالكم، ومتحمس أنا وشادي عشان نوفي بوعدنا، محدش هيزغرطلها إلا أنا وهو!! ابتسم "غسان" وسأله بطبيعته التي لا تغيب عن ملاحظة التفاصيل: "هي إيديها بتترعش ليه؟ "عادي يعني." "عادي من التوتر ولا انت فاكر الناس كلها زيك باردة وبتنام وبتخرج وبتتفسح فثانوية عامة وٱخر حاجة تهمها المذاكرة؟!

نظر إلى والده بذهول، وضحك بغير تصديق كما ضحك شقيقه ووالدته، فإستسلم لقوله بعدم قدرته الآن علي المعارضه او العناد والتبجح في الحديث: "اللي تشوفه يا حج انت أدرى! وكزته دلال في ساقه وقالت تعنفه بمزاح: "بيهزر معاك يواد، متقفش كدة اومال! صمتت ونهضت تشير لزوجها تحثه على النهوض وهتفت بصوت هادئ: "تعالى يلا يحج عشان تنام وتاخد علاجك! "لأ مـ.." هول بسام الوضع ونهض يشهق بصوت عال وقال يفخم رفضه:

"يا لهوي دا بيقولك لأ يا ماما.. بيرفض كلامك!!! نظر والده باستنكار له وتابع غسان في حين نظرت هي له بغير فهم ودارت رأسها ناحية حامد وأشارت علي نفسها بحزن: "انت بتقولي لأ يا حامد؟ حاول الدفاع عن نفسه وبرر سريعا، يحاول أن يجعلها تفهم الوضع: "لا مش قصدي يا دلال، انا كان قصدي اني مش هنام جنبك الـ... شهق بسام مجددا وقال يفخم الوضع بمرح: "مش عايز ينام جنبك... اللي أن سمعته ده بجد!

اعتلت ضحكات غسان ونهض حامد ببطئ يمسكه من تلابيبه وقال بضجر من ما يحاول فعله بينهما: "انت عاوز ايه بالظبط ياض؟ عايز ايه؟ احنا لسه فيها هكلم عز اقوله يصرف نظر عن الموضوع ده ونفضها سيرة!!! اندفع بسام يترجاه سريعا بنبرة أشبه بباكية زائفة: "لأ خلاص، خلاص والله هتعدل! تركه بعدما رمقه بحدة، وحرك غسان رأسه بيأس منهما ومد يده يلتقط هاتفه، وسمع قول والده بتبرير: "بقولك يا دلال روحي هاتي شنطة العلاج هنا، النهاردة هنام مع غسان!

حرك غسان رأسه بإندفاع يترقب، بينما ابتسمت هي ولم تعارض، فقد قاربت علي فهم ما يفعله للتخفيف عن ولده، وافقت وخرجت بينما شاكسه بسام بقوله الآتي: "الله يسهله يا عم.. الحج حامد بذات نفسه سايب حب عمره وجاي ينام جنبك، دا انت مش عادي بقا، دا احنا نتصور معاك! إعتدل غسان يستند بظهره علي خشب الفراش وقال يوضح: "أنا مش عايزك تتعب نفسك يا بابا، نام مكانك عشان جسمك ميوجعكش متقلقش انا كويس!

"لا مش كويس وأنا جنبك الليلة دي وهرقيك بقرٱن عشان تنام وترتاح، بسام قالي انك مبتعرفش تنام! سب شقيقه بسره، والتزم الصمت، ونهض يبتسم وقال مفسرا: "لسه شوية على ما أنام، هخرج البلكونة أشرب سيجارة واقعد شوية وبعدين ارجع! نظر لشقيقه بجمود، فتحنح بحنجرته ووقف مكانه عندما قاطع حامد كل ذلك وقال: "مش ضروري سجاير يا غسان، انت مبقتش تقعد دقيقين على بعض من غيرها، انت مكنتش كدة، ودا غلط عليك، مش يمكن دا اللي مش مخليك تعرف تنام؟!

هل يرواغ والده معه؟ سبب أرقه معروف وواضح. لا ينام من ألم الهجر والفراق. لا يستطيع ان يغفل عينيه وهي ليست بين ذراعيه أو عالأقل يضم خصرها بذراع واحد والٱخر يحتضن به كتفيها كما اعتاد!! وان لم يكن مل ذلك فلم يستطع النوم بسبب ألم ما فعلته به كما يرى. أخذ أنفاسه ورد رد غير مقنع بل رد ليس له علاقه كي يستطيع الهرب من النظرات: "أهو بقا!

اقترب يفتح الشرفه بعدما التقط العلبه وأخذ معه هاتفه، وأغلقها خلفه مرة أخرى كي لا يدخل هواء للداخل ووالده هنا. جلس حامد على الفراش ووقف بسام ينظر بشققة. وإعتدل سريعا عندما رفع حامد عينيه له وهتف قائلا له: "انت واقف عندك لسه بتعمل ايه؟ "تفتكر هعرف أنام من الفرحة! "مش عايزك تعشم نفسك أوي وأنا بقولك كدة علشان بحبك وخايف عليك مش بحبطك! إقترب بسام يجلس بالقرب منه وابتسم يؤكد قوله موضحا له:

"أنا عارف ده يا بابا، بس بعيش فأي دور يخفف اللي غسان فيه، مع اني خايف اني اترفض بس فنفس الوقت حاسس اني لو وافقت فرحتي مش هتبقي كاملة طول ما اخويا مش مبسوط من جواه، حاسس بالذنب عايز القبول يجي بس ميجيش عشانه وعشان مشاعره! وكأنه يعي عندما رفع رأسه ببتسم لوالده وصارحة مرة أخرى بما جعل حامد يتأثر منه: "متعودتش أفرح من غيره! وأضاف يخرج أنفاسه ظاهرا وجعه الداخلي: "مربتنيش أفرح وأخويا زعلان!!

رفع حامد كفه يفهم تبريره ومرر يديه علي خصلاته كصغير يصحح لوالده ما رآه كذبا يخرج منه بينما في الداخل عكس ذلك تماما: "وأنا عارف ده، مش محتاج تبرر لأبوك اللي رباك، بس هي كدة الدنيا مش كل مرة معانا ولا كل مرة علينا، ولا بتقف عند مصيبة معينة، قدر الله وماشاء فعل، واخوك هيبقي بخير وهيتبسطلك، دا هو فرحانلك ومكلمني أكتر منك وكل شوية يقولي فاتحت عز ولا لسه! ابتسم بسام يأخذ أنفاسه وكي لا يتركه والده مع قوقعة

أفكاره شاكسه بقوله المازح: "لا بس البت فرح دي شكلها عينها منك وكاشفاك يا عبيط! "تفتكر؟ وكان قول دلال الأسرع وهي تدخل بعلب الدواء وقالت بتكرار: "وميفكرش ليه؟ هي تطول؟ دا انت دكتور قد الدنيا!

ضرب رأسه بمرح وازدادت ضحكات حامد، عليها وهو يتابعها تخرج له الدواء، بينما ما ان لاحظ بسام خروج شقيقه، أسرع ناحية غرفته يجلب غطائه كي يشاركهم الغرفة، وجود والده معهما بالغرفة بمثابة كنز وشئ ثمين لا يتكرر كثيرا، بينما حتي ولو لم يشاركهما الفراش بجانبهما فسيتسطح على الأريكة كما اعتاد منذ ٱخر مرة طرده شقيقه من الفراش بعنف وعارض على نومه بعدها بقية الأيام بجانبه، فيوم على الأريكة وأيام أخرى بالمستشفي وهكذا. الٱن رب الأسرة السوي نفسيا معهم كيف ستفوتهم الفرصة الذهبية هذه!!!

سكون الشقة يخبره وهى داخل غرفتها حبيسة أن الكل قد رحل. وبالفعل رحل عز مع فرح وجميلة قبل وقت، وكل ومل الكل من الدق على باب غرفتها وهي ترفض بأن تفتح، لذا ذهبت سمية لغرفتها، وكذلك ياسمين التي أبت الذهاب معه ناحية غرفته في شقة والدته هو. بل ظلت فظل معها وتجنب الحديث كله حتي في حق شقيقته مقررا عدم المواجهة الٱن بسبب حنقها واندفاعها الزائد عن الحد!

بينما جلست وردة في غرفتها تتحدث مع بدر في الهاتف، وقد استيقظ الصغير بعد فترة من النوم الطويل، سيظل يجعلها مستيقظة طوال الليل لطالما قد غفى وفاق!!

علمت من السكون الرحيل يشبه تماما ذلك السكون الذي بداخلها بمنتهى الوجع عقب الرحيل، رحيله من جانبها. تسيل الدموع منها منذ ان صعدت بسرعة، غفت واستيقظت والٱن تبتلع غصة مريرة بحلقها مؤلمة وكل المواجهة وحديثهما يتردد في أذنها. باتت لا تعلم ما الفجوة التي حدثت بينهما بهذه السرعة، كيف؟ ومن أي سبب بالتحديد فكل الأسباب أمامها الٱن كثيرة.. كثيرة جدا. كيف كان سيصبح ثباتها ما ان رددت له بأنها بالفعل نادمة؟

ما يوجعها هو ثباته هذه المرة على المبدأ، أي أنها ضمنته كما قال تماما. وخرها قلبها ما ان استمعت لحديث أشبه بأنه سيرحل كي لا تراه بعد الٱن. حتي نظرته وتبححه ووقاحته في الحديث والنظرات ستحرم منها. ولكنها لا تعلم ماذا يقصد بهذا الرحيل بالتحديد. هل رحيل حقيقي؟ أم رحيل مجازي كي يقصد عدم الظهور أمامها؟

مسحت بكفها دموعها. وقبل أن تندمج أكثر في هذه الأفكار الموجعة، خلعت سترتها عنها ووقفت تشعل ضوءًا خافتًا. حتى نظرت في المرآة لطيفها. لم تتغير كثيرًا، سوى فقط من ملامحها الباهتة والسواد الذي أسفل عينيها من الإرهاق. تلمست معدتها بألم من فقدان الكثير والكثير معها الآن. أمامها مشهد تخيلي من المفترض أن يحدث أو كان. عندما يأتي من الخلف، يضع كفه على معدتها بسعادة، يتشاركان الخطط المستقبلية لصغيرهما بكل حماس ولهفة. ينتظران

لحظة وضعه. كل الكلمات التي تأتي منه في أنه يهابها ويخاف أن يمسها ضرر، وأنها العدد رقم واحد لديه. مر بزواجهما الكثير من المحن والعقبات. أقربهما عقبه تركت أثرًا في كتفيها أثر النصل الحاد الذي جاء بها وهي تفديه. أقربها جرح جانبه بنصل حاد أيضًا عندما كان يفدي ابنة عمها من يد شقيقها وخطرها.

تحملت ضغوطًا وثقلًا كبيرًا، ولكن ثقل وضغط فراقه إن وُضع بكفة ميزان، حتمًا سترتفع كفة فراقه وهجرِه من كثرة الألم والوجع. شهقت بتمزق وهي تمسح وجهها. والتفتت بوجهها تنظر ناحية الشرفة التي قللت من الظهور بها. وعادت تتمسك بمعدتها بلهفة. ما يوجد داخلها آخر شيء باقٍ لها. وبسرعة سمعت صوت الصغير ببراءة وهو يدق على الباب مرددًا بنبرته الطفولية: "روز!

ما لا تعلمه أنها ستنهزم وستفتح لتعلقها به وتخيلها بأنه صغير، لربما سيشبه صغيرها في المستقبل. وما لا تعلمه بأنه مُرسل بتخطيط منه هو، من "غسان" الذي هاتف "بدر"، يخبره بذلك واثقًا بأنها ستفتح له. عندما علم بأنها رفضت أن تفتح للجميع. وانصتت "وردة" له ووقفت على بعد تنتظر. وابتهجت ملامحها ما إن سمعت الباب يُفتح بخفوت. فتوسعت ضحكة الصغير ببراءة مرة أخرى وهو يتلهف متوجهًا ناحية ساقيها يتمسك بهما: "روز"

انحنت "نيروز" بحذر تقبله حتى ضمته مشددة بعناق. علّ عناقه هو سيريحها ويشعرها بالأمان قليلاً. هبطت دمعتها وهي تقبله بتأثر من وجنتيه. فرفع "يامن" كفه الصغير ببراءة يمسح وجهها. هل هذه الفعله موروثة؟ حنو الصغير وكل شيء حولها يذكرها به وبأدق تفاصيله. تركت الباب مفتوحًا واقتربت تجلس على الفراش وجذبت الغطاء بحرص وهي تضمه إلى صدرها حتى استند برأسه عليها وهو يتمسك بلعبته. فسألته هي بنبرة ضعيفة طفولية كي تصل لعقله: "تِيجي ننام؟

لم يجيبها ولكنها مررت يديها على رأسه بحنان. وجذبت الغطاء تربت على ظهره برفق. وشردت تتخيل لحظاتها القادمة مع صغيرها. ولكن هناك نقص بهذه اللحظات ما إن لم يشاركها هو حتى بمجرد المساعدة في حمله عنها. تتعلق بالمستقبل والمستقبل ليس به هو من الأساس. يخيب ظنها ورجاءها ثم تعود بخيبة كبيرة مرددة بحسرة: إنها بمفردها.

ابتلعت ريقها بوجع. مجبرة على تحمل كل ذلك. والغريب بأنه غفى بين أحضانها وسقطت اللعبة عليها وانتظمت أنفاسه فعلمت أنه نام. لم تتركه بل ضمته أكثر لها ورفعت الغطاء أكثر عليها تحاول بأن تفعل المثل لتنام هي الأخرى. ولكن كيف النوم مطولاً ويحتلها ألم الهجر والفراق مثله تمامًا. تركتهما "وردة" لطالما اطمئنت وحاولت التوجه ناحية غرفتها كي تخبر زوجها بنجاح هذه المهمة المدبرة بعقل حدة الشباب.

لم يصعد إلى الآن وعقله يتضارب بالأفكار والمشاهد. يجمع بين ردود الفعل والنظرات. ويحسم الأمر بعقله أولاً مع نفسه قبل أن يُفاتح به أحد. عبث "عز" بهاتفه قليلاً وعقله بمكان آخر. رفع عينيه ناحية باب غرفة شقيقته المغلق. يعلم أن "جميلة" معها بالداخل منذ أن عادوا من الخارج ولم يخرج لهما صوت. رفع رأسه بانتباه لخروج والدته من المرحاض بعدما استعدت الآن للخلود إلى النوم. اتسعت ابتسامتها بلهفة واقتربت تسأله: "انت لسه مطلعتش؟

دا أنا فكرتك قفلت وطلعت! "بتطرديني يا أم عز يعني ولا إيه؟ شاكسها "عز" بضحك. فضحكت "حنان" تنفي برأسها وقالت توضح: "مش القصد يا واد. بس اكمني بس اتعودت خلاص على كدة! حرك رأسه بتفهم. واستقام يخبرها بهدوء: "لأ لسه مطلعتش زي ما انتي شايفة. وجميلة جوه كمان مع فرح. بس أنا مستني عشان عايزكم فموضوع مهم." قوست حاجبيها ونظرت بفضول امرأة لاق بسنها كثيرًا. فمد كفه كي تستند عليه وقال يحثها: "تعالي!

سار الاثنان معًا. بعدها ووقفا أمام باب غرفة "فرح" حينها رفع يديه يدق الباب دقات هادئة. فسمحت له "فرح وجميلة" من الداخل. وقتها فتح الباب وهو يقف بجانب والدته. وما إن فتحه دخل الاثنان ووقف "عز" ينظر بغير تصديق لما يفعلانه. وحرك رأسه يسألهما: "انتوا بتعملوا ايه دلوقتي؟ لاحظ مساحيق التجميل التي وضعتها "فرح" بترتيب على وجه "جميلة" مما أظهر جمال ملامحها برقة. ابتهجت ملامح "حنان" واقتربت تنظر بسعادة وقالت تصارحها ببهجة:

"ونبي زي القمر وأحلى! ضحكت "فرح" واقتربت تمسك كفه تسحبه ناحية الداخل أكثر وردت على سؤاله وهي تحرك رأسه ناحيتها هي بعدما كان ينظر ناحية "جميلة" التي شعرت بالحرج: "انا لقيتها هادية ومكتومة كدة فقولت أفرفشها وأدلعها. إيه رأيك؟ ابتسم بلطف. ونظر نحوها فوجدها تقف وهي ترمش بأهدابها وتجرأت تسأله أمامهما: "شكلي حلو يا عز؟ أكد برأسه ونظر نحو تقاسيم وجهها بتيهة وقال يصارحها بـ: "أوي. شكلك حلو أوي! إحمرت وجنتيها

أكثر وأضاف هو بصدق بعدها: "بيه أو من غيره فإنتِ جميلة! صفقت "فرح" بحماس. وغمزت لهما بسعادة. وعدلت ياقتها الوهمية. فضحك هو عليها بخفة. وسرعان ما اعتدل يخبرها: "طب اقعدي بقا عشان عايزكم فموضوع مهم! جلست "حنان" وهي تنتظر. فجلست "فرح" بغرابة. واعتدلت "جميلة" بحرج تخبره: "طب أنا هطلع أنا عشان اغير وأخرج الهدوم من الغسالة.. هسيبكم مع بعض! أمسك "عز" مرفقها برفق. وابتسم يرفع عنها الحرج وأشار لها بلطف قائلاً:

"لأ. خليكي. انتِ مش غريبة يعني ولا إيه يا أم عز؟ أشار لوالدته بعينيه وشقيقته. كان قد أخبرهم من قبل بحرجها الزائد الذي يضع حدودًا لا حدود بينهما. تلهفت حنان وهي تمسح على المنطقة الواسعة في الفراش وقالت: "طبعًا. أومال إيه. تعالي يا جميلة اقعدي. انتِ لسه هتتحرجي مننا. إحنا بقينا عيلة خلاص. وسيبي العمايل. ما العمايل يختي مبتخلصش. في داهية اقعدي. اقعدي! ابتسمت بحرج. واقتربت بعد تشجيع "عز" لها.

جلست بجانب حنان، ومن الناحية الأخرى جلست فرح تنظر بغرابة. قالت بقلق: _"في إيه يا عز الرجال؟ مجمعنا ليه كده؟ هتتجوز عليها ولا إيه! وكزتها حنان بعدما شهقت جميلة، فضحك هو يؤكد وقال بشفرة: _"هو مشروع جواز فعلاً، بس مش أنا، أنا خلاص خدت نصيبي الحلو من الدنيا! نظرت جميلة بخجل، فاندفعت فرح بعفوية: _"أومال مين؟ أمك؟ شهقت حنان وضربتها بخفة تنهرها تحت ضحكاتهم: _"اختشي يا بت!

عدل هو ملابسه أكثر من بين ضحكاتهم واقترب يجلس بالقرب منهم على طرف الفراش، وبدأ قوله بـ: _"لا مش أمك، أنتِ متقدم لكِ عريس! ابتهجت ملامح حنان وتحمست جميلة لسماع الآتي، بينما نظرت بضيق وأشارت له بيديها تجاريه كالعادة: _"وبعدين رفضته زي عادتك يعني؟ _"لأ مرفضتش لإني حاسس إني هوافق أو موافق بس مش أوي يعني لإني محتاج أسمع رأيك الأول وبعد كده نشوف! واندفعت حنان بلهفة تردد بفرحة أم بحدوث هذا الموقف:

_"صحيح يا واد يا عز الكلام ده، عليه العين وصاحب مقام العريس دا ولا أي كلام!! وأضافت دون أن تعطيه الفرصة للتفسير: _"أنا بنتي دكتورة ما تاخدش إلا دكتور زيها أو حاجة مقامها عالي كده، أنت عارف." صمتت فرح تنظر على لهفة والدتها وترقبت جميلة، الآتي منه عندما اعتدل يفسر لهم: _"دكتور يا أم عز متقلقيش ومحترم كمان وابن ناس!

لا تعلم لما شعرت بالضيق، لربما ترى بوادر قبول في عينين شقيقها، بل رد فعله يختلف عن المرات السابقة. رفضت بعفوية كي تغلق هذا الحوار وقالت تصارحه: _"لا مش مستعدة، مبفكرش في كده دلوقتي." رد فعلها مختلف هي الأخرى، ولا تعلم هي بأن هذا الرفض كان طبيعي منها بسبب انشغال عقلها به، ولكن الآن لم يأتِ هو بعقلها ولا تعلم أيضًا. لم الرفض دون أن تعلم هويته، وكان رد فعل عز المتوقع:

_"خلاص براحتك، أنا مش هغصبك على حاجة، دي حريتك وليكي حقك في الرفض فيها أو القبول! كادت أن تتحدث حنان سريعا، تبرر لها بشيء ولكن كان حديث جميلة، المندفع قبلها، لربما أنقذت هي الوضع: _"استنوا بس يا جماعة، إحنا منعرفش مين هو العريس ده يا عز، هي تعرفه طيب؟ كانت تتوقع فرح بأنه سيرفض لذا لم تترقب، ولكنها حركت رأسها بإندفاع عندما قال بصدق: _"آه نعرفه كلنا." صمتت حنان تفكر، بينما هي اندفعت برأسها بمفاجأة. لا تعلم طبيب غيره!

ابتلعت ريقها وشعرت بأن يديها ترتجف الآن. وسألته والدته بفضول شديد: _"طب مين ده يا ابني؟ ما تقول أنت بتجري ريقنا وتسكت! ضحك عز على قولها وشمل شقيقته كي يرى رد فعلها بالتفصيل عندما قال ما صدمهم جميعًا: _"دكتور بسام حامد البدري." ذهلت جميلة واعتدلت حنان تضع صدمتها على جانب وقالت بفرح شديد: _"بجد الكلام ده يا عز؟

دا يوم المنى لو حصل، أنت متعرفش أنا بعزه أوي إزاي، دا محترم أوي وابن ناس وجدع ووقف جنبنا كذا مرة هو وأخوه بردك! تركها تثرثر، وجاب عينيه ملامح وجه فرح، هو وجميلة. بينما هي تلقت صدمة كبيرة وكل الحديث من بدايته يرجع إلى ذاكرتها الآن. كان يحب طبيبة وهي لا تعلم عنه شيء، طيبة تسمى فرح؟

ابتلعت ريقها بصعوبة، وحتى مهما كان متوقع منه إلا أنها سعدت وشعرت بالضيق بنفس ذات الوقت. لا تكن له حبًا، لكنه يلفت الأنظار إليه وهي كانت من ضمن الذين انتبهوا له ولشخصيته فوقعت بين إعجاب أقارب ومعارف. أخذت أنفاسها وخرجت نبرة عز وترك اللعب بأعصابها وتعمد اللين وهو يسألها مجددًا: _"رأيك زي ما هو حتى بعد ما عرفتيه ولا لسه رافضة؟ _"ترفض ده إيه؟ لا هتوافق طبعًا، اسكت أنت وهي." نهر عز والدته بنظرته وقال بجدية يوضح:

_"لا يا ماما، ملناش دعوة غير الموافقة على الشخص مبدئيًا، بس، غير كده هي اللي بإيدها الباقي من غير ضغط ولا فرض! التزمت الصمت بحنق في الخفاء، ونظرت جميلة لها، وتفاجأ هو من ارتباكها عندما رفعت رأسها تصارحه بتشتت: _"مش عارفة يا عز، أنا توهت." وقبل أن يردد بحديث يطمئنها تدخلت جميلة تنصحها: _"يبقى تصلي استخارة دلوقتي قبل ما تنامي، وبكرة نعرف رأيك، إذا كنتي مرتاحة أو مش مرتاحة، وأكيد هم مستنيين رد منك صح يا عز؟

_"صح، وأنا كمان مع كلام جميلة، طالما تايهة يبقى نقوم ونسيبك تصلي استخارة وتنامي، ومحدش هيفرض عليكي حاجة متخافيش! استسلمت بتشتت توافق. فابتسم هو. تحت نظرات حنان الذي أشار لها عز. كي تخرج وتتركه معها. نهضت جميلة تسندها كي تترك لهم الخصوصية وخرج الاثنان في الخارج. أما هو فمد يديه يمررها على ظهرها برفق وقال يطمئنها بسؤال: _"أنتِ خوفتي ليه كده يا فرح؟

لو مش عايزة من أصله يبقى بلاش، وسيبك من كلام أمك متحطيش فدماغك إنها فرصة وهتضيع دا جواز مش أي كلام، مستعدة عامة؟ يبقى تصلي زي ما جميلة قالت وهنتظر ردك بكرة، اتفقنا؟ ابتسمت من حديثه الذي طمأنها واقتربت تحتضنه وبعدت عنها أي أفكار أو تشتت وقالت تصارحه بحب: _"ربنا يخليك ليا يا عز، أنا بحبك أوي، وكنت لسه بقول لعمو حامد إني مش هقبل بواحد أقل منك، عايزاه زيك بالظبط!

علم ما فعله حامد كي لا يضع نفسه بموضع محرج. تجاهل ذلك وابتسم بسبب سري على عفويتها في الحديث والاعتراف دون علم منها. وشاكسها سريعا عندما قال يسألها: _"وتفتكري بسام زيي بقا؟ _"أنت مفيش حد زيك أبدًا، مينفعش تسأل السؤال ده! نظر لها بتشكك واقترب بعدها يقبل قمة رأسها ونهض يعتدل وحثها مرة أخرى: _"هسيبك تعملي اللي قولتلك عليه، وهطلع أنا بقى. تصبحي على خير! _"وأنت من أهل الخير."

رددتها بابتسامة واسعة وخرج من الغرفة بعدها. فلاحظ صعود جميلة وقبل أن يصعد قرر أن يذهب ليحث والدته بعدم الضغط عليها حين أن يأخذ منها أي رد. أما هي فجلست بتشتت وخفق قلبها بتوتر. فركت يديها ونظرت نحو الهاتف التي لم تنظر له منذ فترة. وما صدمها عندما فتحت الهاتف وجود رسائل منه هو شخصيًا! Bassam El Badry صاحية؟

أنا عارف إن فات عز كلمك وكان ممكن أفتح معاكي الموضوع ده أنا بس عملت حساب للرفض. أنا مش عايزك تتسرعي وعايزك تفكري كويس. أنا شايفك تنفي تبقي شريكة حياة وأم لولادي في المستقبل. بس في نفس الوقت مش بضغط عليكي إنك تقبلي، بس لو في أي رفض بعد ما تفكري براحتك حابب تعرفيني هنا عشان أكون مهيأ لكده. ثم وجدت بعدها رسالة يساعدها به كما اعتاد بمساعدتها دوماً بظهوره في وقت ضياعها.

"قبل ما أنهي الكلام ده دعاء الاستخارة اللي برجح إنك تعمليه، عشان لو مش متذكراه أو لو لسه هتدوري عليه، فـ إقرأيه من هنا." تأثرت من رسالته دي ومررت عينيها على الدعاء تتذكره، قبل ما تنهض تتوضأ وتعود لقراءته مرة تانية. "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته)

خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به." واتسعت ابتسامتها أكتر لما قرأت التالي: "وتصبي على خير، وأصبح أنا على قبولك يا فرح."

ارتجفت يديها بتخبط بما سترد، تفاعلت بالرمز قلب على كل الرسائل دي، وابتلعت ريقها تحاول تاخد أنفاسها، كما استشعرت سخونة وجهها وخديها، فنهضت تقرر الوضوء وفعل ما حثها عليه أكتر من شخص وآخرهم هو "بسام" المتمني لقبولها. ***

وعلى الجانب الآخر، أضاء هاتفه فـ إلتقطه وهو مسطح بنومته دي على الأريكة قبال فراش شقيقه اللي شاركه والده بيه. كان "غسان" بجانب "حامد" على الفراش، وعلى بعد منهم كان "بسام" اللي ابتسم ما إن وجد تفاعلها. ورفع رأسه ينادي شقيقه بـ: "غسا.."

الغريب إنه مجابوش، ومن الواضح إن قراءة القرآن والأذكار عليه بواسطة والده اللي مسد على خصلاته كصغير تحت كفه الحاني اللي يمرره، قد غفى. وانتظمت أنفاسه بتعب، فـ ربّت "حامد" على رأسه بشفقة، وحرك رأسه بضجر تجاه الآخر وسبه قائلاً: "اسكت يا زفت انت، إحنا ما صدقنا ينام ويرتاح، عايز إيه منه! كان صوته منخفض، فـ كبت "بسام" ضحكته وقال يتصنع الضيق: "إيه التفرقة دي يا حج، ما أنا ابنك بردو حرام عليك! "قصرة، عايز إيه؟

أنا مش فايقلك وعايز أنام! أخرج "بسام" أنفاسه وأخبره بهيام شديد ظهر في نبرته المضحكة: "كنت هقوله رياكت القلب الأحمر، معناه إنها بتحبني ولا بتحبني أوي؟ والمتوقع من رد "حامد" إنه قال بنبرة معنفة: "نام يا بن الكلب وراك شغل الصبح، وخف نححة شوية." تنحنح "بسام" بحرج يجلي حنجرته ووافق "والده" بنبرة جادة زائفة: "الله يعزك يا حج، ماشي اللي تشوفه."

وضع هاتفه على الطاولة بجانبه واراح ظهره يجلب الفراش، بينما ابتسم "والده" في الخفاء عليه وعلى كلماته المريحة. اعتدل هو الآخر يستعد للنوم فسأله "بسام": "غسان نام فعلاً ولا إيه؟ "آه نام عقبالك! ابتسم وقال يفخم بقدراته: "بركاتك يا حج حامد، دا كل يوم كان يقعد يفرك فالسرير وميعرفش ينام ساعة واحدة على بعضها! تقطعت أنفاس "حامد" وقال بحزن شديد على حاله: "اللي فيه يعمل أكتر من كده، أخوك تعبان!

صمت ولم يجد رد، بل التزم "بسام" الصمت بنفس الحزن عليه، على توأم روحه!

وعلم إن كل مشاعر الضيق اللي بداخله عشان شقيقه لا أكتر. سمع صوت أنفاس والده العالية، فعلم إنه قد غفى بعد شرود حزين متحسر على حال "غسان". أما هو فحتى لم يمسح دمعته اللي فرت منه شفقة وتعاطف لما تذكر الليالي اللي يقيم بها معه في الغرفة. حينها كان يتصنع هو النوم فيري أنفاس شقيقه تتقطع بهدوء وكفه يرفع مرة أخرى ليمسح عينيه ووجهه بتعب. وأوقات أخرى يستغل الآخر تصنعه في النوم فينهض ليصلي بعدما يفشل في قدرته على النوم فيسمع دعاءه في الصلاة بنبرة شملها الألم. ألم الهجر والفراق، كيف تغيب عنه هذه التفاصيل وهو توأمه توأم الروح!

*** خفق قلبها خفقات متتالية، عند هذا القرب اللي ضيع عقل الاثنين معاً. كان على وشك تقبيلها ولكنه تراجع سريعاً من تلقاء نفسه يحرك نفسه بعيداً عنها، وكأنه وعى ما يحدث أو ما كان سيقبل عليه هو، وهو من بدأ ذلك بنفسه وضيعها أمام أفعاله. شعرت بندمه الشديد الآن وسقطت دموعها خلف بعضها. والآن من كان يصدق إنها هي اللي وقفت ولم تعارض وهو اللي عارضها وعارض نفسه! والوضع الآن ليس شيئاً سوى أنه أصبح "حرب كرامة"!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...