الفصل 41 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
21
كلمة
25,616
وقت القراءة
129 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

أيام قليلة مرت على الكل، وكان هو صاحب الخذلان الكبير، ومعه كانت هي التي شعرت بنفس ما يشعر به. وبالنهاية لا أحد يستطيع حزم موقفهما بمن هو الذي كان على صواب ومن الآخر الخطأ.

تعمد الصمت والتجاهل وكأن شيئًا لم يكن، وحذرهم "حامد" من فتح أي مواضيع تخصه حين أن يحكم عقله، وهي الأخرى كذلك. باتت ملامحه منطفئة، يحاول المرح مثل السابق ولكنه يفشل في بعض الأوقات وتخونه عيناه، وقدرته على الحديث تنعدم في بعض الأوقات. في حين لم يراها ولم ير طيفها منذ أن ألقى عليها كلمة الطلاق. لم ينعم براحة بعدها، وهي هي من نفس الحال. حتى أنه لم يستطع النوم في كل ليلة، حبيس الوجع وحبيس الألم مع ذاته. وكل مرة ينهر نفسه ويقرر عدم فتح شرفته. الاعتراف المؤلم الذي يعلن ضعفه الداخلي أنه يهاب رؤيتها ورؤية عينيها من الأساس. حتى أنه لم يتقابل مع عائلتها وشقيقتيها الاثنتين. فقط يأتي "بدر" بين وقت والآخر وكذلك "شادي".

أما اليوم فهو موعد سفر "بدر"، وهو المسؤول عن توصيله، حيث ستذهب معه "وردة" و"يامن" كي يودعوه عند المطار. أي اللحظة الأخيرة! ولأن اليوم جمعة لم يذهب إلى أي عمل بل بقى في المنزل حتى قدرته على المحاولة للصعود ناحية شقته انعدمت. وبقى في غرفته هنا حيث شقة والده.

بينما الآن وبعد الظهر أي صلاة الجمعة، اجتمعوا بشقة "حامد" على سفرة الغداء عدا هو. جاء ودخل ينفث دخان سيجارته في غرفته وحده. جلس الكل يترقب قدومه. ولم يبدأ أي منهم الطعام. تحركت أنظار الجميع حول بعضها. ونظرت "دلال" بترجٍّ ناحية "بسام" وهي تخبره بصوت منخفض: "قوم يا بسام نادي أخوك يجي يتغدى. خليه يجي ياكل أي لقمة بدل ما كل يوم يا نشوفه صدفة على الغدا يا منشوفوش!

أومأ "حامد" يؤيد، وقبل أن ينهض "بسام"، فتح "غسان" الغرفة بوجه مبتسم لهم فبادلوه الابتسامة. وتحرك يغسل يديه بالحوض الموجود بالطرق، وجففها وعاد يسحب مقعدًا يجلس بجانب شقيقه. حتى رفع عينيه ناحية والدته مهللًا بكثرة أصناف الطعام: "إيه دا كله يا أم غسان. تسلم إيدك! توسعت بسمتها وأشارت له بلهفة، بينما قصدت فعل ما يفضله من الأصناف له هو خاصة: "بالهنا والشفا. كل يا حبيبي!

استمر الطعام بصمت من بين نظرات والده له ونظرات شقيقه وشقيقته وحتى والدته. وهو يشرد بالطبق يقلب به دون أدنى قدرة على تناوله، ولكنه على أية حال سيراضي والدته بتناوله حتى ولو شيئًا بسيطًا. جاب "بسام" بعينيه تفاصيله بيديه اليسرى، حيث المعلق بمعصمها إلى الآن سوار به حروف اسمها، ولم يخلع حتى دبلته السوداء من إصبعه. "هتروح توصل "بدر" امته؟ اختصر الرد دون أن ينظر: "ساعة وأقل بالكتير!

يعلم أنه محط للمراقبة من الجميع، ومن الأساس كان سينهض بعد دقائق. لذا نهض يبتسم مرددًا: "الحمد لله! نظرت "دلال" نحو أطباقه التي حوله بحسرة. وبهذا الوقت أشفق عليه حتى هبطت دموعها أمامهم. زفر "حامد بضيق يحذرها من وجوده، فحاولت حكم دموعها على حاله. أخفض "حامد" نبرته قليلًا يخبره: "مشوفتيش سمية عشان نعرف نيروز متابعتها التانية النهاردة زي ما كانت قايلالنا من فترة ولا اتغير؟ نفت بنفس الصوت تخبره بأسى:

"هو أنا عرفت احط وشي فوشها. معرفش حاجة عنهم من ساعة اللي حصل! ضم شفتيه بشرود. ونهض "بسام" هو الآخر خلف شقيقه الذي دخل المطبخ منذ ما حدث يريد التخفيف عنه، ولكنه يعلم ما بداخله. لذا غسل يديه ودخل المطبخ يضرب كتفيه من الخلف يسأله بمرح: "بتعمل ايه يا غس؟ أجاب "غسان" وهو يذوب بالملعقة في الكوب مبتسمًا بمجاملة: "لمون بالنعناع أعملك؟ حرك رأسه بنعم وحماس، وساعده فوقف الاثنان بجانب بعضهما، وفتح "بسام" الحديث وهو يتذكر:

"تعرف إني شربت فرح الليمون بالنعناع ده أول ما عرفتها في المستشفى؟ ترقبت ملامحه بابتسامة هادئة وواصل الآخر كي يشغل عقله: "كل ما أنوي أقولها إني معجب أو أفتح معاها كلام حد ينطلي يبوظ الدنيا! ورد "غسان" بما لا يتوقعه الآخر عندما التفت يضع الملعقة على الطاولة وحمل كوبه مرددًا: "وليه ده كله لما ممكن نكلم عز! صمت يرى ملامحه التي ابتهجت، ولكنه لم يقدر على ظهور ذلك أمامه خاصة في هذه الظروف. وعلم "غسان" ما يشعر به،

لذا واصل يكمل بصدق: "سيب الحوار ده عليا. هجمع أبوك وأمك ونقعد نفاتحهم. مع إنهم عارفين بس هافتحهم أنا واللي فيه الخير ربنا يقدمه! سمعت "وسام" حديثهما فترقبت ملامحها ببهجة وهي تبتسم، ثم غمزت لـ "بسام" الذي ابتسم باتساع حتى اقترب بوجهه يقبل خد "غسان" بصوت مسموع للدلالة على فرحه المكبوت. لم يكن يعلم أن هذه الفعلة ستخرج ضحكات شقيقه، والذي قال من بين ضحكاته يشاكسه: "لولا إنك لسه بتقول فحوار فيه أنثى اسمها فرح كنت شكيت!

شهق "بسام" بصوت مصدوم بطريقة زائفة تحت ضحكات "وسام" التي شملته بنظراتها. فابتسم وهو يخرج إلى الخارج وهم خلفه حتى جلس على المقعد يتجرع من هذا الكوب بخفة. وجلس بجانبه "بسام" يحاول فتح التلفاز بجانب "وسام" الذي تابعها "غسان" بصمت حتى مال يهمس: "مش مبسوط من اللي بتعمليه حتى ولو علشاني!

ارتبكت ملامحها واعتدلت تنظر له بتمعن. فحرك رأسه يتذكر عندما جاء سمعه صدفة ترجي "دلال" لها في الذهاب لـ "نيروز" ولكنها رفضت خوفًا على أن تجرح شقيقها. وأكمل بنبرة هادئة يحثها: "خرجيني برا أي حسابات. وخلي علاقتك بيها كويسة وروحي شوفيها. أنا مش زعلان ولا هزعل. ومتنسيش إنها هتبقى أم اللي جاي من أخوكي يا وسام! حاولت "وسام" التبرير بحرج وهي تنظر بتردد: "أنا مش قصدي والله بـ... وقطع هو جملتها بابتسامة صغيرة بعدما وقف:

"أنا فاهمك وحبيت أعرفك بس إني عقلي أكبر من اللي بتفكري فيه. اسمعي كلام أمك ومهما كان انتوا قريبين من بعض كأصحاب قبل ما كان يربطني بيها حاجة! وضعت بموقف محرج. لذا ابتلعت ريقها تومئ. واقترب "حامد" يفتح الباب الذي دق. حتى فتحه ووجد أمامه "بدر" و"وردة" وهو الذي كان يحمل "يامن". جاءت "وردة" لتعلمهم بطريقة غير مباشرة بأن صلة قربهم ستبقى كما كانت. رحب "حامد" وحمل الصغير. ولأول مرة ترى "وردة" "غسان" بعدما علمت خبر طلاقهم!

وهو أيضًا. عانقت "دلال" بحب وقالت تخبرها بحنق طفيف: "وحشتيني أوي يا طنط انتي ووسام. كدة متعديش! تاهت بالحديث وعانقتها وهي تأخذها معها ناحية المطبخ. فاقترب "غسان" يحث "يامن" على القدوم له حتى تقدم الصغير له. مع مداعبة "بسام" له. وعلى مقربة وقف "بدر" يبتسم له مرددًا بوداع: "هتوحشني أوي يا عمي. خلي بالك من صحتك ونفسك كده. وإن شاء الله هبقى أكلمكم من وقت للتاني!

"تروح وترجع بالسلامة يا بدر يا ابني. خلي بالك من نفسك انت ومتقلقش حبايبك هيبقوا في الحفظ والصون! ابتسم باتساع ونظر بإهتمام نحو "غسان" الذي كان يلاعب صغيره بمشاكسة غير عابئ بمن حوله. بينما مال "حامد" يهمس له: "بقولك متعرفش نيروز راحة للدكتورة النهاردة ولا لأ؟ حرك "بدر" رأسه بعلم وقال يخبره: "آه رايحة بعد ما أمشي أنا ووردة هتروح مع ياسمين عشان تتابع هي كمان ومعاهم "حازم" وطنط سمية! حرك رأسه متفهمًا وخرجت "دلال".

بصينية صغيرة عليها حلوى، وخلفها "وردة" التي ابتسمت نصف ابتسامة لـ "غسان" الذي أومأ لها بعينيه دون حديث وحرك رأسه لـ "بدر" يسأله: "أنا فاتحلك العربية تحت عشان الشنط! "آه نزلت، أنا اللي جيت أودعهم مع إني مبحبش كده ومرضتش أسلم على حد هناك حتى حازم! وعلى الرغم من أن هناك وقت، إلا أن نهض "غسان" يعطي الصغير قطعة حلوى بيديه ثم حمله بذراعه وقال يخبره: "طب براحتكم، أنا سابق تحت وهاخد يامن!

لم يعطيه أحد الرفض، بل معاملته مع الصغير تسعدهم. قبل "يامن" بحب وفتح الباب بعدما ارتدى حذاءه متحسسا جيب بنطاله على المفتاح حتى أغلق الباب خلفه ووقف ينتظر المصعد كي يهبط إلى أسفل. ***

بينما هي لا تصدق والدتها ولا حتى شقيقتها بأنها الآن خرجت أخيرًا، حيث ودعت "بدر" ولم تتركها "ياسمين" لتدخل مجددًا غرفتها. جاءت "سمية" من على بعد تحمل بين يديها دواءها وكوب من الماء تعطيه لها بهدوء تحت كلمات "ياسمين" التي تحاول بها التخفيف عنها رغم جهل الكل عن السبب، ولكن تركوها رغما عنهم كما تركوه هو وعائلته. أخذت "نيروز" الدواء بخواء، فمنذ هذا الوقت تسكن بطريقة مريبة. ومن ناحية أخرى لم تنعم بالنوم، فقط تنام على ظهرها كما حثتها الطبيبة، بينما النصائح الأخرى لم تفعل بها، وخاصة نفسيتها. نهضت "ياسمين"

تبتسم وحثتهم قائلة: "هدخل ألبس الطرحة بس عشان واضح معتش إلا أنا! كالعادة شاردة متشتتة بعالم آخر، أومأت لها "سمية" وتفحصت "نيروز" بعدما ارتدت ملابسها للخروج. ولكن ما عاق حديثها دقات "حامد" على الباب بعدما خرج من شقته و "بدر" و "وردة" كانا معه، حيث هبطا هذه المرة لأسفل. اقتربت "سمية" من الباب تفتحه ولم تتفاجئ، بل ابتسمت. فسألها "حامد" عن حالها بلطف: "إزيك يا مدام سمية وإزاي نيروز النهاردة عاملين إيه؟

"كويسين الحمد لله، اتفضل! دخل بعد قولها الهادئ وهي تجامله. ناهيك عن ضيقها من الذي حدث وتكبته هي. دخل فوجدها على ذلك الحال حتى جلس يضع يديه على كتفيها مبتسمًا يسألها: "إزيك يا حبيبتي عاملة إيه؟ كده برضه تقفلي على نفسك كل ده من غير ما حد يشوفك! لامس قلبها لطفه فابتسمت بتأثر. ترددت بنبرة ضعيفة تبرر: "الحمد لله، معلش يا عمو كنت تعبانة شوية! نظر إلى قدمها فوجدها خفت قليلا، لذا ابتسم بتفهم ونهض يلتقط يديها بحنو وهو يحثها:

"طب يلا عشان هاجي معاكي عند الدكتورة! كادت أن ترفض، بينما رفضت "سمية" هذه المرة بجدية: "لا ملوش لازمة تتعب نفسك، أنا معاها ومعايا حازم وياسمين برضه! التفت بوجهه ينظر لها بابتسامة هادئة وأسند "نيروز" حتى وقفت وقال ردًا على والدتها: "مينفعش الكلام ده يا أم وردة، نيروز بنتي وغير كده، ده واجب عليا!

صمتت تنظر ناحية "نيروز" التي استسلمت لحنوه ولطفه. أسندها برفق وهو يشير لها بأن تلحق به مع "ياسمين" و "حازم" وسيسابق هو معها. خرجت من الباب وقبل أن تخرج انحنى "حامد" عندما وجد محط أنظارها على حذاء معين من الواضح بأنها كانت سترتديه. لذا حاولت منعه بلهفة فقاطعها وهو يجعلها ترتدي بواسطة يديه حتى نهض يحاوط كتفيها ونظر نحو شحوب وجهها. ورغم أنه يعلم بأنها الطرف الذي أخطأ أكثر، إلا أنه اعتذر عن ما تشعره من تعب بحمل طفل ولده وهي بهذه الحالة

مجبرة على تحمل كل ذلك: "حقك على راسي يا بنتي! قاومت بأن لا تهبط دمعتها وابتلعت ريقها تعجز عن الرد. تريد أن تتأسف له هو. ليس مجبرا على كل ذلك. استغلت إغلاقه للباب وعدم استماع شقيقتها ووالدتها وسألته بنبرة خانتها وهي تدخل معه المصعد: "هو غسان مش هيجي معايا عند الدكتورة؟

ولأنها تغلق على نفسها أغلب الوقت أو كله، فلا تعلم هي كيف سيرحل "بدر" من الأساس. ألمه قلبه من اهتمامها. وسأل لما طلبت الانفصال لطالما تعاني كل ذلك. حاول التخفيف كي لا تنهك وقال كذبًا ينتهز أي فرصة وأمل للإصلاح: "راح يوصل بدر المطار، بس قالي أجيلك المرة دي عشان هو مش هيعرف يجي!

لم تركز معه إذا كان صادق أو غير ذلك، بل ما إن استمعت لعدم قدومه شردت بألم. لأيام لم تري وجهه وتعلم تمام العلم بأن حالته لا تختلف عن حالتها هي الأخرى. هبط بهما المصعد وهو يشملها بنظراته بخوف أبوي في هذه اللحظة ليس إلا. يود أن يشعرها بأنه مثل والدها وليس والده هو، لا يودها أن تراه الآن بهذه الصورة أبدًا. ***

وتزامنًا مع هبوطهم، انطلق "غسان" بسيارته الذي جلس بها بجانبه في الأمام "بدر" والخلف كانت "وردة" بينما ظل "يامن" على ساق "غسان" يرفض القدوم لوالديه. ترقب "غسان" حديث "بدر" في الهاتف وهو يودع "فاطمة" كما ودعها أمس هي وأولادها و"آدم" وحسم الجدل وقرر بأن لا يأتي أي منهم المبنى حين يرحل، ثم ليأتوا من بعد ذلك. وقرار قدوم زوجته معه وصغيرة لم يوافق عليه إلا بضغطها هي. أهبط الهاتف يغلقه ونظرت "وردة" ناحيته بحزن إلى أن تقابلت عيناهما معًا بالمرآة، فخرج صوت "بدر"

يهرب من عينيها: "خلي بالك منهم يا غسان، مرات أخوك وابن أخوك ياض! شاكسه بمرح، فضحك "غسان" يشير له بعينيه ثم ثبتها على الطريق مع قوله: "فـ عينيا يا بدر من غير ما تقول، انت عارف! زفر بصوت، ود لو يفتح ذلك الحوار، ولكنه لا يعلم من أي نقطة سيبدأ. الآخر يراه متغير كليًا عن طبيعته معهم. ربما سكون الوجع. صاحت "وردة" تخفف من صمت الجو بالسكون المريب وقالت تشاكس صغيرها والآخر: "مرتاح يا يامن كده يعني على رجل غسان؟

ضحك "بدر" وهو يفتح كاميرا هاتفه يلتقط له بعض الصور كي ينفرد بها في غربته. ضحك الصغير عندما حاول "غسان" دغدغته وهو يحاول الوزن بين نظراته على الطريق ونظرات أخرى ناحية الآخر بلطف، بينما كان يلتقط "بدر" لهما الصور والفيديو. في حين تعالى صوت "وردة" تخفف عنه: "يامن بيحبك أوي يا غسان، انت بتحب الأطفال أوي وإن شاء الله أنا واثقة إنك هتبقى أب حنين!

فهم أنها تبدأ فتح حوار لا يوده من الأساس، لذا توسعت بسمته بمجاملة وهو يرد ببراعة يغلق أي محاولة تحاول فتحها: "هو ييجي بس زي يامن وسيبي الباقي علينا! مدح في صغيرها بعيدًا عن هذا الموضوع المؤلم. وفهمت هي إشارة "بدر". دق هاتف "وردة" فرفعت تجيب بصوت هادئ: "أيوة يا ماما.. نزلوا ولا لسه؟ .. مين اللي جه؟ صمتت تستمع إلى صوت والدتها فأجابت بتلقائية:

"كتر خيره عمو حامد، طيب تمام خلي بالك من نفسك ومنهم، واسندي نيروز كويس، وانتوا راجعين من عند الدكتورة حاولي تخرجيها في مكان كده مفتوح بعيدًا عن المقابر يا ماما أرجوكي!

صمتت تستمع إلى حديثها الآخر وردد أخيرًا الطرف الآخر حيث والدتها بالموافقة ثم الوداع. أما هو فصب أنظاره على الطريق وعقله يركز على حديثها بتمعن. وشرد بتفكير، ناهيك عن القلق الذي دب بداخله من خطورة حالتها بحديث الأخرى العفوي. وبين مداهمة والأخرى حسم الأمر وتنحنح يسأل "وردة" وهو ينظر بالمرآة: "هو في حاجة ولا إيه؟ هي تعبانة؟ شعرت بقلقه ونظرة الخوف التي لازمت عينيه لذا تنهدت تطمئنه بتفسير:

"لأ هي راحت تكشف عشان ميعاد المتابعة النهاردة وماما معاها وعمو حامد راح ومعاهم حازم وياسمين عشان تتابع هي كمان! أغمض جفنيه وداهمه شعور سيء من ناحية أنه من يتوجب عليه الذهاب معها. لما لم يخبره أحد أو لم هي لم تخبره! تسلل إليه شعور الضيق الذي حاول محوه سريعًا، كي لا يفكر بها، ولكنه يعلم أن الأمر بات صعبًا منذ فترة. هي لم ولن تفارق تفكيره. ***

منذ أن عادت معه إلى المنزل، وهي إلى حد ما تتجنب الحديث معه بحساسية، ولا تعلم لم. كل مرة تغلق على نفسها كي تذاكر بسبب امتحاناتها، بينما اليوم ظلت أيضًا تذاكر، حتى أنه يوم الجمعة. لم تهبط إلى والدته في الأسفل، ولم تسعفها نفسها ولا حتى الوقت بأن تجلس مع "فرح" شقيقته. يستنكر ذلك، والذي يريحه هو أنه لم يخطئ في حقها، ولا يعلم لم سبب ذلك.

ظن أنه يفضل بها كل شيء، وعند المعاشرة فهم طباعها، خاصة طبع التراكم والكبت، حتى وإن أخذت منه موقفًا أو شعرت بالضيق منه، تظل ساكنة هادئة إلى حين مواجهته. حمل "عز" صينية الغداء، ورغم أنه متأخر، إلا أنها لم تأكل، ولا حتى هو. تركهم وصعد، وإلى الآن لم تخرج من غرفة موضوع بها مكتب خاص لكتبها ومذاكرتها. دق الباب وهمهمت هي له بالدخول. تتعامل وكأن شيئًا لم يكن، بينما هي تحزن، ولا يعلم لم. ربما من الأحداث الأخيرة، ولكن سبب حزنها يجعلها ساكنة معه، إذن يوجد ثغرة ما.

اتسعت ابتسامته وهو يدخل، ثم أسند ما بيديه ووقف حتى سار يقترب منها وهو يلتقط يديها. نهضت "جميلة" تبتسم له، وقبل أي حديث أو سؤال، سألها هو بجدية هادئة مماثلة له تمامًا: "أكلتي؟ نفت "جميلة" بحركة رأسها، فنهرها بنظراته قائلًا: "طب ليه؟ بررت حينها بصدق وجدية: "يدوب لحقت أطبخ ساعة الصلاة وروحت صليت وقعدت أذاكر! حاوط "عز" كتفيها يلومها بنبرته الهادئة وهو يوضح لها: "ليه؟

مش أنا قولتلك قبل كده لما تحسي إن الوقت ضيق وفيه مذاكرة كتير قوليلي وأنا هقول لأمي تعمل حسابنا معاها؟ بالأساس سبب حزنها هو كسرتها وكسرة حتى الهيئة أمام عينيه وعيني عائلته. تعلم تمام العلم أن بمنطقة كهذه إن خرج الحديث صدفة من فم والدته سينتشر، وبالأخرى مشاكل عائلتها التي لم تنتهِ، ونظرة "حنان" لها بالشفقة عليها، وبالأخص على ولدها! هربت بعينيها تبرر: "مش حابة أتعبها معايا يا عز، وقولتلك ده قبل كده!

تمعن تعابيرها بتفحص للحظات. وشرود في حين لاحظت هي نظراته فقالت بقليل من الارتباك: "بتبصلي كده ليه؟ "لحد امته؟ سألها بتلقائية. فعقدت ما بين حاجبيها بغرابة تسأله: "لحد امته إيه؟ أخرج أنفاسه بتنهيدة مسموعة ونظر بعمق عينيها يخبرها بصراحة:

"لحد امته لما تزعلي تسكتي ومتواجهيش. إحنا اتفقناش على كده ومش فاهم بصراحة سبب زعلك، يعني لا أنا عملت لك حاجة ولا أمي ولا شوفت فرح زعلتك في حاجة. مش فاهمك يا جميلة، وده تاعبني لإنك مبتحاوليش تديني فرصة أفهم سبب زعلك! تفاجأت من طبيعة حديثه. ولمعت الدموع بعينيها مباشرة. تلومه بنبرة مختنقة: "قصدك يعني إني مش حابة مامتك واختك يا عز؟ انت تعرف عني كده؟

فهمته بالخطأ. وزفر هو بصوت عالٍ عندما رأى دموعها. شعر هو الآخر بالاختناق ونفى برأسه يمسح دمعتها التي هبطت وقال مصححًا: "مش قصدي كده وانت عارفة. أنا بس مش عارف مالك من ساعة ما جينا من كام يوم من عند أهلك وانتي مقفلة على نفسك وبتردي على كله باختصار، مع إنك مبتغلطيش ولا أسلوبك وحش، بس ليه زعلانة؟ حد زعلك طيب من هنا؟

فهمت حديثه ونظرت له بإستسلام. فسحب يديها برفق إلى خارج هذه الغرفة الكئيبة. بينما هي صمتت إلى أن خلعت سترتها تفرد شعرها عندما شعرت بسخونة وجهها من البكاء. وقف يطالعها بصمت وقال يحاصرها: "أنا مستني أسمعك على فكرة. ليه زعلانة؟ وصمت يكمل بتفسير عندما رآها تهرب بتمشيط خصلاتها أمام المرآة في غرفتهما:

"أنا عارف إنك زعلانة عشان طلاق نيروز وغسان. وزعلانة في نفس الوقت على أخواتك والحال. هي كلها حاجات تزعل، بس إحساسي بزعلك هنا مختلف ومش فاهم إيه حصل! لامس قلبها اهتمامه وحنوه. التفتت تترك المشط من بين يديها حتى وجدته يقف خلفها ينظر ناحية وجهها فقط. ابتلعت ريقها وزاغت عينيها بالدموع المفاجئة وانفجرت باكية تخبره بما تكبته:

"عشانك وعشان مامتك وحتى فرح.. اضطروا يشوفوا ويعيشوا مشاكل عيلة عمرها ما بتنتهي. عشان نظرة عين مامتك ليك وانت معايا يا عز بإن فرحتك ما لحقتش تكمل. هي مامتك وانت صعبان عليها. بس أنا اتضايقت أوي من نفسي وكرهت اني من العيلة دي بسبب المشاكل اللي مش بتقف. كفاية... يعني كفاية أول علاقتنا اتفرقنا بسبب ملناش ذنب فيه. ورجعنا رغم الماضي اللي بيوجع ده. أنا خايفة. خايفة يا عز متستحملنيش ولا مامتك تفضل كده معايا. أنا...

وقبل أن تكمل أكثر، نظر بغير تصديق لما تكبته بأفكارها هي وحدها. دفعها بأحضانه ممرر يديه على ظهرها فبكت هي بصمت تحاول التبرير أكثر ولكنها بكت وفقط. أما هو فابتلع ريقه متنفسا بوجع لها وحدها. أصبحت العقبات هي الأخرى تسكن في داخلها رعبًا من الفراق. ابتلع ريقه بصعوبة وقال ينهرها بـ: "تصدقي بالله؟ قولي آمنت بالله! خرجت تردد بصوت مبحوح: "آمنت بالله"

"إنت هبلة وعبيطة. هتكلم عني الأول معاكي. عشان أنا جوزك واحنا مع بعض على الوحش والحلو. وصدقيني أنا مش هفرط فيكي بالساهل. اللي بيحب حد بيحبه بكل ما فيه وكل ما عنده. أنا عمري ما اتقلقت من أهلك ومشاكلهم عشان أنا كمان مريت بمشاكل صعبة منتهتش إلا قريب. بالنسبة للفرحة اللي مكملتش فبذمتك. بذمتك إحنا متجوزين كام يوم وخلاص؟ صمت يداهمها وعلم كيف ينقذ الموقف ببراعة عندما ابتسمت تنفي بصمت فتابع يكمل:

"إحنا العمر إن شاء الله قدامنا طويل وهنفضل مع بعض وهنعوض كل حاجة وكل اللي شوفناه وحش في حياتنا. ومش هعتب عليكي في نظرتك لأمي. أصل معاكي عذرك لأنك بردو لسه مش فاهماها أوي. ولو فكرتي إنها زعلانة ومتدايقة منك تبقي مش عارفة حاجة. أم عز طيبة ولو شوفتي منها أي نظرة أو كلمة فوسط الكلام متدقيقيش هي مش قصدها والله. دي كل شوية تسألني عليكي. بس أنا زعلت في نفسي لما جت وقالتلي هو أنا زعلت مراتك فحاجة يبني. معرفتش أجاوب وطلعت الوقتي كنت ناوي أفتح الموضوع. يا عبيطة أمي بتحبك أوي وما صدقت اتجوزتك ده انتي كنتي بالنسبالنا أنا وهي أمنية كده يا أطولها يا مطولهاش. انتي مجتيش بالساهل يا جميلة. إزاي مش هنحبك ولا هنحب اللي يجي منك؟

أثر حديثه بها والأكثر أنه غير الطريقة لأخرى فابتسمت وانقذ الوقت بتفسير لها حتى فهمت وأدركت. تظن الكل في البداية مثل زوجة أبيها في السابق وحتى والدها. رغمًا عنها تفقد بعض الثقة في طيبتهم! لم يتوقف إلى هنا بل أكمل ببسمة هادئة:

"متفكريش بالطريقة دي. أهلي بيحبوكي يا جميلة والله. وأنا عايزك تاخدي على الدنيا هنا ومتقفليش على نفسك. وبعدين أم عز من حبها فينا نفسها تشيل عيالنا. ما تيجي نرتب للحوار ده ونجيب عيال بقا عشان متزعلش مني. أنا عايز أرضي أمي عشان أخش الجنة يا ستي! تعالت ضحكاتها تتخلى عن الحرج. وتقدمت هذه المرة تردد بأسف وهي تضم نفسها داخل أحضانه:

"أنا آسفة يا عز. متزعلوش مني أنا حقيقي متلخبطة وجو الامتحانات ده بيلغبطني أكتر مع المشاكل دي. وزعلانة كمان عشان نيروز أوي! مرر يديه مرددًا بكلمات التفهم حتى أهبط رأسه يقبل قمة رأسها فابتسمت وأشرق وجهها من جديد بالإبتسامة الذي يعهدها منها عادة. في حين لم يمنع قوله من الخروج أمامها حينما قال بتأثر: "أنا محظوظ بيكي أوي. دكتورة وحلوة وجميلة اسم وشكل وطيبة وهبلة وبنت حلال وغلبانة هعوز إيه تاني بقى."

أمسكت "جميلة" كفه بإحتواء وردت بصدق هذه المرة: "خليني أقولك ان انا المحظوظة بيك. واحد غيرك يا عز لو خد باله اني زعلانة والزعل طال أهله غصب عني كان وداني عند أهلي من غير ما يفهمني." لكن إنت وزنتها بينا، حقك عليا مش قصدي أكون قليلة الذوق معاك ومعاهم والله. وأنا فاهم، ست الملاك اللي ملبستش أبيض من زمان عمر ما يطلع منها حركات خايبة مقصودة. وبعدين متقوليش واحد غيري، أنا بغير غيرة قاتلة هه!

حتى هول الوضع له، فنظرت له بإستنكار ضاحكة. إلى أن حاوط وجنتيها بيديه وقال بلين تعهده: هو واحد بس عامة، عز الرجال! أومأت بعينيها وقالت بنبرة هادئة عندما مال ينال من كتفها برفق، قبلة سطحية حانية: دي حقيقة! قبل كتفيها برفق، وبر لها، فابتسمت بإتساع، وأشار لها هذه المرة يخبرها: طيب يلا عشان نتغدى، أنا مأكلتش عشان مستنيكي! سارت معه تخرج ومن بين الطريق القصير ردت بهدوء توافق: حاضر، بس ممكن أطلب منك طلب؟

شجعها بعينيه وهو يجلس أمام المقعد التي جلست عليه هي، فقالت تخبره لتأخذ منه الموافقة: عايزة أروح أشوف نيروز النهاردة، وهاخد فرح معايا نروح فتاكسي لو خايف لما ارجع، مع ان حازم مش هسيبني ارجع لوحدي لو وافقت! وافق "عز" وصمت للحظات يستمع حتي قال يوافق: ماشي موافق، وحتى لو حازم سابك، كدة كدة هعدي عليكي بليل أخدك وأشوفه بردو، بس محتاجة فرح ضروري يعني؟

لم يغفل عن نظرات "بسام" وعلم أن عرق شقيقه دس به، حيث المراوغة وانتهاز الفرص. استغربت قوله وقالت: أه عادي مفيش مشكلة، بدل ما تقعد لوحدها، أي نعم الجلسات قربت تخلص خالص وهي بقت أحسن بس لسه بخاف عليها! لاحت ابتسامة متأثرة من حديثها، واستسلم أمام عينيها وطلبها وحديثها العفوي وردد بلين: خلاص اللي تشوفيه، انت أدرى!! بتتريق؟ انفلتت ضحكته العالية وقال ببراءة يوجه لها الطعام يحثها على تناوله:

لا مش بتريق، أنا بحب واحدة مقدرش أرفض ليها أي طلب! شاكسته تجاريه وهي تبتلع ما بفمها: وهي مين الواحدة دي! واحدة بقا كدة. وقعتني فيها من زمان أوي، وعيشت أتمنى أبقى ضل ليها لحد ما بقيت، عرفتيها؟ عندما تتمعن النظر لضحكاته تتشتت بحب. أومأت بنعم دون حديث، فقال يشاكسها من بين نظراتها له: ايه؟ وسيم؟ ضحكت "جميلة" توزع نظراتها في الأطباق تهرب من عينيه وسألته بمراوغة: انت شايف ايه؟ عبث "عز" حينها معها وقال يلاعبها بالكلمات:

مش مهم أنا أشوف، المهم انت، بس انت بس! استطاع أن يجعل خفقات قلبها تزداد فالخفاء. لم تستطع الرد ككل مره بل ابتسمت بحياء. وفاض من عينيها نظرات الحب الذي التقطها بأريحية والشئ الذي يتمناه هو دوام هذه اللحظة معها والذي ظل يتمناها إلى أن أصبحت حقيقة ملموسة واقعية بحياته التي تشاركه هي بها الٱن!

خرجت "نيروز" وقام "حامد" بسندها أولا، حتى أشار لـ "سمية" بالتوقف عنها. نهضت "ياسمين" من على المقعد التي كانت تجلس به بالخارج مع "حازم" وهتفت "سمية" تخبرهما: تعالوا يلا، نيروز خلصت! ومن ثم خرجت بعدها "نيروز" وقام "حامد" بمسك يديها. نظرت لها "ياسمين" بإهتمام إلى أن نظر لها "حامد" بإطمئنان فسارت نحو الداخل ووقف "حامد" يخبر "سمية" قائلا ببطلب: ممكن اخد نيروز نقعد شوية برا فالهوا ونبقى نرجع أنا وهي البيت على مهلنا؟

كان سيجد الرفض منها بينما لحق الموقف عندما نظر نحو وجه "نيروز" الصامت فهمت هي نظرته وابتسمت تومأ بمجاملة تحت حديث "سمية" المضطر: أنا مش عايزاها تجهد نفسها خصوصا بعد كلام الدكتورة، بس عارفة انها معاك فأمان، خلي بالك منها!

أشار نحو عينيه فتنفست بعمق، وهي تري ابنتها برفقة "حامد" يدخل معها المصعد حتي هبط. كانت ساكنة شاردة وتلك هي حالتها بعد انهيارها ٱخر مره بالبكاء. مشاعرها متخبطة ولولا أنها تجازف للمره الثانية بتركه لأجله قبلها هي لما رددتها! ولكن ما يتلقى على مسامع عقلها من قلبها سؤال لا تريد الجواب عليه لأنها تتردد. لما ودت الإنفصال من الأساس؟ هل إجابة بأنها تخلت لأجله مقنعة؟ أم انها ترواغ علي قلبها وعقلها؟

وهل يستطيع المرء المراوغة على قلبه؟ نفت بشرود والشوق له ولكلماته يزداد رغما عنها. تشفق علي حالها وكل شئ من بداية علاقتهما يلح عليها وعلى ذاكرتها. عقلها يراجع ويوسوس بأن منذ أن عرفته ولم تكتمل لهما فرحة واحدة! أحياناً، ينهرها قلبها بأنها مالت ناحيته وله هو دوناً عن البقية! لما هو؟ لم تقع في حب شخص لم يفعل لها شئ سئ وبنفس الوقت كان حلها الوحيد الفراق التي رأت هي بأنها أجبرت عليه بنفسها!

لم تنتبه من الأساس بأنها خرجت من المستشفي بأكملها ووقفت معه أمام إستراحة صغيرة بالحديقة الهادئة والهواء النقي وحتى منظر الورود والزرع التي تفضله. بات كل شئ عاديا، باهتاً في عينيها منذ أن فارقت. منذ ان فارقا بعضهما! خرجت "نيروز". من شرودها وابتسمت بإمتنان عندما حثها على الجلوس. جلست وجلس هو بجانبها. لا يود فتح الجرح ولكنه يودها بأفضل حال!

ولأنه يحكم بعقله وزوجته هي الٱخري تحكم بقلبها وعاطفتها كأم كانت لم ولن ستفضل رد فعله معها. يعلم بأن زوجته لا ترى سوى جرح ولدها وفقط على الرغم من أنها تود ظهور ذلك بالعكس تماما. عندما حثت "وسام" على رؤيتها ولكن فطرتها كأم لا تستطيع أن تخفيها او تغيرها. رد فعلها طبيعي للغاية! شوفتي الدكتورة قالتلك ايه؟ قالتلك بتاخدي الدوا وتمام بس كله ميسواش حاجة قصاد حالتك النفسية. كل دا مأثر علي اللي فبطنك. انت عايزة تخسريه؟

مستعدة لكدة؟ داهما بلوم وعاطفة أبوية جياشة. نفت بصمت وهي تحرك رأسها بحزن مستسلم فعاد هو يهتف برفق: يبقي لازم تاخدي بالك من نفسك أكتر من كدة! أبتلعت ريقها وشعرت بندم صمتها وقالت ما تود قوله منذ أول مره اعتنى بها تاركاً أمرها وأمر ولده على الهامش: هو ..حضرتك بتعمل معايا كدة ليه؟ مش زعلان مني؟ تفاجئ من قولها وابتسم بهدوء. وعلم ان هذا القول خرج بعد تردد. لذا ربت على كفها الدافئ وقال مفسراً.

"علشان انتي بنتي وبعيد عن ده كله أنا بحبك زي وسام بالظبط، هو ولو أبوكي الله يرحمه كان عايش ما كان عمل كده." ابتسمت "نيروز" بتأثر، ولمعت عينيها من مجرد التخيل. استغل هو الفرصة وقال موضحًا أكثر: "لو مثلًا بعاملك كأني حماكي، ما كنتش خبيت زعلي من موقفك. لكن دلوقتي أب، والأب سند قبل أي حاجة. مع إن لو كان سالم الله يرحمه موجود، فالمشاكل دي كنت هعرف رد فعله هيبقى عامل إزاي!

رفعت عينيها وقرأ المسطور بها في رغبتها لسماع الآتي. تنهد يخرج أنفاسه ونبس بنبرة هادئة يسرد عليها ما هو صواب: "لو أبوكي موجود، فموقف زي ده ما كانش قبل يقعدك عنده من غير ما يفهم إيه هي الحكاية. عمره ما يحب الخراب، وفي نفس الوقت كان هيعزز منك ومن كرامتك ويرفع راسك. ورجوعك لابني ما كانش هيبقى بالساهل. بس النقطة دي كانت هتقف على حاجة واحدة بس، في

حالة إن ابني هو اللي قالك: 'مش عايزك وروحي عند أمك'. ساعتها كان الوضع هيبقى مختلف كده. بس دلوقتي أنا اتعاملت كأب وإنتي حكيتيلي اللي حصل. ولو عايزاني أقولك رأيي دلوقتي كأب وكموضعي في نفس مكان باباكي، أنا مش ممانع! حركت هي رأسها بإحترام تومئ. فقال بإسلوب هادئ حاني عليها:

"إنتي غلطتي، وغلطتك كبيرة كمان علشان مسكتيش وحاولتي تنقذي الموقف. إنتي بطبعك اخترتي الحل الأسهل في لحظتها، وفي نفس الوقت كان حل أصعب وأصعب بعدين. وكل ما بيعدي الوقت بتزيد صعوبته يا بنتي! أدمعت عينيها ووجدته يأخذ أنفاسه وواصل يكمل ما بدأه: "مبررتيش موقفك مع إنه كان فاهم، بس كان عايز يشوف إنك متمسكة. كان محتاج طريقتك في إنك تتفادي الموقف وتنقديه، ومش عند أول مطب طلاق!

أنا متأكد إنه حاول يبعد ومبدأش بكلمة طلاق، لإنه بيحبك أوي. بس زي أي راجل دمه حامي اتكسر من الموقف حتى لو مش قاصداه. أنا راجل، مش هقولك أنا أبوه في الوضع ده، بس خليني راجل واتحطيت مكانه. كنت هحس بوجع صعب أوي وهحس كمان إنه اتقلل مني بأي طريقة، سواء مقصودة أو مش مقصودة! وقاطعته هي تبرر بنبرتها الضعيفة:

"أنا بعدت عشان وجعه وصممت علشان كده. أنا ما كانش عندي أي استعداد أكمل معاه وأنا شايفه كلام في عينيه مقالهوش بس ظاهر. طلع مضغوط مني ومستحمل كتير. حسيت إني جاية عليه ودايسه جامد وأذيته وهو مش عارف يعمل إيه. قلتله طلقني، يطلقني لأنه مشافش حاجة كويسة من ساعة ما بقى معايا. بالعكس أنا جبتله مشاكل وهم زي ما جبتلكم كمان. أنا شخص محدش يستحق إنه يقرب مني. أنا عارفه إني لوحدي وكنت خايفة من اللحظة دي ودايمًا عندي رهبة من إنها تيجي. وجت. ولما جت حسيت إني وحشة أوي ومعرفتش أقوله ده ولا عرفت أبرر!

وجد الإصرار بحديثها ومن بين دموعها التي تهبط، اختنقت نبرته عندما لامها مجددًا يرد عليها بـ:

"إنتي معرفتيش في اللحظة دي هو قد إيه بيحبك يا بنتي. قررتي قرار سريع وفاكرة إن القرار ده صعب عليكي وسهل عليه. أخدتي خطوة عشانه هو بس مفكرتيش إنك كده بتوجعيه مش بتنقذيه منك ومن أذاكي. أنا عمري ما سمعت إنه اتقل منك ومن مشاكلك. ولا عمري شوفت على وشه إنه زهقان من حياته معاكي زي ما قولتي. أنا ابني ما كانش بيعمل حاجة غير إنه بيخبي علشان بس ما نزعلش منك إحنا. بيعرف ينقذ الموقف كل مرة، بس المرة دي كانت بإيديكي إنتي والوضع اتغير. وعند الوضع اللي اتغير تحسي طاقته كـ بني آدم خلصت في الوقت الغلط، فما عرفش يصد ويعاند، مع إنه غالبًا بيعاند قصاد اللي يعارضه. بس أنا قولتهالك قبل كده."

وأضاف دون راحة بين حديثه وكلماته الموجعة لهما: "قولتلك لو هو غلطان بيتأسف بأفعال بعد الكلمة، وعزة نفسه صعبة. وأنا في اللحظة دي متزعليش مني، بس أنا بقولك إني أبوه وعرفت وحسيت قد إيه صعبت عليه نفسه كام مرة. المرة الأولى والتانية اللي كان قعد يحاول معاكي تروحي وراه. عارفه كان واخدك ليه؟ ابتلعت ريقها تنفي بجهل. فقال دفاعًا عن وجع "غسان" الذي كبته بعد هذه اللحظة التي كانت بينهما منذ عدة أيام:

"أخدك وراه بس إنتي رفضتي في الأول. يمكن غصب، بس هو مشافش غيرك في اللحظة دي. وعرفت إني مربي راجل لما فضل وراكي يقولك تعالي معايا ومكنتيش راضية. إنتي عارفه ابني بسام ما بيمدش إيده على حريم، لكن لو حلفتلك بإيه إنه لو كان هو في الوضع ده كان ضرب مراته قلم ورد فعله هيبقى خارج من أعصابه في الحالة دي. بس إحنا ما عندناش كده. وغسان صبر، مع إني كنت خايف ليعملها ومعملهاش ومأيدش الحركة دي. بس كل اللي كان همه إنك تروحي وراه قبل ما لسانك يخرج بتفاصيل باقي اللي حصل قدامهم!

وكأنه يتحدث بدلًا عن ولده، نظر بعينيها يواجهها بهدوء وأكمل بحزن على حالهما: "بالذات زهور وعيالها. لإنك كنتي ناوية خلاص تحكيلهم كل حاجة بسبب انهيارك على زينات. في اللحظة دي بس خاف عليكي وعلى سمعتك وعلى الكلام اللي كله كان عارف كان هيطلع إزاي وينتشر ويتنقل. دي واحدة مبقتش على بنت اختها وطلعت كلام وحش في حقها، وعليها هتسكت عندك؟ طب سامر اللي حصل بينه خناق هو وابني كان هيسكت؟

ساعتها لو كنتي كملتي الوضع كان هيتغير وكانوا هيعملوا المستحيل علشان بس يهربوا. وطالما حسن طلع فايق كانوا هيدبرولها بأي طريقة يجي ويقلبوا الدنيا علشان يلهوا حازم عن اللي حصل. بس اللي حصل إن حازم فاهم وعارف طباعهم وقالك روحي، واخد هو حقه بطريقته!

بس لما روحتي وراه كنت خايف عليكي منه، بس اللي صبرني نظرة الوجع اللي زادت ساعتها في عينيه لما قفل الباب في وشنا وكسر الفازة على الأرض عشان ميخرجش ده عليكي. وكل الكلام اللي بينك وبينه ساعتها كان مسموع مننا برا! كانت دموعها تهبط، فرفع كفه يمسح وجهها برفق، وأضاف بنبرة منهزمة:

"بس إنتي يا نيروز مسكتيش وقولتيله أنا عملت إيه، وكأنك ما كنتيش هترتكبي جريمة في حق نفسك وإنتي عارفة شرهم. وبعد ده قولتيله يطلقك بتبرير شديد، وكأنك طالبة الطلاق منه ومغصوبة تبقي على ذمته. فاض بيه وحس قد إيه هو قليل وكل مادة بيقل ومترددش يقولك إنك طالق. مع إني متأكد إنها خارجة منه بصعوبة وعارف إنه تمنها غالي عليه وبيدفعه دلوقتي بسكوته اللي كبته جواه. أنا.. أنا ابني مكسور أوي يا نيروز!

وبآخر خمس كلمات اختنقت نبرته ولمعت عينيه فقط. فتلهفت تنفي برأسها وأوضح الكثير. كثير ما كانت تغفل عنه، ولكنها تصر. تصر الآن على البعد لطالما علمت أكثر أنها تؤلمه في الحالتين معًا. وكان اعتذارها على ما لبس "حامد" من حالة: "متزعليش مني يا عمو.. أنا.. أنا مش فاهمة ليه بيحصل معايا كل ده، بس الظاهر إني كده وهفضل كده. وبعده عني كان حل من زمان ومتنفذش ولا بان غير دلوقتي!

قطعت له الأمل مجددًا بوجعها وليس بكبريائها هذه المرة. تنفس بعمق، وربت على ساقها بصمت، وقال يخبرها بما يتوجب عليه: "أنا أبوكي يا بنتي، وأي إيه حصل مش عايزك تبصيلي من جهة تانية. ربنا يصلح الحال!

قالها بحزن. حزن ظهر في كل تفصيلة في نبرته وملامح وجهه. وقف بائع عصير قصب فوقف يجلب لهما، حتى نظرت هي على بعد تشرد وكفها المبلل من دموعها تسنده بهذه اللحظة عند معدتها تطمئن على وجود صغيرها، تحث نفسها على التماسك لأجله. الشئ الوحيد المتبقي لها، بعد نظرة شقيقتها وشقيقتها وحتى والدتها لها بأنها الطرف المخطئ لطالما لا تود سرد شيء، وبعد كل ذلك عاهدوها على أن يبقوا معها ويساندوها دون رغبتهم في علم ما حدث وما حدث حدث في الماضي. تعلم أن حديثهم خادع لأنفسهم قبلها، ولكنها صمتت، وأصبح يتوجب عليها الصمت بعد كل ذلك.

قدم لها كوب بلاستيكي من العصير وود مشاكستها بعيدًا عن هذا الجو المؤلم وقال بمرح هادئ: "امسكي اشربي على مهلك. عايز حفيدي يتغذى كده ويبقى نازل بخيره! ضحكت بخواء تجامله وأخذت من بين يديه الكوب وجلس هو، حتى تذكر حديث الطيبة التي غفلت هي عنه منخرطة بوجعها، ومن انتبه كان هو و"سمية" فقط التي ودت إخفاء هذا الخبر عن العين حين التأكيد:

"عايزين بعد أسبوعين نعمل الموجات فوق الصوتية اللي الدكتورة قالت عليها دي، لأن السونار زي ما بتقول مش بيظهر وفي أعراض مبكرة بتظهر، وهنتأكد من الموجات اللي بتقول عليها دي إذا كان في بطنك توأم ولا مجرد شكوك! تلهفت تضع يديها على معدتها. من بين ثرثرة الطبيبة لم تنتبه بسبب حالتها، لذا قالت بلهفة وجعته هو. "بجد ممكن أبقى حامل توأم؟

"أيوه احتمال، بس بنستنى أسبوعين على ما نشوف الحكاية دي زي ما قالت. تعرفي معرفتش إن دلال حامل في 3 توأم إلا في الشهر التالت. الوقتي ظهر حاجات والطب اتقدم أوي! نبرته لا تخلو من فرحته بما يظهر بأنه احتمال. أما هو فتذكر رؤية والدها في المنام على أذان الفجر وابتسم حينها. بينما هي كانت بعالم آخر. توسعت بسمتها تتخيل تأكيد هذا الخبر. فابتسم على حالها بشفقة. وحثها على أن تتجرع من الكوب بتمهل، حتى قرر أن بعد انتهائها سيرحلا.

-توقفت السيارة قبل قليل وخرجت "ياسمين" منها تسندها "سمية" برفق. تعمدت عدم انتظار "حازم" بحنق منه ومن تجاهله وصعدت مع والدتها في المصعد. بينما حاول صف السيارة بإحدى الجوانب ولم يغفل عن إرسال شقيقته له رسالة بأنها قادمة كي تراهم، وبالأخص "نيروز".

دخلت "ياسمين" الشقة ومن بين الحديث العشوائي ترد عليها "سمية" بالمقتضب. تلك هي حالتها معها منذ أيام. وخمنت أنه بسبب أحوال "نيروز". ولكنها وقفت في منتصف الصالة تستغل غياب "حازم" ونهرت "والدتها" بغرابة: "إيه يا ماما بتردي عليا بالقطارة كده ليه؟ وكأن الأخرى قد فاض بها، خلعت عباءتها بضيق ووضعتها على المقعد وهي تتجه ناحيتها ووبختها بنبرة قوية: "يعني مش عارفة إنتي اتزفتي عملتي إيه؟ فيه إيه يا ماما؟

كمان عاملة نفسك بريئة لحد دلوقتي! قوست "ياسمين" ما بين حاجبيها واقتربت ترفع نظراتها مع حاجبيها تردد لها بتساؤل جاد: "لأ مش عارفة ومش هيبقى إنتي وحازم عليا. أنا مش ناقصة لو زعلتك في حاجة قوليلي. غير كده هاخد بعضي وأمشي من هنا لو مش مستحملاني أوي كده! تعتاد على فظاظتها لذا لم تتعجب. بل رمقتها "سمية" بحدة وقالت تسخر منها تزامناً مع دفع "حازم" الباب المفتوح كي يدخل منه:

"متبقيش عاملة العاملة وتعملي نفسك من بنها يا بنت بطني. قال إنتي وجوزي. ما أنا لو كنت ربيتك مكنتيش قولتي لفظ زي ده قدام الرجالة والشباب. أنا علمتك وربيتك على كده. ليه تخلي نظرات الكل عليكي باستغراب إن إزاي واحدة بنت محترمة تقول كده؟ والله جوزك عنده حق يتجاهلك وميردش عليكي مادام مش معترفة بغلطك. هو حد كان قالك تخرسي ومتدافعيش؟ مش تدافعي تدافعي وتيجي في الآخر تقللي من نفسك بكلمة زي دي قدام العين!

كادت أن تسترسل قليلاً، ولكنها لاحظت وقوف "حازم" بصمت. فتعمدت الصمت وهي تتركهم حتى دخلت المطبخ بغيظ منها. ولأول مرة تشعر "ياسمين" بأن والدتها قد قللت منها أمامه هو خاصة. بينما صمت الآخر يتابع ملامحها وحتى الدمعة التي أبت بأن تهبط وهي تتدعي القوة والعناد أمام هذا التوبيخ المر. حركت عينيها تنظر له والعجيب لأمره هو بأنها عندما وجدت تجاهله ضغطت أكثر على الحال وهي من أصبحت تتجاهل. حاول السير ناحية الداخل بينما

وقف عندما هتفت باسمه: "حازم! لم يجيبها بل التفت ينظر بترقب. هادئ بارد، وغالباً فاتر. فخرج منها الحديث أخيراً وهي تواجهه بعد أيام تجاهل من الاثنين لبعضهما: "إنت بتعاملني كده ليه؟ وقف للحظات صامت حتى قذف المفتاح على الطاولة ورد باختصار: "اسألي نفسك! "أنا معرفش إن ماما كمان زعلانة مني عشان كده. بس أنا صدقني مكنتش أقصد. وإنت بعدها دخلتي الأوضة وزعقت عشان أسكت وسكت من غير ما تلومني!

اقترب "حازم" مع ملامح وجهه الجامدة وأشار على نفسه بإنفعال مكبوت يشهدها: "أنا كان منظري إيه وسطهم وإنتي بتخرجي اللفظ ده من بؤك بلسانك؟ أنا هيتبص ليا إزاي من أهل أختي وجوزها، بلاش العيلة عشان كلهم عارفين اندفاعك. مع إن بتغاضى كل مرة وكتير بعديلك ردود فعلك اللي بتصغريني فيها قدامهم. قوليلي كده هل أنا مش قادر أحكمك؟ مش قادر أعلمك تقولي إيه ومقولتيش إيه؟

إنتي عارفة كويس إني عندي الطريقة اللي أسكتك بيها اللي باقي من عمرك. بس كل مرة بقول معلش غلطة وتعدي أختها ومحموقة عليها. قرايبنا ويستاهلوا الحرق وحقها تخاف بعد تهديدهم إنهم يسقطوها. بيقعد أعدي. بس هعديلك لحد إمتى؟ سيبك من اللي فات ده كله. هعديلك إزاي القرف اللي خرج من لسانك؟ ده كلام يطلع من واحدة متربية بنت ناس محترمين وعيلة محترمة. هي دي تربية أبوكي ليكي يا ياسينا؟ والآن قد هبطت دمعتها على وجنتيها ورق

قلبها بتبرير ضعيف تشرح له: "أنا مش كده أنا مكنش قصدي خرجت مني من غير ما أقصد أنا خوفت على نفسي وعلى إخواتي. لكن مقصدتش أصغر منك قدام حد. ليه متقل مني وشايف إنك خليك وحش أوي كده في نظرهم وبالذات أهل اختك. أنا متربية يا حازم غصب عن عين أي حد ولو كنت تقصد تقول إني مش متربية فأنا مش هسكتلك على الكلمة دي. ولو صغرتك فقولتلك إني مكنتش أقصد وأسفة!

وقفت "سمية" تنظر نحو اعترافها بالخطأ ومرواغتها من ناحية أخرى. ولو كانت تعلم أن "حازم" يقصد السوء بها وبتربيتها لاندفعت تأخذ حق ابنتها. ولكنها تعلم تمام العلم أنه يفهمها منذ الصغر. زفرت بصوت تدعي لها بالهداية. في حين حرك "حازم" رأسه بقلة حيلة يرد على حديثها بـ: "وأنا هقول عليكي إنك مش متربية ليه؟ مش عارفك أنا ولا تكوني مش بنت عمي. بلاش دا كله أنا هتجوز واحدة مش متربية بذمتك؟

إنتي مجنونة ومندفعة وعايزة تهدي شوية وتعقلي عشان كده كتير وأه أنا زعلان وأسفك مش مقبول عشان أنا حاسس إني اتقلل مني ومن شكلي قدامهم ومش معدية معايا كده بالساهل يا بنت عمي!

سخر وقصد بخبث معاقبتها رغم إنه يعلم أنها طيبة القلب لم تقصد فعلها لذلك. بينما من ناحية أخرى قصد وضع حد لهذا الأمر. ولولا صمت "غسان" من جهة ثالثة عليها لأجل "حازم" لما تركها توبخه بفظاظة كهذه. تركها وخرج يتجه ناحية شقة "عايدة" غالقا الباب خلفه. فابتلعت هي ريقها بصعوبة. تنظر بأثرة ونظرت تجاه والدتها تبرر لها مرة أخرى: "أنا مكنش قصدي كل ده يا ماما. كل ده كان غصب عني!

انهزمت "سمية" وخرجت تقترب حتى ضمتها ناحية صدرها تربت على ظهرها برفق وقالت تحثها:

"عارفة بس لازم تحكمي لسانك ده. ولازم تعرفي إن القوة مش في كل اللي بتعمليه. القوة الحقيقة هي إنك يبقى عندك قدرة على فلترة لسانك وقت الغضب. وبعدين حازم عنده حق وكلامه صح وكويس إنه اتكلم بدل ما يركن ويشيل منك والموضوع يكبر. ومادام مشي يبقى هيلين بعدين. ميمنعش ياخد وقته. إنتي ساعتها خلتيه في نص هدومه وأنا كمان. وقالك أهل اخته بردو اتحرج قدامهم. إنتي عارفة كلام الناس مبيخلص. أم عز آه طيبة وجدعة بس متضمنيش. وعز راجل مهما

كان. حطي نفسك كده مكان جميلة ساعتها. مش هتحسي إنك اتحرجتي قدام أهل جوزك وهتخافي يفهموا غلط. اللي مطمني إن عايدة كلامها على عز كويس وإنه ابن حلال دماغه متروحش بعيد. بس كلامنا من غير ما يحس بيأثر على اللي حوالينا يا حبيبتي لازم نفكر قبل ما نقول الحاجة عشان كده بنكسر خواطر ناس تانية ملهاش ذنب. في عز ما يكون غيرهم يستاهلوا. بس يستاهلوا بتربيتك وأخلاقك مش أخلاقهم هم فهمتي!

أومأت بصمت. فابتسمت "سمية" خلسة على طبعها. من الأساس تعلم أن من الصعب تغير طباع من طباع أشرس ما في فتياتها في العلن. بينما في الخفاء تعلم أن أشرسهن "نيروز" التي لا تترك الحق ولو بينها وبين نفسها وفقط حتى وإن لم تستطع رده من أحدهم. أحياناً تشعر بأن أصغرهن تلك التي بين ذراعيها صامتة بعد أن افتعلت جرماً بسب أحدهم سبة نابية كصغيرة والآن تعتذر عن ما بدر منها بمنتهى البراءة. تلاشت ابتسامتها عندما سألتها "ياسمين"

وهي تستند عليها برأسها: "لسه متعرفيش ايه اللي حصل مع نيروز وخلى بينهم طلاق بالشكل ده؟ "لأ. وكويس إنك مندفعتيش ولا روحتي تخبطي علي بابهم أول ما عرفتي. نحمد ربنا عند كدة. وخلينا ساكتين لحد ما يبان. وان مبانش زي الوقتي ايه السبب يبقي كل شئ قسمة ونصيب وقريب يمشوا فالإجراءات. انا مقداميش حل غير اني اراعي اختك كويس ونهتم بيها ونسندها فالوقت ده.

معنديش استعداد اخسرها واخسر صحتها ولا هي تخسر. مش عايزه ارجع لحال كنا فيه من سنين. كفاية اوي ولو هي تبقي كويسة وحالتها متنتكسش قصاد اني مفهمش ايه اللي جرا فأنا موافقه. يعز عليا بنتي تبقي مطلقه وهي لسه مكملتش كام شهر جواز والواحد مبيسلمش من كلام الناس. بس دماغي بعد ما قعدت تودي وتجيب وبعد كلام عايدة ليا وهي بتصبرني مبقتش أشوف غير صحة بنتي رقم واحد. وربنا يسهل ومبيجييش حاجة وحشة أبداً!

خرجت تنظر بتأثر تجاهها بأعين لامعه مجبرة علي تحمل الوضع وداخلها يغلي قهراً على هذه الاحوال التي تغيرت بلمح البصر. عانقتها "ياسمين" بقوة ورددت لها فخراً من تحمل كل ذلك ماضي وحاضر ومستقبل: "أنا فخورة بيكي أوي يا سمية! ابتسمت إلى ان استمعت لٱخر حديثها فحررتها من بين ذراعيها تنهرها بمرح لنخفف عنها: "سمية فعينك يا قليلة الأدب يا بت احترمي نفسك معايا بقا شوية. دا أنا حاطة ايدي على قلبي منك ومن تربيتك. ربنا يستر!!!

ضحكت "ياسمين" بخفة، وخلفها تخفي حزنها من موقف "حازم". بينما غمزت تجاريها وقالت بغرور: "تربية عمرك ما هتشوفي زيها بس الصبر. الصبر يا سمية. ان ما خليتهم ياخدو بتاري منك ومن كل اللي بتعمليه فيا مبقاش ٱنا." قاطعتها "سمية" بسخرية وهي تتوجه ناحية الباب كي تفتحة: "غلبانة يا عين سمية. دا هم اللي هيخلصوا القديم والجديد وهيعملوا كل حاجة كنتي بتعمليها فيها. سلف ودين كله سلف ودين الصبر انتي!!

ابتسمت ولم ترد حين فتحت الباب بشعرها وعباءتها أمام أنظار "حامد" الذي رجع إلى الخلف مهبطاً رأسه قائلاً قبل أن يسير خطوه واحدة ناحية الشقة الجانبية التي تخصه: "أمانتك يا أم وردة. من غير ولا خدش كمان. مرضية؟ تحركت "سمية" خلف الباب وقالت بهدوء تجاري مرحة: "مرضية. كتر خيرك تعبناك معانا!! ورد قبل ان يخرج المفتاح ليضعه في باب شقته: "دا واجب. وحقها مننا!

وبعد ذلك القول أغلق البابين بعدما دخلت "نيروز" وقبل انت تفر لغرفتها اندفعت "ياسمين" تعانقها بمشاكسة، وهي تردد بصوت عالٍ تنتهز فرصة وجودها قبل ان تغلق باب غرفتها عليها كالعادة: "بص على الحلاوة حلاوة ..بذمتك يا ماما بذمتك الحمل مش مخليها زي العسل؟ ترد لها كلماتها التي قالتها لها في بداية شهور حملها. ضحكت بخفة، وهي تدور بفعل يدي "ياسمين" التي تديريها بمرح. أوقفت بتعب، حتى تقدمت "سمية" تؤيد:

"طبعا. أومال إيه زي العسل انتوا الاتنين. ربنا يحميكم من العين. واسمعوا أما اقولكم بقا. في احتمال يكون فبطن نيروز توأم والله أعلم فإحنا نخبي كدة ونسكت لحد ما نتأكد من ثباته ٱكتر ووجودهم كمان فترة. العين بردك وحشة وكفاية اللي سمعناه من اللي كانت بتعمله زهور. أنا مش ناقصة. ومع انهم إتأخروا عن. انهم يلموا بعضهم ويمشوا ويشتروا حاجتهم ومحتاجتهم من مصر الا انهم بردو موجودين وعرفت من عايدة اللي كلمت زينات ومعرفش ليه قاعدين ومستنين ايه ربنا يبعدهم عننا هم وشرهم!!

أومأوا لها وعلمت "ياسمين" بإختصار من "والدتها" ٱمر "نيروز". لذا احتضنتها "ياسمين" بحب وقالت تشاكسها بمرح: "بقولك ايه بقا لو توٱم وأنا فبطني بنت هناسبك لو هتجيبي ولد ماشي." ضحكت "سمية" ورددت "نيروز" تخبرها بإبتسامة هادئة: "كدة. هتبقى بنتك أكبر منه! "يستي عادي. اكبر بقد ايه يعني شهر؟ شهرين؟ آخرهم كام مثلاً؟ تلاتة؟

مع انها متجيش كل ده بس اشطا يعني احنا عيلة مثقفه وأنا وجوزي أهم حاجة عندنا الأخلاق ودي مش هنلاقيها فعيالك فٱهم حاجة بعد كدة الحالة المادية!! ضحكت "نيروز" هذه المره بيأس منها بينما ابتسمت "سمية" وهي تشملهما بنظراتها وقالت بشرود حزين: "عارفين؟ وردة وحشتني هي ويامن مع انهم راجعين. ما بالكم بقا لما يجوا يسافروا؟ ظهر الحزن والتعلق بعينيها. فنهرتها "ياسمين" بضيق: "يوه يا ماما. أنا بحاول أنسى تقومي تفكريني يا ولية!!!

أيدت "نيروز" قولها بحزن بات رفيق لعدستيها وملامحها: "أنا كمان بحاول انسى! زفر الثلاثة بصوت عالٍ. وابتلعت "نيروز" ريقها تضع يديها على معدتها بشرود بعدما قالت تخبرهم: "أنا هدخل ارتاح! قطعت "سمية" سيرها عندما قالت بلهفة تمنع ما هي مقبلة عليه من الانخراط بالوجع: "استني بس اعملك حاجة تاكليها وكوباية حاجة سخنة. خليكي قاعدة مع اختك علي ما أعملكم!! إستمرت في السير ترفض بنبره هادئة تفسر لها بحجة:

"لا هدخل ٱغير وأنام على ضهري ارتاح هسيب الباب مفتوح. مع اني مش عايزه أكل شبعانة!! "شبعانة ايه يا بنتي هو اللي انتي فيه دا حال؟

لم ترد عليها وأغلقت الباب دون قفل خلفها وسهت "سمية" عن ندبها بعدما قررت الرضا ولكن رغماً عنها. وما يطمئن "ياسمين" أن رفيقة درب شقيقتها قادمة ولن تدعها تجلس بمفردها. سارت تخلع ملابسها الخاصة بالخروج حتي قررت بأن تقف تساعد والدتها او تنتظر فقط معها بالمطبخ كي ينتهيا معا بآعداد شطائر او وجبة صغيرة لهما وبالٱخص لشقيقتها!

لأكثر من ساعة تمر عندهما، وانتهى الطريق بعد وقت مر ووقفت معهما اللحظة عند لحظة الوداع بعد انتهاء الإجراءات. تعمد "غسان" قبل وقت قليل ترك "بدر مع ورود" و"يامن" كي يودعهما بما فيه الكفاية ووقف هو على بعد يجلس على احدى الاستراحات الأنيقه يعبث في هاتفه لا يعلم هو بأن هذا العبث لا يجلب له سوى الضياع. الضياع وفقط. صورة خلفيته الداخلية هي نفس الصورة الذي لم يغيرها صورة التقطت منه بعفوية عندما دفعها عليه بفستانها الأنيق يوم زفاف "حازم و"ياسمين". حينها وضعها ولم يغيرها. كانت تنظر لوجهه بمفاجأة والتقط الصورة علي فجأة بعبثه المعتاد!!

اليوم الذي علم به بأنها يخطط لها كي تكون لشخص ٱخر غيره نفس اليوم الذي تقدم لخطبتها من دون رٱيها. يوم له ذكريات عديدة معه لذا لم يغير الصورة أبداً. كل تطبيق عليه ذكرى جيدة ومؤلمة. حتى صورة الملف الشخصي الذي وضعها عندما ابتاع لها الذهب بمحل المجوهرات. عندما وضع يديها مع يديه علي محرك السيارة بشكل لطيف. نفس الصورة التي كانت على تطبيق الواتساب وضعها على برنامج الفيسبوك وبقية التطبيقات الٱخرى!!

الذكريات تداهمه في كل مكان وقدرته على النسيان معدومة. صعب عليه التخطي وهما الإثنان بنفس الأماكن معاً. لامحال سيري كل منهما وجه الاخر ولو صدفة حتي وان جاهد كل طرف على عدم حدوث ذلك. غالباً ما تأتي لنا الفرص على طبق من ذهب رغم رغبتنا في عدم قدومها! يريدنا ما لا نريده، وما نريده لا يريده. حتى الوقت لا يسعفنا والفرص لم تقف معنا دائمًا. على الأغلب يأتي كل شيء عندما نفقد الأمل بقدومه. ***

اعتلى صوت منظمة الطيران خاصة الطائرة التي تخصه وتخص موعده، لذا ترقب ورفع رأسه ووجد أن الآخر كان قد ينادي عليه منذ دقائق وهو شارد. وقف يتقدم مع نظرات "وردة" التي زاغت بالدموع رغم أنه أوصاها على عدم فعل ذلك وللمرة التي لا تعلم عددها. ردت له بتحشرج: "خلي بالك من نفسك يا بدر عشان خاطري!

بهذه اللحظة أدرك مرارة الفراق. لمعت عينيه هو، هو الذي يقف ثابت مهما حدث يتحكم في مشاعره. بينما الآن وفي مكان عام تعلقت عينيه بها، وخاصة عندما أطال النظر بصغيره. حينها هبطت دمعته وحمله يضمه بعناق شديد ومختلف، مختلف جدًا. ابتلع ريقه وخلع جورب الصغير بين يديه يخفيه في جيبه حتى ألبسه حذاءه دون أن ينتبه له أحد. بينما التقط "غسان" ما فعله وشعر بمرارة الفراق رغمًا عنه. الموقف يعاد باختلاف المشاعر والوضع.

نزلت دموع "وردة" حينها، دفعها ذراع "بدر" وقال بنبرة ضعيفة خانته يهون عليها وهي بين ذراعه: "خلاص بقا يا وردة، كفاية عشان خاطري. هو ده اللي كنت خايف منه، أنا قولتلك بلاش تيجي!! ابتلعت ريقها تنظر بأسف، فابتسم وهو يقبل صغيرة مرددًا مرة أخرى: "خلي بالكم من نفسكم، هبقى معاكم على طول. هتوحشوني أوي بس أوعدكم إني مش هتأخر عليكم إن شاء الله."

خرجت عندما اعتلى الصوت ليعجلهم. عانقه "غسان" هذه المرة بتأثر، بينما لم يترك "بدر" "يامن" الذي حمله على ذراعه في منتصف العناق. خرج "غسان" يقطع حديثه المتأثر بـ: "من غير ما تقول يا بدر، حبايبك معايا في أمان ومش هخليهم يحتاجوا حاجة. في عيني يا أبو يامن، هات يامن بقا!

مد "غسان" ذراعه تحت دموع "وردة" التي تسقط أمامهم، بينما عانق هو صغيره بتأثر وابتلع غصة مريرة بحلقه. رغم أن غيره سينظر بأن الوضع يهول، ولكن هذه اللحظة قاسية عليه هو خاصة، أنه لم يتركهما من قبل. استنشق رائحته الذي يحفظها، وكل ذلك يتابعه "غسان" بوجع. هو الآخر استنشق رائحتها قبل الرحيل. هنا وعلم أنه كان بمثابة والدها الراحل، حاول تعويضها ولكن لما تخلت. ابتلع ريقه هو الآخر ورفع "يامن" رأسه يقبل وجنتي "بدر". ومازال ذراعي "غسان" معلقتان لطلب الصغير. فقال يقطع هذا الوداع وهو يحث "يامن":

"بوس بابا كمان يا يامن وقوله بحبك يلا! لبي الصغير قول "غسان" عندما قبله وقال بنبرة طفولية بريئة جاهلة عن القادم: "بحبك يا بدر!

مع نطق حرف الراء لام كالعادة. ضحك "بدر" والآن يشعر بأنه يفارق روحه. عندما حمله "غسان" وحثه على أن يشير له بكفه الصغير بالوداع، حينها امسك حقيبته وهرب من عيني "وردة" بعد الوداع. والتفت يشير بيديه يدخل أكثر. لم يلتفت بظهره تحت شهقة "وردة" الذي ميزها هو، ولكنه قاوم أي مشاعر ولم يلتفت. وصوت صغيرة يسمعه وهو يردد على مسامعه بطفولية جاهلة عن وجع اللحظة: "باي يا بدر، باي." "باي يا بابا!

جملتان حثهما به "غسان" وأخرى حثته بها "وردة". فنال "غسان" من خده الممتلئ بحب وأعطاه هاتفه يعبث به. ونظر ناحية "وردة" مرددًا: "متزعليش يا وردة، هيرجع لكم بسرعة إن شاء الله وساعتها هتقعدوا معانا كمان فترة قبل ما تمشوا. فكري فيها من ناحية تانية، خير صدقيني!!

ابتسمت بلطف على مواساته وسارت معه ناحية الخارج، وكان "يامن" على ذراعه هو يحمله. بينما بالذراع الآخر تحسس جيب بنطاله كي يخرج مفتاحه. وبعد قليل وصل عند سيارته ووقف يحثها على الدخول أولًا. وقرر اختصار الطريق في العودة كي يرحل بسرعة. في حين جلست هي في الأمام وجلس هو وأغلقت الأبواب تحت كلماته الهادئة يحثها: "عايزك بقا تفكري على مهلك كده عشان لما نقرب نوصل، أعزمك أنتِ ويامن فالمكان اللي هتختاريه!!

شعرت بالحرج من ما ردده مضطرًا، أو هكذا توقعت. بينما بررت له بهدوء: "ملوش لزوم يا غسان، متتعبش نفسك خلينا نوصل على البيت على طول. أنت تعبت معانا إنهاردة أوي! نفى وهو يتقدم بالسيارة يخرج من ركنها للطريق العام السريع وبدأ القيادة باستقامة وقال بتلقائية في الرد: "ولا تعب ولا حاجة، مينفعش ترجعوا معايا من غير ما أعزمكم. فكري بس وأنا معاكي ولو مش عشان خاطر حد عشان خاطر يامن حتى!

صمتت تومئ بحرج. بينما اندمج الصغير في الهاتف مع قيادة "غسان". وعندما فتح تطبيق الصور ووجد صورهما معًا أمام المرآة في شقتهما. حينها هي من أرسلت له هذه الصورة: "روز! رددها بتلقائية. نظرت "وردة" وتحرجت من الموقف. في حين ابتسم "غسان" يحرك رأسه بنعم يؤكد سؤاله ببساطة. وجاب عينيه الصورة التي أخذت بعد وعد وحديث بإثبات منه هو شخصيًا على عدم قدرته على الفراق.

سخرية مؤلمة داهمت قلبه وعقله معا. الاثنان المنشغلان بالتفكير بها. أحدهما يحاول التبرير بسبب الشوق لها والعذاب بفراقها. والآخر ينهر كل ذلك وكل هذه المشاعر المختلة.

صب تركيزه على الطريق بينما عقله معها هي. لا يعلم هو بأن عقارب الساعة تمر بسرعة في بعدها، وخاصة بهذا الوقت. بينما داخله تمر بوجع والثانية بمثابة سنوات كثيرة ليس لها عدد. نام "يامن" على ساقه وغفل وترك الهاتف مفتوحًا على صوره وبعض صورها. لم يغفل هو عن وجود ملف خاص برقم سري لصورها وفيديوهاتهما المصورة بملابسها البيتية وخصلات شعرها المتروكة. "الوقت عدى وسهيت عنه معلش، هاته يا غسان ينام على رجلي!

أهدأ من سرعة السيارة ورفع ذراعه الآخر يحمله يوجهه ناحيتها حتى أخذته. ومدت يديها في الخلف تخرج من حقيبتها غطاء. فسألها "غسان" باهتمام: "أقفلك الشباك خالص عشان ميتعبش، ولا هتتخني؟ "لا كده تمام، وعشان بردو الجو مش برد أوي! نظر نحو إغلاقه فكان يغلق نصف غلقه. صمت يحرك عينيه ناحية الطريق. وسمع صوت دقات هاتفه. فأخفض عينيه ينظر حتى وجده شقيقه. التقطه وفتح الخط فوجد شقيقه يخبره دون مقدمات:

"إلحقني يا غسان، فرح موجودة عندنا في الشقة وجت تشوف أختك. سمعت إنها جاية من غير أخوها ولا أمها. قلبي مقلق من عز، معقول سابها كده؟ ضحك على قول شقيقه وعلم أن هذا الاتصال ما هو إلا ليشغل عقله وفقط. شاكس بخفة وقال: "ما تثبت ياض، مالك واقع كده ليه؟ تلاقيها جاية عادي تشوف أختك ما هما بقوا صحاب مش ملاحظ يعني! "لا ملاحظ، بس بقولك إيه، أعرف إزاي إنها واخدة بالها مني وكده أو معجبة؟

أنا الكلام طار من عقلي وقاعد في الأوضة دلوقتي وعايز أخرج أتكلم معاها بس مش عارف، ما تساعدني! "لا مليش فيه، اعتمد على نفسك بنفسك." "وحياة أمك يا غسان لتساعدني، أنا خايف متكونش جاهزة وأترفد بطريقة أشيك المرادي، أنا مش حمل كل ده، ساعدني بقا بالله عليك! "ما أنا كلامي مبيعجبكش يا دكتور! "لا هيعجبني بس قول بس قبل ما تمشي بسرعة بقا يلا! "طب ركز معايا!

لا يعلم هو أن الأخرى كانت قد انتبهت لحديثه. بينما انتهز "غسان" فرصة عدم قدومها أو رؤيتها في منزلهما وأخبره الآخر بأنه لم يرها منذ أيام. لذا أخذ نفسًا عميقًا وقال يحثه بدقة: "انت هتخش عليها تقولها إذيك يا فرح عاملة إيه؟ كان نفسي أشوفك بس مقدرتش الأيام اللي فاتت أصل الدكتور مانعني من الحلو! كتبت "وردة" ضحكتها. بينما شهق "بسام" مستنكرًا يرفض بحرج:

"لا لا يا غسان أنا بتحرج أقول الكلام ده. شوفلي غيرها وبعدين لو قولتها يعني ده اللي هيبينلي." "لو ضحكت واتكسفت وهربت بعينيها تبقي معجبة وواخدة بالها منك يا عاشق يا ولهان! صمت قليلاً ثم واصل يكمل وهو ينظر نحو الطريق: "طيب بص... بما إنكم دكاترة، ارميلها علطول اللي هقولهولك ده. صمت بسام بترقب، وأتاه صوته الجدي وكأنه لا يستخف بحاله بسخرية مضحكة بالنسبة لمن تجلس بجانبه.

"قولها إيه يا فروح، حبيبك مجروح ومحتاج عملية قلب مفتوح! لم يسمع سوى صوت إغلاق الخط، ولم تستطع وردة أن تكبت ضحكاتها أكثر. أما هو فابتسم بيأس تحت سماعه قولها الآتي: "ده دكتور بسام شكله واقع أوي!

وعلى الرغم من أن المكالمة جعلته يندمج، إلا أنه عاد ينخرط بين قوقعة أفكاره، ولا يعلم لما تذكر طريقتها المشابهة لطريقة وردة الهادئة عندما تستنكر حدوث شيء وتتأكد بمرح طفيف. أومأ لها بصمت فقط دون تفسير، مع ضحكة هادئة، واندامج في النظر والاستمرار في القيادة.

_أغلق بسام الخط بضيق من سخافته، ووقف يفكر في طريقة، وترك الأمر يأتي كما يأتي. نظر لجسده في المرآة، والتقط تيشيرت بسيط يرتديه على ملابسه الفوقية التي تكشف كتفيه وذراعيه بمقدمة صدره. مشط خصلاته، ونظر نحو سرواله الرياضي المحكم من قدمه من أسفل، بينما مريح بعد ذلك. دس هاتفه بجيب بنطاله، وفتح الغرفة حتى وجد فرح تجلس برفقة وسام ووالدته في المطبخ، وحامد يغلق الخط مع فريدة التي كانت محرجة من فتح المحل بعدما علمت ما حدث، لكن حامد من شجعها. الآن حتى أخذ مصحفه وفتح الباب، وقبل أن يخرج نظر نحو محط أنظار ولده الذي تسمر مكانه. ضحك خلسة عليه وحرك رأسه بيأس، وارتدي حذاءه وخرج يغلق الباب خلفه. لاحظت وسام وقوفه فأشار لها بعينيه

حتى نهضت تستأذن بحرج: "معلش يا فرح، دقيقة وراجعالك. الظاهر ماما بتنادي!

أومأت لها، بينما نظرت الأخرى بأثرها وجاب ذاكرتها وعقلها طيفه. وبين مداهمة والأخرى بينها وبين نفسها، نهرت نفسها، ولكنها لا تغفل عن رغبتها في أن تراه، فكلما ترى هيئته يتحسن مزاجها. ناهيك عن أنها لا تعلم لما تود رؤيته، ولكن تستشعر بخفة روحه على غيره حتى وإن لم يتعمد المرح، ولكنها تحبذ رؤية توتره المماثل لها تمامًا. تنحنح بحنجرته وأغمض عينيه بإستسلام يتذكر كلمات شقيقه، لا يوجد أمامه سواها. لم يكن يعلم بأن الآخر يسخر ويمزح ويجاريه، بينما هو قرر التنفيذ دون أي مسمى. وقف بعدما اقترب وأخرجها من شرودها

عندما قال بابتسامة واسعة: "إزيك يا فرح عاملة إيه؟ كان نفسي أشوفك بس مقدرتش الأيام اللي فاتت، أصل الدكتور مانعني من الحلو!! رددها دفعة واحدة دون راحة، يحفظ دون أن يفهم. برقت عدستيها من مفاجأة قوله، بينما ابتلع ريقه بتردد يود أن يختفي الآن. دعى على شقيقه بسره، والجم لسانه عن قول أي شيء بعد هذه الجملة. بينما هي احمر وجهها حرجًا، وحركت عينيها بمكان آخر ترد دون النظر له: "شكرًا على المجاملة الحلوة دي يا بسام!

هربت بعينيها، خجلت، إذن معجبة. وللمرة أخرى ينساق وراء حديث الآخر الذي كان يسخر به ليس إلا. ابتهجت ملامحه وجلس بجانبها ينظر نحو وجهها، فرفعت عينيها تنظر له بابتسامة لطيفة ووجد الحديث يخرج منه هو هذه المرة بتلقائية هائمة: "ضحكتك ضيعت مني كل الكلام! ابتلعت فرح ريقها بارتباك، ونظرت بأرجاء أخرى غير عينيه، فقال مجددًا يحاصرها قبل قدوم أحدهم: "فرح، هو إنتي جاهزة لخطوة ارتباط وجواز وكده ولا شايفة إن لسه بدري؟

أنا حابب أعرف عنك أكتر! شعرت بسخونة وجنتيها ورأسها عامة، لم تقدر على الرفض أو على الجواب. بينما من بين انتظاره وقبل أن تأتي لمح طيف والدته وهي تأتي من على بعد تصيح قائلة بحرارة: "خدي بقا دوقي الرز بلبن ده وقوليلي رأيك. إنتي شربتي العصير ولا لأ؟ أغمض بسام عينيه بنفاذ صبر ضاغطًا على فكه السفلي بضيق، مرددًا بخفوت بعدما تركهما ونهض: "يا صــبـر أيــوب!!!!!

تحرك ناحية الباب بملامح ظهر عليها الضيق، بينما كبتت وسام ضحكتها وإلتفت دلال برأسها تسأله باهتمام: "رايح فين يا حبيبي؟ "نازل! قالها مختصرًا، وأغلق الباب خلفه بضيق، متجهاً ناحية المصعد ضاغطًا على شفتيه بحنق. متى سينتهز الفرص؟ متى سيأخذ منها الرد ومعه عائلة مثل هذه!!! _وبنفس الطابق الذي وقف به، وقفت جميلة بالداخل قبل وقت منذ أن أتت وقررت فرح تركها لتجلس على راحتها. دقت باب غرفة نيروز لكنها لم تجد رد. في حين

اقتربت سمية تحثها قائلة: "كانت من شوية واكلة تلاقيها نامت شوية. تعالي نقعد على ما تصحي! خرجت ياسمين من الداخل تتوجه ناحية جميلة لتعانقها بترحيب، ثم هتفت بنبرة صادقة: "وحشتيني يا حرباية! "وانتي كمان! بادلتها العناق بشوق، وجلستا الاثنان، فبدأت جميلة في السؤال عنها بلهفة: "نيروز عاملة إيه دلوقتي؟ حالتها أحسن؟ حينها ردت سمية تجيب بقلة حيلة تخبرها:

"نفس الحال مبيتغيرش، قافلة على نفسها على طول. يدوب النهاردة خرجنا شوية عشان تتابع عن الدكتورة هي وياسمين. المهم إنتي عاملة إيه وأخبار الامتحانات؟ ابتسمت رغم حزنها على نيروز وعينيها لا تفارق غرفتها بانتظار. في حين أجابت على آخر حديثها بـ: "الحمد لله قربت انتهي، بس دعواتك. هي ماما مجتش؟ أنا قايلالها اسبقيني على هنا عشان نقعد مع بعض! "تلاقيها بتلبخ في المطبخ، فأي هيصة. إنتي عارفه أمك تحب المطبخ قد عينيها هي ودلال!

ضحكت بخفة على قول سمية. لاحظت جميلة صمت ياسمين فسألتها بمشاكسة: "القيامة شكلها هتقوم مادام ساكتة كده! ومن ناحية أخرى قررت التخفيف عنها. تعلم جيدًا إلى مدى يصل حزنها بعمق على نيروز، ورغم أن فرق السن قليل بين ياسمين ونيروز، إلا أن الأولى تشعر بأن الثانية إبنتها. رفعت عينيها تبتسم برفق، فقالت سمية هذه المرة: "على قولك يا جميلة. سكوتها غريب، بس كلامها لما يخرج بيعك الدنيا!

ضحكت جميلة على لوم سمية التي نهضت تعد لها شيئًا. في حين نظرت جميلة تجاهها مرة أخرى وسألتها بقلق: "أنا عارفه السكوت ده. إنتي متخانقة إنتي وحازم صح؟ قولي بصراحة! مطت شفتيها وأومأت بإستسلام. فحركت جميلة رأسها يأساً منها وقالت بدفاع مضحك كي تجعلها تضحك: "وأنا مغمضة أكيد أكيد إنتي اللي غلطانة! مصمصت ياسمين شفتيها بتهكم، وقالت بإسلوب سوقي خائب منها: "صحيح ما إنتي حرباية، حرباية بحق وحقيقي!!!

تعالت ضحكتها، وقبل أن تهدأ وتفسر لها، فتح باب غرفة نيروز المتجهة في طريقها نحو المرحاض دون حتى التركيز عن من يجلس. نهضت جميلة بسرعة مع ياسمين وقطعت الأولى طريقها وهي تبتسم لها مرددة بتأثر: "وحشتيني أوي، ومستنية أشوفك من ساعتها. إنتي كويسة؟ لم تنتظر منها الرد، بل دفعتها برفق لتعانقها. فعانقتها نيروز وهي تبتسم ابتسامة باهتة مرددة لها بعد أن حررت نفسها من أحضان الأخرى: "أنا كويسة متقلقيش. هدخل الحمام بس وهرجعلك!

أومأت لها بتفحص وهي تشملها بعينيها. فنظرت تجاه ياسمين التي ظهر على ملامح وجهها الغيرة وهي تقلد نبرتها: "وحشتيني.. هدخل الحمام وأرجعلك. إيه المحن ده؟ واحنا اللي عايزينها تقعد معانا إلا ما قالت هروح وأرجعلك زيك حتى!! رفعت جميلة رأسها بغرور، ودخلت غرفة نيروز. "سر المهنة بقى وبعدين تعالي.. تعالي نقعد فوق راسها هنا عشان لما تيجي متعرفش تهرب يلا!

وجدت "ياسمين" فكرة جيدة وسارت خلفها والاثنان ينتظران الآن قدوم الثالثة كما كانوا دائمًا. ثلاثة أجساد بروح واحدة، كثيرًا ما تشاركن مع بعضهن الوجع، حتى وإن كان الوجع يخص واحدة فقط، فقد اعتدن على أن يتشاركن به دومًا. ***

جلس "حامد" بالخارج على المقعد التي قدمته له "فريدة". فتح مصحفه قبل وقت، وخلفه مباشرة وجد "بسام" يتقدم ناحيته بحنق. التقط مقعدًا من الداخل وجلبه حتى جلس برفقة والده، الذي رفع رأسه يصدق وقال ساخرًا، شامتا به، غير غافل عن ما تفعله "وسام": "إيه؟ مين قطع عليك اللحظة المرادي؟ ذهل "بسام" من قوله وابتسم يحرك رأسه بحنق مرددًا: "حب عمرك وأم عيالك! "دي تعمل اللي هي عايزاه، وبعدين الحال دا مبيفكركش بحاجة انت وأخوك؟

تذكر على الفور قطع أي لحظة هو وشقيقه بينه وبين والدتهما. ضحك بخفة ونفى يمسح التهمة من عليه بالكذب: "لا يا حج حامد، أنا كنت ومازلت مؤدب. ابنك غسان هو اللي كان بيقطع رزقك على طول معاها. دا أنا معجب بغزلك أوي والعجيب إن أمي بتتثبت. ما تعلمني وحياة عيالك وأم عيالك! البهجة بالنسبة له أنه يرى ولده يتعافى ويعود لسابق عهده. ابتسم بسعادة لأجله ورد عليه بتهكم: "ببلاش كده؟ وكان رده الأكثر لهفة عندما قال:

"قولي عايز إيه وأنا عينيا ليك! والغير متوقع كان رد والده المتأثر مع تنهيدة حارة متعبة: "عايزك جنب أخوك الفترة دي. انت عارف هو موجوع إزاي وبيكابر. أنا مش عارف أعمله إيه يا بسام! وجد العجز في عينيه ونبرته. نظر بتأثر وابتسم يطمئنه كي لا يتعب من كبت التعب النفسي: "متشيلش هم يا بابا. إن شاء الله هيبقي كويس وأنا جنبه متقلقش وبحاول أخفف عنه وألهيه. حتى بفكر أنقل عزالي وأروح أبِيت معاه في الأوضة في الأيام اللي ببقى فيها هنا!

شرد "حامد" بتفكير وقال يستحسن فكرته: "لو قدرت عليه اعمل كده! وقبل أن يتحدث بأي حرف يخرجه، وجد الاثنان صوت الدراجة البخارية بصوتها العالي. ترقبت أعينهما ناحية "آدم" المتسلق خلفه "يوسف" وأمامه "أدهم". أراد "آدم" مشاكسة "بسام" فسار عليه يزود من قوة الدفع بالدراجة ناحيته تحت ضحكات "حامد". وسرعان ما رجع "بسام" بمعقده إلى الخلف وهو يردد برهبة من جرأته ومعه الصغيران: "إعقل يا مجنون انت، معاك عيال! "ماشي يا دكترة!

غمز له "آدم" عقب قولها وأسند الدراجة البخارية ونهض من عليها حاملاً "أدهم" ليهبطه، وكذلك "يوسف". اندفع "أدهم" حيث الداخل، بينما وقف "يوسف" يرحب بهما ببراءة. ووقف "آدم" يرحب بـ "بسام" وعمه. في حين اندفع "أدهم" يحتضن ساق "فريدة" وبخفة انحنت تحمله تعبر له عن شوقها بالعناق الصحيح بعد قوله العفوي: "وحشتيني أوي يا فيفي! "وانت كمان أوي أوي يا دوما!

توسعت بسمته وأخفضته بسعادة، وشعرت باقتراب خطوات "آدم" الذي استند على العمود، بينما هرول "أدهم" ناحية الخارج تزامنا مع قول "آدم" وهو يستند بكتفيه: "ممكن أعرف بقا مش عارف أشوفك ليه بقالي كام يوم؟ دا أنا جيت النهاردة بالمكنة لوحدي حوالي ٣ مرات وكل ما أجي ألاقي المحل مقفول برجع! التفتت تنظر بوجهها باستنكار، تخفي اشتياقها هي الأخرى لكلماته الثابتة، في حين هتفت تغير مجرى الحديث: "ودا من إيه إن شاء الله يعني؟ أجاب هو

ببساطة هادئة يخبرها بصدق: "دا من حبي إن شاء الله يعني! ابتسمت "فريدة" بانهزام وانحنت تحمل مجموعة صناديق صغيرة وقالت بتعب: "تعالى ساعدني" انحنى "آدم" بعفوية يحمل معها ما كان بجانب ساقها، وحمله وقف يسير خلفها، تزامنا مع قوله الهادئ وهو يسير خلفها: "حازم مفاتحكيش في حاجة كده ولا كده؟ سمعته وأسندت ما بيديها ثم مسحت جبينها بإرهاق تجيبه بغير تركيز: "لا هيقول إيه يعني! "كل خير!

أسند هو الآخر ما بين يديه ونهض وجدها تتمعن النظر بتلك القلادة المعلقة بعنقه وتلقائيًا وضع يديه عليها فتنحت بحرج تخبره بهدوء: "ع فكرة أنا قولتلك إنك حرام تلبسها مش فاكر؟ أومأ وضم قلبها بين كفه وقال بعجز: "مش قادر أقلعها، كنت مقرر أعمل حل أسهل، بس هتوافقي؟ ترددت عينيها، كان يقرر فعل ذلك عند خطبتها ولكنها من عجلت الأمر بسؤالها. وجدته يكمل بحديث هادئ عميق:

"قولتلك قبل كده إن فيها صورة أمي، ومن الناحية التانية أنا، ومش عارف أقلعها بالسهولة دي، عشان كده هسيبها أمانة فرقتك انتي بس أوعديني تحافظي عليها! فرط بأغلى ما على قلبه لها؟ ابتلعت "فريدة" ريقها بتوتر ولم تفهم معنى حديثه ولكنه رفع ذراعه يخلعه من عنقه وتقدم تحت ثباتها يضعها في عنقها بجرأة. لم ترفض بل نظرت له بذهول وترددت الكلمات في الخروج وأنقذ موضعها عندما قال بابتسامة هادئة:

"أنا قولتلك قبل كده إني خوفت عليكي خوف غريب مجاليش غير ساعة ما حسيت إن أمي هتضيع مني. السلسلة دي غالية عليا أوي ومبقلعهاش خالص بس النهاردة قلعتها عشان حرام ألبسها أنا.. بس انتي الاختيار الصح والوحيد اللي هسيبها أمانة فرقبته. بس أنا عايز منك وعد متضيعهاش ولا تفرطي فيها. أنا كنت ناوي ألبسهالك لما أخطبك بس انتي استعجلتي بسؤالك ده!

تأثرت من ثقته بها، في حين أن البعض كان يفقد بها الثقة، وهي من تفقد هي الأخرى بهم. بينما هو؟ كيف يستطيع فعل ذلك؟ أحكمت مسكها بكفها وهي تهبط عينيها تنظر لها ولقلبها بعدما ابتلعت ريقها تردد ببسمة هادئة أمام عينيه المراقبة لتفاصيل رد فعلها: "أوعدك إن عمري ما هفرط فيها! هنا، رفع عينيه أكثر ينظر داخل عمق عينيها وقال قول صادق خرج منه بتأثر: "اللي عينيهم حلوة صادقين! وكالعادة تعارض حتى وإن اقتنعت: "مش دايما!

"في عرف فريدة دايما! توسعت ابتسامتها ونهرته بحدة، تحاول الهروب بعينيها: "بقيت جريء معايا أوي وأخدت عليها، أنا مش عاملة حسابي على كده، انت شكلك لعبي أوي يا آدم! وكان رده التلقائي عندما برر لها بصدق: "كنت.. كنت والله، وتوبت ورجعت تاني بسببك انتي!

زحفت الحمرة لوجنتيها، وتعلقت عينيها معه على الرغم من أنه حرك عينيه ينظر نحو "أدهم" الذي تمسك بقدمه، بينما هي تعلقت بوجهه. وهنا في هذه اللحظة شعرت بمدى تغيره أكثر وأكثر حتى ملامحه وإرهاق العمل يظهران عليه بشدة، وكذلك خشونة كفه ولونه الداكن الذي دكن عن قبل، لا تغفل عن هذه التفاصيل التي تزيدها ثقة بشاب مثله!

توقفت سيارة "شادي" بالخارج قبل قليل وسمع الاثنان صوته عندما حمل "يوسف" يدفعه في الهواء بمرحه الدائم تحت ضحكات "حامد" و"بسام". بينما اقترب "آدم" يخرج وهو يهلل بترحيب خبيث: "شادي سيطرة.. منور المكان يا عم!!

بعد وقت مرّ للإقتراب من الوصول للبلدة، وقفت السيارة أمام أحد المطاعم. هبط "غسان" حاملاً "يامن" على ذراعه وخلفه "وردة" تحمل حقيبتها وهي تسير صعوداً. حتى حثها على الجلوس ووضع "يامن" على المقعد بجانبها. وأراد التقاط صورة لهما كي يرسلها لـ "بدر" في اللاحق ليطمئنه. التقطها تحت حرج "وردة". وجلس يبتسم لها وهو يداعب "يامن" حتى أشار لها مردداً: "شوفي تحبي تاكلي ايه وأطلبهولك انتي ويامن!

أمسكت "القائمة" لتختار وجبة بسيطة كي ترحل بسرعة وكي لا تغرمه دفع أموال كثيرة بنفس الوقت. في حين ظل يلاعب "يامن" حتى انتهت وجاء النادل وأخبره "غسان" بلطف. وابتسمت هي على اهتمامه فقالت تشكره: "أنا مش عارفة بس ليه حابب تتعب نفسك. شكراً يا غسان على اهتمامك وبعدين أنا مش غريبة يعني أنا اختك ولا ناسي إننا قد بعض في السن؟ ضحك "غسان" بخفة وقال بعشم يخبرها:

"لا مش ناسي. بس يعني لو اختي وجوزها مسافر فأكيد هروق عليها هي وابنها عشان مزاجهم يتعدل. وعايز أطمنك وأقولك متخافيش في عدم وجود بدر. والحاجة التانية أي حاجة تحتاجيها تعالي قوليلي علطول وسيبي آدم في مسئوليته على ولاد فاطمة انتي عارفة الحمل زايد أوي!! أومأت بموافقة. وأمسك الصغير هاتفه. بينما سألته هي مما جعل سؤالها يثير انتباهه ورفع رأسه ينظر ناحيتها وهي تسأله: "مبسوط يا غسان بعد القرار ده؟

او فاكر حتى إن نيروز مرتاحة كده؟ تنفس بصوت مسموع يخرج تنهيدته وابتسم يخبرها برسمية في الرد: "وحتى لو، دا نصيب يا وردة. كل شيء قسمة ونصيب. ربنا يصلح لها الحال أنا مشوفتش منها حاجة وحشة!! دفاعاً، يدافع، يجمل صورتها رغم وجعه الشديد. تأثرت "وردة" من حديثه وقالت تبرر له بحزن، مع وضع النادل الطلب:

"بس نيروز بتحبك يا غسان. وانت كمان بتحبها. حاولوا مرة أخيرة وافهموا من بعض الأسباب أكتر. مش سهل على أي حد فيكم يبعد وفي طفل بينكم لسه مجاش! انتظر إلى أن انتهى النادل من وضع الطعام. ورفع رأسه ينظر بصمت، وهو يحثها: "كلي يلا وأكلي يامن" استغربت من نهوضه لتأخذ راحتها حتى سألته بغرابة: "انت مش هتاكل؟ "لا بالهنا والشفا انتوا. أنا شبعان. براحتك انتي على ما أشرب سيجارة بره!!

سار قبل أن تعترض بحرج. وتركها تأكل مع صغيرها. خرج يخرج كبته. نفث دخان سيجارته وهو يشرد بالطريق والناس. صمته هذا يأخذ منه الكثير. ابتلع ريقه ينظر بشاشة هاتفه. ثم عاد ينظر. هذا الجسد يعلمه جيداً. بهذه الملابس الأنيقة. خرجت من سيارتها تحمل الجاكيت الخاص بها على ذراعها وسارت بكعب حذائها تصعد حتى وجدته يستند على إحدى المقاعد. رمقها بطرف عينيه وطاقته في الترحيب بشخص ليست معه الآن ولكنها من تحدثت بلهفة

وغير تصديق من رؤيته هنا: "غسان! بتعمل ايه هنا؟ ولم تكن سوى "إنجي" التي تطورت العلاقة بينهم في إطار العمل كأصدقاء. تعمد عدم تخطي الحدود حينها لأجل "نيروز" التي كانت تغتاظ منها. ابتسم ومد كفه بعدما مدت كفها وقال مرحباً: "إزيك يا إنجي عاملة إيه؟!! صعدت وصعد معها مضطراً. فابتسمت تخبره بلطف: "أنا كويسة وانت عامل ايه؟

بعد ما شادي أخدلك إجازة أسبوع والدنيا متكومة فوق دماغي. حتى صفا فرحها قرب وأخدت إجازة هي كمان ودي كانت الوحيدة اللي شاطرة زيك!! ابتسم بمجاملة حينها أشارت له بعدما جلست على إحدى الطاولات: "أنا جاية هنا أنا وجوزي نتغدى. هو غدا عشا بس مش مشكلة مش بنشوف بعض تقريباً بسبب الشغل ولا عارفين نقعد مع بعض فقولنا نخرج ونغير الروتين. اقعد عشان أعرفكم على بعض!! رفض بحجة واستقام ينظر نحو شاشة هاتفه:

"لا مرة تانية بقا إن شاء الله. يلا عشان سايب أختي لوحدها!! وقفت تقطع الملل وأسندت الجاكيت على المقعد. وسارت تقف وهي تبتسم تحاصره بقولها: "عرفني عليها طيب ولا انت مش حابب بقا؟! ضحك "غسان" ووضع هاتفه بجيب بنطاله ورفض قولها وأشار لها حتى سارت بجانبه. نظرت "وردة" بغرابة. وابتسمت حتى بدأ "غسان" يعرفهما: "دي وردة أختي. ودي يا وردة إنجي مديرة الفرع اللي أنا شغال فيه!

نهضت "وردة" ترحب بها تحت ترحيب "إنجي" التي اتسمت بالتواضع. وابتسمت تجاملها بطيبة بعدما عانقت "يامن" أيضاً بلطف: "مبسوطة إني شوفتك. على فكرة انت عسولة جداً وعينيكي جميلة أوي! "شكراً، دا من ذوقك. وفرصة سعيدة!! ابتسمت لها بلطف. وأشارت لـ "غسان" بأنها ستعود ثم قالت: "طب هستأذن أنا يا غسان. عايز حاجة؟ "تسلمي. أنا موجود لو في حاجة!

أومأت وعادت تحت جلوس "وردة" بعدما قبلت "إنجي" "يامن" بحب. جلس "غسان". واستنكرت "وردة" بداخلها طريقتها الهادئة. رفعت رأسها تخبره بلطف: "عسولة إنجي! ابتسم نصف ابتسامة لم تصل. لعينيه وقال يخبرها بصراحة رجل: "أيوة هي حلوة وجسمها حلو! فتحت فمها بغير وعي تردد: "ها! ضحك خلسة على رد فعلها، يعلم أنها خجولة أكثر من اللازم. ابتسمت على أي حال وأشارت للنادل بجمع بقية الطعام في علبة ونهضت تحمل "يامن" بعدما أخبرته:

"الحمدلله، هقوم أغسل إيدي أنا ويامن، وكفاية علينا كده وبالذات أنت، شكلك تعبت قوي وعايز تنام." لم يرفضها بل ظل إلى أن أخرج الٱموال يدفع الحساب وانتظر قدومها من الداخل حتى عادت بعد دقائق تحمل الحقيبة وقالت بلطف: "اتأخرنا عليك."

نفى برأسه وأعطاه العامل الأكياس وحمل الصغير منها بذراعه وسار يخرج وتعمد عدم النظر ناحية "انچي" كي لا تجعله يضطر على التعرف بزوجها ولن ينتهي الوقت حينها. وضع الأكياس في السيارة وركبت "وردة" بجانبه في الأمام ومعه "يامن" حتى انطلقت السيارة بعد دقائق في اتجاه المبنى. ***

بعدما عاد "حامد" من صلاة المغرب مع "ٱدم" و"بسام" و"شادي" ظلوا جالسين في محل الورد. ومن هذه النقطة قررت "وسام" التضحية مرة أخرى في الهبوط لمحل الورد للجلوس قليلاً معها "فرح" قبل وقت.

بينما في شقة "سمية"، واخيراً نهضت "ياسمين" تخرج في الصالة وتتركهم. أرادت أن تجذب الحديث بينها وبين "حازم" كي يلين، وتركت الفرصة لـ "جميلة" التي تنظر الآن بحسرة على "نيروز" الجالسة بشرود. وكلما تلمع عينيها تقوم بإنقاذ الوضع، بحثت عدستيها على أن قد اقترب الوقت للانفراد بالوجع من جديد، وحينها أهبطي أيتها الدموع متى ما تشائين.

كانت تتسطح على الفراش بظهرها تستند على وسادة إسفنجية تداهم نفسها بعدم الاقتراب من الشرفة كما عاهدت في الأيام الماضية حتى لا تتقابل الوجوه مجدداً. فحصتها "جميلة" بتمعن واقتربت تضع يديها على ساقها الممدد وبدأت قولها بـ: "وبعدين يا نيروز؟ هتفضلي كده لحد امته؟ مش حاسة إنك كده بتضيعي نفسك وبتضيعي حملك بالبطيء! ركزت "نيروز" بعينيها عليها وأدمعت عينيها تنظر بقهر، في حين واصلت "جميلة" تكمل:

"اتكلمي قولي أي حاجة بس بلاش تسكتي كده علشان خاطري! ابتسمت لها بسمة باهتة وقالت بملامح شاحبة ونبرة ضعيفة: "أقول إيه يا جميلة.. ما خلاص مهما قولت هفضل كده وعلى الحال ده. أنا مبقتش عايزة أي حاجة من الدنيا. كل ما بحتاج حاجة مش بتفضل معايا وبتروح بسرعة! وأشارت على نفسها وهي تهبط الدموع بغزارة: "هو.. أنا مستاهلش؟ تلهفت "جميلة" من تلك الحالة ودفعتها بين ذراعيها تردد بتبرير موجع متخوف من أفكارها المقهورة:

"لا.. لأ يا نيروز متقوليش كده. بلاش تقولي كده على نفسك. متعترضيش والله كل ده خير وربنا هيعوضك بحاجة كبيرة قوي صدقيني. إنتي تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا دي. طب أقولك على حاجة بقا؟ رفعت "نيروز" كفها تمسح دموعها مع مساعدة "جميلة" وجدتها تترقب وسألت الأخرى بنظرة عينيها الضعيفة فرددت "جميلة" تجيب بنبرة صادقة:

"إنتي ربنا بيعوضك كمان دلوقتي. وعوض كبير عشان يا هبلة إنتي حامل. بصي كده غيرك مش طايل ده. يمكن حملك واللي في بطنك يبقى العوض ليكي عن كل حاجة شوفتيها في حياتك. فكري من ناحية تانية خالص! صمتت تستمع لكلمات الأخرى المتحمسة. نهضت تمسح دموعها والتفتت سريعاً تجذب قلم الكحل من على التسريحة وجلست باهتمام تجذب أنظارها: "بصيلي بقا. بصيلي نروق عليكي ونحط كحل في عينك الجميلة دي! أشاحت "نيروز" بوجهها بعيداً وقالت ترفض بتعب:

"مش عايزة يا جميلة. مش وقته." "لأ وقته ووقته أوي كمان. لازم تهتمي بنفسك كده وتكوني رقم واحد في حياتك! لمعت في عقلها فكرة خبيثة، ربما تود أن تحرك الأمل بها بدافع كانت قد جربته "جميلة" من قبل في غيرتها على "عز" ورغم أن الوضع يختلف ولكنها ستعلم إن كانت "نيروز" تكابر أو فقدت الأمل. "وبعدين بصيلي كده. هو لازم نقعد نعيط عشان خلاص بقا بعد ما انفصلنا معتش حياة؟

لا فوقي كده وقومي وشوفي نفسك. مش يمكن هو عايش حياته وإنتي هنا بين أربع حيطان مع دموعك وبس؟ أثارت انتباهها بحديثها وآلتفتت برأسها تنفي بوجع مرددة بإيجاز: "غسان ميعملش كده. أكيد لسه موجوع ومفاقش." فاندفعت الأخرى تنتهز هذا الحديث: "أديكي قولتي لسه. فاهمة يعني إيه لسه؟

يعني بعد كده هيعيش حياته. ودا راجل كمان يعني هيقول أنا هتجوز. وبعدين إنتي إيه ضمنك ما يمكن عينيه على واحدة حلوة وخلاص عامل حسابه. الحياة يا روز مش بتقف عند الرجالة! انتظرت "جميلة" بفارغ الصبر ردها، بينما هي انتبهت بقهر لحدوث ذلك.

ومن ناحية أخرى سمعت: فتاة أخرى جميلة أجمل منها تلفت انتباهه عنها بعدما كانت هي في المرتبة الأولى ولم يرى سواها. لا تعلم لما جاء على عقلها "انچي" رغم أن الآخر أقسم لها على أنها شخصية لطيفة بعيدة كل البعد عن ما في عقلها وهو أيضًا يتجنبها لأجلها ولكنها لم تقتنع متأكدة من فراغ عينيه كرجل له ماضي. وكان ردها الفاتر التي قصدت ظهوره: "عادي غسان يعملها."

"وهو لما عادي مش هيبقي هو بطل يحاصر نفسه مع وجعه زيك كده. إنتي كمان بقا لازم تفوقي لنفسك. وكمان لما تمسكي نفسك ولو قدرتي تروحي تشتغلي وتصحي لحياتك محدش هامة حد. إنتي دلوقتي مش هامك حاجة غير اللي في بطنك صح؟

سألتها ولا تعلم بأن الإجابة تطلبت شرود كبير. هو.. وتشتاق له هو وفقط. ولم ولن يملأ أحد مكان فراغه. تذكرت من جهة أخرى أول اجتماع من العائلة في شقتهم منذ أن جاءوا من سكنهم القديم. ورددت "نيروز" لشقيقته هو بأنها تتمنى إنجاب توأم في المستقبل. من المحتمل أن تتحقق الأمنية ولكنه ليس هنا ليس معها. نهرت مشاعرها ورفعت رأسها تكتم دموعها تجيب بعقلها رغم صراخ قلبها بعكس هذه الإجابة: "صح."

تشتت "جميلة" منها ووضعت "نيروز" كفها على معدتها وهي تستمع الآن لأذان العشاء. فنهضت "جميلة" تسندها برفق وقالت: "قومي نتوضى عشان نصلي يلا! استندت معها ونهضت والتقطت "جميلة" حجابها على ملابس الأخرى المنزلية ووضعته نظراً لوجود "حازم" بالخارج. فتحت الغرفة وسارا معاً ناحية المرحاض تحت تحرك الرؤوس ناحيتهما بحزن. فحركت "سمية" رأسها بخوف أظهرته لـ "عايدة" التي جلست بجانبها: "شايفة؟ شايفة يا عايدة؟

أنا مرعوبة وخايفة.. خايفة ألاقيها سقطانة فمرة واحدة من حالها ده. يرضي مين ده بس يا عايدة؟ كل ما بقول هسكت ونعدي قلبي يوجعني تاني وتصعب عليا بنتي وحالها ده. ولا حد عبرني فيهم ولا قالي إيه كان حصل. ولا شوفت وش لـ دلال من يومها يرضيكي؟ حركت "عايدة" رأسها بيأس وقالت تبرر لها سريعاً بصوت منخفض: "يا سمية اسكتي."

تفي من بؤك، البت هتبقي كويسة، اسمعي مني. وبعدين بلاش تعتبي علي دلال، حالها من حالك بالظبط وكنت عندها امبارح وكل الحكاية انها مش عارفة تحط وشها فوشك لتخسروا بعض. فاستننوا لحد ما الدنيا تهدى كدة. بس هو ده بردو اللي اتفقنا عليه. هتقعدي تندبي لحد امته يا سمية؟

صمتت بإنهزام تلتقط الهاتف بحمقة كي تهاتف "وردة" لتعلم أين وصلت. في حين بعد اندماج "حازم" في التلفاز، زفر بصوت ورفع أكمامه كي يتوضأ، وهي بجانبه تحاول فتح أي حديث وبمتهي الغباء المضحك سألته: "ايه ده؟ بتشمر عشان تتوضى؟ كبت ضحكاته وإحتفظ بملامح صارمة يرد بسخرية: "لا رايح اتمرن!! استغلت هي الحديث وردت بمراوغة تسأله: "وفي التمرين ده بنات؟ "أه فيه، حلوين وعينهم زرقا كمان، أصلي طهقت من الخضرا!!

رددها ونهض مندفعا ناحية الطرقة. لمعت عينيها بالدموع وجلست تكبت كل ذلك وهي تنظر ناحية التلفاز بشرود. وجابت مسامعها صوت "سمية" في الهاتف: "يعني انتي تحت يحبيبتي، طيب ماشي اطلعي يلا فاتك تعبانة. أول ما يروحوا يصلوا خدي بعضك واطلعي انتي تعبانه انتي والواد ومحتاجة ترتاحي!! ردت الٱخرى بأنها بالفعل ستصعد الٱن بعدما ودعت الفتيات ورحلت مع "يامن" وبيديها الٱخرى العلب مع حقيبتها. بينما تلهفت "ياسمين" بسعادة:

"بجد وردة ويامن جم يا سمية؟ انكمشت ملامح "سمية" بضيق من ردها الجاهز باسمها هكذا. ونظرت تردد من بين ضحكة "عايدة" عليها: "اه جم واحترمي نفسك معايا شوية!! بادلتها "ياسمين" الضيق وقبل ان تنهض واحدة منهن لتفتح الباب، اقترب "حازم" الذي كان سيهبط من الأساس وفتحه حتي اندفع "يامن" من على ذراع "وردة" يتجه ناحيته مرددا بلهفة طفولية: "حازم"

ومرة ٱخرى ما نطق حرف الميم نون تعالت الضحكات. وتأثر "حازم" من تعلقه به بهذا الشكل. عانقة بحب شديد لا يتخيل بتلك اللحظة سوى أنه طفله. ترقبت الانظار وحملة بإعتدال وقال يخبرهم: "هاخدوا يصلي معايا ونقعد شوية تحت! كانت "سمية" على وشك الرفض كي تطعمه بعادتها كجدة ولكنه وجد الموافقة من "وردة" فأغلق الباب. ونظرت "وردة" باهتمام حتى سألت "ياسمين": "أومال فين اختك؟ "مع جميلة بتساعدها تغسل عشان تفوق وبتتوضى فالحمام جوه!!

أومأت وهي تتوجه ناحية الداخل كي تبدل ملابسها بإرهاق حتى تخرج لهم مجددا، مقررة الجلوس بين "نيروز"و"ياسمين"و"جميلة" ليخففن عن الأولى.

حبيسة غرفتها تتركهم يفعلون ما يشاءون، تنتظر فقط لحظة ذهابهم حتى يعود كل شئ كما كان. بينما هم قرر كل منهم المكوث حين أخذ الحق على الرغم من ان "حازم" حذرهم وحثهم على الذهاب ولكنهم يعلمون أنه يعلم بوجودهم ولم يقترب ليحثهم مرة أخرى قد قرر مع ذاته الصبر وان افتعل أي منهم شئ او جرم سيحاسب كل منهم. وعلى الرغم من أنه لا يعلم بماذا سيأخذ حقه منهم ليس لديه حيل كل ما يمتلكه هو التحذير كي يعود كل منهم مكان ما جاء. ليس بعقله أي

فكرة للانتقام. وقدرته على أخذ حق بشر تختفي إذا ما مس أحدهم ضرر لـ زوجته وشقيقتيه ووالدته. أغلقت الإتصال بقلق فقد كانت تهاتفه لا تعلم هي بأنها أخبرته من بين الحديث أن "غسان" ليس هنا وهو جاء بالأسفل قبل وقت. لم تعطي بالا. كل ما يهمها هو عدم مجيئة وفقط.

مسامعهم بالخارج كانت قد جابها حديثها وصمتها وعدم اقترابها منهم. نوت النهوض كي تؤدي فرض العشاء. وبالفعل سارت "زينات" إلى أن فتحت الباب ووجدتهم مجتمعين بالصالة أمام شاشة تلفاز عريضة والأريكة ممتلئة بهم وعم الصمت بينهم ما ان خرجت. تعمدت عدم الاحتكاك بهم مثل الأيام السابقة ولكنها وقف عندما اخترق سمعها قول "زهور" وهي تجلس: "جرا ايه يا زينات؟ هتفضلي مقاطعانا كدة زي الغرب؟

ما نشوفكيش ألا صدفة. ماله لسانك يختي معتش بيخاطب لسانا ليه؟ كبرتي على اختك! أغمضت جفنيها بضغط والتفتت تقترب ترد بهجوم، فقد فاض بها هي الأخرى: "إنت ممشتيش ليه يا زهور؟ ممكن أفهم أسباب قعادك لسه مع إن حازم طردكم؟ ذهلت "زهور" و"مروة" بينما صمتت "أسماء" بخوف تنتظر القادم وسكون "سامر" المريب وهو يمسك هاتفه: "اتجرأتي أوي يا زينات! اطردينا انتي كمان يلا ما هو دا اللي ناقص! قوام بتنكري كل حاجة كده!

مبتعديش الجمايل ولا ناسية الشقة دي اتكتبت بأسمك بسبب مين؟ دا انتي من غيري كان حازم وامه رموكي رمية الكلاب واخدوا منك بنتك والشقة وابنك التاني راخر! عويلة يا ختي طول عمرك!! تشنجت ملامح "زينات" واقتربت أكثر تشير بيديها: "اللي راح خلاص يا زهور راح وانتهى! وأه أنا بنكر زي القطط! وعايزاكي تمشي بس مش بطردك! أنا كفاية عليا مشاكل لحد كدة شوية كمان وهتخسروني بنتي اللي خدت جنب مني من تاني ومش عارفه أشوفها بسببكم!

نفس البيت ومش عارفه ألمحها وكله منك ومن عيالك! وحازم وامه واللي بتقولو عليهم دول هيرموني مش هيعملوا كدة عالأقل عايدة وقفت لابنك وهو عايز ياخد بنتي غصب وانتي ياللي خالتها وعمتها وزي أمها واقفة توافقي ابنك ولا كان همك بنتي ان كانت هتروح ولا مش هتروح! صحيح ما هو ضنا ومحدش هيحس بيه غير اللي خلفه! تقدري تقوليلي لو عملت كدة مع أي واحدة من بناتك كنتي هتعملي ايه؟

داهمتها بأقوال كثيرة بعضها مندفعة وأخرى حزينة وقبل أن يندفع أي منهم رفع "سامر" رأسه ينظر لها وقال ساخرًا: "عالهادي يخالتي براحة على نفسك! صحتك مش ببلاش!! تنفست بصوت مسموع وملامح الضجر تظهر في حين اندفعت "مروة" تردد بلؤم: "ضنا ايه يا خالتو وبتاع ايه؟ الحق على أمي كانت عايزة تتستر على بنتك! وكان الاندفاع الصارخ بالكلمات منها دفاعًا عن ابنتها: "أنا بنتي مش معيوبة سامعين!

ضحك "سامر" بإستهزاء كما ضحكت "مروة" بينما تجاهلتها "زهور" وهي تهتف مشيرة بيديها بغير اهتمام: "خليكي كدة خايبة طول عمرك مش فاهمة ايه بيحصل من قدامك ولا من ورا ضهرك! يا ولية محدش باقيلك حتي عيالك! اعقلي واهدي يا زينات وسيبيني اتصرف للمرة الٱخيرة!

"ولا تتصرفي ولا واسيبك بقولك أهو يا زهور ملكيش دعوة بحياتي ولا بولادي ربنا يهديكي وياريت مره تانية تكفي الشر وتمشي انتي وهم أنا مبقتش عايزه اعيش غير على رضا ربنا وولادي غير كده لو هيجيلي مشاكل يبقى بناقص!!! ثم واصلت تكمل بتشنج قبل أن تلتقت: "أنا مش لسه هقف معاكي وانتي بتدمري ابني المرة الجاية كفاية اللي هو فيه! أصله كان ناقص أعمال وقرف!

أمنتك حياتي وبيتي وعيالي واسراري والاقيكي فالٱخر كنتي بتخططي عشان تعملي عمل لابني! ربنا يسامحك يا شيخة! وردت "مروة" بعد كل هذا الاندفاع رد ساخر فظ منها: "هو الواضح ان الشيخ بقا انتي يا خالتي! ضحك الاثنان عليها وظلت "أسماء" تتابع ببسمة هادئة كي لا يندفع عليها أي منهم بينما كانت تترقب بخوف فردت "زينات" على قول ابنة شقيقتها: "اه يا حبيبتي شيخة ومكونش شيخة ليه! عادي! قربت من ربنا وعيني اتفتحت علي الصح مش زيكم!

ربنا يهديكي يا زهور وتفوقي قبل ما تتوجعي فحبايبك زيي! أنا مجربة التعب ومش عايزاكي فيه فوقي لنفسك ولعيالك! وقبل ما تيجي تعايريني او حتي تيجي تطلبي بنتي لابنك بالإجبار روحي حاولي تصلحي اللي خربتيه بين ابنك وطليقته! اللي مشوفتيش منها غير كل خير! لحد امته؟ لحد امته هتفضلي قوية وجبروت كدة؟ وقفت "زهور" تهتف بصوت عالٍ مغتاظ: "قصدك ايه يا زينات يعني أنا هخرب علي ابني! ابن بطني!

حوار أثار ضيق "سامر" الذي تابع حديثهما عليه بصمت في حين نظرت "زينات" تؤكد بعدما اهتزت من نظرة "زهور" المحذرة بقول شئ أو أن تفشي أسرار: "معرفش بقى! كل واحد وادرى بنفسه بس زي ما بتتحمقي على عيالك انا كمان ولادي خط أحمر وملكيش دعوة بيهم!!! إلتزمت "زهور" الصمت عندما رأت نظرة التهديد من "زينات" في حين وقف "سامر" مندفعًا ينهي هذا الجدال بـ: "خـــلاص! خــلصنا بقــا!!

أشار لوالدته بأن تجلس وجلست بالفعل بينما نظر تجاه "زينات" مرددًا بتهكم: "يلا يخالتي شوفي انتي كنتي راحة تعملي ايه! الله يباركلك عندي صداع ولو قومت عليكم لا هعرف اخت من ام ولا خالة مشوا الدنيا بالحب كدة عشان انا دماغي تعبانة وزعلي وحش!!! تركته بعدما نظرت له بتقزز تحت التزام "أسماء" الصمت مع "مروة" بينما حدجت "زهور" ولدها بقوة فأشار لها بجانب عقله بضيق من تهويل الحديث!!!

_جاء الكل من الرجال من المسجد قبل قليل وجلسوا مع بعضهم في جو يحاول من به على جعله مبهج من أجل "غسان" الذي حاول الانسحاب من بينهم لأكثر من مرة ولكنهم في كل مرة يحاصروه بينما هو يشكل له محل الورد هذا عقدة من المفترض بأن يكون لها. هنا الكل عداها هي وهي التي يحق لها بأن تتواجد! تترك له كل شئ كل شئ! زفر بتنهيدة منهكة وحمل "يامن" على ساقه من "حازم".

بينما حاولت "فرح" المساعدة مع "فريدة" وانحنت من على بعد تلتقط بعض الورود وصناديق معينة ثم من بعدها شردت للحظات في حديثه ومقاطعة الكل له في كل مرة استطاعت فهم الوضع وتتأكد شكوكها في كل مره ولكنها ترتبك تتوتر!! أو ماشابه !! أمسكت دورق المياة تقوم بسقي الورد والزرع الٱخر بالداخل غافلة عن عينيه وارادته في النهوض رفع "بسام" رأسه تجاه "غسان" الذي كان يلاعب "يامن" ووكز كتفه مرددًا له بهمس: "ساعدني بقا يا غسان!

عايز اقوم بس مش عارف اقول ايه !! كل مرة حد يجي يفصلني !! حرك "غسان" رأسه يضحك بإستفزاز وقال بجرأة وهو يميل هامسًا: "انت اللي معقدها على نفسك. أقولك؟ قول لـ شادي هو اللي هيساعدك!! شهق "بسام" بخوف زائف وضرب فمه بوجهه وقال ساخرًا بنفس الهمس يسخر من وقاحة "شادي" السريعة في التعرف على الفتيات: "شادي؟ انت عاوزني أخد نصايح من شادي؟ دا بيدخل فالجد علطول وفرح دي إنسانة رقيقة جميلة مهذبه ومحترمة وبنت ناس طيبين!!!

قالها بمرح فحرك "غسان" رأسه بقلة حيلة مع تحريك كتفيه ببساطة يتركه لعقله هنا ونهض بحزم ينظر له بتحدي فتجاهله "غسان" وسار الٱخر نحو الداخل!! أما هي فكانت شاردة الذهن بابتسامة لطيفة، أكثر ما يسعدها هو اقتراب موعد انتهائها من الجلسات. لاحظت انسحاب "وسام" لتذاكر، وتركتها تندمج. وعلى بعد كانت تعمل "فريدة" التي نظرت بتمعن ناحية "بسام" الذي وقف أمامها مقتربًا. من موضع خلفها وقال يسألها بلطف:

"هبقي متطفل وعايز أعرف إيه سر الابتسامة دي؟ خرجت "فرح" من شرودها على صوته فابتسمت بخجل، تلتفت برأسها ناحيته فوجدته يحرك رأسه بقصد ناحية الورد، يلتقط واحدة من ضمن الورود يستنشق رائحتها. فأعتدلت تجيب بصراحة له:

"يعني سرحت شوية مع نفسي كده، وحسيت بفرحة إن الجلسات قربت تنتهي وساعتها هبتدي أخطط لمستقبلي من جديد وأكمل. أنا بحب كليتي أوي وده كان حلمي وعز تعب معايا وأنا كمان تعبت، فأنا مش عندي استعداد أأجل كتير. لازم أكمل والحمد لله طاقتي بترجع وهقدر. بس كده، ده كله سبب ابتسامتي!

أُعجب بعقلها وإصرارها، وتفهم جيدًا هذه الفرحة التي تظهر عليها بالانتهاء من الجلسات النفسية، هو الآخر انتهى منها قبل فترة قليلة وعاش نفس الفرحة. ناهيك عن تغييره وعودته مع إعطاء فرصة لنفسه، لذا انتهى بينما من قبل كان يفتقر هذه الفرصة وأطال الجلوس والذهاب لذلك الطبيب. ابتلع ريقه بهدوء وابتسم بإنجذاب، يصارحها:

"أنت أحلى حاجة فيكي إنك بتحلمي، حتى لو وقفتي فترة بس مبتبطليش يبقى عندك إصرار على إنك تحلمي وتحققي اللي كنتي بتتمنيه وبدأتيه ومكملش. بتمنالك التوفيق حقيقي! ابتسمت "فرح" باتساع وقالت بشكر: "شكرًا! ظل يستنشق الورد كالمختل، وهي بلا رائحة. أخذ من الصندوق ذلك الورد الصناعي بالشكل فقط، وليس الآخر الموضوع ناحيتها. كبتت ضحكتها عليه وقالت تنبهه: "ع فكرة الورد اللي في إيدك ملهوش ريحة. ممكن أعرف بتشم فيه إيه؟

ابتلع "بسام" ريقه بحرج ونهر نفسه، فالحال وقال مبرهنًا يبعد نفسه عن ذلك الموقف المحرج الذي وضع نفسه به: "وأنا قاعد أشم وأشم. أنا لو بشم بودرة مش هشم كل ده! خرجت ضحكاتها العالية بصوت سمعه هو وتاه مرة أخرى. نهر نفسه بحرج وحرك عينيه وشعر بخفقات قلبه تزداد، وقرر إكمال ما بدأه في الأعلى قبل وقت وبدأ يهتف باسمها: "فـرح! همهمت، وبهذه اللحظة ركزت في هتف اسمها. غريب؟

نفضت الأفكار من عقلها وحركت عينيها، وابتسامة وجهها الهادئة لم تفارقها. هنا وهتف يبدأ بـ: "كنت عايز أقولك إني معرفتش أسمع ردك على السؤال. عندك الرد؟ ولا مش حابة تردي؟ وقبل أن تجيب تعمد "غسان" في أن يرفع صوته وهو يرحب بقدوم "عز" الذي أشار لـ "حنان" بأن تصعد هي وهو سيتجه نحو الشباب: "عــز. تعالي يا عزوة تعالي اقعد!

فتح "بسام" عينيه على وسعها، وللمرة التي لا يعرف عددها يقاطعه أحدهم. بينما قصد "غسان" فعل ذلك كي يبتعد شقيقه عنها. اهتز ثبات "بسام" وقال بخفوت: "عز؟ يالهوي عز جه؟ يا فضيحتك يا بسام!!! ابتلع ريقه، هو لم يغفل عن تركيز "عز" معه بقوة وتلك النظرات التي يواجهها بعينيه. حاول الابتعاد مستأذنًا بالانصراف، ولكنه قابل عيني "عز" الذي وجده يبتعد عن شقيقته متوجهًا نحو الخارج.

ابتسم له وهو يرحب به، بينما ركز "عز" بعينيه نحو "فرح" التي هربت منه مدعية الانشغال بسقي الزرع. جلس معهم يتداخل من بين الحديث، ونهض "غسان" بتعب يستأذن للانصراف رغم رفض البعض، ولكنه تحجج بتعبه من قيادة السيارة لوقت طويل. لذا انسحب وصعد معه "حازم" حاملاً "يامن" كي يعود به لوالدته لتبدل ملابسه وتطعمه. وقفا ينتظران المصعد، ومن بين هذا كان سؤال "حازم" مباشر له بحزن على حاله هذا: "انت كويس يا غسان؟

التفت "غسان" برأسه منشغلاً في النظر نحو الصغير ورد رد كان يتوقعه الآخر: "زي الفل يا صاحبي! وبجانبهما على المصعد الآخر وقف ينتظر شخص يخفي وجهه بوشاح رجالي غير الذي كان يرتديه كل مرة. نظر "غسان" بعشوائية ينتظر المصعد مع "حازم" وجاب عينيه وجود هيئة جسد على الأقرب يعلمه.

نظر بدقة، ولم يشغل عقله كثيرًا، حتى أنه لم يركز مع الآخر حيث كان يخفي وجه ولم يعقب. ربما عامل. صداع رأسه الآن هو المداهم له يريد الراحة ولم يحصل عليها ولن يحصل ويعلم هو ذلك. فتح المصعد وصعد بهما، وخرجا الاثنان بعد ذلك حتى ودع "غسان" الصغير بقبلة على وجنتيه يشير له بالتحرك. وأخرج مفتاحه يفتح الشقة تزامنا مع دقات "حازم" على الباب الذي فتح له بواسطة "وردة" هذه المرة الذي اندفع اتجاهها الصغير بعفوية مرددًا اسمها بحب.

ضحكت وهي تحتضنه، ودخل "حازم" مبتسمًا، ورحب بوجود "حنان" التي جاءت تواسي "سمية" وزيارة "عايدة" هي الأخرى. في حين اندفعت "وردة" بسرعة ناحية الداخل وأهبطت "يامن" يسير حتى اندفعت "ياسمين" تقف وهي تلتقطه بعناق شديد تضمه بقوة شقية مرددة بحب ومشاكسة: "حبيب قلب وكبد خالته واللي وحش خالته!! دغدغته أمام الضحكات حتى ضحكت "نيروز" هي الأخرى. وبكل لطافة اندفع "يامن" ناحية "نيروز" مرددًا وهو يحاول الصعود ناحيتها على الفراش: "روز!

ابتسمت وهي تلتقطه بعناق هادئ هي الأخرى. ضمته بحنان، تتخيل قدوم طفلها لتعطيهم كل شيء. كل شيء حتى ما افتقدته هي ستعطيه. نظرن الثلاثة إلى بعضهن بإندماج، "نيروز" في العناق، بينما هي استنشقت رائحته بملابس "يامن" فلمعت عينيها بالدموع تتذكر عطره. بينما هناك عطر أنثوي غريب وشقيقتها لا تضع عطر وهي تقدم على الخروج. لم تمنع قولها في أن يخرج عندما قالت بغرابة هادئة:

"يامن ريحته برفان حريمي يا وردة. هو إنتي بقيتي بتحطي مش كنتي بتقولي حرام؟ نفت "وردة" بتلقائية وقالت تتخلى عن حساسية الموقف: "دي ريحة غسان! عقدت ما بين حاجبيها وعارضت "ياسمين" كعادتها: "فوقي يا بت بتقولك برفان حريمي. حريمي.. تقولي غسان!!! صمتت تعي قولها تحت ترقب "جميلة" هي الأخرى، بينما لم تهتم "نيروز" إلا عندما ثبتت عينيها بسرعة عندما تذكرت "وردة" ما حدث وقالت بعفوية وجهل:

"آه. دي واحدة كده اسمها انجي تقريبا رئيسة الشغل بتاع غسان. كانت هناك في المطعم وسلمت علينا وحضنت يامن يمكن عشان كده، لإن هو محضنش ولا راح لواحدة غيري وغير انجي دي." إنچي مجددًا. برقت عينيها بغير وعي، والوحيدة التي تعلم كانت "جميلة". نظرت بإهتمام نحو رد فعل "نيروز"، بينما صاحت "ياسمين" بإستنكار: "قولتيلي واحدة وغسان آه. فينا من كده بقى. يلا فداهية!!

حدجتها "جميلة" بتحذير، ونادت "سمية" على "وردة" و"ياسمين"، فانسحبا الاثنان بغرابة. وبقت "جميلة" تتابع رد فعلها. كانت ساكنة تكتم الدموع بمقلتيها وفقط. وقالت بخواء تحثها: "ممكن تطفي النور يا جميلة وتاخدي يامن؟ مش قادرة وعايزة أنام!! كانت صادقة عندما دارت عينيها بتعب، وبيأس وافقت رغما عنها عندما وجدت الإنهاك بها. بينما من جهة أخرى جيد أنها جلست وسطهن اليوم.

خرجت بعد دقائق وهي تلاعب "يامن" وأغلقت الغرفة وتركت تلك التي تشبثت بالغطاء تغمض عينيها بتعب. وسقطت حينها الدموع التي كانت تكبتها، وشعور الدماء التي تغلي بعروقها تحاول مقاومته. دافع الشراسة يلح عليها الآن بالأفكار. بماذا إن كانت ترتدي شيئًا ملفتا للانتباه؟ تشاركت رائحتها مع رائحته بملابس الصغير؟ هل هذا حقها؟ تصلبت ملامحها باستنكار واعتلى صوت ينهرها وينبهها بأنها الآن طُلقت منه. باتت منفصلة واختارت الفراق، فلماذا تحزن؟

لماذا تتعب في البعد؟ لماذا تشعر بالغيرة؟ الغيرة التي أوصلتها لرمي التهمة عليه في تخيلها بأنه تودد بالترحيب بها كثيرًا، وكان متلهفًا. رغم أنها تعلم بأنه لم ولن تظهر لهفته وحماسه سوى معها هي وفقط.

ابتلع "حسن" ريقه بصعوبة، وتنفس بصوت مكتوم مترقبًا قدوم أحدهم لهذا الطابق. في حين ما هي إلا لحظة من هذا الخوف الذي انتهى ما إن فتح "سامر" له الباب. نظر "سامر" بمفاجأة، بينما اندفع "حسن" ناحية الداخل يغلق الباب خلفه بصوت منخفض، حتى التفت يزيح ذلك الوشاح من على وجهه. رفع رأسه وعاق نظراته وجودهم، لم يتفاجأ بل تقص عليه "زينات" كل شيء كمحاولة للتقرب منه، في حين لم تسرد عليه طلاق "نيروز" بقصد منها.

رفع عينيه ينظر اتجاههم، ولم يغفل عن عيني "أسماء"، المتلهفة لعودته، بينما هرب هو بعينيه منها كما هرب من قبل بعد فعل معين. في حين تعالى صوت "زهور" بحماس وهي تقترب: "حمد الله على سلامة الغالي ابن الغالي! رفع رأسه ينظر بتفحص لهم، وسرعان ما كان رده عليها بفظاظة: "إيه يا زهور! نزع الألقاب كما يعتاد بوقاحته. ابتسمت تحاول كسبه لصفها، فسوف ينفعها إن ظلت هنا لوقت ولم ترحل. اقترب "سامر" يبتسم، بينما هتفت "زهور" بطريقة زائفة:

"طول عمرك قليل الأدب كده يا واد. تعالى ادخل فحضن خالتك تعالى." أسبل جفنيه لهم، في حين لم يتحرك ووجد نفسه بين ذراعي "زهور" تحتضنه. لم يبادلها العناق، بل خرج بفتور يبحث عنها. وبالفعل وجدها تخرج باندفاع ما إن سمعت صوته. حاولت تكذيب ذلك، ولكنها ضربت صدرها بخوف تصيح بحسرة: "يا مصيبتي! إيه اللي جابك؟ إيه اللي جابك دلوقتي يا حسن!!!! اقترب يتجاهل "سامر" وجلس على الأريكة وأجاب دون النظر لها: "إيه بيتي! كمان مش هعرف أجي بيتي؟

وقفت "زينات" تنظر بخوف تهاب أن يسمعه أحدهم. في حين أراح "حسن" ظهره ينظر بتفحص وابتسم باتساع متهكم بالخفاء: "إزيك يا بت يامروة. لسه جاية تجري ورا بدر ولا بطلتوا الشغلانة دي من زمان؟ استطاع أن يجعلها تغتاظ، بينما اندفع "سامر" يجلس بجانبه وضرب صدره بخفة يحذره في الخفاء: "اهدأ كده يابا وقول هديت، ماشي؟

انفلتت ضحكات "حسن" في الخفاء، دومًا ما يتعمد تجاهل الأخرى "أسماء" كي لا يعطيها أمل بعدما أخذ ما أراده. بينما صاحت "زهور" بشقيقتها بصوت عالٍ تنهرها: "ما تروحي يا ولية تعملي أكل لابنك فاته همدان وتعبان. انتي لسه واقفة؟! قصت عليه ما فعلوه مع شقيقته ومعها. ورغم حنقه من ما وصلت له "فريدة" إلا أنه فاق بغير رضا عن ما حدث وما وصلت له من التقدم على الانتحار بسببهم! رفع رأسه بخبث وقرر التقليل منها عندما أشار لـ "زهور" مرددًا:

"لأ، أنا عايزك تقومي تعملي انتي الأكل! تستند على عصاه، كيف ستفعلها؟ من يفعل هم فتياتها. شهقت "مروة" باستنكار وقالت بتعالي: "انت عايز أمي تقف فالمطبخ تعملك أكل وتيجي تجيبهولك لحد رجلك؟ انت عبيط؟ صمت "سامر" هو الآخر يريد أن يكسبه ناحية صفه في القادم. لذا حرك "حسن" كتفيه ببساطة وأشار بوقاحة يتلمس كتفيها وهو يدفعها لتنهض: "وماله قومي انتي وهاتيهولي تحت رجلي. امك ست كبيرة برضو!

نظرت له بصدمة، في حين حدجتها "زهور" و"سامر" بالموافقة، فنهضت تصيح بصوت مرتفع ترفض: "دا عندك أمك الكلام ده؟ قال اعملك أكل واجبهولك لحد رجلك؟ متعودناش على الخدمة يا عينيا قوم انت أو خلي أمك تقوم ما هي متعودة!!! الغير متوقع هو الآتي. رغم ضجره من والدته ولكنها ساندته وبقت بجانبه في المستشفى ولم تتركه لحظة، وتأكد بأن إن حدث له شيء لم يجد سواها هي! نهض يمسك معصمها بغضب وصاح بصوت عالٍ ينهرها:

"يعني انتوا متعملوش وتوقفوا امي تعملكم وتجبهولكم لحد رجلكم صح؟ انتوا فاكريني ابن يوم فالدنيا دي ولا إيه؟ ولا فاكرين حتى إن أنا عبيط عشان معرفش دماغكم دي فيها إيه؟ ومش امي بس دا اختي كمان من ناحية تانية! واندفع يقترب من "سامر" بغضب: "بقا عايز تتجوز اختي غصب ياض؟

خليتها عايزة ترمي نفسها عشان شوية ناس و**ة زيكم جايين يتحكموا فينا. لا بقا أنا عايزكم تفوقوا كده وتقولوا فوقنا عشان وديني لو حد فيكم اتصرف بدماغه تاني مش هتلاقوا غير حسن!!! ذهلت "زهور" وفتياتها وحتى "سامر" في حين تبدلت ملامح "زينات" للهفة. واقترب "سامر" بهذه اللحظة يقلب الموازين بحديثه: "مع إن لو عرفت اللي حصل هتغير رأيك خالص وهتيجي تبوس رجلنا كمان عشان نساعدك!

خفق قلب "زينات" بخوف وابتلعت ريقها تهاب القادم، بينما ابتسم "سامر" بخبث تحت تبدل ملامح "حسن" للتساؤل، فأجاب "سامر" بما جعله شاردًا مصدومًا: "مش نيروز اتطلقت؟ ابتسمت "مروة" بشر وكذلك "زهور" في حين اعتصر قلب "أسماء" ألمًا، تود انتهاز فرصتها التي ضاعت بسرها في الخفاء بينه! وقف "حسن" مدهوشًا من ذلك الخبر الذي ارتمى على مسامعه. ولم يصمت "سامر" إلى هنا بل أضاف بخبث يهول الأفكار بعقله:

"وبقا قدامك فرصة دلوقتي. بقا سهل أوي تكون ليك!! تعلم "مروة" أمر حملها وكذلك "زهور" بينما لم تتعمد أي منهم قول ذلك، فاندفعت "أسماء" بقوة تبرهن من احتراق ما بداخلها: "بس حامل!!!! ابتلع "حسن" ريقه بصعوبة. ألا يكفي ذهابها لآخر حتى أصبحت حقه بل تحمل في رحمها جنينًا من عدوه؟ نفى بخفوت وتاه عقله مع ضرب "زينات" لوجنتيها بخوف وحسرة. فاندفعت "مروة" تخفي ذلك الأمر المعقد بـ:

"عادي. المهم انها مبقتش من نصيب غسان. أي نعم العدة هتطول بس هتبقي ليك يا حسن. فكر تعرف تاخدها ازاي لحد ما تولد وتخلص وتتجوزها وترتاح بقا بدل المشاكل اللي قايمة ومبتنامش دي!!! "بس خلاص. اسكتوا بقا حرام عليكم!!! صرخت "زينات" بهم كي يقف كل منهم عن ما يفعلانه. أما هو فتاه عقله وعلم أن ربما الانفصال كان بسبب ما فعله. أي وجوده الآن يشكل أكبر خطر لحياته! ولكن من ناحية أخرى كيف سيتركها بعدما حررت من ذمة آخر؟

كل هذا كان حقه هو. حديث بين نفسه مع مراقبة الكل بنظراتهم. لم يتوقع أي منهم انسحابه بهدوء شديد ناحية غرفته المغلقة من فترة دون أن يتحدث بأي حرف لهم. هل ذهب ليرتب أفكاره أم سيفكر بتغيير الحياة لنمط آخر؟ ومن جهة أخرى كيف سيتركها بعدما جاءت له الفرصة على طبق من ذهب؟ وزعت النظرات بينهم وبين بعضهم بتفكير، فأومأ "سامر" لهم للدلالة على الصبر وسيأتي!

بينما هتفت "زينات" بنبرة مرتفعة لهم جميعًا قبل أن تتوجه ناحية المطبخ تعد بنفسها شيئًا لولدها: "حسبي الله ونعم الوكيل فيكم. ربنا ينتقم منكم. امشوا بقا. امشوا!!!

هرولت بعيدًا عنهم بتقزز من أفعالهم التي باتت ظاهرة لها. تجمعت الدموع بعينيها من العجز. الآن هي ليست قادرة على فعل شيء وعودة الأخير بالنسبة لها تشكل رعبًا في حياتها الآن. ما تعلمه هو أنه يقيم بحجرة ما في مستشفى بسيطة. خرج وعاد ثم خرج للمنزل. الخوف الآن يشكل لها من جهتين. هل عاد ليلفظ أنفاسه الأخيرة على يد "غسان" أم أنه عاد ليسحب منها أموال كي يعود لما كان عليه؟

تهاب أفكاره بعد الآن وخاصة أن تعافيه وبدايته هذه غير مبشرة، هو من بيديه العودة لهذا الطريق أو لا. بينما يوجد جهة أخرى لا تفهمها. بماذا يفكر بعد علمه بما تعمدت عدم إخباره به؟ ماذا سيفعل بعدما علم خبر طلاق "نيروز"؟ بدل ملابسه لأخرى مريحة ووقف بمنتصف الحجرة يحاول غلق هاتفه بالكامل حتى قذفه على الأريكة. وقبل أن يتجه نحو الفراش، دخلت "دلال" من باب غرفته وهي تبتسم حاملة له كوب من الليمون بالنعناع.

التفت بوجهه يبتسم لها بهدوء. بينما جلست هي على الفراش تسند الكوب ورفعت ساقها تنتهز فرصة سكونه. وأشارت له قائلة وهي تشير على فخذها: "تعالى! عرض ثمين إذن كي يذهب ليستند بكل ثقله على فخذها فتمرر يديها على خصلاته. حاصرته بذكاء. وعلم مخزاها وتعمدها للدخول دون حديث كي لا يهرب ويجعلها تهرب. ضحك "غسان" بخفة. وحرك رأسه بيأس. ثم قال وهو يتوجه: "هاجي. بس خدي بالك انتي مبتعرفيش تحوري! شاكسته بضحكات هادئة وهي تعتدل

فمال يستند مع قولها المرح: "سيبنالك الحوارات انت وابوك!! ضحك بخفوت. وتوقف بالتدريج عندما شرد بسقف الغرفة أمام نظراتها هي وهي تمرر يديها بين خصلاته. فسألته تخرجه من شروده: "عرفت ان نيروز كانت بتتابع النهاردة! علم رغبتها في فتح الحوار المهلك. بل والحوار المفتوح من الأساس بداخله ولم يغلق إلى الٱن. زفر بصوت يخرج أنفاسه وهمهم فقط. ثم قال بعدها يخبرها بنبرة هادئة: "عرفت بس معرفتش أسأله تحت ومستنية يجي عشان أسأله!

همهمت هي الٱخرى وسقطت بنظرة عينيها تنظر لخاصته بتمعن. وقبل أن تواجهه بالسؤال سألها هو بسرعة: "ليه مروحتيلهاش وروحتي انتي معاها بدل ابويا؟ الأصح هي من يحق لها الذهاب عن "حامد" ولكن بأي وجه؟ ومن ناحية أخرى تشعر بالضيق منها التي تحاول إخفاءه. كل ما يهمها هو ولدها. "مفضتش بس! برهنت بحجة إلتقطها. وشعر بالحزن بداخله ولامها بطريقة غير مباشرة: "فكرتك هتبقي مبسوطة عشان هتروحي تتابعي حاجة فرحت ابنك! ظهر الحزن في نبرته المختصرة

فتلهفت تبرر بسرعة: "لا والله يا غسان متفهمنيش غلط. أنا بس مش عارفه أوري وشي ليهم وحاسة ان نيروز مش هتقبلني أو حتي مكانتش هتقبل تخليني اروح. هي بتحب ابوك اوي وبترتاح معاه! ودافع عن طبيعة "نيروز". معها قائلاً بإيجاز ينبهها بنبرة هادئة: "نيروز بتحبك ومفيش حاجة اسمها مش هتقبلك. عادي حماتها وراحة تتابعي معاها. وعايزك تروحي تشوفيهم عشان تعرفي ميعاد الكشف الجاي. محدش فيكم مضطر يروح معاها. أنا موجود!

التقطت حساسيته. فحزنت عدستيها من موقفه ونظرت له بأسف. وقالت مندفعة: "طب عشان خاطر امك حاول مره أخيرة كدة يمكن الحال يتصلح بينكم يابني!!! التزم الصمت وشعر بالضيق من فتحها لحوار لا يريده. بينما هي انتظرت إجابته. فغيرت مجرى الحديث عندما فقدت الأمل وقالت تخبره: "أنا كمان بحبها وبحب اللي جاي منكم. بس فوق كده عشان قلبي موجوع عشانك يبني!! "معادتش فارقة تحبيها او متحبيهاش. اللي علينا نعمله وربنا يصلح الحال!!

واعتدل في جلسته ينظر لها بعدما جلس بجانبها على الفراش يجيب على آخر جملتها: "وأنا كويس. طمني قلبك وقوليله ميتوجعش!! نهض قاصداً تركها بالهروب وهذه المرة كي لا يضعها بموقف وقح منه لم يتعمد قولها لها بأن تخرج وتتركه. وبعدما عاهد على أن لا تفتح هذه الشرفة التي جلبت له الوجع من البداية فتحها كي يهرب من حديث والدته الثقيل. بعدما حمل علبة سجائره. وقال يخبرها بلطف. بعدما فتح الشرفة ليستطيع أخذ أنفاسه من ناحية أخرى:

"إعمليلي بس كوباية قهوة بإيديكي الحلوين دول لأن عندي صداع! إقتربت بعدما نهضت وقاطعت دخوله بجملتها المهتزة بخوف: "بسّام قايل انك شربتها كتير اوي اليومين اللي فاتوا وانت بتتعب منها. بلاش واشرب الكوباية اللي جبتهالك!! وعارض "غسان" حينها بحزم. يولي لها ظهره: "بسّام مش البخاري. أنا دماغي تعباني ومش قادر. أو متعمليش أنا هنزل أشرب واحدة على القهوة وٱجي!!!

نظر بطرف عينيه ينتظر لهفتها البريئة كي تلبي له غرضه. وبالفعل قالت بسرعة تقطع هبوطة وسيره لأنها لا تضمن رجوعه بالوقت: "خلاص هعملك هنا. بس تاخد بقا علاج ولا حاجة من عند بسّام!

صمت "غسان" يخرج أنفاسه ودخل يشعل بالقداحة اللفافة بين شفتيه. نظر بشوق قاسٍ عليه ناحية شرفتها المغلقة والتي لم تفتح أيضا. ابتسم بسخرية مؤلمة. هذه الشرفة شهدت العديد من الذكريات بينهما. الأماكن تظل وتفي بإخلاص بينما الأشخاص يرحلون. حرك عينيه لأسفل حيث الشارع والطريق. واندفع بجسده للأمام كي يرى هل مازال والده يجلس أم نهض. لم يجد "عز" بالتأكيد صعد مع "فرح" لـ "حازم" ولهم. في حين بالفعل كان "ٱدم" يجلس مع صغار شقيقته وبجانبهم "فريدة" تتذوق الٱيس كريم. ومعهم "بسّام" و"حامد" الذي مازال يمسك مصحفه. واثنان من على بعد يتشاجران. من؟

هل عادت زوجته؟ "شادي" و"منة" التي عادت بمفردها مجددا لتطمئن على "نيروز". بينما تركها ورحل هو دون أن ينتظرها عند والدها. هل كان الشجار على رحيله بإهمال ليتركها مع والدها؟

حرك رأسه من ذلك العبث ونفث دخان سيجارته بشراهة. يحرك عينيه بعشوائية يحاول نفض التفكير بها. يسمع صوت من على بعد. صوت من شرفة خشبية مربعة بعد الشرفة الكبيرة الجانبية التي توجد بغرفتها. ورأس "عز" تخرج بجانب رأس "يامن" وهو يلاعبه. غسان من يستطيع رؤيتهما بينما هما لم يستطيعان بسبب الشرفة التي توجد حائل بالمنتصف. "إتفضلي يا طنط!

قدمت "وردة" الكوب لـ "حنان" التي ابتسمت لها بإمتنان. وعلى بعد كانت تقف "جميلة" بجانب "عز" تبتسم على مداعبته لـ "يامن". وبقت "ياسمين" تنظر ناحية التلفاز بغيظ من تجاهله لها وكأنها هواء. ابتسمت "عايدة" وحثت "فرح" الشاردة بسؤال "بسّام" لها. وقالت تشير لها: "اشربي العصير يا فرح! حركت رأسها تنظر وأومأت فقط. في حين ابتسمت "جميلة". وهي تمد يديها بالكوب ناحية فم "يامن" كي يشرب برفق. تعلقت عينيه هو معها وقال متمنياً:

"تخيلي كدة معايا بتشربي وتأكلي ابننا؟ ضحكت وهي ترفع رأسها تحرك كتفيها ببساطة. واستشعرت فتحه لذلك الحوار أكثر من مرة. أهبط الصغير حتى ركض ناحية "ياسمين" وتركهما. نظر "عز" متفحصًا تقاسيمها وقال مجددًا ينتهز الفرصة: "مش ممانعة يعني نخلف وانتِ بتدرسي؟ كان سؤاله مرحًا يسحب وجهة نظرها بطريقة لطيفة، واستشفت هي ذلك وضحكت بتفهم وعقل:

"مفكرتش فيها دي بصراحة، بس أنا طبيعي هيبقى عندي خوف من إني معرفش أوزن بين مسؤولية البيت والدراسة والأطفال، بس مقتنعة إن ربنا لما بيجيب حاجة بنبقى قدها، عشان كده مقعدتش أقرر إنه لأ. ربنا يسهل يا عز، مالك ملهوف على الأطفال يعني؟ شاكسته بآخر حديثها فضحك بخفة، ناهيك عن إعجابه بحديثها العاقل بالنسبة له. اقترب يميل كي يجيب على مشاكستها بمشاكسته: "معقول يبقى قدامي فرصة أجيب أطفال منك يملوا علينا البيت ومبقاش ملهوف؟

أنا كان نفسي من زمان أوي أعمل بيت دافي وهادي بأسرة حلوة زيك كده مع اللي بحبها وتنفع تكون أم لولادي! ابتسمت "جميلة" بحياء يليق به، وشعرت بتلميحات كثيرة بين حديثه، فأومأت بعينيها وقالت بعمق: "لا شك إنك رب أسرة حنين ويعتمد عليه، يا بخت ولادنا يا عز!! أصبحت قادرة على قول حديث مؤثر عميق، تأثر وابتسم باتساع وقال بمزاح: "بقينا بنقول كلام حلو، وبنعجز بعد ما كنا بنتعجز!!

"انت كلامك هيفضل طول عمره يأثر فيا ويعجزني عن الرد، أنا مبفهمش المفروض أقول إيه، بس أنا بحس إن الكلام العادي مبيبقاش عادي منك، كإني بسمعه لأول مرة حتى لو قولته قبل كده! اختصرت بجهل مشاعرها وابتسم على بساطتها الهادئة، حتى اقترب برأسه يقبل قمة رأسها تعبيرًا عن ردها التي عجزته به دون أن تدري، بينما لم يهتف هو مثلها!

أعين تراقب قبلته لها، وابتسم بسعادة على حنو زوج شقيقته، حتى حرك عينيه ناحية التلفاز بتصنع تجاهل ما تود "ياسمين" فعله، عندما همست لـ "يامن" بأن يقبل وجنتي "حازم". التقط بأذنه قولها وكبت ضحكته وحفظ ملامح وجهه بصرامة. بينما سمعها تهمس له مرة أخرى: "وقوله ياسمين بتحبك! وأضافت: "وقوله كمان عمر ما عيون زرقا تغلب عيون خضرا، كان تاه فيها وغرق الكداب الخاين قليل الأصل الغدار! التفت برأسه باندفاع يردد لها بجمود يحذرها:

"احترمي نفسك! تصنعت "ياسمين" البرود وأشارت بيديها بفظاظة تهتف بلامبالاة: "والله محدش وجهلك كلام، ابن اختي وبكلمه في حاجة سر! نظر "حازم" بقلة حيلة من طبعها، وأضاف يستخدم نفس الطريقة: "تمام، متدخلنيش في أسراركم بقى! اندفعت بغيظ جاد هذه المرة تشير له بعدما وقفت باندفاع: "انت تطول أصلاً! أمسكت أسفل معدتها البارزة بوجع من شدة أعصابها وتأوهت، حتى انتبه هو بسرعة يتلمس جسدها بقلق، فدفعته عنها بكبرياء وقالت تحذره بشراسة:

"وسع كده، ابعد عني! وقف بذهول يتابع تغيرها المفاجئ، وانسحبت هي بمشاعر ضيقة من هرمونات الحمل وشعرت برغبتها في البكاء، فرحلت لغرفتها تتركه واقفًا بذهول تحت ضحكة "حنان" التي تابعت الوضع بينهما، تغفل عن أعين أخرى لمعت بالدموع! تركت "جميلة" "عز"، واقتربت تهمس لـ "حازم" برفق: "معلش يا حازم، روح راضيها واركن زعلك على جنب دلوقتي وبعد كده براحتك، أصل الحمل مغير مزاجها ومخليها مش في أحسن حال!

صمت بسكون ووقف ينظر عندما اقترب "عز" يجلس بجانب "فرح" وسألها حينها باهتمام: "إيه يا فروحة، ساكتة وسرحانة في إيه؟ نفت برأسها وهي توضح: "لا مش سرحانة ولا حاجة! وكان سؤاله المراوغ بجدية يحاصرها به بحزم: "وكنتي بتتكلمي في إيه انتي وبسام تحت محل الورد؟ توترت كما توترت أنفاسها وابتلعت ريقها تبرر بتقطع: "لا عادي مش بنتكلم في حاجة، كان بس بيكلم معايا في موضوع دراستي اللي وقفت!

نظر بصبر من هذه المراوغة التي تبدأ من "بسام"، يعلم أنه ذاق الرفض على يديه ويقدر خوفه من أن يرفض مرة أخرى!! تعمد الصمت وتمنى بداخله بأن لا تشعر "فرح" بشيء بسبب محاولته في التقرب منها دون أي مسمى!! تتحرك بعشوائية من بين دموعها التي تسيل باحتراق منذ أن استنشقت رائحته، يا هذه هل هذا سبب البكاء الأول؟

نفت وهي تنهض بإنهاك تنظر نحو شكلها بالمرآة، وبحالة غير حالتها هذه لقل وزنها، بينما لم يقل بل ازداد، وكان حملها معروفًا من زيادة مناطق معينة بجسدها، الآن تزداد أكثر بشكل منجذب!! ناهيك عن معدتها التي تظهر وكأنها امتلئت بالكثير من الطعام، رغم أنها تعتبر في بداية شهور الحمل. تنفست "نيروز" بصوت مسموع ومسحت وجهها بكفها، تمسك معدتها بيديها الأخرى وكأنها تربت على صغيرها، صغيرها الذي ظلم قبل أن يرى نور الحياة والدنيا!

أيام مرت وهي هي تشتاق لوجهه التي لم تراه منذ آخر ما قد رماه على مسامعها، ومن حينها لم ترى راحة. قلبها يعنفها من فراقه يخبرها بأنها من بدأت الوجع لذا فلتتحمل! ولكن هو، هل تحمل؟ أو يتحمل؟ أم سيتحمل؟ سارت "نيروز" برفق وبطء بمنامتها الهادئة ترفع فقط قبعة السترة على رأسها وحاولت فتح الشرفة التي تركتها مغلقة!!

فتحت بصوت هادئ تحاول تجنب النظر ناحية باقات الزرع التي بقيت وهشمت من حادث "فريدة"، لا تريد هذا السبب لتبكي الآن. هذه الباقات بمثابة شيء ثمين على قلبها الهش الذي يتعلق بالذكريات!! خطت أكثر وتلقائيًا حركت وجهها ناحية شرفته وانتفضت بخفة ما إن وجدت انه يحرك رأسه بنفس الدقيقة ينظر!! تلاقت الأعين بحديث عجز عن الخروج. لم وجهها باهت؟ ولم وجهه باهت؟ لم يراها منطقية؟ هل هذا هو الوجع الذي يظهر على ملامحه؟

أسئلة كثيرة لم تخرج ولكنها ظهرت في العينين. في حين تحدثت القلوب بحديث غلبهما بصمت وكبت كل منهما جملته. "اشتقت لك." "اشتقت لك." وماذا بعد؟ ارتجفت يديها بينما صمت هو بسكون مريب يبتلع الغصة المريرة التي وقفت بحلقه لمدة أيام لم يراها، وعندما رآها هل اعتقد بأن الشوق قد زال؟ بل ازداد برغبته الآن في الاندفاع ليأخذها في ضمته، وهي هي تريد احتواء ذراعيه!

هيهات من كبريائه الذي جعله ينهر كل ذلك. بينما هي ارتجفت وكانت رجفتها بوجع وحاولت التحرك بصمت ناحية الداخل، ولكن أنفاسه العالية أوقفتها عن التحرك، عندما خرج صوته الهادئ يسألها بجدية: "ليه مقولتليش إنك رايحة تتابعي النهاردة؟

أبسط شيء كانت ترسل له رسالة حتى تخبره، حتى وإن لم تود رؤيته أو القدوم لقول ذلك بعد الانفصال، هكذا برر لذاته. سكنت للحظات وحركت عينيها ناحية ملامحه المجهولة عن أي مشاعر تعمد اخفاءها، وبررت هي الأخرى بنبرة مبحوحة من البكاء الذي أصبح أمر دائم معها: "مجاش في بالي! كانت السخرية ظاهرة في نبرته حينما رد بتهكم يخبرها وهو يحرك عينيه أمامه يترك النظر لها: "لا بعد كده يجي في بالك، مش هتقوليلي أبعد عن ابني اللي لسه مجاش كمان!!

ابتلعت "نيروز" ريقها تبتلع سخريته بصمت، فأضاف بخواء: "بعد كده أكون أول واحد يعرف ميعاد متابعتك! شعرت بفتوره ووجعها خواءه تجاه شيء منه، فقالت تلومه بقهر داخلي: "انت حتى مش طايق اللي في بطني من قبل ما يجي!! وتحشرجت نبرتها وهي تسأله بنبرة خانتها: "لحقت امته تكرهني؟ صمت عند هذه الإجابة متحاشيًا. نظر إليها ومرت لحظة ثم التفت برأسه يجيب بقسوة. "لا بكرهك ولا بحبك، انت مبقتيش تهميني خلاص!

تلقت صفعة. صفعة موجعة على قلبها، حادة، شفرة مزقت مشاعرها ثم نزفت داخلها. هل محق؟ لمعت عينيها وأجابت بغير وعي تنفي: "انت كداب! نظر "غسان" لها بتفحص لفترة يشبع عينيه من رؤيتها مع أنفاسها المكتومة التي تصعد من قمة صدرها الذي يعلو ويهبط. وفاجئها مجددا بنفس قسوة الرد السابق: "وحتى لو كداب عمري ما هوصل لكدبك وكدب كلامك وحتى مشاعرك! وأشار على نفسه بسخرية وكأنه لا يعي ما حدث: "تصدقي اني صدقت كدبة إنك بتحبيني؟

و دخلت عليا وبلعتها مع لمون بالنعناع كمان!!! يتشنج وجهها كلما يسخر بوجع أكثر. سالت منها الدموع ورفعت رأسها تنفي بصدق: "بس أنا مكدبتش، أنا بحبك! رفع هو عينيه يرمقها بتشكك ساخر، وسرعان ما حرك رأسه يخرج دخان سيجارته مرددا باختصار جامد عليها: "وأنا لأ" كلمتان حادتان عليها على قلبها. ابتلعت "نيروز" ريقها بألم، مرت يديها على معدتها وشهقت رغما عنها بتمزق، ورفعت رأسها تصارحه بتعب: "أنا كان عندي حق لما قولتلك بلاش نخلف!

التفت "غسان" بجسده ونظر بتمعن ناحية عينيها اللامعة، وخرجت نبرته الهادئة بفتوره المقصود وبهجوم بنفس الوقت: "مكنش عندك أي حق، لإني مستعد وكنت مستعد للمسئولية دي وفرحان ليها أكتر من أي حاجة. اتضحك عليا وكنت مفكر اننا هنستقر ومش أي مشكلة هتبعدنا. بس اللي بعد وباع هو حر. أنا ليا اللي فبطنك دلوقتي وبس، ومش مستعد لما تخلفي يعيش في حياة ملوش ذنب فيها بأب وأم بعاد عن بعض! رفعت رأسها بدهشة وكأنها قاربت على

فهمه وسألته بإندفاع خائف: "يعني ايه؟ لا تعلم بأنه يأذيها الٱن. تخطت مرحلة بأنها من وجعته والٱن يبحث عن كل الطرق ليوجعها بالحديث حتى وإن كان مجرد حديث. ألمه منها لم يزول ولكن كيف سيزول؟ برمي كلمات بمثابة نصل حاد. أخرج أنفاسه وأخرج اللفافة من بين شفتيه وقال بنبرة غمرها البرود الذي تحول للعكس على قلبها: "يعني هتجوز! "ايه!!!

كانت نبرتها مبحوحة مغمورة بالصدمة. في حين ابتسم ببساطة وهو يحرك رأسه يؤكد بهزة منها وفقط. فاندفعت هي وخرجت شراستها بغير وعي وهي تهتف: "انت كداب، انت مش هتقدر تعمل كدة! أعطاها الأقسى في الرد عندما ابتسم بإتساع يقترب أكثر ناحية السور وحرك رأسه بتأكيد مصر وقال: "ليه؟ مش راجل؟ وليا احتياجاتي؟ أكيد لازم اتجوز، أومال هفضل كده! وأضاف بسببه الذي جعلها تندفع بانفعال: "وهعمل كدة عشان ابني يجي وسط أم وأب!

الٱن تذكرت حديث "جميلة" بأنها هي من تنخرط بالوجع بمفردها. أخذت الحديث بمعني ٱخر تماما. إقتربت ترفع يديها وتشير له باندفاع منفعل: "على جثتي لو ده حصل!! عايزني أخلف عشان تاخد اللي فبطني يعيش وسط أم مش أمه، انت مجنون؟ ولا اتجننت؟ مين هيوافقك على القرف ده؟ دا بعينك يا غسان فاهم؟ بعينك وساعتها محدش هيقفلك غيري أنا وبس!!!

هل هذه فطرة الٱم التي لم توضع بها بشدة آلى الٱن أم أنها غلت الدماء بعروقها من حديثه في رغبته من الزواج بغيرها؟ ظل صامتا بشدة للحظات. فوجدها تندفع مرة أخرى بتسرع: "مين اللي اتهبلت فمخها وعايزه تتجوزك؟ مين اللي وقعت فواحد عمره ما هيتعدل وعينه مش هتبطل تبص وتخون؟ ولا انت فاكرني عبيطة ونايمة على وداني ومش عارفه اللي داير من ورايا؟

على الرغم من أنه لم يفهم معنى حديثها ولكنه صمت يشعر بالإنتشاء من هذا الإنفعال رغم قلقه عليها ولكن هذا افضل من الدموع والوجع. رفع عينيه يستمع بتجاهل وسرعان ما أكملت تسأله بحدة رغم كتم الدموع: "إنچي صح؟ سيتزوج من امرأه متزوجة! أومأ برأسه يؤكد بإستفزاز: "ٱه" "ويا ترى بقا حضنتها النهاردة زي يامن. وبرفانها لزق فيك ولا يامن هو اللي حضنها؟

حاولت الثبات أكثر من اللازم بينما لم تعلم أنه تعمد من بداية هذه المقابلة أن يجعلها تقلل من كبريائها بطريقته في سحب الحديث المنفعل منها. لا يصدق أنها وصلت بأن تسأل هذا السؤال والٱن! اعتدل في جلسته ورفع ذراعيه كدلالة لفرد جسدة بتعب وقال يرد عليها بمنتهي الهدوء الشديد: "احنا الإتنين حضناها! واعتدل يردد مرة أخرى بجدية يشير بسبابته: "مع انها حاجة متخصكيش بس جاوبتك!

ابتلعت ريقها بصعوبة وشعرت بإهانتها. كانت على وشك الخروج من الشرفة ولكنها وقفت تقترب على فجأة تود رد كرامتها وظنت أنها ستردها بقولها وهي ترفع يديها تشير ورددت بالمثل: "أنا كمان هتجوز وهعيش حياتـ ...

وقبل أن تكمل رفع "غسان" يديه بلمح البصر يمسك معصمها التي تشير به منذ ان بدأت حديث ودفعها ناحيته حتى اصطدمت أكثر بالسور. ابتلعت ريقها ورفعت عينيها تنظر ناحية وجهه المجهول بملامحه. وحينها مال يهمس عكس ما كان بداخله. فمنذ ان سمع جملتها شعر بقسوة حديثه الشديدة عندما ألقاه عليها دون مراعاة. والٱن تفعل المثل. تتزوج رجل غيره؟ كيف؟ كبت انفعاله وهمس بجانب أذنها ولفحت أنفاسه بشرتها بدفء: "انت ناسية عدتك قد ايه؟

هذا الهمس يؤثر بها لذا حاولت أن تتملص منه وابتعدت بوجهها تبتلع ريقها وحاولت الثبات بعناد وردت: "لا مش ناسية! ترك معصمها ببطئ وحرك رأسه يرد بتأكيد صريح: "وأنا أقدر بعد كلامك ده أعمل أقل ما عندي! حركت "نيروز" رأسها تستفهم بينما اعتدل يكمل مع ابتسامة صغيرة عبثية ليست هينة: "أقدر أردك فثانية لا تعرفي تتجوزي ولا تعرفي تتطلقي. ايه رٱيك؟ مؤذي وحديثه مؤذي! تحركت بعنفوان وتعالت نبرتها بصوت عال تتحداه:

"مش هوافقك على حاجة زي دي. نجوم السما أقربلك!!! "وانا قولت أقدر، يعني كل ده بمزاجي أنا. فمتلعبيش معايا بالكلام عشان متزعليش! إعتدلت بخوف ما ان رأت جديته في حديثه. لم تكن لديه نية واستطاع تهديدها بصراحة كبرى أمام عينيها التي تهزمة لكنه كابر!

تحركت تدخل قبل أن ينوي فعلها مندفع هو وهي تعلم بأنه لم يكن كذلك إلا بقدرتها علي الآستفزاز. ندمت على قولها لحديث مشابه له في قدرتها على الزواج بل تضع نفسها بموقف ليس لديها يد به وهو. هو يسطتيع فعل ذلك وأكثر من ذلك! حرك عينيه صوب جسدها الذي تحرك باندفاع كي تخرج بعصبية غلبها قهرها ووجعها من حديثه السام. واتضح بأنها ليست وحدها من قادرة على أن تؤذي!

هو الٱخر قادر على ذلك. علاقتهما سامة وكل منهم لا يعي اي قيمة للٱخر وبينهما طفل يظلم بسبب عقدهما. سمع صوت إغلاق الشرفة فأخرج أنفاسه الثقيلة المتقتطعة. أزال القناع الظاهر بعدم اهتمامه بينما داخله يحترق. بالوجع والانفعال والشوق وكل المشاعر الذي لا يريد الشعور بها يشعر بها وزاد الضغط عليه بعد رؤيتها الٱن. هل ظننت بأن نيران الشوق ستخمد؟ مختل.

ظن أن من فتحت الغرفة هي والدته لتأتي بذلك الكوب الذي طلبه منها ولم تجلبه إلى آلان، ولكنه فهم مكرها في التصنع بالنسيان. التفت فوجد "بسام" يقترب منه بابتسامة واسعة، وعلى الرغم من أنه الآن يسمع شجار "منة وشادي"، إلا أنه اتضح أن "بسام" تركهما ودخل له.

اقترب يتذكر ضحكتها الخافتة وهروبها من النظرات المتوجهة منه ناحية عدستيها، وتجاهل مقاطعته كالعادة. وهذه المرة كان من شقيقها "عز". أمسك كتفي "غسان" وداره بمرح في الشرفة، وأغمض عينيه بتيهة وقال بنبرة هائمة: "يخربيت ضحكتها! وداره أكثر تحت ضحكة "غسان" على ما يفعله، وحرك رأسه بانتشاء يشرد وقال مجددًا يؤكد: "لأ دا يخربيت ضحكتها بجد مش هزار!!

نظر "غسان" خلفه وحوله بريبة، ورفع كفه يضربه على رأسه كي ينتبه. بينما أصر على فعل ما يفعله وتمسك أكثر وأخذ نفسًا عميقًا وردد بما جعل الآخر يدفعه عنه بقوة: "بحبك يا فرح! انتفض "غسان" بريبة ودفعه عنه تحت قهقهة "بسام" العالية وهو يشاكسه بغمزة عين يسأله: "ايه رأيك؟ انفع؟ بينما سخر الآخر وهو يعتدل ليجلس على المقعد الخشبي، فجلس أمامه "بسام" وهو يسمعه يردد بتهكم: "محسسني إنك محبتش قبل كده ولا قولت بحبك!

على الرغم من أنه أحب "تاج" بصدق، إلا أنها كانت جريئة ولا تخجل بسهولة. تتخطى الحدود الذي لا يريدها عندما تحاول احتضانه أو مسك يديه بالاقتراب منه، وكان يرفض بحزم، مقرراً وقف كل ذلك إلى حين موعد عقد القران الذي رفضه والدها إلى يوم الزفاف. وبشخصية مثل شخصية "بسام" يود أخذ راحته وأخذ خطوة فعل ما يرد فعله بأريحية للبعد عن أي ذنب. بينما والدها رفض!

وهي الأخرى كان مخدوع رغم أن مشاعره صادقة وعين العاشق تخدعه وتستر عيوب المعشوق. أخذ نفسًا عميقًا وسرد براحة في الحديث يوضح له: "لا حسيت وحبيت كمان وحبيت أوي بس ملقتش قصاد ده حاجة مع إني كنت متمسك مكنتش باخد بالي إني مختلف ومش شبهها ولا هي شبهي. كنت معمي بحاول أرضي وبس مع إني مكنتش بتراضى! بس لما فوقت قولت ليه؟ ليه أفضل في مكان مش مقدرني؟ ليه مضطر استحمل وأنا كنت بتأذي؟

يمكن لو مكنتش اختفت كنت فضلت لسه مختوم على قفايا. وعيت وفوقت وحمدت ربنا إني لو كنت فضلت كنت هغير لأسلوب مش بتاعي وطريقة مش بتاعتي وحتى تربية مختلفة عن اللي اتربيتها!! تأثر "غسان" من حديثه فوجده يغير مجرى الحديث، ولكنه أكمل بنفس النهج:

"بس فرح حاجة مختلفة. معرفش ايه الحاجة اللي شدتني فيها. بس ممكن أقولك اعتراف كان عندك حق فيه وحتى دكتور عاصم. أنا خدت بالي منها فوقت صعب وفكرت إني معجب وبحب فضلت مع إني اتحذرت ابعد لحد ما أكون كويس. بس حسيت إني بحبها فوقت مش المفروض يحصل فيه كده. واتشتت في إني بحبها ولا بملي مكان غيرها بيها. بس إتأكدت إني حاسس بحاجة مختلفة محستهاش قبل كده أو حتى حسيتها بس مش بنفس الطريقة. يعني أول ما بشوفها بحس إن ملامحها مريحة للعين. لعيني أنا. بحس إني عايز أجري أقولها تيجي نقعد على الكورنيش ناكل ترمس ونشرب عصير قصب وأحكيلك مشاكلي."

ابتسم "غسان" على آخر حديثه فضحك "بسام" بسعادة على اندماجه وتشتيته، وأضاف يسأل بمشاعر جادة هذه المرة يخاف من حدوث رفض آخر: "تفتكر عز هيوافق لو كلمناه؟ ترقب الاثنان على فتح باب الغرفة بعصبية من "شادي" الذي فتحها يهرب من مواجهتها وصوته العالي مسموع وهو يردد بضيق: "دي بقت حاجة تزهق يا شيخة. يخربيت الجواز واللي عايز يتجوز!!! كادت أن تدخل خلفه بينما وقف ينظر بضيق يحاول غلق الباب بوجهها وهو يشير لها برأسه بفظاظة:

"راحة فين يا برميل النكد؟ ابعدي. ابعدي بقا صبري قرب يخلص ولو خلص هتزعلي!! أمسكت "دلال" كتفيها برفق تحاول بعدها عن المكان، فوضعت يديها في خصرها وقالت بردح: "يعني بعد كل ده أنا اللي طلعت نكدية؟!! عادتهم وأصبحت هذه عادتهم بعد الزواج. كبت "بسام" ضحكته وأبعدت "دلال" "منة" بعد رد "شادي": "أه" "واقسم بالله لعهرفك يا شادي والله العظيم لاجبلك أبويا يتفاهم معاك!! "هاته!

أغلق الباب بوجهها ودخل يزفر بضيق تحت مراقبة "غسان" و"بسام". تهجمت ملامحه وانفلتت الضحكات عليه، فوقف يستند باستنكار يشير لـ "بسام" بتحذير: "متتجوزش ياض" نظر "بسام" على حاله وحال "غسان" الذي أكد له برأسه، فنهض يراقص حاجبيه يكيدهم: "لا هتجوز. هتجوزها وشوفوا بقا ساعتها بسام وهو بيكسر القاعدة ولا هيبقي في نكد ولا غيره!

نظر الاثنان إلى بعضهما ومن ثم تعالت الضحكات بسخرية من هذا الحال وهذا القول المضحك. اندمج معهم لطالما يرى شقيقه الآن يضحك يتلهى عن الوجع.

حملت الصينية من المطبخ ناحية غرفته هو وتعلم أنها محط للمراقبة الآن من شقيقتها وأولادها. اعتدلت "زينات" وحملت ما بيديها وفتحت الباب بعدما دقته دقة خافتة. دخلت تحاول وزن ما بيديها وسندته على الطاولة حتى أغلقت الباب خلفها واستدارت تنظر نحوه وهو يتسطح على الفراش ينظر على سقف الغرفة بشرود. حرك عينيه ناحية "والدته"، وما أعدته ونهض بالتدريج ينفي بنبرة هادئة جدية قليل ما تخرج دون سخرية أو سباب:

"مكنتش عايز أكل. أنا قولت كده عشان أكسر عينهم زي ما حاولوا يعملوا معاكي! شعرت بالسعادة تطوقها، وفهم هو تبدل ملامحها، لذا هرب بعينيه منها وأخرج أنفاسه الثقيلة من على صدره يشرد في ما سمعه من أمر خاص بها وبانفصالها منه. اقتربت "زينات" تجلس بجانبه ولأول مرة يعهد كل هذا اللين الشديد، وظهر في نبرتها وهي تحثه:

"بس أنا بقا قومت وعملت الأكل علشانك وعاوزاك تاكل وتمشي مطرح ما جيت. أنا مش مستعدة يجرالك حاجة أنا مرعوبة حد يجي يشوفك وتبقي ليلة ومش هتعدي يا حسن لو ده حصل! فاندفع برأسه يردد بجمود: "عايزاني أعمل إيه ياما؟ أنا جاي بهرب من نفسي على هنا وهنا مش عايزني. لو مشيت.. همشي بس مش قبل ما آخد منك فلوس!! الآن فهمت تخبطه. الجلوس هنا مرفوض ومن ناحية أخرى إن هرب سيعود لطريق الضياع، ولكن كيف؟ حبست أنفاسها وهي تنفي بلهفة:

"لا والنبي يا حسن ارجع مطرح ما قعدتك وبلاش ترجع للي كنت فيه أبوس إيديك أنا مصدقت حرام عليك يبني. أنا نفسي تبقي كويس وتبدأ من جديد. مش شايف آدم اتغير إزاي؟ نفسي تبقى زيه!! لمعت عينيه بطريقة غريبة ربما سيبكي! حاصر نفسه وخرجت نبرته الضعيفة يبرر لها: "آدم كان يستاهل الفرصة دي من زمان. لكن أنا لأ. هو كان جنبه ومازال جنبه ناس يسندوه. قوليلي كده مين فيكم سندني؟ مين فيكم وقف جنبي؟

بينا فرق السما والأرض. بتقارنيني بواحد مكنش ليه في أي حاجة وأنا اللي سحبته لكل ده. آدم مكنش شبهي من الأول ياما. أهله احسن مني بمراحل وكان عنده حاجات كتير تمنعه يروح للطريق ده. لكن أنا كل حاجة حواليا ودتني وهربتني ليه؟! نزلت دموعها وأمسكت كفه بلهفة توضح له بوجع:

"أنا جنبك يا حسن. أنا أمك وعمري ما هسيبك وهقف أساعدك لحد ما تكون كويس. انت لسه قدامك طريق ودنيا وحياة. متضيعش نفسك بدري عشان خاطري متوجعنيش فيك يا حسن. كفاية وجعي في أختك ووجعي غصب عني في أبوك!! "مبعرفش أهرب غير للكيف وبس! قالها مع سحب كفه من بين يديها وأكمل دون أن يعطيها الفرصة تسأله بحزم ومحاصرة: "مقولتليش ليه إنها اتطلقت! دب بها القلق من نبرته، وابتلعت ريقها تفسر بخوف مكبوت:

"علشان خوفت عليك ومنك، وخوف من غسان عشان لو عرفت كنت هتجري تيجي ولو كان مسكك المرادي مش هضمن يسيبك حي! إعتدل يغلق سترته ولوى شفتيه بتهكم حتى نهض يقف وقال ساخراً: "أومال لو عرفتي إنها اتطلقت بسببي!! شهقت رغم أنها لم تفهم إلى الآن سبب اندفاع "نيروز"، ولكنها الآن علمت، ووقفت أمامه بريبة وسألته بحسرة: "ليه كده يبني! "حقي" وببساطة أجاب فنفت تخبره بالحقيقة الموجعة بالنسبة له:

"لا مش حقك ولا عمرها كانت من حقك ولا من نصيبك، حرام عليك تخرب على واحدة عايزة تعيش حياتها بهدوء من غير مشاكل، حرام عليك عشان البت حامل وحياتها اتخربت بدري! نيروز متستحقش ده يا حسن، سيبك منها وتعالى أختارك واحدة أحسن منها بمراحل، اسمع بس كلامي وأجوزك ست ستها بس هي لأ، هي مش نصيبك ولا عمرها حبتك! إنفعل من كلماتها وإندفع يشير برمي اللوم عليها هي وعلى والده:

"كله بسببك انتي وهو، محبتنيش عشانكم وعشان كل اللي عملتوه فيا وفيها، انتوا اللي خليتوني كده لحد ما كرهت الدنيا وطلعت هي وكرهتني وحتى انتوا كرهتوها فيكم وفينا! وآقترب بحالة غير وعي يشير بيديه أكثر بإنفعال: "قوليلي امته أنا كنت اتكره؟ امته اتحبيت من حد أصلاً؟ ضحك بألم ينفي برأسه وقال بما وخر قلبها وشعرها بالندم:

"اكيد مش هتقولي عشان أنا بقيت كده بسببكم وبسببك انتي، طلعتيني كاره كل حاجة وكل واحد حواليا، طلعتيني أبقى كاره الخير لغيري ودايماً أقعد أقارن، خلتيني مريض مبحبش الحلو لغيري وأناني، عايزاها تحبني وأنا كده؟ بلاش ده، دا أنا حتى طلعت كاره بنتك وخلقتها، ليه أوصل لكل ده؟ ليه معرفش أخد صف اختي أو أشوف حصلها إيه؟

دا أنا مغصوب كل ما اشوفها مبقاش طايق أي حاجة ولا طايقها زي ما اتعودت، رجعيني بقا. رجعيني سوي عشان أبطل أذي وأبطل حتى أحبها وأحب حاجة مش بتاعتي! سالت دموعها بعزارة، ونفى برأسه بإستهزاء من رد فعلها وضعفها الآن، تلقي الآن حديث ليس أوانه. أم أنه يبرر شره وحقده بقلب الوضع عليها هي؟ إعتدل بوقفته وسار ناحية الباب ليفتحه فخرجت نبرتها الباكية تسأله بضعف: "طب انت رايح فين دلوقتي؟

تعمد تجاهلها ولم يرد، بل فتحه ووجدهم مجتمعين أمام باب الغرفة، طالعهم باستنكار وقال ساخراً منهم: "اخدتوا راحتكم أوي في بيت مش بيتكم! رفع رأسه ينظر تجاههن وأشار بيديه بفظاظة: "سمعتوا الكلام اللي قولته سري ولا سمعكم مجبش دي كمان؟ ضحكت "مروة" عليه وقال "سامر" متهكماً: "دمك خفيف يا أبو علي!

سار بعدما رمقهم بتقزز، وتركه "سامر" يشعر بتشتته، يخمن بأنه سيعود مجدداً بعدما يفكر بالأمر، بينما سارت "أسماء" خلفه وقطعت طريقه تسأله بنبرة هادئة قليلة، فمنذ فترة كبيرة تنتظر فترة رجوعه فقط تتمنى لحظة واحدة لتراه كي تخرج ما بها من حديث يجهله الكل حتى وإن علموا أنها تكن له حباً، بينما لم يكن كذلك وفقط! "رايح فين يا حسن؟ رمقها بطرف عينيه وقال بخشونة يصدها بتبجح أمام الكل: "وانت مال أمك وأهل أمك؟ هتصاحبيني؟

آقترب "سامر"، بإنفعال يمسك ياقته بشرر وقال منفعلاً: "ما تخف يا روح أمك بدل ما أعلمك الأدب! دفعه "حسن" عنه بقوة حتى عاد "سامر" إلى الخلف بينما ردد الأول بفظاظة دون حرج أمام الأعين: "علمهم الأدب الأول يالاا وبعد كده تعالالي!! قصد "مروة" وبالأخرى الذي بينه وبينها سر كبير لا أحد يعلمه، وإنتهي بسبة اعتراض خرجت من بين شفتيه. فإندفعت "مروة" تردد بدفاع: "إحنا محترمين غصب عن عينك يا مقرف انت!!

"طب بعد إذن الاحترام قولي لأختك تحل عني عشان أنا مش شايفها أصلاً، وبالنسبالك يعني فمنصحكيش لسه بـ 'بدر'، الصراحة مراته أحلى منك دا فـ ريحي بقا! وقفت "زهور"، تنظر له بحزم وقالت توقفه عند حده: "انت زودتها أوي يا بن زينات! "اسمعي نفسك بتقولي إيه وانتي واقفة فبيت مين!! رددها بسخرية، ولم يعطيهم الفرصة للرد بل أشار بيديه قائلاً: "عيلة بتحب وجع الدماغ، أنا ماشي وسايبهالكم.. سلام!

وأغلق الباب خلفه تاركهم ما بين الشعور بالقهر والكسرة والخذلان من "أسماء وزينات" وما بين مشاعر حقودة مغتاظة مكبوتة بانفعال تنتظر لحظة ضعفه واستسلامه! أما هو فلم يهاب بهذه اللحظة عندما اخذ أنفاسه وإقترب من شقة "سمية" يدقها ويدق جرسها، ود الآن الحديث معها بعد علمه بما حدث، ود التصرف بنفسه يتخلى عن تهديد الآخرين وشماتتهم، فتح الباب بواسطة "حازم" الذي ما إن نظر له تحولت ملامح وجهه للصدمة!

بينما وقف "حسن" بسكون مريب تحت شهقات من بالداخل، وأخذ نفساً عميقاً يسأله بإسلوب رفيق كي يستطيع تحقيق ما أتي له: "إزيك يا حازم! دفعه "حازم" بسرعة ناحية الداخل قبل ان يخرج "غسان" ونظر له بملامح متشنجة يسأله: "انت كنت فين وجاي ليه هنا دلوقتي؟

لم يغفل عن حديث "نيروز لـ 'زينات'" لذا توقع بأنه سبب الطلاق مثل المرة السابقة، ابتلع ريقه ونظر نحو ملامح "جميلة" المترقبة بتوتر ووقوف "عز" بغرابة يتابع، في حين ترك "حسن" شقيقه واقترب من "سمية" تحت فتح باب غرفة "ياسمين" التي خرجت منها ومع "وردة"، التي تحاول مراضاتها وأخيراً خرجت! تصلبت أجسادهم وهما يران شخص ليس من الجيد قدومه وبهذا الحال! رفعت "سمية" عينيها هي و"عايدة" تحت مراقبة "حنان" وتحرك هو أكثر

تجاه الأولى يسألها برفق: "أنا مش جاي أعمل حاجة ولا ناوي أذي، أنا عايز أشوف نيروز بس خمس دقايق!!! صمتت رغماً عنها وتفاجأت بـ "ياسمين" تقترب وهي تهدر بإنفعال به: "انت جاي ليه؟ امشي اطلع بره!!! وأشارت بيديها تهدده: "بـــره بدل ما أعرفهم إنك هنا! إقترب "حازم" ينظر له بينما كان هو على مشارف الترجي ليراها! في حين تعلقت عينيه بعيني "جميلة" وكأن الدماء قد حنت شملها بعينيها ولاحظ وجود "عز" فسألها يحاول محو مشاعر البغض والحقد:

"إزيك يا جميلة! لأول مرة تعهد منه اللين، ما يجعله يزداد بهذه المشاعر هو صد الآخرين له فيتوقف! لمعت عينيها بدموع غمرها الحزن على حاله، وكالعادة أرق ما في أشقائها كانت هي، هي الوحيدة التي ذهبت لوالدها كي تراه شوقاً، والآن شعرت بما يشعره رغم وجود مشاعر الضيق منها تجاهه، ابتلعت ريقها وجاهدت على خروج الحديث بينما لم تقدر، في حين سأل مجدداً عن "فريدة": "فين فريدة؟ استنكر الكل أسئلته، فخرجت نبرة "سمية" تجيبه بعقل:

"لو سمحت امشي يبني، الحال مش ناقص يتعوج، كفاية اللي جرا، امشي والله يصلح حالك بعيد عننا! إعتدل ينظر بعينيه هذه المرة. نظرة الترجي كانت واضحة عندما أصر بقوله: "خمس دقايق بس وأوعدكم همشي بعدها علطول! وقف "حازم" عاجزًا، متشتتًا، إن انفعل عليه الآن سينقلب الحال بشدة، وسيدخل الآخر الذي ينتظر عودته ورؤيته، رغمًا عنه يشعر بالخوف على شقيقه! وخاصة الآن عندما وجد على ملامحه التعب والتشتت لأول مرة بحياته!!

ناهيك عن ملامحه وجسده اللذان يثيران للشفقة من كل عين تترصد له وتنظر ناحيته! وما الذي أوصله لهذا الحال؟! "قولتلك امشي اطلع بره، إيه مبتسمعش!!!! وإقتربت "ياسمين" أكثر تشير له بفظاظة وتحذير: "أختي لأ، ومش هسمحلك تقرب منها كفاية اللي هي فيه أوي! صمت "حازم" بعجز، والهموم تثقل دون أسباب محددة، في حين اقترب "عز" هذه المرة ينصحه بهدوء شديد دون أن يرفع نبرته، وعلم جيدًا موضع "حازم" الآن:

"إمشي يا حسن وبلاش مشاكل، نيروز مش مستعدة تقابل حد عشان تقابلك، الوضع مش أحسن حاجة، وسامع إن غسان مقرر ميسيبكش من ساعة آخر مرة كنت هنا يوم موت أبوك! بالطبع لا يعلم ما حدث بينهما، هل هذا ما يعلمه البعض؟ نظر بتمعن له وتشنجت ملامحه بكره للشبه الذي جاء له ودمر حياته أكثر ما كانت مدمرة!! الشبه الذي بينه وبين "شريف"؟

أحيانًا يكره الآخر الشبه بسبب هذه النظرات الذي يتلقاها منهم، خاصة "فريدة"، شعرت "جميلة" بما يحدث، فاقتربت تردد بترجي وهي تقف بجانب "عز": "علشان خاطري يا حسن تمشي، أنا عارفة اني مليش خاطر عندك بس معلش اسمع كلامي المرة دي وحاول تقبلني!! الآن يرى شخصًا يتجاهله بأن يقبله، لا يعلم لماذا هي التي يشعر تجاهها بالحنو الآن! وليس آخر!

فترك "حازم" ويبغض "فريدة" وهي لم يتواجه معها بشئ على الرغم من مشاعر الكره ولكنه لم يستطع أن يعانق والدته! لم يستطع مسامحتها، الآن يرى أن هذه ظلمت مثله تمامًا، لم تقدم على خطأ بحياتها مثل الأخرى ومثله ومع ذلك ظُلمت!! وحتى مشاعره تجاه "حازم" كانت غيرة وبغض، يكرهه لأنه المقرب من والده طوال حياته، يحترمه والده ويأخذ بقراره ويسير وراء رأيه، وكان هو المنقذ لشقيقته بما يحدث أمامه!

ترقبت "فرح" بخوف، في حين انتظر الكل بالنظرات رد فعله أو حتى قوله بإجابته!! ولكنه الآن يريد عناق، أي عناق لم يحصل عليه، لا يفهم هذه المشاعر ولكنه رفع ذراعيه يضم "جميلة" ناحيته ببطء، تصلب جسدها وهابت الأنظار بفقدان ثقة به، بينما لمعت عيني "حازم" بجهل لما شعر به الآن، ووقف "عز" ينظر بقلق داخلي قد دب به، لا يثق به هو الآخر ولكنه تركها عندما شعر بتراخي جسدها بين ذراعيه، همس لها بطلب لم يطلبه طوال حياته: "أحضنيني يا جميلة!

لم تلبي غرضه ولكنها لم ترفض ولم تحرر نفسها بين ذراعيه بل بقت وارتجفت أوصالها بتأثر عندما طلب منها بنفس الهمس الضعيف يترجاها: "ضُميني عشان خاطري، أنا محتاج حضنك!

لبت غرضه هذه المرة بغير وعي وضمته بذراعيها بشدة، فأسند رأسه على كتفيها، تأثرت "فرح" و"وردة" و"عايدة" و"حنان" من هذا المشهد ولمعت أعينهن بالدموع، في حين حبس هو دموعه كي لا تقع وتلاقت عيني "عز" و"حازم" بغير فهم من طرف وتشتت وتيهة من طرف آخر، أخرجها "حسن" من أحضانه بعدما همس لها بشكره، فخرجت تنظر له بتمعن، وإلتفت بوجهه يطلب من "سمية" مجددًا: "خمس دقايق بس وأوعدك اني مش هعملها حاجة! "هو انت متخلف ولا عقلك تعبان؟

بقولك اختي مش هتقدر ومش مستعدة وملوش لازمة أصلًا، عايزها فإيه؟ ولا انت فاكر بقا اننا هنوافق بعد الشويتين دول!!! ماذا يريد؟ نظرة! أخذ أنفاسه واستجمع "حازم" نفسه وقال بعدما اعتدل يقترب منه: "مينفعش يا حسن، امشي لإن كفاية مشاكل كده، روح عند أمك أو ارجع المستشفى بالمكان اللي كنت فيه، أنا مش عايز غسان يطولك ولا عايزك تطول نيروز فنفس الوقت!

ابتلع "حسن" ريقه وحاول الإصرار قبل أن يرحل في حين رفع عينيه حتى كادت أن تخرج نبرة "عايدة" بنفس الطلب، بينما الغير متوقع هو فتح باب غرفة "نيروز"!!! وما أن وقعت عينيها عليه وهي تتمسك بالباب، فتحت فاهها بمفاجأة من وجوده، أما هو فألقى عينيه عليها بتفحص، حركت رأسها نفيًا، ووقفت متسمرة بمكانها بينما لم يعِ هو أن خطواته تقترب منها حتى بات قريبًا لها ولوقفتها وخلفه الكل يترقب، وأول شئ كان قد قاله هو اسمها: "نيروز" ماذا بعد؟

رفعت عينيها الساكنة ببوادر غضب شديد لم يظهر بعد، تخلت عن الخوف ما كانت تخاف عليه وتهابه قد رحل وتركها، الأصح هي من تركته، وهذه نقطة جديدة وسر لم تفصح عنه بأنها تخلت وتركته للمرة الثانية من أجل شر ذلك الذي وقف أمامها، وعلمت بأنها إن استمرت بهذه العلاقة فنهايتها هو موته! موت أحد الشباب على يد أهوج ومختل تارة وتارة أخرى شخص ساكن لا يريد إلا هي، هل هذا مرض أم نقص؟ تحدث مرة أخرى وأردف بإنهاك يتأسف:

"أنا آسف، أسفلك اني عملت كل ده ومشيت وسيبتك! هل الأسف على ندالته وتركه لها منهارة وهو بين ذراعيها بدماءه وثالثهما الرجل؟ هل يتأسف على ذلك وفقط؟ لم يتأسف على خراب حياتها الذي كان سببه؟ ابتلعت ريقها ونظر الكل بتمعن لها، بينما رجعت هي إلى الخلف بصمت تدخل فتخطي عتبة الباب، اقترب "حازم" و"عز" خوفًا من أن يغلق الباب ويحدث تهورًا ولكنها...

على فجأة رفعت "نيروز" ذراعيها ودفعته بعيدًا عنها بقوة، عنفوان شديد وهاجت أعصابها حتى التصق بالحائط ورفعت سوارها بشر شديد تهتف بإندفاع صارخ به: "انـــت جـــاي ليه؟ ها؟ جاي ليه؟ جاي تخرب حياتي اللي اتخربت بسببك؟ أنا هقتلك، اقسم بالله هقتلك، أنا مبخافش منك، معتش بخاف منك سامع؟ أين كان رد فعلها ذلك في المرة السابقة؟ أم أن حالتها بالمقابر لم تسعفها لشئ كهذا؟

حَبست أنفاس الكل بصدمة، بينما اقترب حازم وعز وهرولت سمية بخوف مع وردة للداخل أكثر. أما هو فبقى ساكنًا، ولمعت عينيه مرددًا بضعف أمامها: "اعمليها، اعمليها يا نيروز وريحيني، أقسم بالله أنا اللي راضي أموت على إيدك واترحم من الدنيا دي، أنا مش عاوز حاجة منها غيرك، بس حتى انتي مش عايزاني!! تعالت أنفاسها وحاولت التحلي بالثبات بينما أكمل هو:

"قدامي فرص بس مش عايزها، ومش هشوفها غيرك بقبولك، عشان خاطري وافقي عليا وأنا هبدأ من جديد، أنا كرهت وكاره حياتي، انجذيني منها أبوس إيدك، أنا بحبك!! حالة اللاوعي مرة أخرى، أدمعت عينيها وتراخت يديها تنفي بوجع، وقالت بنبرة هشة ضعيفة:

"انت دمرتني، دمرت حياتي من قبل ما اتجوز غسان ومن بعدها، عاملي رعب مراحش، دايما ملازمني امته هتيجي وتاخده مني بالموت، أنا سيبته بسببك انت، واتقهرت بسببك انت بردو، ليه مش عايز تسيبني فحالي، أنا مبحبكش، مبحبكش إفهم بقا، وانت مش هتتغير عشان حد، اللي بيتغير بيتغير عشان نفسه وبس!! تعالت أنفاسه أسفل يديها التي تراخت وسرعان ما شددت بمسكها أسفل عنقه تحت صدمة الكل وجسدهم الذي تصلب، وأضافت تلك المرة بصوت عالٍ صارخ:

"انـــت عـــايز ايه؟ عــايز ايــه مني بقــا حرام عليك!!!! واقتربت بملامح متشنجة حتى تأوى من ضغط النصل الحاد على رقبته فاندفع حازم وعز يفصلانها تزامنا مع صراخها العالي: "ملـــكش دعـــوة بحيـــاتي، ملكــش دعوة بيا، إبـــعد عــني!!!!

توجع ولم يدفعها، كان مستسلمًا رغم شعوره بأن طبقة سطحية قد خُدشت قبل أن تتعمق. فصلها حازم بقوة تحت بكاء جميلة وفرح التي هابت المشهد، وانتفض الكل عندما صرخت نيروز بصوت عالٍ منهار كادت أن تقطع أحبالها الصوتية وهي تصرخ بعلو تحاول النيل منه. أما هو فاختنقت أنفاسه. اندفع الكل ناحيتها بينما تصمم هي فأحكم حازم فصلها عنها حتى رُفعت قدميها عن الأرض بسنتيمترات قليلة. واندفعت جميلة بهذه اللحظة تفتح الباب بسرعة وهي تحث حسن على الهروب قبل مجيء أحدهم.

بنفس ذات الوقت تعالت صراخها أكثر، وكان هو بداخل الغرفة ولم يتركه شادي وبسام. ومن بين الحديث الذي يتابعه بصمت اخترق سمعه صوتها. سمعه وحده. رفع غسان كفه يشير لهم بالصمت وترقبت ملامحه وهو يستمع حتى انتفض من على الفراش بسرعة البرق ما إن اخترق صراخها العالي الذي ازداد سمعه وربما سمعهم هذه المرة عندما انتفضوا بعدما هتف باسمها يخرج بسرعة من الغرفة ليتجه نحو شقتها: "نيروز!!!!

هتف إسمها بخوف وركض بسرعة ناحية باب الشقة تحت ركض البقية. بينما بهذه اللحظة خرج حسن يهرول على السلم سريعًا بعدما سحبته جميلة بخوف تحثه على الهروب. فتح غسان الباب بسرعة ولم ير أمامه سوى صراخها دخل مهرولًا ناحية الداخل وخلفه البقية حتى دلال ووسام ومنة. بينما في الداخل ظلت تصرخ نيروز بانهيار شديد تحاول دفع الكل ببكاء صوته عالٍ. وعجز حازم وعز وشقيقتيها وحتى النساء عن مواساتها. بينما هي تبكي بشدة وبكت ياسمين وردة من هذا

المشهد الصعب. وجعت قلوبهم وهي تتحرك بعنفوان بين يدي سمية وياسمين وحازم. ووقف البقية بصمت عاجز مع خوف وملامح مصدومة. ركض ناحية الداخل وهي مازالت عند هذا الصراخ وقف مصدومًا وابتلع غصة مريرة بحلقه من انهيارها هذا. انهيار عصبي بمثابة موت قريب. أحيانًا ما ينتهي الانهيار بالموت. ابتلع غسان

وصاح يهتف باسمها بخوف: "نيــــــروز! اختنقت نبرته ووقف بسام بقلق وكل منهم لا يسمع الآخر بسبب صراخها وبكاءها الشديد. بينما هي تستمر في التحرك تحت حثهم على أن تهدأ ولم تفعل. تحرك بسرعة يعي ما يحدث وفتح الباب أكثر يشير لبسام وشادي ففهما على الفور. بينما هو هرول سريعًا يدفعهم عنها وهتف بخوف وتقطع يحاول سحبها داخل أحضانه: "نيروز.. أنا هنا.. أنا جنبك متخافيش!!

كان قوله مرتفعًا بينما سحب شادي وبسام الكل ناحية الخارج وانتهت بغلق شادي الغرفة. وحاول حازم منع ياسمين باندفاعها بخوف وكذلك فعل المثل عز مع جميلة. بينما جلست سمية تبكي بحيرة وهذه المرة احتوتها دلال بين ذراعيها تحت ركض البقية وهم يدخلون من باب الشقة أثر هذا الصراخ. من حامد وادم وفريدة وصغار شقيقة الثاني.

ضمها وهدأ الصراخ تدريجيًا عندما همس لها بضعف وعينيه تلمع من هذه الحالة التي لبستها. تعالت أنفاسها فردد مجددًا بكلمته الذي كررها كثيرًا: "أنا هنا أنا جنبك متخافيش!! "أنا غسان، أنا معاكي أهو!

كلماته خرجت بوجع. تلك المرة سالت الدموع منها وهي تئن بضعف وتشهق بتمزق حتى ربطت ذراعيها خلف ظهره بغير وعي الآن تشعر بأنها تحلم. بكت بصوت وفاض بها كل شيء الأشياء التي رحلت الآن معها عقلها يستعيد كل شيء حتى بكاءها في ذلك اليوم التي وعيت به أن والدها قد رحل. واليوم التي رددت له بأن يفارقها بالطلاق للمرة الأولى ثم بكت وعاد توسلها بخوف في أن لا يتركها وهو على فراش الموت بأيامه الأخيرة. ثم كلمة طلاقها التي رددت منه. الأركان

تضيق حتى بخيالها وخيال عقلها الذي يعتبر حقيقية موجعة. شهقت وهي تتشبت بملابسه بألم فشدد هو وبكى هذه المرة عليه. سالت دموعه عندما سمعها للمرة الثانية في أوقات ضعفها تئن باسم والدها وكأنه البطل الحقيقي بحياتها لم يكن قبله ولم يأتي بعده. ثم باسمه هو مرارًا وتكرارًا. يعلم أن كل ذلك ثقل عليها بينما هو. ما الذي لديه.

هتف بضعف وهو يضمها أكثر: "أنا مش بعيد أنا أهو والله العظيم معاكي.. متخافيش!! وكأن كلماته تُسكنها تدريجيًا عندما ظل قرابة العشرة دقائق يهمس بنفس الهمس يحاول التماسك في عدم ظهور ضعفه. قلقه وخوفه جعله يركض لها كيف يستطيع العيش بدونها وهي. هي لم تهدأ إلا معه هو. ولكن لما يوجع الاثنان نفسهما. يصر على الوجع كما تصر هي. ولأنها بحالة غير وعي كاملة همست قبل أن تذهب في سبات عميق وهي تستند على صدره: "متسبنيش!

كانت لديه القدرة رغمًا عنه في تركها. بعد ذلك لم تعي أي شيء وانتظمت في أنفاسها. بينما هو في حالته هذه يتخبط ولكن وجع كرامته يغلب. وأصبح يغلب بعدما يتخطى لها كل مرة في مثل هذه اللحظات. يتأكد من أنه عندما تعي ستستنكر كل ذلك وهو أيضًا لم يصر على أن يعودا. كانت لحظة انتماء. رد الأمان. وكيف الأمان بدون ذراعيه واحضانه الدافئة. كابر كما تكابر وستكابر. مرر يديه على خصلاتها وعانقها عناق أخير ومسح وجهه ببطء. يُعدل وضعية نومها على فراشها وفرد ساقيها برفق حتى التقط الغطاء ليضعه على جسدها. جسدها الذي ظهر أمامهم. وخصلاتها المكشوفة بأغلب الوقت. توقف سريعًا بقلق عندما لاحظ جرح قدمها.

جهل عن هذه العقبة وتقحصه بسرعة بأنامله إلى أن أغمض عينيه بتعب وخمن احتمالية سبب جرحها آنذاك. غصة مريرة بالحلق والقلب. تهلكه بأفعالها وأقوالها وجروحها ومع ذلك لا يستطيع كرهها. اعتدل برفع الغطاء على جسدها وساقيها المكشوفة. وثبت عينيه عند كفها الموضوع بتلقائية على معدتها البارزة بشكل ضئيل ليس ظاهرًا بشدة.

ابتسم غسان بوجع شديد وانحنى بإنهاك يقبل كفها ومعدتها التي تحمل بها طفله. ورفع الغطاء بعدها واستقام بكبرياء يقرر تركها الآن. تركها لعودة الحال مثل السابق. تاركًا دمعته التي هبطت على كفها. وفتح الباب بهدوء شديد ثم أغلقه خلفه بحرص. فاندفع الكل ينهض وسألت سمية بنفس وقت سؤال ياسمين: "بقت كويسة؟ أومأ غسان يشملهم بنظرته من تجمعهم هذا وقال يخبرهم باختصار هادئ: "نامت"

قرروا تركها كي تنعم بالراحة. بينما وقف ينظر في الوجوه جيدًا ولاحظ وقوف البعض وجلوس آخرين بأعصاب مفقودة. فواصل بعدما حرك عينيه من على والده وثبتها ناحية سمية وياسمين وردة وسألهم بجدية شديدة: "ايه اللي وصلها لكده؟ تحولت النظرات نحو وجوه بعضهم والتزمت عايدة الصمت مع عز وعائلته وجميلة. بينما اقتربت فريدة.

تنتظر الرد مع "آدم" والبقية. نظر "بسام" نحوهم باهتمام وانتظار. ولأول مرة، صمتت تلك الشرسة. هنا، صمتت "ياسمين" من أجل "حازم" وشعرت به وبوجع موقفه. بينما لم يتحمل "غسان" الانتظار، بل واصل بنبرة أشد من السابق: "أنا عايز رد على سؤالي، إيه اللي وصل نيروز للحالة دي؟! شعر "حامد" و"دلال" وشقيقه وحتى شقيقته بنبرته التي خرجت حادة عليهم بنظرة ثاقبة. بينما خرج صوت "ياسمين" تسأله بمتنتهي الهدوء والثبات بعدما

رفعت يديها تمسح وجهها: "بتسأل وعايز رد بمناسبة إيه؟ "طليقتي! وكأن قوله لا ينقصه تبجح من كثرة تبجح الإجابة ذاتها. اغتاظت "ياسمين" من قوله وقالت هذه المرة بحدة: "انت شايف إن ده سبب مقنع عشان تعرف؟ علم أنها تراوغ. وبفطرة عقله بحث سريعا عن أضعف الموجودين كي يأتي بهم بالإجابة. لم يجد. وقعت عينيه على "فرح" بتلقائية التي سالت دموعها بشفقة عليها. وبضغط حاول انتهاز الفرص واقترب يسألها بجرأة أمام الكل: "إنت كنتي موجودة؟

الاثنان أصبحا يرتديان مثل بعضهما بعدما بدل "غسان" ملابسه. التفرقة هي أنها وجدته هو من خرج من غرفتها. ثبتت عينيها عليه بتوتر، فاقترب "عز" ينفي بخداع كي يخرجها من هذه الدائرة التي لا تنتهي: "لأ، ما كانتش! لم يراها مسكينة ستصارحه. علم "عز" ما فكر به عقله لتوه. ونظر له بتمعن وأخرج نفسه من هذه المشكلة والعقبة وشقيقته أيضًا. أخرج "غسان" أنفاسه ينظر وتعمد الإصرار على عدم التحرك حين يعلم ماذا حدث. بينما اندفعت "ياسمين"

تهتف له هو بالاخص بوقاحة: "لأ.. إحنا بنام بدري! اهتزت الأنظار. وجلس "غسان" بتبجح يشير لها بفظاظة: "وأنا بسهر، ومعاكم هنا للآخر ومش هتحرك إلا ما أعرف اللي حصلها ده سببه إيه!!!! التزم الجميع الصمت. في حين اقتربت "ياسمين" تهتف بحدة: "متجيبش آخرك معانا بكده. مفيش حاجة حصلت وانت مالكش حق تسأل السؤال ده!! "أنا مليش آخر. أنا عايزكم انتوا تجيبوا آخركم وأنا اللي معاكم للآخر!!

تحداها بنبرته وحديثه فانكمشت ملامحها بضيق. ولكن هذه المرة قبل أن يقترب "حازم" لينهي الوضع بهدوء، تدخل "حامد" بحزم وسار يقف يشير لـ"غسان": "يلا يا غسان! نظر داخل عيني والده المحذرة. ولكنه أبى ذلك بقوله: "مين فيكم اللي وصلها للحالة دي؟! تشكك بهم. وزع عينيه عليهم جميعًا. وخرج صوت "سمية" تنفي ذلك بـ: "محدش يا ابني. هي كده مرة واحدة! يعلم أن هذه الحالة جاءت بسبب ما وليس بتلقائية. فنهض ووقف ينظر داخل عينيها وقال بصوت

منخفض أعلن عن نفاذ صبره: "الكذب حرام!! نهرته "دلال" بنظراتها. بينما اعتدل هو وقال يخيرها: "ده كان حل أسهل. بس انتوا اللي اخترتوا الحل التاني. مع إن شكي بيبقى في محله بس نجرب وماله بس كده!!!!

وما أن قالها اندفع ناحية الخارج متوجهًا بسرعة ناحية غرفته بشقة والده. وهابت الأنظار. بينما اندفع خلفه "شادي" و"بسام" و"عز" و"حازم" و"آدم" وحتى "حامد". أما هو، فخرج بهدوء بعدما التقط ما يريده من الداخل. قاطع سيره إلى الخارج وقوف "شادي" و"بسام" الذي سأله بقلق: "إنت هتعمل إيه يا غسان؟ وأضاف "شادي" بتحذير: "متتهورش وارجع!

وقف "حازم"، ولم يفهم ما الذي يحدث. بينما جابت عيني "عز" ما يخفيه بين كفيه. بينما دفعهما "غسان" بذراعه متوجهًا من الجانب الآخر ليخرج. ولكن كان قد أغلق "حامد" باب الشقة ووقف يضع ذراعه محذرًا بنظراته إياه: "اعقل وادخل جوه وبلاش جنان! وهتف "عز" بعدها بمنتهى الهدوء وهو يضع كفه على كتفيه من الخلف: "ارجع يا غسان اللي ناوي تعمله ده ملوش لازمة!

هو الذي فهم ما الذي يمكن فعله برد فعله هذا وبالأخر "شادي". اندفع "غسان" يحاول فتح الباب بهمجية. ولكن أوقفه هذه المرة الكل عندما وقفت الشباب بجانب "حامد". كان يخطط للذهاب نحو "زينات" كي يثبتها ليعلم منها إن كان "حسن" موجود بالفعل أم لا. حاول دفعهم ولكن هذه المرة صرخ "بسام" به بصوت عال: "قــــــولنـــا إعــقـل وارجـــع بقــا!!

تعالت أنفاسه. وكل مرة صداع رأسه يزداد. زفر بصوت عال ضيق وضغط على فكه يضرب الباب بعصبية حتى وقفت تتعالى أنفاسه وشعر بهذه اللحظة أن الدماء تهبط من أنفه. تلهف "بسام". وترقبت الأعين في حين هرول الآخر يجلب له منشفة ورقية ليمسح بها. تزامنا مع قول "حامد" القلق والشباب تسند الباب معه وبجانبه: "شفت آخره دا كله إيه!! أدي مناخيرك بتنزف!

ارتجفت يدي "غسان" لأول مرة. شعر بالضعف حتى توازنه لم يعد يتحمل ثباته. سقطت المطواة من بين يديه التي يخفيها. وقبل أن يجلس بخواء على المقعد، دفعه "بسام" بين أحضانه بقوة. لم ولن يقبل أن يظهر الضعف أمامهم حتى ولو كانوا هم أقرباء. استسلم "غسان" بين ذراعي شقيقه وتنفس بصوت عال. وسمع "بسام" أنفاسه المختنقة الذي يكتمها كي لا يبكي. بينما هو يتذكر صراخها ومشهدها المؤلم. لم كل ذلك من البداية. شدد "بسام" من ضمه له وقال بصوت مختنق يكابر

على أن لا يبكي هو الآخر: "اجمد.. اجمد يا غسان ابوس إيدك. والنبي متعملش كده في نفسك. أنا مش متعود عليك!!! وأضاف بتحشرج قارب على سقوط دمعته معه: "أصلب نفسك وحياة أغلى حاجة عندك!!!

كلماته تتقطع. ووقف "حامد" بعجز ينظر إلى ذلك الانهيار الذي يحاول كبته. بينما فتح الباب ليخرج منه البقية رغم أنهم يتوجب عليهم الجلوس. ولكن هذه اللحظة صعبة. صعبة للغاية أمام أعينهم. وقف "شادي". ينظر بحسرة وفرد ذراعيه يضمهما بين أحضانه. بينما الآخر اختنقت أنفاسه بصعوبة وحاول التملص من بين ذراعيهما ولكنهما أصرا على احتواءه.

انسحب الكل بخفة. في الشقة الأخرى. ونظرت "جميلة" وشقيقتي "نيروز" عليها من على بعد. كانت "ياسمين" تقرر الرحيل نحو شقتها اليوم بعد هذا الوقت. بينما الآن لم ولن تتركها. سندها "حازم" ناحية غرفتها. وسندت "وردة" "سمية" هي الأخرى. ووقف "آدم" ينظر نحو ملامح "فريدة". بينما الصغار كانوا بالغرفة مع "يامن". اقترب يسألها تزامنا مع رحيل "عايدة" مع "حنان" و"عز" و"جميلة" للشقة الأخرى حيث قبل الرحيل. اقترب "آدم" يسألها بترقب:

"مش هتروحي تنامي؟ رفعت عينيها تنظر له بصمت وأومأت تؤكد برأسها. بينما هو طمئنها مجددًا: "متخافيش! وبمواجهة ردت "فريدة" تحاصر نفسها كي لا تنفرد بالوجع وقالت بتحدي ووحدة عليه رغم أنه ليس لديه ذنب: "مبخافش! "وأنا عايزك كده أصلا! رفعت عينيها فوجدته يبتسم بصدق. وخرج "أدهم" و"يوسف". فمسك كفها واعتدل يغمز وهو يشير للقلادة المعلقة برقبتها: "خلي بالك مني ومن أمي!

استطاع أن يخفف عنها عندما ضحكت بخفة. تحرك رأسها بطاعة، وانحنت تقبل وجنتي "أدهم ويوسف"، واعتدلت مع قول "أدهم": "باي يا فيفي! لم يعطيها الفرصة لترد بل قال يصارحها بلهفة طفل متعلق: "أنا مش عايز أمشي ما تيجي تعيشي معانا!! "أيوة يلا تعالي" قال "أدهم"، وأيده "يوسف" ببراءة، فضحكت بخفة. وقبل أن ترد عليهما أجابهم "آدم" بابتسامة واسعة: "إن شاء الله قريب هتيجي تعيشي معانا، ولا إيه يا شاطرة؟ عاندت ونظرت تتحداه بقولها:

"أنا مش شاطرة! "لا شاطرة، أشطر واحدة شوفتها وعرفت توقعني فيها وتشغل بالي بيها! نظرت بخجل فتحرك يشير بالوداع وهو يخرج، فخرجت هي بعدهم. ووقفت تودعهم بإشارة يديها ورحل بعدما غمز لها بمشاكسة. وقبل أن ترفع يديها لتدق الباب كان قد فتح وخرج منه "عز" التي ما إن وقعت عينيها عليه حاول الخروج بسرعة كي يتفادى النظر بعينيها التي تتهمه دون ذنب. خرج وخرجت "فرح" مع "جميلة" التي ابتسمت ببساطة، تحثها:

"خلي بالك من نفسك يا فريدة، هبقى أعدي عليكم بكرة أشوفكم وأشوف نيروز! عانقتها موافقة على حديثها وودعت "فرح" و"حنان" أمام عيني "عايدة". وانتظروا المصعد تحت وداع "جميلة" الباهت بالحزن على "نيروز". وخلال دقائق رحلوا. فرفعت رأسها لتجد وجه عايدة المبتسم وهي تحثها بحنو: "ادخلي يا حبيبتي غيري على ما أعملك حاجة تاكليها عشان تنامي!

ابتسمت "فريدة" توافق ودخلت حتى أغلقت الباب خلفها. بينما الشقة المجاورة، كان يتابع بها حين الصراخ عائلة "زهور"، بينما الآن كانت تتابع "زينات" صوت ابنتها وخافت الخروج كي لا تتسبب في مشاكل وعقد لابنتها مع "سامر" الذي لا يكف! رغم تحذير "حازم" لهم بالرحيل! ***

خرج من مرحاض غرفته بعد وقت، بعدما نصحه شقيقه أن يدخل للاغتسال كي يعي وكي تستطيع أنفه أن يأخذ الهواء براحة. كبرى. وقعت عينيه على "شادي" و"بسام" وحتى "حامد" الذي لم يترك الغرفة. تأفف بضيق، وفتح خزانته يلتقط تيشيرت كي يرتديه على جزئه العلوي المكشوف مرددًا: "أنا كوس وعايز أنام، فاطلعوا بره يلا! فرد "بسام" جسده على الفراش بأريحية وقال بغير اهتمام لحديثه: "أنا هنام هنا النهاردة، سريرك ده مريح بشكل ميتوصفش!

أحسن من سريري وسرير المستشفى! ضحك "شادي" و"حامد"، بينما ارتدى هو ملابسه واقترب يدفع "بسام" من ذراعه كي يتسطح على الفراش مرددًا بلهجة أمره متعبة: "أنا عندي صداع ومش فايق لكم! الآن وحرفيًا، يود الهروب منهم لوجعه. لا يصدق بأن تلك الحالة لبسته قبل وقت أمامهم، كلما يتذكر صراخها ومشهدها. عقله لا يكف عن التفكير عن احتمالية الأسباب رغم أنه يشعر أن شكه بمحله. وقف "شادي"، يخلع سترته وقال بابتسامة واسعة: "وأنا كمان هنام هنا!

رفع "غسان" رأسه وأشار له بوقاحة، وهو يلتقط الغطاء من بين أيديهم: "حضن منة أحسن، منصحكش! ضحك بخفة، وتناسى أمر "حامد" بل مال يجلس ليشاكسه وقال بنبرة نسائية مدللة تثير للضحك: "كده برضه يا سي غسان قوام نسيت اللي بينا، ولا ألف حضن من غيرك يبقوا زي حضنك انت يا قلبي! قهقه "بسام" بصوت عالٍ، ووجده "غسان" يميل فأنفلتت ضحكته بيأس. ووقف "حامد" ينهره من بين ضحكاته: "آه يا رخيص!

سند ظهره على الفراش بعدما ارتمى عليه، فاعتدل "غسان" ينظر على ضحكاتهم العالية وسرعان ما قطع كل ذلك نبرة "دلال" التي تعالت وهي ترحب: "أهلاً وسهلا اتفضل يا أستاذ طارق، تعالى ادخل، ثواني هندهلك أبو غسان! عند هذا القول وفتح "بسام" عينيه يتذكر حديث "منة" واعتدل يتحدث بذهول له: "دي جابتلك أبوها بجد؟! اعتدل "شادي" في نومته وجلس يشير بيديه بغير اهتمام وقال: "عادي، من أول أسبوع جواز وهي بتجيبه، إسأل حامد اهو قدامك!

ابتسم "حامد" وحثه وهو يشير بكفه: "قوم يا شادي نسلم على الراجل ونشوف هترسى على إيه! أشار له بعجالة، وخرج وتركه يأتي بعده. بينما كانت "منة" برفقة "وسام" في غرفتها تنتظر هذه اللحظة. اعتدل "شادي" ينهض وحاول ارتداء سترته تحت ضحكات "بسام"، فاعتدل يحرك رأسه وهو يشير لهما: "أيوه مجنونة، أنا مراتي مجنونة، وفي ثانية هنتصالح استنوا بس! ورتب خصلاته براوقة، واعتدل يواصل بمرح: "عادي! بقيت متعود على كده خلاص! وأضاف بعدما

التفت يتوجه ناحية الباب: "أنا خارج! أخرج "غسان" أنفاسه وابتسم على عبثه وبروده في رد الفعل وحرك رأسه يشير لشقيقه ساخراً: "محدش كان صدقني لما قولتله متستعجلش على الجواز. اتفضل شوف بقا! ضحك "بسام" بصوت عالٍ واعتدل يوضح له بنبرة مرحة: "أنا شايف ان كدة بقا أحسن بكتير. بدل ما كانت حياته غريبة وهادية وكئيبة بقى فيها ونس دلوقتي مطلع عين أبوه!

انصت "غسان" له وابتسم يجامله حتى اعتدل يسحب الغطاء عليه واستلقى بظهره يهمهم، فاعتدل "بسام" يفرد جسده بجانبه هو الآخر وفرد ذراعه يحتضن شقيقه بعفوية يشاكسه، فنفض "غسان" يديه وقال بضيق واضح: "اتظبط بدل ما اظبطك." خرجت ضحكة "بسام" وهو يشمله بعينيه بعدما شرد بسقف الغرفة بهدوء مريب، حاول بأن ينتهز فرصة خوفه عليها ويصلح بينهما كي يجد أمل رغم انه فقده، فسأله بتلقائية: "زعلان؟

لم يحرك "غسان" عينيه من مكان شروده، واستدعى كذبه كي يخرج وخرج بالفعل في قوله الذي التقط به الآخر أنه غير صادق بالمرة: "مفيش سبب مقنع يخليك تزعل علي حد اختار انه يخسرك! وكأن الحديث أخذ محور آخر، وتعقل "بسام" حينها عندما رد عليه بعقلانية:

"في أسباب كتير تخلينا نزعل، إحنا بس اللي بنضحك علي نفسنا بالكلام ده، عينك بتقول عكس كل ده، ومع ذلك هقولك ان من اسباب زعلك هو الحب، الحب اللي بجد والعشم، لما تدي للي قدامك كتير ومتلاقيش وتفوق بتزعل أوي، بس انت ونيروز يا غسان حكاية مختلفة حكاية عدي عليها كتير، واما رجعت مقعدتش كام سنة يعني عشان تتجوزها، لا دا انت اتجوزتها وعيشتوا أيام عدت عليكم صعبة رغم ان ممكن تكون الايام قليلة بس مشاكل الحياة عدت عليكم بدري ورغم ان

كان كل حاجه توصلكم زي ما وصلتوا الوقتي كدة بس محصلش، ليه متسألش نفسك جيت المره دي وبعدتوا ومكملتوش، لو مش شايف ان نيروز بتحبك وهتعاني من غيرك تبقي مبتشوفش يا غسان، في ناس كده ردود فعلهم بتبقي غصب عنهم وكلامهم وكمان مشاعرهم مش سهل تبان، بس اللي بيحب حد بيحبه كده، اعتقد ومتأكد مش معتقد كمان انك حبيتها بكل حاجة فيها ومركزتش على انها مثلاً صعبة ومش بتنسي الوحش اللي حصل فيها بسهولة، عادي طبع بني آدم بس بردو انت حبيتها على

كده ومهما حصل فأكيد هي عدت لك كتير احنا كلنا بنغلط يا غسان محناش ملايكة!

ابتسم "غسان" بتعب وأغمض جفنيه بإنهاك ثم فتحها عقب قوله: "انت مش فاهم حاجة! "ومش مهم افهم ولا عايز أفهم، المهم انت اللي تفهم نفسك، عشان انا حاسس بيك وحاسس بتعبك وعارف ان التشتت اللي جواك ده بيرهق الواحد أوي، وعندي أسئلة كتير منهم ليه بتحاول تبين عكس اللي جواك؟ وبغير وعي ظهرت نبرته الضعيفة يصارحه بما يشعره: "علشان حبها عملي نقص جوايا! وأضاف يدير وجهه بإستسلام وأكمل بنفس النبرة الذي صارحة بها من قبل:

"حبها نقص مني من غير ما أحس!

"حبها حتى بعد انفصالكم مخليك راجل متربي، نفتخر بيك، لإنك متكلمتش عنها ولا سبيت فغيابها حياتك معاها، رفضت تقول حتي اسبابك يا غسان اللي محدش عرفها لحد دلوقتي، حتى أهلها اللي من حقهم يعرفوا، مش هقولك احنا، لا هم.. هم اللي حقهم يعرفوا، بس انت مصمم على انك متتكلمش وعشان عارفك، سكوتك ده مش حاجة غير انك خايف عليها وبتحبها، يمكن أكون قلبت ردي علي كلامك بالنسبة للي حواليك. بس صدقني مش عارف ارد عليك بحاجة وانا مش عارف انت اتوجعت منها في ايه سبب لك نقص، مع ان اللي عنده نقص مبيقولش.. انت مش كدة ومتقولش على نفسك كده، انت بس محتاج ترتاح وتقلبها فدماغك أكتر!

سخر "غسان" وهو يعتدل على جانبه الآخر يهرب من هذه المواجهة بجملته: "محسسني ان انا اللي قولتلها مش عايزك وهطلقك! فالتفت هو الآخر على الجانب الآخر ورد برد هادئ يخبره: "وانت محسسني انك مش غسان اللماح اللي جاييها من تحت أوي.. لأنك فهمت ان الست لو طلبت الطلاق تبقي عايزه كده والحكاية انتهت!!! ماذا عن نظرة الصدق التي كانت بعينيها حينها؟ ماذا عن اصرارها؟ الكل يراها مثل أي أنثى بينما هي بعقله ليست مثل أحدهن في طباعها!

على أية حال الوضع لا يجلب له إلا الوجع وفقط! كيف يستطيع النوم بعدما رآها بحالتها هذه؟ قل كيف استطاع هو النوم في الايام الماضية؟ لم ولن يقدر على فعلها! وكل ذلك متعب له، عبء ثقيل على صدره وقلبه، ناهيك عن أعصابه المشتدة بآخر ما كان يريد فعله، إلى متى سينتظر؟ سمع نبرة "بسام" وهو يتحدث بتساؤل يترقب: "غسا.. صاحي؟ "لأ" ضحك على رده، فحاول إخراجه من قوقعة أفكاره، وسأله بإهتمام: "هتسمي ابنك ايه؟

ابتسم على هذا السؤال، كان يودها هي من تطرحه عليه. أعلن غسان جهله برده المختصر: "معرفش! "طب تفتكر هي بنت ولا ولد؟ زفر بصوت مسموع واحتار لبرهة يفكر في جنس مولود شقيقه القادم، أما غسان فأجاب بصراحة ويقين: "كل اللي يجيبه ربنا حلو! أيد بسام بأفكاره وعاد يخبره بصدق ووضوح مغمور بثقته في ما يريده: "بس أنا عارف انك بتحب البنات وعايزها بنت! "عادي! قال آخر مقتضب وتحمل الآخر انغلاقه في الردود وحاول مجددا، سحب الحديث منه وتشتيته:

"طب لو طلع ولد وأنا اتجوزت وخلفت بنت، هتوافق نناسب بعض؟ من يطلب لمن؟ العروس للعريس! ضحك بخفة وقال بتبجح ينفي: "لأ مش ناقصة هي! وأضاف ينبهه: "مش موافق وحط قدام عينك دايما مثال حي لسليم وزينات فمش ناقصة! هل قصد حسن واختلاله العقلي؟ ابتسم بمرح على جملته، بينما أخذ يعيد مجرى الحديث بـ: "طب لو خلـ... "أنا مش فايقلك على المسا وعندي صداع فإهدى كده بدل ما اطردك أنا مقعدك بمزاجي!

نظر بضجر من خلف ظهره واعتدل يستعد للنوم، وكل منهم يعلم الآن الحقيقة المضحكة برحيل شادي ومنة وذهاب البقية للنوم تحت نصيحة حامد لدلال، بأن لا تتوجه لغرفة غسان، كي تتركه يستريح. شرد عقله بها وخفق قلبه بألم فأخرج أنفاسه بصوت عال يمسك رأسه بتعب يحاول أن يغفل فقط لوقت قليل، وقاطعه نبرة بسام المزعجة مجددا: "أبو الغساسين ..صاحي؟

انفعل غسان منه وفرد ساقه يدفعه من على الفراش حتى اندفع أرضا بطريقة مضحكة تحت ضحكات بسام المستفزة بصوته العالي وأخذ الغطاء بأكمله بجسده عندما اندفع على الأرض. اعتدل غسان يسحب الغطاء بعنفوان من حوله ثم فرده وأخذ كل المساحة الخاصة بفراشه وقال يحذره بضيق: "نفسي تيجي كده جنبي تاني، خليك على الأرض بقى، ولو جدع تعالى! ما زال يستمر في الضحك كي يضحك، ولكنه اعتدل ينهض متوجها ناحية الأريكة يفردها أكثر وقال بغرور:

"أنا دكتور مبنامش على الأرض! تجاهله غسان واعتدل ينام مجددا، وتسطح الآخر على الأريكة يشرد بها لوقت، يتذكر كل مرة يقاطعه أحدهم عندما يصل إلى اللحظة الفارقة. لا يرد أن يتعمق أكثر في التفكير بها كي لا يحرم منها، فقط يتحلى بالصبر حين أن تكون له وللمرة الثالثة يهتف بـ: "غسغس.. صاحـ.." وقبل أن يكمل سمع سبة نابية خرجت من بين شفتي غسان، له خاصة. شهق بطريقة زائفة وقال يمازحه:

"الله يسامحك، كده كده الشتيمة بتلف تلف وترجع لابن صاحبها! ضحك غسان على قوله، ولامس قلبه كل محاولاته في أن يقيم معه وليست بهذه المرة فقط، رغم تبجحه وفظاظته الجدية ولكنه يتحمله. ابتسم بتأثر وتنفس بتنهيدة حارة يغمض عينيه وتشتت عقله، ولو شعر براحة قليلة فذلك لوجود توأم روحه بجانبه!

لا يستطيع إنكار حقيقة بأنه صديقه وسنده الأول، كتفه بمثابة قلب نقي مهما حدث بينهما، وإن أنكر بالحديث فلا يستطيع أن ينكر الحقيقة الجدية بأن بسام بالفعل هو توأم الشكل وتوأم الروح!

عودتها له مرة أخرى أو عدم عودتها فهذا أصبح غير مهم لديه، واستطاع أن يجعلها تغفل عن ذلك بعدما أخذ منها المضمون في هذه المقابلة المهمة والذي جعل النيران تندلع بداخله وداخل عروقه الآن بعدما علم آخر خبر كان يتوقعه بهذه الظروف وكأن هذا ينقصه. بارع في إخفاء ذلك وفي ارتداء ثوب وقناع ليس له من الأساس. على الأقل ظهرت ابتسامة صغيرة الآن منتصرة على شفتيه بعد هذه المواجهة التي كانت بينه وبين آخر شخصية لا يتوقعها أبدا، باعتبار أنه لا يوجد بينهما أي تعارف من قبل. وبالنسبة له كانت هذه المقابلة لديه بمثابة كنز ثمين!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...