تحميل رواية «عودة الوصال» PDF
بقلم سارة ناصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رحلتُ أنا دون وداع لصداقتنا ، دون وداع برائتنا. رحلت دون شعور قلبي الصغير بأنه سيتأذي في رحيلك بعضُ الوقتْ. ورغم عُمر قلبي الصغير الا أنه كان به شعورا كان علي صعب فهمه! أيقنت انه حزين برحيلي دون إرادة مني ، أيقنت أنه يفتقد لهونا ولهو البرائه دون شعور مني. يحزن لرحيلي ويحزن أكثر لرحيلي من جارك و من تلك الشرفه التي شهدت الذكريات بيننا. يحزن لافتقاده سرعة نبضه عندما يراكِ ، وعندما توقفت كل الطرق لإرسال خطابات. يحزن هو لفراق الوقوف بشرفته كي يستطيع النظر إليكِ. ف مجرد نظره كانت تبقيه سعيدا لا يفكر ف...
رواية عودة الوصال الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة ناصر
يدبّر الأمر بينما أنت تحارب قلقك.
يدبّر الأمر بينما أنت غارق في أفكارك.
يدبّر الأمر بينما تخشى وقوع مخاوفك.
يدبّر الأمر بينما أنت مكتف بعجزك.
يدبّر الأمر بينما أنت تسعى خلف رغباتك.
يدبّر الأمر بينما أنت في تمام الضياع ويقين الرجوع.
يدبّر الأمر لأنه أعلم منك بحالك.
حالة صدمة هذا ما يشعرون به الآن. والدته تستند بضعف على الأريكة، غير قادرة على كبح دموع عينيها. وكل ما يجول بخاطرها أن ولدها ليس مؤذياً ليؤذيه أحدهم! بالتأكيد يوجد شيء خطأ. طيلة السنوات الماضية لم تأتِ شكوى من شخص تجاهه، وإن أتت يتصرف بأموره دوماً وبطريقة ما بمفرده! خاصة أنه محبوب بين الناس! لكن ماذا يوجد الآن! كان الوجوم والتشنج يكسو ملامح البعض، والبعض منهم بصدمة. أما شقيقته فالدموع تجمعت في مقلتيها وهي تنظر ناحية الباب عليه وعلى ملامحه الخالية من أي تعبير، وكأن شيئاً لم يحدث. قاطع حبل أفكار كل منهم ذلك الرجل وهو يردف قائلاً مرة أخرى، ومن ثم موجهاً أنظاره لـ "غسان":
"ها يا أستاذ معايا؟ اتفضل امضي هنا."
نظر له "غسان" بتمعن ولم يبدي أي ردة فعل! فتحدث "حازم" سريعاً بخبرة أنه يعمل بالمحاماة:
"طب ممكن أشوف الجواب دا الأول؟"
ناوله الآخر ما بيده قبل أن يدون "غسان" باسمه. وما أن فتحه وقرأ محتواه سريعاً، وخاصة بتركيز عينيه على اسم المبلغ عنه، والذي قام بعمل هذا المحضر ضده! لم يكن سواه! شقيقه! الآن فهم كل شيء برغم صدمته البادية على ملامح وجهه. فنظر له "غسان" وهو يتحدث بنبرة واثقة لا شك بها:
"عارف إنه حسن! مش عارف بيحب يأذي نفسه ليه!"
نظر له "حازم" ووالده وشقيقه بمفاجأة لعلمه دون النظر لذلك الجواب، وتهديده الصريح أمامهم! ولكنه علم لأنه لم يتعامل مع شخص بعنف سوى شقيق الآخر مؤخراً. فأردف "حامد" بنبرة رخيمة قائلاً:
"طيب يا أستاذ، تقدر تتفضل جوا أو تستنى تحت ونيجي وراك!"
قاطعه "غسان" سريعاً وبنبرة جامدة:
"لأ أنا نازل معاه. محدش ييجي معايا!"
وجه هو نظراته ناحية شقيقه والتفت ورائه يطلع على حالة والدته وشقيقته. فواصل حديثه مرة أخرى:
"خليك جمبهم!"
كاد أن يعترض شقيقه ووالده فأردف من جديد بنبرة حادة لا تقبل النقاش:
"أسمع اللي بقول عليه!"
اضطر شقيقه لرضوخ زائف. تحرك هو سريعاً يهبط من على الدرج خلف الآخر! أما "حازم" فنظر لـ "حامد" و"بسام" قائلاً بلهفة وهو يتجه ناحية الدرج بسرعة خلف الآخر:
"متقلقوش أنا معاه وهتصرف. خليكم إنتم هنا عشان الموضوع ميكبرش!"
قالها سريعاً ثم هبط خلف الآخر بسرعة. فأغلق "حامد" الباب من خلفهم بتيه من ذلك الموضوع متجهاً لهن بالداخل. حتى وجد زوجته وأخيراً تبكي وهي تردف قائلة من بين بكائها:
"ابنى معملش حاجة والله ما عمل حاجة!! ليه بس ياربى ده كان العشم برده يا حسن!"
نظرت لها "جميلة" بأسى، خاصة أنها الآن ولا تغير لذلك شقيقته من والده مهما بدر منهم! أما "نيروز" فكانت تتابع بحزن بالغ هي ووالدتها التي تربط على صديقتها بمواساة. لكن "ياسمين" تشنجت ملامحها بانفعال وهي تربط على كتف "وسام" بلطف! فجاءت نبرة "حامد" الحادة وهو يجيب زوجته قائلاً:
"ابنك راجل، وأكيد معملش حاجة. اجمدي كده!"
نظر له "بسام" وهو يجاهد أن يخرج صوته. فخرج منه بتشنج رغماً عنه ومع تقاسيم وجهه المنفعلة وهو يردف:
"إحنا طالعين من بيت راجل يعني مينفعش تعيطوا كده. راجع مادام معملش حاجة!"
نظروا له جميعاً بترقب وبشعور ببعض من الخوف، خاصة أنهم من المرات القليلة عندما يروه فيها كذلك!! وبالنسبة لبعضهم فتعتبر أول مرة!
نظر "حامد" لـ "بسام" وهو يشير له جانباً لزاوية ما. ثم أردف قائلاً بخفوت بعدما اتجه له الآخر:
"تعال معايا."
أومأ له هو. كان يعلم جيداً ما يريد أن يفعله والده بعد هذا الصبر والثبات في هذا الموقف. أومأ له بصمت وبالإيجاب يهز رأسه بهدوء. شاردًا بكيف تكون المقابلة!
وعلى الجانب الآخر كان هو قد أتى من عمله. يقيم هذه المرة بشقة زوجته الثانية. كان يجلس هو وهي وابنتهم بصالة المنزل. وبصمت. منهم من يشاهد التلفاز بملل ومنهم من يمسك هاتفه يتفحص به بنفس الملل! وها هو التفكك الصحيح لمعنى الأسرة! بأن نكون حاضرين ولا حاضرين!
وجه "سليم" نظراته لـ "زوجته" ثم تنهد ببطء وهو يردف قائلاً بتساؤل:
"يعنى ابنك مش باين بقاله كام يوم مشوفتش خلقته؟ فينه البيه؟"
قلبت "زينات" عينيها بملل وهي تحيبه قائلة بنبرة مكتومة من عيظها وبقلة صبر:
"خرج من الصبح. في حاجة؟ عمل حاجة؟ هبب حاجة؟"
"وانت الصادقة ده مبيجيش من وراه غير زفت مصايب!!!"
كانت "فريدة" تتابع الحوار بملل بادٍ على ملامحها. وهي تهز ساقيها بسرعة بالتأكيد له عامل نفسي!! ولكن تلك عادتها غالباً!! تجاهلت "زينات" حديث زوجها. ولكن جاءهم صوته المنفعل وهو يردف قائلاً للأخرى:
"ما تعقلي يا بت انتِ!! إيه التعقيد ده ع المسا! روحى إعملى عقّدتك دي بعيد عن عيني مش ناقصين خوتة دماغ!"
نظرت له "فريدة" بتعابير وجهها الخالية لكن داخلها يسب ويلعن بتلك اللحظة التي خرجت فيها للجلوس معهم! الآن كل السبل تشير لها أن تخرج تماماً من هذا البيت وتنساق خلف حديث الآخر لها! هذا ما تقنع نفسها به!
نظرت "زينات" لزوجها بغير اهتمام. وكانت نظراتها لـ ابنتها وهي تتحرك إلى غرفتها بصمت لا تختلف عن نظراتها للأول! حاولت هي أن تفتح بحديث ما آخر. فأردفت تقول بنبرة يملؤها الخبث:
"ألا قولى! وافقت على شغل البت نيروز؟"
"اه."
قالها بإيجاز. فنظرت له هي من جديد وهي تتساءل:
"وقولتلها ايـه؟"
عقد ما بين حاجبيه بنفاذ صبر وهو يجيبها قائلاً بسخرية:
"لما أوافق على شغلها هقولها ايه يعني؟ شاي بالليمون! ما توزني كلامك انتِ كمان!"
عقدت حاجبيها بتفكير من أمر انفعاله على كل كلمة يتحدث بها أو أي حديث تردفه هي عامةً!!
"مش شايف إنك متعصب زيادة عن اللزوم؟ خير؟"
نظر لها بتردد وهو يرد على حديثها باختصار:
"مفيش!"
نظرت له وهي تفكر بمكر قائلة له من بين نظراتها الحنونة المصطنعة!:
"قولي بس مالك يا حبيبي! أعصابك مالها كده!"
"ولا أعصابي ولا حاجة. بس واخد على خاطري من حازم شوية!"
عقدت ما بين حاجبيها باستنكار. فاعتدلت جالسة بانتظام وهي تسأله بنبرة حملت من الفصول شيئاً!!:
"عمل ايه؟"
قالتها باسلوب رقيق حتى تسلبه ناحيتها. هي تعلم مهما انفعل عليها، يأتي لها بالنهاية بكل ما تريد معرفته من أحداث تخفي عليها هي؟ وللحق لا يخفي عليها إلا القليل!! وإن خفي من الأساس!!
أردف هو. قائلاً يجيبها بشرود وهى مازالت تطالعه بنظرة الفضول التي توجد بعينيها!
مفيش اختيار للمحروسة عني! أقوله متضيعش شغلك ليوم تافه زي ده مرضاش، قال إيه السنيورة هتزعل ولازم يكون معاهم!
انتبهت هي لعدة ثغرات بحديثه، فأردفت تسأله من جديد وبطريقة غير مباشرة:
ما لازم يا خويا بنت أخوك خلاص لحست عقله، بس يعني وهو اليوم التافه ده راح فيه فين!
معزومين عند حامد البدري ومراته!
والآن ربطت الأحداث ببعضها وشعرت ببعض الدماء تغلي ولو لذرة بعروقها!
دلوقتي جمعت! كلهم بقا هناك من مرات أخوك وبناتها لحازم وأمه وأخته صح؟
أومأ لها يهز رأسه بنعم وهو صامت، فنظرت له هي وهي تردف بحدة قائلة:
يعني إيه توافق على كده؟ إنت مش عارف إن بنتي كده تزعل عشان هيبقوا مع بعضها وهي وحيدة هنا؟ ولا إحنا مبقناش قد المقام عشان ميقولوش ويقضّوها من سكات؟ ولا أقولك إيه، ما هم 3 حرابي لايفين على بعض بعيالهم بكله!
وجه نظراته لها وكاد أن يجيبها، ولكن قاطعه دقات الباب البسيطة ورنة الجرس العالية بالمنزل، عقد هو ما بين حاجبيه بتساؤل:
هو مش الزفت ابنك معاه مفتاح؟
معاه! وبعدين هو لازم يكون ابنك، ما تقوم تشوف مين يا راجل، عمّا أدخل أنا أغطي راسي يمكن يكون حد غريب الله!
اتجه هو ناحية الباب، بينما دخلت هي إلى حيث غرفتها. هي تعلم جيدًا أنه ليس ولدها! بالتأكيد أخذت تفكر من هذا؟ غير المعتادين على زيارتها!
***
في قسم الشرطة القريب من منطقتهم نسبيًا. كان يجلس "حسن" بمفرده ينتظر قدوم صديقه بعدما كان يجلس معه، ولكن الآخر ذهب ولم يعد الآن. كان يحرك قدميه بانفعال، لا يعرف أهذا من فرط توتره أم لعدم تناوله جرعته اليومية من المخدر اللعين، تلك الذي جلبه له الآخر من فترة. نظر الضابط إليه وظل محدقًا به لفترة ولهيئته، فتنهد يأخذ أنفاسه وهو يردف قائلاً باستنكار خفي به:
إنت بتعاني من حاجة نفسية؟ ولا إنت بتشرب؟
فتح "حسن" عينيه بصدمة وحاول أن تخرج منه نبرته الثابتة رغم ارتباكه من الداخل:
لا شرب إيه ياباشا، حد الله. أنا بس بتخنق يعني من الأماكن اللي زي دي!
قصّره! هم على وصول. يا ريت تفوق لنا كده عشان نشوف شغلنا!
هز له رأسه بالإيجاب بالايجاب عدة مرات متتالية وهو يردف قائلاً بإطاعة:
حاضر يا باشا. إنت تأمر!
قالها وقد تبدو إطاعة للآخر، أما من داخله فأخذ يسب ويلعن بذلك الذي قام بالاتفاق معه على كل شيء، وأيضًا حدثه بأنه سيكون بجانبه في تلك اللحظة، خاصة أن الآخر فضل منه بلباقة وصنع الحديث، أما "حسن" فلا يجيد ذلك بتاتًا، وعلى الأغلب صديقه يعلم بذلك جيدًا ويلعب على تلك النقطة. أين هو الآن إذن ولما تركه ولم يأت بعد؟ وبعد دقائق دق الهاتف على مكتب الضابط، أجاب هو على الهاتف سريعًا بنبرته المقتضبة بعض الشيء:
تمام. دخّلهم الاتنين عادي.
قالها وثوانٍ وفُتح الباب، ودلف منه "غسان" أولاً، ومن ثم "حازم". كل ذلك تحت أنظار الجالسين، وخاصة "حسن" والذي ما إن رأى شقيقه، دب به بعض الارتباط لدمار خطته المرسومة وفشل ما كان ينوي قوله وإخلاقه من بدع كاذبة.
اتفضلوا يا أساتذة هنا!
اتجه "غسان" أولاً ناحية الجالس هناك وعلى ملامحه ترتسم ابتسامة صغيرة وكأن شيئًا لم يحدث. فاتجه بخطوات واثقة ناحية "حسن". ثم مد يده للسلام قائلاً بنبرة دافنة للتهكم:
أبو علي! إيه اللي جايبك هنا؟ لأ لأ متقولش! هو إنت اللي...
ماطل في آخر حديثه ليثير استفزازه إذن.
مد له "حسن" يده رغماً عنه، فازداد "غسان" من ضغطه على يده، فأبعد "حسن" يده سريعًا دون استطاعته بأن يتفوه حرفًا. جلس الاثنان أخيرًا بجانب بعضهما من أمامه. فبدأ الضابط بالحديث قائلاً بمهارة حسب طبيعة عمله:
إيه قولك يا أستاذ غسان بأن الأستاذ حسن بيقول إنك اتعديت عليه بالضرب والدليل اللي في وشه ده لما كنتم مواجهين بعض لوحدكم؟
إخص منك يا حسن بجد! ده أنا كنت بدافع عنك ياراجل لما كلنا كنا واقفين، يبقى دي شكرك بذمتك يعني كده؟
قال حديثه قاصدًا بتكذيب بلاغة ولكن بطريقة التلاعب بالحديث غير المباشرة، وتبدو وكأنه وقع بالحديث رغماً عنه وليس قاصدًا أن يردفه عمداً.
عقد الضابط ما بين حاجبيه وهو يردف بتساؤل زاد من توتر الآخر:
أفهم من كده إن التعدي عليه مكنش لوحدكم زي ما هو قال؟
تسارعت دقات قلب "حسن" من فرط التوتر، ثم ضاعف عدد هزات قدميه، ولكن جاءهم صوت "حازم" الهادئ وهو يردف قائلاً للدفاع والمساواة بين الطرفين:
ساعة الواقعة دي كنت أنا معاهم، بس أنا اللي ضربت حسن كده مش هو. ولما غسان جه وشال بينا حسن، زقه فهو زق حسن بس، لكن الأصل إننا اتنين إخوات وبيتناقشوا مع بعض يا فندم، بس هو حب يكبر الموضوع وخد على خاطره شوية!
نظر هو إلى "حسن" وهو يتساءل بعينيه له، فجاءهم نبرة "حسن" وهو يقول:
اللي اتعدي عليا بالضرب غسان هو اللي عامل كل ده في وشي مش حازم.
أخوك شاهد ومعترف إن هو كان بيتفاهم معاك وهو اللي ضربك وحصل مشادة بينكم، أظن أخوك مش هيحب لك السوء! لا إنك تتسجن مثلاً، إلا إذا كان فعلاً مكنتوش انتم التلاتة بس في الواقعة دي.
جاءهم نبرة "حازم" السريعة وهو يحاول أن يخرج منها بأقل الخسائر وأيضًا بمدافعته عن شقيقه وليس توريطه:
لا يا فندم كنا إحنا التلاتة وأنا اللي جيت ضربت حسن وغسان فعلاً كان بيشيلنا وبيبعدنا عن بعض، وزي ما قولت لحضرتك أنا معنديش مشكلة أمشي الأمر دي ونتصافى ويتنازل عن المحضر لأن ملوش لازمة أظن! ده أخويا يعني وبياما بيحصل بين الأخوات!
ها يا حسن! إيه قولك؟
قالها الضابط "أحمد" بعرض على الآخر وهو يوجه نظراته المتسائلة نحوه، أما غسان فلم يردف شيئًا، بل فكر بكيف ساوى الآخر بتلك الطريقة. فكر أنه كان بإمكانه أذية الآخر وبالحال، ولكن صمت ينتظر ما الآتي منه.
نظر "حسن" لهم جميعًا، خاصة شقيقه وهو يطالعه بحدة، و"غسان" وهو ينظر له مبتسمًا ابتسامة صفراء توحي بالكثير. حينها اقتنع "حسن" أن الآن موقفه أصبح ضعيفًا.
معلش يا باشا، الغضب أعمىني. اللي تشوفه حضرتك. موافق نمشي الموضوع دي عادي.
قالها "حسن" وملامح وجهه لا تتماشى مع طبيعة الحديث الذي أردفه. فالحال!
ابتسم "غسان" بسخرية ابتسامة صغيرة بالكاد استشفها من يعرفه جيدًا. ابتسامة توحي بتحقيق ما كان يتوقعه من رد فعل الآخر. فأخذ شهيقًا عاليًا أخيرًا.
طول عمرك ودود وابن أصول. مع إن عندك ليا واحدة واتهمتني بحاجة معملتهاش، بس هنتصافى بعدين زي ما إنت فاهم بقا يا بو علي!
أردفها "غسان" بلطف وهو يوزع نظراته ناحيته وناحية الضابط.
فنظر الضابط إلى "حسن" وهو يردف قائلاً بهدوء:
كان ممكن أتخذ إجراءات تانية باتهامك اللي مش في محله دي فيها قضية. بس هنمشيها المرة دي. شكلكم يعني ولاد ناس. فبلاش منه الكلام ده!
يلا إمضوا عشان تمشوا.
قالها بسرعه للجالسين فوقف كل منهم يدون إمضائه بالترتيب. ثم خرج ثلاثتهم بعد عدة دقائق إلى خارج القسم مباشرة بصمت حتى بعدوا عنه مسافه لم تكن قريبه.
وأول من تحدث كان "حازم" وهو يردف قائلا بحده لشقيقه مصوبا نظراته إليه:
"مبسوط واحد غبي زيك كان هيضيع نفسه. انت إيه يا اخي؟ بتعمل كده ليه؟ وايه القرف اللي انت فيه ده؟ شايف نفسك بني آدم ربنا خلقه بعقل ازاي وانت كده؟"
قالها بحده وبانفعال. وكان "غسان" يتابع الحوار بصمت أو دعنا نقول هدوء ما قبل العاصفه.
فنظر "حسن" إلى شقيقه بجمود وهو يردف قائلا بصوت منفعل:
"انت اللي إيه؟ معندكش دم وبتدافع عنه قصاد أخوك اللي من دمك وشغل بياعه ورخص محصلش؟!"
"انت غبي وكنت هتدخل نفسك في سكة أطين. سكة كانت هي الوحيدة اللي ناقصة للي انت فيه. لولا لحقت الدنيا مكنش زمانك متلقح واقف قصادي دلوقتي."
قالها بانفعال وهو يقترب منه يصرخ بوجهه عاليا.
نظر لهم "غسان" بصمت ثوان ثم أردف عاليا ينادي الآخر:
"إستنى."
إلتفت ينظر له. بينما إقترب هو يقف أمام "حسن" مبدلا نظراته للحدة قائلا بجمود:
"أنا بقف جامد أوي علي التالته يا حسن خد بالك كده لسالك واحده."
صمت هو لثوان ثم واصل مجددا بنبره بطيئه بارده متقطعه ليثير إنفعال الآخر بتلك النبره البارده:
"وأنا..مش دايما هكون لطيف. ممكن أوريك وش.. يفاجئنا إحنا الاتنين!"
نظر له "حسن" بشرر يتطاير من عينيه قائلا بانفعال وبصوت عال:
"هخاف منك أنا كده يعني؟"
"ده شيئ طبيعي إنك تخاف. ومتلعبش في العداد كتير. أصلى بيتقال عليا قادر. ومش هسكتلك!!"
قالها ببرود لا يتماشي مع الموقف ذاته. فالتفت هو ينظر لـ "حازم" وهو يردف مجددا:
"بعد كده إبقى فوتلى يا صاحبى. لأن معتش هيتسكت كتير علشانك. عــال!"
قالها ثم اتجه من أمامهم يسير بمفرده دون إنتظار رد أيا منهم. سار يسبقهم بعدة خطوات وهم من خلفه.
ومازال "حازم" يطالع شقيقه بحده وهو يدفعه بقوه رغما عنه ليصير معه علي الطريق:
"علي البيت. وخلى أبوك يعرف بقرفك ده بقا يا قـ ـذر."
قالها "حازم" بحده وعينيه تطلق الشرر للآخر وبقوه. بادله الآخر بنفس التعابير ولكن لن يتفوه بأي حرفا. مضطرا لتلبية ما أراده شقيقه مدام يحاصره الٱن بتحكمات عقله قبل بدنه.
قبل قليل. وعلى الجانب الاخر. كان يجلس هو وولده في صالون منزل ذلك الجالس أمامهم "سليم".
أخذ "حامد" أنفاسه ليبدأ هو بالحديث أولا وهو يوجه حديثه للآخر:
"أظن كده كتير أوي من ابنك يا سليم!!"
عقد "سليم" ما بين حاجبيه وهو يردف بتساؤل:
"ابني مين؟ وضح كلامك يا حامد لأن أنا مش فاهم تقصد ايه ولو عندك حاحه مستخبيه جواك يا ريت تقولها!"
تشنجت ملامح "بسام" بطريقته الغير حسنه مع والده في الحديث. فأخذ "حامد" أنفاسه متغاضيا عن حديثه وهو يقول:
"حسن إبنك عامل محضر لابنى ليه يا سليم وواخده عالقسم؟ احنا ناس متقبلش بكده وفى حالنا. وبنتكلم بالادب والاحترام مع كبير البيت لان واضح ان ابنك مش كبير كفايه ولا عاقل يعنى علشان يعمل كده!"
"وهو حسن هيعمل كده لابنك ليه؟ ويعني إيه ابني مش عاقل؟ إوزن كلامك يا حامد واعرف إنك فى بيتي واللى بتتكلم عليه ده ابني!"
هنا وأردف"بسام" قائلا بنبره جامده:
"كلامنا موزون كويس ومفهوش غلط. الغلط من عندكم من هنا. إحنا جينا للكبير وعملنا اللى علينا. بس الواضح إن حضرتك مبتعرفش تتكلم ولا تتعامل مع ضيوفك!! يلا يا بابا!"
قالها هو ينهض مره واحده. فاستقام والده خلفه مباشرة. ولكن كان خلفهم "سليم" يسير من خلفهم ناحيه باب شقتهم ولا يفهم كل جوانب الأمور إلى الٱن!
أما زوجته كانت بالداخل لا تستطيع الخروج إلا عندما ينصرف الضيوف حسب التقاليد الخاصه بذلك الـ "سليم".
نظر "حامد" أخيرا إلي الأخير وهو يردف بهدوء:
"عـقل حسن يا سليم. غسان لو فاقله أنا نفسي مش هقدر أمننعه ووقفه ياريت تكون فاهمني كويس!!"
كاد الاخر أن يجيب علي حديثه. فلاحظو هم صعودهم من خلف بعضهم على السلم من أمامهم. وكان أولهم "غسان" حتي صعدوا جميعا أمام المنازل في الطابق الخاص بهم.
اتجه "بسام" سريعا يحتضن شقيقه بحب وبهدوء. فنظر له الاخر نظره تبث به بعض الاطمئنان. ولكن نظرات "سليم" لأولاده كانت خاليه من التعابير إلى أن أردف قائلا وهو يوجه نظراته ناحيه ولده بتساؤل:
"ايه اللى فوشك ده ومن امته؟"
"أنا اللى عملت فيه كده لانه مد ايده علي جميله وكمان ياسمين!"
قالها"حازم" وهو ينظر لوالده. فنظر له "سليم" بحده مردفا:
"من امته واحنا بناخد حق حريمنا من راجل و بالضرب!!"
نظر له "غسان" وهو يردف قائلا ببساطه وبصوت عالي نسبيا:
"ده لو كان راجل! وبالمناسبه أنا بردو شاركت مع حازم يا عمى!!"
نظر له "حسن" بشرر غاضب. ثم اتجه ناحيته سريعا ليقوم بضربه بوجهه أول مره على غفله. كاد أن يكمل ضربه للمره الثانيه ولكن تفادى "غسان" جيدا وهو يسدد له الضربه مرتين علي وجهه. ثم أمسكه من تلابيبه بسرعه قائلا بحده تحذيريه وبصوت منفعل وهو يقوم بهزه يدفعه بقوه للحائط من خلفه:
"وحياة أمى لولا في رجاله ليهم مقام كنت عرفتك مقامك اللي على حق يا عـ ـره !!"
أسرعوا علي الفور ليفصلوهم عن بعضهم. فنظر "حازم" لـ "حسن" بحده وهو يبعده بعيدا عن الاخر. و"بسام" ساحبا لشقيقه بهدوء.
أما "حامد" والٱخر فلم يتتدخلا بعد. فأردف "سليم" قائلا بنبره حاده:
"ده ينفع اللى بيحصل من إبنك ده يا حامد!"
نظر له "حامد" بتعابير وجه خاليه وهو يتحدث قائلا بثبات:
"إسمها ينفع اللى بيحصل من راجلك ده! مش ابنك! ابني راجل ومسئول يا سليم. وعارف هو بيعمل ايه الدور والباقي علي ابنك ياريت تعقله لأن اللى حصل منه مش شويه."
كان هذا الحوار تحت أنظارهم جميعا. فأردف "حسن" بسرعه وعلي فجأه قائلا بصوت جهوري متجها له على فجأه:
"ودين الله ما أنا سايبك يا غسان والله لاورريك ياللى عاملي فيها...!"
نفض "غسان"ايدي شقيقه الممسكه به سريعا بغضب وبقوه. ثم اتجه ناحيه الآخر بسرعه قياسيه غير عابئا بمناداة والده عليه. وأمسكه من تلابيبه علي فجأه مقاطعا بقية حديثه وهو يضربه ضربات متتاليه علي وجهه يصيح به عاليا وبصوت جهوري من غضب فاق الحدود:
"توري مين ياحيلة امك! أنا سايبلك خالـ ـص من الصبح يا ناقص. وأنت عاوز تتربي واخدت عليها ياض!"
كان قوله تزامنا مع ضريه ودفعه له بقوه.
خرجت النساء من الشقه المقابله علي أثر الصوت. والرجال يحاولون الفصال بينهم بكل الطرق الممكنه حتي الرجال الكبار.
فاق هو من دوامته علي صوت والدته وهي تصيح عاليا ببكاءها الذي يعد أحد نقاط ضعفه والذي إخترق مسامعه وبقوه:
"خلاص عشان خاطر أمك!! خلاص يا غـسان."
قالتها والنساء الآخرين يؤيدونها في الحديث. مع تشنجات وجه الفتيات من أثر هذه المعضلة التي أمامهم حتى "جميله" قتل بها إحساس الخوف على الآخر.
تركه أخيرا. ثم ألقاه أرضا ووجهه غارق بدمائه. متنفسا بأصوات مسموعه.
خرجت "زينات" من شقتها أخيرًا، وبسرعة هي وابنتها. وما أن رأت حالة ولدها صاحت عاليًا وهي تشهق بخوف، متجهة نحوه بلهفة. أما "فريدة" هي الأخرى، فلم يتحرك بداخلها أي شيء تجاه شقيقها، بل أخذت تنظر بشماتة وببسمة جانبية متهكمة. لم يلاحظها غير التي كانت بنفس ردة فعلها، شقيقتها.
صاح "سليم" عاليًا وهو ينظر حوله للصامتين، مردفًا بقوة:
"لا واضح مين اللي ابنه مش كبير ومش متربي يا حامد!"
"واضح أوي فعلًا، ربي ابنك بقا وكبره لأن محدش تعب في تربيته وده غلط!"
قالها "غسان" بسخرية وبنبرة باردة، ثم نظر ناحية "حسن" وهو يردف قائلاً له بصوت هادئ يحمل الكثير، والآخر يجلس أرضًا بالكاد لا يرى من دماء وجهه.
"الواحد لازم يحمد ربنا إن ابوه وامه مش قرايب! مكنتش هستحمل نفسي لو طلعت أهبل وبرياله زيك كده يا حسن!"
قالها تحت أنظار الواقفين جميعًا، ثم اتجه إلى داخل الشقة المفتوح بابها بخطوات واثقة وكأنه لم يفعل شيئًا للتو. نظر "سليم" بحدة ناحية الواقفين جميعًا، ثم أشار لزوجاته وأولاده بأن يدخل كل منهم إلى الداخل. انساقوا هم خلف ما يريد هو، ثم اعتدل بوقفته ليبدأ بدلفه إلى الداخل. كل ذلك تحت نظرات "ياسمين" و"نيروز" غير الغائبة بالخوف على الآخر، والسعيدة المكبوتة ولو بذرة مما بالـ"حسن"، وعلى موضع عمهما في الحوار. كانت نظراتهم الاثنتان لا تختلف عن بعض، خاصة "نيروز" التي شعرت لوهلة بأن حقها قد استرد من عمها حتى ولو كان الحوار لا يخصها من الأساس. اتجهت "نيروز" ناحية "وسام" وهي تأخذها بأحضانها، خاصة أنها كانت تبكي مثل والدتها تمامًا.
دلف بعضهم إلى الداخل. وتبقى عائلة حامد وعائلة سمية، وزينات وهي تسند ولدها ببطء. وما أن وقفت على أعتاب باب شقتها، أردفت عاليًا موجهة نظراتها لـ"دلال" وهي تصيح بغضب، ظهر بنبرتها ونظراتها:
"روحي إلهي يتقطع ايد ولادك أو ياخدهم عشان ترتاحو!"
قالتها عاليًا، ثم صفعت الباب خلفها بعدما دخل زوجها منذ قليل. نظرت "دلال" بدموع بأثر الأخرى نظرات أسى وخيبة لا تعرف بماذا تجيب، ولكن ألمها قلبها من مجرد دعائها على أبنائها. نظر "بسام" بأثرهم بغضب، ثم وجه أنظاره ناحية عائلته وعائلة سمية وهو يردف قائلاً:
"يلا ادخلو جوه ملهاش لزوم الوقفة دي خلاص!"
أيده والده بقلة حيلة، خاصة أنه منع نفسه للتدخل فيما يسمي حديث النساء. نظر لهم وهو يتجه ناحية زوجته يسندها بعدما تركتها "سمية" حينما رأته يتقدم ناحيتها. ربط على ظهرها بحنان وهو يتجه بها إلى الداخل. بينما "بسام" يسند شقيقته وهو يمسك بيديها إلى حيث شقتهم.
نظرت "سمية" لهم قبل أن يدلفوا إلى الداخل قائلة لهم بأسف:
"حقكم على راسي مكان أي حد فيهم. ادخلو ارتاحو وإحنا هنيجي نطمن بعدين!"
كادت أن تعترض الأخرى ولكن قاطعتها "سمية" وهي تجيبها:
"معلش عشان تبقوا على راحتكم، وربنا يهدي الحال يا حبيبتي!"
قالتها، فأومأوا لها هم تزامناً مع إشارتها لبناتها بأن يتجهوا هم الآخرين حيث شقتهم. دقائق بسيطة وأصبح السلم خاليًا، ودلف كل منهم إلى شقته بهدوء بعد تلك المعركة المنتظرة بنوعها الآخر.
***
كان يقف ينظر على الاثنين وهما يحتضنان بعضهن بحب. نظرت له والدته وهو يقف أمامها، والأخرى تجلس بجانب والدتها تنظر لها باهتمام. طالعته والدته بنظراتها الحنونة وهي تأخذ أنفاسها أخيرًا ببطء قائلة له بنبرتها الهادئة:
"بس أنا مش موافقة حد يبات هنا معايا منكم على فكرة!"
أجابها "عز" وهو يتجه يجلس على المقعد الذي يوجد بجانب فراشها:
"مفيش حل غير ده يا حنون. وبعدين أنا كلمت مرات خالي الله يرحمه، وفرح هتروح تبات عندهم في البيت عشان كليتها طبعًا، بس مش مهم تروح بكرة، عما تبقي تجيب حاجتها من البيت والدنيا تمشي. يعني فرح مش هتبات هنا، تيجي اه تتطمن عليكِ، وأنا هبقى هناك وهنا وهظبط الوقت بإذن الله وهبقى على اتصال مع فرح بالتليفون كمان."
توترت ملامحها عندما جاء بحديثه عن هاتفها، بالطبع لا يعلم هو أنها قامت بتكسيره للهروب من تلك العقبة التي جاءت لها، وإلى الآن لا تعلم كيف تتصرف. نظرت له "فرح" بتوتر وهي تردف قائلة متحلية بنوع من الثقة في حديثها حتى لا يخرج مهزوزًا:
"اه، بس يعني... بصراحة كده يا عز تليفوني ضاع مني من كام يوم في الكلية، فأنا يعني مش معايا تليفونات دلوقتي."
عقد ما بين حاجبيه بتساؤل:
"ومقولتليش ليه؟ عامةً، أنا هتصرف."
نظرت له هي دون تفوه أي حرف، بينما تحدثت "حنان" قائلة بلطف:
"فداكِ يا حبيبتي مليون تليفون، المهم تبقي كويسة. قوم يا عز بقا وديها يلا زي ما قلت عشان الليل ليل خالص أهو!"
"طب سيبني اقعد معاكِ شوية يا ماما!"
نظر لها شقيقها بتعمق، ثم دقيقة وأخذ أنفاسه وهو يجيب الأخرى بهدوء:
"أيوه قايم أهو. يلا يا فرح!"
قالها بنبرة تائهة من أمر الأخرى والتشكك به وبمعاملاتها خلال اليومين الماضيين. أما "فرح" فانتبهت لنظراته جيدًا، وخاصة أن تلك النظرات بثّت بها ضعف التوتر الذي كان مدفونًا بداخلها وبمحاولاتها لإخفائه.
قامت أخيرًا متجهة خلفه بعدما احتضنت والدتها بحب ثم ودعتها، لتتركها في حفظ الله، ومن ثم تحركت خلف الآخر بهدوء.
***
بعد دقائق بسيطة في شقة "حامد"، دلفوا هم وراء الذي سبقهم. ولكنه كان بمكانه المفضل الآن، ممسكًا بزجاجة المياه المثلجة بيديه يتجرع منها على فترات. أصابعه تتمسك بها بقوة حتى صدر منها عدة أصوات من مسكته تلك. ناظرًا من أمامه بشرود، مع ذلك الهواء الذي يداعب وجهه بقوة مطيرًا بعضًا من خصلات شعره، خاصة الجزء الذي بمقدمة رأسه. أخذ أنفاسه للمرة التي لا يعرف عددها وهو واقفًا بمكانه والصمت سيد الشرفة. الصوت المسموع هو صوت أنفاسه مع صوت الزجاجة الذي يضغط عليها هو بيده ممزوجًا بصوت الهواء العالي، وكأنه هو والهواء صديقين يتأثر كل منهما بالآخر. إن هاج وآنفعل هو فعل مثله ذلك الهواء غير المتوقع متى سيقوم.
بالخارج كانوا هم يجلسون مع بعضهم بصمت والوجوم يحل على ملامحهم مع تشنجات وجوه بعضهم. جففت "دلال" عينيها من أثر البكاء منذ قليل وهي تتنفس بعمق قائلة بهدوء ونبرة صوت خرجت ضعيفة منها نسبيًا:
"قوم! قوم ادخل لاخوك يا بسام، أو قوم انت يا حامد!"
وجه "بسام" نظراته المشفقّة على عاطفة الأمومة لديها، ثم أخذ أنفاسه وهو يردف قائلاً بعقلانية:
"معلش يا ماما سيبه لوحده شوية، أكيد محتاج يهدي عشان نعرف نتكلم معاه على الأقل."
"كلام ابنك صح يا دلال، وبعدين مش عايزين المواضيع تكبر أكتر من كده. اللي كان كان، ادخلي يلا الأوضة ونامي وارتاحي وهيحلها ألف حلال!!"
نظرت هي إلى زوجها وهي تومئ له بالإيجاب، ثم قامت لتنهض من على الأريكة. فنهض "بسام" سريعًا يسندها وهو يمسك يديها بلطف متجهًا معها إلى حيث الغرفة بخطوات تكاد تكون بطيئة. دقيقتان ودلفا معًا الغرفة، وسطحها على الفراش الخاص بها، ثم دثرها بالغطاء جيدًا وهو يبتسم لها بحنو. فالتفت هو ليتجه خارجًا من الغرفة، ولكن أوقفته نبرتها الهادئة وهي تقول له بترجّي:
"بسام!! متسيبش أخوك مع أبوك لوحدهم، متسبش أخوك يفكر كتير مع نفسه عشان خاطري!!"
التفت ينظر لها بهدوء وهو يردف قائلاً باطمئنان:
"متقلقيش عليه!"
كل اللى حصل ده بيحصل عادي، متحطيش نفسك عشان متتعبيش. ولو على أبويا، هظبطهولك مع غسان خالص، متقلقش إنت يا قمر!
قال أخر حديثه بمرح طفيف، حتى تبتسم هي. وبالفعل ابتسمت باتساع وهي تردف قائلة بنبرة بالغة من الحنان:
"ربنا يخليكم ويبارك فيكم! ربنا يطمنك يا بني!"
ابتسم لها بثقة ثم التفت متجهًا خارج الغرفة بأكملها، غالقا الباب من خلفه بهدوء، متجهًا مرة ثانية حيث مكان جلسته الأول. فوجد والده يجلس بمفرده! ويبدو أن شقيقته انصرفت إلى غرفتها أيضاً بأمر من والده، فبالأساس كانت لن تتحرك إلى أن يهدأ ويخرج لهم الٱخر ما دام منعوها من دلوفها له بالداخل! اتجه ليجلس بجانب والده بصمت. فأخذ أنفاسه وهو يتحدث قائلاً وبنبرة مترددة بعض الشيء:
"بابا! متزعلش من غسان، هو ميقصدش يصـ.."
قاطعه والده وبنبرة جامدة:
"أنا مش زعلان من أخوك، أنا خايف على أخوك!!"
"بابا غسان ميتخافش عليه، حضرتك عارف ده كويس! وحسن تعدي حدوده وأكتر!!"
التفت حامد ينظر له وهو يحرّك رأسه يميناً ويساراً:
"يا ابني إنت عمرك ما هتفهم كلامي ده! اللى شوفته النهارده وشكل حسن ده بيقول إنه إنسان شراني، ده أكيد بيتعاطى حاجات. أخوك فاكر إنه كده بياخد حقه صح! مش عارف إنه ممكن يعمل فيه حركة غدر. ده مش حسن الصغير يا بسام، أنا مش خايف منه، أنا خايف على ابني خايف على أخوك!"
صمت قليلاً ثم واصل مجدداً:
"أنا مش مستعد أخسر واحد فيكم، مش هستحمل يا بني!!"
ربط هو على يد والده باطمئنان وهو يردف قائلاً بنبرة هادئة وعميقة:
"عايزك تعرف يا حامد إن ابنك راجل، وقبل ده كله فى حماية ربك! وصاحب الحق والصح عمر ما ربك يخذله ولا يكسره!"
نظر له والده بصمت وهو يومأ له على حديثه دون تفوه أي حرف! فنهض هو ثم سحب يد والده خلفه وهو يتحدث مردفاً بنبرة لا تقبل النقاش:
"الوقتي لازم تواجهو بعض! وإنت عارف إن غسان مطلعش لحد دلوقتي عشان ميشوفكش كده ولا يشوف ماما وهي بتعيط!"
نهض حامد بهدوء وسار هو أولاً، ثم بسام من خلفه مباشرة، متجهين معاً ناحية الشرفة التي توجد بغرفة غسان. فتحوا الغرفة بهدوء ثم اتجهوا ناحية الشرفة يدلفونها من الداخل، واقفين معاً جانب بعضهم متراصين دون تفوه أي حرف إلى الآن! فخرج الحديث من غسان بنبرة هادئة وهو يلتفت ينظر لذلك الواقف بجانبه بصمت وكأنه بمفرده في تلك الشرفة:
"أنا عارف إنك زعلان مني، مش قصدي أقلل من وجودك ساعتها، بس انت عارف آني مغلطش وإني كان لازم أرد حقي!!"
"أنا عندي زعل بالخوف عليك! مش منك، مش عايز واحد زيه يخسرني فيك!"
قالها حامد بهدوء وهو ينظر إلى الٱخر. وجه غسان نظراته إليهم ثم خرج منه صوته قائلاً بهدوء مطمئن:
"عايزك تبقى مطمن أكتر من كدا يا حامد، ولا عاش ولا كان تبقى حاجة ولا حد مخوفك وأنا لسه عايش!"
ابتسم له حامد ببساطة، ثم رفع يده يربط على ظهره بحنان. فوجه غسان نظراته لذلك الواقف خلف والده! فوجده يرسل له غمزة من عينيه بمشاكسة تعني بأن كل شيء على ما يرام الٱن! ابتسم له هو بثقة وهو يهز رأسه له بالإيجاب. وبعد دقائق استأذن هو ليخرج من الشرفة قليلاً:
"جايلكم تاني!"
قالها ثم خرج منصرفاً من أمامهم، متجهًا إلى حيث غرفة والدته. دقها دقة واحدة خافتة ثم دلف وترك الباب من خلفه مفتوحاً. أما هي فابتسمت باطمئنان وثقة من نفسها، كانت تعلم جيداً بأنه سيأتي لها ولو قاربت الساعة على مشارف الفجر ولكن لا يتركها حزينة! اتجه يجلس أرضاً ثم أخذ يديها يضعها أمام فمه وهو يقبلها بحنان. ابتسمت هي وهي مسطحة على الفراش ليخرج منها صوتها الهادئ قائلة له:
"كنت عارفه إنك هتيجي ومش هتسيبني أنام كده وأهون عليك!"
ابتسم لها هو بسمة صغيرة وهو يردف قائلاً بنبرة هادئة وعميقة تصل إلى مسامعها:
"لو يهون العالم كله، يهون، لكن إنت عمرك ما تهونى أبدا! حقك عليا!"
"هتخلي بالك من نفسك؟ وهتسكت ومش هتعمل حاجة تاني؟ مش هتوجع قلبي عليك وتقلقه؟"
"متقلقيش واطمني، كله هيبقى تمام!"
قالها هو يستقيم من جلسته أرضاً، منحنياً يقبل قمة رأسها بحب. أغمضت عينيها باطمئنان وهي تشتم رائحته بحب، ترفع ذراعيها تحاوطه بحنان. وفي تلك اللحظة، تشكر ربها على وجود الخير التي زرعته به!
قاطع لحظتهم تلك دلوفهم إلى الداخل بهمجية، بعدما خرجت وسام من غرفتها بواسطة بسام ووالده أيضاً!
"بتبوس مراتى؟ وفـ أوضتى؟"
قالها حامد بحده مصطنعة. فنظر له غسان ثم أردف قائلاً:
"معلش إني لمست أشيائك عليا دي المرادي، بس انت مسقط حاجة! دي أمي يا حامد!!!"
قالها بكيد للٱخر! فأيدته شقيقته وهي تنظر لولدها أيضاً:
"صح ادعم وبشده، و خد بالك ومرات أبويا أنا كمان!"
ضحكوا بخفة عليها. فخرج صوت بسام قائلاً بمرح:
"يعني إحنا شركة فيها محدش يبقى أناني يجدعان!"
"ماشي حيث كده! فأنا هضطر..."
صمت هو قليلاً ثم أردف يقول مجدداً:
"مسيبهاش ليكم، دي حب عمري يا صايع."
قهقهوا على حديثه. فأردف غسان قائلاً بهدوء:
"أسيبكو أنا مع حب عمره، وأروح أشوف حالي وشوية وأنام عشان ورايا شغل الصبح!"
أومأو له بالإيجاب، خاصة والدته وشقيقه الذين ابتسموا له باطمئنان وأمان، نظرات تعني وللمرة الثانية! بأنه (حسناً حسناً، كل شيء الٱن على ما يرام دعنا الٱن وشأننا!)
أما في شقة الٱخر والذي يعتبر خصم الٱن، كان مسطحاً على الأريكة الكبيرة في الصالة الخاصة بمنزلهم وهم ملتفون من حوله عدا زينات التي كانت تجلس بجانبه تضع على وجهه بعض من القطن الطبي لتزيل آثار الدماء على وجهه بالمحلول الطبي الذي بيديها الأخرى! كان سليم واقفا بجانب إبنه الاخر حازم والذي جاء لهم بعدما دخل بوالدته وشقيقته حيث منزلهم! نظر سليم لهم وهو يردف قائلاً بحده أخيراً بعد فترة من الصمت:
"انتم ايه اللى هببتوه واللى بيحصل من ورايا ده! وانت يا فاشل ياللى هتفضل طول عمرك فاشل وغبي ومفيش منك رجا، مش ناوي تحل عني وعن سمايا بقا بمشاكلك وقرفك ده! كان ناقصلك ايه! السجن؟ ما تنطق؟ يا أخي كنت روحه وخلصنا منك ومن خلقتك العكرة دي!"
صاح بآخر حديثه بانفعال بالغ، حتى فريدة انتفضت من أثر صوته وهي واقفة بعيداً بركن ما!! أما زينات فضغطت على أسنانها بقوة وبغيظ مكتوم من طريقته تلك وولده بهذه الحالة!
قلب حسن نظراته المذلّة من حديث الآخر المعتاد له، وهو ينفخ أنفاسه رغماً عنه، مردفاً بنبرة متقطعة ومتغيرة من أثر القطن الذي يوجد بجانب فمه ناحية خده!
"أنا لسه معملتش حاجة! ممكن توفر كلامك ده لوقت تاني يبقى أحسن!"
"ولسه هتعمل ايه أكتر من كده كفايا بقا يا حسن كفايا ضياع أكتر من اللى انت فيه اهدي وخلينا نهدي معاك بقا!!"
قالها حازم بصوت عالٍ، فأخذ سليم أنفاسه بحده وبصوت مسموع:
"وهتعمل ايه تاني! عاوز تموت تحت إيده المرة الجاية يا غبي! ايه؟"
مشوفتش نفسك وانت بتفرفر تحت ايده ومحدش عرف يشيل غير حرمه وهى اللى شالت عنك!!
قالها بإنفعال فألتفتت "زينات" تهدر بعصبية بالغه وعينيها تنطلق الشرر:
"إنت ايه !! نازل فيه ومفكرتش في حالته دي ولافى اللي واقف جمبك ده لولا شهادته عليه ووقوفه جمب التانى مكنش حصل اللى حصل!!"
نظر "حازم" لها بحده وهو يردف قائلا بجمود:
"وبشهادتي دي بردو هي اللي جابتلك إبنك اللي قاعد قدامك الوقتي بدل ما مكانه كان معروف هيبقي إيه ده العقل حلو يا مرات ابويا!!"
كاد أن يكمل حديثه أيضا فصاح بهم "سليم" عاليا:
"أخرسوا بقا محدش ينطق بكلمه. مخلف اتنين أفشل من بعض زي قلتهم واحد ضايع خلقه والتانى بيـ ـاع لأهل بيته وعـ ـويل!!"
ابتسمت "زينات" بانتصار من حديثها الذي أردفته وبالفعل أثر بالاخر جيدا كما كانت تريد. خرجت نبرة "حازم" المنفعله وهو يوجه حديثه لوالده:
"لا أنا مش عويل وبياع !! , أنا غلطان أاه غلطان كنت سيبته يتعامل ويضيع ومكنش ليا علاقه بيه وسيبتكم تجروا وراه وأريح دماغى أو أسيبهالك انت تتصرف فيها وانت مكنتش موجود أصلا. المره الجايه إتصرف زي ما انت عاوز ملحوقه !!"
قالها بانفعال واندفاع ثم اتجه سريعا يخرج من باب المنزل تحت أنظارهم جميعا فنظر "حسن" لوالده وهو يردف قائلا بتهكم:
"مش ده حازم ابنك اللي بتفضله عني!!"
وجهت "زينات" أنظارها تنتظر رد الآخر فجاءهم صوته المهدد له وهو يقول:
"إسمع !! لو فضلت علي حالك ده شوفلك حته تانيه تتزفت تقعد فيها مش ناقص قرفك ومشاكلك وبعدين انت بتقارن نفسك بيه علي ايه مكمل علامك وشغال زيه وبتصرف على نفسك. ولا يكون في حالك ومبتحطش سيجاره في بوقك. لاخر مره بحذرك خلقتك دي لو متظبتطش مشوفهاش في بيتي تاني!"
قال حديثه باندفاع ومرة واحده ثم اتجه إلى حيث غرفته تاركا اياهم بمفردهم. لملم "حسن" أشيائه من حوله ثم هب واقفا وهو يتأوه من تعبه. نظرت له "زينات" بتساؤل فلم يعيرها أي انتباه بل اتجه إلي حيث باب الشقه يفتحه وهو يردف قائلا بتشنج:
"ماشي وسيبهالكم مخضـ ـره عشان ترتاحو. ويرتاح من خلقتي. سـ ـلام"
"لأ استنى يا حسن متمشيش هو مش قصده أقعد وملكش دعوه أنا هتصرف !!"
قالتها عاليا أما هو فتجاهلها وهو يخرج من الشقه تاركها تصيح عاليا بترجى. نظرت هي بأثره بأعين مدمعه بعاطفة أي أم رغما عنها ورغم طبعاها السيئه تلك. أما الاخري نظرت لهم بخيبه أمل وهي تتوجه ناحية والدتها تربط علي كتفيها. نفضت "زينات" يدي الأخري وهي تصيح بها بانفعال من بين دموعها:
"ابعدي عنى ابعدي السعادي غوري من وشي بقولك!!"
إنتفضت "فريده" ثم نهضت واقفه تنظر لها بتعابير وجه خالـ ـيه غير متفاجأه من هذا التعامل بل هي معتاده. توجهت هي حيث الغرفه تاركه والدتها جالسه بمفردها بالصاله ومازال بيديها أثر دماء الاخر المـ ـلطخه بها.
***
كـ ـانت تجلس على تلك الاريكـ ـه المعتاده. لم ينام أيا منهم إلى الٱن. برغم عملها الذي سيكون فى الصباح الباكـ ـر. وجهت "نيروز" نظراتها إليهم ثم أخذت أنفاسها ببطئ وهو تردف قائله بدون مقدمات:
"ايه يا بت وشك منور وفرحان كده ليه"
قالتها وهي توجه أنظارها لشقيقتها تحديدا. فابتسمت "ياسمين" باتسـ ـاع وهى تتحدث قائله تجيب الاخري تحت أنظار والدتهم:
"هو مش طبيعي اللي أنا فيه ده. ده كده قليل أوي عاوزه أقوم أرقص قدام زينات وبنتها وعمك كمان. غـ ـسان عمل اللي كنت عاوزه إعمله من زمان. علفكره أنا ضايع عليا فرص كتير أوي عشان مش ولد!!"
قالتها بمرح مشاكـ ـس. افلتت ضحكات "نيروز" عليها بقلة حيلـ ـه. ولكن "سـ ـميه" كانت تنظر لهم بصمت إلى أن انتهت الاخري فاردفت قائله بعقلـ ـ:
"الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تـ ـظهر الشماتة لأخيك. فيرحمه الله ويبتليك. وإنتم مش كده. ولا ربيتكم على كده. أاه عمل كتير وقال كتير هو وعمك وكلهم عموما. بس لا نفرح ولا نزعل فيه. عشان ربنا يكرمكم وحياتكم تمشي براحه وخفيفه وبسـ ـلام!!"
"عليه الصلاة وأفضل السـ ـلام! كلامك صح ياماما بس إحساس الخوف المقتول جوايا من نحيتهم خلاص! معتش بيصعب عليا حد فيهم. مش ناسيه. مش ناسيه كل حاجه عملوها فيا أنا وورده ومعايرتهم ليها. مش ناسيه نظره الفرحه في عنيهم لما كانو فرحانين فيا وبحالتي بعد موت بابا مش ناسيه عياط ورده على حالها الي بتحاول تنساه وتتأقلم معاه وكل ما تيجي هنا بيفكروها. مش ناسيه كسرتى أنا وهى بسببهم. لما هى حست إن حد جه على ابنها وكسره وقلل منه ده مكنش إحساسك ياماما علينا منها. علفكره هي بتدوق من نفس الكاس. بس كاسها أقل مراره منا!!"
قالت"نيروز" حديثها بإندفاع ومره واحده على مسامعهم. فتنفست "ياسمين" بعمق وهي تجيب الاخري:
"مش عارفه هي شماته ولا إيه بس هي حاجه غصب عننا. بس اللى أعرفه ومن غير مبالغه إن حسينا إن الحق بيرجع لاصحابه بطريقه مش مباشره. أو القوي فيه الاقوي منه وهيجي يوم وكله يترد فيهم والواضح إن الميعاد جه خلاص! وانها حست بحاجات كتير حسينا بيها لوحدنا. برغم إنها كام بونيه وقلم على وشه وزقه على الارض. إتهان مش هنكر. بس متاهنش زي ما كانت بتهين فينا بشماتتها وكلامها اللي زي السـ ـم!"
ابتسمن لها الاثنين بهدوء. فأردفت "سـ ـميه" أخيرا:
"داين فـ ـ تـ ـدان. دي الخلاصه. وانتم قلوبكم بيضه وتربيتكم بعيد عن الشماته. بلاش يا حبايبي!"
نظرت "ياسمين" لها بحده مصطنعه وهي تردف قائله:
"لأ مش كده!!"
"أومال ازاي"
"هقولك"
قالتها ثم نهضت واتجههت ناحيه السـ ـفره وهي تضع كلتا يديها تقوم بالدق عليها بلحن. تتحدث بأغنيه معروفه نسبيا. وبصوتها المـ ـلحن قائله بتلحين:
(أنا شفت كتير منك وخلاص أهو فاض بيا
معقول كده عآدى وسهل عليك تظلم فيا
ودا قلبك إيه أصلي مشوفتش عندك إحساس
إزاى في الدنيا فيه ناس كده قاسيه ومؤذيه
أنا شوفت كتير منك ياللي عليا استقويت
وإنت مبطلتش توجعنى يوم و استكفيت
الله لا يسامحك علي جرحك ولا كسرك ليا
الصبر جميل واهو بكرة تشوف ويجيلك يوم
والوقت كفيل هيجيب حقي دى دعوة مظلوم
ودعيتها عليك من قلبي بقيت كارهاك بضمير
داين ف تدان اومال يعنى إنت مفكر إيه
ودا درس زمان إنت مذاكره و بتسقط فيه
مش قسوة دى منى وتستاهل آكتر بكتير)
أما هم فابتسموا باتساع وهم يستمعون إليها بهدوء واستمتاع مندمجين.
ما إن انتهت، جاءهم صوتها المتسائل وهي تتحدث لهم بمشاكسة:
"عرفتوا بقا بتبقا إزاي؟"
قالتها ثم اتجهت تقف من أمامهم، لتجدهم ينظرون إليها بحب فاض من أعينهم، حتى تحدثت "نيروز" قائلة بلهفة:
"بقالك كتير أوي متغنتيش ولا سمعتينا صوتك الحلو ده!"
"لا ما كلو بتمنوا، هه قولولي بقا هتدفعوا كام؟"
نظرت لها "والدتها" بحنق زائف وهي تجيبها قائلة وهي تنظر أرضًا حيث حذائها المنزلي:
"تعالي وأنا أدفعلك أغلى حاجة عندي."
نظرت لها "ياسمين" ببرود وهي تتحدث قائلة تزامناً مع دلوفها غرفتها لطريقها لها:
"لأ خلاص ميرسي، كانت حفلة مجاناً، good night يا حبايب!"
ضحكوا عليها بخفة وهي تدخل إلى حيث غرفتها بخطواتها الواثقة ولكنها كانت مرحة. نظرت "نيروز" إلى أثرها بقله حيلة ثم وجهتها إلى والدتها وهي تقول:
"أنا هروح أوضتي وشوية كده وأنام، بس صحيني بدري بقا عشان المقابلة الشخصية للشغل، انتي مش هتنامي بقا ولا إيه؟"
"لا يا حبيبتي قايمة! هروح أتوضى وأصلي عشان مكنتش صليت عند طنطك دلال! وأنام علطول."
أومأت لها هي وهي تستقيم من مكانها ناهضة لتتجه حيث غرفتها، تتمتم للأخرى بابتسامة صغيرة:
"تصبحي على خير يا سمسم!"
***
تجلس شاردة الذهن بأحوالها التي لا تكف عن التفكير بها! تفكر بحديثهم عن مدى جمال تلك المهنة المستقبلية بالنسبة لها! تفكر بحديث كل من قام بتحريك الأمل بها! تتداخل الأفكار بعقلها ويوجهها ناحية تفكيرها بأمر شقيقها الٱخر! وكيف كانت ساكنة ثابتة لا تشعر بشيء تجاهه! وكذلك والدها التي أصبحت تمقت أن تناديه بكلمة "أبي" لو بإمكانها لقامت بمناداته بلقب مهنته فقط! نهرت نفسها للمرة التي لا تعرف عددها بسبب وصول تفكيرها لمن جاء بها إلى هذه الدنيا بهذه الطريقة! لكيف تفكر به كذلك! بالطبع لا، لا يوجد من يكره أباه. وصلت لنقطة معينة وأخيراً أنها أيقنت بالفعل أنه صراعها النفسي الداخلي! أصبحت لا تقوى على تفكيرها وخلوها بنفسها.
وصلت عند نقطة معينة الٱن هي تحتاج طبيباً نفسياً لوقوف صراعها الداخلي عن الحد! قاطع شرودها شقيقها وهو يدلف إلى غرفتها المفتوحة قليلاً بهدوء! باتر حبل أفكارها الميت ومنقذه "حازم" دلف بخطوات بطيئة ثم جلس بجانبها على الفراش بصمت. ثوانٍ لا تعد وأخذ هو أنفاسه بعمق مردفاً لها وبتلقائية دون أية مقدمات:
"زعلتي النهارده كام مرة؟"
طالعته بخيبة أمل وهي تأخذ أنفاسها محاولة التحكم بنفسها لتجيبه بهدوء وصوت كان به بعض الضعف:
"زعلت انت كام مرة؟"
"زعلت عشانك! وعشانك وعشانك!"
نظرت له باستغراب من أمره وحديثه هذا، فواصل هو مجدداً بنبرة عميقة واضعاً ذراعه على كتفيها:
"الأولى علشان حسيت بكسرتك وانت بتتكلمي عن حاجة مش حباها فوقت غيرك كان بيتكلم عن حاجة حاببها!
والتانية علشان هم اتعاملوا بحسن نية قدامك ومعاملتهم مع بعض خلتك تقارني غصب عنك!
والتالتة عليكي على إنك لا الدم غلي فعروقك ولا اتحركتي سنتيمتر واحد كرد فعل لزعل وخوف على حسن عكس ما توقعت لقلبك الطيب!"
طالعته بعدم تصديق إلى وصوله لمرحلة ما تفكر به هي دون أدنى مجهود بأن تشرح هي! لم تظهر هي كذلك بل أخذت شهيقاً وزفيراً بعمق مردفة بهدوء:
"وده بردو عدد المرات اللي زعلت فيها بالظبط! بس بحاول مزعلش وأحط فنفسي بس غصب عني. عارف؟ أنا متدايقه أوي من نفسي عشان متزعلتش على حسن. حاسة اني ندلة ووحشة!"
"عمرك ما كنتي ولا هتكوني وحشة. الحلو من جوه صعب يتفهم من برا. وانتي جميلة يا جميلة من جوه ومن برا. هو بس نفسيتك وأحوالك متلغبطة. بس أنا جمبك وبحاول أملي أماكن فاضية عندك. بحاول أعمل اللي يرضيكي. أرضيني برضاكي ومتزعليش عشان خاطري!"
قالها وهو ينظر بنظراته ذات التأثير عليها هي. طالعته بحب، ثم دخلت بين أحضانه وهي تقول بنبرتها المتحشرجة:
"أنا راضية عشان حاجة واحدة بس. كونك فحياتي.
فكل الرضا وكل الاطمئنان عشان جمبي ومعايا أخ زيك يا حازم!!"
رفع ذراعيه يربت على شعرها ممراً على ظهرها بحنان، يفيض منه هو تحديداً. هو ذلك المعروف بلين قلبه ومعاملته أينما حل عليه.
***
"الذكريات لا تُنسى بل تبقى في ركن ما في القلب وتأبى أن يعبث بها أحد."
وقفت بشرفتها تشم القليل من الهواء، ولكن تلك المرة لم تفكر بماضيها، بل فكرت ورسمت في عقلها ماذا سيحدث غداً عند أول خطوة قد اختارتها هي بإرادتها وبعد فترة من انعدام الرغبة لفعل شيء! كان يوجد ضوء بسيط بالكاد ترى ما حولها منه. أخذت نفساً عميقاً ثم نظرت إلى الدفتر الذي يوجد بيديها. دفتر خاص بها تتدون به كل ما يخطر وما يحدث وما ستشعر أنه سيحدث. استندت على العمود الخاص بتلك الشرفة وهي تفتح القلم تتدون ما تريده خاصة أنه قد دب بها بعض الأمل الممزوج باللهفة لخروجها من تلك القوقعة التي حاصرت نفسها بها لمده طويلة. بدأت بالبسمة ثم دونت ببطء وبخط يديها البسيط:
(أدعوك اليوم وكل يوم..
أن أنجو من ثقل الأيام.
أن تمر خفيفة دون مشقة.
ألا أجد في طريقي عثرات.
فأنا متعب وأنت أحن مني.
أسألك أن يختفي القلق قريباً.
وألا أجد في قلبي إلا أمانك!).
استغرقت عدة دقائق حينما دونت هذه الكلمات التي كانت تناجي بها ربها بينها وبين نفسها والمطلع الوحيد ربها! ذلك الدفتر الوحيد القادر على خروج تلك الكلمات المحبوسة بداخلها! نظرت لتلك الكلمات عدة مرات وهي تدعو بها بكل مرة. أما الٱخر فبالطبع وبذلك الوقت كان يقف ممسكاً بزجاجة المياه في يديه ولكن لم يشرب منها هذه المرة عندما جاءت ووقفت هي بل تابع ما تفعله هي بتمعن. وقبل ذلك كان يقف شارداً الذهن يدخل في عقله بعض الأمور المتداخلة مع بعضها. لم يأتيه النوم بعد! إلى أن جاءت هي وبحركاتها التلقائية الغير عابئة بوجود أحدهم يرى ما تفعل هي! ومن ثم قاطعت شروده! أخذ "غسان" أنفاسه دون صوت ثم أردف قائلاً على فجأة وبنبرة متسائلة تحمل من الذكريات ما يتذكره الاثنان معاً:
"وعلى كده لسه خطك حلو؟"
إنتفضت كما تنتفض كل مرة، ولكن التفتت بسرعة وما أن رأته أخذت أنفاسها بعمق مردفة بعد ثوانٍ بتأكيد وبنبرة هادئة مهزوزة ولو بذرة من حرجها منه:
"انت لسه فاكر.. خطي؟"
لحظة! كيف عرفت أنه هو! كيف لم تجد به شقيقه الٱخر! كيـف عرفته من مجرد حديثه العابر عن الذكريات؟ ولكن كيف شعرت أنه من قام بالمعركة التي كانت من نوع آخر منذ ساعات قليلة!! هذا ما حدثت به نفسها. أمن لون الشعر؟ أم من لون الأعين كما قالت شقيقته؟ أم أخيراً من تلك البقعة الزرقاء الصغيرة التي توجد على وجهه من أثر ضربة الآخر الوحيدة منه!
ابتسم بسمة صغيرة، وهو يتحدث موجهاً أنظاره فقط لها مردفاً بنبرة واثقة خرجت منه بثبات دون حرج:
"ولسه فاكر حاجات كتير منستهاش!!"
ابتسمت بخجل! ولكن شردت للحظة لأن تلك الذكريات تذكرها بحبيب أيامها الراحل! التي كانت تشاركه كل ذرة بها. لذلك، نظرت له بلهفة تجيبه بنبرة متسائلة بها بعض اللهفة التي ظهرت من نبرتها الهادئة وهي تقول:
"قولي زي ايه؟"
عقد مابين حاجبيه.
قبل أن يجيبها، سألها قائلاً:
"متقوليش المرادي انتِ مين فيهم؟ بس معذورة المرادي في علامة معلماني!"
فلتت منها ضحكة خافتة على حديثه الذي أردافه بسخرية، ولكن اعتدلت تجيبه بهدوء وكأنها لم تفعل شيئًا:
"ع فكرة إحنا كلنا بنتأسف ليكم على اللي حصل من حسن!"
"دي حاجة من الحاجات اللي منستهاش!"
عقدت ما بين حاجبيها بتساؤل، وجهت أنظارها من على بعد لعينيه أخيرًا، خاصةً أنها غالبًا ما تركزها بركن آخر غير عينيه! فأردفت تسأله:
"هي إيه؟"
فتح الزجاجة يتجرع منها بثلجها الذي يوجد معه القليل من المياه الباردة! وبعد دقيقة واحدة جاءه صوته الهادئ المتنحنح وهو يجيبها:
"إنك بتتأسفي كتير على حاجة ليكي ذنب فيها وعلى حاجة ملكيش ذنب فيها. فاكر إني ضربت حسن عشان قطعلك فستانك من الكوم عشان متجيش تلعبي عندنا انتِ وجميلة؟ ولما عيطتِ روحتِ تتأسفي له أنه عيط بسببك عشان شوفته بيضربك وروحتِ ضربته!"
كانت تبتسم ببسمة واسعة وهي تستمع إلى حديثه، خاصةً أنها تتذكر مثل ذلك الموقف جيدًا! فنظر هو لشرودها ولكن فاقت هي أخيرًا ثم تحدثت تجيبه قائلة:
"بابا قالي إن الأسف مش بس عشان غلطنا ونتأسف، ممكن تتأسف مكان حد ونهون عليه، نتأسف حب! أو نتأسف مواساة أو نتأسف عتاب! نتأسف بالأفعال! بس أنا واضح كنت واخداها بالمعني الحرفي وخلاص."
قالت آخر حديثها بسخرية مُرَحَة بغير وعي، خاصةً أن الآخر لديه قدرة بتلاعب الأحاديث وجعل من يقف أمامه يتحدث أكثر ما يتحدث هو! ضحك هو بخفة فنظرت له بهدوء وبها بعض الحرج منه! فجاءها نبرته الهادئة العقلانية بقوله:
"بس مش مع كل الناس الكلام ده! مع اللي يستاهل ده فعلًا. مظنش أبو علي يستاهل، وبعدين أنا عندي سؤال!"
طالعته بنظرة عينيها ذات لون العسل وهي تقعد حاجبيها!! فأردف "غسان" يجيبها بتساؤل:
"هو حسن؟ راضع عادي زينا ولا راضع زبالة؟"
صمتت هي تحاول كتم البسمة وكتم إجابتها الحتمية المعروفة! هز هو رأسه وهو يتحدث قائلاً لها بثبات:
"ودي حاجة تانية كنت هنساه!"
"إيه؟"
"بتخافي تقولي الحقيقة؟"
صدمت هي داخليًا لاتعرف بماذا تجيب ولكن حاولت التبرير بقدر الإمكان:
"مش سكوت عن الحقيقة، بس يعني أنا مش هطلع كويسة لو قولت عليه حاجة وحشة وهو... وهو ابن عمي، معروف أنه عمل وسوى كتير بس مش عارفة هو يعني إيه بالظبط لحد دلوقتي!"
"بس أنا عارف هو إيه!"
قالها ببساطة! فنظرت له تسأله بتلقائية:
"هو إيه؟"
"لأ منا مش هينفع أقولك!"
أحمر وجهها بشدة، فأردفت قائلة بنبرة مرتبكة:
"طب عن إذنك، تصبحوا على خير!"
نظر هو بأثرها مبتسمًا على رد فعلها هذا! يعلم أنها قد خجلت ولطالما خجلت فطبعًا دق قلبها بسرعة، وهذه سر كلمة "بيدق جامد ليه؟"
والذي يردفها هو عندما يحمر وجهها بشدة، ولكن تلك المرة وهي تغلق الباب الخاص بالشرفة جاءها صوته المتسائل وهو يقول:
"بيدق جامد ليه طيب؟"
ابتسمت هي بقله حيلة! وبنفس الوقت استغراب من أمره! هو يتلاعب بتلك الكلمات والذكريات الذي لم ينساها هو ولا هي! دلفت هي للداخل حيث فراشها تتسطح عليه بإنهاك من ذلك اليوم المرهق! أما هو فلم يسمع صوت إغلاقها للشرفة دون صوت بل أردف تلك الجملة المتسائلة مقنعًا نفسه بأنها دلفت إلى الداخل وبالكاد لا تسمع الجملة بوضوح، لكنها وصلت إلى مسامعها! تلك الجملة الذي بالكاد يتذكرها هو ومن أشد الجمل التي كانت تلقيها على مسامعهم عندما يجلسون معًا في الطفولة! تذكر هو تلك الجملة جيدًا الآن! وهي تحدثهم بنبرتها الطفولية البريئة:
"لما خدودي تبقى لونها red قلبي بيدق بسرعة خالص!"
ابتسم وهو يهز رأسه متذكرًا، تلك الجملة جيدًا وذلك اليوم وتلك اللعبة التي كان يلعبها معها ومع الآخرين، جملة أتت من زمن كان مليئًا بحب الطفولة، زمن مليئًا بالبراءة والعفوية!
وإن كنا نبحث عن أمنية واحدة نريد تحقيقها ولو للحظة! أمنية تتكرر على مسامعنا أغلب الوقت ألا وهي:
"ليت الزمان يعود يومًا!"
رواية عودة الوصال الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة ناصر
جاء صباحهم همّ، وصوت الأقدام في الصباح في شقة "حامد" مسموع نسبياً. حركة ما بين ارتداء "غسان" بغرفته ملابسه الخاصة بالعمل، والمكونة من حلة رمادية عادية، ولكن معلقاً عليها تلك الهوية الخاصة به وبعن رتبته في العمل المنقول به من المكان الآخر. لاحظ هو اللاصق الطبي الموضوع على جانب فراشه، يبدو أن شقيقه وضعه له عندما يستيقظ ليضعه قبل الخروج. ابتسم هو حينما جذبه ليفتحه، ومن ثم يقوم بوضعه على وجهه.
والغرفة الأخرى التي توجد بجانبه، غرفة شقيقه، حركته وهو يأخذ أغراضه من على مكتبه الصغير بلهفة للخروج لعمله. أما الغرفة الثالثة، فكان الصباح باكراً بالنسبة لها "وسام". بالتأكيد هي في سبات عميق الآن لسهرها على المذاكرة، وقبل كل ذلك متابعة تلك المباريات الخاصة بكرة القدم التي لا تفوت أي مباراة منها حتى وإن انقلب ذلك العالم رأساً على عقب.
خارج تلك الغرف الثلاث، كانت "دلال" بالمطبخ تعد مشروبات ساخنة وشطائر خفيفة لأولادها. و"حامد"، كما يعتاد، يستيقظ في الصباح الباكر لاعتياده ذلك أغلب الوقت، حتى وإن كان لا يعمل حالياً. فقد تقدم للمعاش منذ فترة كبيرة، لذا هو دائماً بالمنزل، ولكبر سنه نسبياً.
خرج الاثنان معاً بنفس ذلك الوقت من غرفة كل منهم. ابتسموا لبعضهم لتلك الصدفة الجميلة في أول يومهم. ولكن هناك من له رأي آخر.
نظر "غسان" لشقيقه وهو يقف بجانبه من الناحية الأخرى، وكل منهم يقف أمام غرفته. وجه هو نظراته للآخر وهو يردف قائلاً بابتسامة واسعة لا تتماشى مع طبيعة حديثه:
"أعوذ بالله بقا دي خلقة أصطبح بيها على الصبح يا جدع!!"
نظر له "بسام" بحنق مصطنع، بينما كان يتابعهم "حامد" الجالس على تلك الأريكة بالصالة أمام التلفاز، حتى ضحك على حديث الآخر بخفة. اتجهوا هم نحوه بهدوء، وكل منهم يجلس بجانبه. أما "بسام"، فأردف قائلاً يجيب الآخر بمرح:
"هو مش نفس الخلقة بردو ولا انتَ في عالم غير العالم؟!"
"ده للأسف فعلاً وأنا مش قادر أتأقلم مع الحقيقة دي!"
أردفها "غسان" بنبرة مرحة بعض الشيء، مما جعلهم يضحكون عليه بخفة. فأخذ "حامد" أنفاسه ببطء وهو يردف قائلاً بهدوء:
"انتوا ماشيين مع بعض ولا إيه؟"
تحدث "بسام" قائلاً وهو يجيب الآخر:
"لا أنا مش قاعد، أنا نازل حالاً، وهركب أي مواصلات توصلني بسرعة."
عقد "غسان" ما بين حاجبيه بتساؤل له:
"ليه مش هتيجي أوصلك بالعربية في طريقي؟!"
"لا انتَ لسه قدامك شوية على ما تنزل وأنا مستعجل، يلا عاوزين حاجة؟"
قالها وهو ينهض ليودعهم، بينما أومأوا له بصمت. ولكن أجابته "دلال" وهي تخرج من المطبخ قائلة:
"انتَ مش هتفطر يا حبيبي؟"
"دلال أنا فاطر من أول ما صحيت يجي سبع مرات لحد دلوقتي، أنا بسام ها؟ من امتى وانتِ بتتلغبطي فينا يا عسل؟ حب حامد متوهك، ولا لسه مفوقتيش من النوم؟"
قهقهوا جميعاً عليه، بينما هي نظرت له بحنق زائف وهي تجيبه قائلة:
"يخويا أنا بقول الكلام واللي ياخده على نفسه ياخده، معدش فيا خلق أنا، بس بالهنا والشفا على قلبك يا ضنايا، خلي بالك من نفسك!"
ابتسم هو بقلة حيلة من طبيعة حديثها الذي يغلب عليه عاطفتها أينما قالت. ابتسم لها بسمة واسعة وهو يقترب منها، يقبلها على وجنتيها بمرح، ثم فر هارباً من نظرات والده الزائفة بالحنق لمشاكسته، ليخرج هو من المنزل بسرعة ليلحق بعمله.
بينما نظر "غسان" لوالده وهو يردف بتصنع للمفاجأة:
"آلحق! ده باسّ أشيائك!!"
إعتلت ضحكاتهم الرنانة، ثم جاءه صوت "والده" المردف من بين نبرته قائلاً بلامبالاة زائفة:
"عادي مسامح، مسامح!!"
***
خرجت هي من منزلها سريعاً لتلحق محاضرتها الأولى في هذا الصباح. حسناً حسناً، ستتحدث مع من تعتبر شقيقتها وقت لاحق لتأخرها كذلك. هبطت السلم لتقف أمام المبنى تنتظر مواصلة توصلها حيث مقدمة جامعتها. نظرت بجانبها بعد عدة دقائق لتجده هو بجانبها. ثوانٍ والتفت هو لخيال هذا الشخص الذي يعتقد أنه ينظر له، فوجدها هي أيضاً. ابتسم لها "بسام" بسمة صغيرة وهو يردف قائلاً بلباقة:
"مساء الخير!"
نظرت "جميلة" لخاصته وهي تجيبه ببسمة صغيرة:
"مساء النور!"
قالتها بتلقائية، ولكن بعد عدة ثوانٍ أردفت على فجأة تحدثه بعفوية:
"مساء إيه يا دكتور؟ إحنا الصبح لسه!!"
"ما انتِ ذكية أهو يا دكتورة!"
عقدت ما بين حاجبيها باستغراب وهي تسأله:
"يعني إيه؟!"
"يعني عرفتي إن أنا الدكتور وفرقتي وكمان لاحظتي إننا الصبح مش بليل، مبتستغليش ذكائك ده بقا ليه؟"
قالها بطريقة علمية وكأنه يردف شيئاً خارقاً وليس شيئاً بديهياً. في البداية ظنت أنه يسخر منها، ولكن لاحظت بأن طريقته توحي بأنه يوجد ثغرة ما بحديثه. نظرت له بتردد وهي تسأله هاربة بأنظارها إلى ركن آخر. هي ليست من النوع الخجول كثيراً، بل هي اجتماعية نوعاً ما، ويوجد بها عامل شرس أحياناً للردود لبعض أصدقاء الجامعة المستفزين. ولكن شراسة بنسبة معقولة وللذي يستحق ذلك فقط. ولين قلبها في نهاية كل ذلك يغلب عليها.
"مش فاهمه تقصد إيه."
التفت ينظر على الطريق وهو يجيب على حديثها بتنهيدة:
"أقصد إن اختياراتنا مش بإيدينا لوحدنا، بس لو اتحطينا في حاجة بنبقى قدها من غير ما نحس، وعندنا القدرة ليها."
التفت برأسه لها في آخر حديثه، وجدها تنظر بشرود وهي تستمع. وما أن انتهى هو، جاءت مواصلة تقف لها، فنظرت له وهي تتجه لها، ثم ابتسمت بسمة صغيرة كرد على حديثه المحفز لها بطريقة غير مباشرة. ركبت هي المواصلة أولاً، ثم تحركت وهي تفكر بحديثه الأخير لها وبنظرة أخرى للذي أجبرت هي عليه. أما هو، فنظر بأثر المواصلة وهي تتحرك من أمامه حتى اختفت. ولم تدم دقائق كثيرة، ثم جاءت له أخرى مثلها ليركبها هو متجهاً حيث عمله الذي ينتظره بالتأكيد.
***
وفي الأعلى، خرجت "نيروز" من غرفتها وهي تقوم بارتداء تلك الساعة بيديها. مرتدية ملابس رسمية، وكان بنطالها من اللون الأسود الداكن، وكذلك الجاكيت الخاص به، ولون القميص كان باللون البيج، والحجاب من نفس لون القميص. لاحظت هي شخصاً ما يحدق بها بإعجاب وصوت صافرة من فمها توحي بالإعجاب الشديد. ولم تكن سوى شقيقتها "ياسمين"، والتي لم تفوت يوماً كهذا حتى يضيع عليها فرصة رؤيتها لشقيقتها في أول يوم من العمل. ابتسمت لها "نيروز" باتساع وهي تتجه بجانبها.
"ده إيه الحلاوة والجمال والدلال ده يالا."
ابتسمت "نيروز" لها بتعالٍ وهي تعدل من ياقة ملابسها بغرور زائف قائلة بمرح:
"طول عمري شياكة أصلاً."
نظرت "ياسمين" لهاتمعن، وكان يوجد أمامها مقعد من الخشب. نظرت له هي مطولاً، ثم أردفت قائلة بغموض:
"مش كده؟"
عقدت الأخري ما بين حاجبيها. بينما جذبت "ياسمين" الكرسي ناحيتها على فجأة، وهي تقوم بالدق عليه تلحن بمرح بالغ من بين ضحكاتها وبصوت غنائها العالي:
"دي دي دي شياكة دي،
دي دي دي أناقة."
قالتها عدة مرات، مما جعلت الأخرى تضحك عليها بقوة. بينما "سميه" كانت تنظر لهم من مكان المطبخ البعيد وهي تبتسم بحنان فاض من أعينها. اتجهت هي لهم، ثم وقفت أمامهم وهي تقدم لكل واحدة شطيرة وكوب من المشروب الساخن. ابتسمن لها بحب. بينما تحدثت "سميه" لـ"ياسمين" بابتسامة واسعة وهي تقول:
"يلا بقا يا حبيبة ماما…"
قاطعتها "ياسمين" قائلة بتفكير:
"حبيبة ماما!! أه... لا بقولك إيه يا سميه قبلي باللي عاوزاه من غير مقدمات للمصلحة يلا!"
قهقهن الاثنان عليها، بينما اعتدلت "سميه" بوقفتها وهي تتحدث بهدوء:
"هنضف الشقة عشان بدر ووردة جايين بكرة على هنا، يعني هنضف السراير والأوض والتلاجة ونغسل الستاير والسجاد ونفرش غيره و.."
قاطعتها هي سريعاً بحنق وهي تجيبها على حديثها:
"ثانية واحدة؟؟ هنضف التلاجة ليه؟ وردة هتنيم يامن فيها ولا إيه؟!"
حدقتها والدتها بنظراتها المتحدية، وهو تردف قائلة:
"آه هيقعدوا فيها كلهم وهيعملو اجتماع كمان هناك اذ كان عاجب، في حاجة ولا إيه؟.... أوعى يكون في حاجة؟"
قالتها وهى تنظر أرضاً لحذائها المنزلي بينما أخذت تتذمر على ما تريد والدتها فعله عامةً. ولكن هناك من انصرفت بهدوء لتجلس تتناول إفطارها البسيط في شرفتها لتحظى بوقت هادئ قليلاً، تاركة إياهم مع بعضهم يتشاجرون بطريقتهم المعتادة لها.
دلفت بخطواتها حيث غرفتها ثم توجهت تجلس بالشرقة قليلاً تتناول هذا الإفطار قبل الخروج. أمسكت الهاتف الخاص بها من جيب الجاكيت وهي تأخذ عدة صور لهذا اليوم المميز. هناك من يشبهوننا كثيراً في أغلب الأشياء دون أن نعلم. ولحسن الحظ هو أيضاً كان قد أخذ الشطائر وكوب القهوة الساخن ثم اتجه للشرفة كما يحب هو. وما إن دلف إلى الشرفة فاتحاً بابها بصوت عالٍ نسبياً، كانت هي قد أخذت عدة صور. إلى الآن دق قلبها سريعاً عندما أخذت صورة معينة وقد ظهر هو بها وهو يمسك كوب القهوة بيديه. أخفضت الهاتف سريعاً ثم التفتت تنظر له بحرج وبنظراتها المرتبكة. كان هو قد لاحظ ما فعلته، فابتسم باتساع وهو يرتشف من الكوب الذي في يديه مستنداً على عمود الشرفة، ومن ثم خرجت نبرته المتنحنة وهو يردف قائلاً بنبرة هادئة ثابتة:
"المهم متكونش تغفيلة!"
صمت هو قليلاً ثم واصل مجدداً بمرح طفيف وتعالٍ زائف استشفته هي:
"ولا أقولك!! عادي أنا حلو في كل الأحوال وقَمّور!!"
نظرت له بتشكك من ثقته النابعة من حديثه. نظرات دون وعي منها، ثم أخذت أنفاسها تبرر له ما حدث قائلة:
"علفكرة أنا مكنش قصدي هي جت بالغلط وكده."
نظر لها بصمت ثم أشار هو على الكوب الذي في يديها كعلامة لبرودته قبل أن تشربه ساخناً. ولكن لم تنتبه هي له بل ظلت تنظر على تلك الهوية المتسائلة عن مكان عمله. وللمرة الثانية لا تستطيع بدء الحديث في ذلك الأمر كي لا تسبب لها وله الإحراج.
"لما عاجبك البادج بتاع الشغل يعني! ليه مقولتيش ساعتها إنه نفس المكان والشغل اللي انتِ راحة تعملي فيه إنترفيو؟"
قالها بثبات. فتحت هي عينيها بمفاجأة لعلمه دون أن تصرح هي. فنظر "غسان" لها بتعمق وهو يردف مرة أخرى:
"ما انتِ مقدمة أونلاين، وأنا اللي بعمل الـ interview بقى!!"
توترت ملامحها وهي تتحدث قائلة له بهدوء:
"أنا بس اتحرجت أتكلم!"
"يا خسارة مع إن لو كنتِ قولتي كنت هقبلك بواسطه!!"
قالها بمرح. أما هي ففهمت مغزى كلامه خاطئاً وأنها الآن لن تقبل بعد. رفعت أنظارها كي تتحدث له، فتحدث هو قبلها قائلاً بتفهم:
"متتخضيش أوي كده ده أنا حتى بهزر!!"
ابتسمت بتوتر وهو تتحدث قائلة بنبرة هادئة:
"عادي!"
قالتها وهي تتجه للوراء بضعة خطوات كتمهيد للخروج من تلك الشرفة. أما هو فلم يبدِ أي ردة فعل بل خرج من الشرفة بعدما قام بالانتهاء من قهوته ليستعد للخروج. خرجت "نيروز" من الغرفة بأكملها فوجدت والدتها وشقيقتها قد بدأن بالفعل في تنظيف الشقة. ابتسمت هي لهن بعدما وضعت ما بيديها على السفرة. لتتجه هي ناحية والدتها وهي تودعها:
"أنا نازلة بقا ياماما، عاوزة حاجة؟"
اتجهت لها "سمية" ثم وضعت يديها على كتف الأخرى بحنان وهي تردف قائلة بحنان بالغ:
"في رعاية الله يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك. وغسان على فكرة كان قالي إنه شغال معاكِ في نفس المكان لما كنت قاعدة مع مامته وكنا هناك. وطنطك دلال أصرت إنه ياخدك معاه بما إنه نفس الطريق ونفس المكان، وأنا بصراحة اتحرجت أتكلم وأقول حاجة."
عقدت ما بين حاجبيها بضيق وهي تجيبها قائلة:
"ليه يا ماما أنا هتحرج أوي! مسألتنيش ولا قولتيلي الأول ليه طيب!"
"يا حبيبتي مفيهاش حاجة، ده إحنا قرايب وكمان متربيين مع بعضيكو كلكم من صغركم. ودلال صاحبتي وأنا مقدرش أحرجها بقى!"
نظرت لها "نيروز" دون تفوه أي حرف رغماً عنها. ولكن جاءهم صوتها ولم تكن سواها "ياسمين". وعلى وجهها آثار أتربة خفيفة من أثر كنسها. نظرت للأخرى وهي تقول بتبجح:
"جرا إيه يا بت ما تركبي معاه وانتِ ساكتة، شحات وبيتأمر؟ ده انتِ المفروض تشكريه على المزاج الرايق اللي خلانا فيه من ساعة ما ضرب حسونة!!"
ضحكت الاثنتان عليها بقلة حيلة. فتوجهت "نيروز" ناحية باب شقتهم لتخرج منه والحقيبة بيديها ينقصها فقط الحذاء. ولكن أوقفتها شقيقتها وهي تتجه لها تقبلها من خديها بسرعة وهي تقول:
"خلي بالك من نفسك يا روز، مش مهم الشغل المهم العريس!! العريــــــس يا نجيبة!!"
قهقهت "نيروز" بقوة وهي تهز رأسها بالإيجاب وبالسخرية منها. ثم توجهت بحذائها المنزلي بعدما أغلقت باب شقتهم خلفها، إلى المكان الخاص بالأحذية وهي تفتحه تجذب منه حذاء معين تخرج به. حتى ارتدته أخيراً. بينما الآخر خرج من الشقة يغلقها من خلفه فوجدها تستقيم تعتدل حتى تستعد للهبوط. فتنهد "غسان" وهو ينظر ناحية قدميها ومن ثم "جزامة الأحذية" قائلاً بإطمئنان متصنعاً المفاجأة. وهو يضع يديه على مقدمة رأسه مكان ضربتها السابقة بحذائها:
"لقد فلتنا!"
رفعت أنظارها تطالعه وهو يردف تلك الكلمات. ثم ابتسمت بسمة مرحة على حديثه وهي تردف قائلة بهدوء:
"علفكرة أنا مكانش قصدي ساعتها!"
نظر لها بصمت دون أن يتفوه بحرف واحد. بينما هي اعتدلت لتفسح له الطريق أولاً ليبدأ بالهبوط. فتححنح هو وهو يتجه يهبط من قبلها قائلاً:
"كنت فاكرك Ladist Frist وبتاع!"
ضحكت بخفة وهي تهبط من خلفه دون أن تجيبه على طرفته هذه. لم يستغرقا وقتاً كثيراً حينما هبطوا للأسفل أمام البناية. أما هي فوقفت في ركن ما بعيداً. ولكن هو كان قد سار متوجهاً للجراج ليركب سيارته. سرعان ما فاقت من شرودها حينما وقفت لها تلك السيارة السوداء البسيطة أمامها قائلاً لها هو بهدوء وهو يشير لها بذراعه:
"اتفضلي يلا!"
خجلت منه ولكن لم تستطع أن تعارض مثلما قالت لها والدتها. بل توجهت لتركب السيارة واختارت المقعد الأمامي بجانبه حتى لا تسبب له الإحراج عندما تركب في الخلف. وما إن ركبت هي بهدوء ثم أغلقت الباب خلفها. بينما كان ينتظرها هو بأن تنتهي. وما أن انتهت وجه "غسان" نظراته لها وهو يردف قائلاً بابتسامة عبثية احتلت على شفتيه بلؤم وإعجاب من ردة فعلها تلك:
"لأ وبتفهمي!!"
هربت بأنظارها ناحية الطريق مع تسارع دقات قلبها. بينما تحرك هو بالفعل، وهو يتحدث وكأنه شارد قائلاً وهو ينظر للطريق أثناء قيادته:
"مش عارف عملت إيه! علشان يدق جامد كده!!"
بالطبع لاحظ إحمرار وجهها. وللحق ما إن أردف تلك الكلمات زاد خجلها الضعف. ولكن هي الآن أمام أنظاره وبجانبه، فلا مفر إذن.
"ما تقوم يا حسن كل ده نوم ياض؟"
حسناً الآن الساعة الحادية عشر صباحاً فقط. ولكن هو أصبح معتاداً على الاستيقاظ في أوقات كهذه وكذلك في منتصف الليل أيضاً. نَبس "آدم" بتلك الكلمات وهو يقوم بهز صديقه النائم ولم يكن سوى "حسن". تململ بإنزعاج وهو ينهض ببطء ليجلس على الفراش، مردفاً بنبرة ناعسة ولكن بها بعض الضجر من الآخر:
"جرا إيه يا آدم ما تسيبني أنام، نايم فوق راسك أنا، صاحي بدري كده ليه أصلاً؟"
كان "آدم" يستمع للآخر وهو يمسك بتلك السيجارة يدخن بها كما يعتاد منذ أفاقته من النوم مباشرة. نظر له وهو يتجه ناحيته مردفاً بتهكم:
"انتَ هتتأمر ياض، قوم اعملنا فطار إنجز!"
عقد "حسن" ما بين حاجبيه يكاد يسب ويلعن به ولكن ليس وقته تحديداً الآن:
"انتَ مصحيني بروح أمك عشان أعملك فطار، بقولك إيه حل عني!"
طالعه "آدم" بحدة وهو يردف قائلاً بجمود:
"حسن!! لآخر مرة هقولك أمي سيرتها متجيش لأهزار ولا بجد في أي حوار سامعني؟!"
"متزقش يا عم وأنا ليا مين أروح أتزفت أبات عنده إلا انتَ،. عجايب رايح أبات بعد ما اتطردت وعند ابن عم خصمي، أما قصة عبرة يا جدع!"
قالها بسخرية. ليجيب الآخر على حديثه الجامد بعد الشيء وبرغم ما بهما الاثنان من أفعال يشهد بها الكل بسوئها ولكن تظل علاقتهم علاقة أصدقاء منذ الصغر. صمت "آدم" ولم يتفوه بشيء. بينما واصل "حسن" مجدداً. وهو يتجه ناحيته يأخذ السيجارة من بين يديه ليدخن هو الآخر قائلاً من بين خروج الدخان من فمه وأنفه:
"مقولتليش يعني صاحي بدري ومصحّينا معاك ليه؟ هنوزع لبن؟"
كانت نبرته ساخرة بعد الشيء. نظر له "آدم" ثم اتجه يجلس على الأريكة الصغيرة في الغرفة وهو يتنهد قائلاً بغير وعي، حديث لا يتماشى مع طبيعة ما يفعله من تصرفات:
"من زمان وأنا بصحي بدري كده، أو مبنامش أصلاً نوم كويس، يعني! دايماً قلقان،"
علشان لو حد هنا علطول، بخاف أموت وأنا لوحدي هنا ومحدش شايفني. أنا مبقتش أخاف من حاجة وأنا لوحدي غير من الموت يا حسن!
"اسكت، إنت مين قدك يا عم إنتَ. احمد ربنا بس ومتعترضش على النعمة والروقان اللي انتَ فيه!"
طالع آدم بلا مبالاة وهو يتنفس بعمق قائلاً من بين تنهيدته:
"صدقني يا حسن، إحنا قدامنا فرصة نبطل. قدامنا فرصة نبقى جاهزين حتى للموت!"
ضحك حسن على حديث الآخر ضحكة ساخرة وهو يتجه ليخرج من الغرفة بغير اهتمام، تزامناً مع قوله العالي ليسمعه الآخر:
"مش شايف نفسك أوڤر عالصبح يا دومي دومي. ولا انتَ عامل دماغ ومش قايلي. هو شريف مكلمكش؟"
نهض آدم ليسير خلفه خارجاً من الغرفة وهو ينظر بأثر الآخر بقلة حيلة، وإن كان بقلبه ذرة من الأمل فقتلها الآخر. لأنه تحدث بالحديث الصحيح مع الشخص الخاطئ بالتأكيد، ولكن كل ابن آدم خطاء! لا يوجد بيننا شخص بلا خطيئة! نحن بالأساس يجب أن يُنظر إلينا من قلوبنا، تلك التي تريد شيئاً والعقل يأبى لإرادته لشيء آخر غير ما يريد الأول!
***
بعدما استيقظت مبكراً، ثم هبطت من منزل شقيق والدتها لتذهب وحدها إلى منزلها تجلب منه بعض الأشياء الخاصة بجامعتها في حقيبة ظهر فقط! دلفت منزلها منذ نصف ساعة تقريباً لتجلب هي الأشياء الخاصة من المنزل، ومن ثم انتهت سريعاً لتخرج من المنزل تغلق الباب خلفها. وما إن التفتت لتهبط، وجدتـه أمامها يحدقها بنظراته الخبيثة.
انتفضت سريعاً ثم رجعت عدة خطوات إلى الخلف وهي تضع يدها على فمها حتى لا يخرج منها صوت يلاحظه بعض من الجيران الموجودين بجانب منزلها. تمسكت بالحقيبة بقوة وهي تتنفس عالياً، بينما تقدم هو لها وهو يبتسم ببرود ثم وقف عند مكان معين. بينما أمعنت فرح نظراتها له وهي تحاول أن يخرج منها صوتها، وأخيراً أردفت قائلة بنبرة مهزوزة:
"إنتَ عرفت بيتي إزاي، و... وإزاي تجيلي هنا؟"
نظر خالد لها بصمت لدقيقة واحدة، ثم أردف بعدها بنبرة باردة امتزجت بابتسامته السمجة:
"أنا أجي فالوقت اللي أنا عاوزه والمكان اللي أحبه مادام مبترديش على التليفون يا دكتورة فرح!"
"إبعد عني وسيبني في حالي بقى. أنا مقدرش أعمل اللي بتقولي عليه ده حرام عليك، دا فيه ألف واحدة غيري، ليه أنا؟!"
قالتها بنبرة عالية محتدة بعض الشيء، فأردف لها هو قائلاً بتجاهل لما سبق:
"أيوه يعني مبترديش على التليفون ليه! وبعدين ليه انتِ دي فللأسف أنا مش هعرف أجاوبك، بس عارفة لو بإيدي الاختيار أكيد مش هختارك انتِ بالتحديد مش من حلاوتك يعني يا دكتورة!"
ابتلعت ريقها بخوف، وحاولت أن تتغاضى عن إهانته الصريحة لها بحديثه، ثم خرجت نبرتها منها وهي تقول بتساؤل:
"يعني إيه!"
أخرج هو هاتفاً ما يبدو أنه لها تحديداً ثم قدمه لها وهو يجيبها قائلاً:
"يعني تاخدي ده، ولما أرن تردي قبل أي حاجة عشان مزعلش منك يفروحة."
نظرت بتردد للذي يوجد بيديه، فاحتـدت نظراته هو، وهو يقدمه لها أكثر وأقرب. فمدت يديها تأخذه منه بتردد وأصابع مرتعشة، فاعتلت ضحكاته المريضة وهو يردف قائلاً لها:
"بتترعشي كده ليه! ده انتِ فافي أوي صحيح، يلا إركبك تاكسي تروحي لنبع الحنان يلا."
حملقت به بصدمة لكونه يعرف كل شيء تقريباً تريد فعله. أيعقل؟ يراقبها؟!
احتدت نظراتها وهي تجيبه قائلة بحـدة:
"انتَ مجنون، تاكسي؟ عاوز تخرج من بيتنا وأنا معاك عاوز الناس تقول عليا إيه؟"
"لا بصراحة عندك حق، بس هقولك؟ اللي يبيع صاحبه يعمل أي حاجة أو اللي ناوي يعني، ولا إيه؟"
قالها بخبث ثم هبط السلم من أمامها سريعاً وهو يخرج من المبنى الصغير هذا! أما هي فجلست على الأرض وهي تضع يديها الاثنان على أذنيها مع بكائها الصامت ورعشة يديها الملحوظة مع فقدانها لأعصابها حتى باتت لا تستطيع في الحال الوقوف عليها. بكت بانهيار ولكن كل ذلك دون صوت يخرج منها، بكاءً يوحى بقلة الحيلة والتشتت. مرت الدقائق وحاولت أن تلملم ذاتها للتوجه حيث المشفى الخاص بوالدتها، وللحق هي الآن لا تستطيع فعل أي شيء بعد فتك أعصابها هذا ولكنها ستحاول التحامل على ذاتها!
***
بالطبع وصل هو بسيارته إلى عمله وعملها منذ قليل بعدما هبط من سيارته ودلف هو أولاً من ذلك الباب الرئيسي، كان غسان يسير وهي من خلفه لعدم معرفتها أي شيء إلى الآن ولكن قد علمت مسبقاً المكان الخاص بجلوسها حين مجيء موعدها للدلوف لتلك المقابلة. صعد السلم وهي من خلفه حتى وصلوا إلى الطابق الثاني وجد به عدة غرف مكاتب بالطبع له واحدة منهم، والكثير من الفتيات يجلسن بالانتظار. التفت هو لها ثم تنحنح قائلاً لها:
"اقعدي ار..."
هناك من قاطع حديثهم وهو يقوم بالمناداة على ذلك الواقف بالنسبة له. التفت غسان له بينما اقترب منه ذلك المجهول وهو يمعن النظر على تلك الهوية الذي يرتديها هو، ثم أردف قائلاً له برسمية:
"أهلاً بيك يا مستر غسان، ده مكتبك حضرتك!"
نظر غسان لإشارة الآخر على الغرفة التي كانت توجد بجانب مكان جلوس الفتيات وبعض من الشباب القلة. ابتسم غسان له بتكلف، بينما الآخر نظر لها هي ثم عاود النظر له وهو يردف قائلاً بابتسامة:
"اتفضل خد المدام وتقدر تقعد فمكتبك من دلوقتي."
احمر وجه نيروز بشدة، بينما عقد هو ما بين حاجبيه بتساؤل:
"مدام مين!؟"
"دي، هي مش المدام ولا إيه؟"
نظر غسان له بنفاذ صبر وهو يردف قائلاً يجيبه باقتضاب:
"لأ."
"أنا آسف بس، الآنسة محجبة ولما لاقيتها كده فكرتها مدام حضرتك، لأن جاي أوامر المرة دي بعدم تعيين محجبات من المقابلات الشخصية بتاعت الدور ده!"
توترت ملامح نيروز بشدة، بينما نظر غسان له بجمود وهو يردف بتساؤل:
"نعم!"
حسناً ما مشكلة الحجاب إذن والمشهورة كمثل هذه الأيام!! هاجت الدماء بعروقه وحاول أن يتحكم بانفعاله على قدر الإمكان، بينما نظر لها فوجدها تنسحب ببطء. قاطع سيرها بنبرته العالية وهو يناديها:
"استنى!!"
التفتت تنظر له بتعابير وجه خالية ولكن لم تكن خائفة تلك المرة وهي تقف بمكانها، بينما وجه هو نظراته لذلك الواقف وهو يسأله بحدة لم تظهر للآخر بوضوح ولكن امتزجت باللطف كي يخبره الآخر على الفور:
"ده مين اللي طلع بالقرار ده...؟"
قالها بلطف مصطنع بينما ابتسم الآخر بغباء وهو يشير على المكتب الذي يتوسط الدور وهو يقول:
"مدام إنجي المديرة هنا!"
"تمام؛ اتفضل إنتَ."
أومأ له الآخر وهو يسير بعيداً عنه بينما نظر هو لها وهو يتقرب يقف أمامها ثم تحدث بنبرة هادئة وبثبات:
"تقدري تقعدي هنا لحد ما دورك يجي متمشيش."
قالها ثم اتجهت هي تجلس على مقعد ما بعدما أومأت له بنعم، بينما هو توجه يدق الباب لتلك الغرفة عدة دقات خافتة حتى أُذن له بالدخول!! دلف بخطوات واثقة وهو يغلق الباب من خلفه، بينما ابتسمت تلك التي بالداخل وهي تشير له بالجلوس على المقعد من أمامها، فجلس هو بصمت بينما تابعت بقولها:
"أهلاً بيك يا أستاذ غسان إحنا بنستناك من بدري هنا."
وجه غسان نظراته لها وهو يبتسم بتكلف ثم تحدث قائلاً:
"كده كده كنت هاجي طبعاً، بس المحجبات بقا يا ترى هيجوا بردو ولا ممنوعين؟"
نظرت له إنجي بملامح وجه مبتسمة كما يتوجب عليها:
"مالهم المحجبات يا مستر غسان؟"
"هو مش انتِ بردو اللي منعتي المحجبات المرة دي من الشغل هنا،؟"
"هو تغيير المرة دي بس، هو فيه مشكلة؟?"
أخذ أنفاسه وهو يردف قائلاً بنبرة هادئة زائفة:
"هو حضرتك مش شايفة إن منعك للحجاب ده في حد ذاته مشكلة؟?"
توترت من الداخل كونه ذات صلة بمدير هذا الفرع في المكان الآخر وجاء بتوصية وتمهيد من هناك. ولكن لم تظهر هي كذلك بل ابتسمت بسمة مصطنعة وهي تردف قائلة لتجيبه:
"أخدته من غير تفكير فعلاً بس غرضي أعدل من واجهة المكان، لكن إحنا مش متشددين أوي في الحكاية دي لأنها أول مرة تحصل، ممكن نعينهم مش هيحصل مشاكل عادي."
ابتسم لها هو بسمة على جانب شفتيه بالطبع بسمة تهكم لعلمه بما دار في ذهنها الآن!!
ولكن لم تعرف هي حقيقة وطبيعة تلك البسمة.
واصل هو ليتحدث قائلاً من بين ابتسامته:
"بعيدًا عن أنك طلعتِ ذكية، بس مفيش حاجة تقنع بجمال واجهة للمكان غير الحجاب. الحجاب فرض، وكل واحد حر. وبيتهيأ لي الموظفين مش هيسألوكِ انتِ مش محجبة ليه، زي ما حضرتك بتسأليهم بطريقة غير مباشرة انتِ محجبة ليه!"
ابتسمت له بهدوء وهي تردف قائلة برسمية حتى لا يتأزم الوضع:
"شكرًا للتوضيح يا أستاذ غسان. اتفضل ابدأ في شغلك، واللي له نصيب يتعين هيتعين إن شاء الله."
نهض "غسان" وهو يقف ثم أجابها قائلاً باقتضاب وهو يومئ لها:
"أكيد."
قالها ثم توجه عدة خطوات ناحية باب الغرفة يخرج منها بهدوء، عالقًا الباب من خلفه. أما هي فتنفست بعمق أخيرًا ثم أمسكت بالهاتف الأرضي وهي تنبئهم بما حدث مؤخرًا من جديد حتى لا يذهب البعض كما تعتقد هي.
خرج هو ثم وزع أنظاره على الجالسين جميعًا. حثه عقله على البحث عنها بالحال. فوجدها أخيرًا تعبث بهاتفها بملل. فاتجه بخطوات واثقة ناحية مكتبه في الناحية الأخرى والذي أشار له عليه الآخر منذ قليل. بالطبع مع تفكيره بمنع نفسه من الاحتكاك بها كثيرًا، مقررًا تجاهلها الآن إلى استقرار الأوضاع.
***
مر الوقت وهما يقومان بتنظيف المنزل إلى الآن. جلست "ياسمين" أرضًا بضجر أمام الثلاجة وهي تنظف بها بإنهاك أمام أنظار والدتها المتجهة إليها بعناية. رفعت "ياسمين" أنظارها لتلك الواقفة أمامها بحنق ثم أردفت قائلة لها:
"إيه مش مشكلتك مع الثلاجة قولي بصراحة؟ هتحطي فيها آثار؟"
"بتعرفي تنضفي وأنتِ ساكتة ولا مبتعرفيش؟"
قالتها "سمية" بتهديد للأخرى وهي تنظر لها بحدة. تأففت "ياسمين" ثم أخذت أنفاسها بصوت مسموع وهي تنهض على فجأة قائلة بحنق:
"لأ بقى دي مش عيشة بقى! ناس تقعد في تكييف وناس تغسل ثلاجات؟ ده مش عدل! ده ظلم!"
"أومال إن شاء الله هتنضفي في بيتك إزاي؟ هتسيبيه؟ ولا هتخلي حازم ينضف لكِ؟"
نظرت هي إلى والدتها ثم تركت الأشياء التي توجد بيديها وهي تعدل من ملابس المطبخ بغرور زائف لتتجه ناحية والدتها التي ابتعدت عنها عدة خطوات ثم جلست على المقعد الذي يوجد بجانبها لتضع قدمًا على الأخرى قائلة بغرور زائف:
"وده عايز كلام! طبعًا هجيب خدامة، تعملي أنا وحازومي."
نظرت لها "سمية" وهي تردف قائلة بسخرية:
"الله يرحم أمك وأبوكِ يا أختي! قال خدامة قال! قومي فزي حطي الهدوم في الغسالة يلا!"
نفخت هي أنفاسها بقوة وهي تستقيم واقفة ثم طالعت والدتها بغيظ قائلة بحنق:
"على فكرة أنتِ وله قادرة!"
"ما أنا عارفة، واتلمي بدل ما الشبشب يطلع، وشوفي الباب بيخبط!"
نظرت لوالدتها بضجر وهي تتجه ناحية باب المنزل تفتحه بشكلها غير المرغوب هذا والأتربة تغطي ملابسها المنزلية وحجاب رأسها المعقود من الخلف. دقيقة وفتحت باب المنزل، لتنفرج أساريرها وهي تبتسم باتساع وقبل أن تتحدث هي، تصنع "حازم" المفاجأة وهو يردف قائلاً:
"يا ساتر يارب! أنتِ مين! فين ياسمين؟ خشي اندهي لها من جوه!"
نظرت له بحدة وهي تردف قائلة بحنق:
"وحياة أمك عايدة؟"
"وحياة أمك سمية!"
صمتوا هم قليلاً ثم أردفت "ياسمين" على فجأة وكأنها لم تعرف هويته منذ قليل:
"حازم حازم!"
"ياسمين ياسمين!"
رددوها الاثنان خلف بعضهم كعلامة للترحيب وتعريف هويتهم أخيرًا بمرح! فقهقه "حازم" سريعًا وهو يدلف إلى الداخل قائلاً بمرح:
"بالأحضان ياراجل!"
قالها ثم التفتت لها وكأنه سيأخذها بأحضان ولكن بطريقة زائفة. ابتعدت هي عنه ثم قامت بضربه بخفة على كتفيه قائلة بتحذير:
"احترم نفسك!"
"ما أنا محترمها والله."
ابتسمت هي له ثم أردفت قائلة وهي تشير له بأن يتبعها إلى المطبخ سريعًا، حتى توجها معًا ناحية المطبخ وهي تقف أمام الثلاجة ثم وضعت يديها بمنتصف خصرها وهي تردف قائلة له بجدية زائفة:
"إيه رأيك؟"
"في إيه؟"
قالها باستغراب، وهي تطالعه و"سمية" تكتم ضحكاتها وهي تنظر لهم. فأجابته الأولى على حديثه بعفوية:
"في الثلاجة اللي أنا لوحدي اللي نضفتها!"
ضحك هو بخفة ثم أردف قائلاً يجيبها بعفوية:
"تحفة زيك."
ابتسمت هي بخجل وهي ترمش بأهدابها بمرح. أما "سمية" فأردفت قائلة للآخر:
"بص بقى البت دي لو أنتَ أخدتها وحبيت ترجعها إحنا معندناش الكلام ده، ودوروا لكم بقى على خدامة من دلوقتي يا حبيب قلبي!"
"ليه بس يا حماتي ما الثلاجة نضيفة وزي العسل أهيه!"
نظرت "ياسمين" إلى والدتها بضجر بينما انتهى الآخر من حديثه فابتسمت هي له باتساع وهي تردف قائلة بمشاكسة:
"وربنا أنتَ اللي زي العسل، بس قولها، قولها بقى الست القادرة دي اللي مش عاجبها العجب دي."
قهقهوا جميعًا عليها وعلى طريقة حديثها المرح، بينما تعلو ضحكاتهم الرنانة بصوتها المبهج في المطبخ وبقلة حيلة من طبيعة مرحها الدائم هذا!
***
"تمام! آخر حاجة هسألها وتقدرِ تتفضلي. إزاي هتتعاملي مع الضرائب في شغلك والملفات الضريبية؟"
قالها "غسان" بإنهاك لتلك التي تجلس من أمامه. الفتاة قبل الأخيرة وسينتهي هو اليوم أخيرًا بعد مرور كل ذلك الوقت! طالعته الفتاة بنظرات واثقة ثم صمتت تفكر حتى يخرج منها حديثها بمنطقية. تنهدت ثم أجابته أخيرًا بعقلانية متفهمة:
"على حسب. يعني هنا هحدد سجلات الضريبة، وأتأكد من صحتها ومن كل الملفات بتاعة الضرايب. وعشان أكون محاسبة صح لازم يكون عندي سرعة بديهة ويكون في إدراك كامل للضرايب اللي من أي نوع، وتطبيق القوانين واللوائح الخاصة بعمل المحاسبة عشان تطلع عملية محاسبه دقيقة ونظيفة."
أومأ لها بهدوء ثم تنحنح قائلاً برسمية:
"موفقة في الشغل من بكرة إن شاء الله، اتفضلي."
ابتسمت باتساع وهي تنهض لتخرج من الغرفة. تنفس هو بعمق وراحة وهو يرجع بظهره إلى الخلف على المقعد. عدة دقائق تقريبًا ودلفت الأخيرة ولم تكن سوى "نيروز". دقت الباب بخفوت ومن ثم أذن لها فدلف هي بخطوات بطيئة ثابتة، حتى أشار لها بأن تجلس أمامه على المقعد. فجلست هي بهدوء. فخرج صوته الهادئ بعض الشيء وهو يحدثها قائلاً بابتسامة صغيرة:
"طلعتِ آخر واحدة عشان حرف النون!"
ابتسمت هي برضا وهي تجيبه قائلة بصوتها الهادئ:
"مش مشكلة المهم إني دخلت الحمد لله يعني."
أومأ لها هو ثم ابتسم بسمة صغيرة وهو يأخذ منها الملف الخاص بها يطالعه بتمعن. لم يأخذ وقتًا كثيرًا، بل أخذ أنفاسه ببطء وهو يردف قائلاً:
"جاهزة تتسألي 3 أسئلة بس، بما إنك مشتغلتيش قبل كده!"
هزت رأسها بالإيجاب ثم فركت يديها بهدوء ولكنها حثت نفسها على الثبات أكثر. فبعد الآن سيتغير كل شيء بمعاملاتها خلال عملها هذا، هذا ما حثت به نفسها، وإن قُبلت!
"طيب خلينا في أول حاجة! إزاي هتتعاملي مع العملاء وجه لوجه أو من على بعد عامةً؟"
تنفست هي بعمق ثم أغمضت عينيها للحظة ثم فتحتها أخيرًا وهي تبدأ بالبسملة في سرها، مردفة أخيرًا بنبرة هادئة واثقة:
"يعني أنا هقدر أتعامل معاهم من حيث الأسلوب يكون كويس وهادي، وبشكل إيجابي ككل، وأقدم لهم الخدمات وأحقق رضاهم، وأخيرًا تكون بطريقة مرضية لجميع الأطراف من حيث العميل أو العمل وضميري نحيته."
طالعها باهتمام وهو يهز رأسه قائلاً برسمية:
"كويس ده، عندك فكرة عن الفرق بين المخصص والاحتياطي ولا..؟"
هزت رأسها بنعم وبها بعض الحماس لكون الأسئلة الذي يسألها هو لها، هي تعلمها ولديها خلفية عنها.
فتحدثت هي قائلةً تُجيبه:
"أعتقد أن المخصص مبلغ يتم تكوينه سواء للربح أو للخسارة لأنه إجباري.
أما الاحتياطي، فنكونه بس في حالة تحقيق الربح."
نظر لها بتعمق وهي تردف حديثها. وما أن انتهت، طالعها بإعجاب طفيف لمعلوماتها تلك، حتى وإن مر عليها وقت لم تدرس به شيئاً.
"حلو. بما إنك ما اشتغلتيش قبل كده، طب الموازنة إيه بالنسبة للمحاسبة؟"
صمتت هي تفكر لمدة دقيقتين حتى تستطيع جمع الكلمات في ذهنها. انتهت أخيراً، ثم أردفت قائلةً تُجيبه وهو ينتظر إجابتها:
"هي حاجة زي تقدير مصروفات وإيرادات ممكن لسنة أو أكتر لقدام تقريباً يعني!"
"صح! مين مسئول عن التقدير ده؟"
"انتَ!!"
قالتها بعفوية، فصمت هو عاقداً ما بين حاجبيه. فأردفت هي سريعاً تحاول تجميل ما قالته دون تفكير:
"قصدي يعني حضرتك اللي هو مدير الحسابات!"
حاول إخفاء بسمته، فخرج منه صوته قائلاً بثبات:
"عالّ أوي. هتتعيني من بكرة بإذن الله."
ابتسمت باتساع وهي تنظر له. فنهض هو من على مقعده، ومن ثم نهضت هي سريعاً لتخرج من الغرفة. فأوقفها ليقاطع سيرها:
"خمس دقايق ونازل."
التفتت ثم أومأت له بالإيجاب. هو يعني أنها ستنتظره بالأسفل حتى يعودا مع بعضهما إلى المنزل كما جاءا. خرجت من الغرفة ثم اتجهت إلى السلم حتى تهبط وتنتظره استعداداً للذهاب.
***
وصلت هي إلى المشفى لا تعرف كيف وصلت منذ وقت مر، ولكنها وصلت بخيبة كبرى. سارت بخطواتها البطيئة وعيناها شاردتان في الطريق أمامها إلى أن وصلت إلى الدور الخاص بالغرف التي توجد بواحدة منها والدتها. لا ترى أي شيء من أمامها سوى تفكير عقلها فقط. الأصوات متداخلة. الحقيبة تهبط من يديها بقوة على الأرض، ثم انحنت بتعب تجلس على درجة من درجات السلم الذي أمامهم. جلست متجاهلة الأنظار التي عليها. ثم وضعت يديها على أذنها من تداخل التفكير والصراع الذي بداخلها ودموعها تهبط بصمت. لا ترى الآن شيئاً حقاً من دموع عينيها. أصوات كثيرة من حولها تحثها على القيام، تسألها عن حالها، ولكن هناك صوت قريب جداً منها! نعم! الطبيب الخاص بحالة والدتها. سمعت صوته من قبل! تعرفه! كان في ذلك الوقت، صاعداً هو للمرور على حالة المرضى عامةً والاستئذان للانصراف ولانتظار شقيقه الذي حدثه منذ قليل بأنه سيأتي له ليأخذه من عمله.
أشار "بسام" لتلك التي تجلس بيديه كي تنتبه له:
"آنسة فرح! أنتِ معايا؟ شايفاني؟ سمعاني طيب؟"
هزت رأسها بنعم رغم تشوش الرؤية أمامها. ولكن يفهم هو تلك الحالة غالباً. مد لها يده ليسندها برفق وهو يُنهضها من على درجة السلم متجهاً بها بخطوات بطيئة ناحية غرفة من الغرف الفارغة مؤخراً. استندت هي عليه بغير وعي. خطوات وخطوات حتى وصلا هما إلى غرفة معينة فارغة، ثم جلست هي بمساعدته على الفراش الخاص بالمشفى. وما إن جلست، تضاعفت دموع عينيها بالكثرة! وكل ما يجول بخاطرها تصوير مشاهد لها وهي تخون صداقتها وتتداخل الأمور بمشاهد عدة لمرض والدتها! ما الذي يحدث الآن!
جذب هو مقعداً سريعاً ثم جلس أمامها وهو يهدهدها براحة واطمئنان:
"إهدي! اهدي يا آنسة فرح!"
نظرت بدموع عينيها، ثم بكت بصوت عالٍ وهي تضع يديها على أذنيها تزامناً مع تحركها بقوة وكأنها تنفي شيئاً ما، ليخرج منها صوتها المنهار:
"لأ لأ مفيش حاجة من دي بتحصل.. لا مش هتحصل!!"
نهض هو سريعاً وهو يحكم من حركتها ثم نادى سريعاً على الممرضة وهو يضغط على الزر الذي يوجد بجانب الفراش، قائلاً لها بصوت هادئ ممسكاً يديها بحنو كتغلب على تشنج أعصابها:
"اللي انتِ بتفكري فيه أو اللي شيفاه مش حقيقة. أنا هنا! مامتك هنا يا فرح. كلهم هنا حواليكِ. فوقي!!"
دقائق وهي تهدأ تدريجياً من حديثه التي تسمعه. فاقت تدريجياً أخيراً من تلك الغفوة الإجبارية، ثم التفتت حولها بريبة وصدمة مما يحدث الآن. أحقاً وصل بها الحال إلى ذلك! نظرت هي له نظرة مطولة والدموع تهبط من مقلتيها وكأنها شلالات لا تعرف طريقاً لها، ثم خرج منها صوتها الضعيف:
"إشمعنا أنا؟"
"إهدي!"
"أنا عملتله إيه؟"
"معملتيش! انتِ كويسة مفيش حاجة."
"..مش هقدر.. جميلة متستحقش ده مني لأاا!"
عقد ما بين حاجبيه ولكن سرعان ما ربت على يديها بهدوء وهو يضغط على مجرى الدماء كإفاقة لها ولتشنجها. ولكن هو لا يفهم بحالتها تلك إلا القليل، ليس تخصصه من الأساس!
"مش هتعملي حاجة بس اهدي! اهدي خالص. اتنفسي براحة."
سكنت هي فجأة ولكن ليس بمفردها، بل بتأثير الحقنة المهدئة الذي أحقنها هو بها بمساعدة من الممرضة التي أتت له عقب ضغطه على زر الطوارئ هذا. مددها على الفراش بمساعدة الأخرى. دقائق وأغلقت عينيها بتعب وإرهاق مع هزات رأسها الهادئة بالنفي وكأن وحشاً يطاردها وهي تهرب منه بحركة رأسها فقط ولكن جسدها يظل متيبساً!
***
هبط هو ومن ثم ركب السيارة وهي بجانبه من الأمام. بدأ بالفعل بالتحرك. كانت تبتسم بشرود وهي تنظر من النافذة. أما هو فصب أنظاره على الطريق، ولكن انتبه هو إلى بسمتها تلك، فوجد نفسه يبتسم تلقائياً. نهر نفسه لصب تركيزه بالكامل معها! كثير من الوقت يحث نفسه على عدم الاحتكاك بها ولكن عند وجودها يتغير كل شيء. حسناً، مجرد صديقة؟ هذا ما قاله لعقله. أخذ أنفاسه ببطء وصوتها العالي الممزوج مع صوت "أم كلثوم" الضعيف في كاست السيارة. وللحق هو يعشقها. أياً يكن، يقوم هو بتشغيلها حتى في غرفته التي يوجد بها الشرفة. ولكن يقوم هو بخفض الصوت مؤخراً. مد يده سريعاً ليقوم بتعليّة الصوت قليلاً، ثم نظر لها وهو يردف قائلاً على فجأة:
"كده أحلى، خلي كوكب الأرض تبدع شوية!"
انتبهت هي له بالأساس عند تعلية الصوت. تذكرت بأنها كانت تسمع صوت تلك الأغاني منذ عدة أيام ولكن صوتاً كان خافتاً بعض الشيء. ابتسمت هي له عفوياً على حديثه ولكن تلاشت بسمتها وهي تنظر له ببلاهة قائلة:
"كوكب الأرض!!! اسمها كوكب الشرق!"
"طب ما أنا عارف! هي بالنسبالك كوكب الشرق عادي! لكن عندي أنا بقا كوكب الأرض، صوتها حياة!"
ابتسمت "نيروز" بإعجاب وهي تردف قائلة بهدوء:
"فكرة بردو...!!"
واصل "غسان" حديثه، وهو ينظر على الطريق قائلاً وهو يتذكر جوابها اليوم:
"شكلك كنتِ دحيحة!"
طالعته وهو يردف حديثه وما أن انتهى، أجابته وهي تأخذ أنفاسها:
"يعني..."
"ده كده دحيحة وخبيثة كمان، مادام معترفتيش علطول!!"
ضحكت هي بخفة، ثم التفتت بوجهها ناحية الشرفة سريعاً، بينما ابتسم هو، ثم أردف قائلاً بعفوية:
"حاجتين بيفضلوا زي ما هم حتى بعد ما نكبر!"
التفتت تطالعه بتساؤل في عينيها، فأجابها "غسان":
"لون العين، و..الضحكة!"
دقائق ولم تفهم، ولكن أخيراً ابتسمت بخجل وهي تنظر له وهو يقوم بركن السيارة إلى جانب من تلك الجوانب أمام المشفى الكبيرة. عقدت ما بين حاجبيها لتوقفه، فنظر هو لها بعدما أوقف السيارة:
"هجيب الدوك يروح معانا، مليش أنا فـ تجارة الأعضاء!"
أومأت هي له وهي تكتم ضحكاتها، فهبط هو من السيارة ثم أشار لها بأن تهبط، فهبطت هي ثم تقدمت تقف بجانبه. فنظر هو لها ومن ثم بدأ بسيره عدة خطوات إلى داخل المشفى. دلف هو وهي بجانبه، ولكن لم يصعدا بل اتجه ليجلس على المقاعد في الاستراحة. ومن ثم جلس هو فجلست هي على الفور. أخرج "غسان" هاتفه ليقوم بإرسال رسالة بقدومه إلى شقيقه. آلتفت لينظر لها فوجدها جالسة تنظر بتمعن لتفاصيل المكان. قاطع نظراته مجهول يقف أمامه ثم ليتجه نحوه أكثر وهو يبتسم بسمة صغيرة قائلاً له باحترام وكأنه على معرفة به:
"دكتور بسام! أهلاً أنا كنت منتظر حضرتك. عشـ...."
"لأ أنا مش دكتور بسام!"
عقد "عز" ما بين حاجبيه قائلاً بحرج:
"هو حضرتك بتهزر معايا يا دكتور؟ ولا بتتكلم جد؟"
نظر "غسان" له بتمعن وهو يردف مرة أخرى بنبرة جادة ولكن بابتسامة صغيرة للآخر:
"أنا معرفش حضرتك علشان أهزر معاك! أنا فعلاً مش دكتور بسام. أنا.."
قاطعه قدوم شقيقه الهمجي وهو يركض بسرعة إليه. حملق "عز" بصدمة لهما الاثنان.
تزامناً مع حديث "بسام" العبثي للآخر:
"أتأخرت عليك يا أبو الغساسين! الشغل كان.."
صمت هو قليلاً عندما وجد شخصين لم يكن عليهما القدوم، ولكن الأخرى كانت تجلس بعيداً، أما الآخر فكان ينظر بصمت. ابتسم "بسام" سريعاً وهو يبرر الموقف:
"أستاذ عز، كويس إنك جيت، كنت عاوزك. بس قبل أي حاجة، ده غسان أخويا، آه إحنا توأم وتلاقيك ممكن اتلخبطت فينا، بتحصل!"
ابتسم "عز" بلباقة فبادله "غسان" نفس البسمة، تزامناً مع قول الأول:
"عادي ولا يهمك يا دكتور، اتفضل حضرتك اتكلم..!"
تحرك "بسام" إلى جانب آخر بينما جلس "غسان" بمكانه. تحرك "عز" خلف الأول حتى وقفا بمكان جانب مقعد "نيروز" التي كانت تبعث في هاتفها بملل. لاحظ "عز" تلك التي تجلس بوجهها المألوف بالنسبة له، فهي بالأساس كانت تأتي لهم مع جميلة أحياناً لشقيقته فرح.
"آنسة فيروز؟"
رفعت أنظارها تطالع هذا الذي يبدو أنه يحدثها، بينما كان قد انتبه لهم "غسان" ففعل صفارة من فمه سريعاً وهو يبتسم بعبث، لينبه الآخر قائلاً باختصار:
"بالنون يا حبيبي."
ابتسم "عز" بحرج بينما كان قد اتجه لهم "غسان" يجلس قريباً منهم بعد هذا الحوار. أما هي فابتسمت بخفة على حديث "غسان"، فأردفت "نيروز" وهي تنهض واقفة تبتسم للآخر قائلة بلباقة:
"أهلاً بيك يا أستاذ عز، أخبار طنط حنان إيه وفرح؟"
"الحمد لله، كويسين!"
قالها بحرج كونه نطق اسمها بطريقة خاطئة. فابتعدت هي بعدما أومأت له، فأخذه "بسام" جانباً وهو يقول له:
"بص يا أستاذ عز، مش عاوزك تقلق يعني من اللي هقوله ده.. بس الآنسة فرح جالها انهيار عصبي وما شابه وهي في غرفة في الدور اللي فوق ونايمة دلوقتي بعد ما أخدت المهدئ، وأنا هنا بالليل تاني وهي للمتابعة، لكن هي محتاجة طبيب نفسي يشوفها ضروري!"
شحب وجهه عندما أنصت لحديث الآخر ثم تسارعت دقات قلبه وهو يردف قائلاً بلهفة:
"يعني هي دلوقتي كويسة؟ طب ومن إيه؟ ينفع أشوفها؟"
"الزيارة ممنوعة لحد ما هي تفوق وممكن على بالليل كده إن شاء الله، متقلقش. يستحسن والدتك متعرفش، أظن معدش إلا حاجة بسيطة على العملية فبلاش توتر..!"
أومأ له "عز" سريعاً ثم هرول من أمامه يصعد عالياً حتى وإن يجلس فقط أمام الغرفة. ابتسم "بسام" بضعف بأثره كونه يلمس بداخله شعور التعاطف. اتجه له شقيقه بعدما وجده شارداً، فانتبه هو له ثم ابتسم قائلاً:
"يلا يا غُس، ده فيك تأخرنا كده يعني..؟ مش فاهم إيه ده والله."
قالها بتعالٍ زائف وهو يتجه ليخرج أولاً تحت أنظار الآخر. فالتفت ينظر لها وهو يشير لها بأن تتبعه للذهاب. دقائق وخرج كلاهما ليتجهها ناحية السيارة، فوقف "بسام" بحرج وهو يبتسم لها قائلاً باحترام:
"اتفضلي قدام طبعاً!"
ابتسمت هي بحرج وهي تنفي قوله:
"مينفعش، اتفضل انتَ!"
"طب المرادي بقى بما إنك أول مرة!"
"شكراً.. ليك احترامك!"
كاد أن يتحدث "بسام" مرة أخرى، فأخفض "غسان" زجاج الشرفة من الداخل بنفاذ صبر كونه جالساً من فترة ينتظرهم. فتحدث قائلاً للآخر يقاطعه بملل:
"إيه يا حبيبي، أجبلك كرسي تقعد تستريح؟ ما تخلص يا محترم واركب، واركبي انتِ يا نيروز ورا عشان مش هنخلص ولا نتحرك!!"
ضحكت بخفة، ولكن مهلاً، تلك أول مرة ينطق اسمها. لاحظت هي ذلك وحاولت أن تتغاضى وتتجاهل ما تفكر به، لتركب هي السيارة. عندما تنحنح الآخر وهو يصعد بجانب شقيقه، ومن ثم ضغط سريعاً على البلوتوث وهو يقوم بتشغيل أغنية من أغاني الكرتون المتحرك الذي يعشقه هو وكانت الأغنية من فيلم "طرزان". نظر له "غسان" بحدة وهو يردف قائلاً بجمود تحذيري:
"رجعها تاني لكوكب الأرض.. علشان منزعلش من بعض!!"
نظر هو له بحنق، وهو يعيد ما أمر به الآخر بضجر، بملامح وجه عابسة.
بينما ما إن اعتلت أغنية الكرتون المتحرك ضحكت هي بخفة وهي تضع يديها على فمها حتى لا يخرج صوتها، وهي تتابع باستمتاع ما يحدث من شجار بينهم. نظر هو بالمرآة فوجدها مازالت على وضعها تبتسم، فاتبسم هو بسمة صغيرة وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً من أفعال شقيقه المضحكة حتى وإن لم يقصد الآخر ذلك بالفعل.
كان المنزل يوجد به أماكن كثيرة غير مرتبة. تجلس هي بإنهاء على الأريكة حديثة الطراز، والعديد من الحقائب أمامها وبعض الملابس غير المرتبة أيضاً. أخذت "ورده" أنفاسها بنفاذ صبر منه وهي تردف قائلة له بنبرة تحذيرية:
"حط الحاجة مكانها يا يامن، كده غلط.. ما تشوف ابنك يا بدر!!"
كان "بدر" يجلس معها في المكان تارة ينظم معها وتارة يعبث بهاتفه. انتبه هو لها ثم ترك هاتفه بجانبه وهو ينظر لها قائلاً بمزاح:
"جرا إيه يا عم الورد؟ ما تروق!"
طالعته بجمود وهي تردف قائلة بحده مصطنعة:
"انتَ بتلهيني؟ مش عاوز تشيل يامن عني ولا تساعدني ولا مش.."
قاطعها هو سريعاً وهو ينهض بسرعة يجذب صغيره من على الأرض حاملاً إياه وهو يردف قائلاً بمشاكسة، تزامناً مع دغدغته لصغيره الضاحك بين يديه:
"الملاك ده؟ عملك إيه؟ قوليلي!!"
ضحكت هي بقلة حيلة على ضحكات صغيرها وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً:
"قول معملش إيه؟ كل ما أظبط حاجة يهدها تاني، أنا تعبت بجد."
ابتسم هو لها بحنو وهو يتجه لها بعد إردافها آخر حديثها بإنهاك من هذا العمل عامة وليس من صغيره بالتحديد. اتجه وهو يحمل صغيره ثم جلس بجانبها وهو يضع يده على كتفيها بود:
"هانت يا وردة خلاص قربنا أهو، ده إحنا نازلين بكرة فين لهفتك اللي كنت بشوفها!"
"طيرها سعادة البيه!!"
قالتها بمرح وهي تقرص صغيرها بخده، فابتسم "بدر" وهو يدخلها بين أحضانه رابطاً على كتفيها بحنان. ثم نظر لصغيره وهو يشير له بأن يفعل مثله، ولكن "يامن" كان له رأي آخر، بل ربت عليها ثم اقترب يقبلها قبلة طفولية من وجنتيها ثم صفق ببراءة، فقهقهت هي عليه وهي تحمله داخل أحضانها قائلة بطبيعته الأم الحنونة:
"يامن بيحب ورده! صح؟"
ابتسم الصغير باتساع وهو يومأ لها، وكذلك "بدر" وهو يربت على أسرتها مجيباً على حديث الأخرى بمشاكسة:
"وبدر برضو!"
ضحكت هي بخفة على حديثه، ومن ثم خرجت بعد دقائق من أحضانه ثم بدأت من جديد في إعداد الحقائب ولكن هذه المرة بابتسامة حتى وإن عاد الصغير يدمر ما فعلته هي!!
مر وقت بالطبع وقد وصلت السيارة أمام المبنى الذين يقطنون هم به. هبطت هي، ثم شقيقه، وبعد دقائق كان قد ركن هو السيارة ثم هبط. دلف ثلاثتهم المبنى ثم وقفت "نيروز" أولاً لصعودهم هما من قبلها. فأخفض "بسام" نظراته باحترام ثم صعد هو أولاً، ومن ثم ابتسمت هي له بتكلفه، فنظر لها "غسان" ثم التفت يصعد وراء الآخر وهو يردف بنبرة خافتة:
"محترم أوي."
سمعته يتمتم بكلمات غير مفهومة، بعدما صعدت خلفهما ولكن تجاهلتها تماماً ولم تشغل بالها. وصلوا إلى الطابق أخيراً، فوقفت هي أمام المنزل وهي تقوم برن الجرس، وهما من جانبها يخرج أحدهم المفتاح، فأردفت هي بنبرة حرجة كي لا تغفل عن آداب الذوق:
"اتفضلوا شوية."
ابتسموا هما بتكلفة، فأردف "بسام" قائلاً بلباقة:
"مرة تانية إن شاء الله."
"هيجيلكم لما يلاقي دلال طابخة حاجة مش على المزاج متقلقيش!"
قالها "غسان" بمرح، فضحك شقيقه وكذلك هي ضحكت بخفة وهي تلتفت للجهة الأخرى بعدما قال لها "بسام":
"عن إذنك."
دلف الاثنان إلى الداخل بهدوء، بينما فُتح لها الباب أخيراً بواسطة "حازم" الذي كان هناك من وقت الظهيرة بعدما أغلق المكتب ورحل إليها مباشرةً.
ابتسم هو لها باتساع وهو.
يردف قائلاً بمرح:
"أهلا بالباش محاسبه!!"
إعتلت ضحكاتها وهى تدلف إلى الداخل قائله بصوت عالٍ بعض الشيء:
"قوام بقيت باش محاسبه مش لما تعرفوا الأول اتقبلت. ولا لأ!؟"
دلفت تجلس بالصالة بينما هن لم يكنّ بها!، فاتجه الٱخر نحوها يُجيبها بعدما أغلق الباب:
"فكرك دي حاجة تفوتنا يعني، كلنا عارفين إن غسان معاكِ فالشغل، وعرفنا بعد ما اتقبلتي علطول منه!"
طالعته بدهشة، بينما خرجت لها شقيقتها من الشرفة بعدما كانت تقوم بنشر الملابس، وتلك المشابك مُشبكة بكل إنش بها حتى حجاب رأسها الخلفي!
هرولت ناحية شقيقتها وهى تحتضنها ثم جلست بجانبها وهى تردف قائلة بلهفة:
"لازم تخرجي كام ساعة يعني علشان أعرف مقامك عندي!"
ابتسمت "نيروز" باتساع بينما عقد هو بين حاجبيه باستغراب من طبيعة حديثها، وللحق كان معه كل الحق!، عندما واصلت حديثها مجدداً:
"أنتِ فهمتي إيه؟ قصدي غيابك كان حمل تقيل في شغل البيت مش كان فاتك مساعداني ولا الذل ده يا روز!"
قهقه "حازم" بقوة، وكذلك التي خرجت من المطبخ للتو!، أما "نيروز" فتلاشت الابتسامة سريعاً وحل محلها الغيظ وهى تردف قائلة بحنق:
"واللهِ؟؟ طب يلا من هنا"
قالتها وهى تحركها بقوة من جانبها، فاعتلت ضحكاتها الكيادة لها!، ومن ثم اقتربت والدتهم من الأخرى وهى تردف قائلة لها بحنوٍ:
"حمد لله على السلامة يا حبيبتي، قومي غيري عما نجهز الأكل يلاا"
أومأت هي لها بصمت، بينما تحدثت "ياسمين" بضجر:
"نـ.. إيه؟ نجهز!! إيه نون الجماعة دي يا وليه!"
"نون زي أي نون يا ضنايا يلا قدامي، وتعال يا واد يا حازم انت كمان معاها هتكبروا عليا ولا إيه؟!"
"لأ إزاي يحماتي، ريحة أكلك مجننانى أصلاً، يلا بينا!"
حدجت "ياسمين" له بأعينها بطريقة زائفة، فضحك هو بقوة تزامناً مع رده:
"أنا مليش دعوة أنا عبد المأمور!!"
قالها وهو يرفع يديه أمام كتفيه بقلة حيلة، فابتسمت هي كالبلهاء وهى تنظر له ثم قامت متجهة معه ناحية المطبخ خلف الأخرى!
***
في الشقة الجانبية، بعد مرور وقت، فالآن هم جالسون على مائدة الطعام يتناول كل منهم الغداء من فترة قليلة، نهض "بسام" أولاً وهو يبتسم،، فنظرت له "دلال" وهي تردف قائلة:
"لحقت تاكل يا ابني؟ كمل أكلك!"
كاد أن يجيبها، فطالع "غسان" والدته بتشكك وهو يردف قائلاً بجدية مصطنعة:
"ده ناقص ياكل دراعي!"
"أصله بيتعب يحبيبي والدكتور ده شغلانته مش سهلة برضو!"
ابتسم "بسام" لها بحنوٍ وهو يكيد الآخر قائلاً لها بمرح:
"وربنا ما ليا غيرك انت يا عسل"
نظرت لهم "وسام" باشمئزاز وهي تتحدث قائلة بضجر:
"مش فاهمة بتحبي فيهم إيه؟ ورمياني على جنب كأني ضُرتك يا ست انتِ!!"
اعتلت ضحكاتهم تزامناً مع تحرك "بسام" من أمامهم، فأردف "حامد" يجيبها بحبٍ:
"ما انتِ فعلاً ضُرتها، أصلك حب عمري التاني!"
"عليا الجواز بالتلاتة انت حبيبي، حبيبي، حبيبي"
قالتها بمرح وهي تنهض سريعاً ثم أرسلت له قبلة طائرة وهى تتجه إلى حيث اغتسال يديها، ابتسم "حامد" بأثرهم باتساع ومن ثم وجه نظراته لزوجته وهي تضحك على ابنتها، فلاحظ "غسان" نظرات والده فتنتح قائلاً:
"جرا إيه يا حج، خف شقاوة بقى دا أنا قاعد لسه مقومتش!"
"ما تقوم يا خفيف!"
قالها بحنق، فنظرت له "دلال" وهي تلومه قائلة بحنان:
"إخس عليك يا حامد سيبه يكمل أكله"
"والله ما انتِ فاهمة حاجة، ده قاعد عشان يفصلنا وخلاص، مش فاهم طالع بارد كده لمين!"
غمز "غسان" بعينيه بمرح وهو يضحك على حديث والده مردفاً بمشاكسة:
"بقا مش عارف لمين بردو!!"
قلب "حامد" عينيه بملل زائف وهو يغير مجرى الحديث قائلاً:
"انتَ اللي رايح تجيب بدر بكرة من المطار؟"
أومأ هو لوالده بنعم وهو يجيبه بهدوء:
"آه قال لي النهاردة الصبح، وكلمت حازم وجاي هو كمان بعربيته علشان الشنط كتير"
أومأ له والده، تزامناً مع اتجاه "بسام" لهم المستمع إلى حديثهم من بعيد:
"طبعاً يا غُس أنا كان نفسي آجي معاك بس ورايا شغل جامد بكرة"
نهض "غسان" وهو يومأ له، بعدما كانت قد نهضت والدتهم من فترة قبل حديثهم هذا، فواصل "بسام" مجدداً:
"إنچوي انتم، ورايا مذاكرة، سلام"
ضحكوا هم عليه بخفة عندما قالها وانصرف سريعاً، حتى بعدما جاءت "دلال" مرة أخرى لتأخذ بعض الأطباق وهي تمط شفتيها باشفاق:
"يا حبيبي يا ابني ده شكله هيقعد يذاكر كده لحد يوم القيامة!"
حرك "غسان" رأسه من حديثها وهو يبتسم بقلة حيلة ومن ثم متوجهاً ناحية حوض الاغتسال، فنهض "حامد" وهو يحمل معها بعض الأطباق، يجيب على حديثها بتفهم:
"هي الدكاترة كده يا أم غسان، مش كنتِ عايزة دكتور قد الدنيا البسي بقى!"
ابتسمت هي بقلة حيلة، ثم نظرت له وهو يتحرك من جانبها بعدما قام بمساعدتها، لأن الأخرى، دلفت للمذاكرة سريعاً هروباً من تلك الأعمال الشاقة بالنسبة لها!، ابتسمت هي بقلة حيلة لعلمها بما دار في ذهن ابنتها!!
***
حلّ بدايات المساء، وكـانت تجلس هي بالصالة، وبجانبها ابنتها وهي تنظر لها بشفقة طفيفة، كانت "زينات" جالسة شارده تارة، ودموع عينيها تهبط تارة أخرى بسبب غياب ولدها إلى الآن، تارة أخرى تقوم بسب كل من كان السبب في ذلك، اقتربت "فريدة" من والدتها وهي تنظر لها بصمت، فطالعتها هي بنظراتها الخالية من تعابير، فأخذت الأخرى أنفاسها وهي تردف قائلة:
"يا ماما!!، حسن هيرجع أكيد...، ما انتِ عارفاه!"
هزت "زينات" رأسها يميناً ويساراً وهي تجيب الأخرى بولولة:
"اخوكي بيضيع مني بسببهم، بسبب ولاد عايدة، و، ولاد دلال!!، ربنا ينتقم منهم"
"عندك حق!"
قالتها "فريدة" وهي تنظر في الفراغ بحدة، ثم نظرت لوالدتها وهي تردف قائلة مرة أخرى:
"بس اهدي وكل حاجة هتبقى تمام!!"
"بس متقوليليش اهدي دي، وبعدين مش قولتلك 100 مرة متقربيش مني وأنا في حالتي دي، غوري من هنا، خليني أتحسر لوحدي كدهو لا جوز جمبي زي الناس ولا بنت ولا أي زفت، حسبي الله ونعم الوكيل فيهم!"
قالتها بحدة وانفعال، فنظرت لها "فريدة" بجمود وهي تنهض متجهة حيث غرفتها، إذن الآن سوف تأخذ الخطوة التي كانت تنتظرها، لعدم وجود أمل ما!!، صفعت الباب خلفها بقوة، تاركة الأخرى تهذي ببعض الكلمات الغاضبة!
خطر ببالها بأن تأخذ هاتفها وتقوم بالاتصال به من رقم صديقة التي كانت تدونه في ورقة ما في محفظتها الخاصة، نهضت لتبحث فوجدته بجانبها، هي على ذلك الحال منذ أمس لم تتحرك بل جالسة تفكر فقط!، انتشلت المحفظة ثم فتحتها لترى ما بها من الورقة التي تريدها ولكن مهلاً، أين تلك الأموال التي كانت توجد بها!، ذهب عقلها لفترة في التفكير بكيف وبما صرفتهم هي، إلى أن وصلت، لوالدها ولكن طبيعة عقلها نفت هذا سريعاً وهي تفكر بالآخر ولم يكن سوى "حازم" أقنعت عقلها بأن ليس سواه من كان غريباً أمس!!، نظرت بخبث في الفراغ وهي تفكر بكيف ستكون تلك الفاجعة بالنسبة للآخرين، وفرصة للتشفى بهم جميعاً أيضاً، صيد ثمين إذن!!، ولكنها ظلت غافلة عن الفكرة الوحيدة والمؤكدة بوجود سارق ما في المنزل بالتأكيد!!
رواية عودة الوصال الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة ناصر
قد يكون لديك شخص يفهم ما بك دون أن تبذل جهدًا للحديث!
خرج من غرفته بعد تجهزه للعمل إذن، ولكن المنزل هادئ، فقد أخبرته والدته عندما استيقظ على الفور بأنها سوف تذهب لتجلس مع "سميه" قليلاً وتعد معها بعض الأشياء خاصة أن صديقتها مريضة وهي تعلم ذلك جيدًا! خرج فوجد شقيقته تجلس بالصالة ويبدو أنها شارده إلى حد ما. توجه ناحيتها ثم جلس بجانبها وهو يضع ذراعه على كتفيها فانتفضت هي سريعًا. نظر لها "غسان" باستغراب يغلّفه بعض من الحنان الخاص به فابتسمت له "وسام" بسمة صغيرة. تنهد هو قائلاً لها بمشاكسة:
"صاحية بدري ليه؟ مش غريبة منك دي؟"
التفتت تطالعه وبملامح وجهها المتوترة، أجابته بهدوء عكس طبيعة شخصيتها مما جعله يقلق داخليًا:
"عادي، قلقانة شوية بس، هي ماما لسه مجتش؟ وفين الناس اللي هنا أصلاً؟"
تنهد يأخذ أنفاسه ببطء وهو يجيبها قائلاً بتفهم:
"أمك لسه راحة عندهم من شوية وحامد نزل يشتري شوية حاجات مش فاهم إيه النشاط ده، وبسام راح الشغل أصلاً من بالليل وبايت هناك."
صمتت هي لم تتحدث بل أومأت له فقط، فواصل هو من جديد وهو يقول باقتراح:
"ما تيجى معانا النهارده نروح نجيب بدر ووردة من المطار؟"
نظرت له بلهفة وهي تتحدث قائلة:
"بجد؟"
"بجد قوي."
قالها بثقة، مما جعل الأخرى تبتسم. هو يعلم أنها تمر بفترة ليست جيدة من الضغط النفسي والدراسي لها تحديدًا في سنة كتلك! ابتسم لها باتساع متفهمًا حالتها تلك، ثم نهض وهو يردف قائلاً بنبرة حماسية طفيفة:
"إجهزي عما أخلص شغل علشان نمشي علطول."
هزت رأسها بلهفة، أما هو فنهض من جانبها وهو يومئ لها ببسمة صغيرة وهو يقول:
"عاوزة حاجة وأنا جاي أجبهالك؟"
قالها وهو يتجه سريعًا ناحية باب الشقة وكأنه ينتظر جوابها، فأجابته هي قائلة بلهفة:
"آه هاتلي آ..."
"ماشي سلام."
قالها سريعًا يقاطعها قبل أن تكمل حديثها، ثم أغلق الباب من خلفه بجدية زائفة، فتطلعت هي بأثره بفاه مفتوح وهي تردف قائلة بقلة حيلة:
"إيه العيلة الهبلة دي؟"
قالتها بتعجب، ولكن سرعان ما فتح الباب مرة أخرى سريعًا، وهو يبتسم لها باتساع قائلاً بمرح:
"قولتيلي عاوزة إيه؟"
"سلامتك طبعًا يا حبيب قلبي يا خويا يا جميل."
قالتها سريعًا وبسرعة عندما وجدت التهديد المُرَحّ في عينيه، فأومأ لها وهو يردف قائلاً بهدوء:
"إذ كان كده فيبقى عال أوي، سلام."
قالها وهو يغلق الباب من خلفه، ثم ضحك بخفة، هو يفعل ذلك من الأساس حتى تستعيد طبيعتها المشاكسة وشخصيتها المرحة، فوجودها كذلك قد يوتره ويقلقه من الأساس ويشعره أنه لديه نقص في شيء ما تجاه اهتمامه بها!! خرج وهو يضحك بخفة فوجدها تنتظره أمام باب الشقة وهي تمسك هاتفها، فانتبهت هي له عندما أغلق الباب، فتركت "نيروز" الهاتف وهي تبتسم له بسمة صغيرة، فبادلها البسمة وهو يردف قائلاً لها:
"ده صباح الخير."
"صباح النور."
قالتها مبتسمة، فتوجه هو ناحية السلم وهو يهبط إلى الأسفل ومن ثم هي خلفه تهبط بهدوء متخلية عن الحرج قليلاً، فقد شعرت أن وجودها معه بات طبيعيًا، بل وتصرفاتها معه ومع شقيقته أصبحت متقربة نوعًا ما. هي تحتاج وقتًا فقط، كل منا يحتاج وقتًا لشيء معين، فالوقت خير دليل!!
"السعادة الحقيقة قد تكمن أيضًا بوجود دفء القريب، أصوات متداخلة من التجمعات، شعور البهجة، صفة التعاون مع بعضهم قد يولد طاقة لمن لا طاقة له! من يمتلك تلك الأصوات والتجمعات التي حتمًا تكون إجبارية فهو بسلام، ليس ضروريًا كم عدد الأصوات، الشيء الضروري الوحيد هو مدى نقاءهم وحسن نيتهم!"
بشقة "سميه" الأقدام كثيرة والتعاون سيد مكانهم، حيث جاء لها منذ الصباح الباكر، كل من "عايدة" و "دلال" والآخرين الذين بالمنزل من الأساس. وقف "حازم" بالشرفة التي توجد بصالة المنزل وفي يديه كوب من القهوة وبجانبه "ياسمين" التي طالعته بلطف وهي تتحدث قائلة بتساؤل:
"ها، إيه رأيك؟"
اعتلت ضحكاته العالية وهو يطالعها ناظرًا بعمق عينيها وكأنه سيغازلها، هذا ما قالته لنفسها، ولكن ضرب بما تريده الأرض وهو يردف قائلاً:
"أنا لسه مبدأتش!! وبعدين في قهوة من غير وش بذمتك؟"
طالعته بضجر وهي تردف قائلة لتجييه بحنق:
"أنا مبعرفش أعملها غير كده يا أبو الحزايم، ولا إنت عاوز تخلع قبل كتب الكتاب بيومين؟"
"ده من العبيط اللي يهرب ويسيب عيون زي عيونك دي!!"
نظرت له بخجل زائف وهي تقوم بضربه بخفة على كتفيه قائلة بمرح مشاكس:
"يواد بتكسف. ثبتني يخرب عقلك.!"
قهقه عاليًا وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا بقلة حيلة منها، فأخذ أنفاسه بعد دقائق وهو يردف قائلاً بهدوء:
"تكوني جاهزة بقا، هنزل الشغل أشوف ورق كده بس وهرجع علطول، يعني أرجع ألاقيكي جاهزة عشان نتحرك، طريق المطار ساعتين يا ياسمين، ساعتين ها، بلاش مرقعه واخده بالك!"
ابتسمت باتساع وهي تجيبه بمرح:
"خلاص فهمتك يا خبيث.. إن شاء الله هجهز بسرعة عشان هاجي معاك ومش هستنى حد يأخرني كمان، يعني روز هتكون لابسة وجاهزة لما تيجي من الشغل، وكده كده ماما أقنعتها إنها تفضل هنا عشان متتعبش وأهو تخلي بالها من البيت وتعمل أكل ليهم على ما نيجي هي ومامتك وطنط دلال."
نظر لها باهتمام وهو ينصت لها بتمعن وما أن انتهت أومأ لها وهو يعتدل في وقفته ليستعد للخروج:
"خلاص تمام كده، هنزل أنا بقا، عاوزة حاجة إنت وعيونك الحلوة!"
قالها وهو يغمز لها بطرف عينيه، فابتسمت هي بحب وهي تجيبه بحنو:
"سلامتك."
ابتسم لها باتساع ثم تركها وغادر الشرفة، ومن ثم اتجه سريعًا للخروج، أما هي فاتجهت مسرعة ناحية المطبخ ومن به من الداخل، فابتسمت لها "دلال" أولاً وهي تغمز لها بطرف عينيها ما أن رأتها قائلة بمرح:
"الحلو خلص كلام حلو؟"
ضحكن النساء بخفة، خاصة "عايدة"، أما "ياسمين" فضحكت عاليًا وهي تردف قائلة ببراءة مزيفة وهي تشير على "عايدة":
"بصي يا طنط ابن الست دي مبيقوليش كلام حلو خالص وأنا بعاني أوي من ده."
نظرن لها بتشكك خاصة أنهن يعرفن جيدًا، طبيعة شخصية "حازم" الحنونة!
فنظرت "سميه" لهن جميعا وهى تقوم بالطهى قائله بثقه كبرى:
"أقطع دراعى إن ما كانت بنتى دى كدابه وظالمه الغلبان التانى معاها. إسألونى أنا دي قادره ومفتريه وأنا عارفاها."
قهقهن جميعا على حديثها. فنظرت "ياسمين" إلي والدتها بحنق. فبادلتها والدتها النظرات وهى تردف قائله بأمر:
"إعمليلك شغله. تعالى إعملى شهقه الملوخيه يلا!"
"ما انت عندك اتنين ستات يشهقوا إشمعنا شهقتي يعنى!"
قالتها "ياسمين" بضجر زائف وكل منهن يطالعها بإستمتاع.
"أصل رتمها موسيقي ياعين أمك!"
قالتها "سميه" بسخريه. فاعتلت الضحكات جميعا عليها. حتى ضحكت هى الٱخري أيضا. فأردفت "عايده" من بين ضحكاتها قائله بحنو ممزوجا بالمرح:
"خلاص متزعليش نفسك. أنا هشهق للملوخيه يستى. وطنطك دلال تعمل البطاطس. وأمك أهى تطلع الفراخ المحمره من الفرن وتدخل الباقى. راضيه ولا مش راضيه؟"
"ولو مش راضيه. أرضي عشان خاطر عيونك يا حماتى يا قمر!"
قالتها "ياسمين" بمرح. فضحكن عليها بخفه. حتى ضحكت والدتها وهى تحرك رأسها يمينا ويسارا بقلة حيلة من ابنتها متمتمه بخفوت وبنبره حملت من مشاعر الأمومه ما يكفى:
"ربنا يهديك ويصلح حالك يا بنتى! ويكمل فرحتك على خير."
***
وصل كلا منهم إلى مكان العمل الخاص بهم. بعدما وقفت السياره فى جانب من إحدي الجوانب أمام المبنى الصغير. دلفت "نيروز" بعدما دلف الآخر بخطوات ثابته ثم صعدا السلم إلى الطابق الثانى وبعد دقيقتان. إلتفت خلفه بعدما صعدا أخيرا. فوجدها واقفه بمكانها يبدو أنها مشتته نوعا ما. إقترب منها "غسان" بضعة خطوات ثم تنحنح قائلا بصوت هادئ مع إبتسامته الصغيره:
"الأوضه اللى هناك دى فيها مكتب ليك مع محاسبين مبتدئين زيك كده بالظبط. وهناك واحده هتتولى تدريبكم تحت إشرافى. لو إحتاجتى حاجه قوليلي. تمام؟"
بالطبع قالها وهو يشير على غرفه من تلك الغرف الثلاث الموجوده بجانب بعضها. ابتسمت له هي ثم تنهدت لتتحدث قائله بشكر:
"تمام أوى. شكرا بجد يا غسان!"
قالتها بعفويه بطبيعتها لردها على حديثه. لن تعطي بالا بأنها نطقت إسمه للمره الأولى وبعفويه ظهرت من حديثها. إنتبه هو لنطق إسمه منها فنظر لها بتعمن. تداخلت الأمور فى بعضها الأن. أيحدثها بأنه ليس من الجديه بأن تنطق إسمه كهذا فى العمل دون رتبه. أم يتركها تأخذ على الأجواء بطبيعتها التى لم تظهر إلا قليلا. وللحق وصل له التفكير بأن إسمه أصبح أفضل كثيرا الأن بعد نطقها هذا. أكان يبتسم!! شاردا!! ماهذا!! حرك رأسه بقوه كدلاله على النفى سريعا. وسرعان ما فاق هو من شروده فوجدها قد تحركت من فتره بالفعل وهو غير واعي لذلك!! حاول تجاهل كل شئ إلى الأن ثم عدل من شكله وحلته متنحنحا بقوه مع سيره بخطواته المتوسطه فى سرعتها إلى غرفة مكتبه الخاص غالقا الباب من خلفه. ولكنه وقف فجأه عندما وجدها فى غرفة مكتبه جالسه على أحدى المقاعد التى توجد أمام مكتبه. عقد ما بين حاجبيه ولكن سرعان ما أصبح يعتدل ليسير نحوها بضعة خطوات حتى يجلس على المقعد الذي يوجد خلف مكتبه. بدل نظراته إلى نظرات عاديه. ولكن هى كان لها النصيب بأن تتحدث أولا بإبتسامتها الرسميه وهى تفرك يديها بهدوء. ولكنه نظر لها بتعمن ثم إستشف توترها الضعيف التى تخفيه هي. أما الأخري فهى التى تتولى إدارة هذا الفرع الصغير من الشركه التى تعد صغيره أيضا. هى ليست بالطبيعه الحاده الجامده كمثل باقى النساء فى أى شركه ليست متكبره نوعا ما. شخصيتها بالتأكيد قويه بطبيعة عملها ولكنها مجرد إمرأه عاديه تولت إداره المكان من صديق الأخر بسبب مجهودها الذي يشهد البعض به. نظرت له "إنچى" بملامحها المبتسمه ثم أردفت قائله بترحيب له وبنبرتها الواثقه أيضا:
"صباح الخير يا مستر غسان. مستنياك من شويه كنت عاوزه أتكلم فحاجه!!"
إبتسم لها "غسان" بتكلفه ثم تحدث قائلا بصوته الأجش يجيبها:
"صباح النور. إتفضلى طبعا. خير؟"
إبتسمت له بإتساع ثم نظرت له بثقه وهى تردف قائله بثبات عكس حديثها:
"كنت عاوزه أتأسف عن المشكله بتاعت الحجاب اللى حصلت منى. أنا فعلا غلطت لما فكرت فى كده من الأساس. بس كونى مديره هنا بغفل عن حاجات من كتر الضغط. والمنصب اللى وصلتله موصلتلوش بصعوبه برده فـ.."
أخذ أنفاسه ثم قاطع حديثها بهدوء عند نقطه معينه مردفا بثبات لا يخلو من إبتسامته الرسميه:
"مش غلط الواحد يعترف بغلطه ويتأسف. بس حضرتك بتتأسفى للشخص الغلط. ممكن وبكل ثقه تتأسفى للمحجبات اللى مشى نصهم من القرار اللى طلعتيه واتبقى القليل منهم. وأنا مقدر منصبك وأجتهادك اللى وصلك انك تبقى مديرة المكان هنا. ومش أنا اللى هروح أتكلم فى غلط إتصلح وأكبر المواضيع. بغض النظر عن إن قرارك إتاخد من غير موافقة شادى رئيس الشركه وده كفيل يرجعك خطوات كتير أوي لورا!!"
بسمه متوتره!! ظهرت أخيرا بعد تمسكها الثابت أمامه لمده. أيقنت أن من حديثه وثغراته البسيطه فى الحوار ليس سوى شخصا ليس بالهين أبدا. حتى وإن كان لينا بحديثه ونظراته. حتى ملامحه لم تكن صارمه كموظف له جهد كبير فى عمله. ورغم ذلك لم يحبذ أن يترأس شيئا كهذا!! إستجمعت ثقتها بسرعه ثم وضعت قدما فوق الأخرى بثبات مقرره الحديث بوضوح بعدما علمت جيدا أنه تفهم سبب زيارتها. إبتسمت بسمه صافيه لم يظهر بها خبثا. ولكن ظهر بها بعض الجديه والخوف على مستقبل عملها وجهدها:
"اوكى. معنديش مشكله أنزل إعتذار الموظفين كلهم يشوفوه. وبشكرك طبعا على تفهمك للوضع اللى أنا فيه وإن مفيش حاجه هتوصل لمستر شادى. وأتمنى نكون صحاب مع الوقت أكيد!.. عن إذنك."
قالت أخر حديثها وهى تنهض لتقف بكعب حذائها العالى وهى تنظر له بصمت. بالطبع هى أعلى منه الأن كثيرا. وهى تقف. ولكن هو لم يرفع أنظاره إليها ولم يقف إحتراما لخروجها من الأساس كموظف عادي. هى إنتظرت بضع لحظات ولكنه أومأ لها بصمت من مكانه فاتجهت ملتفته لتخرج من الغرفه. مع وصول تفكيرها بأن تتحاشاه قليلا. هو ليس شرسا. ولكن من الأفضل التقرب منه بالحسنى فقط وستنضبط الأمور. هزت رأسها بإيجاب لتأكيد تفكيرها. تفكيرا خاص بطبيعتها العاديه. الغير مكترثه بأخذ حقا لها من مجرد حديث عابر. هي تتجاهل وفقط!!
***
مر وقتا ليس كثيرا. ولكن تحديدا فى المشفى. كان يجلس على مكتبه فى غرفه ليست كبيره بحجمها. وأمامه طبيب نفسيا يعمل معه بالمستشفى والٱخر كان "عز" بعدما تقدم معهم بعد رؤية الطبيب لحالة شقيقته. أخذ "بسام" أنفاسه ثم تنهد قائلا بهدوء وبنبره مطمئنه:
"أستاذ عز ده الدكتور عاصم أمين ماشاء الله غنى عن التعريف وده زي ما عرفت هيبقى مسئول عن حالة فرح نوعا ما وهيشرحلك حالتها ببساطة عشان تفهم كويس وتكون واعى للي بيحصل أو اللى هيحصل!"
أومأ له "عز" بصمت بالطبع غير قاردا على تحمل كم الصدمات تلك منذ ٱخر مره تحدث فيها معه ورؤيته لشقيقته كذلك بالتأكيد!! فى حين إبتسم "عاصم" بسمه إمتنان وشكر للأخر الذي مدحه فى أول حديثـه. صمت قليلا. ومن ثم بدأ حديثه بعقلانية متعلم وهو يقول:
"خلينى أقولك يا عز بقا ونشيل الألقاب. عاوز أبدألك بحاجه مهمه جدا وبالترتيب كده وخليك هادي لأن كل ده وارد إنه يحصل لكل إنسان طبيعي.
طبعا أختك مش مجنونه زي ما جه في دماغ حضرتك عن المرض النفسي وإنك واضح إنك زعلت وأخدت الفكره وسكت!"
توترت ملامح "عز". قليلا. نعم هو فكر بذلك. ولكنه لايفقه كثيرا فى أمور الدراسه هو شخص يعي جيدا الأمور ولكنه متعلما إلي حد معين ولم يستكمل دراسة ما بعد الاعداديه. لكن تلك الدنيا كفيله بتعليم الاشخاص جيدا. سواء متعلم أو غير ذلك حقا. إبتسم "عاصم" تحت أنظارهم الإثنان. ثم تنفس بهدوء متحدثا مره أخري ليواصل ما بدأه:
"مش.
مشكلة كلنا بيجيلنا أفكار غلط، محتاجين حد يصلحها. بس فرح جالها انهيار عصبي بشكل معين أو بنسبة معينة. النسبة مش كبيرة أوي، لكن هو نتيجة اضطراب تفكير وقلق وتوتر زايد. لأن الانهيار بيعرض مشكلة ما موجودة بالفعل وممكن يخرج زي ما خرج كده نتيجة حاجة عندها ويتسبب بالاكتئاب والقلق والخوف زي ما قولت لحضرتك. هي مش فاقدة النطق، هي مش قادرة تتكلم بس. لكن كام جلسة بسيطة جداً، مع أفعال وأنشطة جديدة عليها هترجع كويسة بإذن الله.
تفهم بالطبع الوضع جيداً بعد شرح الآخر بالتفصيل. فنهض بإحترام وهو يومئ له بإمتنان من نظراته قائلاً:
"شكراً يا دكتور، وبإذن الله هحاول أعمل اللي عليا. عن إذنكم!"
أومأ له الاثنان بابتسامة حقيقية وهما يرونه يختفي من أمامهم شيئاً فشئ، حتى أغلق الباب من خلفه. فالتفت "عاصم" برأسه للآخر ثم ابتسم له بعبث وهو يقول:
"إيه يا دكتور فينك؟ بقالك فترة مجتش العيادة. أمورك تمام يعني ولا الشغل مش متظبط؟"
ابتسم "بسام" بسمة صغيرة مفاجأة. نعم! هو يذهب لطبيب نفسي منذ فترة، وفترة تعد كبيرة أيضاً، من قبل تعيينه في عمله الذي جمعه بعاصم. ولكنه كان يعرفه قبل العمل وتعيينه في نفس المشفى. هذه كانت مجرد صدفة فقط. ذهب ويذهب وسيذهب إلى الآن له بسبب عقبة معينة لم يستطع التعافي منها إلى الآن. تنهد يأخذ أنفاسه وأرقه البادي على وجهه من إنهكه بعمله. ثم أردف قائلاً بهدوء:
"عندي ضغط شغل الأيام دي يا دكتور. بس إن شاء الله انتظرني قريب. فنحن لم نتعافى بعد والله!"
قال آخر حديثه بمرح طفيف، مما جعل الآخر يضحك بخفة وهو يتحدث قائلاً من بين ضحكاته الهادئة:
"ممكن تزود برضه إنك بتيجي عشان تراضي نفسك وبس. مع إنك ظالمها وجالدها أوي الصراحة ومش عارف تحبها. لازم تحب نفسك. حط تحت دي عدد من الخطوط اللي نفسك فيها يا دوك. بس متقلش عن مليون خط!"
بالطبع حديثه كان ممزوجاً بحد كبير من المنطق والعقلانية. فابتسم الآخر بشرود بعدما أومأ للطبيب. غاص في ذكرياته الذي لم يتعافى منها إلى الآن. حسناً، دقائق مرت وهو شارد. يبدو ذلك. لأنه عندما فاق مجدداً، لاحظ اختفاء الآخر والذي كان سبباً في شروده إذن.
"خلاص بقا صدعتو أمي وربنا. الصلح خير يا جدعان!"
همس "آدم" بتلك الكلمات وهو يجلس أمامهم الإثنان. بالطبع كان حديثه يغلفه المرح ليخفف من حدة الأجواء. فنظر "حسن" إلى الآخر بحدة وهو يردف مجدداً:
"صلح إيه اللي بيتكلم عليه؟ أنا مش عيل يا شريف عشان تسيبني لوحدي بعد ما ظبط انت كل حاجة وغليت الدم في عروقي وتمشي من غير ما تطفي عليه! وفي الآخر يتحط عليا من ابن عم الدغف ده!"
تحامل "شريف" على أعصابه من شدتها ثم أردف قائلاً بجمود ليجيب الآخر:
"ما قولتلك كان عندي زفت حاجات في البلد بخلصها وجت فجأة! هنخيب على بعض يا حسن! دا اللي جمعنا ببعض من الأول حقنة وشريط برشام! فـ روق كده يا باا محدش واخد من أمها حاجة! ماشي!"
تشنجت ملامح "حسن" فقط فالآخر معه حق ببعض حديثه فظل صامتاً لفترة. أما "آدم" فتغاضى عن ما قاله الأول عنه. ثم تنهد يردف قائلاً:
"خلصنا بقا معتش حد يفتح في أم الحوار ده تاني. وانت يا عم في رقم بيرن عليا من امبارح ولما فتحت أشوف متسجل إيه طلع الحوار ليه علاقة بأمك!"
ابتسم "حسن" بتهكم وهو يردف قائلاً:
"فكك. لو رديت مش جايلك م المكالمة دي غير وجع دماغ. وأنا وانت بندفع كتير عشان نروقها أصلاً!"
لاحظ "شريف" حديثه الغير مكترث بوالدته. فلاحت ابتسامة ساخرة على جانب شفتيه. أما "آدم" فلم يستطع منع نفسه من الحديث الذي كان يتردد أن يردفه:
"عندك حق في حكاية الدماغ! بس هتندم على أمك يا حسن. يا ما أمك اللي هتندم عليك. خليك كويس يعم معاها لاحسن مفيش بعد الأم إسألني أنا!!"
"هه! أم!! هو أي أم ولا إيه؟ طب أمك كانت طيبة وغلبانة ولو إني الصراحة مبيفرقش معايا أصلاً. بس لو أمك عايشة لحد دلوقتي وشيفاك كده حقها تزعل وتتقهر. لكن أمي! أمي السبب أصلاً في كل حاجة بتحصل ليا هي أو أبويا! مش غبي أنا عشان أقولك اني طالع كده من نفسي. أمي مساعداني على ده أصلاً. وكلام فسرك رياحة! بس اللي مش رياحة بقا إنها خلتني أكره كل اللي حواليا وأقارن نفسي بيهم على طول. دايماً شايف غيري أحسن مني! خد يا حسن فلوس ما عايدة إكيد بتدي لحازم إشمعنا أنا! اسهر يا حسن براحتك ما أبوك مبيكلمش حازم إشمعنا إنت! إكره يا حسن إخواتك هما مش بيحبوك! وعايدة بتكرههم فيك. ماشي يا ما! تقولك ماشي ياحسن بس متقولش إخواتي تاني هما مش إخواتك!"
صمت قليلاً بعدما أردف حديثه بتعب. استشفه "آدم" بالطبع غير واعٍ بنسبة قليلة بسبب تعاطيه للمخدر الذي كان يحقنه به قبل مجيء "شريف" بفترة قصيرة. كان أول عتابهم لم يفعل المخدر تأثيراً. أما بعد فترة فعل تأثيره على عقله وبدنه وحديثه بالطبع. أما "آدم" فلم يفعل مثله تلك المرة. وكان "شريف" جالساً بصمت واعٍ بالكامل لكل حرف كان يتفوه به الآخر. ما إن انتهى "حسن" فرد ظهره سريعاً بقوة على الأريكة من خلفه ثم أغلق عيناه لعدم السيطرة على غفوته الإجبارية تلك. عقله ما بين الواقع والأحلام الآن. نظر "آدم" عليه بشفقة ثم نهض واقفاً متجهاً إليه خطوات بسيطة فارداً الغطاء الرقيق ذلك عليه حتى دثره جيداً. أما الآخر فأخرج "سيجاره" ليشعلها وكأنه يتلذذ بذلك. وما أن انتهى آدم أشار له بأن يتبعه إلى الخارج. وبالفعل انسااق ورائه. فوقف "آدم" ينظر للآخر وهو يردف قائلاً له:
"أومال مش شايف الحاجة اللي قولت هتجيبها وانت جاي معاك؟"
"ما انت لو تتقل هناك حطيتها على السفرة. اضرب انت والنحنوح وأعملو الدماغ اللي نفسكم فيها. وآدعيلي بس فلوسكم تحضر بقا ما أنا مش هدفع لكم من جيبي مخلفتكوش ونسيتكم!"
أومأ له "آدم" وهو يخرج نقوداً من جيب بنطاله الرياضي ثم قدمها للآخر وهو يتحدث قائلاً بصوت متوسط من العلو:
"إمسك دول. كان حسن جايبهم معاه قبل ما يجي وقالي ادفعهم للحاجة. دول آخر ما عندنا يا شريف مفيش فلوس ندفعها تاني عشان متقولش قليل وبتاع! لا أنا عاد بيجيني فلوس وحسن أخر نهبه ليه دول!"
ضحك "شريف" عالياً ثم تمتم بإعجاب وهو يردف قائلاً:
"لا حلو والله ننوس عين ماما سمع كلامي أهو وبدأ يسرسب ويخنسر!"
"ما البركة فيك ناصحنا ومروق دماغتنا!"
قالها "آدم" بسخرية. ومن ثم ابتسم الآخر له باستفزاز وهو يأخذ منه الأموال مستعداً للخروج من المنزل بأكمله.
"ما أقسى أن تشعر بأن شخص ما سيفارقك، بعد قسوة الشعور بالحب من طرف واحد!"
مر وقت عليه وهو جالساً بجانب فراش والدته ممسكاً بيديها صامتاً لا يعرف بماذا يتحدث من شدة خوفه بأن يخسرها. فاليوم وبعد فترة موعد العملية الجراحية الخاصة بها. وشقيقته في الغرفة الأخرى في سبات عميق!!
تنهدت حنان بتعب، ثم رفعت يد ولدها لتقبلها بحنان بالغ. استشعر قبلتها الرقيقة تلك، ولكن دمعة دافئة فرت منها امتزجت بقبلتها له. تلهف عز، ثم رفع أنظاره بتعب لينظر لها بقلق بدا على ملامحه المتوترة.
"بتعيطي ليه بس يا حنان؟"
قالها بمراوغة حتى يهون عليها قليلاً. أما هي فابتسمت بسمة منكسرة لتردف قائلة بصوتها الهادئ الضعيف نوعاً ما:
"بعيط على خوفك يا عز. بعيط وأنا بحمد ربنا على ابن زيك، طول عمره بار بيا ولا عمره زعلني ولا وجع قلبي في يوم. بعيط يا بنى على تعبك علينا وشقاك. بعيط على قلبك الموجوع واللي انت كاسره بنفسك من غير خطوة يا ضنايا من الموضوع إياه! عايزاك تعرف يا بنى إنك قد المقام وأكتر وتليق باحسن ناس يا حبيبي. عمرك ما كنت قليل. القليل قليل الخبرة، قليل التفكير والعقل يا بني."
تأثر بحديثها، ثم فرت دمعة كان يكتمها أمامها. كانت تأبى الهبوط، ولكن عند يقينه بأن الأخرى تشعر جيداً بما يجري بداخله وتبوح بما في قلبها وكأنها آخر مرة. هز رأسه سريعاً ينفي حديث عقله، فوجدها تأخذ نفسها البطئ وهي تواصل مجدداً:
"لو جرالي حاجة يا بنى، خلي بالك من نفسك ومن فرح. فرح اللي متأكده إن فيها حاجة ومش عاوز تقولي ولا تريح قلبي الموجوع عليكم."
قالت آخر حديثها بنبرتها الباكية الواضحة من حديثها بكثرة. فربت هو على وجنتيها ثم قرب من يديها على موضع قلبه وهو يردف قائلاً بإنهاك تخلله من بكائها هذا:
"والله كلنا كويسين وهنبقى تمام. مش عاوزك تفكري فحاجة. انت قوية يا حنان وهتستحملي، أنا عارفك وحافظك. عشان خاطري متسيبنيش أصلي مش هقدر أعيش من غير وجودك اللي مهون عليا الدنيا. خليني أقول وبأعلى صوت فيا 'انتهت المعركة وانتصرت أمي على السرطان'. خليني أقولها وأنا فرحان وصوتي مش طالع من فرحتي!"
بكت على بكائه الصامت وهو يردف حديثه بنبرته المتحشرجة. فوضعت يديها على صدرها بتعب وهي تأخذ أنفاسها بضعف قائلة بصوتها المتحشرج:
"مش بإيدي يا بنى. مش بإيدي. بإيد ربك. إدعي، مش هيخذلك أبداً. راضية أنا راضية بكل المكتوب. متخافش يا عز، متخافش يا حبيبي. أنا معاك. معاك وقلبك الموجوع. بس قولها يا عز. قولها خدها مني نصيحة. قولها يا بني إنك بتحبها ومفيش لحظة بتعدي غير وانت بتفكر فيها. قولها إنك عاوز تتقدم لها بس خايف. إفتح قلبك يا ضنايا وخش البيت من بابه. مش هستحمل وجع قلبك ده وأنا عايشة ولا حتى وأنا ميتة!"
تركها ثم تقدم ليجلس على المقعد وهي تتحدث وهو يمسح ما تبقي من دموع عيناه، يأخذ أنفاسه متنهداً بتعب وهو يقول:
"حبي ليها مش مبرر يخليها تقبل توافق على واحد زيي. مش شايفه أنا فين وهي بتعليمها ده لوحده فين! دكتوره هتقبل بواحد حياالله ميكانيكي سيارات! ده حلم. حلم صعب قوي عارف إنه مش هيتحقق وبردو مبحرمش وبفضل أحلم بيه. بس انت أهم عندي من كل حاجة. عاوزك متسبنيش وتفوقي وتبقي كويسة ونبقى نشوف الموضوع ده بعدين. وعد. ماشي."
أومأت له بهدوء وهي تهز رأسها بنعم. نعم، منهكة، متعبة، خائفة!
***
جلست بمكانها والهاتف بيديها تطلب ذلك الرقم منذ ليلة أمس ولكن لا رد. تهز قدميها بقوة من فرط توترها وقلقها البادي عليها وعلى والدها. تفكر هل من شخص فعل به شئ؟ أم رحل دون عودة؟ فرت منها دمعة واحدة. دمعة جامدة، رغم تشنج وجهها، الذي لا يهيئ لمن يراها بأنها تبكي للتو. فاقت على فتح باب منزلها وهي تلتفت بلهفة لعل الآتي هو ولدها، ولكن خاب ظنها عندما وجدته هو! زوجها! ابتسم بتهكم على تلهفها ذلك متفهماً بماذا كانت تعتقد. فأغلق سليم الباب ومن ثم اتجه بخطوات بطيئة ليجلس بجانبها بتعب، خاصة أنه غادر وقت الظهيرة، إذن الآن! نظرت زينات له بجمود ما أن رأت بسمته المتهكمة تلك. فنظر هو لها بإستفهام وهو يردف قائلاً بحدة:
"بتبصيلى كده ليه يا وليه انتِ؟"
طالعته بغيظ وهي تنفخ أنفاسها بقوة. فواصل هو حديثه الساخر وهو يقول:
"بصي يا زينات ابنك مش جاي الوقتي. مش جاي أغنيهالك."
فلتت أعصابها وهي تحدجه بشرر مردفة بنبرة منفعلة:
"وانت بقا مخاوي وبتعرف المستخبي ولا نفسك أصلا ما يرجعش؟"
"ابنك القرش فايده الوقتي لما يخلص ويخف من القرش اللي فايده هتلاقيه راجعلك زي الكلب تحت رجلك عشان تلقميله زي ما بتديله من ورايا. أوعى تفتكري إني أهبل وبرياله ومش عارف. بس انت حره، ده كفيل يوريك تمن اللي بتعمليه واللي إحنا كلنا عارفينه. ابنك مدمن. يعني اديله كمان ودمريه أكتر. وأقولك حاجة بقا... ابقي ادفعي فلوس مصحته، دا لو مجالكيش بكفنه الأبيض اللي عكس أعماله السوده. حوشي من دلوقتي للحاجتين وادفعي التمن لوحدك عشان أنا متبري منه ومن خلقته وخدي دي كمان لو جه هنا أنا هطرده بنفسي عشان معتش قاعد فيها. ارتاحتي؟"
قال حديثه بانفعال منها ثم نهض بعصبية بالغة متجهاً حيث غرفته، تاركها تنظر بأثره بغضب. نظرات قاتلة حارقة! لو بقى هو ثابتاً لاحترق منها للتو!
"هي بقت كده يا سليم.. ماشي!!"
***
في الشقه المقابله. كان المكان قد رتب كثيراً. حسناً والطعام أيضاً. وبقوا هم جميعاً جالسين بالصالة حتى بعدما جاء لهم حامد بزيارة مع المشتريات الذي كان هابطاً ليشتريها مبكراً. وبعد مجيء جميلة من جامعتها مبكراً لإلغاء بعض محاضراتها وقلقها بإختفاء صديقتها لأيام، وأيضاً لم تجيب علي هاتفها حتى. وبين حازم الذي جاء منذ قليل مع مجئ والده أيضاً. كان جميعهم بالصالة حتى ياسمين كانت قد ارتدت ملابسها وتجهزت بقى فقط انتظار شقيقتها وغسان. وكما كانت قد جاءت لهم وسام بعد علمها بالتفاصيل من ياسمين على الهاتف فارتدت هي الأخرى وتجهزت وجاءت لانتظار البقية معهم. إذن الجو مليئاً بالحماس في ذلك الوقت! ابتسم حامد لهم جميعاً وهو يرى التجمع هذا الذي ينقصه البعض بالطبع. ثم أردف قائلاً بلباقة:
"متجمعين دايماً. بالخير وربنا يرد لينا أولادنا بالسلامة إن شاء الله!"
ابتسموا له جميعاً باتساع فخرج صوت وسام وهي تردف قائلة بلهفة:
"هم إتأخروا ليه دول يخربيت الحماس اللي مش سايب الواحد في حاله والله."
ضحكوا جميعهم بخفة. فنظرت لها جميلة وهي تتحدث بمرح:
"بس يا ثانوية عامة انت المفروض أصلا متتكلميش انت تشكريهم علي الخروجه الحلوه دي وبس!"
ابتسمت وسام بمرح وهي تجيبها على حديثها بقولها:
"أبو الغساسين حبيبي قلبي وكبدي وعيني بقا."
قهقهوا عليها بقوة خاصة والدها الذي أجاب على حديثها بمرح لهم قائلاً:
"المفروض أبو الغساسين ده اللي أخدت الإذن منه. وأنا كنت كيس جوافه عند دلال في الفريزر وكده."
قالها وهو يهز رأسه بمرح. فضحكوا عليه بقوة. فردت دلال كمحاولة للدفاع عن ولدها:
"ونبي دا حنين ومفيش في طيبة قلبه أبداً. مش كفاية عاوز يهون علي البت ياخويا ويفرفشها بدل التوتر اللي هي فيه ده!"
ابتسموا لها جميعاً.
نظرت "ياسمين" إليها وهي تردف قائلة بجدية زائفة:
"وانتِ يا بت، توتري نفسك ليه أصلاً؟ ما في داهية مش نهاية العالم ياختي. أخرتها واحد زي أبو الحزايم ومعاه في بيته، وكده يبقى خلاص خلصت!"
ضحكوا عليها بقلة حيلة. وبعد دقائق من انتهاء ضحكهم، نظرت "جميلة" إليهم وهي تردف قائلة بحديثها الموجه لـ "وسام":
"أكيد طبعًا ياسمين بتهزر يجماعة!"
قاطعتها "سمية" سريعًا وهي تتحدث قائلة بجمود وتحذير للأخرى:
"أكيد طبعًا بتهزر. دي كانت بتذاكر تحت السلاح بتاعي اللي هو لامؤاخذة الشبشب يعني. ده ممشى جيل بحاله. كملي يا جميلة كنتِ بتقولي إيه؟"
ضحكوا عليها بخفة مع النظرات الضجرة من الأخرى لوالدتها. فواصلت "جميلة" حديثها الهادئ بعد انتهائهم وانتهائها من الضحكات:
"كنت بقول يعني إن ثانوية مش كلها وحشة ولا كلها ضغط. بس حاولي تعيشيها صح. اعملي كل اللي نفسك فيه، بس من غير تأثير في مذاكرتك ولا وقتها. اخرجي واتفسحي واتبسطي، بس قصادهم وقصاد وقتهم تذاكري. اعملي حاجات جديدة مكنتيش بتعمليها. اتفرجي وابحثي أكتر عن حلمك وابدأي خططي ليه من دلوقتي كمان. خططي عشان أنا واثقة إنك قدها وكلهم واثقين إنك قدها. وأي حد مكانك وزيك قدها وقدود. أوعي اليأس، ده مش كويس، ده غير إنه حرام ومش من ديننا خالص. تفائلوا بالخير تجدوه. وإحنا كلنا متفائلين خير يا فنانة!"
ابتسمت بتأثر كما ابتسموا هم لها جميعًا، بسمة امتنان. وكطبيعة شخصية مثل "وسام" الغير متوقع رد فعلها، قامت متجهة لتحتضن الأخرى بتأثر، ثم ضمتها بقوة وهي تردف قائلة لها مع تفهمها لحالتها التي عرفتها مؤخرًا من شقيقها، وبصوت خافت:
"حاسة بيكي. علفكرة انتِ أرق وأجمل دكتورة، وبكرة هتعرفي ده كويس بجد."
أدمعت عيني "جميلة" بتأثر مع نظرات الحب الموجهة إليهم. وكانت قد أدمعت تلك طيبة القلب المندفعة في تصرفاتها وحديثها "ياسمين". ثم رفعت يديها تخفي آثار دمعتها وهي تردف قائلة بسخرية لا تتماشى مع بكائها منذ لحظات، وكأن يوجد لديها عطل في مشاعرها:
"فخورة بيكو يا ولاد. فخورة بيكو يا حبايب مامي!"
ضحكوا عليها عاليًا، وعلى طبيعة حديثها المرح. فنظر لها "حازم" وهو يردف قائلاً بمشاكسة وتبجح:
"دي تقوليها لولادنا في المستقبل إن شاء الله."
"شوف الواد الحبيب الشقي!"
قالها "حامد" بمشاكسة مما جعلهم يضحكون جميعًا، من أول عائلة "حامد" التي لاقت نفسها أخيرًا وسط العائلة المبهجة هذه، إلى عائلة "سمية" المتضاربة بسعادتها المتضاعفة من رجوع "ورده" وزواج "ياسمين"، إلى أخيرًا عائلة "عايدة" الذي يوجد دومًا شيئان لا ثالث لهم، الرضا الدائم الممزوج بالحزن بما قابلهم والذي سيقابلهم من عقبات!
***
خرجت سعيدة من أول يوم في عملها. ثم وقفت مع تلك التي عرفتها جيدًا. ما إن رأتها وللحظة كانت مدربتها صديقتها في الجامعة. نظرت "نيروز" إلى صديقتها بسعادة وهي تردف قائلة:
"حقيقي مبسوطة أوي إني شوفتك هنا يا صفا بجد، الدنيا صغيرة أوي فعلاً."
ابتسمت "صفا" باتساع وهي تجيبها قائلة بامتنان:
"شفتي بقا الدنيا ياروز. كنتِ وحشاني بجد. وعلفكرة انتِ شاطرة جدًا. وهقول لمستر غسان عليكِ وعلى خبرتك الكويسة بما إنك مبتدئة يعني. أهو يقوم مقدملك شهادة كده ولا حاجة هو ومدام "إنچي"."
"تسلمي يا صفا، ده من ذوقك حقيقي والله. سلميلي على مامتك أوي وأختك!"
"تسلمي يا روز. زي ما قولتلك، أول ما فرحي أنا ومحمد يتحدد، أول واحدة معزومة هنا انتِ!"
قاطع حديثها "غسان" الواقف من خلفهم وهو يردف قائلاً بجدية زائفة:
"وأنا مجيش ولا إيه النظام يا صفا؟"
"ينهار أبيض مستر غسان، ده انتِ تنور الفرح كله حقيقي والله."
ابتسم بلباقة وهو يومأ لها بشكر، ومن ثم وجه نظراته لتلك الواقفة التي تبتسم لهم ببلاهة، وهو يقول:
"خلصتي يا نيروز؟"
تنحنحت هي وهي تومأ له، ومن ثم هبط من على السلم الجانبي. فالتفتت تهبط من خلفه، فأوقفتها صديقتها وهي تردف قائلة بفضول متسائل:
"هو إيه الحوار يا بت ياروز؟ ما ترسيني."
ضحكت "نيروز" بخفة وهي تتحدث على عجالة:
"لسه زي ما انتِ ياصفا متغيرتيش!! بصي هقولك بكره إن شاء الله يستي، مرضية!"
"أوكى dont forget بقا!"
"مش هنسي. باي."
قالتها "نيروز" سريعًا وهي تهبط بسرعة على الدرج، حتى وصلت أخيرًا إلى الطابق الأرضي، فوجدته يفتح السيارة من الخارج ليركب بها. فتوجهت سريعًا إلى الخارج، ومن ثم وقفت لتبتسم كإذن، ثم ركبت بهدوء. فأومأ هو لها بهدوء بعدما أغلقت الباب من خلفها، ومن ثم بدأ بالتحرك سريعًا حتى لا يتأخرا على ما خططوا إليه! نظرت هي إلى جانب الشرفة وهي تتذكر طرفات صديقتها من بداية اليوم إلى آخره بالعمل. نظر بطرف عينيه فوجدها شارده. فمد يديه لتشغيل المفضلة لديه دائمًا، "أم كلثوم!". وكانت الأغنية لسوء الحظ لم تبدأ من أولها، يبدو أنها كانت مشغلة من قبل، حيث بدأت وعلى فجأة مما جعلها تنتفض بتوتر، حين قالت كوكب الشرق بصوتها القوي على فجأة بالنسبة لهم:
"ياما عيون شغلوني، لكن ولا شغلوني، إلا عيونك انت، دول بس اللي خدوني، وبحبك أمروني."
حسنًا، الأغنية تقصد إحراجه! أم تقصد خجلها! هو لم يظهر ذلك، بل لم يتصرف بغباء أكثر. ترك الأغنية تكمل، وكأن شيئًا لم يحدث. أما هي، ابتسمت بتكلف كاعتذار لانتفاضتها تلك، ثم أردفت قائلة بصوت هادئ قليلاً:
"صوتها حلو علفكرة."
"ده كده كده."
قالها وهو يقلب عينيه بثقة من حديثه. ففكرت هي بأنها سوف تسمعها حينما يخلو لها الوقت إذن! فوجدته يقاطع حبل أفكارها وهو يردف قائلاً بتساؤل عبثي:
"طلعتِ اجتماعية وعملتي صحاب بسرعة. خالفتي التوقعات!"
التفتت بملامح وجهها المبتسمة وهي تجيبه محاولة تصحيح ما قاله:
"انت تعرف إن صفا صحبتي أصلاً من أيام الجامعة، لكن الباقي لسه متعرفتش!"
همهم وهو يسلط أنظاره على الطريق يجيبها بنبرة هادئة:
"بكرة هتتعرفي وتعملي صحاب شغل أحلى من أي صحاب."
"أتمنى!"
التفت بأنظاره لها يطالعها، ومن ثم تنهد بحماس طفيف وهو يقول:
"جاهزة تقابلي مين!"
ابتسمت "نيروز" بحماس وهي تردف قائلة تجيبه بنبرة ممزوجة باللهفة:
"أيوه طبعًا، ده أنا بحبه أوي بجد وهو كمان بيحبني بردو."
ابتسم باتساع على تغيرها اللحظي، ثم تنحنح قائلاً باختصار وعبث:
"وأنا كمان!"
ارتبكت ملامحها، خاصة أنه لم يوضح هو أيضًا ماذا!
ابتسمت وما إن حركت رأسها ناحية الشرفة جاءها صوته الأجش وهو يقول لها بعبث، مع ضحكاته الخفيفة:
"أنا قصدي يعني وأنا كمان بحب يا من!"
التفتت تنظر له بحرج وهي تومئ له، مدققة بتفاصيله خاصة ضحكاته الهادئة تلك، فابتسمت لا إرادياً بقلة حيلة وهي تنظر مجدداً للناحية الأخرى، فابتسم هو بثقة وهو يردف قائلاً بثبات يغلفه المرح الطفيف، ومازالت أنظاره على الطريق وكأنه يحدث نفسه بخفوت:
"مشكلة الواحد إنه وسيم!"
فتحت أعينها على وسعها عند وصول كلماته إلى مسامعها، فتعمدت عدم الظهور بسماعها لتلك الكلمات وكتم بسمتها على غروره الزائف هذا، ثم تحدثت قائلة بعد دقائق من الصمت ومازال وجهها ناحية الشرفة:
"وصلنا أخيراً."
قالتها والسيارة تقف أمام المبنى بعد دقائق، فهبطت هي أولاً، ومن ثم ركن هو السيارة ثم هبط من خلفها متجه ناحية الداخل، وكانت هي على بعد خطوات منه كونها هبطت من قبله، فابتسم لها وهو يحرك رأسه للجهة التي توجد هي بها قائلاً بصوت عالٍ نسبياً حتى تسمعه:
"بتهيألي بقينا أقرب بكتير من الحركة دي دلوقتي، ده أنا بشوفك كل يوم يوم حتى وراكبة جمبي قدام وفـ عربيتي!"
إتجهت نحوه وهي تقترب ثم ابتسمت بتكلفه وهي تقول:
"مقصدش!"
قالتها وهي من خلفه، فصعد هو أولاً، ومن ثم هي خلفه، دقائق ووصلا هما إلى الطابق المخصص لهم، فوجدوهم أمام باب شقة "سمية" ينتظرونهم عندما رأوهم من الشرفة، ابتسموا هم لهم جميعاً، فتحدث "حازم" مردفاً بمرح:
"بالكم أطول من نهر النيل والله!"
ابتسم "غسان" بإستفزاز له وهو يجيبه قائلاً بصوته العالي نسبياً:
"ما براحتنا يا جدع!"
"براحتك يا معلم، بس خلصونا بقا لقد أرهقني الإنتظار!!"
قالتها "وسام"، وهي تتجه ناحية شقيقها، فابتسموا جميعاً عليها، فتنهد "غسان" وهو يبتسم لها بحنو، ثم أردف "حازم" بعقلانية:
"بصوا بقا إحنا دلوقتي أنا وياسمين، ونيروز، ووسام وانت، وجميلة كمان هي مكنتش هتيجي بس أنا جبتها، فهنقسم ازاي بقا؟"
ضحكوا عليه بخفة وهم واقفين، فإردف "غسان" بتفهم من بين ضحكاتهم:
"كده كده في شنط كتير فإحنا ناخدها من قصرها ونقسم صح من دلوقتي، يعني أكيد انت مع ياسمين في العربية ومعاكم أختك ونيروز، وأنا ووسام أو لو حابين تغيروا مفيش مشكلة!"
أومأوا له جميعاً، فتحدثت "وسام" على فجأة قائلة بضجر:
"طب ما حد منكم يجي معانا بدل الملل ده يجدعان!"
نظروا لها بتفكير، بل وفكرت هي أيضاً، فرأت أن من الممكن أن تاخذ تلك التي تقف أمامهم معهم، في حين أنها لم تستطع أخذ "ياسمين" وشقيقة الآخر منه، ومن سيارته، فأردفت قائلة باقتراح:
"بص انت هتبقي معاك خطيبتك واختك اوكي، أنا بقا هاخد الحب دي معانا! ايه رايكم؟"
أومأ لها البعض، ولحسن الحظ جاء إشارتها على "نيروز"، فابتسمت لها "نيروز" وهي تقول بلطف:
"وأنا مش هكسفك والله، يالا بينا!"
قالتها وهي تتجه لتمسك بيديها ثم هبطوا لأسفل، تحت أنظارهم المدهوشة، فأردفت "ياسمين" بمرح بأثرهم وكأنها شارده:
"يالهوي ياله من ميكس جبار!"
قهقهوا عليها بقوة، فابتسمت لهم جميعاً بقلة حيلة، أما هو فلا يعلم لما تضاعف الحماس بنسبة قليلة به عن ذي قبل! تجاهل هو شعوره سريعاً، ثم نظر لهم وهو يقول:
"طب كلو بقا يبدأ يجهز وينزل!"
أومأوا له حتى هبطن جميع الفتيات بالكامل، فوقف "حازم" وهو ينظر للآخر قائلاً بهدوء عاقل:
"كده حلو أوي، بس خد بالك منهم بقا، نيروز بتخاف من السواقة السريعة فبلاش شقاوه يا صاحبي!"
"والله عيب منك! اللي ميحبش نخليه يحب، ده السرعة إنجاز حتى!"
قالها بثقة، مما جعل الآخر يضحك له بخفة، هو يعلم أنه يمزح، فأردف قائلاً بخوف زائف:
"ده كده ربنا يستر!"
قالها ثم انتبه لهم جميعاً يقفون من خلفهم ناحية باب الشقة، فوجد الآخر والده يتجه نحوه ببطء وهو يبتسم قائلاً بهدوء:
"خلي بالكم من نفسكم يا عيال، معاكم أرواح مش مهم انتم المهم اللي معاكم!"
شهقت "دلال" عالياً، وهي ترد على الآخر بلوم:
"بقا كده يا حج، ده غسان وحازم ولادك بردك، إخص منك والله!"
قهقهوا جميعاً عليها، فأردفت "سمية" بابتسامة منهكة:
"تروحوا وترجعو سالمين يارب، في رعاية الله يا حبايب قلبي!"
ابتسموا هم لها حتى أومأ لها الاثنان بلطف، فجاءهم صوت "عايدة" قائلة بحنان:
"يلا إستودعتكم الله، مع السلامه."
قالتها وهم جميعاً يرونهم متجهين ناحية السلم ليهبطوا منه، فالتفتت "غسان" بجدية للآخر وهو يتحدث قائلاً بنبرة جادة مازحة:
"هو إحنا رايحين نحرر القدس ولا ايه؟"
قهقه "حازم" عليه بقوة وهو يهبط من خلفه قائلاً بمزاح:
"ياريت، ده مكنوش عملوا كل ده وربنا!"
ابتسم الاخر بقلة حيلة، ودقائق ومن ثم وصلا أمام المبنى سريعاً، وكل واحد اتجه ليركب سيارته، وكل من الفتيات أخذن أماكنهن المناسبة، وبعد عناء من "حازم" بأن أي واحدة منهن تركب في الأمام بجانبه، فرفضن هن حتى لا يسببو الإحراج لبعضهم وأيضاً ليجلسن يتسايرون في أمور عدة، وللصدفة حدث نفس الأمر في السيارة الأخرى بعد تعب وإنهاك في الإقناع بأنه شيئاً عادياً!!
وبعد مرور بعض الوقت وبالنسبة له هو قد حان الآن موعد تسارع دقات القلب حد الخوف مما هو آت، وقف مستنداً على الحائط وبجانبه شقيقته التي تجلس بإنهاك وخوف والقنينة الطبية المعلقة بيديها لدخول الأدوية منها لها بسبب تدهور حالتها مؤخراً، بكت بصمت فقط ولم تتحدث بشيء، أما هو فبقي مستنداً، انتبهوا هم لذلك السرير الطبي المتحرك ووالدتهم مسطحة عليه والممرضين وعلى رأسهم أكثر من طبيب كان "بسام" من ضمنهم، كان السرير يتنقل بعدما تجهز للدخول إلى العملية الجراحية إذن! هرول "عز" لها يقف بجانبها ثم انحنى سريعاً يحتضنها بقوة ودموع عينيه الدافئة تهبط على الأخرى وشقيقته قد نهضت خلفه تقف لتحتضنها هي الأخرى بضعف، نظرت له "والدته" بحنو وهي تردف قائلة بصوتها الضعيف أمام أنظار الجميع:
"خلى بالك من نفسك يا عز، ومن فرح، سيبهالك أمانة حتى لو مطلعتش حافظ عليها وعليك، ماشي؟"
هبطت دموعه بكثرة هو وشقيقته أمام أنظار "بسام" المتأثرة، فأخذ "عز" أنفاسه بضعف وهو يحدثها بنبرة متحشرجة:
"حاضر! بس أمانه عليك لترجعيلي تاني، لو مرجعتيش أنا مش هقدر من غيرك!!"
"ربك، بإيد ربك الواحد الأحد! إدعيه يا حبيبي، مش هيردك مكسور أبداً صدقني.."
قالتها بضعف وهي تشير بيديها في آخر حديثها على الأخرى التي تبكي، وكأن الحديث قد مُسح من ذاكرتها. اتجهت مسرعة تلبي نداء والدتها، ثم انحنت بإنهاك على الأرض وهي تمسك يديها بقوة، تربت عليها بضعف وهي تقول بنبرة منكسرة بها بعض الضعف وثقل من لسانها:
"متسيبنيش يا ماما!"
نظرت لها حنان، ثم بكت بصوتها المبحوح وهي تحاول أن يخرج حديثها بثبات، ولكن خابت آمالها عندما خرج صوتها الضعيف من بين بكائها وهي تقول:
"مالك يا فرح؟ كنت عارفة إن فيكِ حاجة يا ضنايا.."
"متسبنيش يا ماما!!"
وكأن لم يأتِ على لسانها غير تلك الجملة التي أردفتها مرتين متتاليتين. ورغم إصرار الطبيب النفسي وشقيقها بعدم الصعود حتى لا تتأخر حالتها، ولكنها أبت ورفضت رفضًا قاطعًا. أومأت لها والدتها وهي تهز رأسها بضعف فقط، ومن ثم تحرك السرير المتنقل من أمام أنظارهم، ومن خلفهم بسام الذي توجه لهم مراعاة لمشاعرهم وهو يقول باطمئنان:
"كل حاجة في إيد ربنا، إحنا وسيلة فقط، متبطلوش دعاء لو بجد محتاجينها. ربنا يهون عليكم وإن شاء الله تخرج وتفوق وتنجح العملية وتبقي كويسة!"
رمى بأخر حديثه على كتف عز، فأومأ له الآخر بضعف، ثم بدأ الآخر بالتحرك سريعًا خلف من قبله. فتوجه عز ناحية شقيقته ثم جلس بها على المقعد وهو يأخذها بأحضانه، رابتاً على ظهرها بحنو. هو الآن يعي جيدًا ما معنى فقدان الأم. جاء له تفكيره على شقيقه، أحقًا الآخر شعر بكل ذلك؟ وظلمه؟ أم أنه ظالم وسيء الظن دائمًا، ويحمله دائمًا هو وشقيقته ووالدته ذنبًا ليس لهم يد به؟ نفض من عقله تلك المشاعر الذي حملها له لوهلة، وهو يبدل نظراته للحدة بمجرد تفكيره بذلك الجاحد والذي يخلو بدنه من القلب إذًا! وما أن نظر الناحية الأخرى وجده يقف ينظر بشماتة. أحقًا هنا؟ أم يتخيل؟ أيعقل يفكر بشيء ويحدث؟ نهض سريعًا، حتى انتفضت فرح بفزع، ومن ثم رأت شقيقها يتجه ناحية معينة، وما إن ظهر كل شيء وجدته يتجه إلى شقيقها من أباها! دق قلبها سريعًا بهلع وهي تنهض تقف بمكانها غير قادرة على الحركة من تلك المفاجأة. مفاجأة بمثابة شقيق لهم يكرههم جميعًا بشدة. تكاد تجزم بنظراتها تلك أن الواقف هناك ليس إلا شيطانًا بمخالب، وقبل كل ذلك شيطانًا بتفكيره الذي يظلمهم به ومازال! أما الآخر فاشتدت أعصابه وهو يتجه له بسرعة، ولكن ما إن وصل ناحيته وجد الآخر يبتسم بتهكم، حتى وقف عز أمامه وهو يمسح دموعه بشدة من على وجهه، ناظرًا له بشرر يتطاير من عيناه البنية الداكنة كمثله. الاثنان يشبهان بعضهما إلى حد كبير. لحظات واقف شقيقه والآخر من أمامه لا يعرف لماذا أتى. كل ما يعرفه عنه من مدة أنه شقيقه الذي يعرف عنه بالجفاء والجمود في المعاملة، والخبث بالتفكير ورغبته العارمة في أي انتقام دون أسباب مقنعة. ولم يكن سوى شقيقه "شريف". أحقًا شقيقه؟ أم ماذا حدث الآن؟
ظلت ناظرة له فقط. أما شريف، بعدما انتهى من حديثه وجد عز يتجه له يقف أمامه، فأردف قائلاً بنبرة باردة مسلطًا أنظاره عليه:
"ها كنت بتقول إيه بقا يا عز الرجال؟"
فلتت أعصاب الآخر وهو ينظر له بغضب، مرددًا بنبرة جامدة:
"بقولك إيه اللي جابك هنا؟ إيه! مبتسمعش؟"
"مش عيب لما تقول لأخوك الكبير كده؟ بس عادي هعديهالك. أما بالنسبة للي جابني هنا، فـ أمك!!"
قال آخر كلمة ببطء حتى يثير غضب الآخر، وبالفعل نظر له عز بغضب كونه فهم أن الآخر يسبه كذلك وليس مجرد إجابة على حديثه. فأردف شريف بنبرة عادية مبتسمًا بهدوء:
"لأ فعلاً أُمك مش بشتمك، دي حقيقة!"
"إنت هتستعبط؟ وأنا أمي هتكلمك تيجي هنا ليه؟ مش كفاية تقطيمك فيها لحد ما جالها المرض والهم من الزعل!"
هز شريف رأسه بنفي بطريقة مستفزة وهو يجيب الآخر بتحدي:
"متنفعش إنها كلمتني عشان المفروض الدنيا تصفى قبل ما تروح للخالقها وتتوكل."
هاجت الدماء في عروقه، ثم رفع يده سريعًا حتى يلكمه في وجهه. فأوقفه شريف على فجأة ممسكًا يده وهو ينظر بعيناه، ثم نهض بهدوء من على المقعد قائلاً له بنبرة تحذيرية:
"دي! غلط تتمد على الأكبر منك! أنا جاي شمتان فيك وفـ أختك ومستني لحظة القهر والحزن في عينكم عليها، مستني تروح للخالقها زي ما أمي راحت، مستني أشوفك تايه ومتشتت ومش عارف تروح فين وتيجي منين. كنت عاوز أقولها حاجة واحدة بس قبل ما تدخل العملية وتموت، كنت عاوز أقولها وانتَ فطريقك لجهنم قولي لأبويا إني مش مسامحه!"
قال حديثه دفعة واحدة بحدة، ومن ثم نفض يد الآخر بقوة. ثم نظر بعيناه الجامدة إلى الأخرى التي لم تبدِ أي ردة فعل. فوجدها تبكي. فوجهت حديثها له أخيرًا وهي تتحدث قائلة بضعف من بين بكائها الصامت:
"مـامـا ملهاش ذنب فاللي حصل، ولا إحنا يا شريف.."
صمتت تلاحظ ملامح وجهه. فوجدتها جامدة. فواصلت مرة أخرى قائلة بتبرير:
"يمكن بابا يكون سبب، بس إحنا مالنا؟ قلوبنا مش ملكنا. بابا محبش أمك، محبهاش، ومع ذلك اتجوزها غصب خلف بثينة وبعد كده انتَ! وكل مرة كان بيطلع فيها شغله برا البلد كان بيطلع لأمي. أمي اللي كانت مطلقة والناس كانت بتاكل وشها فالرايحة والجاية. كان بيحبها من قبل ما تتجوز اللي قبله. لا هو استناها ولا هي استنته. إيه ذنبي أنا وعز إنهم يتقابلوا من تاني ويتجوزوا؟ إيه ذنبنا إننا جينا من زوجة تانية قبلت بالوضع غصب عنها؟ ممكن تكون من وجهة نظرك غلطانة، بس والله أمي مبعدتش بابا عنكم. هو اللي بطل يجيلكم بطل يسأل بمزاجه فالأول بس، رغم كل اللوم اللي ماما كانت بتلومهوله، بطلت رجله تعتب عندكم بعد كده بسبب جدو اللي حلف عليه ما يرجع تاني. غاب عنكم، تعب من الندم عشانكم، تعب من الهم وهو بعيد عنكم وكل السبل مقفولة. مات معانا، بس مات بحسرته. مفيش أب بيكره عياله، بيظلمهم بس والله ما بيكرههم. ليه تحملنا ذنب وغلطة مش بإيدينا؟ ليه يا شريف تغيب ومنعرفش عنكم حاجة غير فين وفين؟ ليه كل مرة كنت بتظهر فيها بعد غياب تيجي لامي وتقطم فيها وتقولها كلام محدش يستحمله؟ ليه تقولها يا قاتلة؟ أمي مقتلتش ولا كانت سبب في موت حد صدقني يا شريف!"
قالت حديثها باندفاع وببكائها العالي الممزوج بنبرتها المنهكة، تحت نظرات عز المنكسرة وهو يستمع للحقيقة الذي يقصد بأن لا يفكر بها كثيرًا. أما الآخر فكان يستمع بصمت ونظرات جامدة. وما أن انتهى أجابها بحده بالغة من حديثه وهو يشير لها بيديه تعبيرًا عن انفعاله:
"ممكن يكون ظلمنا؟ لأ هو ظلمنا أوي. وأمك ظلمتني أنا وأختي كتير أوي. لما نكبر واحدة واحدة ومنلاقيهوش جنبنا يبقي ظلمتنا. ولا لما كله يموت وكله يمشي ويسيبنا من قرايبنا بعد جدي ما مات؟ ولا بعد ما هو سابنا فالبداية بمزاجه! خلاني مسئول بسرعة. ساب أمي تتعب وكل يوم في المستشفيات. ساب أختي من غير أب يحميها ويكون سندها معايا. سابني وسابني وسابنا لحد ما اغتصبوا أختي وأنا كنت شاب لسه معنديش خبرة كفاية من الدنيا ومعرفتش أجيب حقها فالأول بعد تعب من اللي عملوا فيها كده. ماتت لما ظهرت فنظر الكل إن كل ده كان بمزاجها بسبب واحد حقير خدعني بعد ما كان خلاص حقها فـ جبناه. انتحرت! موتت نفسها من كتر كلام الناس عليها. موتت نفسها من كرهها ليها ورفض الناس ليها. كل ده كان من إيه؟ مني؟ ولا من أبويا وأمك اللي بعدته عننا وسابنا متسوحين؟ مات لما إيه؟ لما الأخبار جاله فالآخر وكل الناس كانت بتتكلم عنها لحد ما وصله؟ مات لما أمي جالها جلطة بسبب زعلها على بثينة وراحت فيها؟ مات زعلان على كده ولا مات زعلان إنه هيسيبكم إنتم عشان كان بيحبكم أكتر مننا وفضلكم عننا فالأول بمزاجه؟ ولا مات مقهور إنه هيسيب حبه اللي دمرنا عشانها وتربي عيالها لوحدها من بعده!!"
قالها بإنفعال فاق الحدود ومع تشنجات وجهه. نعم هم يعلمون عن ما عانه شقيقه من آلام، ولكن لم يتعظ بعد. يحملهم الذنب إلى الآن متناسياً القدر، متناسياً حديثه عن من فعل بعائلته هذا غيرهم! نظرت فرح له بشفقة وبخوف في آن واحد. ودموع عينيها تهبط على وجنتيها بغزارة مع احمرار عينيها. ولأجل ذلك، ما أن انتهى هو من حديثه نظر لشقيقه الآخر فوجد دمعة عابرة هبطت على وجهه الجامد بنظراته إليه! ابتسم شريف. بسمة ساخرة بها بعض الألم، ولكن خرج صوته الحاقد وهو يردف بغل فاق خروجه من نبرته حتى:
"بتعيطوا؟ هه.."
إنتوا ما عشتوش ربع اللي عيشته أنا في عذاب.
ما عشتوش تعبي وجناني ووحدتي بعد ما كل شيء راح مني.
ما عشتوش أيامي في سفري برا أتعافى لوحدي عشان أرجع.
ورجعت، وما اتعافيتش من أي حاجة برضه.
رجعت آخد كل الحقوق اللي المفروض بتاعتي وراحت مني بسبب كل واحد فيهم وفيكم.
أنا بكرهكم.
ولو وصل بيا الحال إني أقتلكم بإيدي، هقتلكم.
وأولكم أمكم اللي جوه بين الحياة والموت!
"كفاية بقى كفاية.. امشي وسيبنا، ملكش دعوة بينا تاني عشان ما نِتوجعش ولا تتوجع. إحنا مش إخواتك زي ما انت عايز، ولا انت أخونا خلاص. امشي!"
قالها "عز" بنبرة جامدة بها بعد التعب.
ولكن نظر له الآخر بملامح وجهه الخالية من أي تعابير، ثم خرج منه صوته بنبرة باردة حملت من الشماتة ما يكفي:
"أنا همشي. همشي بس أنا شمتان فيكم وفرحان فوق ما تتصوروا. ونفسي اللي دخلت دي ما تطلعش غير على كفنها ونعشها!"
قالها دفعة واحدة، ثم نظر للاثنين باشمئزاز.
ومن ثم تحرك بخطوات سريعة مختفياً من أمام أنظار الاثنين التائهين.
نظرت "فرح" للآخر، ثم تقدمت عدة خطوات هذه المرة لتأخذه بأحضانها الدافئة.
رفع يده هو بإنهاك على ظهرها يربت عليها بحنو يغلفه الانكسار.
لحظات، ثم اتجهوا معاً ناحية المقاعد يجلسون عليها.
والأخرى شارده خائفة على والدتها.
أما الآخر فنظر لآخر الطرقة بدموع عينيه الزائغة الذي لا يرى منها شيئاً الآن من كثرة تجمعها.
نظر بآخر الطرقة ومن ثم على السلم الصغير الموجه لغرفة واحدة، وكانت غرفة العمليات!
***
بالطبع قد مر العديد من الوقت، ولكن ليس وقت وصولهم إلى المطار بالكامل.
كانت قد سارت السيارتين خلف بعضهما كما كانا مقسمين، مثلما خططوا.
كانت تجلس هي بجانب شقيقته في الخلف وهما يتحدثان بأمور عدة، حتى صوت الضحكات المنخفضة قليلاً والعالية من أخرى.
أما هو فكان ينظر بين حين وآخر من المرآة، ولكنه حاول تحاشي نظره اتجاهها هي.
بسبب تركيزه غير المنطقي بنظراته على تلك صاحبة الضحكة الرقيقة.
تحدثت "وسام" من بين ضحكاتها العالية وهي تردف بمرح لاق للأخرى كثيراً:
"يخرب عقلك، طلعتي حوار يا روز."
ضحكت "نيروز" بخفة، ومن ثم غمزت لها بعينيها بمرح وهي تردف قائلة بعبث:
"أومال! أي خدمة يا ستي."
ابتسمت باتساع، بينما سلط الآخر أنظاره على الطريق بتركيز.
فجاءة صوتها وهي تشاكِسه:
"جرى إيه يا غس، ما تشارك معانا الحوار."
نظر لها بحدة من المرآة كونها نطقت تلك الكلمة الذي لا يحبذها كثيراً، وأيضاً أمام الأخرى.
حسناً، ما مشكلة "أبو الغساسين" لما لم تردفها للتو استبدالاً بتلك الكلمة الأخرى!
تمنى لو لم تلاحظ الأخرى تلك الكلمة، ولكن جاءه صوتها بكتم ضحكتها وهي تتحدث موجهة حديثها لشقيقته:
"غـ..ايه؟"
تنحنح بحنجرته يصلح من شكله قبل أن تتحدث شقيقته.
فأردف قائلاً بمراوغة ناظراً لشقيقته بتحذير:
"غـ.. غتاته!"
أومأت "نيروز" بصمت متفهمة ما فعله، تكتم ضحكاتها.
بينما ما إن سمعت الأخرى ذلك، قهقهت بقوة وهي تتحدث قائلة بمشاكسة من بين ضحكاتها:
"مقبولة منك يا روحي."
ضحك رغماً عنه وهو يحرك رأسه بقلة حيلة.
حتى ضحكت "نيروز" أيضاً على مشاكساتهم معاً.
عايشت وللمرة الثانية مشاكسة أفراد تلك العائلة في السيارة!
أحبت كثيراً شجارهم المرح هذا الذي يغلفه الحب مهما حدث!
عاود النظر إليهم من المرآة ومن ثم تحدث بنبرة متسائلة مرحة:
"طب إيه؟"
"إيــــــــه؟"
رددوها الاثنان بوقت واحد بنبرة واحدة عالية.
وما أن انتهوا، ضحكوا بخفة.
ثم جاءهم صوته يكمل ما بدأه قائلاً بتساؤل:
"ما جوعتوش؟"
ابتسمت "نيروز" بحرج من هذا الموقف.
أما الأخرى فابتسمت باتساع عندما وجدت شقيقها يردف تلك الكلمات وهو يصف السيارة في إحدى الجوانب أمام أحد المطاعم.
فأردفت قائلة بلهفة:
"طبعاً، دي مش عاوزه سؤال!"
نظر لها وهو يلتفت برأسه، ثم عاد ليسألها مرة أخرى:
"طب عايزة تاكلي إيه يا خفة؟"
صمت قليلاً، ومن ثم نظر إلى الأخرى بابتسامة صغيرة مردداً بعبث:
"بصي الناس المؤدبة اللي بتتكسف. ها تطلبي إيه انت كمان؟"
نظرت لشقيقها بفاه مفتوح.
بينما الأخرى ابتسمت فقط لم تتحدث بعد.
ولكن "وسام" تحدثت ببطء وهي تنظر للآخر بتشكك لترفع يديها لتضعه على وجهه لتتحكم بحركة رأسه حتى يلتفت ينظر لها وهي تربت بمرح قائلة:
"بصيلي هنا.. أيوه كده!!"
صمتت لتواصل مجدداً:
"الأمورة دي عمرها ما هتقولك تاكل إيه. أنا بقى اللي هقولك. انت تروح تجيب لنا كريب كده ومعاه طحينة ومخلل ويا سلام لو..."
توقفت عن الحديث عندما وجدته تجاهل حديثها بالكامل وهو يدفع باب السيارة الأمامي من خلفه بعدما خرج منها.
نظرت بأثره بحنق وهي تحول أنظارها من النافذة لتنظر إليه وهو يسير وكأن شيئاً لم يحدث.
فاقت من شرودها وصدمتها عندما وجدت الأخرى تضحك بقوة على ردة فعل الآخر وردة فعلها.
ابتسمت هي لها بسمة صافية، ثم رددت قائلة بسخرية:
"بتضحكي؟ والله.. دي أقل حاجة!!"
***
"بتهزّي؟ وبعد ما قتلت جوزها عملوا فيها إيه؟"
نبس "حازم" بتلك الكلمات بفضول وهو ينظر إلى الطريق، ولكن حديثه كان موجهاً للآخرة التي لم تكف من بداية موضع قدمها في السيارة إلى الآن عن الحديث بالمواضيع المختلفة والشيقة بالنسبة لهم.
نظرت "ياسمين" له، ومن ثم وجهت حديثها لهم الاثنان قائلة بحزن طفيف:
"لا، ما بعد كده بقى في الجزء التاني. هو قال على التيك توك: انتظروا بارت 2."
نظرت "جميلة" إليهم بفضول وهي تتمتم قائلة بشرود:
"ياربّي.. ده الفضول وحش أوي."
"متنسيش تبعتيلي الصفحة علشان أتابعها."
قالها باختصار حتى تومئ له الأخرى.
ولكن أخطأت هي عندما سمعت حديثه.
نظرت له بضجر وهي تتحدث قائلة بحنق:
"والله!"
"إيه؟"
"لا بجد والله!"
"عملت إيه طيب أنا؟"
قاطعهم نبرة "جميلة" العالية لتتحدث قائلة باندفاع:
"في إيه؟"
نظرت "ياسمين" لها بغضب وهي تتحدث قائلة باندفاع:
"ما انت مش عارفة.. البيه بيقولي ابعتيلي البيدج! وأنا بعتهاله، بس الأستاذ مش بيهتم بالريلز اللي أنا ببعتها ولا بيشوفها."
اندفع "حازم" بحديثه المنفعل قليلاً وهو يقول:
"ده كل يوم أكتر من ١٠ آلاف ريلز. أشوفهم كلهم إزاي يا مفترية!"
"آه ما انت زهقان مني. ما لو بتحبني كنت شفتهم كلهم. اللي بيحب حد يا بيه بيبلعلّه الزلط. لكن انت شكلك مبتحبنيش ومش مهتم بيا!!"
"أه انت طالبة معاكِ نكد دلوقتي. وبصراحة الوقت مش مناسب و.."
"بـــــــــــس! خــــــلاص! اسكتوا!"
قالتها "جميلة" بصراخ حتى توقف من هذا الشجار التافه من وجهة نظرها.
صمتت الأخرى، بينما هو ترك السيارة عند ذلك المطعم الذي وقفت أمامه تلك السيارة الأخرى ولكن من الجانب الآخر!
بينما نظرت "جميلة" بطرف عينيها وهي تردف بنبرة ساخرة:
"هو إيه الهيافة دي يا بت انت!"
"مش ناوية تعقلي بقا؟"
"آه ما انت أخته هتحاميله بقا وتدافعي عنه ولأ وكمان.."
وضعت "جميلة" يدها سريعًا على فم الأخرى توقفها عن الحديث وهي تتحدث باشمئزاز:
"خلاص! يكش تولعوا أنا مالي!"
***
بشقة "سمية" كانت تجلس على الأريكة وبجانبها صديقتها "دلال" بينما قد رحل زوجها منذ فترة، وكذلك الأخرى لتفعل عدة أشياء بمنزلها ومن ثم تعود سريعًا. إذن الاثنان بمفردهم الآن. التفتت "دلال" برأسها إليها فوجدت وجهها شاحب قليلاً ويبدو عليها التعب والإرهاق. فمدت يديها تربت على يد الأخرى وهي تتحدث قائلة بنبرة هادئة:
"هبطي النهارده يا سمية، كتر خيرك يا حبيبتي."
ابتسمت لها الأخرى التي تجلس بجانبها بهدوء ثم أخذت أنفاسها ببطء حتى تجيبها بامتنان وهي تردف قائلة لها:
"تعب ساعة ولا كل ساعة، تعبتي النهارده معايا يا دلال والله كتر خيرك."
"متقوليش كده يا حبيتي إحنا أهل."
صمتت قليلاً وهي تنظر لها ومن ثم أردفت قائلة بتردد:
"انتِ بتاخدي علاجك يا سمية وواخدة بالك من صحتك كده؟ أصل شكلك تعبان أوي!!"
ابتسمت "سمية" بإنهاك وهي تجاهد أن يخرج منها حديثها ثابتًا:
"الحمد لله في نعمة وباخد علاجي وأهو شوية كده وشوية كده، مستنية بس أخلص فرح ياسمين عشان أروح أكشف فالآخر لما أخلص."
"بس لازم تكشفي قبل ده كله، وتشوفي علاجك بيجيب نتيجة ولا معتش!"
رفعت "سمية" يديها تربت على كتف الأخرى بود مردفة بهدوء:
"متقلقيش عليا، أنا كويسة والله، وأديني أهو آخدة أجازة مرضية من الشغل، وإن كان على الكشف البت ياسمين بتتحايل عليا كل يوم بس أنا مش راضية الوقتي، خايفة، خايفة تيجي معايا والدكتور يقول حاجة كده ولا كده وأبوظ عليها فرحتها، لو عرفت إن حالتي وحشة ممكن تلغي الجوازة أصلاً، دي هبلة بنت هبلة وعرفاها!"
ضحكت "دلال" بخفة وهي تنظر لها بحب مرددة بود:
"إن شاء الله هتبقي كويسة وربنا هيكمل فرحتكم على خير، وإن كان على ياسمين فوالله ما هتلاقي أحن منها عليكي يا سمية."
هزت رأسها بشرود تجيب الأخرى بعاطفة الأمومة وحدسها:
"عندك حق! ياسمين حنينة أوي، آه تبان لك صعبة ومتسبش حق ليها بس والله غلبانة أوي من جوه، منكرش إنها أطيب ما في بناتي، بس دي لو وقعت متعرفش تقوم نفسها تاني، مش زي نيروز، نيروز هادية وعاقلة بس شديدة وقت الجد لا عمرها بتسامح بسرعة ولا بتنسي بس بتلين فالآخر، ما هو من اللي حصل فيها بردك!"
"ربنا يخليهم ويبارك فيهم ويبعد عنهم أي شر، ويرجعلك وردة بالسلامة."
ابتسمت لها بامتنان وهي تجيبها قائلة بخوف:
"والله أنا حاطة إيدي على قلبي من مجيء وردة على هنا ومش على بيتها، وانتِ عارفة بدر وسليم علاقتهم مش أوي، وكلام زينات السم اللي بترمي لوردة وبتعايرها بيه، وانتِ عارفة وردة مايلة لا بتعرف ترد ولا تصد!"
هزت "دلال" رأسها بحزن تقديرًا لما قالته الأخرى لها ومن ثم تنهدت قائلة باطمئنان:
"متقلقيش نفسك يا سمية، ولو على بدر يعني انتِ عارفة انه بيحب وردة وروحه فيها ومش سايبها، شيلي اللي في دماغك ده، ده بدر ابني بردو وعارفة دماغه عاملة ازاي."
"مش القصد يا ختي، انتِ عارفة الرجالة كلها دماغهم واحدة وممكن يسمعوا لغيرهم برده."
ضحكت "دلال" بخفة وهي تحرك رأسها قائلة:
"لا من الناحية دي أضمنلك بدر برقبتي، أنا مقدرة شعورك كأم وخوفك على بنتك وزعلك عليها، بس بردو إحنا معندناش حد وحش، إحنا تعبنا أوي عشان عيالنا يطلعوا رجالة بجد مش كلمة وخلاص، اطمني ومتسيبيش نفسك لدماغك."
تنفست "سمية" بعمق وهي تنظر لنقطة ما بالفراغ بشرود مرددة بهدوء:
"ربنا يستر ويعدي الأيام الجاية دي على خير!"
***
قبل قليل، كان قد خرج ومعه بعض المشتريات، ولكنه ابتسم عندما وجد الآخر يقابله بوجه متهجم قليلاً. فنظر "حازم" إلى "غسان" وهو يقترب منه شيئًا فشيئًا حتى وقف أمامه أخيرًا. بعد لحظات، بادله الآخر البسمة، فتحدث "حازم" قائلاً ببسمة صغيرة:
"إيه الأخبار؟ لقيتك حودت فجنب تاني، فـ وقفت أنزل أنا كمان وبالمرة أجيب طفح ليهم!!"
قهقه "غسان" بقوة ومن ثم أجابه على حديثه بمشاكسة:
"أوبا!! شكلك متنكد عليك يا معلم!"
لاحت بسمة ساخرة بجانب فم الآخر وهو يردد قائلاً بتهكم:
"وأي نكد؟ هو مش باين ولا إيه؟"
"ده الحمد لله الذي عافانا بقا!"
قالها "غسان" بمزاح، فابتسم الآخر بقلة حيلة، ومن ثم نظر "غسان" مجددًا وهو يردف قائلاً بهدوء:
"طيب أنا هتحرك أنا بقا، متتأخرش جوه!"
"في رعاية الله."
قالها "حازم" وهو يلتفت ينظر بأثر الآخر الذي تحرك للتو، فالتفت يكمل سيره إلى ذلك المطعم. أما الآخر فقد سار إلى أن وصل أمام سيارته ثم قام بفتحها ومن ثم الدلوف فيها بهدوء تحت أنظار الآخرين. فابتسمت "وسام" وهي تردد بلهفة قائلة وهي تنظر للأكياس التي بيديه:
"أيوه بقا يا غسان يا جامد، أومال بتتجاهلني ليه يعم."
نظر لها مبتسمًا وهو يردد بعبث:
"مش عيب تقوليلي أجيب إيه بتحبيه وأنا موجود؟"
"إشطا عليك يا أبو الغساسين. بس الغلبانة دي؟"
نظر هو لها فوجدها تنظر بحرج، فأردف قائلاً لها بعبث وهو يبتسم:
"لا ما هي هتحب أي حاجة بنحبها ولا إيه؟!"
ابتسمت "نيروز" وهي تطالعه قائلة بهدوء:
"أنا بحب كل الأكل عمومًا، فعادي بجد."
صفقت "وسام" سريعًا وهي تردف بعفوية:
"لا ده انتِ كده تاخدي قلبنا بقا!!"
تنحنح "غسان" بقوة وهو يقدم لشقيقته الأكياس ملتفتًا حتى يقوم بتشغيل السيارة. أما الأخرى فابتسمت بخجل حتى احمر وجهها بتلميح الأخرى غير الواعية بما قالته للتو. فتحوا الأكياس ومن ثم بدأ كلٌ منهم بالمشروب أولاً. فنظرت "وسام" له وهو يتجرع ما بيديه قائلة بمشاكسة:
"جايب لنا فراولة، وانتَ لمون بالنعناع!"
نظرت "نيروز" له وهو يشرب ما بيديه بتمعن، هي لا تفضل كثيراً ذلك المشروب. أما "وسام" فاردفت قائلة بطمع:
"طب دوقني طيب!"
ابتسم بقلة حيلة وهو يقدمه لها بعدما التفت. فأخذته هي منه ومن ثم شربت منه حتى شعرت بالانتعاش! فقدمته له مجددًا. ولكن لم يلتفت بل نظر لها بابتسامة صغيرة وهو يتساءل قائلاً:
"تشربي؟"
هزت رأسها بنفي وهي تبتسم قائلة بهدوء:
"لا شكرًا."
"مبحبوش!"
"جربي."
ابتسمت بحرج وهي تهز رأسها بنفي حتى كادت أن تتحدث، فقاطعتها وسام قائلة:
"عالفكرة غسان الوحيد فينا اللي مبيقرفش، فجربي مش هتخسري حاجة."
غمز هو لشقيقته بمرح، فنظر لها مجدداً فوجد بعينيها التردد، ولكن أخذ هو تلك الخطوة وهو يقدم يديه أكثر فأكثر حتى أصبحت العلبة أمام فمها. توترت هي كثيراً، ثم رفعت يديها سريعاً تأخذه منه قبل الخطوة التالية الذي سيقوم بها. ضحك بخفة وهو يحرك رأسه قائلاً، وكأنه يتحدث بشفرة ما:
"كان لازم أعمل كده يعني!"
لم تلاحظ الأخرى كثيراً ما يجري، بل اندمجت في تناول طعامها. ولكن نيروز جربت ذلك المشروب، تشنجت في أوله، ولكن بآخره استمتعت بطعمه قليلاً، حتى بدا على ملامح وجهها. ومن ثم رفعت يديها تقدمه له مرة ثانية وهي تبتسم بامتنان. فردد قائلاً من بين ابتسامته الملتفة وهو يتساءل بنبرة مشاكسة قليلاً:
"ها.. إيه رأيك؟"
"حلو."
"أنا بردو شايفه حلو أوي."
قالها وكأنه يرسل إحدى الألغاز لها. لمحت هي ما يلمح له دون أن تبذل جهداً بالتفكير، حتى طريقة حديثه تعني ذلك. دق قلبها دقات متتالية ولكن ليست خائفة. خجلت قليلاً وهي تحرك رأسها ناحية الشرفة تنظر منها، بينما التفت الآخر حتى يقود السيارة بالفعل.
***
بعد قليل، دلف هو السيارة بعدما قام بوضع المشتريات، ومن ثم التفت تحت أنظارهم الاثنين، ولكنه ابتسم هذه المرة وهو يقدم لها الأكياس قائلاً بنبرة هادئة يغلفها الحب:
"خدي! متزعليش."
قالها بخفوت، ولكنها سمعته بسرعة. وسرعان ما تبدلت ملامحها سريعاً وهي تأخذ الأكياس بين يديه مردفة بمرح:
"مقدرش أزعل منك يا أبو الحزايم، متزعلش إنت كمان مني!"
كان هناك من ينظر لهم باشمئزاز وكأنها رأت مشهداً مقززاً للتو. أغلقت هاتفها، ومن ثم جاءهم صوتها الساخر وهي تردف قائلة:
"انتوا بجد عبط أوي."
نظرت ياسمين لها بحدة مصطنعة، وسرعان ما أردفت باستفزاز قائلة:
"بحب الناس العبيطة، ملكيش دعوة، اخرجي منها يا دكتورة وسيبيني أنا والعبيط.. قصدي أنا وحازومي!!"
قامت بتصليح حديثها بسرعة، ولكنها تناست الجزء الأول منه. فتنحنح حازم مردفاً بحرج مزيف:
"إحم.. إنت كده بتغلطي من غير ما تاخدي بالك، مش قدام البت بقا أستري عليا!"
غمزت له بمرح وهي توزع أنظارها عليهم، ثم قامت بفتح الأكياس. أما هو فابتسم لها باتساع وهو يتحرك حتى يقود السيارة، متناسين تلك التي هتفت بلا مبالاة وهي تنظر لها تقدم لها الأكياس حتى تأخذ من الطعام:
"علاقة توكسيك. جاتكم القرف والله!"
***
جلست أمام حقيبتها بعدما أغلقت الباب من خلفها جيداً. نظرت لها وهي تقوم بتجهيزها. بالطبع وضعت فريدة كل الأشياء الهامة في الحقيبة الكبيرة نسبياً، كما وضعت بعض من ملابسها تجهيزاً لما تقوم بتخطيطه بعد الغد!! ترددت كثيراً في فعل ذلك، ولكن الآخر كان يضغط عليها بالذكاء بعدما عرف نقاط ضعفها إذن!! انتبهت لإضاءة شاشة هاتفها بقدوم رسالة منه، فاتجهت تنتشله بيديها حتى تقوم بفتح موضع الرسائل المرسلة من صفحته، حتى وجدت ما يظهر لها من تلك الرسالة:
[ها؟ وصلتي لحد فين يا فوفه؟]
ابتسمت وهي تضغط على لوحة المفاتيح من أمام أصابعها تكتب:
[تقريباً جهزت كل حاجة كده، وهمشي يوم كتب الكتاب زي ما قولتلي يا حبيبي، وعشان برضو محدش ياخد باله وكلهم هيبقوا برا البيت!]
لحظات وأرسل هو سريعاً ليقوم بالرد عليها!!
[كده انتي فهمانه يا فوقه، خدي بالك من نفسك، وأنا ورايا شوية حاجات كده هعملها وهبقى أكلمك.]
أجابته بالموافقة، ومن ثم وضعت الهاتف على المكتب بجانبها. ولكن جاءها صوت طرقات الباب العالية. ولكن الطارق لم يمهلها فرصة للرد أو للاتجاه لفتح الباب. وبعد محاولات من الطارق لفتحه إلا أنه كان مرصداً من الداخل بواسطتها. توترت كثيراً، ثم هرولت تخفي تلك الحقيبة تحت الفراش الخشبي، ومن ثم عدلت من هيئة المكان واتجهت تتصنع النوم حتى تفتح الباب للطارق. وما أن فتحت فوجدتها والدتها تحدقها بغيظ وهي تقول:
"كل ده عشان تفتحي؟ قافلة الزفت عليكي من جوا ليه؟"
تركت يدها بعد أن فركتها، ثم حاولت فريدة أن يخرج منها صوتها بثبات، حتى نجحت:
"اصل كنت نايمة!"
"ومن إمتى يا عين أمك بتقفليه عليكي وإنتي متزفتة نايمة؟.. المهم يعني، قصري! تعالي اتغدي عشان شوية ورايحين عند سمية نستنى الهانم وجوزها من السفر زي ما أبوكِ عايز!"
تعكر وجه فريدة وهي تردف بضيق:
"طب ما تروحوا انتوا وسيبوني هنا عادي!"
"إنتي سمعتيني؟ إخلصي مش ناقصين تقطيع من أبوكِ وقرف، كفاية اللي قالهولي لحد كده أوي. يلا اجهزي مرة واحدة عشان تتغدي ونروحلهم علطول!"
اضطرت للرضوخ وهي تومئ لها بالموافقة رغماً عنها. هي بالأساس لم تحبذ أبداً كل فرد بعائلتها سوى وقت الخدمة التي تريدها من أي منهم فقط!!
***
مر الوقت، ولكن تقريباً كان في حدود ساعة إلا بضعة دقائق. دلف آدم باستغراب من ذلك المسطح على الفراش منذ أن كان صديقهم معهم، لم يستيقظ بعد. دلف الغرفة، ومن ثم اتجه له وهو يزيح ذلك الفراش الصغير من عليه، ثم هزّه هزات متتالية وهو يتحدث قائلاً بصوت عالي نسبياً:
"حسن! ما تقوم يا حسن كل ده نوم!!"
من الطبيعي أن يوجد رد حتى ولو تأوه بسيط من ضربته الخفيفة على وجنتيه، ولكن لم يأتِ رد منه. دق قلب الآخر بسرعة وهو يعتدل بسرعة حتى يضربه على وجنتيه أكثر من قبل، ولكن لا فائدة. ردد آدم بغير وعي وهو يتحدث بنبرة مهزوزة خائفة:
"لا يا حسن.. فوق عشان خاطري."
أخذ يدفعه بيديه بقوة، ولكن حسن كان بعالم غير العالم. اتجه سريعاً يأخذ الهاتف حتى يدق على شريف، ولكن لم يجيبه أولاً. ومن المرة الثانية جاءه صوته وهو يفتح الخط قائلاً:
"إيه يا معلم؟ عاوزين دماغ تانية ولا.."
قاطعه آدم سريعاً وهو يردف بصراخ ممزوج بالخوف:
"شريف! حسن مبينطقش، تعالي نشوف هنتصرف إزاي، بسرعة... الوو.."
كاد أن يكمل حديثه، ولكن يبدو أن الآخر قد أغلق الخط أو هناك مشكلة ما بالشبكة. أخذ يقوم بالمحاولة للاتصال عليه، ولكن لم يأتيه أي معلومة بأن هاتف الآخر يدق!! ربما قد أغلقه، ولكن هو لم ينتبه لكل ذلك من الأساس. كل ما يجول بخاطره هو أن ينقذ صديقه. خطر بباله بأن يقوم بالاتصال على الإسعاف ويحدث ما يحدث إذن. أهم ما يكون هو إنقاذ حياة الآخر، حتى وإن علم الأطباء بأنه مدمن ويتعاطى الكثير!! قد كان كل ما يهمه أن يدب النفس بالآخر وإن كان موجوداً. رعشة يد، ارتباك، توتر! خوف!
خوفه الأول من عدم استيعابه لذلك الموقف المفاجئ السريع، وخوفه الثاني على صديق أيامه منذ زمن، صديق طفولته، صديق طريقه الذي يؤدي إلى الهلاك، هلاك اختار كلاهما السير به بإرادته. ولأن طبيعته التي تغلب عليه دائماً رغم ما به هو تحديداً، غلبت عليه عاطفته وهو تفر منه دمعة على وجهه المشبع بالخوف وهو يملي معلوماته أثناء إجراء مكالمة الإسعاف. والآخر مسطح أمامه لا حول له ولا قوة، لا علم له بأنه على قيد الحياة حقاً أم ماذا.
***
أخيراً قد وصلت السيارات إلى المطار. وبعدما خرج جميعهم من السيارات وقابلوا بعضهم في بهجة، ثم دلفوا ساحة المطار مع بعضهم البعض. منذ فترة استغرقوا الكثير وهم جالسين بجانب بعضهم في الاستراحة، والبعض منهم واقف على قدميه. نظر "غسان" الواقف لـ "حازم" وهو يردف قائلاً بهدوء:
"ربنا يسهل كده ويكونوا خلصوا من الإجراءات."
أومأ له الآخر بالتأييد وهو يقف من أمامه. أما "ياسمين" الجالسة بجانب شقيقة الأول، أردفت قائلة بلهفة ظهرت في حديثها:
"مش قادرة أستنى يا جماعة بجد، يا خرابي على الاستعجال بقى."
ضحكوا عليها جميعاً بخفة. فكانت "نيروز" جالسة بجانب "جميلة" فلاحظت توتر وجهها فمالت عليها تحدثها بخفوت بجانب أذنيها:
"مالك يا جميلة شكلك مش كويسة!"
"مش عارفة، حاسة إن قلبي مقبوض كده، وكمان برن على فرح مش بترد بقالها كام يوم! حتى تليفون مامتها بيرن ومحدش رد برضه!"
تذكرت هي عندما قابلت شقيق صديقتها في المستشفى، فأردفت قائلة بتذكر:
"أنا شفت عز في المستشفى و..."
"عز! ماله عز؟"
قالتها "جميلة" بلهفة رغماً عنها. فعقدت "نيروز" ما بين حاجبيها قائلة:
"مش عز يا جميلة! مالك؟ أنا بقول شفت عز في المستشفى بيكلم دكتور بسام بس كان كويس، معنى كده إن فرح أو مامتها تعبانين."
توترت ملامح "جميلة" بشدة ثم حاولت أن يخرج منها صوتها بثبات، ولكن مزج بالخوف:
"فرح ومامتها؟ بجد؟ معنى كده إن حد منهم فيه حاجة؟ طب أعمل إيه؟"
"أكيد لازم تزوريهم في المستشفى هناك وتشوفي فيه إيه، أو لو معاكي رقم أخوها اتصلي واعرفي فيه إيه قبل ما تروحي، لو مش عاوزة تروحي لوحدك هاجي معاكي!"
كادت أن ترد الأخرى عليها ولكن جاءهم صوت الشباب وصوت الفتيات الصادح بالبهجة وكل منهم يردف بنبرة واحدة:
"أهـــم! جـــــم هـــناك!"
نهضت "نيروز" بلهفة وهي تنظر بأثر شقيقتها ويامن الذي يسير بجانبهم. ابتسمت باتساع وهي تسير بخطوات سريعة مع الآخرين حتى يقابلوهم. ابتهجت ملامح "وردة" وهي تحتضن شقيقتها وشقيقتها الأخرى مع بعضهم وهي تردف قائلة بنبرة متحشرجة:
"وحشتوني أوي يا ولاد الحلوة!"
احتضنوها بتأثر. هرول "يامن" إلى "غسان" فرفعه الآخر على ذراعه بسرعة وبفرح وهو يقبله من وجنتيه بحب أمام ذلك الواقف من أمامهم. فأردف "بدر" قائلاً بمرح:
"يعني ابن الكلب ده تروح تسلم عليه قبلي؟"
ضحك "غسان" وهو يتجه له ومازال الصغير على ذراعه ثم احتضن من يعتبره شقيقه الأكبر بحب وتأثر، حتى خرج من أحضانه والترحيب به ناظراً إلى "وردة" التي كانت تحتضن "جميلة" و"وسام" قائلاً:
"حمد الله على السلامة يا وردة!"
"الله يسلمك يا غسان!"
ابتسم لها بامتنان ثم قدم لها الصغير وهو يتجه ناحية الحقائب ليحملها بعدما انتهى "حازم" من الترحيب بالآخر وزوجته. حملا كلاهما الحقائب و"بدر" مازال يرحب بالفتيات جميعهم. فأردفت "وسام" بمرح:
"الواد يامن ده شبهي يا أبو البدور!"
"ده يبقى قمر بقى؟"
ابتسمت بخجل عندما أيدته "وردة" أيضاً بالذي أردفه. كان حديثهم أثناء سيرهم حتى وصلوا إلى السيارات. فوقت "غسان" وهو يتحدث قائلاً بصوت عالي نسبياً:
"أنا قسمت الشنط في شنطة عربيتي وشنطة عربية حازم، فأنا راكب معايا وسام ونيروز، لو هتيجي يا بدر إنت ويامن، وحازم ياخد وردة مع ياسمين وجميلة؟ ها؟"
ابتسم "بدر" باتساع وهو يتجه حيث سيارة "غسان" مردفاً:
"مفيش مشاكل يلا يا يامن!"
أومأت "وردة" وهي تودع صغيرها بيديها، في حين كان على يد ياسمين وهي تقبله بقوة ومشاكسة. فأنزلته يسير أرضاً، ولكن لم يصغِ إلى والده بل سار في اتجاه "غسان" وهو يمسك بقدميه بمرح مبتسماً في وجهه. حمله "غسان" سريعاً بسعادة ثم احتضنه قائلاً بمرح:
"خلاص ده بقى حبيب عمه وبتاعي من النهارده!"
ضحكوا جميعاً عليه. فأردفت "وردة" بلامبالاة زائفة:
"خده وفوقه تلاته هدية!"
ابتسم لها باتساع. ثم أردف "حازم" بمشاكسة:
"انبسط يا عم عيل وتلاته، وإنت عندك شقة يبقى ناقص العروسة!"
قهقهوا عليه بقوة فأردف "غسان" قائلاً بثبات:
"وماله نجيبها، إحنا جامدين أوي بردو!"
أردفت "وسام" بغير اهتمام وهي تتوجه للسيارة وهي تدخل بها قائلة بتهديد مرح:
"وماله يا أبو الغساسين، بس ابقي قولي مين سعيدة الحظ عشان أعمل الواجب!"
قالتها ثم ركبت السيارة بجانب ياسمين التي ركبت قبلها بلحظات، وجميلة. فأردفت "نيروز" قائلة بعفوية تجيب على حديث الأخرى قبل أن تركب:
"مش عارفة حاسة في تهديد في كلامها!"
قهقه "غسان" الواقف وهو يحمل الصغير قائلاً:
"حاسة! ... لا اتأكدي، ربنا يستر."
ضحكت بخفة. ومن ثم نظرت لـ "وردة" تحتضنها بحب، ثم اتجهت حيث السيارة الأخرى والأولى اتجهت إلى السيارة التي بجانبها. فنظر "بدر" إلى صغيره بغيظ الذي يوجد في طوله حمل "غسان" له، فأردف قائلاً بضجر:
"بتبيعني يا كلب! خليك معاه بقا واشبعوا ببعض!"
قهقه "غسان" بقوة ومن ثم أردف قائلاً من بين ضحكاته وهو يلتفت ينظر حوله ثم فتح باب السيارة من الأمام قائلاً بمرح:
"طب وطي صوتك أصل حد يشك فينا!"
ضحك الآخر عليه وهو يركب هو الآخر بالأمام بجانبه ناظراً إلى صغيره الجالس على قدم "غسان". فابتسم له بحب وهو يدغدغه والصغير يضحك بقوة لأثر ما يفعله والده تحت ضحكات الآخرين في الخلف السعيدة بما يحدث أمامهم. دقائق معدودة وسارت السيارات بسرعة من مكانها حتى تصل إلى المنزل بعد ذلك اليوم الشاق!
***
كان ينتظر بتوتر هو شقيقته، فهو موعد خروجها من غرفة العمليات. جلس يربت على ظهرها وهي كذلك، تبكي تارة وهو يهدهدها والأخرى تفعل مثل ما يفعل معها. نظر هو لشقيقته وهو يتحدث قائلاً بنبرة متحشرجة يطمئنها:
"هتبقي كويسة إن شاء الله."
"أنا خايفة أوي يا عز، أوي!!"
نظر لها بتعب وهي تردف تلك الكلمات بكسرة.
فأخذها بين أحضانه وهو يجيبها بهدوء:
"وأنا معاك، متخافيش أبدا!"
صمتت لحظات ولكن لاحظو الطبيب يأتي من على بعد ومعه بعض من الممرضات، فوقف على فجأة أما هي فتأوهت قليلا وهي تقف، حتى اقترب منهم "بسام" يطمئنهم قائلاً:
"السلام عليكم، هي خرجت من العمليات وهتتحط تحت الملاحظة ٢٤ ساعة نشوف إيه النتيجة، وربنا يشفيها بإذن الله!"
ابتهجت ملامح "عز" كونها خرجت على قيد الحياة فأردف قائلاً بلهفة:
"يعني يعني هي كويسة وخرجت؟"
"أيوه طبعاً خرجت بس خرجت على الغرفة من الجهة التانية، متقلقوش خالص، وربنا يخليها ليكم."
صمت عندما وجد "فرح" تبكي فأردف قائلاً يطمئنها:
"إهدي يا آنسة فرح، متقلقيش هتبقي كويسة إن شاء الله، بس يستحسن بلاش ترهقي نفسك عشان نفسيتك وتعبك!"
إتجه "عز" يربت على ظهرها وهو يمسح من أثر دموعها على وجهها، بعدما نظر للطبيب بإمتنان وهو يقول:
"ربنا يخليك يا دكتور."
"على إيه؟ أنا معملتش حاجة كله بإرادة ربنا، خلي بالكم إنتوا من نفسكم، ومتقلقوش، كلنا في إيد ربنا."
إبتسم له وهو ينظر له يتحرك من أمامه شيئاً فشئ، وبجانبه عدد قليل من الممرضات الذي يوجههم على ما سيفعلونه بتلك الحالة!
"قولتلك! هتبقي كويسة متزعليش بقا، خليني أطمن مرات خالك اللي نازلة رن عليا دي."
إبتسمت من بين دموعها وهي تردف قائلة بهدوء:
"يارب تبقي كويسة، أيوه طمنها يا عز مش كفاية منعتهم إنهم يجو المستشفى!"
آبتسم لها بسمة صغيرة وهو يومأ لها، يخرج ذلك الهاتف من جيبه حتى يقوم بالاتصال على من يستعلم عن حالة والدتهم.
***
مرت ساعة وأكثر وتلك الجالسة على الأريكة تنظر بسخط، وبجانبها ابنتها وزوجها، لاحظت "سمية" نظراتهم فحاولت أن ترضيهم وهي تردف قائلة بابتسامتها الصغيرة:
"أجبلك تتغدي يا زينات إنت وسليم وفريدة!"
نظرت لها بتعابير وجه جامدة ثم أردفت قائلة بتعالي:
"لا كتر خيرك يا حبيبتي، إتغدينا وطبخنا مش مستنين يعني أكل من حد تشكري!"
أومأت لها "سمية" رغماً عنها أما "عايدة" فكانت جالسة بصمت، إلى أن أردفت "زينات" قائلة لها:
"وهو حازم بقا على كده واخد جميلة معاه فالخباثة من غير ما يقول لابوها؟"
إنتبه ذلك الجالس بجانبها وهو يعبث بهاتفه، نظرت "دلال" لـ "عايدة" بإشفاق، إلى أن جاءهم صوت "سليم" بنبرة جامدة:
"حازم راجل البيت من بعدي، وطالما قالتله خلاص يا زينات بقا!"
"هو في الحقيقة جميلة مكنتش راحة، بس هي جت بدري أوي من الجامعة فهو خدها يفك عنها شوية."
قالتها "عايدة" بهدوء وبابتسامة مكلفة، أما "سليم" فتابع بصمت، إلى أن إردفت "فريدة" بنفاذ صبر:
"إحنا بقينا المغرب تقريباً، جايين إمته دول بقا!"
نظرت "دلال" إليها بملامح وجهها المبتسمة وهي تجيبها قائلة بلطف:
"الصبر حلو يا بنتي، زمانهم على وصول."
أومأت لها بابتسامة مصطنعة وسرعان ما تلاشت سريعا، فنظرت "زينات" لـ "سميه" وهي توجه حديثها لها مردفة بكيد وتبجح:
"ألا قوليلي يا ختي، هي بنتك وردة لسه على الحال اللي هي فيه ده؟"
تلاشت بسمتهم جميعهم عدا أفراد عائلتها من زوجها وابنتها، وشحب وجه "سميه" تدريجياً، وقبل أن ترد "دلال" لتدافع عنها، نطقت "فريدة" بخبث لوالدتها وهي تقول بلوم مصطنع:
"حرام عليكي يا ماما هو اللي فيها ده بيتداوى أصلا، ما خلاص بقا، هتعيش طول حياتها كده!"
نظرت "عايدة" لهم بصمت وسرعان ما أردفت باحترام حتى لا تسبب أزمة:
"أنا شايفة إن ملوش لازمة الكلام في المواضيع دي."
أومأ البعض منهم، والبعض الآخر صمت، إلى أن أردفت "دلال" وهي تقول:
"طب يلا نحضر الأكل أصل خلاص قربوا خالص على هنا."
أومأ لها البعض من النساء، ففرت "سميه" معها إلى المطبخ وذهبت "عايدة" خلفهم، تاركة ذلك الجامد الذي لا يعير لحديثهم الآن أي انتباه، وزوجته وابنته منتظرين فقط لإصطياد أي خطأ!
***
وصلت السيارات أخيراً أمام المبنى الخاص بسكنهم، هبط كلاهما بإنهاك من السيارات، "جميلة" هبطت ثم صعدت مع "نيروز" أولاً وهما بيديهم أشياء بسيطة، وهبطت "وردة" مع "ياسمين" ثم انتظروا "غسان" و "بدر".
أخذ كلاهما من "غسان" و "حازم" الحقائب ليصعدا بها ولكن في المصعد، وحملت "وسام" بعض الأشياء البسيطة ثم صعدت بها، ومن ثم صعد "بدر" بجانب زوجته وشقيقتها وأصبح أمام المبنى خالي بعدما كان مزدحماً منهم، وبعد قفل كلاهما من أصحاب السيارات سياراتهم وحمل الأشياء والحقائب جميعها وبعض منهم بالمصعد والبعض الآخر على السلم، حتى وصل جميعهم أمام باب المنزل الخاص بـ "سميه" التي هرولت لتفتح لهم الباب سريعاً بعد رؤيتها لهم من الشرفة، قامت بفتح الباب لتجدهم جميعاً متراصين بجانب بعضهم و"بدر" و "وردة" في المقدمة وعلى ذراع زوج ابنتها يأمن، أدمعت عينيها سريعاً وكذلك "وردة" ومن ثم دخلت بأحضان والدتها بتأثر قوي ثم فرت منها الدمعات المتأثرة وكل من الآخرين يهللون بالأصوات المرحة والمشجعة حتى لا يتعكر الجو والمكان للحزن! ومن ثم دلف "بدر" بأحضان "سميه" ودقائق ودلف جميعهم الشقة، وما أن نظر "بدر" لحامد الذي أتى الشقة فور علمه بإقترابهم، اتجه بخطواته السريعة ليدخل بأحضان من يعتبره والده ومن "دلال" يحتضنها بعدما احتضنت وردة، دلفوا إلى الداخل أكثر وجلس جميعهم بجانب بعضهم، ولكن وقفت "وردة" تبدأ بالترحيب بـ "زينات" بتردد هي وابنتها.
"إيه يا بنت سميه خايفة تسلمي عليا ولا إيه؟"
آرتبكت "وردة" أمام الأنظار ولكن سرعان ما هتف "بدر" سريعاً ليدافع عنها قائلاً:
"معلش يا جماعة، أصل وردة بتشوف بقلبها قبل إيدها، طيبة أوي، متقصدش متقصدش."
حاولوا جميعاً إخفاء ما أردفه الآخر من تلميح، فنظر "سليم" إلي "بدر" وهو يردف قائلاً بتهكم:
"حمد الله بالسلامة يا بدر، وهتغاضي عن سلامك الفاتر ليا، الوقت ميسمحش للعتاب طبعاً!"
أردف "حامد" يهدأ من حدة الأجواء الغير مباشرة:
"معلش يا سليم جاي تعبان ومش واخدين بالهم بقا وكده."
نظر له "سليم" ومن ثم عائلته بحدة فهم لم ينسوا بعد آخر تلك المشكلة التي بدرت منهم، إتجه "بدر" ليجلس بجانب "غسان" وهو يميل بجانب أذنه قائلاً بخفوت:
"يا ساتر!!"
ضحك "غسان" بعدما إنتبه لمن يقصد بحديثه فأردف قائلاً له بخفوت:
"دمه سم!"
نظرت "سميه" لهم جميعاً وهي تردف قائلة بلطف:
"طيب يلا علشان ناكل كلنا."
أومأ لها "بدر" و "وردة" في حين رفض جميعهم وكل منهم يردف قائلاً بـ لا!! حتى تحدث "سليم" قائلاً:
"لا بالهنا، نستأذن إحنا بقا."
أشار لزوجاته الاثنتان وبناته لينهضوا! بعدما رفضت الأخرى بأن يذهب دون طعام!
ولكنه رفض وهو يتحرك ليسير باتجاه باب الشقة بعدما أشارت له "زينات" بأنها تريد الذهاب وهي تردف قائلة بخفوت:
"يلا إحنا شكلنا ضيوف تقال!"
لحظات وخرجوا من باب الشقة صافعين إياه من خلفه. هزت "نيروز" رأسها بـمبالاة من تصرفات عمها التقليدية. فأردفت "دلال" قائلة بهدوء:
"يلا يا حبايبي على السفرة أنتم تعبتوا كلكم انهاردة!"
أيدتها "سمية" فنهض البعض يذهب خلفهم حيث غرفة الطعام. و "غسان" و "نيروز" الذان أصبحا بجانب بعضهما بعد تحرك البعض من أماكنه. فأردفت له بابتسامة وهي تقول بتساؤل:
"مش هتاكل؟"
التفت ينظر لها برأسه بعد أن حاول أن يتحاشاها ولكن الآن أصبحت بجانبه. فأردف قائلاً يجيبها:
"لا الحمد لله شبعان! انت مقومتيش ليه؟"
ضحكت بخفة وهي تجيبه قائلة بهدوء:
"الحمد لله بردو!"
كان ينظر من خلفها على الاثنين الذين انسحبا بهدوء ليقفا بالشرفة التي توجد بصالة المنزل. ثم ضحك وهو يحرك رأسه قائلاً:
"مش سهلين دول!"
التفتت تنظر خلفها على شقيقته و"حازم" ومن ثم ضحكت بخفة وهي تلتفت تجيبه وهي تهز رأسها بهدوء قائلة:
"دي حقيقة."
قاطع حديثهم "سمية" وهي تتوجه لتقف من أمامهم ثم تحدثت قائلة بلهفة:
"ايه ده انتو لسه مقوموتوش يلا علشان تاكلوا!"
"لا أنا مش هقدر الحمد لله. هروح البيت ولو دلال سألت عليا قوليلها اني مشيت!"
قالها وهو ينهض. حتى نظرت "سمية" له بلوم وهي تردد:
"ليه كده؟ زعلت منك والله!"
"معلش مرة تانية. سلميلي على بدر ووردة هبقي أجيلهم لما يرتاحوا. مع السلامة!"
أردف كلماته وهو يتجه حيث باب الشقة حاملاً مفاتيحه وهاتفه ليضعه بجيب بنطاله وهو يخرج منه. لم يعطها فرصة حتى للرد عليه. تركته ظنت أنه منهك ويحتاج إلى الراحة. فعادت النظر إلى "نيروز" وهي تردف قائلة:
"طيب قومي انت يلا!"
تحدثت تجيبها وهي تنهض متجهة حيث طريق غرفتها وهي تقول:
"لا أنا مش جعانة خالص. بالهنا والشفا أنتم! خدي بالك انت بس من وردة وبدر وأكليهم ونيميهم في أوضة وردة ونيمي يامن فالتلاجة ومشي خططك زي ما مرتبالها وسيبيني!"
حركت "سمية" رأسها بقلة حيلة وهي تردف قائلة بتيهة ناظرة لها وهي تتحرك من أمامها:
"هم العيال دول جرالهم إيه؟"
***
جلس أمام غرفة صديقه في تلك المستشفى الحكومية المتهالكة قليلاً. وهو يهز ساقيه بتوتر شارداً بأن صديقه على قيد الحياة وقد علم ذلك عندما جاءت سيارة الإسعاف ونقلته إلى هنا. خرج الطبيب من الغرفة وهو يقف أمام "آدم" الجالس قائلاً له بهدوء:
"هو تحت الأجهزة دلوقتي ولولا ستر ربنا كان هيروح فيها. وتحليل الدم لسه هيطلع عشان نعرف عنده إيه بالظبط. هيفوق على بكرة بإذن الله!"
ارتبك عندما هتف الطبيب بتحليل الدم. بالطبع إن حلل له دم!! سيعرف حتماً بأنه متعاطي وتلك مستشفى حكومية لا بد من أخذ أقوال وتحقيقات بخصوص ذلك بواسطة كشف الأطباء. شرد بهذه النقطة حتى بعدما أردف الطبيب كلماته ومن ثم رحل من أمامه تاركاً إياه يفكر في حل لتلك المعضلة!!
***
بعدما بدل ملابسه. وقف في الشرفة قليلاً وبيديه زجاجة المياه يرتجع منها شارداً بكيف يصبح عندما يراها. كيف يصبح كثير الحديث والأسئلة. كيف يسحب منها الحديث! متذكراً نظراته لها في المرآة وهي تعبث وتضحك وتأكل! مع شقيقته!! متذكراً حديثها. تذكر أنه يحاول إخفاء تعبيراته عندما يراها وهو يتظاهر بأن كل شيء لا يثير اهتمامه. متذكراً كيف عندما تقترب منه بأي جلسة بمكان. يحاول التهرب منه ولكن أحياناً يفشل بذلك! وصل له تفكيره بأنه قد يكون أحبها من جديد! أم مجرد إعجاب؟ تسارعت دقات قلبه هو هذه المرة. وسرعان ما هز رأسه سريعاً ينفي تفكيره وهو يردف بخفوت وكأنه يتحدث مع قلبه وعقله:
"أكيد لا!"
ابتسم بسمة ساخرة عندما تذكر دقات قلبه المتسارعة. لأن قلبه من يدق هذه المرة وليس قلبها إذن! سمع صوت فتح الشرفة الجانبية. فالتفت سريعاً ينظر فوجدها هي. إذن لا مفر من الهروب من الشرفة الآن. انتبهت هي له هذه المرة وهي تأخذ زجاجة المياه الكبيرة لتسقي الورد الذي يوجد ناحيته. ابتسمت له بحرج. فأومأ لها بصمت. وسرعان ما تحدث سريعاً وهو يقول:
"مش معقول كل ما أطلع فالبلكونة ألاقيكي."
احمر وجهها ولم تنظر له بل واصلت في أن تسقي الزرع والورد. وهي تردف قائلة لتجيبه:
"أنا مش قصدي بجد. ممكن مجرد صدفة. لو متدايق مني ممكن أخرج!"
قالتها بتردد. فابتسم هو ليصحح ما أردفه بعبث:
"أنا.. أدّايق منك انت.. طب ده ينفع؟!"
ابتسمت بحرج وهي تقوم بنقل الزرع من مكانه لتبدله بالآخر. محاولة أن تخفي وجهها المحمر ولكنه لاحظ حركتها تلك. فأكمل يواصل ما تحدث به من البداية:
"طب مين الأهبل اللي ميحبش الطماطم الحمرا."
صمت ثم واصل بعبث:
"مش ناوية تزرعيها هنا؟"
تركت زجاجة المياه الكبيرة ثم اعتدلت تجيبه بتوتر:
"إن شاء الله. عن إذنك."
قالتها ثم فرت سريعاً تخرج من الغرفة تاركة خلفها بابها مفتوحاً من أثر خجلها بمقصده لاحمرار وجهها. فاتبسم هو بأثرها بغير وعي. لحظات. ومن ثم تحدث قائلاً بدهشة:
"طماطم فالبلكونة وتتزرع هنا؟ هي فهمت إيه؟"
صمت بحيرة. ثم رفع الزجاجة الذي يوجد بها قطع من الثلج يتجرع منها ومن ثم أخفضها وهو يردف قائلاً بتيهة لم يستطع التحكم بها:
"شكلي وقعت فيكِ من تاني يا بنت الأكرمي!!"
قالها وهو يتجه ليدخل من الشرفة إلى الغرفة بهدوء. شارداً. بكيف يحدث كل ذلك؟ كيف يشعر بها؟ الشيئ الوحيد الذي لم يلومه هو قدرته واستطاعته بإخفاء مشاعره أمامها. شارداً مرة أخرى بحيرة من بين حب أم إعجاب أم عبث؟ لا يعلم أي شيء الآن. لم يستطع أن يحدد مشاعره ولكن اهتمامه هذا غير طبيعي بالنسبة له!! تذكره لكل تفاصيلها إلى الآن وهو يملي عليها ما يتذكره دون حساب. ليس طبيعياً بالنسبة له أيضاً. عقله وقلبه الآن يعاركان بعضها
ما بين: انه مجرد عبث!!
إلى: أحقاً وقعت بحبها من جديد؟!.
رواية عودة الوصال الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة ناصر
"ما أجمل التلاقي بعد الفراق، خاصةً عندما تكون جميع الأطراف مخلصة بالفطرة!"
في الطابق الخاص بعائلتي "الأكرمي" و"البدري"، خاصةً في شقة "سميه". وتحديدًا وقت ما قبل الظهيرة بقليل، بعدما استيقظ جميعهم. جلس كلٌّ من "ورده" التي تجلس بجانب والدتها، و"بدر" الجالس أمامهم. كانت أنظارهم موجهة حيث "يامن" الذي يلعب بألعابه الصغيرة على الأرض. كانت جدته تبتسم بحنانٍ كاد أن يفيض من عينيها. لاحظت "ورده" نظرات والدتها، فتنحنت قائلةً لتتساءل بهدوء:
"مفيش تطورات يا ماما في يامن؟ مكبرش كده؟"
ضحكت "سميه"، وكذلك الآخر. فأردفت والدتها تجيبها بمرح:
"مستعجلة على إيه؟ هيكبر وهيبقى زينة الشباب. بس هو منفض كده ليه يا ورده؟ مش باين عليه أكل ولا حاجة! بتاكليه أكله يا بت ولا إيه؟"
ضحكت "ورده" بخفة. أما "بدر" فأجابها قائلاً بمزاح:
"ده ناقص ياكل دراعي ودراع ورده. طالع لعمه بسام، أصل كنت بتنمر عليه، وأهو طلع لي في يامن."
قهقهوا عليه، ولكن لم يستطيعوا تكملة الحديث بسبب تلك التي خرجت من غرفتها وهي ترتدي حجاب رأسها على ملابسها المنزلية الطويلة. خرجت "ياسمين" تقف أمامهم بنعاس، وعلى يديها المنشفة، ثم ابتسمت لهم بسمة واسعة وهي تردف قائلة:
"صباح الخير يا عيلة صداع!"
وجهت نظراتها حيث "يامن"، ومن ثم انحنت لترفعه وهي تقبله بمرح وحب. فنظرت لها "سميه" بضجر، ومن ثم وجهت نظراتها للآخرين وهي تردف قائلةً حتى تأخذ شهادتهم كأي أم:
"اتفضلوا، صباح الخير قرب الضهر. هتفتح بيت دي إزاي؟ ده كتب كتابها خلاص أهو على المشارف ولا فرحها!"
ضحكوا عليها جميعًا. أما هي فنظرت لهم وهي تحدثهم قائلةً:
"دايمًا حاطة نقرها من نقري الولية دي والله."
"دي بتحبك أوي والله، والزعل هينط من عينيها على فراقك."
قالتها "ورده" فأيدها "بدر" قائلاً من بين ضحكاته:
"دي حقيقة، أنا شاهد."
ضحكت "ياسمين" بقوة، ومن ثم أردفت قائلةً باستنكار:
"تزعل؟ دي هتعمل فرحين، فرحي وفرحة خروجي من بيتها. دي ست صعبة وأنا عارفاها!"
قهقهوا عليها بقوة. أما "سميه" فنظرت لها بضجر، ومن ثم وجهت نظرتها إلى الحذاء المنزلي. فتراجعت "ياسمين" إلى الخلف سريعًا وهي تضع الصغير أرضًا، قائلةً بخوف:
"لا خلاص، كله إلا ده! هروح أصلي أحسن!"
ضحكوا عليها جميعًا بقلة حيلة. فعقدت "ورده" ما بين حاجبيها قائلةً بتساؤل:
"تصلي إيه دلوقتي؟"
"الصبح!!"
صمتت هي تحت أنظارهم، ثم أردفت قائلةً بعقلانية:
"يا حبيبتي، مش أنا قولتلك قبل كده يفضل صلاة الفجر. مش الصبح فالوقت ده لأن ساعتها مش بتتسمى صلاة صبح أو فجر مادام الشروق طلع. صلاة الفجر وقتها من وقت الأذان لحد الشروق، ودي فرض!"
عقدت "ياسمين" ما بين حاجبيها وهي تقترب منها، ثم تساءلت بجدية:
"يعني حرام عليا؟"
"بصي، دار الإفتاء المصرية قالت إن المسلم لازم يصلي الفجر بمجرد استيقاظه. ولكن لو كانت قبل الشروق تبقى أداء، ولو بعد الشروق تبقى قضاء. بس الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس)."
كان حديثها من حد علمها، فهي الوحيدة التي تابعت دراستها في المعهد الإسلامي ومن ثم التحاقها بكلية الدراسات الإسلامية. أومأت لها بتفهم هي ووالدتها. أما "بدر" فأومأ لزوجته يؤيدها، ثم أردف قائلاً بعقلانية:
"فعلاً، لأن صلاة الفجر وقتها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. فمن غلبه النوم في هذا الوقت لا يؤاخذ شرعًا، لأن النائم قد رُفع عنه القلم. وعلى المسلم أن يبذل أقصى جهده ليدرك هذه الصلاة وغيرها في وقتها."
قالها بحكمة. فابتسمت "ياسمين" لهم قائلةً بلطف:
"إن شاء الله بعد كده هحاول أصحى الفجر وأنتظم. أنا بجد بحاول أنظم صلاتي ومأخرش وربنا يعيني بقا، ادعولي."
قاموا بالدعاء لها بحب. أما "سميه" فابتسمت لها قائلةً:
"أنا غلبت أقولك قبل كده إن صلاة الفجر بركة وأقعد أصحيكي، بس نومك تقيل. قعدت أقولك ركعتين الفجر خير من الدنيا وما فيها، بس مبتسمعيش كلامي أبدًا، ونومك زي الطوبة."
وجهت حديثها في آخره لابنتها الأخرى وزوجها. فنظرت لها "ياسمين" بقلة حيلة من طبعها، وحديثها كأي أم إن ظهر حديثها بالصواب. ولكن بدلت نظراتها للحب، ومن ثم الامتنان للآخرين الذين استشفوها رغم حديثهم مع "سميه". فتركتهم لتتوجه حيث المرحاض وهي تحفز نفسها بأنها سوف تنتظم بمجرد المحاولة.
***
"لا ينسى شخص أبدًا، مهما طالت الأيام، موعد كسر قلبه. ومن كان يقسم للآخرين له بعدم الفراق، فتهشم القلب يخلق فجوة يصعب أن تلتئم مرة أخرى. وتهالك الروح، رغم التظاهر بأن كل ما يحدث على ما يرام، شيء مؤذٍ. يؤذي من يحاول التماسك رغم هشاشته من الداخل!"
جلس وهو صامت بعدما خرج أخيرًا من المستشفى وغيابه بها لفترات طويلة. فهذه الأيام لم يشعر جيدًا أنه على ما يرام، وكذلك الأيام التي مضت والتي ستمضي. هذا من وجهة نظره المحبطة والمخفية أمام أنظار الجميع. إذن، عكس طبيعة شخصيته المرحة التي يظهر بها للكل بأنه ملك اللامبالاة عندما يكون كثير المرح! يتأذى كثيرًا من الداخل بمحاولة إخفاء وجعه بذلك المرح! إذن ليس كل ضاحكٍ مرحٍ مسرورٍ بحياته. وتلك هي الحقيقة القاسية الذي لا يعرفها سوى الذين يخوضون حروبًا مع أنفسهم لا يعلم الآخرون عنها شيئًا! صمت، سكوت! هذا ما يفعله عادةً عند جلوسه في المكان الذي يكشف به الستار عن أوجاعه. نظر "بسام" للطبيب الذي أمامه، ثم ابتسم قائلاً بقلة حيلة:
"مش عارف أقول إيه!"
طالعه "عاصم" بلطف، ثم ابتسم قائلاً بهدوء متفهمًا:
"اللي قولته خلص."
طب قول انت حاسس بإيه لحد دلوقتي؟ إيه شعورك عامة؟
شرد بنقطة أوجاعه ثم أردف قائلاً:
"محدش يعرف إيه اللي جوايا. مفيش حد عارف إن شكلي المتماسك الهادي ده وراه كتير. اللحظة اللي بحط فيها راسي ع المخدة مابيفضلش فيها غيري أنا، وأفكاري، وأوجاعي وكل الحزن اللي في قلبي. أنا اللي بواجه كل ده لوحدي."
أومأ بتفهم ثم تنهد قائلاً بعقلانية:
"محدش عارف وجعك عشان انت نفسك واجهته ولما واجهته استسلمت بسرعة. شكلك المتماسك الهادي اللي وراه كتير ده بسبب ظلمك لنفسك وعدم حبك ليها. عارف يعني إيه تصالح مع النفس؟ التصالح مع النفس بيكون في إن أبواب ماتتفتحتش عشان مش لينا، وفرص ضاعت عشان ماكناش مستعدين ليها مثلاً، وناس خرجت من حياتنا بالرغم من حبنا ليهم لكن برضه مش شبهنا من الأساس. نجاتنا في الحياة هو الرضا بالمقسوم والمكتوب بالرغم من وجع قلوبنا لإننا مش عارفين الخير فين. عرفت يعني إيه ناس خرجت مش شبهنا من الأساس؟ عرفت التصالح مع النفس بيبقى إزاي وإيه؟"
"مش مهم نكون شبه بعض. أنا حبيت نفسي بسببها ورجعت كرهتها بسببها. إيه يعني مش شبهي؟ عادي مش لازم أكون شبه حد عشان أحبه وأرجع أتوجع منه."
قال "بسام" آخر حديثه بسخرية من حاله، فهز "عاصم" رأسه هزات متتالية ثم ردد قائلاً بتساؤل:
"الاختلاف فالحب مؤذي. ناس بتقدر تتحكم فيه وناس تانية لأ. اللي بيوزن العلاقة هو إصرار الطرفين على إنها تكمل مش تفشل! لكن لو الاختلاف فالعلاقة فيها طرف مش بيحب ومش عاوز يكمل، أو كان القرب مصلحة من الأساس، متتسماش علاقة ولا حتى يستاهل يتقال عليه حب."
أومأ بصمت وهو شارد ثم أردف باختصار ووجع:
"أنا اللي حبيت."
صمت ثم تابع بإنهاك، ظهر بنبرته الموحية بتهتك فؤاده:
"ولما حبيت اتعميت!"
خرجت من المبنى الصغير الخاص بعملها وهي تلتفت خلفها كمن سرق شيئاً! اتجهت "نيروز" حيث خارج تلك الشركة الصغيرة وهي تقوم بالالتفات خلفها للمرة الأخيرة بعدما قامت بالاستئذان للانصراف. ولكن لم تذهب له تحديداً، حتى تخبره بأنها لن ترحل معه تلك المرة. تذكرت كم كان متحاشياً النظر إليها في الصباح، ورغم طبيعة حديثه العبثية لم يتحدث معها بشيء. الشيء الوحيد التي أردفته هي سبب عدم ارتدائه لملابس العمل الرسمية، بل كان يرتدي قميصاً وبنطالاً عاديين. استغربت الأمر، ولكنها علمت سريعاً منه باقتضاب بأنه ليس من الضروري سوى الشيء المعلق للاستعلام عن هويته ذو الجهد الكبير في عمله حتى يعرف!! نفضت أفكارها من عقلها ومن ثم أشارت سريعاً إلى سيارة أجرة لتقف أمامها. لحظات ومن ثم دلفت تركب بها بهدوء، وهي تملي عليه العنوان التي تود زيارته منذ كثير ولكنها لم تستطع بسبب ازدحام أحداث أيامها. دقيقة ثم سارت السيارة إلى العنوان، عنوان لم يكن بعيداً عن مكان العمل بل كان قريباً بالتوسط. ولكنها أصرت حتى لا يراها أحد إذن!
"حمد الله ع السلامة يا صاحبي!"
نبس بها "آدم"، الجالس بجانب صديقه على فراش تلك المستشفى المتهالكة نوعاً ما! فنظر له "حسن" بتعب وهو جالس بعدما ارتدى ملابسه. وقف "آدم" وهو ينظر إلى هاتفه ولكم الرسائل الذي بعثها له شقيقه. أغلق الهاتف سريعاً ثم دسه بجيبه وهو ينهض ومن ثم اقترب يقف أمام "حسن" الذي رفع له نظراته بتساؤل. فتنهد الآخر ثم التفت ورائه حتى يتأكد من عدم وجود شخص ومن ثم ردد بنبرة خافتة يسمعها الآخر بالكاد:
"الدكتور قال تحليل الدم هيطلع خلاص ورايح يجيبه من المعمل، وانت أكيد عارف لو طلع تحليل الدم هيحصل إيه!! فـ..... نجربلها؟"
غمز له بآخر حديثه وكأنه يقوم بتقليد أحد أفلام الأكشن. بادله "حسن" الغمزة وهو يفهم مقصده جيداً، متذكراً تلك الكلمة منذ الطفولة عندما كانا يعبثان بأمور يصعب الهروب منها بالنسبة لطفل!! ابتسم "آدم" له ابتسامة توحي بالمكر ومن ثم قدم له يديه سريعاً وهو يقوم بمساعدته في النهوض قائلاً بلهفة وسرعة:
"يلا، مفيش وقت!"
وقف "حسن" وهو يسير من خلف الآخر الذي تأكد وهو ينظر بعدم وجود أي أحد بالخارج في الطرقة. فأشار له بيديه بأن يتبعه إذن!! ركض بغير صوت من أثر قدميه والآخر خلفه. ثم وصلا إلى الساحة الكبيرة في الدور الأرضي ورغم ركض "حسن" المنهك، إلا أن وقف "آدم" على فجأة ثم التفت يضع منقبة السترة الخاصة بـ "حسن" على وجهه وهو يتحدث قائلاً له بعدة كلمات. فأومأ "حسن" ومن ثم ترك "آدم" الواقف ينظر على الأشخاص من أمامه. بينما سار "حسن" إلى مخرج تلك المستشفى حتى آخرها متظاهراً بأنه زائر فقط!! بينما وقف "آدم" يتحدث مع شخص من المستشفى يسأله عن أي تراهات حتى يستطيع أن يفلت الآخر. وعندما وجده قد خرج بالفعل، ابتسم للرجل الذي أمامه ثم سار بخطوات ثابتة إلى خارج المستشفى. فعل ذلك لكون من يراهم الاثنان معاً، سوف تعرف هويتهم من الرجال الواقفين على تلك البوابة القديمة! كثيراً ما يشبه على المرضى بوجود أشخاص معهم، ولكن تلك المرة كلاهما بمفرده يخرج وسط أناس حتى لا يدقق الآخرين كثيراً. وكذلك تحدث "آدم" يلهي من تركيز ذلك الواقف بغير اهتمام منذ قليل إلى أن يخرج "حسن". لحظات وانتظر هو صديقه. ومن ثم دقائق واجتمعا معاً، حيث تبعد تلك المستشفى بمسافة متوسطة. ضحك "حسن" عالياً وهو يوجه حديثه له قائلاً:
"رجعنا لشقاوة زمان!!"
ابتسم الآخر بأنفاس عالية وهو يجيبه قائلاً:
"لولاها كان فاتنا متكلبشين ومودين على مصحة غصب. امسك بطاقتك!"
"هو عرف اسمي؟"
ابتسم "آدم" وهو يجيب الآخر بعبث:
"مش هتفوتني حاجة زي دي. اديتهم عنوان البيت بس اسم تاني. ولما وصلنا المستشفى طلبوا بطاقتك بس قولتلهم مفيش معانا، فدخلوك. ولما طلبوا التحليل اديتهم الاسم المزيف اللي قولتلهم عليه ساعة الإسعاف. وانت عارف أي حاجة حكومة بتمشي أي كلام من غير اهتمام أوي يعني. وبعدين عمرهم ما عملوا حاجة كله سكتي. دي مستشفى كلها فوضى مش شايف عاملة إزاي! والدكتور مشي الدنيا من غير معلومات بالفلوس. طلع!... فتقوم ماشية الدنيا على طول يا بو علي."
نظر له "حسن" بدهشة ومن ثم أردف قائلاً بصدمة من فعله كل هذا:
"دماغ شغالة يبن الآيـه!!"
"أنا عملت كده عشانك يا حسن، وانت عارف إن اللي حصلك ده حصل من الشرب والضرب ملهاش معنى تاني. اللي حصلك ده إشارة وفرصة أخيرة للنجاة. وموعدكش أعمل كده تاني عشانك لو ده حصل!! والفلوس اللي اتدفعت كانت من فلوسك الباقية لما سبتها معايا!"
نظر "حسن" له بتردد ومن ثم التفت يوجه أنظاره للجهة الأخرى قائلاً:
"أنا مش هعرف أبطل يا آدم. انت مش فاهم ولا حاسس بيا!"
"يا غبي انت كنت هتموت النهاردة! ربنا اداك فرصة ونبهني. هتموت يا حسن لو مبطلتش. انت مش شايف نفسك؟ بتضرب أكتر ما بتتنفس!"
قالها بإنفعال طفيف جعل من حوله يلاحظون صراخه المتوسط فالعلو. فالتفت "حسن" له باندفاع من صراخه ثم ردد بحدة:
"انت اللي غبي. عاوزني أروح مصحة عشان أموت! طب ما أنا أموت من الشرب بالبطيء ومموتش وأنا بتعذب ومش طايل وبتذل!"
اتجه "آدم" سريعاً نحوه يمسكه من تلابيبه قائلاً وهو يحاول إفاقته:
"تتذل؟ انت مبتفهمش!"
هتتعذب عشان تعرف تعيش بعد كده. مش نموت نفسنا بالبطيء يا متخلف!
التف من حولهم الناس وهم ينظرون إليهم بترقب، منتظرين لحظة ضربهم لبعضهم حتى يفصلوهم. ولكن أنزل "حسن" يد الآخر بهدوء وهو يربط عليها، متوجهاً حيث موضع أذنيه قائلاً بخفوت:
"انت خايف يا آدم؟ وضعيف كمان. أضعف من إنك عايز تتعافى بس مش عايز برضه ومستني كلمة من أي حد توديك وتجيبك. أنا مش هروح للذل برجلي، ولا انت حتى. ريح نفسك ويلا بينا!"
قالها بفحيح وهو يردف قائلاً بطريقة مقنعة ليقوم بإقناع الآخر، الآخر الذي أصبح منذ فترة متردداً، كلما يأخذ القرار يصبح اليوم الثاني لينفيه. نظر "آدم" من حوله بريبة ممن ملتفين حوله، ثم صمت يترك الآخر وهو يلتفت ليسير تاركاً. لحظة إلى أن وقف والتفت برأسه لصديقه وهو ينظر له بنظراته التي تعني بأنه ينتظره ليسيرا معاً الطريق حيث منزلهم. فالحقيقة يبدو لهم السير إلى طريق منزلهم، ولكن بالنسبة لأي شخص ليس مثلهم، فهو السير إلى الدمار، دمار أنفسهم!
---
دخلت سريعاً إلى عيادة الطبيب النفسي. لم يأخذ منها وقت كثير حتى تستطيع الوصول. دلفت "نيروز" تجلس على إحدى المقاعد إلى أن يحين دورها. ولأن مخرج الطبيب غير مدخله، لاحظت سريعاً ظهره وهو يخرج من الغرفة متوجهاً حيث الخارج. فتحت فاها بصدمة ودهشة في آن واحد. هي أصبحت تعرفه الآن جيداً، حتى وجهه باتت تحفظ ملامحه وطبيعة حديثه حتى لاقترابها منه الأيام الماضية، ولكن هذه المرة نفس الظهر!
أردفت قائلة بغير وعي وكأنها تحدث نفسها:
"إزاي؟ مستحيل! ... يعني هو مش فالشغل!"
قالتها بعدما نهضت تجلس بمكان آخر قبل قليل بسرعة حتى لا يلتفت هو بمجرد خروجه هذا ويراها. ولكنه التفت وهي رأته بعدما هربت بأنظارها بعيداً. تأكدت من أنها لا تراه، ولكن لم تعلم هو قد لاحظها من الأساس أم لا. ولأنه كان يرتدي مثلما يرتدي الآخر تماماً، أيقنت سريعاً أنه هو بحدسها! لم يأت على بالها أنه الآخر كون طبيعة تفكيرها أوصلت لها أن الطبيب لا يداوي إذن ولا يحتاج لطبيب نفسي كونه طبيب، وخاصة إن كان طبيب يفضل مهنته مثل بسام!
نهضت سريعاً وهي تفوق من شرودها على موعد دخولها للطبيب حيث موعد حجزها منذ أمس. دلفت سريعاً ومن ثم أغلقت الباب من خلفها بهدوء. ابتسم هو لها من الداخل وهو يرحب بها. فاتجهت ثم جلست هي على المقعد الطويل والمريح. بينما جلس الآخر أمامها وهو يتنهد قائلاً بهدوء:
"كنت مستنيك من قبل ما أعرف إنك جايه حتى!!"
ابتسمت له بامتنان وظلت صامتة تفكر هل من الصحيح سؤالها عن من كان يوجد هنا قبلها؟ ولكنها تحرجت عندما أيقنت متذكرة بقوله الدائم:
"أسرار المريض لا يمكن تتطلع برا، ولا حتى يتعرف من الأساس إنه بيجي عندي. ده قسم وضمير للمهنة."
أومأت برأسها تؤكد تفكيرها. فردد يسألها بلطف:
"شكلك بتفكري فحاجة؟ حابة تشاركي؟"
وكونها اتجهت من نفسها لتجلس على الأريكة الطويلة، فهذا يعني أنها ستتحدث وتبوح عن ما بداخلها في الفترة الأخيرة وليس مناقشات بينها وبينه إذن. هزت رأسها بتأكيد ثم أردفت قائلة له بهدوء:
"بفكر فـ حاجات كتير أوي. فـ دماغي زحمة!"
"زحمة حلوة؟ ولا وحشة؟"
ابتسمت بسخرية تجيبه بهدوء:
"الإتنين! ما أصل الزحمة حلوة ووحشة. بس يعنى بفكر فـ رجوع وردة وبدر عندنا، وجواز ياسمين، وماما. حاسة اني مهتمة بيهم زيادة."
خرج منه صوته ليسألها سريعاً بعقلانية:
"تفكيرك فأهلك كان الزحمة نهيه؟"
"هتصدقني لو قولتلك الاتنين مع بعض! رجوع وردة عامل لي خوف من إنها يترمي على مسامعها كلام يكسر فيها، وأنا اتكسرت من شماتتهم وكلامهم قبلها! مش عاوزاها توصل ولا تحس باللي أنا بحس بيه! أنا بخاف عليها أوي، ومستعدة أدفع عمري كله عشان أحميها من كلمة واحدة. وردة عانت ساعة موت بابا زيي بالظبط. ولو مكناش وقعنا احنا الاتنين، كانت ياسمين وقعت. بس لما ياسمين لقتنا وقعنا وحالنا اتبدل حاولت تتماسك وهي بتقف جنبنا."
تنهد "عاصم" يأخذ أنفاسه وهو يرجع من ظهره للخلف مردداً حديثه لها:
"حاسة إنك بقيتي أحسن وأقوى إنك تحميهم الإتنين مش وردة بس؟"
نظرت شارده ثم رددت وهي تسلط أنظارها على مكان ما:
"أنا اتعودت إن ياسمين هي اللي تحميني وتدافع عني، بس لو جت لحظة إنها تتكسر قدامي هحميها ومش هسمح لحد مهما كان إنه يكسر ولا ييجي على ركن أماني وسكينتي أبداً. هقدر أحمي وردة من أي حاجة عشان متبقاش زيي. أنا كل خوفي إن إحساس كسرتها منهم ميرجعش تاني!"
"كلامك عن ياسمين كان مختلف حاجة بسيطة المرة اللي فاتت. بس انت لما خرجتي واتفتحتِ على الدنيا والشغل عرفتي قيمتهم عندك عاملة إزاي."
أومأت تؤيد حديثه. ومن ثم لحظات ثم رددت قائلة:
"الشغل والخروج غير فيا كتير. كنت حاسة إن العالم كله وحش. ونفس الوقت حلو كله فمكنتش قادرة أثق فـ مين. بس حبيت وقتي فيه حتى لو متعرفتش كفاية على ناس كتير. وكمان بقى عندي روتين كل يوم بقيت بمشي مع غسان لحد ما بقيتش أتحرج منه وبقيت أبقى معاه على طبيعتي نوعاً ما. حبيت الوقت عموماً."
لاحظ هو الاسم سريعاً، ولكن لم يعر اهتمام. فوجه لها نظراته وهو يتحدث قائلاً بمنطقية:
"حبيتي وقتك فالشغل ولا وقتك مع.. غسان!"
دق قلبها سريعاً، ولكنها رددت بداخلها جملته الذي يردفها له سريعاً. نفضت من عقلها سريعاً. ثم نظرت له بتوتر وهي تجيبه:
"في فرق!"
"طبعاً. مش يمكن حبيتي وقت الشغل عشان حبك لوقتك مع غسان من الأساس!!"
"مش عارفة! أنا متلخبطة. أنا حبيت كلامه اللي مش مفهوم معايا وبقيت أستنى منه أي سؤال ملوش لازمة عشان أجاوب عليه. كنت بخاف الأول بس بقى وجوده معايا على طول مش مخوفني بقى مخليني مش خايفة وكأني فـ بيتي بالظبط. حبيت أخته وهزارهم مع بعض وهزاره مع دكتور بسام أخوه! وحبيت باباه اللي عمري فحياتي ما هلاقي زي بابا حد. بس حبيته عشان كان صاحبه أوي. حتى باباه هزاره وطيبته وعقله فوقت الجد بيفكرني بـ بابا. حبيت مامته أوي ووجودها دايماً مع ماما وحبها ليها الظاهر فعيونها. لقيت ناس يحبوا لينا الخير أكتر من قرايبي اللي من دمي ومش بيحبوني ولا بيتمنولي أي حاجة حلوة!!"
قالت "نيروز" حديثها بشرود وراحة كبرى. كان ينصت هو لها بتعمق حتى بعد سماعه لإسم شقيق من تتحدث عنه لم يبدي أي ردة فعل. أيقن الآن هو كل ما تتحدث عنه. فآردف يتحدث قائلاً لها بهدوء من بين أخذه لأنفاسه:
"انتِ الوحيدة اللي قادرة تحددي اللي انتِ فيه ده إيه! بس أنا شوفت إنك اتعلقتي بنسبة مش بسيطة ولا قليلة. والتعلق بيجي بعد الحب أو قبله!!"
حملقت بصدمة ومن ثم هربت بأنظارها إلى أماكن أخرى حتى ساد الصمت. وبعد دقائق من نظراتها المرتبكة والغير قادرة على أن تجيبه نهضت على فجأة وهي تلملم من حقيبتها. وهي تبتسم له بتكلف. فأومأ لها بتفهم حتى لا يضغط عليها. نظر لها وهي تتجه لتفتح الباب وقبل أن تفتحه جاءها صوته العقلاني وهو يقول:
"لو كانت مشاعرك فعلاً حب، يبقى الهروب مش حل! لو كان!! لأن انتِ الوحيدة اللي قادرة تحددي ده إيه بالظبط!!"
وقفت تستمع له بتمعن ولم تلتفت بعد. فهزت رأسها بنفي لنفسها ومن ثم خرجت سريعاً تختفي من أمام أنظاره. هيئة لعقلها بأن مجرد الهروب من تلك الغرفة هو نفس الهروب من أفكارها ومشاعرها التي لم تستطع تحديدها!!
---
جلست في غرفتها في المستشفى تفتح ذلك الهاتف الذي أحضره لها ذلك الحقير! فهي منذ أمس تنتظر موعد إفاقة والدتها وكذلك شقيقها. ولكن هو ذهب لعمله حتى يستطيع أن يدفع كل تلك المصروفات وبسبب تأخره الأيام الماضية عنه. فتحت الهاتف لتجد رسائل كثيرة منه. توترت ملامحها عندما وجدت ما يوحي بأنه يعلم كل تفصيلة تحدث في حياتها!
وبمجرد فتح الهاتف وصل له ذلك ومن ثم قام بالاتصال عليها حتي إنار الهاتف سريعا.
مدت يديها لتفتحه بتردد وهي تضعه على أذنيها بيد مرتعشة قليلا.
فجاءها صوته من الناحية الأخرى قائلا:
"دكتورة فروحة، فينك من زمان ده ألف سلامة عليك والله."
احتدت عيناها وهي تجيبه قائلة بجمود:
"عايز إيه يا خالد؟ لما تحدد كويس انت عايز إيه اتكلم غير كده فتسيبني في حالي!"
"عندك حق الحكاية طولت فعلاً، بس مش بإيدي يا دكتورة! وبعدين أنا بتجيني أوامر، أقولك إيه ومقولكيش إيه! ولحد دلوقتي محدش قالي الصراحة إيه اللي هتعمليه بالتفصيل. شكله بيحبك أوي يا فرح، لأ وايه عاوزك تموتي بالبطيء وتسلمي صاحبتك بإيدك وتخسري كل حاجة!"
تنفست بصوت عالٍ ثم صرخت به قائلة:
"مين اللي عاوز يعمل فيا كده يا قذر غيرك؟ إيه رأيك إني مش هعمل أي حاجة من دي وتليفونك هرميه، وأي كان اللي متفق معاه عليا فـ أحسن لكم تبعدوا عني!"
"حبوب جرأة دي ولا حبوب مهدئ! اعمليها وساعتها هتندمي ندم عمرك ومش هخليك تبيعي صاحبتك بس لأ ده أنا هخليكي تبيعي شـ..."
قطعت الاتصال سريعاً ومن ثم قذفت الهاتف بعيداً عنها بتعب، وهي تتنفس بصوت مسموع وقهر من الداخل لكل ما يحدث لها، من بداية والدتها حيث الفتك بأعصابها ببرود دون فعل شيء منه إلى الآن!
قامت بعد لحظات وهي تعدل من غرفتها ثم جلست بإنهاك على السرير وهي تفكر بجلستها صباحاً مع طبيبها النفسي عندما كان موجوداً بالفعل صباحاً.
تذكرت حديثها المقتضب معه وكأنها لا تحبذ وجوده، ولكن كان الآخر واقفاً قبل بداية الجلسة يحفزها على البدء بها مع الطبيب ولأن شقيقها لم يكن موجوداً في الصباح.
وعندما ابتسمت له بامتنان وصل إليه بوضوح، ولم تكن البسمة سوى لـ "بسام".
***
بعد قليل، بعدما خرج من منزله بعد عودته هو وصديقه، خرج ليذهب حيث ما قال له شقيقه.
مر الوقت وها هو يصعد في المصعد حتى خرج ووقف أمام شقة "سمية".
رفع يديه بتردد ليقوم بدق الجرس.
انتظر قليلاً حتى فتحت له "سمية" الباب.
ابتسمت له سريعاً وهي تقوم بالترحاب به قائلة له بود:
"إزيك يا آدم؟ اتفضل ادخل، تعالى."
ابتسم لها بامتنان ومن ثم دلف بخطوات مترددة حيث المكان الخاص بالضيوف.
دلف ليجلس بعدما وجهته الأخرى.
قابل في طريقه "ياسمين" التي حدقته باشمئزاز تجاهلها سريعاً وهو يدلف من الباب جالساً على إحدى المقاعد منتظراً قدوم شقيقه.
خرج "بدر" من الغرفة وهو يتجه حيث يجلس شقيقه، وما أن دلف ليراه، رآه جالساً بصمت حتى رفع الآخر نظراته إليه ومن ثم نهض ليقوم باحتضانه!
نظر له "بدر" بتعب وهو يردف قائلاً بنبرة متحشرجة:
"هونت عليك يا آدم؟ مستاهلش منك إني مش فارق معاك عشان متجيش تشوفني ولا تعرف إني جاي غير لما بكلمك وبترد بالعافية!"
لم يتحدث الآخر بل ظل صامتاً.
أما "بدر" فنظر على هيئته الضعيفة من تعاطيه للمخدر، ثم أخفض نظراته حيث يديه الزرقاء المعدومة!
ود لو يخنق نفسه للتو حتى لا يرى شقيقه في حالته تلك!
أردف قائلاً من بين نبرته المختنقة:
"مين يستاهل منك كده؟ حرام عليك جسمك ونفسك! جسمك وصحتك ليهم حق عليك، ليه تعمل في نفسك كده؟ كنت ناقص إيه يا آدم مش عندك وحارمك منه! أنا مقصرتش معاك في حاجة!"
وجه له "آدم" نظراته أخيراً، ثم أردف قائلاً بملامح وجه خالية من التعابير كما يحاول:
"انت عايز إيه مني يا بدر؟ أنا جيتلك عشان تشوفني مش عشان تقعد تقطم فيا! ملكش دعوة بيا ماشي."
نهض "بدر" سريعاً بانفعال وهو يصرخ في وجهه قائلاً:
"لما أنا مليش دعوة بيك مين هيبقي ليه دعوة؟ انت ليه بتدمر نفسك! ليه بتبعد عنا وعن الدنيا ليه؟ تقدر تقولي آخر حاجة عرفتها عن أختك إيه لما انت فايق ومصحصح وفـ طريق عدل؟ ولا آخر مرة شوفتها ولا روحتلها إمتى؟ عايشين زي الغرب برغم قرب الدم!!"
"هي مش رفضت تتطلق واختارتهم عننا! وحبيته أكتر من أخواتها! يبقي متستاهلش حتى السؤال عليها لا من قريب ولا غريب."
قالها "آدم" بحدة وهو ينهض ليقف أمام الآخر، فبادله "بدر" النظرات الجامدة وهو يجيبه قائلاً باندفاع:
"إفرض ماتت ولا حصلها حاجة! إفرض حد عمل فيها حاجة! بردو مش هتبقى أختك ولا من دمك ولا انت خلاص ممعتش يفرق معاك غير روقان دماغك."
"مش فارق معايا حاجة وبقولك إيه يا بدر فاطمه حبت ورضت بالذل اللي هي فيه فـ مش هنيجي إحنا نقولها لأ وهي أصلاً مش هتقدر تسمع كلامك ولا تنفذه، وكل واحد منا وخلاص اختار طريق حياته، وربنا يخليلك ابنك ومراتك وشغلك، وأنا ملكش دعوة بيا أموت، أعيش، أتدمر، اتزفت أنا حر، زي ما انت حر، وزي ما فاطمه حرة وهي حابة إنها تتذل كده، محدش هيختار للتاني طريقه."
طالع "بدر" بقله حيلة وهو يراه يتحرك من أمامه، خارجاً من تلك الغرفة متجهاً حيث باب الشقة يخرج منه بانفعال.
أما "بدر" فبقي في مكانه عاجزاً عن فعل أشياء كثيرة ليست سهلة للتصليح الآن.
أما "سمية" فالخارج أشارت لابنتها بأن تتدلف إلى زوجها حتى تشاركه حزنه، وتحت نظرات "ياسمين"، المشمئزة والحزينة في آن واحد!!
***
كان قد عاد من عمله وهو يصعد السلم حتى وصل "غسان" إلى الطابق، فتفاجأ بخروج "آدم" من شقة "سمية" فالتفت "آدم" ولكنه اصطدم بمن لا يحبذه كثيراً "غسان".
نظر له "غسان" ومن ثم تنفس بهدوء قائلاً:
"هو اللي بيقفل باب الناس بيخلعه في إيده كده؟"
رفع "آدم" أنظاره إليه بصمت، ثم ابتسم قائلاً بتهكم:
"أهلاً، معلش، تلاقيها أول مرة يدخل فيها العمارة حد جامد وراجل وكدا."
ابتسم "غسان" باستفزاز وهو يجيبه بنبرة ثابتة:
"لأ الصراحة! هي أول مرة يدخلها ست عاملة مسترجلة أو تاني مرة ممكن؟"
صمت ثم واصل بكيد:
"أصل أول مرة كان حسن، تسمع عنه؟"
قالها ببطء حتى يثير حنق الآخر هو يعلم أنهم أصدقاء!!
طالع "آدم" بحدة وهو يتحرك من أمامه متوجهاً حيث المصعد ثم وقف بمكانه وهو يجيبه قائلاً:
"مقبولة، بس متنساش إن باين عليا أوي إني مش طايقك يا غسان."
اتجه "غسان" ليقترب منه عدة خطوات ومن ثم فتح له المصعد وكأنه طفلاً لا يفقه شيئاً، ثم ضغط على رقم الطابق وهو يجيبه قائلاً عكس طبيعة ما يردفه:
"وأنا ليا الشرف إن واحد زيك مش طايقني!"
قالها بعدما جهز له المصعد ومن ثم التفت مجدداً بخطوات ثابتة حيث شقته وهو يخرج المفاتيح من جيب بنطاله، في حين قد هبط المصعد.
ولكنه انتبه لتلك التي تتحرك من خلفه إلى أن وصلت بجانبه.
نظرت "نيروز" للجهة الأخرى فوجدته هو.
أما هو فنظر لها بصمت، بعد الحدة الطفيفة التي ظهرت في نبرته وهو يقول:
"حمد الله عالسلامة!"
توترت نظراتها، خاصة من نظراته إليها، وتصرفها الأحمق بعدم إخباره بأنها سترحل من دونه!!
فاقت على غلق الباب من خلفه بعدما استأذن بخفوت حتى لا يسبب لها الإحراج!!
، ولم تمر لحظاتٍ إلى أن فُتحَ لها الباب بواسطة شقيقتها التي إبتسمت لها سريعاً ببهجه وهي تحتضنها قائله:
_" وحشتيني"
بادلتها شقيقتها البسمه وهي تحتضنها ثم دلفت ببطئ إلي الداخل حيثُ غرفتها تحديداً لتقوم بتبديل ملابسها أولاً!!
___________________________________________________
بعد مرور وقت كبيرو بعدما دلف لغرفتهُ ولأنه لم يستطع تناول الغداء معهم ،خرج لهم بعدما بدلّ ملابسه وأخذ قسطاً من الراحه، حتي وجد كل من والده وشقيقهُ ووالدتهم كانت بعيده عنهم بمسافه كبيره تقوم بترتيب الأشياء في منزلها ، إبتسم "غسان" لهم بإتساع وهو يتجه ليجلس بجانبهم تحت أنظارهم ، فتحدث "والده "قائلاً وهو مُمسك بكوب الشاي الساخن بيديه متحدثاً بمرح :
_" ضحكتك مش ماشيه مع مودك ليه ياض! "
نظر هو إلى والده بتحدي ومن ثم أردف قائلاً وهو ينظر له :
_" هبقى أفصّل لمودي ضحكه تانيه، مرضى ؟؟"
ضحك شقيقه بقوةٍ وهو يردف من بين ضحكاته :
_" يجماعه حسسونى إنك أب ، وانتَ ابن ، ده انتو علاقتكم ببعض لُطف والله"
نظر. إليهم "حامد" بضجرٍ ومن ثم تحدث سريعاً :
_" عندك حق ياض يا بسام ، أنا مربتوش باين !"
_" لا مش باين !! ده أكيد يا حامد "
قلب "حامد". نظراته بملل زائف وهو ينظر له بغيظٍ ، فابتسم له الاثنان معاً ، حتى تحدث "بسام" قائلاً بهدوء:
_" طيب أنا المفروض أروح لبدر بقا من إمبارح مفضتش وجيت من المستشفي متأخر ورجعت روحت الصبح وبعد كده جيت أستناك يا غُس عشان تيجي معايا "
أومأ له "والده" بتأيد وهو يردف قائلاً :
_" أيوه واجب روحوا ، وعلفكره هو أكيد محتاجكم ، ٱدم شايفه من البلكونه نازل من العماره وكان هنا ، ومش هيجي غير لبدر ، واللى حصل أكيد معروف ؛ ولا ايــه يا غسان ؟؟"
قالها ٱخر حديثه بخبثٍ وهو يوجه حديثه لولده، إبتسم له "غسان" باتساع ومن ثم أردف قائلاً له بتبجحٍ :
_" صح يا حامد ، بس لو عندك حاجه عاوز تقولهالى من أول القاعده قول !"
_" وقفت ٱدم ع السلم ليه؟؟ الكلام اللى كان بينكم كان عامل كده إزاي ولا كأنكم بايتين فحضن بعض ، مهما كان ده ابن عمك بردو!!"
قالها بسرعه ، وبإندفاع ، حيث وجد الوقت المناسب الذي يردف به هكذا ، أما "غسان" فنهض يقف أمام أنظارهم ثم وجه حديثه له بهدوء وهو يتساءل بلؤمٍ:
_" مركب كاميرات معايا ولا إيه يا حامد ؟"
_" لما أكون بتكلم معاك جد ، يبقي تكلمي بجد !"
قالها "حامد" بجمودٍ طفيف ، مما جعل الٱخر ينظر لوالده بنفاذ صبر تحت أنظار شقيقه المرتبكه قليلاً :
_" وأنا بتكلمّ بجد !، بتراقبني ، ولا مش واثق فيا ؟.، أنا شوفتك من البلكونه وحسيت بحد ورا الباب لما جيت أفتحه بعد ما مشيته ، لدرجادي خايف عليه .؟"
وقف "بسام" يردف بنبره مرحه حتي يلطف من الأجواء:
_" حامد يا عم خايف لا يحصل تاتش صعب بينكم ما انتَ عارف إحنا عارفين علاقتك بٱدم مش أووي من العدم ومن غير أسباب كمان !!"
_" عامتاّ محصلش حاجه تستاهل الكلام عليها ، المهم دلوقتي هو كان عند بدر وايه اللي حصل هناك لما خرج متعصب من الشقه وبس"
نظر له والده بتمعن وبالٱخر أومأ له بهدوءٍ ولم يتحدث بعد ، هو لم يتناقش بحده من الأساس كان مجرد حديثاً عابراً ولكنه كان جاداً فقط ، أما "غسان" فنظر له بصمتٍ ومن ثم أردف بإختصارٍ:
_" لازم تثق فيا أكتر من كده "
صمت ثم واصل مجدداً لشقيقه:
_" يلا بينا !"
أومأ له شقيقهُ وهو يتجه خلفـه حيث في اتجاه باب المنزل !
____________________________________________
فـى الشـقه الأخري كانتّ هى واقفه بالشرفـه مع "حازم" وهم يتحدثان بأمورٍ عده وبحماس لموعد كتب كتابهم الذي إقترب كثيراً ، حينما مر الوقت ، جاء منظر الغروب ، فابتسمت هى بشرودٍ إلى مغرب الشمس وهي تتحدث قائله بتذكرٍ:
_" انتَ عارف انى مبحبش غروب الشمس؟! "
نظر لها وهو يعقد حاجبيه بينما تابعت هي بابتسامه صغيره:
_" أصل بخاف من بليل أوي، بحب النهار والنور أكتر ، كل مره كنت بقف فيها هنا والشمس تروح وكله ينام بصحي ألاقي الدنيا إتشقلبت ، وبابا نلاقيه تعب فجأه وراح المستشفي ، ويمر كتير ويحصل نفس اللي بيحصل ،. لحد ما بقيت أخاف إن بليل يجي وأنامه ! ، واليوم اللي منمتوش فيه مات !! "
صمتت ثم تابعت بابتسامه حنونه:
_" بس عارف!! ، أنا ممكن أقولك إني بحب كل حاجه الوقتي معاكّ، بحب كل حاجه بسببك ، كل اللي مكنتش بحبه وبخاف منه ، معاك اتبدل لحاجه تانيه ، بس كان نفسي أوي بابا يبقي موجود ويشاركنى فرحتى ، ويشوفني بفستانى الأبيض ، حاسه انى وحشه أوي وأنا بشوف صحابي بيتجوزوا وبيرقصوا مع باباهم كده فالفرح ، ساعتها بيجيلي لحظة إدراك إنى مش هعيش اللحظه دي ومش همسك ايده ولا هحضنه ولا هعيط على فراقى من بيته !! "
إنتهت "ياسمين" من حديثها ثم إلتفتت برأسها تنظر له ، فوجدته ينظر لها بصمتٍ ،. نظراته لها كانت نظرات حنونه ، مُشفقه عاجزه عن الرد !! ، تنفس بعمق ثم تحدث قائلاً يجيبها:
_" بعيداً عن إنك فين وفين لما تتكلمي جد وده مش مطمني ، بس أوعدكّ إنى هحاول أعوضكّ بكل ما أملك من إراده يا ياسمين، حتي لو محدش بيقدر يملى مكان الأب ، بس بوعدك انى هحاول وبحاول عشانكّ !"
_" أنا متأكده من ده !!"
قالتها ثم إلتفتت تشير له قائله:
_" هو مش غريبه مجية زينات وبنتها وعمي تانى الوقتي بعد ما مشوا إمبارح مقموصين دي مبطيقش تيجي عندنا ، مش مرتحالها !"
صمتت تلاحظ الحيره في عينيه فأردفت قائله مره أخري:
_" طب تعال ندخل ، غسان وبسام هنا على فكره لسه جايين أهم. شوفتهم وهم داخلين وأنا واقفه !"
_"بجد .؟ طب تعالي نطلع لهم"
توجهها معاً حيثُ الداخل ، فوجدتهم جميعاً جالسين ، فنظرت لهم جميعاً بتمعن حتي انتبهت لنظرات عمها لها ، وبالأخري نظرة "زينات" لها التي تحفظها عن ظهر قلب !! ، اتجهت تجلس بجانب "نيروز"وشقيقتها الأخري أيضاً ، أما "غسان" فكان يجلس بجانب "بدر" وشقيقه ، وايضاً قص لهم بإيجاز ما حدث مع مقابلته لشقيقهُ ، هبط "يامن" من على قدم جدته ثم توجه حيث يجلس والده ، فوجه نظراته التائهه لهم للتوأمان !! تحت نظرات الجميع ، إعتلت ضحكاتهم جميعاً علي ما حدث منه ، فأردف "غسان" له بلطفٍ من بين ضحكاته:
_" أيوه أنا ، أنا اللي غسان ياض مش هو تعالَ !"
نظر لهم الإثنان بخوفٍ من كونهم نفس الشكل !! ، فاتجه سريعاً حيث ما بين ساق والده ليختبئ ، فربت عليه "بسام" بحنوٍ عليه وهو يهبط إلى مستواه ليقبله قلبه رقيقه وهو يقول بمرحٍ:
_"معذور يا بني والله ، شكلك بيقول إننا كائنات مرعبه!!"
ضحكوا عليـه بخفـه ، فأردف "بدر" لهم قائلاً بتحذير مرح حتي يخفف من خوف صغيره:
_" معتش ظهور ليكوا انتوا الاتنين قدامه ، هتجننولي الواد !"
إبتسموا له باتسـاع في حين، وجدتها "زينات" اللحظه المناسبه لإرداف كلماتها الٱن :
_" ما شاء الله عليه يامِن يا ورده ، خدي بالك منه يا حبيبتي أصل خلاص مش هتعرفي تجيبي غيره !
الست اللي بتشيل الرحم بتبقى صعبة عليها قوي وبتحس يعني إنها مش ست وكده!
قالتها بتبجح أمام أنظار الجميع المصدومة من حديثها الوقح. احمر وجه "ورده" سريعاً وهربت الكلمات منها، وكذلك "سميه". أما الجميع فكانت نظراتهم ما بين الدهشة والصدمة والغضب.
عندما لاحظت تعابير وجهها، أردفت تواصل مرة أخرى:
بصراحة محدش بيحس إلا اللي مجرب ده فعلاً. أكيد إحساسك صعب. حاسة بـ إيه يا حبيبتي كده وإنت يا حبة عيني بقيتي مش عارفه تخاوي ابنك؟
نزلت الدمعات على وجه "ورده" فأخذتها والدتها بأحضانها سريعاً. أما البقية فوقفوا جميعهم بعدما وقفت "نيروز" ووقف "بدر" و"ياسمين". التفوا حول بعضهم حينما وقف الجميع أمام أنظار "زينات" الحاقدة وأنظار زوجها الصامت الذي لم يقدر على فتح فاهه بالحديث لها.
توجهت "ياسمين" خطوات بسيطة أمامها ومن ثم أردفت قائلة بهدوء:
بتسألي عن إحساسها؟ بتهيألي مش أصعب ولا أقهر من إحساسك لما كنتِ متجوزة واحد مبيخلفش وكنتي هتموتي وتخلفي. لأ وكمان مكنتيش عارفه تتطلقي منه. كان إيه إحساسك إنتِ ساعتها؟ احكي لنا يلا.
ثبتت قدم "سليم" أرضاً من إحراجه وإهانته. أما "زينات" فهاجت الدماء بعروقها ومن ثم نظرت لها بشرر يتطاير من عينيها لترفع يديها سريعاً حتى تقوم بصفعها على وجهها وهي تهتف بحدة:
اخرسي يا زبـ..
هناك من أمسك يديها قبل أن تفلت على شقيقتها ولم تكن تلك الحركة الجريئة سوى من "نيروز" التي صدت يد الأخرى وهي تدفعها بعيداً عن وجه شقيقتها وهي تردد موجهة لها حديثها الجامد:
متمديش إيديكِ على أختي. ابعدي!
حملقوا جميعاً بها بصدمة ولفعلها تلك الحركة. أما "ياسمين" فبقيت ثابتة لم تتحرك، بل طالعتها بتحدي وعلى ثغرها ابتسامة صفراء.
اقترب "بدر" الذي صمت إلى آخر حديث النساء مثل بقية الشباب. ثم وقف أمام "زينات" وزوجها مردداً بحدة لهما:
كنت عارف إن مش هتسبونا في حالنا. إنتِ مالك شايلة الرحم ولا شايلة المرارة حتى. لآخر مرة بحذرك قدام الكبير والصغير لو كلمتي مراتي تاني بكلامك ده هتشوفي وش تاني مني ما يعجبكيش! وانتَ كراجل كبير وليك احترامك، بقولك ابعد عني وملكش دعوة بحياتي إنت ومراتك. أنا مش هتجوز غيرها لا بنت أخت مراتك ولا بنت الجيران ولا غيرها. أنا بحب ورده وعمري في حياتي ما هسيبها. ولو طايقك إنتَ ومراتك فده عشان صلة الدم بينك وبين مراتى. قسماً بالله لو حد قرب منها ما هسيبكم تتهنوا!
قال حديثه بحدة ولكن بهدوء تحت أنظار الجميع. فاتجه "غسان" يقف بجانبه وهو يدفعه للوراء خطوة بسيطة للدلالة على توقف حديثه. أما "سليم" فنظر له بغضب مردداً:
هو ده الاحترام اللي المفروض يبقى في بيتي ليا!
أنا مش في بيتك، أنا في بيت مراتى. ولو مزعلاك أوي الحتة دي فأنا هاخدها وهنمشي.
ضحكت "زينات" عالياً وهي تتحدث قائلة بتهكم:
يخوي مش عارفة ماسك فيها أوي بسنانك وإيدك كده ليه. إلا ما فيها حاجة عدلة.
نفذ صبره أخيراً من والده فتحدث "حازم" قائلاً لوالده وزوجته:
كفاية لحد كده بقى. مينفعش اللي بيحصل ده!
لم تعيره تلك الواقفة انتباه لحديثه، بل نظرت "نيروز" إلى تلك التي هتفت بكلمات كسرت من شقيقتها بغضب. ثم اقتربت منها قائلة بجمود:
سيبي أختي في حالها عشان ميتردش في بنتك.
قطع لسانك بنتي دي أجمل البنات وأشرف من الشرف مش زيك.
اندفعت "نيروز" صارخة بها عالياً:
أنا أشرف منك ومن عشرة زيك إنتِ وبنتك.
نظرت لها "زينات" بنفاذ صبر ومن ثم رفعت يديها لتدفها بعيداً حتى تعرقلت "نيروز" عدة خطوات للخلف سريعاً. ولم تعطيهم فرصة بل توجهت لتضربها على وجهها سريعاً. فأوقفتها يد "غسان" بسرعة وهو يتجه يقف أمامها ناظراً في عينيها بتحدي. حتى نفض يديها سريعاً وهو يقول:
إيه حبك إنتِ وابنك في إنكم تمدوا إيدكم على الستات؟
اتجهوا سريعاً يفصل كلا منهم شخص بعيداً عن الآخر. أما "سليم" فأخذ يد زوجته وهو يدفعها خلفه مشيراً إلى ابنته الصامتة ليتجها خلفه حتى يخرج كل منهم من باب الشقة بصمت دون مقدمات.
اتجهت "نيروز" و"ياسمين" سريعاً يحتضنن شقيقتهم التي تبكي بصمت بين أحضان "سميه" الباكية أيضاً. أما "يامن" فأخذ يصرخ بالبكاء عالياً كونه وجد والدته تبكي وفي حالتها تلك. انحنى "غسان" سريعاً بطبيعته الحنونة وهو يحمله ليهدهده وهو يربت عليه بحنو، متجهاً حيث الشرفة والهواء ليبعد الصغير عن تلك المشكلة ومكانها.
خرجت "ورده" من أحضانهم بعدما مسحت دموعها بصمت. ثم اتجهت إلى حيث غرفتها بمفردها. بينما جلس "بدر" بتعب على الأريكة بجانب الشباب و"سميه". أما "ياسمين" فوقفت بجانب "نيروز" بصمت، غير قادرين على التحدث.
نظر "حازم" إلى "بدر" وهو يتجه يقف أمامه قائلاً له دفعة واحدة:
أنا آسف يابدر. آسفلك يا طنط سميه و آسف لورده. حقكم عليا!
قالها ثم اتجه حيث باب الشقة ليخرج منه سريعاً بخزي تاركاً "ياسمين" تنظر بأثره بتأثر، لا تعلم أتختار شقيقتها أم هو.
اتجهت "نيروز" تحتضن شقيقتها وهي تميل قائلة لها بخفوت وتفهم:
روحي وراه. وأنا وماما مع ورده متقلقيش. إنتِ عارفه ورده مش هتطلع أصلاً الوقتي.
نظرت لها بتردد فوجدت "نيروز" تشجعها بنظراتها. وبالفعل اتجهت حيث باب الشقة بخطوات مترددة، ولكنها خرجت منه عندما وجدت نظرات التأييد من والدتها الجالسة بجانب "بدر"، حتى خرجت خلفه.
أما "بدر" فنظر إلى "سميه" بضعف. فاستشفت هي نظراته. لاحظ "بسام" نظراتهم فتنحنح بحجة الانصراف حتى يخلو لهم الجو. وكون "بسام" لم يكن قريباً مثل شقيقه من "بدر" لذا تحرج ورحل.
تركتهم "نيروز" وهي تتوجه حيث الشرفة لتقوم بالاطمئنان على الصغير. أما "سميه" فنظرت للآخر قائلة بأسف:
حقك عليا يا بني إنك اتحطيت في الموقف ده هنا في بيتي!
الحق مش عليكِ يا حماتي. أنا بس خايف على ورده. صدقيني أنا بحبها والله وعمري ما هسيبها. بس الموضوع ده لما يتفتح بتحسس نفسها بالنقص وتقنع نفسها إني مش هفضل على كده معاها. مش فاهم ليه بيحصل كل ده. ما يامن معانا أهو والحمد لله ربنا رزقنا بخلفة غيرنا مش طايل. محدش بيسيب حد في حاله أبداً!
صمتت بعجز وهي تعلم معنى كلماته جيداً. أما فالجهة الأخرى فاتجهت "نيروز" مسرعة حيث حمل الصغير من بين يد "غسان" حملته من بين يده ببطء حتى قامت بلمس يد "غسان" رغماً عنها. توترت ومن ثم أخذته سريعاً وهي تهدهده وتربت عليه محاولة بأن ينام على ذراعها. فجلست بانهاك أمام المقعد الذي يجلس عليه الآخر وهي تحمل الصغير أمام أنظاره. أخذت تهدهده براحة حتى سكن تدريجياً. فأخذت أنفاسها تردف قائلة له بامتنان:
شكراً.
قالتها لمدافعته عنها من تلك اللعينة التي تسمى "زينات" فابتسم قائلاً يجيبها بلطف وهو يتذكر لمسة يديها:
أنا معملتش حاجة. يامن نام؟
لا هو سكت بس. الجو كويس هنا وشكله مرتاح.
استمع لها باهتمام ثم صمت للحظات ليتحدث قائلاً بهدوء من بعدها:
الطفل بيحس بطيبة وحنية اللي قدامه. وطالما سكت يبقى أكيد مفيش في حنيتك. بتحبي الأطفال؟
أخذ يغير مجرى الحديث حتى يخفف عنها وعن ما حدث منذ قليل. هو يعلم منذ إن كانوا أطفال أنها عندما تحزن، تحزن بمفردها ولم تتشارك به مع أحد.
نظرت له ثم أجابته من بين ابتسامتها الرقيقة:
مكنتش مغرمة بيهم أوي. بس لما يامن جه حببني في كل الأطفال. وانتَ؟
بحبهم أوي.
وهم يتحبوا الصراحة!
أوي.
فتحت فمها بتلعثم وهي تعدل جلسته على قدميها.
"أنا كنت عاوزة أعتذر إني مشيت من الشغل ومقولتلكش."
نظر لها بصمت. ثم وجه أنظاره نحو يامن وهو يقدم يديه له. أتى يامن له بترحاب، ولكن جلس بصمت على ساقيه. تحرجت كثيراً من تجاهله لها ولحديثها. بعد دقائق، أجابها بصوت هادئ:
"حركة تزعل ولا إيه؟"
"مش عارفة. بس أنا بتأسف لو كنت اتصرفت بغباء كده."
"عادي!!"
قالها وفصمت. صمتت هي، ولم تتحدث، ولا هو لمدة دقائق. استغرق الصغير في النوم، فانتبهت له. أشارت نيروز لغسان لتأخذ الصغير من بين يديه. وما أن نهضت لتأخذه بحذر شديد، تلامست يداها يده مرة أخرى. ارتبكت ملامحها، بينما نهض هو مقترباً من مستواها. هامساً بصوته الخافت بجانب أذنيها وهي تأخذ الصغير بسبب تقاربهما، قائلاً بهمسه الهادئ الذي صدمها وشدد من حمرة وجنتيها بتوتر:
"يا بخت إيدي!"
قالها ثم استقام سريعاً دون أن ينظر لها. بل نظر لها بطرف عينيه بعبث وهو يتوجه ليخرج من باب الشقة بعدما وجد بدر ليس موجوداً. يبدو أنه دخل لزوجته، والأخرى لغرفتها حزناً على ابنتها. أما نيروز، فخرجت من الشرفة، ملامح وجهها محمرة ومتوترة، وهي تنظر بأثره وهو يغلق الباب من خلفه. حركت رأسها بتيه، وهي تتجه مسرعة نحو غرفتها لتسطح الصغير على فراشها إلى أن تكون والدته قادرة. جلست كثيراً أمامه والوقت يمر. لكنها زفرت باطمئنان عندما سمعت صوت إغلاق باب الشقة، وبعده صوت إغلاق باب الغرفة. يبدو أن شقيقتها أتت من الخارج. بعد انتظارها طويلاً لخروج شقيقتها الأخرى من الغرفة لتطمئن عليها، أيقنت أنها قد أُغلقت بعد إنهاك، لحين مواجهة أخرى. هي تعلم من الأساس أنه إن خرجت وردة، سوف تتعامل بأن كل شيء على ما يرام.
***
جلست على مكتبها بإنهاك. ذاكرت بالفعل ولكن إلى حد معين. في كل مرة تحاول أن تخلي تفكيرها، يغلبها عقلها في النهاية. لم تتحدث مع والدها كثيراً بعد آخر مواجهة، وكذلك والدها. كل ما يجول بخاطرها في كل ثانية تمر عليها هو صراع. صراع ما بين أنها تحبه، ولكن لا تحب معاملته. إلى أنها أصبحت تكرهه وتكره معاملته. من يرى تفكيرها يعتقد أنها مختلة عقلياً. لم تتحمل كلمة أنها تكره والدها. من منا يكره والده؟ أيوجد من يكره والده؟ ترتمي الأسئلة عليها كثيراً. لا تريد أن تقنع نفسها بأنها أصبحت تمقته ولا تحبذ قربه ولا حديثه. لا تريد أن تكره، ولكن شعورها في كل مرة يغلبها. وتارة أخرى تفكر بصديقتها وما يجري معها دون العلم بما يحدث. في حيرة بين أمور كثيرة. انتشلت الهاتف سريعاً وهي تتصل على نيروز. كانت الأخرى واقفة في ذلك الوقت بجانب الفراش تنظر على الصغير، ولكن الهاتف أنار. فانتشلته سريعاً لترد وهي تخرج إلى الشرفة سريعاً بعدما فتحت بابها. ثم ضغطت لترد. فبدأت جميلة بالحديث أولاً:
"إيه ده بجد؟ رديتي من أول مرة!"
ابتسمت نيروز ثم تحدثت تجيبها:
"فينك؟"
"موجودة، بس كنت عاوزاك بكرة نروح المستشفى اللي شوفتي فيها عز وتيجي معايا يعني."
"خلاص. عمّا أجي من الشغل هاجي معاك، وتكوني إنت كمان خلصتي جامعة، وبعد كده نفضى بقى ونظبط لك كتب الكتاب مع بعض كلنا لما نخلص اللي ورانا."
همهمت جميلة ثم قالت بتردد:
"خلاص اتفقنا. علفكرة ياسمين وحازم كانوا بيتكلموا بصوت عالي من شوية ولما حاولت أتدخل ماما منعتني، بس بعد كده لقيتهم هدوا من تاني!"
زفرت نيروز بتعب ثم رددت:
"هو حصل مشكلة كده هبقى أقولك عليها بكرة. بتعملي إيه؟"
صمتت جميلة قليلاً ثم أردفت متحيلة بالثبات بعد عدم انتباهها لما أردفته الأخرى منذ قليل، فتحدثت قائلة بتردد:
"نيروز! هو ممكن تقوليلي اسم الدكتور النفسي وعنوانه؟"
تفاجأت الأخرى من طلبها، ولكن لم تتفاجأ بمعرفتها أنها إلى الآن مازالت تذهب له. ولأن جميلة حافظة أسرارها، هي وحدها من تعرف لأنها تعتبرها متميزة بالعقل نوعاً ما عن شقيقتها. تنفست بعمق وهي تجيبها قائلة بهدوء:
"إنت متأكدة يا جميلة من الخطوة دي؟"
صمت بلا حديث. لم تعرف الأخرى بما تجيب. بل سمعت صوت أنفاسها العالي فقط. فهمهمت نيروز بتفهم وهي تردف قائلة بهدوء:
"حاضر! هبعتلك اسمه وعنوانه في ماسدج."
أجابتها جميلة بعد لحظات باقتضاب:
"مافيش قدامي حاجة أعملها لنفسي غير كده يا نيروز. سلام."
قالتها ثم أغلقت الخط، بينما الأخرى أخفضت الهاتف من على أذنيها وهي تنظر إلى الشاشة بأثر مكالمة الأخرى بحزن عليها. رجعت بها الذاكرة إلى أول جلساتها مع الطبيب النفسي، وإلى معاركها الخاصة التي كانت تخوضها بنفسها دون إحساس من أي شخص. تذكرت كيف كانت مغيبة عن العالم حتى لا تتعايش مع حقيقة والدها. تذكرت سوء حالتها النفسية لفترات طويلة دامت تحت ضغط. تذكرت مناداتها بالمجنونة، والمختلة عقلياً، وبالضعيفة من زوجة عمها وأولادها. تذكرت كيف كانت نظرتهم لها وكأنها معاقة ذهنياً. فرت منها دمعة بسيطة، ولكنها مسحتها سريعاً بقوة من على وجهها، مذكرّة نفسها بأنها عاهدت نفسها من الآن ومنذ اختلاطها بالخارج ستصبح أقوى مما كانت عليه. التفتت تنظر وهي واقفة بالشرفة إلى الوراء، حيث مكان ما ينام الصغير. نظرت له من على بعد، ومن ثم التفتت مجدداً تتذكر حديثها مع الطبيب اليوم وهروبها الغير مفهوم منه. تنفست عالياً وهي ترفع رأسها عالياً. ولكنها سمعت سريعاً صوت فتح باب الشرفة التي توجد بجانبها. تنبأت بأنه هو. لم تتحرك ساكنة، بل ظلت كما هي على حالها. حتى تذكرت عندما لاحظته اليوم في عيادة الطبيب. أخفضت رأسها بعد ثوان، ثم التفتت برأسها إلى حيث يقف الآخر. فوجدته واقفاً ولم يعرها أي انتباهاً. تنفست هي بعمق، ثم التفتت إلى الناحية الأخرى من جديد تتطلع إلى الأمام حتى ترد له تجاهله. فالتفت غسان.
المنتبه لها منذ دخوله إلى الشرفة، ثم تحدث بهدوء شديد.
ولأنها كانت تنظر إلى السماء والنجوم، أردف يسألها على فجأة:
"سما بردو عندك أحلام المرادي عاوزة تحققيها ولا إيه؟"
التفتت له ولكن ليست بمفاجأة، وللحق كانت تنتظر أسئلته العبثية هذه. نظرت له وهي تتجه أكثر حتى تستطيع أن تسمع ما يردفه جيداً بعد الآن. تنفست بعمق وهي تجيبه بنبرة عادية:
"المفروض يبقى لسه في أحلام بعد ما اتخرجت واشتغلت وخلاص!"
ضحك بخفة وهو يردد:
"دي كآبة دي!"
أخذت "نيروز" أنفاسها وهي تضحك بخفة هي الأخرى قائلة:
"لأ، بس هحلم من تاني يعني."
التفت بوجهه ينظر لها فوجدها تنظر له بتمعن منتظرة إجابته، فأخذ أنفاسه بصوت مسموع، ثم خرج منه صوته الأجش وهو يردف قائلاً لها بهدوء:
"الحلم مش حلم واحد بس عاوزين نوصله، ولما منوصلوش ميبقاش فيه أحلام خلاص. في أحلام تانية عاوزين نحققها ومش لازم يكون حلم كبير عشان نوصله. ممكن يبقى حلم بإيدنا نوصله بس مش متشجعين ليه أو مفيش طاقة كافية ليه، أو مفيش جمبنا اللي يساعدنا نوصل ليه!"
أومأت بتفهم لحديثه، ثم ابتسمت له قائلة:
"قصدك حلم فرعي غير الأساسي اللي موصلناش ليه؟"
هز رأسه لها مبتسماً بسمة صغيرة. فوجهت نظراتها إلى أمامها بشرود، ثم قالت:
"في حاجات كتير نفسي أعملها، بس في دايماً حاجة عاوزة أعملها وبرتب ليها كأنها حلم كبير بجد. نفسي أفتح Rose shop (محل ورد) ويبقى كبير أوي وأجيب فيه كل أنواع الورود وريحتهم تبقى مالية المكان كله ويبقى مكان كبير أوي ويبقى فيه فريق كبير ينظم للحفلات اللي برا بالورود والديكور وفريق تاني يبقى مسئول عن تنظيم وتنسيق الورد للي هيشتريه الناس وهساعدهم كلهم كمان ويبقى فيه ركن صغير في المكان مخصص للتصوير بالورد ويبقي فيهم عدد من الـ photographer يصوروهم صور حلوة وكويسة ومفيش فيها حاجة وحشة عشان مخدش ذنوب طبعاً. وميدخلش المكان غير المكتوب كتابهم أو المتجوزين والمخطوبين برضو بس الصور تكون بقواعد معينة كده. وأشغل قرآن في المكان وكل يوم سورة لحد ما تتكرر على مسامعهم وتتحفظ. وكمان أبقى أشغل أمير عيد شوية أصل بحبه أوي وممكن أبقى أشغل كوكب الأرض بتاعتك كمان!"
صمتت تستوعب ما قالته، ثم ضحكت عالياً بخفة وهي تردف قائلة بمرح:
"شوفت، أهو حلم واحد جواه أحلام كتيرة أوي!"
جميل من يتحدث عن شيء يحبه، وجميل من يتحدث عن أحلامه بشغف. وللحق كانت جميلة وهي تتحدث بعفوية وتلقائية كبيرة. كان ينصت لها بتمعن وهو يبتسم على ابتسامتها وضحكاتها من بين حديثها بغير وعي. وما إن أردفت كلماتها وإنتهت من حديثها، تنفس هو ببطء متحدثاً بعد لحظات:
"حلم حلو أوي، متأكد إنه هيتحقق!"
"ياريـت."
هز رأسه ليؤكد:
"أكيد. بس انت بتحب أمير عيد؟"
هزت رأسها تؤيد وتؤكد ما قاله بابتسامه صغيرة. فابتسم هو لها بعبث وهو يردد:
"عارفه أحلى حاجة قالها وعجبتني إيه؟"
طالعته بإهتمام ولم تأخذ إحتياطها مما سيردفه وهي تردف قائلة أولاً بترقب:
"قال إيه عجبك؟"
نظر لها مطولاً، وإلى أعينها اللامعة وهي تنتظر ما سيقوله بغباء. فابتسم وهو يطول في نظرته بعينها قائلاً، مما أربكها نظراته الطويلة دون حرج منه، ليردف أخيراً بصوته الهادئ وبلحن ظهر في نبرته ولكن لم يكن صوته أبشع شيء، حتى أتى بنفس لحن وترتيب مد الكلمات ولكن بصوته هو، وهو يقول:
"كنا أطفال وكبرنا
ومع بعض إحنا كملنا الحكاية
حب البراءة والسذاجة غلب الدنيا الكذابة
ولسه عايش جوايا
بشوفك زي أول مرة كنت غيرهم كنت حرة
واللي في قلبك كان بره
إنت كل حلم عدى وإستخبى وخرجتيه مني بزقة
بتشديني ودايماً سابقة ... عشانك أنا قادر أكمل
عشانك قادر أتحمل
وكل مرة بشوفك بحبك تاني من الأول"
أردف كلماته باللحن الخاص بتلك الاغنية ولكن بصوته الهادئ، وهو ينظر إلى عينيها لم ينزلها بعد، ولم يوجه نظراته إلى جهة أخرى، حتى يوصل لها ما يريد إيصاله. إحمرت وجنتيها سريعاً، ثم أخفضت رأسها وهربت بنظراتها إلى جهة أخرى. لم تتحدث بعد، ولكن منعا للإحراج، همهمت تتحدث تسأله حتى تغير مجرى الحديث ويا ليتها ما غيرته حينما سألته قائلة:
"لسه ليلي فالآخر مقولتهاش!!"
إبتسم بلؤم ثم حرك رأسه ينظر وهو واقفاً بجانب السور، ممسكاً بزجاجة المياه وهو يفتحها حتى أجابها قائلاً بعبث شدد من حرجها:
"هو اللي بيحب ليلي، أنا مبحبش ليلي، بحب واحدة تانية!"
إرتجفت يديها بسبب ما أردفه. حاولت أن تتظاهر بأنها لم تستمع إلى ما أردفه، مدعية بأنها تنظر خلفها إلى الصغير النائم، وهي تردف قائلة له على عجالة:
"شكل يامِن قلق هروح أشوفه. تصبح على خير!"
سارت بخطوات متعلثمة سريعاً من الشرفة حتى تهرب من نظراته وكلماته التي تربكها كثيراً. ثم أغلقت الشرفة بيديها المرتجفتين، تكاد تسمع دقات قلبها العالية المتسارعة وهي تتجه حيث الفراش لتتسطح بجانب يامِن النائم وهي تأخذ الغطاء تدثر به نفسها وبالصغير، واضعة رأسها على الوسادة حتى تذهب في النوم وعلى ثغرها ابتسامه صغيرة مما حدث بغير وعي منها. نهرت نفسها سريعاً وهي تعود لطبيعتها حتى تغلق من الإضاء الخافتة التي بجانبها محاولة مناساة الأمر. أما هو فضحك بخفة عندما تعلثمت وتعرقلت بحركاتها وهي تخرج من الشرفة. ابتسم باتساع على احمرار خديها وهي تهرب بأنظارها، وكأنه يتحدث مع نفسه وهو يردد بخفوت، ينهر نفسه نهراً زائفا بسخرية من حاله وبسبب تسليط أنظاره عليها ولم يحركها إلى أن خرجت من الشرفة:
"قليل الرباية، مكنش ينفع تبصلها كده!!"
قالها بمرح شديد في نفسه، وهو يرفع زجاجة المياه المثلجة ليتجرع منها بإستمتاع. ثم أخفضها وهو يعتدل باستقامه، ناظراً على شرفتها ومكان ما كانت تقف هي، مردداً بشرود وبصوت خافت وهو يبتسم ببلاهة:
"طب وربنا، لم أكن أنويكِ حباً قد وقعتِ فيكِ سهواً!!"
رواية عودة الوصال الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة ناصر
هبطا السلم معًا منذ قليل، وكل منهم يبتسم ابتسامة صغيرة بتعب طفيف من ساعات العمل البسيطة. اتجها معًا حيث السيارة، وركب "غسان" أولًا، ومن ثم "نيروز". هو كان ينظر لها بين الحين والآخر نظرات مطولة دون حرج. لاحظت هي نظراته الكثيرة لها عدة مرات، خجلت تارة، وتستغرب تارة أخرى، لكنها تحاول أن تتحلى بالشجاعة والثبات.
ركبا الاثنان السيارة بعد انتهاء ساعات عملهم، ثم انطلق "غسان" بالفعل في القيادة. دقائق مرت وهي تنظر إلى الجهة الأخرى حيث النافذة، وهو يوزع أنظاره بين الطريق وبينها هي الأخرى. ولو بحث داخلها، أحبت وقتها معه. أصبحت تتحدث كثيرًا دون عوائق، بالرغم من نظراته المهتمة في كل حديث تردفه هي تخجل، ولكن بالنهاية تتخلى عن خجلها وتستمتع بالوقت فقط. لا تستطيع تحديد مشاعرها، ولكنها أحبته. هذا ما تفكر به طوال الليلة الماضية بعدما ظلت تفكر بحديثه واهتمامه وأسئلته لها بابتسامة. هي الأخرى ابتسمت دون وعي.
نظر لها أخيرًا بطرف عينيه وهو يبطئ من حركة السيارة ثم تساءل بابتسامة عبثية موقفًا من السيارة على إحدى الجوانب:
"أجبلك ورد؟"
انتبهت له ثم وجهت رأسها لناحينه بعدما فاقت من شرودها وهي تجيبه قائلة بحرج هاربة بأنظارها بهدوء:
"ورد؟"
"آه، شايفه اللي هناك دول؟"
قالها وهو يشير على فتاة صغيرة ومعها ما يبدو شقيقتها ممسكان بورود كثيرة. ابتسمت "نيروز" أثرهم بتأثر وحنو. فنظر هو لها مجددًا قائلاً لها على عجالة من أمره:
"تعالى ننزلهم!"
إرتبكت ملامحها بخجل وهي تجيبه بتعلثم:
"أيوه، بس..."
قاطعها وهو يخرج من السيارة، ثم لف واتجه إلى ناحية باب السيارة التي تركب بها من الناحية الأخرى، ثم فتح لها الباب قائلاً بثبات:
"إنزلي!"
حسنًا، وضعها أمام الأمر الواقع لا مفر. هبطت من السيارة أمام أنظاره، ثم سارت بجانبه خطوات بسيطة حتى وقفا أمام الاثنين. ابتسمت لهم "نيروز" بحب، ثم وزعت أنظارها على الورد. فابتسم هو الآخر على أثر ابتسامتها قائلاً لها من بين ابتسامته:
"إختاري يلا."
طالعته بصمت من بين ابتسامتها الصغيرة، ثم مدت يديها تختار إحدى الورود مرتين والتي توجد بيد الصغيرة من أمامها. ثم وجهت نظراتها له مرة أخرى بتأكيد:
"إختارت دي، ودي كمان عشان تعلقها فالعربية."
ابتسم باتساع وأومأ لها بهدوء وهو يخرج من جيبه بعض الأموال يدفع لها للصغيرتين، ومن ثم ترك الباقي من الأموال لهما. ربت على كتفيهم بحنو، ثم أشار لهم بالوداع. أمام أنظارها المستمتعة بما يفعله. شعرت بحنانه الفياض عدة مرات خلال تعامله مع أكثر من شخص أمامها. نظرت له بإمتنان وهي تردف قائلة بلطف محركة أنظارها على الورود التي توجد بيديها:
"شكرًا بجد."
قالتها وهي تقدم له تلك الوردة بيديها، الوردة الخاصة به. فابتسم لها باتساع وهو يأخذها منها حتى لامس يديها. ولكن تلك المرة لمسة لا تعد، كانت سريعة إلى حد ما. كان قاصدًا تلك الحركة بتبجح. أما هي فلم تنتبه كثيراً. ابتسم لها "غسان" وهو يقول بهدوء:
"على إيه؟ عارف إنك بتحبي الورد أوي من زمان!"
"لسه فاكر الحاجات دي؟"
أومأ لها يؤكد، وهو يتجه حيث الأمام إلى مكان استراحة صغير أمام البحر. حتى هي سارت معه بغير وعي. فابتسم يجيبها وهو يؤكد حديثها قائلاً بصوته الأجش:
"منستش أي حاجة، حتى لون عينيك اللي مش ثابت."
أشار لها بأن تجلس ثم جلس هو بجانبها. فطالعته بخجل وهو يجيبها. ثم أجابته قائلة وهي تأخذ أنفاسها متحلية بالثبات ببعض المرح:
"ذاكرتك كويسة ما شاء الله."
نظر لها بتشكك ثم أردف قائلاً بمرح متسائلاً يشاكسها:
"إحنا هنقر بقا ولا إيه؟"
ضحكت بخفة وهي تضع يديها على فمها حتى لايخرج منها صوتها. ثم تحدثت تجيبه من بين ضحكاتها التي تغلق من عينيها عندما تضحك:
"مش قصدي أصل..."
قاطعها سريعا وهو يردف بغير وعي لها:
"وضحكتك لسه حلوة كمان!"
فتحت فاها سريعا بمفاجأة ثم أغلقته، ودقات قلبها تتسارع بشدة. فنظرت إلى الجهة الأخرى بخجل مما أردفه مدعية أنها تنظر على البحر من أمامها. فابتسم قائلاً بثبات محاولاً تغير موقفهم الإثنان المحرج:
"هتجهزوا لكتب الكتاب؟"
التفتت سريعا تومأ له بحماس قائلة بلهفة طفيفة:
"أيوه، المفروض إني هشتري الحاجات عشان نجهزها مع بعض، وأنا قولت لوسام إنكم تيجو برضو تساعدونا وكده ونقضي الوقت مع بعض!! هتيجي إنت وهي والدكتور بسام صح؟"
"هاجي أنا ووسام أكيد إن شاء الله، بس بسام عنده شغل وبايت فالمستشفى النهارده!"
أومأت له "نيروز" بالايجاب وهي تبتسم. ثوان ثم إردفت تجيبه بهدوء:
"ربنا يعينه! برغم إنكم توأم بس مش بشوفكم شبه بعض! زي ما وسام قالت بالظبط!"
أنصت لها بإهتمام، ثم ردد يحييها بتساؤل وهو يوجه نظراته ناحية البحر:
"أومال بتشوفنا آزاي؟"
"مش عارفه، بس هو هادي أوي ساعات، ومش بيظهر كتير، وبيتكسف أوي مننا كده، لكن إنت يعنى قريب شوية، وبشوفك بصراحة هادي بس مش هادي بردو يعنى ساعات رد فعلك مش متوقع خالص يا غسان!"
حسنًا، اسمه منها شيئًا آخر. تجاهل سريعًا شعوره ثم شهق شهقة زائفة وهو يشير على نفسه قائلاً بلوم وبراءة زائفة رغم عدم اهتزاز ثباته:
"أنا؟ دا أنا غلبان أوي، حرام عليك!"
ضحكت هي بخفة وهي تردد قائلة بسخرية منه:
"آه، بأمارة ضربك لحسن!!"
ضحك "غسان" عالياً وهو يحرك رأسه مجيباً إياها بثقة بالغة من حديثه:
"أبو على!! ده أنا كنت براضيه بس!"
"كده بتراضيه؟!"
أكد بجدية زائفة وهو ينظر لها، قائلاً بثبات:
"آه، ما لو لقيت نفسك مش عارفه ترضي جميع الأطراف زعليهم كلهم وريح تستريح!"
ضحكت "نيروز" له ثم أومأت بمرح قائلة لتجيبه علي حديثه:
"يا حكمك!! بس فكرة والله."
قالتها بطريقة مرحة، فضحك هو على ضحكتها التي وأخيراً، دعنا نقول سلبت قلبه. لاحظت نظراته لها المتمعنة. فنظرت له رامشة بأهدابها بهدوء، ومن ثم حركت رأسها ببطء على الوردة التي توجد بيديها وأخيراً تنهدت وهي تحرك أنظارها للبحر من أمامها. أما هو فلأول مرة يشعر بتلك الراحة، راحة لم تأتي لنا كثيراً. تأتي فقط عندما نجلس مع من نحب. تأتي عندما يجلس القلبان بجانب بعضهما ليتلاقا قبل تلاقي الأرواح.
إقترب منها على فجأة جزعه يميل ناحيتها قليلاً. إنتفضت هي بسرعة بعدما كانت شارده ثم تزحزحت بعيداً عنه قليلاً بخوف. أما هو فرفع ذراعه الطويل ينتشل تلك الورقة الساقطة من الشجر على حجابها على أعلى رأسها. ثم رفعها أمام أنظارها بلؤم وهو يبتسم بعبث قائلاً لها:
"كنت بجيب دي، دماغك راحت فين بس!!"
احمرت وجنتاها سريعاً وهي تعتدل بجلستها، تحاول أخذ أنفاسها ثم ردت قائلة بتعلثم:
"لا، مـ مفيش عادي!"
ضحك عالياً وهو ينهض ليقف قائلاً لها من بين ضحكاته:
"إنت كده عادي يعني؟"
ضحكت بخفة وهي تومئ له هاربة بنظراتها لمكان آخر غير عينيه. فنظر هو لها قائلاً مرة أخرى:
"تعالى نشرب حاجة، بتحبي تشربي إيه؟"
نهضت تقف بجانبه ثم ابتسمت قائلة بحماس طفيف:
"ممكن أجرب الليمون بالنعناع بتاعك؟"
"حبيتيه؟"
"آه، جربته بعد ما دوقتهولي في العربية، أوله مكانش لطيف، بس بعد كده حلو أوي على فكرة. هو ده أكتر مشروب بتحبه ولا إيه؟"
نظر لها "غسان" بعمق عينيها التي أصبحت لونها أفتح من أشعة الشمس المتعامدة عليها، ثم تنهد قائلاً بحب متمسكاً بثباته أمامها:
"أوي، بحبه أوي وربنا!"
تنحنتحت هي سريعاً، ثم تحركت من قبله عدة خطوات. فالتفت هو بهدوء ثم لاحقها وهو يسير بجانبها قائلاً باقتراحه:
"هنشربه ونعدي نجيب حاجات كتب الكتاب ونروح بقى."
التفتت برأسها تنظر وهي تومئ بالإيجاب، ولم تتخل عن ابتسامتها المرسومة على وجهها دائماً، دائماً تبتسم بسمة صغيرة بوجهها البشوش، حتى وإن لم تكن جميلة حد الجمال الشديد، وإن لم تكن بيضاء بشدة، فهي جميلة دائماً ببساطتها وهذا ما جذبه مرة أخرى لها.
***
جلست بصمت على الأريكة بمفردها، تفكر بتجاهل زوجها لها منذ ليلة أمس، تهز ساقيها بشدة من تفكيرها الزائد المتداخل ما بين مغادرة ابنها المنزل إلى الآن وبين تخطيطها لتقوم بفضيحة شخص ما وبين تجاهل زوجها لها أخيراً. التفت سريعاً تنظر على باب الغرفة الذي فُتح من أمام أنظارها، حتى وجدته "زوجها" الذي أخذ عطلة قليلة بغلقه للمكتب هو وولده تلك الأيام. اتجه يجلس بجانبها بصمت، ومن ثم نظر لها بتمعن، تلك أول مواجهة بالنظرات منذ أمس. ارتسمت ابتسامة تهكم على جانب شفتيها قائلة له:
"ياريـت اللى عندك تطلعه وتبطل تتجاهلني."
طالعها بحدة وهو يعتدل حتى يبقى وجهه أمامها، ثم أردف قائلاً بجمود:
"هو المفروض اللى عملتيه امبارح ده يعدي ازاي؟"
"يعدي يا خويا زي ما أي حاجة بتعدي، ولا انت عاوزني أروح أحب على راسهم، أهو ده اللي ناقص كمان!"
قالتها بلامبالاة، فهز رأسه لها بتأكيد وهو يردف قائلاً بحدة:
"ما هو ده اللي هيحصل، هتروحي تتأسفي لورده وبدر على اللي حصل، وعشان الدنيا تهدى قبل كتب الكتاب والفرح، عاوزة الناس تقول عليا إيه؟"
نهضت واقفة بانفعال وهي تقول له باندفاع صارخة بوجهه:
"يعني إيه أروح أحب على راسهم؟ ومالك خايف أوي كده ليه على ابنك؟ مش خايف عليا؟ ولا حاسس بيا وأنا بتقطع من جوه ومش عارفة ابني مكانه فين بسبب اللي ما يتسمى غسان؟ لأ وكمان عاوزني أروح أحب على راس ابن عمه؟ انت أكيد جرا لمخك حاجة؟"
"ده اللي هيحصل ومفيش فيه كلام، وبعدين حقك اللي بتجيبه بطريقة مش مباشرة ده من حامد وولاده مش جاي سكة معاهم، وكلامك لورده غلط من الأول، إحنا مال أهالينا شايلة زفت رحم ولا شايلة ضرس العقل مجلناش غير الإهانة منك ومن حبيبة القلب اللي البيه ماسكلي فيها بسنانه! هدي الدنيا ولمي الدور يا زينات ومشّي كلمتي المرة دي أنا مش طول الوقت هبقى هادي معاك، سامعة. ومش هكرر كلامي ده تاني."
وصل إلى ذروة غضبه، لن يفيد الآن إقناعه بأي شيء، هو على هذه الحالة لتجاهل ولده له منذ أمس. قال حديثه لها دفعة واحدة ثم تحرك سريعاً إلى غرفته. أما هي فاحمر وجهها من الغضب والغيظ، ثم جلست بمكانها مرة أخرى بغضب مكتوم.
***
بعد مرور وقت، جلست على الأريكة تنظر أمامها بشرود، وبجانبها صغيرها يلهو ويلعب بألعابه الصغيرة، تذكرت مواساة زوجها لها أمس، ولكنها كانت صامتة لم تبدي أي ردة فعل ولا حديث. كانت أمامها "ياسمين" ووالدتها. نهضت "ياسمين" على فجأة وبخفة تجلس بجانبها بهدوء، ثم رفعت ذراعها تحاوط كتفيها بحنان ومرح. وبعد لحظات، تنفست بعمق وبنتهيدة حارة قائلة على فجأة:
"إتكلمي يا ورده، متكتميش فنفسك، قولى كل اللى جواك!"
حركت "ورده" نظراتها لشقيقتها بصمت، ثم ابتسمت قائلة بهدوء:
"أقول إيه؟"
قالتها بقلة حيلة، فحاولت "سمية" أن تترك لهم المساحة عل ابنتها تبوح ما بداخلها، ثم أخذت الصغير معها إلى المطبخ لتطعمه في طريقها. فتنهدت "ياسمين" قائلة لها بتفهم:
"قولي إنك زعلانه، قولي إنك اتكسرتي، أو قولي حتى إنك مش فارق معاك يا ستي."
"أنا فعلاً مش فارق معايا يا ياسمين، أنا كنت بزعل أوي في الأول بس بعد كده قولت ده قضاء ربنا، بس كان بيني وبين نفسي، لكن أنا المرة دي مش عارفة حاسة إنها كبرت مني أوي، وكسر خاطري كان قدام الكل!!"
قالتها بهدوء، ولم تتخلى عن ابتسامتها بعد. أما "ياسمين" فاحتضنتها بقوة ومشددة في عناقها لها، ثم تنفست قائلة بمرح شديد:
"بصي هي كام سنة سجن يعني لو أخدت سكينة من عند أمك وروحت غزيت زينات في بطنها؟"
ضحكت الأخرى عالياً، ثم ردت قائلة بسخرية:
"لا مش كام سنة سجن يحب، ده إعدام!!"
"عادى!! أتعدم عشان خاطرك يا أجمل ما في الورود يا عسل انت!"
قالتها بمشاكسة وهي ترفع يديها تحركها بمرح شديد، مما جعل الأخرى تبتسم بحنو شديد وكأنها خففت عنها باهتمام كلماتها للتو! ثم مالت تضع رأسها بخفة على كتفها متمتمة بهدوء يغلفه الحب:
"مستحيل ازعل وأبوظ عليك فرحتك يا ياسمين، أنا جايه عشانك وعشان فرحتك أصلاً، أنا بحبك أوي ولازم أفرح عشانك."
رفعت "ياسمين" يديها تربت على خصلات شعر الأخرى بحنو، وهي تقول:
"وأنا بحبك كمان يابنتي انت والبت روز الهبلة دي، بس شوفتيها امبارح وهي بتدافع عنك وعني، كانت جامدة، كنت عاوزة أسقف لها بفخر كده بس مكنش الوقت وقته، مكنش ناقص بس إلا إني أسقف لزينات على وشها هي دي السقفة اللي المفروض كانت تتعمل ساعتها والله."
صمتت ثم واصلت بنبرة جادة ولكنها جعلت الأخرى تضحك بشدة:
"وليه صعرانة!"
قاطع صوت ضحكاتهم رنين جرس المنزل، فإتجهت "سمية" من المطبخ سريعاً لتفتح الباب بعدما وضعت "ورده" حجاب رأسها، وكذلك قبعة سترة "ياسمين". فتحت الباب ثم ابتسمت باتساع عندما وجدت ابنتها تحمل بعض الأكياس التي توجد بها (البلالين) المخصصة لكتب الكتاب، والآخر يحمل معها بعض الأشياء.
أفسحت لهم الطريق سريعًا، ثم رددت قائلة بلهفة:
"اخشوا يا حبايبي اخشوا!"
دلف الاثنان خلف بعضهما، يضعان الأكياس التي بيديهما بجانب باب المنزل، فاتجها لها أختيها بسرعة. نظرت "ياسمين" لهما بفرحة، ثم هتفت بصوت حماسي:
"يخرب عقلكم ده انتوا طلعتوا جامدين وجبتوا كل حاجة بجد!"
قالتها وهي تتفحص الأشياء، فاستقامت سريعًا بعدما ضحكوا عليها بخفة، ثم نظرت لـ "غسان" مبتسمة له قائلة بامتنان:
"شكرًا بجد يا غسان، تعبناك معانا!"
ابتسم لها بتكلف، ثم ردد قائلاً بهدوء:
"على إيه، ما عملتش حاجة!"
ابتسمت "ورده" له هي الأخرى قائلة بلطف:
"متنساش تجيب وسام وبسام بقا ع المغرب عشان ننظم مع بعض الحاجة."
أومأ لها بالإيجاب دون حديث، فرددت "نيروز" قائلة بتهكم:
"يعني مفيش شكرًا ليا؟ إيه الندالة دي؟"
"بس يا بت"
قالتها "ياسمين" بلامبالاة زائفة، مما جعلهم يضحكون عليها بشدة. فتنحنح "غسان" يستأذن للانصراف، قائلاً بهدوء:
"طب أنا همشي أنا بقا."
"استني يابني، أدخل اتغدى طيب معانا الأول."
نظر إلى "سمية" بامتنان، ثم انصرف سريعًا بعدما أردف:
"مرة تانية."
أومأوا له بهدوء. فرددت "ورده" عالياً حتى يسمع صوتها:
"بدر عندكم على فكرة يا غسان!"
***
صعد الدرج الذي بالمشفى ببطء، وهو يمر على الحالات المحتجزة. فوصل إلى طابق الغرف التي لم تكن تحت إشرافه، فالبعض منها ولا حتى تخصصه. توجه عدة خطوات إلى أن وقف أمام غرفتها هي. لا يعلم لما ثبتت قدماه أمامها، ولكن على أية حال لا مانع من التجربة في الاطمئنان كما هو معتاد. هذا ما حدث به نفسه وهو يدق الباب دقات متوسطة في العلو. أذنت هي له من الداخل بصوت خافت وهي جالسة على فراشها. دلف هو بخطوات ثابتة، ثم ابتسم بوجهه البشوش لها وهو يهتف تزامناً مع سيره ليجلس قليلاً على المقعد:
"أخبارك النهارده يا آنسة فرح؟ حالتك أحسن؟"
اعتدلت بالطبع في جلستها ما إن رأته يتوجه، ثم ابتسمت بتكلف له وهي تجيبه بهدوء:
"الحمد لله أحسن، شكرًا على سؤالك."
ابتسامة صغيرة لاحت على شفتيه، ثم من بعدها تنهد يأخذ أنفاسه قائلاً بلباقة:
"ده واجبي، وأنا عايزك انت وعز تسلموا الأمر لربنا، وإن ربنا قادر على كل شيء. وإن شاء الله مسيرها هتفوق، هي يمكن اتأخرت شوية بس المؤشرات مش عاطية إنها في خطر أوي."
أدمعت عينيها بمجرد حديثه عن والدتها التي لم تستفق من غفوتها الإجبارية بعد. فرت منها دمعة على خدها سريعاً. سرعان ما رفعت يديها تمسح أثرها حتى لا ينتبه، ولكنه انتبه لها سريعاً. ثم نظر لها بشفقة:
"عارف إن صعب عليك حاجات كتير، بس الصبر على الابتلاء حاجة جميلة أوي، وإنك دايماً ترددي قرآن وأذكار بنية الشفاء وفك الكرب حاجة أجمل!"
صمت ثم واصل يسألها بعقلانية رجل متفهم:
"عارفه إن في آيات شفاء سبعة؟ يستحب إننا نقولها دايماً ونكررها للشفاء من المرض، ودي سنة من الرسول صلى الله عليه وسلم."
قالها ثم صمت يتابعها. فوجدها تستمع له باهتمام وهي تصلي على شفيع الأمة، مسلطة أنظارها بالكامل عليه وهو يردف كلماته. ولكنها تساءلت أولاً بحرج:
"ممكن أعرفهم منك لو مفيهاش حاجة؟"
أومأ بابتسامة صغيرة وهو يردد بترحاب:
"طبعًا، هقولهوملك وتحاولي تحفظيهم وتقوليهم علطول. ممكن تفتحي تسجيل الموبايل لو هتنسي."
أومأت بحماس غريب من داخلها، ثم اعتدلت أكثر في جلستها وهي تنصت له بكامل اهتمامها. فتحدث هو يردف كلماته الهادئة:
"أول حاجة سورة الفاتحة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين."
صمت بعدما أردف بصوته الهادئ والصحيح بالتجويد. ثم واصل يكمل:
"تاني حاجة هي آية من سورة التوبة: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. التالتة آية من سورة يونس: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين."
صمت يأخذ أنفاسه ثم واصل مجدداً بهدوء شديد:
"أما بقا الرابعة من سورة النحل: ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. والخامسة من سورة الإسراء: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا."
قالها "بسام" بصوته الهادئ أمام نظراتها المتأثرة، فأردف قائلاً لها بتساؤل:
"مركزة ولا؟"
ابتسمت له بلطف، ثم أجابته بلهفة:
"آه، طبعًا، لسه اتنين."
"صح، الآية السادسة سورة الشعراء: وإذا مرضت فهو يشفين."
والسابعة من سورة فصلت بتقول: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ". صدق الله العظيم.
وأخيراً لو هنقرأ على المريض علطول مثلاً بنية شفائه ممكن نقول برضه:
"وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ" دي بقا سورة التوبة.
"وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" ودي الشعراء.
"قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ" ودي يونس.
"يُخْرِجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ" سورة النحل.
"وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ" سورة الإسراء.
"قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ" ودي سورة فصلت.
صمت يأخذ أنفاسه أخيراً بعدما انتهى، أما هي فابتسمت بتأثر ثم أردفت تجيبه بنبرتها المتحشرجة:
"مش عارفة أقولك إيه! شكراً يا دكتور بسام."
"متقوليش حاجة، ادعي ربنا وإن شاء الله هيستجيب. وكمان بلاش تعقدي نفسك من حكاية الدكتور النفسي، علفكرة دي مش حاجة وحشة أبداً، ده الوقت الوحيد اللي هتحسي فيه إنك على طبيعتك ونفسك مكشوفة قدامك وبتواجهيها. أتمنى تفكري في الموضوع."
ابتسمت له بامتنان ثم نظرت بشرود طفيف قائلة بحيرة:
"مش معارضة الفكرة، بس أنا.. أنا حاسة إني لوحدي اللي حاسة بيا، محدش عارف أنا بمر بإيه، كل حاجة جاية عليا، وسيبت دراستي وكل حاجة بتبوظ مبقتش عارفة أتعامل!"
حديثها لامس قلبه وبشدة، يشبه حديثه وإحساسه إلى حد كبير. ابتسم أخيراً ثم تحدث قائلاً يجيبها بعقل:
"خليكي على يقين دايماً، بإن كل حاجة بتتصلح وهتبقى كويسة. إحنا في الدنيا دي عشان الاختبارات والامتحانات اللي من ربنا لينا! لو على الدراسة فكل حاجة بتتعوض أكيد هتقومي أقوى من الأول! انتِ بتدرسي إيه؟"
أومأت علي حديثه وهي تهز رأسها ثم نظرت له بشكر من نظراتها الذي استشفها هو للتو، وأخيراً تنهدت تجيبه قائلة:
"طب بشري!"
"زملا يعني مش تقولي؟"
ضحكت بخفة، ضحكة هادئة رغم ملامح وجهها المرةقة، فأجابته سريعاً:
"لا طبعاً، زملا إزاي، أنا لسه في بداية المشوار والمقام يفرق."
"هي نفس الرحلة، صدقيني مفيش صعب إلا لو اتسهل عليكي بعد كده في حياتك. بتحبي دراستك بقا على كده؟"
"آه، بحبها أوي عكس ناس صحابي، أنا حلمت ووصلت، بس صعب أوي التنفيذ ربنا يعين."
نهض وهو يستقيم ثم أخرج يديه من جيب معطفه الطبي، مجيباً إياها بلباقة:
"إن شاء الله السنين هتعدي وتبقي دكتورة شاطرة. عن إذنك بقا، ياريت تنتظمي في علاجك وتسيبي كل حاجة على ربنا زي ما قولنا."
قالها وهو يبتسم ثم تحرك من أمامها سريعاً تحت نظراتها الممتنة، فخرج هو من الغرفة سريعاً بعد تلك الجلسة التي أراحت من نفسية الإثنين! هو الآن واليوم سيقوم بالإقامة في تلك المشفي بسبب تزاحم العمل كما في الأيام الماضية، فتلك الأيام يوجد بها ضغط عالٍ ليست كالأيام السابقة. خرج يذهب إلى غرفته ليتسريح قليلاً، خاصة أن الآن اقتربت صلاة العصر كثيراً.
جلس بجانب والده بعدما دلف منذ قليل، حمل كوباً من الشاي الساخن وهو ينصت لحديث والده ومع من يعتبره شقيقه الأكبر منه بقليل "بدر"، ورغم تقاربهم من بعض بشدة إلا أن "غسان" يحترم آراء الآخر بشدة ويحبه مثل شقيقه!!
"عين العقل يا بني، متعملش معاهم مشاكل أكتر من كده، ومتحطش في دماغك كلامهم، ربنا يهدي الحال، خلي بالك انت من مراتك وحبيب جده."
قالها "حامد" وهو يضع يديه على كتف الآخر بمواساة غير مباشرة. ابتسم "بدر" له ثم تحدث قائلاً بهدوء:
"أنا بحب وردة وعمري في حياتي ما هسيبها يا عمي، مش عارف دول قرايب وواكلين مع بعض عيش وملح ونفس الدم إزاي!"
ضحك "غسان" بسخرية ثم أردف قائلاً له بمزاح:
"لا يا حبيبي اطمن، دول لو حد غيرهم وواكلين مع بعض سم فران حتى مش هيعملوا كده!"
ضحك الآخر كما ضحك والده بخفة، وبعد لحظات أخذ "حامد" أنفاسه وهو يردد للآخر بهدوء يكمل ما كان يردفه:
"الله يصلح حالك يا بدر، يا بني وردة بتحبك وبتخاف عليك، وعمرها ما هتتخلي عنك أبداً. متوجعهاش يا بدر، عمرك ما هتلاقي حد حنين زيها، دي واخدة حنية أبوها كلها لوحدها!"
"أنا عارف يا عمي من غير ما تقول!!"
"أيوه خد من حامد نصايح رومانسية، خليك نحنوح زيه كده."
قالها "غسان".
باستفزاز، نظر له "حامد" بتمعن ثم هتف له بتحدي:
"ملكش دعوه انت، أما نشوف يا حبيب أبوك لما تحب هتبقي عامل ازاي!"
ضحك "بدر" بقوه وكذلك "غسان" والذي أردف من بين ضحكاته:
"هنشوف يا حامد، تحدي يا نحانيح!"
أومأوا له بمرح ثم صمتوا قليلا، فنهض "بدر" يقف وهو ينظر للٱخر قائلا على عجاله:
"هروح لـ فاطمه، هتيجي معايا؟"
أومأ له "غسان" وهو يستقيم هو الٱخر، فنظر له "والده" بتمعن وهو يحذره بنظراته قائلا بهدوء، للاثنين:
"بالعقل يا بدر، ولو حصل حاجه إبعد اللى جمبك ده عن المكان، بلاش مشاكل."
ضحك "بدر" بخفه وهو يجيبه:
"متقلقش يا حج، خير إن شاء الله."
أما "غسان" فنظر لوالده بتعمن ثم وقف قليلا بصمت، ومن بعدها تحرك ناحية باب الشقه يخرج منه بهدوء، وكأن شيئا لم يحدث، فتحه من الداخل ثم خرج يرتدي حذائه بسرعه، ومن ثم نهض فوجدها تقف بظهرها على باب شقة عمها، فالحقيقه كانت تنتظر "جميله"، فتنحنح هو بنحنجرته فانتبهت هي له وهي تلتفت، حتي ابتسمت سريعا، فبادلها البسمـه سريعا وهو يردف قائلا لها دون مقدمات:
"شغل تانى ده ولا ايه؟"
إبتسمت له "نيروز" ثم هزت رأسها بنفى قائله:
"لأ راحه مشوار صغير كده مع جميله."
خرج "بدر" من خلفه فوجده يحدثها قائلا دون أن يفهم:
"طب تعالوا وأوصلكم في طريقى."
إبتسم "بدر" لها وبادلته هي البسمه، فأردفت قائله تجيب الٱخر:
"هو إحنا راحين مستشفي اللى دكتور بسام فيها، فممكن متكونش فطريقك مش عاوزه اتعبك."
هز "بدر" رأسه باستغراب من بسمة ذلك الواقف بجانبه وهو يجيبها قائلا بتبجح:
"وايه يعنى لو تعبت عشانك! عادي."
وكزه "بدر" سريعا في كتفه فنظر هو له بثبات، ثم تنحنح بنحنجرته قائلا:
"يلا هنستناكم تحت."
قالها وهو يلتفت ليهبط على الدرج، وخلفه "بدر" الذي أشار لها بالتأييد وأنه سينتظرها أيضا، خرجت "جميله" لها، بينما هبط "بدر" خلف الٱخر وهو يشاكسه بضحكته الخفيفه قائلا بصوت خافت سمعه "غسان":
"إيه الحوار ده بقا!"
التفت له "غسان" ثم نظر له من أعلى لاسفل ومن ثم التفت مره أخري يهيط، وهو يجيبه:
"ملكش فيه يا نحنوح!"
"ماشي! بس دي أخت مراتي يعني لو مش واخد بالك."
وصلو إلى الأسفل، فتوجه "غسان" حيث السياره وهو يفتحها، تزامنا مع رده على الاخر بنظره متحديه:
"واخد بالي يا خفيف، إركب يالا."
ركبت الاثنتان المصعد بعدما شرحت لها الوضع سريعا. وبالتالي وصلا بسرعه إلى الأسفل وهما يتجهان حيث السياره ليركبان بها من الخلف بجانب بعضهما، فابتسمت له "نيروز" بامتنان بعدما ركبت فأومأ لها بهدوء تحت نظرات "بدر". الذي أردف قائلا لها ليثير من حنق الاخر:
"منوره يا روز انت وجميله والله."
"شكرا يا بدر ده نورك بجد."
قالتها "نيروز" بلطف، في حين نظرت له "جميله" بامتنان، ومن ثم تحركت السياره سريعا بواسطة "غسان" الذي أخذ يوزع أنظاره عليهم جميعا، وبالأخص هي، لاحظ "بدر" نظراته، فالبدايه توقع أن الامر مجرد مرح، ولكنه أيقن من نظراته لها والذي سيعرفها أي رجل، بأنه يكن لها شيئا داخله، ابتسم بلؤم وهو يحدثه قائلا بنبره بريئه زائفه:
"ركز على الطريق يا حبيبى. أيوه كده!"
نظر له "غسان" بحده من طرف عينيه لأنه يفهم جيدا ما يرمي له الٱخر من حديث، أما "نيروز" فحاولت إخفاء ابتسامتها من ذلك الوضع الذي وضع به الاخر نفسه به، ولكنها تلاشت إبتسامتها سريعا ودرات وجهها حيث الشرفه عندما وجدته يسلط أنظاره عليها من المرٱه الأماميه، أما الاخري التي بجانبها فهي بعالم غير العالم، بسبب توترها اللحظي لتلك الزياره من بداية شقيق صديقتها إلي صديقتها ووالدتها التي لا تعرف إلي الٱن من منهم مريض !!
***
جلس بجانبه على الفراش، نظر له وهو مغمض العينين، وملامح وجهه الشاحبه كثيرا، وذلك السواد الذي يوجد أسفل عينيه بشده، سمع صوت اذان العصر، حرك شيئا بداخله وكأن الله يناديه، أنزل قدميه بتعب من على الفراش ثم تنفس بتنهيده حاره بعدما أخذ يفكر بحديثه مع شقيقه أمس! مد "ٱدم" يديه ليوكز الٱخر النائم بجانبه، فتح "حسن" أعينه سريعا، ولأنه لم يكن مستغرقا فى النوم، عقد مابين حاجبيه قائلا بضجر:
"انت دايما فصيل كده يابنى!"
"قوم نصلى العصر."
قالها "ٱدم" وهو يقف على الأرض متوجهها حيث الأريكه ليأخذ قميصه يرتديه سريعا، فنظر له "حسن" باستغراب من أمره ثم ردد قائلا بغير اهتمام:
"طب روح وأنا هبقى ٱجى وراك."
التفت "ٱدم" بملامح وجهه الصارمه ثم دفعه ليقف علي مره واحده، قائلا له:
"كده أحسن، يلا ورايا عشان نتوضي."
قالها وهو يخرج من الغرفه متوجها حيث المرحاض والٱخر من خلفه رغما عنه، دقائق وخرج هو من المرحاض مبللا من المياه وقطرات المياه تسقط من خصلات شعره الطويله، أمسك المنشفه وهو يتجه خارج المرحاض كثيرا، ثم أشار لصديقه بأن يدلف هو الٱخر بعينيه، فدلف "حسن" هو الٱخر ولم يلبث كثيرا، ثم خرج من المرحاض هو الٱخر حتي وجده ينتظره، فأردف"ٱدم" سريعا بنبره بارده وهو يتجه حيث باب شقته ليخرج منه:
"إخلص يلا."
"وراك. اهو يعم الشيخ!"
***
وقفت السياره أخيرا أمام المشفى وهبطت الاثنان منها، وأخيرا ابتسمت له "نيروز" له وهي تلتفت بشكر، فأشار لها بإصبعه بأن كل شئ على مايرام، ثم تحرك بالسياره سريعا، تاركهم يدلفون بجانب بعضهما من البوابه الرئيسيه، دلفت الإثنان معا، ثم التفتت كلا منهم حولها من المكان، نظرت "جميله" لها بجهل وهي تتحدث قائله بقلة حيله:
"هنعـمل ايه ولا هنوصل ازاي؟"
كانت "نيروز" تنظر خلف الاخري باهتمام وهي تشبه عليه كثيرا، قائله على فجأه:
"مش ده عز؟"
التفتت هي سريعا تنظر من على بعد فوجدته هو وهو يقف أمام خزنه لادرارة الحسابات ويبدوا أنه يدفع أموال ما، وما أن انتهي هو وضع البقية في جيبه ثم التفت ليسير إلي الأمام.
وقف على فجأة وهو ينظر إليها بدهشة. أحقا هي هنا؟ أم من كثرة تفكيره بها أصبح يتخيل وجودها؟
أرتجفت يديه سريعا بتوتر بعدما وجدهما الاثنان يقتربان منه. فابتسم هو لهما سريعا بعدما وقفا أمامه قائلا لهم بترحيب:
"أهلا بيكم"
ابتسمت "جميلة" له بسمة هادئة وهي تجيبه قائلة بهدوء رغم اهتزاز ثباتها:
"إزيك يا عز؟ عامل إيه؟ وفرح عاملة إيه؟ أنا جايه أسأل عليها لأن مش عارفة عنها حاجة بقالي كتير!"
نظر لها مطولا في عينيها وهي تردف كلماتها الهادئة. دقات قلبه المتراقصة فرحت الآن لوجودها من أمامه. ابتهجت ملامحه عند سماع كلماتها حتى وإن كانت عادية. كل تفصيلة بوجهها يفضلها كثيرا منذ وقت كبير. أنتج بحنجرته بحرج، ثم أنزل نظراته أرضا وهو يوزعها بمكان آخر غيرها وهو يقول:
"فرح تعبانة نفسيا شوية بس، وماما عاملة عملية فعشان كده إحنا هنا معاها. بس تعالي هي صاحية فوق كانت قاعدة بتقرأ قرآن أكيد ملحقتش تنام. أصل أنا لسه جاي من شوية."
من يحب شخص يصبح كثير الحديث معه. وطريقة حديثه وهو يردف كلماته لها بشغف زادت من حبه في قلبها. هي تعجب به ولكن ليس للقلب ولا للسان بالبوح. فعندها أكثر ما يكفي في داخلها. ابتسمت له باتساع، وهو كذلك وهما الاثنان يتحركان من خلفه ليصعدا السلم معه. كل ذلك تحت نظرات "نيروز" التي فهمت سريعا حرب نظرات الحب بينهما. نظرات العاشق تفضحه بشدة لذا، ليس لكل عاشقين الانتشار بالأماكن العامة.
صعدا جميعا إلى أن وصلا أمام غرفتها. دق هو الباب سريعا حتى أذنت هي له وهي جالسة على الفراش. دلف وهو مبتسم قائلا لها بحماس:
"جايب لك مفاجأة."
قالها ومن ثم دخلت هي ومن بعدها "نيروز". وما أن رأت صديقتها، وقفت سريعا وهي تهبط من على الفراش بتعب. ثم أدمعت عينيها سريعا بتأثر. توجهت "جميلة" بفستانها الأبيض الفضفاض ومن ثم احتضنتها سريعا تحت نظراتهم. بكت "فرح" في أحضانها بعجز وبشدة. فربتت عليها الأخرى بحنو وهي تقول:
"أنا آسفة يا فرح. صدقيني أنا معرفش كل اللي حصل لك ده والله."
خرجت من أحضانه وكل منهم يجلس على مقعد صغير وهي على الفراش مرة أخرى. ثم أجابتها قائلة بضعف:
"مش زعلانة. بس إنت وحشتيني أوي."
توجهت "نيروز" لتقوم بالترحيب عليها بهدوء وهي تتحدث قائلة:
"ألف سلامة يا فرح."
كل ذلك تحت أنظار ذلك العز الذي كان يتابع كل تفاصيل حركتها. محدثا نفسه وكأنه معاق ذهنيا. أنها حقا ملاك في ردائها الأبيض. خرج من شروده وهو ينظر لهن يتحدثن مع بعضهن. نظر لها فوجدها تنظر له ولكنها حركت رأسها سريعا عندما وجدته ينظر لها. لحظات. ثم أردفت "جميلة" حتى تخفف من نفسية صديقتها قائلة رغم حرجها:
"أنا مكسوفة أوي وأنا بقول الكلام ده في الوقت ده. بس هتيجوا كتب كتاب حازم بكرة. إنت وعز. واهو تخففي من نفسيتك شوية وترتاحي ومش هيبقي وقت كبير يعني. صدقيني الوقت ده هيفرق معاك يا فرح أوي. مش ناسيه تعب مامتك بس خليك مبسوطة وهي هتتبسط أكيد."
أيدتها "نيروز" في الحديث. فحركت "فرح" رأسها لشقيقها حتى تعلم رأيه. فتنفس هو بعمق وهو يجيبها قائلا:
"حازم صاحبي والله وعلى راسي. بس هشوف وقتي وهحاول نيجي شوية ونمشي على طول. على حسب شغلي إن شاء الله. وألف مبروك. عقبالك بقى."
قالها وهو يتمنى في نفسه بأن تكون له ومن نصيبه. ابتسمت بخجل وهي تومئ له ثم تحدثت قائلة تجيبه بلباقة:
"حقيقي هتبسط لو نورتوني. حازم بيتصل بيك بس تليفونك مقفول عشان يقولك تيجي. وبجد الوقت ده هيفرق معاكم أكيد بإذن الله. وربنا يقوم طنط حنان بالسلامة."
ابتسموا لها جميعا. فخرج صوت "نيروز" وهي تقول:
"أيوه يا فرح هستناكي. وإنتِ عارفة ياسمين موصياني لما عرفت إني هشوفك. بتقولي هاتي فرح تبات معانا لحد يوم الفرح."
ضحكوا جميعا بخفة. فأردفت "فرح" من بين ضحكاتها وهي تقول:
"ربنا يسعدها. إن شاء الله ربنا يسهل وهحاول أجي أنا وعز."
تنحنح هو أخيرا بحرج. ثم تحدث يمهد لانصرافه:
"طب أنا هستأذن أنا وأسيبكم مع بعض شوية. عن إذنكم."
قالها ثم توجه سريعا يخرج من باب الغرفة الصغيرة غالقا الباب من خلفه. سامحا لأنفاسه المكتومة بالخروج وهو يتخلى عن ثباته الزائف أمامها. ابتسامة واسعة زينت محياه لم تظهر عليه منذ مدة. ورغم حزنه على والدته إلا أنه ولد به شغف جديد بمجرد رؤيتها.
***
وقف "حازم" في الشرفة الموجودة بصالة منزله بعدما صعد لتوه من أسفل حينما كانت صلاة العصر من فترة صغيرة. شرد بالكثير. كان شروده بأكمله بمناقشتهم العالية ليلة أمس لأنها قامت بإحراج والده. ورغم ذلك قام بمراضاتها سريعا لأنه يعلم تمام العلم أنه كان بإمكان والده أن يوقف زوجته عند حدها. وهذه نقطة شروده الأخرى بنقطة ضعف شخصية والده أمام زوجته الذي سبب لهم الكثير هو ووالده وشقيقته. خرج من شروده عند وضع يد حنونة لمستها تبث به من الأمان والحب ما يكفي. ابتسم وهو يلتفت لينتشل يد والدته وهو يقبلها بهدوء. فوضعت هي كوب العصير على المنضدة الصغيرة التي توجد بالشرفة. ثم وقفت بجانبه وهي تربت على كتفيه قائلة بحنو:
"مالك يا حبيبي؟ انت كويس؟"
ابتسم لها ثم ردد باطمئنان:
"كويس طول ما إنتِ جنبي وبخير."
"أنا عرفت اللي حصل يا حازم من سمية الصبح. بس أنا عاوزاك متشيلش هم كده. ولا تزعل نفسك من ياسمين. دي طيبة وقلبها حنين أوي وبتحبك. وبعدين هي متسرعة زيادة وأي حد في مكانها هيعمل اللي عملته ده وأكتر. وسكوت أبوك هو اللي عمل كل ده."
أومأ لها بابتسامة ثم ردد يصحح مفهومها:
"مزعلتش من ياسمين يا ماما. عارف إن ده غصب عنها. بس مش عارف أتصرف إزاي لحد الآن. أوزن بين أبويا وبينها إزاي؟ هو زعلان إنها هانته وأنا لسه متمسك بيها وهي زعلانة عشان أختها!!"
"متشيلش هم إنت. وربنا يسعدك معاها. وإن كان على أبوك إنت عارف إنه مش بيفضل ياسمين أوي فطبيعي المشاكل دي. ولو على وردة وبدر فهم عارفين كويس إنت إيه وعامل إزاي وبتفكر في إيه. لا إنت زي زينة ولا عيالها يا ابني."
رفع ذراعه يحاوطها ثم تحدث قائلا لها بمرح:
"قادرة تشيلي أي حاجة تقيلة على قلبي في ثانية. إنتِ وياسمين. بس إنتِ حبيبتي الأولى طبعًا يا عايدة. أوعى تقولي لها لأحسن يتنكد عليا وتبقى ليلة سودة وأنا مش ناقص."
ضحكت عاليا وهي تنظر له بنحو. ثم رفعت يديها تحتضنه بحب بالغ. فابتسم هو بتأثر وهو يشدد من عناقها. سمعوا هم صوت غلق الباب من خلف الدالف ببطء. نظر من مكانه فوجده والده. نظر لهم "سليم" بصمت ثم توجه إليهم يقف من أمامهم مشيرا لزوجته قائلا:
"اعمليلي كوباية قهوة يا عايدة."
قالها لها بهدوء. فأومأت له ثم انصرفت من أمامهم. نظر هو إلى ولده ثم تنفس ببطء وهو يتحدث قائلا بهدوء:
"زينة هتروح كمان شوية معايا وتتأسف لوردة وبدر."
"كويس."
أجابه "حازم" باقتضاب. فنظر هو له قائلا مرة أخرى بجمود:
"أظن لما تكلم أبوك تتكلم بشكل أحسن من كده!"
تنفس هو ببطء متحليا بآخر ما يملك من الصبر:
"المفروض أتكلم إزاي؟.. هو إنت ليه مبتحسش بيا؟"
نظر له "سليم" وهو يعقد حاجبيه من طريقته مرددًا:
"مبحسش بيك إزاي!"
"مبتتحسش بيا كأب! عملت إيه أنا فحياتي عشان كل شويه أتقهر من جوه بالبطئ بسبب مراتك؟ عاوز أفرح ومش عارف، فرحان بس مش فرحة كاملة، هفرح إزاي وأوريهم وشي عندهم كل شوية وأنت كان بإيدك توقف مراتك عند حدها ومتكملش في كسرتها لـ ورده. أنا محروج من بدر ومن وردة حتى من ياسمين اللي ببقى قدامها مكشوف! ليه بتخلي راحتهم دايماً على حسابي وحساب غيري؟ أنا سكت كتير بس من حقي أفرح بقا!"
قالها باندفاع ومرة واحدة كمن انفجر للتو! نظر له "سليم" بصمت ثم ردد يقول بنبرة جامدة بها بعض البرود والفتور:
"انت اللي مبتخافش على منظري، مش واخد بالك إني اتهانت بسبب السنيورة بتاعتك؟ مش واخد بالك إن شكلي وقتها كان وحش أوي قدامهم وهي بتجيب سيرة حياة زينات كلها من قبل ما اتجوزها حتى!!"
"بردو بتدافع عنها وبتيجي عليا؟ رغم إن هي اللي بدأت الأول وخلت ياسمين تعمل كده، كنت عاوزني أعمل إيه؟ أروح أضربها وهي أصلاً مغلطتش في حاجة. ولا أضربها عشان ترتاحوا وتبعدوني عنها وخلاص؟ لأ وماليش كلمة عليها لسه، أومال بعد كده إيه اللي هيحصل؟ أنا آسف بس أنا تعبت من كتر الضغط ده، أنا معتش هستحمل حاجة تحصل وأقف ساكت وأتقهر من جوه، مش هضيع فرصة إن في فرحة هفرحها وأقعد أضيعها وأنا شايفها قدامي، وأي حاجة هتحصل لمراتك أو غيرها أنا مليش دخل بيها، مليش غير حياتي وبس لأن محدش مسئول عنها غيري، أنا اللي بتدبس في الآخر، خوفي عليها وعلى أخواتي بيقل كل مرة بسببك وبسببها وممكن كنت أعمل أي حاجة عشانهم بس لأ، معتش هعمل كده دلوقتي، كل مرة بتأذي أكتر من الأول ومع ذلك مكمل، بس كفاية لحد كده أوي!!"
قال آخر حديثه بهدوء، ثم خرج من الشرفة متجهاً حيث خارج الشقة بأكملها، تاركاً والده ينظر بأثره بصمت، صمت يغلفه البرود والفتور والعجز!
***
وقف الاثنان أمام الباب في تلك المنطقة الشعبية قليلاً، وقفا أمام البيت لدقائق، نظر "بدر" إلى "غسان" بترقب وهو يسأله بعينيه، فنظر له الآخر نظرة اطمئنان قائلاً:
"متقلقش أكيد هيفتحوا، اصبر."
ثوانٍ وفُتح لهما الباب بواسطة تلك التي ترتدي مريلة المطبخ المتهالكة وملامح وجهها الباهتة الذي يغلفها الإرهاق، فتحت الباب وهي تردف على عجالة بضجر:
"طيب يا اللي بتخبط، طيب الله! هو يعني الدنيا هـ.."
توقفت كلماتها عندما وجدت أمامه شقيقها الأكبر، ورفيق أيامها! أيعقل؟ اتجهت مسرعة بعينيها المترقرق بالدموع وهي تدخل بأحضان بقوة، والآخر يبادلها العناق بقوة ولهفة، دقائق مرت والاثنين يحتضنان بعضهما، خرجت هي من أحضانه أخيراً وهي تبتسم قائلة بتأثر:
"وحشتني يابدر، أووي."
قالتها ثم نظرت للآخر وهي تمد يديها ترحب به بحرارة فبادلها الترحيب، ثم وجهتهم إلى الداخل سريعاً، ليجلسا في غرفة صغيرة تعد للضيوف، جلست بجانب شقيقها وهي تنظر له بشغف. نظر هو لها بتفحص من أعلاها لأسفلها وبسبب خسارتها للوزن، كما انطفأت بهجتها أيضاً. لاحظ هو كدمة زرقاء على وجهها تقرب على الاختفاء، يلاحظها من يركز بها، فتساءل بنبرة هادئة:
"إيه اللي في وشك ده يا فاطمة؟"
وضعت يديها عليها سريعاً، ثم نظرت له بارتباك تحت نظرات "غسان" المتفحصة لوجهها. صمتت لم تتحدث ولا تجيبه. فنظر لها "غسان" ثم تساءل بنبرة جادة على فجأة:
"عارف مد إيده عليك؟"
"لا، لا ده أنا اتخبطت فيها في الشباك وأنا ماشية، متشغلوش بالكم أنتم."
قالتها بسرعة تحت نظرات الاثنين المتشككة في حديثها. فأخذ "بدر" أنفاسه وهو يتحدث قائلاً بهدوء:
"مبسوطة يا فاطمة؟"
"أيوه الحمد لله رضا، متشغلش بالك بيا، قولي وردة ويامن عاملين إيه؟"
نظر لها بهدوء ثم تنهد قائلاً يجيبها:
"كلنا بخير، بس أنتِ مش حاسة مبسوطة، قوليلي إيه اللي جابرك على كده؟ انتِ تستاهلي تتبسطي وتتشالي فوق الراس، أنا خايف عليكِ يا فاطمة."
"أنا مبسوطة يا بدر كده ودي حياتي بقا خلاص، وحتى لو هستحمل فعشان العيال، هيتربوا إزاي دول؟ وبعدين أنا بحب عارف ومش عارفة أبطل أحبه، آه عصبي ساعات وبيغير عليا بطريقة أوفر وبيحصلي ياما بسبب حماتي، بس ده النصيب والحمد لله."
نظر لها بصمت، لا يعرف بماذا يجيب. فتحدث "غسان" سريعاً يجيبها:
"محدش بيغصبك على حاجة يا فاطمة، لو محتاجة حاجة إحنا هنا معاكِ وفضهرك، متتردديش لحظة إنك تيجي لو الدنيا ضاقت بيكِ، ولو عارف عملك حاجة قولي، قوليلي وتعاليلي متخافيش حتى لو بدر مش هنا."
ابتسمت له بامتنان ثم قالت:
"متحرمش منك يا غسان وسامحني إني معرفتش أزوركم! كنت عاوزة أوريكم العيال دلوقتي بس عند حماتي، مفيش هنا غير ولاد عمهم وعارف فاته على وصول من شغله."
نظر لها هو بمعنى لا يوجد مشكلة في الأمر، بينما ابتسم لها "بدر" قائلاً بهدوء:
"مرة تانية نشوفهم، كتب كتاب ياسمين وحازم بكرة، تعالي وهاتيهم وإقعدي معانا شوية."
"ربنا يفرحهم ويسعدهم، إن شاء الله لو عرفت هاجي طبعاً."
كاد أحدهم أن يتحدث، ولكن قاطعهم نبرة رجل خشنة بصوته الأعلى في المكان وهو ينادي عليها قائلاً:
"انتِ يا وليه، انتِ فين تعالي حطيلي الغدا، أنا على لحم بطنـ.."
صمت حينما وجد الاثنين معها، ثم نظر لها بغضب وهو يهتف عالياً بتبجح:
"انتِ قاعدة كده إزاي وفي راجل غريب؟"
نظر إلى "غسان" وهو يشير عليه، تنحنح "عارف" سريعاً، ثم قدم يده للاثنين بالسلام، فرحبوا به بفتور، فأجابه "بدر" قائلاً:
"قاعدة إزاي يا عارف ما لبسها محترم أهو!!"
نظر له "عارف" بغضب دفين يكتمه ثم رسم على محياه ابتسامة سمجة وهو يردد:
"أنا عارف مراتي، وعارف تلبس إيه ومتلبسش إيه، هتيجي انت تعلمني ولا إيه؟"
نظر له "بدر" بصمت حتى لا يفتعل المشاكل لشقيقته وهو يتحامل على انفعاله قائلاً بهدوء:
"لا، هي مراتك، بس أختي بردو، فخلي بالك... أنا هستأذن أنا بقا، بس معلش خمسة بالحب عشان عاوز فاطمة أختي في كلمتين قبل ما أمشي، أخوها وجاي من السفر بقا، طرُقنا."
حك ذقنه بسماجة ثم أردف له باستفزاز:
"وماله ميضرش، بس ياريت بسرعة عشان جعان!"
نظر "غسان" له باشمئزاز ثم خرج هو الآخر من الغرفة قائلاً للآخر:
"أنا برا هنا، خد راحتك."
نظر له الآخر بأن ينتظر ولكنه خرج خلف زوج ابنة عمه، سار خلفه وهو يتجه حيث الأريكة التي توجد بصالة المنزل. التفت "عارف" ليرى من خلفه فوجده "غسان" الذي أخذ يقترب منه أكثر فأكثر مع تزايد الخطوات، منهم من يتقدم ومنهم من يرجع إلى الخلف. حاصره "غسان" أخيراً على حائط من ضمن حوائط المنزل وهو ينظر له بتعابير وجه خالية من التعابير. فـ طالعه الآخر بخوف طفيف من طريقته وهو يردد:
"انت بتعمل إيه يا جدع انت؟"
ابتسم "غسان" بخبث، ومن ثم وضع يده بجيبه على فجأة ثم أخرج نصل حاد (مطواه) بيديه ثم فتحه بسرعة متجهاً به حيث على عنق الآخر، وهو يبدل نظراته للحدة عندما وجد الآخر ينظر له بهلع، فهتف قائلاً بصوته الحاد:
"عارف يا عارف ولا مش عارف؟"
صمت ليفتك بأعصابه.
وهو يراه ينظر له بخوف، مجيباً إياه بهلع، وهو ينظر للأداة الحادة التي توجد أسفل عنقه:
"عـ.. عارف إيه؟"
واصل "غسان" مجدداً، بتحذير جاد وثمة ابتسامة عبثية تزين محياه مع احتفاظه بملامح وجهه الجادة:
"لو إيدك اتمدت عليها تاني، هخليك ماشي من غير رقبتك الحلوة دي."
هز له الآخر رأسه يلبي أمره بخوف، وهو يبتلع ريقه، هو يعلم أن ذلك الغسان معروف عنه أنه ليس هينناً، كل الوقت أحياناً ما تنفلت منه زمام الأمور بعد تفكير منه! ولا يحبذ القرب منه من الأساس بسبب حديث "آدم" منذ سنوات عنه!! ابتسم "غسان" وهو يقرب من نصل سكينه الحاد أكثر حتى تكون مقتربة بشدة من عنقه وهو يشدد من مسكته وقربه لها قائلاً بتسلية:
"أيوه خليك مطيع كده، معلم!"
أنزل الأداة الحادة وهو يغلقها أمام وجهه بقوة، حتى يضعها بجيبه بحركة محترفة وكأنه ولد في الشارع! ثم طالعه ببسمة ببرود، وهو ينظر له من أعلى لأسفل، تاركه يرتجف رغم ملامحه الصارمة ألا أنه يتظاهر بممارسة القوة فقط! نظر "غسان" من أمامه وهو يتجه حيث باب الشقة ليخرج بثقة تامة وكأنه لم يفعل شيئاً، لتو متذكراً وضعه لتلك الأداة بجيـبه إن حدث شيء ما، دقائق لينتظر الآخر في السيارة، حتى وجده يخرج له وهو يركب السيارة بجانبه، فحرك الآخر السيارة ليقودها خارج تلك المنطقة حيث منزلهم.
بعد مرور ساعة منذ مجيئهما، كانت الاثنان جالستان مع "فرح" في جو هادئ يفتحن بعض المواضيع المختلفة وأهمها الأمور المتعلقة بجامعتهم. لاحظن صوت دقات الباب الخافتة. أذنت "فرح" للطارق بهدوء، فدلف "عز" وبيديه بعض من المشروبات الغازية والأطعمة. ابتسمت له شقيقته بحنو، في حين ابتسما له الاثنان بحرج. فتنحنح هو قائلاً بلطف:
"دي حاجة بسيطة كده، إشربوهم يلا."
ابتسمت "نيروز" له بتكلف، فنظرت "جميلة" بامتنان:
"تعبت نفسك ياعز شكراً، بس احنا لازم نمشي لأننا اتأخرنا."
"خلاص إمسكوا اشربوهم وانتوا ماشيين."
قالها وهو يقدم لهم المشروبان، فنهضت تأخذه منه بحرج. ثم توجهت كلا منهن تحتضن "فرح" حتى تودعها. فنظرت "نيروز" لهما قائلة بهدوء:
"مع السلامة وهنستناكم فـ كتب الكتاب."
ابتسما لها وهما يومآن لها بالإيجاب ثم توجها ليخرج الاثنان من الغرفة، وهما يغلقونها من خلفهم، تحت نظرات "عز" المثبتة عليها. التفتت "فرح" إلى شقيقها تنظر له بعبث، ثم أردفت:
"حلوة أوي أنا عارفه!"
نظر لها بحرج، ثم تنحنح يجلي حنجرته ثم قال:
"أخدتي علاجك؟"
"بتوه عن الموضوع. عموماً خدت علاجي، علفكرة انت مفضوح أوي!!"
قلب أعينه بملل ثم أومأ لها قائلاً بضجر:
"بتعرفي تهدي شوية ولا مبتعرفيش؟ أنا ماشي هجبلك بقية العلاج من الصيدلية وجاي عاوزه حاجة أجبهالك وأنا جاي."
"لا، متحرمش منك."
خرج سريعاً من الغرفة ليهرب من أنظارها متوجهاً لأسفل، وهو يهبط بسرعة من على الدرج. سار بخطواته في الساحة الكبيرة فوجده واقفاً يحدث إحدى الممرضات على إحدى الحالات الجديدة. توجه "عز" له وهو يبتسم قائلاً:
"دكتور بسام، عامل إيه."
"أهلاً يا عز عامل إيه انت؟ من قبل ما تسأل والله، والدتك حالتها مستقرة تحت الأجهزة بس لسه مفاقتش. متقلقش ان شاء الله خير."
نظر "عز" له بصمت، ثم تحدث قائلاً بشكر:
"شكراً يا دكتور، مش عارف أقولك إيه."
"يا جدع إحنا بقينا صحاب وبعدين ده واجبي وواجب المهنة. ربنا يقومهالك بالسلامة يارب."
ابتسم له برضا ثم دقائق واختفى من أمام أنظاره. فنظر "بسام" بأثره مطولاً، حتى قطع شروده تلك الممرضة التي استأذنت للإنصراف. توجه ليلتفت مرة أخرى حتى يصعد السلم وهو يفكر في أمور عدة. فـ لمح ظهر يعرفه جيداً، ولكن ماذا؟ هي؟ ركض سريعاً في الطرقة حتى التفتت تلك الفتاة سريعاً لأثر الراكض من خلفها. وما أن رآها تبدلت ملامحه للدهشة. أيعقل قلب الحال في لحظات؟ أيعقل أن تكون هي؟ اقترب بخطوات مهزوزة ثم وقف أمامها ناظراً في وجهها بشدة، لم تتغير مع مرور السنوات! سوي انخفاض وزنها قليلاً. استوعب عقله سريعاً، ثم فتح عينيه على وسعها مردداً بدهشة:
"تــاج!!"
رددها بدهشة من أثر رؤيتها لكن صوته خرج منه متحشرجاً كمن يريد أن يبكي ولم يستطع! أما هي فنظرت له بنفس الصدمة. ما أن رأته ثبتت قدميها على الأرض بقوة لم تستطع الهروب كما هربت من قبل! دقائق مرت على الاثنان وكل منهم يريد أن يتحدث ولكن لم يقو أياً منهم. تنفس ببطء وهو ينظر لها وبأعينها الحمراء، يبدو أنها كانت تبكي. ولكن هل لقلب جاحد مثلها أن يتأثر بشيء ويبكي حزناً؟ أم فرحاً؟ لا يبدو!! خرج منها صوتها أخيراً بعد فترة ثم أردفت بصوتها الذي لم يستطع الآخر نسيانه:
"إزيـك يا بسام؟"
بسمة سخرية لاحت على جانب شفتيه منها ومن تلك الدنيا القاسية التي تضع في طريقنا شخص لم ولن نستطع التعافي مما فعله بنا إلى الآن حتى بعد اختفاء دام ولكن الآن؟ أردف بصوته الجامد بعض الشيء يجيبها بنفس السخرية:
"إزيـك؟"
صمت ثم واصل بنبرة ساخرة من نفسه وحاله، ومن تلك الصدفة العجيبة مردداً بنفس النبرة الساخرة التي يغلفها بعض التعب الذي لم يعرفه سواه هو وقلبه:
"دا الدنيا دي صغيرة أوي!!"
وبكل جرأة أجابته وكأن شيئاً لم يحدث قائلة على فجأة بنبرة عادية متحلية بالثبات والتبجح:
"أيوه إزيـك؟ مستغرب؟"
نظر لها بملامح وجه خالية، ثم اقترب منها حتى بات لم يفصل بينه وبينها شيء. رجعت هي خطوات للخلف ولكنه أمسك يديها بقوة من معصمها ثم سحبها خلفه وهو يسير بسرعة إلى حيث توجد غرفته في الناحية الأخرى من السلم الجانبي. أخذت تتملص منه وهي تحاول أن تفك معصمها من يده ولكنه كان يمسكها بقوة ولم يعير لاعتراضاتها أي اهتمام، حتى وصل إلى الغرفة صافعاً بابها من خلفه بقوة، ولولا خلو المكان قليلاً لهاجت الأصوات بسبب ما يرونه أمامهم من شيء غريب. بسام؟ يمسك يد امرأة؟ وتعبس ملامحه؟ هذا.
ما يراه البعض غريبًا بالنسبة لهم ولطبيعته!
بعد مرور وقت منذ أن كانوا بالخارج، وصلت "نيروز" و"جميلة" إلى المنزل منذ فترة، ومن قبلهما "غسان" و"بدر" أيضًا. حتى اجتمعوا جميعهم في شقة "سمية"، وجميع من في الطابق أيضًا عدا "زينات" وزوجها وابنتها. كانوا جالسين على الأريكة التي توجد بصالة المنزل، جميعهم. كل منهم يحدث الآخر بأمور مختلفة.
وعند ناحية "ياسمين" و"حازم"، كانت تنظر له بحب بعدما جلب لها الفستان التي سترتديه في الغد قبل قليل. ابتسمت بحنو وهي تردد قائلة بمرح:
"بجد الفستان تحفة أوي يا حازومي، فرحانة أوي إننا خلاص هنكتب كتابنا لبكرة بعد مأساة كبيرة أوي يا جدع، أخيرًا!"
"وحياة عيونك فرحان أكتر منك!"
ضحكت بقوة، ثم نظرت لهم جميعًا وهي تهتف عاليًا:
"ها يا جماعة معتش ناقصنا حد، المفروض نقوم بقا ونخلي عندنا دم وننفخ البلالين ونعلق الحروف ونهيص كده، شغلوا أغاني يلا."
ضحكوا جميعًا بخفة، فوقف الشباب ليتجهوا معًا ناحية حجرة الضيوف والتي سيُعد بها كتب الكتاب. ثم توجهت النساء معًا إلى المطبخ ليقمن بعمل مشروبات وطعام بسيط لهم جميعًا.
نهضت "نيروز" أخيرًا، ثم ابتسمت لذلك الجالس بجانب يام يدلله، فابتسمت قائلة له بتساؤل:
"وسام مجتش ليه يا عمو حامد؟"
رفع "حامد" عينيه لينظر لها مبتسمًا من اهتمامها البسيط، ثم تحدث بمرح طفيف:
"والله يا بنتي كان نفسي أقولك بتذاكر، بس في ماتش جاي الوقتي ومستحيل تقوم لو القيامة اتهدت. ومتبصليش باستغراب لأن فعلًا أنا أب مليش كلمة، والمفروض أخليها تذاكر وأحكم وأشكم وكده، بس ربنا ع الظالم!!"
قهقهت عاليًا، ثم نظرت له بحب قائلة:
"أخر العنقود، زيي، فتهون أي حاجة بقا."
"أخر العنقود أه، بس عنقودي ده كله ابن كلب!!"
ضحكت عاليًا، ثم نظرت حولها فوجدت الأغاني صوتها يملأ المكان ببهجة. يبدو أنهم بدأوا فعلًا في التجهيزات! توجهت حيث الغرفة بضعة خطوات، فوجدت كلًا منهم يفعل شيئًا. نظروا لها بتشجيع وهي تتجه نحوهم لتفعل مثلهم. دفعة بسيطة على كتفها من الخلف دون تلامس مباشر، فالتفتت لتجده هو. طالعها بابتسامة صغيرة، ثم قدم لها "غسان" ذلك اللاصق وهو يصعد على السلم. فأخذته منه سريعًا وهي تساعده في تعليق بعض من أشياء الديكور. اهتز السلم كالعادة وهو عليه، فأمسكته هي سريعًا بمحاولتها، متحدثة بسرعة وبعفوية حتى خرج صوتها بلهفة:
"حاسب هتقع يا غسان!!"
قالتها عاليًا مما جعل ما حولها يطالعونها على فجأة. أما هي، فهربت بأنظارها سريعًا. ثم عاودت النظر إليه فوجدته يغمز لها بطرف عينيه وهو يتحدث بهدوء مستغلًا انشغال الآخرين مرة أخرى:
"غسان وقع من زمان!"
تحرجت بشدة، خاصة أن تلميحاته لها أصبحت كثيرة في الآونة الأخيرة. احمر وجهها بشدة وما أن رأته يهبط من على السلم، توجهت تقف حيث شقيقتها وزوجها لتقوم بنفخ تلك (البلالين) معهم، متجاهلة ذلك الجريء قليل التربية من وجهة نظرها. ولكنها فتحت عينيها على وسعها حينما اقترب منها متظاهرًا بأن شيئًا ما قد وقع أرضًا، ثم انحنى ليمسكه وهو يستقيم مجددًا، مقتربًا من أذنها قائلاً بخفوت:
"يحلاوة القلب لما يدق يدق!"
رعشة يديها إن قدمتها أمام أنظارهم سيعلمون الآن. بعد احمرار وجهها بشدة، تحركت سريعًا خارج الغرفة لتجلب زجاجة مياه هروبًا منه ومن كلماته التي تفتك بها، وهروبًا من نظراته الجريئة في عينيها دون حرج ومن أفعاله!
حرب نظرات نشبت بينهم، لم يتحدث أي منهم إلى الآن، وما زال وجودهم في غرفته إلى الآن أيضًا. توجه ليقترب منها أكثر حتى بات قريبًا منها بخطوة واحدة فقط. لم ترجع هي إلى الخلف بل طالعته بصمت وجرأة. ثم لحظات وخرج منها صوتها عندما وجدته بات قريبًا منها بنسبة ما. ومن ثم تحدثت ببطء قائلة بنبرة فاترة وبتبجح رغم بكائها وأثر دموع عينيها لسبب مجهول بالنسبة له:
"مقرب مني أوي كده ليه؟ وكمان كنت ماسك إيدي، ده منظر واحد عارف ربنا وقريب منه. خيبت توقعاتي يا دكتور بسام بجد!"
تشنجت ملامحه، ثم نظر لها بجمود للحظات، ومن بعدها ردد قائلاً لها بتساؤل حاد:
"هو سؤال واحد بس. ليه عملتي فيا كده؟"
نظرت له بصمت. بماذا تجيب؟ أحقًا لم يعلم إلى الآن؟ أهذه فرصتها لاختلاق الأكاذيب من جديد؟ طالعته بصمت فقط، فنفذ صبره وهو ينتظر ردها، ثم صرخ عاليًا بوجهها يكرر ما قاله لها من سؤال:
"عملتــى فيــا كده لــــيــه؟"
انتفضت على أثر صراخه كما حاولت أن تبقى ثابتة نوعًا ما. التفتت تنظر بعشوائية ومن ثم تنفست أخيرًا وهي تتصنع اللامبالاة:
"هو انت جاي بعد كل ده تقولي ليه عملت فيك كده؟ إيه؟ أوعى يكون معرفتش تنساني؟"
تنفس بصوته العالي مما يوحي إلى تماسكه الانفعالي حتى لا يتهور. فواصلت هي تحاول الهروب من نظراته:
"وبعدين ابعد كده، بابا تعبان ومش وقته ولا لازم أصلًا الكلام الفارغ ده."
قالتها وهي تدفعه حتى يترك لها المكان لتخطو. فأمسك هو معصمها مجددًا بقوة وهو يرجعها إلى الخلف حتى جلست بقوة على المقعد من خلفها من أثر دفعته. فتنفست عاليًا، تزامناً مع إجابته لما أردفته منذ لحظات:
"كلام فارغ! إنك تختفي وتمشي وتسيبيني بعد ما خلاص كان حتى فرحنا وقربنا نتجوز. ده كلام فارغ. كلام فارغ إن أعد أدور عليكي في كل الوشوش وبردو ملاقكيش. كلام فارغ إنك تسيبني وتمشي وتخلي اللي يسوي واللي ميسواش يعيب فيا. عملتلك إيه؟ ده أنا حبيتك حب لسه لحد دلوقتي بتعافي منه! عملتلك إيه عشان تمشي من غير أسباب ولا وداع حتى! كلام فارغ إني أعرف بالصدفة إنك عايشة وعايشة حياتك عادي وأنا هنا لسه بتأذي من اللي عملتيه فيا! أنا وقفت فوش كل اللي مكانش حابك بطريقة غير مباشرة! يحذروني أقولهم دي أول الحب وأخره، مستحيل تإذيني! ما تنطقي! عملتلك إيه لما نكون مع بعض خطوة بخطوة بنجهز لكل حاجة بكل حب والاقيكي اختفيتي. مش عاوز أعرف عملتلك إيه قوليلي كنت بتقوليلى إنك بتحبيني ليه كل شوية! قوليلي إيه اللي خلاكي تمشي وتسيبني واقع ومكسور لحد النهارده. قوليلى الواحد يحس بـ إيه لما حد يحبه يمشي ويسيبه بعد ما خلاص اتعود على وجوده وكان مستحيل يومه يمشي من غيرك. إيه الـ خلاكي تمشي وأنا كل يوم بتحارب مع ذكرياتنا وهي اللي بتكسب في الآخر! قوليلي إنك كنتي وحشة وأنا اللي مكنتش واخد بالي عشان أنا لسه مأذي وملعون بحبك وبتفكيري فيكي لحد دلوقتي!"
أخرج كل ما بداخله، تارة يصرخ وتارة يحدثها بنبرة منهكة. طالعته هي وهي تمسك معصمها، ثم نظرت له بملامح وجه خالية من التعابير. صمتت للحظات لم تجيبه وصوت أنفاس الاثنان يملأ المكان. صمت! يقتل أحدهم والآخر يفكر بطريقة ما كيف ينجو بأذية أحدهم!
"خلصت؟ طلعتنى الوحشة؟ مفكرتش إن أنا هربت مثلاً من ضغط أخوك غسان عليا؟ مفكرتش إنه جه وهددني إني أبعد عنك من غير ما أعمله حاجة؟ مفكرتش إني كنت بتعرض منه لمواقف وحشة لأي بنت ومش بقولك؟ وعينه كانت عليا وكل مرة كنت بخاف أقولك. انتوا عيلة مريضة ومكنتش أتمنى أعيش مع شخص زيك وواحد قذر زي أخوك!"
صدمة! هذا ما عاشه تزامناً مع قولها حتى إنه لم ينتبه لسبها له ولعائلته بل لجزء شقيقه فقط! قنبلة وانفجرت في وجهه. تراخت أعصابه لم يقو على الصمود أكثر حتى قام بدفع المقعد ليجلس عليه بخواء. ثم خرج منه صوته بنبرة متقطعة:
"غـ غسان هيعمل كده ليه؟ مسـتـحـ ـيل!"
قالها وهو يصارع نفسه وهو يتذكر تحذيرات شقيقه منها، متذكرًا أنه كان لا يحبذها ولا يفضل وجودها، وأغلب مشاكلهم في تلك الفترة بسبب تلك الفتاة "تاج". نظرت هي له بلؤم داخلي. الخبث وضح في نظرتها ولكنه كان في عالم آخر!
تمادت في ما تفعله أكثر ثم رددت بانفعال:
"ما تقول! أنا كان لازم أمشي عشان انت ضعيف، ضعيف قدامه، ومستحيل كنت هتصدقني، وتلاقي الوقتي مش مصدقني، طول ما انت ضعيف كده قدامه عمرك ما هتصدق حد يقول حاجه عليه!!"
فالحقيقة هو ليس ضعيف، هو عند نقطة معينة وسينفجر. بل هو الأكثر تهوراً وتيبساً للعقل مقارنة بشقيقه الذي ينفعل ويصرخ ويضرب، ولكن بعد تفكير. محافظاً على ثباته الانفعالي!! قالتها بأسلوب درامي حتى يقع بشباكها، ولكن عقله كان قد صور له الكثير!! أحقاً كاسرة في كل تلك الفترة كان شقيقه الذي كان يشاركه أحزانه حتى لو قليل!! ابتسمت بسخرية ثم رددت بتهكم:
"إبقى اتأكد الأول يا دكتور عشان متظلمش حد وتخش النار! أكيد انت بتصلي وعارف ربنا، وعارف جهنم عاملة إزاي اللي انت وأخوك هتتشووا فيها! واتأكد من أخوك كمان، ها أخوك والدم اللي بيجري في عروقه ده إيه؟ وإياك تكلمني تاني ولا تمسك إيدي كده ولا تجرني وراك زي الجاموسة، مش هقبل بكده بحكم إني ست ومتجوزة. أاه نسيت أقولك إني اتجوزت وحبيت أحافظ على نفسي بدل ما أضيع بسببك من أخوك وقبل ما اتجوزك كمان! اسمع.. ولا كأنك شوفتني ولا أعرفك حتى. انت هنا دكتور زي ما كنت وهتكون، وأنا هنا مع مريض فستشفي. فـ متمناش نتقابل تاني. سلام!"
قالتها وهي تتحرك بسرعة من أمامه حتى لفح وجهه خصلات شعرها الطويلة، فهي ليست محجبة كما اعتادت، ملابسها جريئة أيضاً عن ذي قبل! فعند ارتباطهم كان ينصحها بهدوء مقنعاً نفسه بأن الله سيهديها ولا مانع من ارتباطهم ما دامت تلك النية موجودة!! ولكنه خدع بها من الأساس. تركته ثم سارت بكعب حذائها العالي وهي تخرج من الغرفة، متجهة إلى الأسفل ومن ثم السلم الآخر للصعود إلى غرفة والدها!! أما هو فهو جسد خاوي الآن، أحقاً سيواجه شقيقه؟ وكيف سيواجه؟ ولماذا فعل هذا من الأساس؟ تروّقت عيناه بالدموع حتى هبطت دمعة وحيدة قاسية على وجنتيه، ثم اختلطت بلحيته الخفيفة!! رافعاً ذراعه على رأسه يمسكه كمن دخل في معركة بين صدقه وتكذيبه، بين عقله وقلبه! بين ما يريد وبين ما هو ظاهر، بين ما هو ظاهر وبين عاطفة الأخوة!! هو اليوم مقيماً في المشفي ولن يعود إلى منزله حتى اليوم الآخر!! احتدمت نظراته وهو يرى هاتفه يدق دقات عالية صادحة في المكان ولم يكن سوى شقيقه. ترك الهاتف يدق بمفرده ثم نهض بتعب وهو يتجه إلى خارج الغرفة وعقله مغيب عن ما عليه فعله لـ مهنته!!
جلست على الأريكة بإنهاك بعد مرور وقت من تجهيزاتهم، إلى حد ما جهز المكان وتجهيزاته كانت سريعة بمساعدة البعض خرجوا إلى الصالة، فجلس هو وهو يعبث بهاتفه محاولاً طلب شقيقه، ولكن لا رد منه. قاطع حديثهم العبثي صوت دقات الباب العالية بصوت متوسط. نظروا جميعاً إلى الباب وإلى "بدر" الذي توجه ليفتحه فوجدوها تهل عليهم ببهجة قائلة بحماس:
"مسا مسا! ع الناس الكويسة!"
ضحكوا جميعاً عليها، ومنهم من يضحك وهو يمسك بأكواب العصير ومنهم من انتهى منها بلتذذ أخيراً. اتجهت هي أخيراً لتجلس بجانب "غسان" التي غمزت له بعينيها وهي تميل تدفع كتفه بمرح قائلة برواقة:
"إيه يا أبو الغساسين يا عسل"
ابتسم لها وهي تجلس بجانبه، ومن ثم مال عليها ليتحدث بجانب أذنها بخفوت:
"ماتش جاي في وقت ولا أروع! بدل ما كنت تتحججي عشان متعمليش حاجة"
ضحكت "وسام" عالياً ثم أردفت ببراءة زائفة:
"حرام عليك! ده أنا بريئة وكيوت أوي"
نظر لها بسخرية ومن ثم وزع نظراته عليهم مرة أخرى وبالأخص هي. فنظر إليها حتى وجدها تنظر له هي وشقيقته وتبتسم ببلاهة. لاحظت انتباهه إليها فهربت بأنظارها بحرج. ومن بعدها هلل الجالسين حينما وقفت "ياسمين" قائلة بصوتها العالي:
"جماعة! هشغلكم أغنية بتحكي قصة حياتنا بالظبط أنا وحازم جاهزين"
نظروا إليها بحماس وترقب. فضغطت لتقوم بتشغيل أغنية كلماتها كالآتي مما جعل اثنان من الجالسين ينظران إلى بعضهما وكلا منهما على ثغره ابتسامته. وكانت الكلمات تحتوي على:
"من زمان نفسي أغنيلك وأحكيلك قد إيه أنا بحبك
وأمسك قلمي وأكتبلك، وأعمل أغنية باسمك..."
ما أن سمعوا بدايتها هللوا سريعا وبالتصفيق، حتى جذب "بدر" يد "ورده" ليقومان بالرقص على لحنها بهدوء كأنه فيلم رومانسي جميل بألوانه الهادئة. ومن بعدها نهضت "وسام" وهي تأخذ يد "غسان" ابتسمت لهم "دلال" بحنو، ثم تفاجأت بمن يمسك يديها ولم يكن سوى "حامد" ليقومان بالرقص معاً هم الأخريين ورغم عدم تمكنهم إلا أنهم قد حاولوا. كانت النظرات جميعها جميلة يغلفها الحب واللطف. نظر "حازم" لها بحب، ثم قام بمسك يديها فقط ليرقص معها بهدوء رغم ترددها في البداية من التلامس ولكنها أمام الأمر الواقع! المكان وكأنه ساحة للرقص في أحد الأفلام الكرتونية ذات الساحة الواسعة خلف الأميرة والأمير يرقصان بهدوء. حتى تحركوا معاً بخفة على بقية كلمات الأغنية الهادئة اللطيفة:
"كنا أطفال وكبرنا
ومع بعض احنا كملنا الحكاية
حب ببراءة وسذاجة
غلب الدنيا الكدابة ولسه عايش جوايا
بشوفك زي أول مرة وكنتي غيرهم
كنتي حرة واللي ف قلبك كان بره
انتي كل حلم عدى واستخبى
وخرجتيه مني بزقة
بتشديني ودايما سابقة"
تراقصوا بخفة على تلك الكلمات وكل منهم ينظر نظرة مليئة بالحب. طالتهم "نيروز" بتأثر كما أن أنظار "غسان" كانت مرصدة عليها. أتى في عقله ماذا لو تراقص معها هي على تلك الأغنية! التي تشبه قصتهم هم أيضاً إلى حد كبير. وبخفة بدلت الحركات مابين "حازم" و "عايدة" و "غسان" و "دلال". وقامت "ياسمين" بمسك يد "نيروز" و"جميلة" وهي تحركهم من أماكنهم ليرقصن بعشوائية! حتى اعتلت الضحكات ببهجة في المكان. وبعد دقائق جلسوا جميعاً مرة أخرى بتعب، وتلك المرة تبدلت الأماكن وجلس "غسان" بجانب "نيروز" وما أن طالعها نظر لها بصمت ثم حرك أنظاره لعينيها أكثر وهو يردف بخفوت:
"كنت حلو وانا برقص"
ابتسمت بحرج ثم أجابته بدبلوماسية:
"كلكم كنتوا حلوين أوي"
"وإنت كمان كنت حلوة!!"
هربت بأنظارها سريعا. هذا الغير هين يجعلها تتأثر بكلماته البسيطة! دون أن يدري أو يدري!! قطع حديثهم الغير منتظم مع شخص واحد صوت دقات الباب. فنهض "غسان" تلك المرة وهو يتجه حيث باب الشقة ليفتحه وما أن فتحه وجدهم الاثنان أمامه. طالعته تلك الواقفة بغيظ وحقد إلى الآن لن تنسى أنه السبب في ترك ابنها المنزل! لاحظ هو نظراتها فرفع يده يشير لها بالدخول هي ومن بجانبها بهدوء. ثم أغلق الباب من خلفهم واضعاً يده أمام صدره وهو يقف أمامهم مرة أخرى ولم يجلس تلك المرة. نظر لهم "سليم" بصمت ثم ثوان وأردف على فجأة:
"زينات جايه تتأسف على اللي حصل ومش عاوزين مشاكل بقا"
قالها فنظر له البعض باستنكار والبعض الآخر بصمت. أما "ورده" فلم تحرك ساكناً بل جلست بصمت بجانب زوجها الذي كان ردة فعله باردة أيضاً. نظرت "زينات" بحقد داخلي وهي تتوجه حيث "ورده" و"بدر" ثم قالت بلطف غلفه الخبث من الداخل:
"معلش يا حبيبتي ذلة لسان وكده. حقك عليا إني يعني اتفكيت بالكلمتين من غير حساب. غصب عني قولت كده يعني وانت فاهمه"
لم تجد أي رد بل صمت تام في المكان ولم يتحدث أحد والغريب أن تلك التي وقفت وهي تصيح عالياً بنبرة عادية مما جعل البعض يستغربون
"خلاص يا جماعة بقا. عدت أو هتعدي!"
صمتت حتى وجدت الاستنكار يغلف ملامحهم فواصلت بابتسامة صفراء تكمل ما بدأته والذي جعل البعض يعلم جيداً أنها هي بالفعل "ياسمين" حينما قالت بعلو صوتها:
"ساعات بردو الواحد لما يكبر بيخرف و بيقول كلام كده عبيط. ولو انه كلام ميتفوتش. بس عادي يا مرات عمي انت كبيرة بردو وبتقولي كلام ساعات كده!!"
كله من السن ولا يهمك يا زوزو.
قالتها بطريقة مرحة مما جعل البعض ينظر لها بذهول وإعجاب، حتى "غسان" نفسه الذي نظر إلى "بدر" من على بعد وهو يغمز له بطرف عينيه مردداً في نفسه بخفوت:
"كويين والله!!"
حاول "سليم" أن يلملم الحوار رغم غيظه من تلك المندفعة "ياسمين"، ولكن لها وقت آخر.
"خلاص الصلح خير، همشي أنا بقا وزينات كمان عشان ورانا مشوار مهم."
قالها بسرعة وهو يدفع "زينات" خلفه برفق، والتي كانت تطالع "ياسمين" بغيظ وضح على وجهها بشدة، فحاول زوجها أن يلملم الموضوع ويأخذها بعيداً إلا وستحدث معركة للتو! صوت غلق الباب من خلفهم سد المكان بعد الصمت، وحتى "حازم" الذي حاول نسيان الأمر متجاهلاً وجودهم من الأساس منذ دقائق. ثم نظر إليهم جميعاً مردداً ببهجة:
"كنا بنقول إيه بقا؟"
هتف "حامد" عالياً وبأسف:
"كنا بقول هروح بقا وهنجيلكم بكرة عشان بنام بدري!"
نظرت "سمية" لهم نظرات معاتبة، ولكنهم بطريقة ما نهضوا بسرعة حتى يتوجهوا حيث الباب حتى يخرجوا منه. هرول "يامن" على "غسان" يحتضن ساقيه قبل المغادرة، فانحنى "غسان" ليرفعه بمرح يقبله من وجنتيه، ففعل الصفير إشارة الوداع لوالديه حتى ضحكوا عليه بشدة. فنظر لهم "غسان" قائلاً بنبرة لا تحمل النقاش:
"لأ دا أنا كده هاخده أحطه فجيبي ومش هرجعه تاني!"
صمت ثم واصل بطلبه:
"هاخده يقعد معايا شوية وهرجعه تاني!"
كادت أن تعترض "وردة"، ولكنه أردف مجدداً بنبرة لا تحمل النقاش:
"يالا سلام!"
قالها وهو يغلق الباب من خلفه تحت ضحكاتهم جميعاً، حتى نهضت "عايدة" و"جميلة" أيضاً يستأذنان للإنصراف، وخرجا بالفعل! دقائق وكل منهم ذهب إلى حيث غرفته تاركين "حازم" و"ياسمين" في شرفة الصالة!! والمكان يخلو من الأشخاص عدا هم، حتى "نيروز" ذهبت إلى غرفتها سريعاً تبدل ملابسها وهي تجلس على فراشها بهدوء، تجلب تلك الأظرف البيضاء المجهولة لتفتحها!!
جلس هو والصغير في الشرفة وهو يدلله، تارة يقبله بحنان، وتارة يقوم بتشغيل الأغاني الطفولية له. أخذ يداعبه بلطف وقت قليل في الشرفة، فأخذ "غسان" هاتفه ثم قام بتشغيل أغنية لـ "أم كلثوم" وهو يجلس برواقه، ورغم تفكيره في عدم رد شقيقه عليه، إلا أنه اعتقد أنه مشغول بشدة!! سمعت هي صوت الأغاني الذي اخترق مسامعها، وضعت حجاباً كبيراً على رأسها وهي تتجه بسرعة حيث الشرفة. فتحته سريعاً حتى وقع بصرها عليه وهو يجلس وعلى قدميه الصغير. ابتسمت باتساع وهي تتجه لهم أكثر ثم تحدثت على فجأة:
"مبسوطين مع بعض؟"
رفع أنظاره إليها، هو انتبه لها منذ أن وضعت قدمها في الشرفة ولكنه بقي ثابتاً، محفزاً نفسه بالثبات أكثر أمامها، ورغم صعوبة ذلك إلا أنه يحاول! رفع أنظاره إليها ثم أجابها ببسمة صغيرة:
"جداً، مبسوطين ورايقين زي ما انت شايفه."
ابتسمت له ثم للصغير بحنو وهي تردد قائلة:
"ربنا يديم المحبة!!"
نهض وهو ينزل الصغير أرضاً بسبب إرادة "يامن" بذلك، ثم وقف "غسان" بجوار السور ثم نظر إلى السماء بشرود وهو يتحدث قائلاً دون مقدمات:
"حبيتي قبل كده؟"
ورغم جراءة السؤال، إلا أنها حاولت الثبات من صدمتها ثم تنفست بعمق تجيبه بهدوء رغم توترها الداخلي:
"حبيت."
التفت برأسه يطالعها بتساؤل وفي عينيه نظرة فضول، فواصلت هي قائلة:
"الراجل اللي كان ومازال حبيب أيامي، بابا، ده اللي بحبه، حتى وهو مش موجود. عارف.. كنا إحنا واعدين بعض بالإيد إني مخونش ثقته ومعملش حاجة غلط! ساعتها قولتله يبقي لسه وعدك أنا وعدت خلاص! قالي مش هحب على أمك عشان لما تحبي وتتجوزي جوزك ميحبش عليك. لسه معلقة معايا الكلمة دي وعشان كده معرفتش أحب حسن!!"
طالعها بشغف رغم غيظه من ذلك الاسم الحقير!! فواصلت هي وهي تشعر براحة حديثها معه التي لم تتحدث به مع أحد من قبله:
"مش متخيلة إن هلاقي حد يحبني زي ما هو كان بيحب ماما، كل حاجة كانوا بيتقاسموها سوا! الزعل قبل الفرح. كان بيقولي عمري ما هلاقي حد يحبني زي ما أمك حبتني، ولا عمري هلاقي حد يستحملني في أوقاتي الوحشة زي ما هي استحملتني في عز ظروفي الوحشة! مش بتمنى غير إني ألاقي حد يحبني زي ما هو كان بيحبها، ساعتها هقدر أعطيه حبي ليه الأكتر منه زي ما ماما كانت بتعمل، فالحقيقة أنا محبتش غير أبويا، ولو حبيت بعده هيبقي أول حب ليا هو بابا بردو!!"
فقدان الأب كسره!! عن أي كسرة تتحدث! تحدثت بكلماتها المنكسرة، بنبرة متعبة حتى أدمعت عينيها وهبطت دموعها دون أن تشعر. وجدته ينظر لها بتوتر، ولأول مرة يظهر عليه التوتر! لحظة ليس توتر! بل خوف! خوف دفعه لمد يده لها بمنشفة ورقية بيضاء، وبسبب تقارب الشرفتين من بعضها وكانت هي قريبة جداً. وضع يده على خديها بالمنشفة الورقية يمسح من أثر دموعها. توترت سريعاً ثم أخذت منه المنشفة الورقية تمسح دموعها، وهو بقى ثابتاً في مكانه، ترتجف يديه من كونها أظهرت جانب من جوانب ضعفها أمامه. أخذ أنفاسه يحاول التماسك ثم تحدث بنبرته الهادئة:
"مش عارف أقولك حاسس بيك، بس انت أقوى من كده أنا عارفك!"
هزت رأسها من بين دموعها ثم ابتسمت كمختلة عقلية وهي تهتف بمرح من بين دموعها قائلة بعفوية:
"يلهوي أنا قلبتها نكد أوي!"
وكما قالتها بالعفوية نظر لها بصمت ثوانٍ ثم قهقه عالياً، كم كانت ضحكته الرجولية بسيطة وجميلة. حمحمت هي بحرج من بعدها، فإردف هو من بين ضحكاته قائلاً:
"ولا يهمك، لو نكد منك يبقي حلو!"
قالها هو أيضاً بعفوية والآن انفتح القلبان على بعضها، بسبب حديثهم المريح بين الطرفين وبعد لحظات من الصمت حمل هو "يامن" وهو يتحدث قائلاً لها بمراوغة:
"تاخديه من هنا؟"
"لأ لأ، دي وردة تشوحني فيها من هنا."
قالتها بسرعة فضحك هو وهو يقترب أكثر قائلاً لها باطمئنان:
"ارفع إيديك ومديها!"
كادت أن تعترض فأشار لها أن تفعل ولأن المسافة قريبة جداً. انتشلته سريعاً منه بعدما رفعت يديها بجرأة من تحفيزه لها. ابتسمت بحماس وهي تضعه أرضاً قائلة:
"إيه السهولة دي!"
"مفيش أسهل من كده."
قالها ببساطة، تزامناً مع نظرتها لـ "يامن" وهو يخرج من الشرفة، يبدو أنه قد عرف الطريق جيداً!! عدلت هي من حجابها سريعاً، ثم نظرت له فوجدته يطالعها بصمت، فتحدث هو قائلاً بتسرع بسبب تأثره بما حدث:
"لو طلعتي بكرة البلكونة بليل بعد كتب الكتاب ما يخلص، هقولك حاجة مهمة.. ماشي؟"
هزت رأسها بالإيجاب دون وعي، فابتسم هو قائلاً بتأكيد:
"مهمة ها!"
قالها وهو يرجع خطوات إلى الخلف، متمتماً بهدوء مع أثر خروجه من الشرفة:
"تصبحى على خير!"
ابتسمت بأثره ثم توجهت مع لفح الهواء لوجهها بقوة لتخرج من الشرفة تغلقها من خلفها بسرعة وهي تفكر بما هذا الموضوع الذي يريدها به! أما هو فتسطح على الفراش وهو يفكر بتسرعه!! أيعقل؟ سيعترف بحبه لها بتلك السرعة!
فكر بأنه قد تسرع بسبب خوفه ولهفته عليها وهي تتحدث بحديثها منذ قليل. وضع يده أسفل رأسه مرددًا بشرود ناظرًا لأعلى:
"حبك جنني يا بنت الأكرمي!"
قالها بشرود وهو يفكر بكيف ستكون تلك المواجهة وذلك الاعتراف المتسرع منه وماذا إن لم تواجهه هي الأخرى بالحب ذاته! عند هذه النقطة تسارعت دقات قلبه بشدة. فنهض على فجأة يخلع قميصه وهو يقف أمام المرآة يخرج تلك الأداة الحادة من جيبه واضعًا إياها في أحد الأدراج. ثم نظر لنفسه بالمرآة مطولًا وكأنه يحدث نفسه قائلًا بشرود من أثر تصرفاته وتفكيره العالي وحديثه مع نفسه مرددًا بسخرية وهو ينظر لنفسه:
"الحب بيعمل كل ده! ده أنا شكلي اتهبلت على آخر الزمن!"
قالها ثم التفت بنفس الشرود يجلس على الفراش مجددًا. ثم تسطح مرة أخرى عليه ناظرًا لسقف الغرفة وهو يفكر بماذا يعترف وكيف. ولماذا؟ أيعقل "غسان" حائرًا في التصرف بأمر ما ولا يستطيع إنجازه بنفسه؟ مهلاً، ذلك هو الحب يا عزيزي! يصعب به أي شيء بمفرده. بل يجب أن يكون مع الحبيب حبيبه! ومع العاشق عاشقه! حتى تسهل تلك الحياة. مصمص شفتيه وهو ينظر إلى السقف قائلًا بلحن في آخر جملته والتي من إحدى أغاني "أم كلثوم":
"صحيح، على رأي الست! وأهرب من قلبي أروح على فين؟"
قالها وهو يدندن كلماتها متناسيًا أي أمر يزعجه الآن. فهو في حيرة في تطبيق تلك الكلمات الخاصة بالأغنية ألا وهو الأمر المحير كثيرًا. "إلى أين سيهرب من قلبه؟".
رواية عودة الوصال الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة ناصر
أوقات الفرح جميلة، قد تكون قليلة، ولكن ما دامت هناك فرصة أن بإمكاننا أن نفرح سوياً، فلنفعلها إذن دون التفكير بأي شيء قد يعكر تلك الفرحة. نحن نعايش ونتعايش لنفرح رغم طغيان الحزن على الفرح، إلا أننا سنحاول ونحاول دائماً.
أصوات الأقدام الكثيرة في المكان وقت ما بعد الصباح الباكر بكثير. منهم ما هم بالمطبخ ومنهم ما هم في صالة المنزل يقومون بتنظيفه بمساعدة بعضهم حتى يسهل الأمر. ومنهم من بالخارج يقوم بتنظيم ما أمام الشقة بالطابق الخاص بهم بالتحديد.
كانت "سمية" و"عايدة" و"دلال" مع بعضهن في المطبخ يقمن بالطهي لمناسبة اليوم، فالجميع عندها اليوم من أجل عقد قران ابنتها. "وردة" و"بدر" في الصالة يقومان بالتنظيف مع بعضهما بهدوء. والعروس "ياسمين" تقوم بتنظيف ما أمام الشقة من الأتربة. أخذت تنظف المكان بتلك المكنسة بضجر من أمرها.
لاحظت هي صوت وصول المصعد من خلفها، فالتفتت سريعاً. فوجدتها تخرج منه وفي يديها بعض الأكياس. ثم لاحظتها تنظر لها بابتسامة خبيثة على جانب شفتيها مستغلة اللحظة حتى تسترد حقها منها منذ ليلة أمس مردفة لها بتساؤل:
"إيه ده؟ عروسة بتكنس يوم كتب كتابها؟ لا دي حاجة صعبة أوي يا ياسمين، مش بدل ما تقعدي ملكة كده. الست يا حبيبتي لازم تقعد كده وتعزز نفسها في بيتها!"
قالتها "زينات" بسماجة وحقد دفين ظهر بنبرتها فقط. ابتسمت لها "ياسمين" بثقة ثم زفرت بهدوء متمتمة بذكائها الدائم في الرد:
"أصلنا متعودين على النضافة مش معفنين زي ناس كده. بس قوليلي انتِ، انتِ نازلة تشتري ليه طلبات بنفسك مادام الست ملكة في بيتها؟"
قالتها ثم ابتسمت ابتسامة عبثية. ثم التفتت تتحرك من أمامها لم تعطيها فرصة للرد حتى. تركتها تنظر بأثرها بغيظ. دلفت "ياسمين" إلى شقتها ولم تغلق الباب بل ضحكت بخبث. ما إن سمعت صوت غلق باب الأخرى بقوة من أثر غيظها.
لاحظ شرودها وبسمتها الواسعة تلك شقيقتها. التي وكزت "بدر" الذي يقف بجانبها قائلة له بخفوت:
"بص، عارف الضحكة دي؟ مش مطمنالها! عارفاها كويس أنا."
كانت قد اتجهت "ياسمين" تقف أمامهم وهي تبتسم تلك المرة باتساع قائلة بمرح:
"إيه رأيكم في العروسة اللي كلها بقت تراب دي بقى؟"
"زي القمر يا حبيبتي. خشي بقى نضفي التلاجة بتقولك ماما!"
زفرت "ياسمين" بقوة مرددة بحنق من أمر والدتها:
"يا دي التلاجة! كنت منظفاها لما كنتوا جايين بردو، مش فاهمة حكايتها إيه معاها!"
قالتها بتفكير وهي تضع يديها تحك بها أسفل ذقنها. ولكنها أردفت على فجأة وكأنها تذكرت شيئاً مرعباً للتو:
"يالهوي لتكون ناوية تقعد المأذون فيها!"
قالتها ثم تحركت سريعاً من أمامهم وهي تنادي على والدتها عالياً بقلق كبير تحت ضحكاتهم العالية.
"مش قادرة أتخيل إنها ممكن تتجوز وتفتح بيت وكده. لا بجد مش قادرة!!"
نظر "بدر" إلى زوجته التي أردفت حديثها من بين ضحكتها العالية. نظر لها بشرود. ثم تحدث قائلاً على فجأة باطمئنان:
"كانت وحشاني ضحكتك الحلوة دي بقالها كتير!"
نظرت له بخجل. ثم وكزته بمشاكسة قائلة بمزاح:
"بتكسفني علكفره!"
"كسوف إيه يا أم يامن؟ دا إحنا عندنا يامن!"
ضربته بخفة وهي تتحرك من جانبه إلى ناحية أخرى حيث ترتيب وتنظيم آخر حتى اندمجت بالفعل في عملها وكذلك الآخر. أما في المطبخ فكانت النساء تعد الأطعمة بمختلف أنواعها. دلفت "ياسمين" إلى المطبخ وهي تنظر إلى والدتها بضجر. فنظرت لها والدتها باستغراب. بينما تابعت هي قائلة بحنق:
"انتِ إيه مشكلتك مع التلاجة يا ست انتِ؟"
"احترمي نفسك يا بت بدل ما أطلع لك الشبشب. ولا يهمني لا عروسة ولا بتاع!"
قالتها "سمية" بغضب طفيف من الأخرى. فنظرت لها "ياسمين" بخيبة زائفة ثم رددت بأسلوب درامي:
"اعمليها. ما هي القسوة بتعمي الواحد مبتخليش يشوف ضناه اللي من لحمه ودمه واللي شاله في بطنه تسع شهور من التعب والـ..."
قاطعتها سريعاً بعدم اهتمام تحت ضحكات الآخرين:
"مش وقته. مش وقته. تعالي امسحي التلاجة!"
فتحت فاهها بصدمة من معاملتها كذلك وهي اليوم عروس. نظرت هي إلى الاثنتين ثم زفرت بقوة وهي تتحدث قائلة لهما بخفوت:
"وليه قادرة؟!"
"ياسمين"
هتفت بها "سمية" بتحذير وهي تكتم ضحكاتها بقوة متحلية بالحزم. فانتفضت الأخرى وهي تتوجه ناحية الثلاجة قائلة باندفاع:
"خلاص. بنضف. بنضف أهو!"
بعد مرور وقت كان يصعد "علي" السلم ماسكاً بحلة وكانت في غلافها. والتي سيرتديها اليوم في عقد قرانه. أخرج المفتاح ليفتح باب شقته. فتفاجأ بتلك التي تخرج من باب الشقة التي توجد بجانبه وما هي إلا شقيقته. نظر لها بتفحص من أعلى لأسفل ثم نظر بتعمق لذلك الحجاب. أو مهلاً. لا يستحق بأن يطلق عليه حجاب من الأساس. نصف خصلات شعرها بالخارج. ومقدمة عنقها ظاهرة بشدة يظهر بياضها الناصع. وإن جئنا لتلك النقطة فهي أصبحت شهيرة في مجتمعنا هذا.
تلك الـ "فريدة" تعتبر من أكثر فتيات العائلة جمالاً. منهن هي ومن بعدها "ياسمين" ثم شقيقتها "جميلة". وهذا ما يجعل "فريدة" مغرورة بعض الأوقات. ولكن ليس الجمال كل ما هو في الأمر. وقفت أمامه عندما وقف أمامها يمنع سيرها. فطالعته بإستغراب وهي تعقد حاجبيها. أما هو فتـناسى كل ما قاله لوالده من عدم اهتمامه بعد الآن لتلك الزوجة الثانية وأولادها. ولكن طبيعته كرجل شرقي تمنعه من التصرف بمثل ذلك. وبعد صمت دام من محاصرتها وهو يقف أمامها خرج منه صوته الهادئ والذي غلفه بعض التهكم:
"ده المفروض انتِ خارجة كده يعني ولا إيه؟"
ورغم إرتباكها الدائم أمام شقيقها هذا تحديداً، ولكنها حاولت الثبات ومن ثم خرج منها صوتها بلامبالاة قائلة:
"آه"
"هو إيه اللي آه؟ كل مرة بترجعي الحجاب أكتر لحد ما وسعت منك أوي. هو ده حجاب بزمتك؟"
نظرت بنفاذ صبر ثم رددت بتنهيدة:
"آه حجاب. أنا مش شايفة يعني إن فيه حاجة تستدعي لكل ده. دا أنا نازلة أشتري مرطب من الصيدلية اللي تحت وطالعة على طول. إيه المشكلة؟"
إقترب خطوة واحدة إلى الأمام ثم ردد بإنفعال مما جعلها تتراجع إلى الخلف:
"يعني بتتمادي في الغلط. ومش شايفة إن اللي بتعمليه ده حرام؟ لأ ده وكمان الحجاب مش شامل الشارع عندك. هي الصيدلية دي في بيتكم ولا في الشارع؟... ادخلي البسي طرحة طويلة يا فريدة وخبي رقبتك وشعرك ده. عيني جمالك للي يستاهلك ومترخصيش من نفسك!"
زفرت بقوة وهي تخرج أنفاسها. ثم نظرت له بحنق وهي تلتفت لتدق جرس الباب بقوة. سريعاً وفتح لها الباب بواسطة والدتها التي عقدت ما بين حاجبيها قائلة باستنكار:
"إيه ده هو انتِ لحقتي يا بت انتِ؟"
قالتها فوجدت ابنتها تنظر بضجر ثم التفتت تنظر لذلك الواقف من خلف الأخرى ينتظرها لتدلف تقوم بتغيير حجابها. نظرت له "زينات" بحدة ثم خرج منها صوتها وهي تقول:
"نعم؟"
لم يعط لانفعالها الطفيف ولا لوجودها اهتمامًا، بل تحدث لشقيقته بأمر، وتلك المرة خرج منه صوته هادئًا كنصيحة لمرة أخيرة:
"أدخلي غيريها يلا وخليكي دايما عارفة إن الجمال جمال الستر والعفة!"
قالها ثم التفت ليدخل بمفتاحه في باب شقته ليدلف بها بهدوء، غالبًا الباب من خلفه. نظرت "زينات" بأثره بغيظ وباستنكار ثم هتفت بتهكم، وهي تلوي شفتيها تزامنا مع إغلاقها لباب منزلها:
"وده من إيه ده كمان يا بن عايدة، أهو ده اللي ناقص يتحكم فينا كمان!!"
***
مر الوقت عليهما، ثم خرجا من عملهما، ولكن أين هما الآن بعد انتهاء ساعات عملهما التي تبدأ من الصباح الباكر وتنتهي في الظهيرة؟ جلست بجانبه في نفس المكان، ذلك المكان هو نفسه عندما كان يجلسان أمس به. كلاهما يمسك بيديه كوبًا بلاستيكيًا من مشروبه المفضل. ابتسمت هي باتساع وهي تتذوقه للمرة التي لا تعرف عددها. التفتت برأسها له وهو جالس بجانبها فوجدته شاردًا وهو ينظر ناحية البحر. تذكرت تلك الكلمة الذي رماها على مسامعها في الصباح وهي تأخذ راحتها معه بالحديث، عندها قال لها بأنهم سوف يصبحان أصدقاء مقربين فلا داعي لخلق الحواجز بينهم. قطع شرودها أسألته العبثية دائمًا لها حينما أردف لها بلؤم، وهو يتساءل:
"حلو؟"
بالطبع يقصد ذلك المشروب، ولكن هو يحاصرها كل مرة بأسئلته الخبيثة لها، وإن أجابته بأنه مذاقه جيد، سيجيبها إجابة عبثية توترها أمامه بشدة. لذا أصبحت تفكر بعمق وذكاء. استغرقت وقتًا لتجيبه، ولكنه ضحك عاليًا وهو يضع العلبة البلاستيكية في صندوق قمامة صغير معلق بجانبه، تزامناً هو رده عليها بمشاكسة:
"ميستاهلش كل الوقت ده في التفكير يعني، بس أكيد طعمه حلو، أصل أنا مبختارش حاجة وحشة أبدًا، كل اختياراتي زي العسل."
ذلك الجرئ، غير المتوقع حديثه بالمرة، في كل مرة يحرجها بشدة مما يسبب قيام ارتجافة يديها الغير ملحوظة. نظرت له بتردد ثم تلعثمت بحديثها مرددة بشجاعة كما حاولت:
"هو إنت كلامك دايما مش مفهوم ولا أنا اللي غبية!"
تفاجأ من غرابة وإندفاع سؤالها، ولكنه تمادى بما يفعله مجيبها بثبات:
"كان نفسي كلامي يبقى مش مفهوم، بس أنا بقول الكلمة ويا تبقي مقاسك وتلبسها يا إما تبقي مقاسك وتلبسها برضو!"
مطت شفتيها بتلقائية مردفة بتخمين مريح:
"جرئ يعني!"
ابتسم لها بعبث، ثم مد يده ينتشل تلك العلبة من يديها ليضعها في الصندوق بجانبه، ثم التفت لها مجددًا حتى يجيبها على حديثها وهو ينظر من أمامه مرة أخرى على منظر البحر:
"ياريت كل حاجة كانت تتحل بالجرأة. جربتي قبل كده تخبي حاجة على حد قريب منك عشان خايفة من رد فعله أو هيعيش إزاي بعد ما يعرف الحاجة دي! رغم إن ممكن ضميرك يوجعك!"
قالها بشرود، ودخل بنقطة الحديث المنطقي على فجأة، يبدو أن بداخله الكثير وليس من ناحيتها فقط بل من جهة أخرى، لموضوع مجهول! وكما فعل ذلك هي الأخرى فعل بها ذلك من أقرب الناس إليها، والدتها ثم شقيقتها وشقيقتها الأخرى في إخفاء مرض والدتها عليها إلى الآن خوفًا من ردة فعلها! هي طرف، وهو الفاعل في طرف آخر! صمتت ثم هتفت بعد وقت بشرود تجيبه:
"مش عارفة بس أنا مجربتش أخبي حاجة عن حد، أنا ممكن أخبي حاجة عن حد بس حاجة تخصني!! إنت جربت؟!"
ورغم طبيعته الكتومة في عدم الحديث عن حياته الخاصة مع أي شخص حتى أقرب الناس إليه، ولكن شيئًا ما دفعه للحديث معها، ولحظة بأريحية! أومأ لها يهز رأسه بالإيجاب بأنه فعل ذلك فعلاً، ثم هتف باختصار، مما يوحي لعدم قدرته وإرادته في حديثه بتلك النقطة:
"عملتها، بس أول مرة كنت أخاف أعمل حساب لرد فعل حد مش خوف منه، كان خوف عليه!! رغم وجع ضميري، بس مش ندمان!"
"أكتر حاجة ممكن تخوف أي بني آدم، إنه يخاف أوي على أقرب الناس منه، وكمان لو عاش وهو بيتنافق من شخص!"
حسنًا، دخلت في نقطة أخرى وجديدة للحديث عن مخاوفها. أثارت فضوله، فتنّهد بعمق يسألها بشغف:
"دي أكتر حاجة بتخوف بالنسبالك؟"
التفتت برأسها له فوجدته ينظر لها وانتظار الجواب بعينيه. هزت رأسها بنفي ثم تحدثت مرة أخرى تجيبه بنبرة هادئة مكتومة:
"لأ، أنا أكتر حاجة ممكن ترعبني، إني أحب حد وبعد كده يسيبني وأنا لسه مش عارفة أنجى من حبي ليه، أو حد يسييني من غير مقدمات بعد ما أتعلق بيه! دي نقطة أوجاعي ومخاوفي من أول صحابي في الجامعة والثانوي لحد موت بابا!"
حديثها ألم قلبه من ناحيتين، ناحية بينه وبينها عندما كانوا صغارًا، وأيضًا نفس الناحية عندما فكر بأن بالفعل هل ستوجد عوائق لفراقهما قبل اجتماعهما. ومن الناحية الأخرى أن إحساسها لامس قلبه بشدة تشبه في كسرتها شقيقته الذي أنهك وبشدة بسبب تركه من الوحيدة الذي أحبها وبشدة. هز رأسه يؤيديها بصمت، فخرج منها صوتها بتساؤل:
"وإنت؟ أكتر حاجة بتخاف منها إيه؟"
زفر وهو يأخذ تنهيدة حارة يخرج أنفاسه الساخنة رغم برودة الجو قليلاً:
"معتقدتش إني ممكن أخاف من حاجة أوي وتطغى على خوفي التاني، خوفي على أخواتي غلب خوفي من أي حاجة، الإخوات جزء من الروح وأنا كل روحي اخواتي الصراحة، حتى خوفي عليهم الزيادة بيوترني من جوه بس مش عارف الخوف ده اتخلق ازاي!"
"أنا فهماك علفكرة، بس أنا مش في مكانك، أنا في مكان أخواتك واللي بيعمل كده ياسمين!"
صمتت ثم تابعت بنبرة جادة ولكن جعلته يضحك بخفة:
"هو إحنا ليه كل مرة بنقلبها نكد!"
"أدينا بنسوي دراما!"
ضحكت عاليًا على حديثه، فنظر هو لها مطولاً، تلك الجاهلة لا تعلم أن ضحكتها تهز من ثباته أمامها. التفت بوجهه سريعًا ينظر إلى تلك الفتاة التي وكزته برفق في ذراعه تزامناً مع حديثها الطفولي البريء:
"ورد يا باشا!"
ابتسم لها بحنو، هي نفس تلك الفتاة والذي ابتاع منها الورد أمس، ولكن هي الآن بمفردها. أخرج من جيبه بعض الأموال، ثم قدمها لها وهو يأخذ منها وردة واحدة فقط من اللون الأبيض. فودعته هي بعدما أخذت الأموال وهي تشير له ببراءة. فأشار لها هو الآخر كما فعلت. كل هذا تحت نظرات "نيروز" المتأثرة. التفت برأسه أخيرًا، ثم ابتسم لها وهو يقدم لها تلك الوردة التي توجد بيديه، قائلاً بمشاكسة طفيفة لطيفة:
"إمسك، Rose to rose"
قالها مع استخدامه لمصطلح "Rose" بسبب طبيعة اسمها والذي يردده البعض لها "روز". ابتسمت بخجل وهي تمد يديها لتأخذها من بين يديه. أخذتها سريعًا منه تزامناً مع تسارع قلبها تحسباً لما سيفعله. وبطريقة مضحكة بالنسبة له فعلت هي كذلك بسرعة وهي تنتشلها من بين يديه. قد قرأ أفكارها، علما بأنها خجلت من التلامس باليد كما يفعل هو بالقصد، ولأن ردود أفعاله ليست متوقعة بالنسبة لها وإن توقعتها فسيفعلها بجرأة. فعلت هي كذلك. ضحك بصوت متوسط العلو، وهو يردد بخفوت لها يسألها بعبث بسبب ما حدث:
"عارفة الست قالت إيه؟"
طالعته بتساؤل وتلك الوردة تهتز من ارتجافة يديها. فواصل هو يجيبها ناظرًا في عمق أعينها يكمل ما أردفه من إجابة والتي كانت بضعة كلمات من إحدى أغاني "أم كلثوم":
"واتغيرت شوية شوية... اتغيرت ومش بإيديا"
قالها ببطء يلمح لها ما أصابه وما يفعله معها من حركات عبثية مخيفة قليلاً لأي فتاة بسبب ما يفعله من جرأة لا تتناسب مع التزامها.
هربت بنظراتها ثم تصنعت انشغالها برفع تلك الوردة إلى أنفها.
***
جلس بشرود ممسكًا بهاتفه الذي بين يديه بتردد، أيطلب شقيقه حقًا أم ماذا يفعل؟ لم تغفل عيناه منذ ليلة أمس صراعًا بين عقله وقلبه. تارة ينفعل وتخرج أنفاسه عاليًا منه، تارة يجلس بانكسار، ولكن لا فائدة من ذلك. الأفكار تتضارب في رأسه والشكوك تحيط به أينما تحرك وفكر وتنفس.
نهض على فجأة وكأن طاقته استنزفت وبقي بها القليل فقط. ثم رفع ساقه يركل ذلك المقعد بعصبية حتى رجع خطوات إلى الخلف بأثر ركلته القوية. ثم وقف ينظر إلى ما فعله بأنفاسه العالية وصدره يعلو ويهبط.
فدق باب غرفته دقات متتالية. فتوجه يفتح الباب بقوة فوجده أمامه طبيبه النفسي، رغم فرق السن الكبير بينهما إلا أنه صديقه. طالعه بصمت، فدلف ذلك الواقف إلى الداخل وهو ينظر على ما فعله الآخر من تحطم بسيط في ركن ما بتلك الغرفة الصغيرة.
جلس "عاصم" وهو ينظر له بصمت. فالتفت "بسام" على فجأة متحدثًا بصوته العالي في المكان:
"هو أنا ليه يتعمل فيا كده من الأساس؟ ليه حصل فيا كده؟ ليه أرجع أشوفها تاني ليه؟"
طالعه "عاصم" بتعامل بارد في حركات عينيه وحتى حديثه لأنه يتفهم جيدًا ما يمر به رغم جهله بما يرادف الآخر، ولكنه علم معلومة جديدة الآن أنه قابلها.
"فهمت دلوقتي ليه نحاول نتعافى ونحب نفسنا ومنفكرش في اللي راح منا. كنت هاموت وأشوفها وأعرف السبب، وأديك عرفت. شوفت إيه اللي حصلك!"
قالها بهدوء ثم واصل ليكمل:
"أنا بكلمك كصديق أو كأخ كبير مش كدكتورك النفسي!"
صمت ثم تابعه وهو يتنفس عاليًا من أثر انفعاله. فنظر له "بسام" بتعابير وجهه الخالية ثم انحنى ليجلس بانكسار على المقعد بجانبه وكأنه غير قادر على الصمود جسديًا قبل نفسيًا.
"أنا غبي وإستغفلت من كل الناس اللي حواليا، القريب والبعيد وكله. قاعد بدفع ثمن حاجة مش بإيدي، مكانتش بإيدي إني أختارها هي من ضمن كل الناس ولا حتى بإيدي أختار أخويا الـ... مش قادر، مش عارف أصدق مين. أنا تعبت ودماغي تعبتني من التفكير!"
"صدق قلبك!"
رفع "بسام" أنظاره يطالعه بخيبة كبرياء وعجز. ثم ردد بإنهاك:
"قلبي! أصدق قلبي اللي لسه مش عارف يبطل يحبها رغم كل اللي حصل! لو صدقت قلبي هصدقها وأنا مش عاوز أصدقها بس مش عارف!"
قال "عاصم" حديثه الأول دون أن يعلم ماذا حدث بلقائهم. هو علم من مجرد حديث الآخر للتو. صمت يأخذ أنفاسه. فقاطعه "بسام" وهو ينهض واقفًا ليتجه حيث الخارج تزامناً مع قوله له:
"مينفعش أكذبها! كل حاجة قدامي بتقول إن هي الصح!"
قالها ثم خرج من الغرفة صافعًا الباب من خلفه بقوة، متوجهًا حيث الأسفل وهو يحاول بكل ما يملك من ثبات، أن يبقي به، أن يبقي ثابتًا إلى حين مواجهته مع شقيقه والذي لا يريد أن يأتي موعدها من الأساس. كل ما يجول بخاطره هو كيف سيواجهه، كيف سيتحكم بانفعاله أمامه، كيف سيحاول تصديقه إن قال له بعد الترهات والحجج.
***
جلس على الأرض وحوله بعض الأحجار أمام قبر الإثنين "والدته وشقيقته". ذلك الجامد ذو الملامح الجادة يبكي الآن. رفع يده يتملس القبرين من أمامه بحنو. تهبط دموعه من على خديه الآن، حتى هبطت وهي تنزل على عنقه وكأنها أخيرًا وجدت لها مجرى تسير به. ليت الدموع تفيد بشيء، ليت الدموع قادرة على حل كل ما يجري بنا من ألم. ولكن هو! ماذا عنه! عاش طيلة حياته مسؤولًا حتى وإن لم يفقه شيئًا. تحدث وكأنهم بجانبه يستمعان له، فخرج منه صوته الممزوج ببكائه:
"وحشتوني أوي. مش عارف أقولكم إيه المرة دي. كل مرة ببقى جاي ببقى مكسوف أوي منكم. نفسي آخدكم في حضني، أو نفسي أجيلكم أنا. ليه سبتوني أتعذب من بعدكم؟ حاسس إني بجري في مكان ملوش آخر. ورغم كل ده مش هسيب حقي وحقكم! مش قادر أتخيل منظرك يا بثينة لما عملوا فيكِ كده لحد النهارده! ومش قادر برضه أتخيل إني ممكن أعمل في حد كده ويبقى محطوط مكانك. بس أبوها اللي عمل كده. هو اللي بدأ الأول هو السبب في ظهورك قدام الكل كده! هو السبب برضه في موتك! وموت أمك كمان. مش عارف أشوفهم عايشين عادي مع بعض وأنا هنا لوحدي من غيركم. ليه يا صفية جبتيني الدنيا من الأول لما أنا هبقى لوحدي كده في الآخر؟ ليه جبتيني وإنتِ هتمشي إنتِ وبنتك وتسيبوني؟ جبتيني ليه وأنا هبقى كده؟"
قال حديثه بانكسار ثم استند لينهض واقفًا بتعب، وكأنه مخدر، وهو يواصل مرة أخرى بحدة حتى في نظرة عينيه:
"بس أنا وعدت! وعدتكم إني هجيب حقكم. مش هسكت! مش ناسي كلمة بثينة ليا قبل ما تموت. قالتلي متسبش حقي يا شريف! مش هسيبه. مش هسيبه يا بثينة اطمني."
قالها وهو يجذب باقة كبيرة من الورد يضعها على قبر شقيقته، كما كانت تحب هي. وضعه بانتظام ثم رفع يده يمسح دموعه برفق، وهو يبتسم مودعًا قبريهما قبل الرحيل للبلد الأخرى. "شريف" هذا ما قد يظهر للبعض بأنه مثل اسمه. ولكن اتضحت الأدلة وكان صاحب تلك النظرات الشيطانية هو! كما أن كان هو الراغب بالانتقام بأي طريقة غير عابئًا بالنتيجة.
توجه ليخرج ثم وصل إلى البوابة وقبل أن يخرج نظر إلى العامل بتعابير وجه خالية. ثم وضع يديه في جيب بنطاله الأسود وأخرج ورقة بمبلغ كبير. ومن ثم قدم له بذراعه تلك الأموال قائلًا ببسمة صغيرة عكس المرة السابقة:
"خد دول! وخلي بالك منهم. ومتنساش الورد."
توجه من بعد ذلك إلى الخارج تحت نظرات العامل المستنكرة بما يفعله من انفصام. توجه ثم ركب تلك السيارة متجهًا بها حيث بعيدًا عن ذلك المكان الذي توجد به نهايتنا جميعًا.
***
كانت تجلس بجانبه في السيارة وهو يقودها، بعدما تحدثوا بأمور عدة، أخرى عبثية وأخرى منطقية. نظرت له بعد لحظات من الصمت بتردد من ذلك السؤال التي تريد وبشدة أن تعرفه. تحاول مقاومة فضولها ولكن لا تستطيع. نظرت له فوجدته مسلطًا أنظاره على الطريق، فرجعت بقرارها سريعًا وهي تلتفت تنظر من الشرفة بجانبها. ولكن جاءها صوته الواثق الذي فاجأها حينما ردد لها:
"لو عاوزة تقولي حاجة قوليها!"
التفتت سريعًا تطالعه بدهشة وهي تهتف بتلقائية:
"انت عرفت ازاي إني عاوزة أقول حاجة!"
"من عينيك وهي بتلف وبتدور. وكمان فركك لأيديك ده بيدل على التوتر والتردد."
قالها ببساطة ثم واصل يكمل بغرور زائف:
"إنتِ بتتكلمي مع أي حد ولا إيه؟ ده أنا دارس علم نفس لما قولت بس عشان المقابلات الشخصية في الشغل!"
"انت مغرور ولا أنا بتهيألي؟"
قالتها رغم اندهاشها بما علمه من تفاصيل حركتها، ولكنها أردفتها بجدية مرحة مما جعلته يحرك رأسه إيجابًا ثم قال بثبات:
"لأ أنا فعلًا مغرور مش بيتهيألك ولا حاجة. كنتِ عاوزة تقولي إيه؟"
لم تفرك بيديها بل حاولت الثبات والتماسك ثم أغمضت عينيها للحظات ومن ثم فتحتها وهي تتنفس ببطء قائلة دفعة واحدة:
"أنا شوفتك عند الدكتور النفسي من كام يوم!"
ورغم غرابة ما أردفته تلك الغبية إلا أنه تظاهر باللامبالاة، ثم ابتسم في نفسه عليها من اعترافها الآن بطريقة غير مباشرة أنها تذهب هي الأخرى لطبيب نفسي.
ورغم مفاجأته بذلك ولكنه لم يستبعد أمر علاجها النفسي أبداً. صمت للحظات، فتلاشت ابتسامتها المرسومة دائماً على وجهها تدريجياً، وهي تتراجع بما أردفته قائلة بأسف:
"أنا آسفة، مقصدتش حاجة بجد!"
دقيقة واحدة ثم خرج منه صوته الهادئ يجيبها:
"إنتِ عارفة ده معناه إيه؟"
رددت بخفوت رغم حرجها من الموقف:
"إيه؟"
"إنك إنتِ كمان بتروحي لدكتور نفسي!"
صمت مع احمرار وجهها بشدة من تلك المعلومة. ثم نهرت نفسها بعدم تفكيرها بالحديث قبل قوله! حاولت أن تبرر وهي تتعلثم، فتحدث هو من قبلها قائلاً يجيبها هذه المرة:
"أنا مبروحش لدكتور نفسي، شفتيني إزاي؟ ممكن يكون حد شبهي!"
بعد إردافه لحديثه فكر للحظة بشقيقه، من المحتمل أن يكون هو!! كيف غاب ذلك عن عقله؟ حاول بالتظاهر بعدم تذكره لشيء ثم هتف بتساؤل:
"كنت لابس إيه ساعتها؟"
"نفس اللبس بتاع اليوم اللي مكنتش لابس فيه بدلة الشغل أول مرة."
اندهش من الإجابة. ذلك اليوم كان يرتدي مثل شقيقه، ولكن بالنسبة لها كانت ستعرفه جيداً. وإلى تلك النقطة هتف ليسألها من جديد:
"بعيداً عن الحوار ده؟ هو إنتِ بتعرفيني أنا وبسام من بعض؟"
أتجيبه بأنها أصبحت تعرفه جيداً من مجرد رؤيته، حتى وإن لم تنظر على لون عينيه وخصلات شعره، أصبحت تعرفه جيداً. بمجرد ظهوره أمامها، روحه مألوفة لها ثم أصبحت معروفة! أتقول له بأن بريق عينيه وجمال ابتسامته لن تجدها بشخص آخر. تنهدت بعمق ثم ردت باختصار:
"آه، بعرف أفرق بينكم."
حسناً، تأكدت شكوكه حينما أجابته. ذلك اليوم تذكر اتفاقهم بالملابس والأهم قبعة الرأس السوداء الذي جلبها له ولشقيقه. بالتأكيد لم تعلم من هو تحديداً بسبب رؤيته بتلك القبعة، وأيضاً بالنسبة لها بعده عن المكان التي كانت تجلس به هي الأخرى، حتى وإن عرفته بشدة، فهما متشابهان إلى حد كبير! أومأ لها وهو يبتسم ابتسامة صغيرة، ثم وضع السيارة في إحدى الجوانب ليغلقها بعدما وصل أمام المبنى. هبط منها تزامناً مع هبوطها أيضاً. خرجت لتتجه حيث الداخل وهو بجانبها أيضاً. وما أن بدأت لتصعد السلم، أمسك يديها من الخلف يوقفها على فجأة فالتفتت هي سريعاً، ثم ترك يديها من بعدها وهو يبتسم قائلاً لها بمراوغة:
"خايفة تركبي الأسانسير معايا؟"
ورغم غيظها من محاولته لمسك يديها، إلا أنها حاولت أن يوجد بها بعض الشراسة وهي تجيبه بنبرة جادة:
"أنا مبخافش على فكرة!"
وما أن سمعها شهق سريعاً بقوة متظاهراً أنه لاحظ شيئاً مرعباً من خلفها قائلاً بذهول زائف:
"إيه ده! حاسبي!"
التفتت بهلع وهي تهبط بتعلثم درجة السلم التي صعدتها بسرعة، حتى اصطدمت بصدره باندفاع عندما هبطت بسرعة من أثر خوفها. الآن وحرفياً أصبح محاصرها في أحضانه. دفعته بقوة إلى الخلف ثم نظرت حولها باستفهام فلم تجد شيئاً. فطالعته من بعدها بجمود وهي تهتف بأدب:
"لو سمحت اللي إنتَ عملته ده مش كويس خالص، عيب كده!"
ضحك بخفة وتبجح، ثم غمز لها بوقاحة مردداً بجرأة:
"أومال إيه اللي كويس؟ حضني ولا إيه؟"
حركت رأسها بنفي سريعاً، وبصدمة من تطوره في جرأته معها. ثم تحلت بالشجاعة وهي تقترب منه خطوة واحدة مشيرة بإصبعها لتوجهه وكأنه طفل صغير:
"إنتَ قليل الأدب!"
ردد بغير تصديق مشيراً على نفسه بدهشة:
"أنا قليل الأدب؟"
"آه، إنك تمسك إيدي من غير ما يربطني بيك حاجة وراجل غريب عني ده حرام!! وكمان بتكذب عليا عشان تاخد فـحضنـ.."
صمتت بصدمة مما أردفته. فانتظر يطالعها بعبث، ولكنه أيقن أنه تسرع كثيراً. وأيضاً هي لا تشبه الفتيات الذي كان صديقاً لهن من قبل! نظر لها بهدوء، ثم ردد بنبرة هادئة وكأن شيئاً لم يكن:
"أنا بس كنت بعرفك إنك بتخافي. بس إطلعي على السلم خلاص وأنا هطلع في الأسانسير."
لم تجبه بل التفتت حتى تصعد على السلم. فوقف هو منتظراً، ثم ردد مرة أخرى:
"بس حاسبي لتقابلك حاجة كده ولا كده، ساعتها مش هتلاقي حضني!"
قالها وهو يتجه حيث المصعد يدلف به، أما هي فابتسمت حينما أردف لها حديثه ولكن حاولت أن تخفي بسمتها وهي تصعد. وصل هو سريعاً، ثم وقف ينتظرها حتى وصلت. فنظر لها بصمت فوقفت هي وهو من أمامها حتى خرج منه صوته قائلاً بثبات:
"مكنتش أقصد كل اللي حصل ده، من أول مسكة الإيد لحد الحضن الـحلـ.."
قطع كلماته قبل أن تسوء الأجواء مجدداً مما سيردفه. هزت رأسها بقلة حيلة ثم تحدث تجيبه بعقلانية:
"إحنا أه بقينا أصحاب بس يعني مش لدرجة التلامس، مش زعلانة خلاص!"
نظر لها بثبات، ثم التفت ليتوجه ليخرج مفتاحه من جيبه حتى يدلف شقته.
حسناً، إن اعترف لها بحبه سيكون أهون من حديثه الذي يفتك بها في كل مرة يقوله!! أحبت حديثه واخيراً ابتسمت وخرجت منها بسمتها بحب حينما أغلق الباب من خلفه بهدوء. ثم حركت رأسها بصدمة وبهجة في آن واحد مرددة في نفسها بدهشة:
"مش معقول أكون بحبه؟ لأ حبيته.. يلهوي!!"
قالتها وهي تفكر ورغم تظاهرها بالتفكير إلا أنها تعلم جيداً أنها وقعت به! كما هو أيضاً وقع بها ورغم تصارع تفكيرها الزائد به الليلتين الماضيتين، إلا أنها أيقنت أنها تكن له شيئاً بدأ بالإعجاب ثم انتهى بحب. ورغم خوفها من إحساسها، ولكنها تفاجأت بفرحتها حينما قال لها اليوم من حديث عبثي به من التلميحات ما يكفي!! تعلم أنه أحبها فكلماته لها كافية لشرح ذلك جيداً. ولكن هو يحبها ولكن هل يعلم بأنها تكن له شيئاً. أم ماذا؟ دلفت المنزل بعدما جلبت المفاتيح معها اليوم في حقيقتها مثلما يفعل هو الآخر. وحتى لا ينتظر أحد بأن يفتح لهما الباب!
بعد مرور عدة ساعات، في المستشفى كانت تنهض لتتجهز حتى ترحل مع شقيقها إلى منزلهما. وقفت بعدما قدمت له الحقيبة يحملها. وما أن قدمتها سقط منها الهاتف الذي يبدو عليه بأنه مكسور من شاشته جانب بسيط. هبط لينتشله من على الأرض تحت نظراتها المرتبكة. ثم عقد ما بين حاجبيه متسائلاً:
"إيه ده يا فرح؟ وجبتيه منين؟"
رغم ارتباكها حاولت أن يخرج منها صوتها ثابتاً بعد معاناة ثم أجابته قائلة:
"ده.. ده أنا اشتريته مستعمل بفلوس بسيطة من فترة كده.. عشان أعرف أتعامل!"
"مستعمل!! وإنتِ اللي شارياه؟"
قالها باستنكار وهو ينظر لها بتعمق وهي تقف من أمامه. فكادت أن تتحدث لتبرر مرة أخرى ولكن قاطعها صوت دقات الباب الخافتة. اتجه هو ناحية باب الغرفة حتى يفتحه. فوجده أمامه. ورغم خيبة "بسام" إلا أنه يحاول أن يبقي ثابتاً على الأقل في ساعات عمله!!
رحب به وهو يدلف إلى الداخل. فابتسم له "بسام" ثم تحدث ليقول:
"أهلا يا عز، أنا جاي بس أودعكم وكمان أقولك حاجة."
صمت ليجده منتبهًا له هو والآخر. فتنحنح يجلي حنجرته قائلًا:
"طبعًا مش محتاج أقولك رغم إنها مش مسؤوليتي بس خروج الآنسة فرح مش كويس أوي. حالتها مش صعبة بس حافظ على حالتها النفسية وكمان هي متحطش نفسها تحت ضغط. وربنا الشافي. وإحنا هنا في خدمة الوالدة لحد ما تقوم بالسلامة."
هز "عز" رأسه بامتنان وشكر، ثم أجابه بلطف:
"شكرًا يا دكتور، ربنا يجعله في ميزان حسناتك. إحنا هنا ماشيين لمناسبة معينة وممكن هي ترجع تاني تقعد."
"ربنا معاكم. لو احتاجتوا أي حاجة أنا موجود بس أنا همشي دلوقتي. عن إذنكم."
قالها وهو يتجه إلى الأسفل. هو في الأساس كان مستعدًا للخروج ولكن قطعه محاولة الاطمئنان بعد أن علم برحيلهم. توجه إلى الأسفل وهو شارد، ثم خرج من المستشفى بأكملها متذكرًا تلك الرسالة وحديث والدته له بأن اليوم موعد الغداء في شقة "سمية". رحل، وهما أيضًا خرجا من الغرفة بعد رحيله متناسيان ذلك الموضوع قبل مجيئه. خرج هو أولًا ثم هي من بعده حتى يذهبا هما أيضًا خارج المستشفى بعد تصفية حسابات تلك الغرفة التي تجلس بها فرح.
"مش شايف إنك متحمس تروح بيتكم أوي، ده أنا الست عزماني ومش عاوز أروح أصلًا."
قالها "آدم" وهو يعدل من مظهره جيدًا، والآخر بجانبه يرتدي من ملابس صديقه. ابتسم "حسن" بسمة ليست طبيعية ثم ردد يجيبه بلؤم:
"أنا رايح عشان نيروز. خلاص معادش إلا هي. وجه الوقت اللي أستغل فيه الفرصة بس هي تلين هي وأمها بالحب بدل ما أعمل حاجات متعجبنيش!"
نظر له "آدم" بصمت وهو ينحني يرتدي حذائه، ثم خرج منه صوته الساخر وهو يقول:
"ما بقولك إيه يا حسن البنت دي شكلها مبتحبكش فـ ريح. وبعدين انت جاي دلوقتي تصحي وتفوق ليها!"
ضحك "حسن" عاليًا وهو يفتح من أزرار قميصه الأبيض قائلًا من بين ضحكاته:
"جرى إيه يا آدم متعرفش إن حسن بيستني الوقت المناسب ولا إيه. وبعدين وحياتك هتبقى ليا حتى لو بالعافية!"
"كمان ناوي ع الشر ليها! أنت أهبل يا حسن. دي بنت عمك!!"
قالها بحدة طفيفة وهو يقف بمكانه، ولكن نظر له الآخر وهو يقلب عينيه بملل مرددًا ببرود:
"بقولك إيه غير السيرة وماتكلمش فيه. يلا مش أنت خلصت؟"
نظر له "آدم" بقلة حيلة ثم تحرك من أمامه والآخر من خلفه حتى يخرجا من المنزل، حيث منزل "سمية" التي حدثته بالهاتف بأن يأتي اليوم على موعد الغداء منتظرًا إلى عقد القران. أما الآخر فله دوافعه الخاصة، وأيضًا بعد محاولات مهاتفة والدته له إلا أنه لم يجيبها حتى اليوم صباحًا عندما قال لها بأنه سيأتي على موعد الغداء إلى عقد القران. بالطبع فرحت بشدة ولكن لم تبوح لأحد بما عرفته منتظرة ما سيحدث!
جلست تفكر بأمور عدة، وبحقد فاق الحدود بكثير. لا تريد بأن تمضي تلك الليلة بسلام عليهما، ذلك التي تكرهه بشدة بسبب مقارنتها دائمًا به وبولدها. أما الأخرى فهي تكن لها حقدًا ليس له آخر. جلست تفكر بأبسط شيء قد يعكر صفو مزاجهما اليوم لا تريدهم بأن يفرحوا فرحة كاملة! ولكن لم تستطع التفكير بشيء معين. أمور كثيرة وردت على بالها ولكنها استحسنت بأن تؤجل ثم لتفكر بآخر حتى ولو بسيط لترى به وبه الحزن في يوم كهذا! نهضت بغيظ تكنه لهما ثم توجهت حيث غرفة ابنتها الصغرى، وهي تفتح الباب على فجأة. فوجدتها مسطحة على الفراش ممسكة بهاتفها. التفتت "فريدة" لها بتوتر. ذلك اليوم هو يوم التنفيذ لهروبها معه! تنتظر اللحظة المناسبة بفارغ الصبر. نهضت لتجلس سريعًا وهي تبتلع ريقها ناظرة لوالدتها وهي تتجه نحوها بشرود متمتمة:
"بنتي يا فريدة قبل ما نروح ع الغدا كنت عاوزاك تفكري في أي حاجة نعملها في كتب كتابهم تقهرهم كده وتزعلهم. عاوزاه يوم يبقى ليه ذكرى سودة معاهم كل ما يفتكروه."
نظرت "فريدة" لها بصمت وهي تراها تتحدث بحماس كبير وكأنها تخطط لشيء جبار! شردت "فريدة" بتفكير وهي تتحدث قائلة لها باقتراح:
"مش فاهمة زي إيه؟ عندي فكرة!"
قالت آخر جملتها بتذكر ولهفة. فنظرت لها والدتها بحماس وهي تستجوبها قائلة:
"إيه يا بت قولي بسرعة!"
"هتتفاجئي منها. سيبي الموضوع ده عليا. ومش هيبقوا هما بس لا ده عليهم كلهم. هدخلهم من نقطة ضعفهم!"
نظرت لها "زينات" ثم تمتمت بتهكم:
"مش مطمنالك يا بت!"
"خليكي واثقة فيا. بس في حاجة عاوزاك تخلي عينك عليا كده عشان لو شاورتلك تفهميني علطول!"
"متأكدة يا بت إنك هتعلمي عليهم كلهم وفي نفس الوقت مبتبوظيش الدنيا بردك أنا بقولك أهو."
نهضت تضع حجاب رأسها على شعرها وعلى ملابسها المنزلية قائلة ببسمة خبيثة:
"يستي عيب عليكي. هتنبهرى متنسيش بردك إن ياسمين ليها عندي واحدة مش فاكرة!"
"وأنا هنسى حاجة زي دي! العقربة بنت سمية. وأهو كله كان منك يا عين أمك. يارب بس متتهوريش ولا تطلع البتاع اللي هي مصوراكي إيه ده وإنت قاعدة مع البيه بتاعك! أوعي يا بت تكوني لسه معاه وبتكلميه لحد دلوقتي؟"
وزعت أنظارها سريعًا في المكان ثم رددت بسرعة:
"لأ مفيش حاجة من دي. ومتنسيش إنك حبساني ولا كلية ولا بتاع!"
نظرت لها "زينات" بتمعن ثم التفتت لتخرج من الغرفة والأخرى خلفها حينما قالت الأولى:
"طب يلا فات أبوكي راحلهم هناك باين. خلينا ننجز!!"
بعد مرور وقت قليل وصل هو إلى المبنى أخيرًا بعد ركوبه للمواصلات. ثم دلف يدخل إلى المبنى. ولكن بسبب عدم قدرته لفعل أي شيء اتجه ناحية المصعد ليدلف به بهدوء. دلف "بسام" بالداخل ولكن قاطعه صوت يعرفه جيدًا بأن ينتظر! أوقفه قبل الصعود فوجد "آدم" من أمامه وبجانبه ذلك اللعين "حسن". مد "بسام" يده ليرحب به قائلًا بلطف:
"إزيك يا آدم."
ابتسم له "آدم" بتكلفه وهو يدخل معه إلى المصعد والآخر بجواره. ثم ردد يجيبه قائلًا برسمية:
"الحمد لله إزيك يا بسام."
ورغم أنه سلام فاتر إلا أن "آدم" لا يحمل من ناحيته أي كره. وكما أنه رحب به ابتسم للآخر بسمة متكلفة فبادله "حسن" البسمة بتعابير وجه جامدة. وصل المصعد أخيرًا. فعلم "بسام" أنهما أيضًا متوجهان حيث شقة "سمية" فتوجه كلاهما إلى حيث أمام الشقة وأولهم "بسام" الذي دق الجرس هو أولًا حيث هو الذي كان بمقدمتهما.
قبل دقائق في شقة "سمية" كانت السفرة الكبيرة يوجد عليها جميع أصناف الطعام الذي نفعله في المناسبات. وكل منهم يساعد الآخر في تجهيزه وجلبه من المطبخ. حتى "غسان" الذي بدل ملابسه إلى أخرى مريحة وكذلك "حازم" والفتيات أيضًا. جلس "حامد" أخيرًا في الأمام وبجانبه مقعد آخر يبدو أنه تُرك لـ "سليم" باعتبار أنهما الأكبر سنًا ومقامًا. وإن قارنا فلا يوجد مقارنة بينهم من الأساس فأحدهم في السماء والآخر في سابع أرض! جلست "سمية" أخيرًا بإنهاك ثم جلست بجانبها "عايدة" وابنتها و "حازم" التي تجلس بجانبها "ياسمين" وبجانبها شقيقتها وزوجها. ثم من بعدها "نيروز" يقابلها في الجهة الأخرى "غسان".
ابتسم حامد ثم صاح عالياً ببهجة:
"متجمعين في الفرح دايمًا إن شاء الله!"
صمت ثم نظر للعروسين قائلاً بحب:
"ألف مبروك يا حبايبي، وعقبالك بقى يا روز معتش إلا انتِ."
ردوا عليه بامتنان. في حين قد خجلت هي ثم نظرت من حولها حتى تقابلت نظراتها بنظراته، فوجدته يبتسم على حديث والده، ثم رفع يده كعلامة للدعاء، ولكن فعلها دون أن ينظر لها!
وكزتها جميلة التي لاحظت تلك الفعلة ثم مالت على أذنيها قائلة:
"ده بجد؟"
التفتت لها سريعاً في حين انشغال الآخرين، ثم ردت بتساؤل بعد الحرج:
"هو إيه ده اللي بجد؟"
كادت أن تجيبها الأخرى ولكن قاطع حديثهم جميعاً صوت جرس المنزل، فنهض غسان سريعاً وهو ينظر عليهم جميعاً، فكلهم موجودون! حتى شقيقته التي أتت من دروسها، لم ينقص إلا سليم، إذن عائلته بأكملها هنا! توجه تحت أنظارهم ليفتح الباب فوجد الثلاثة من أمامه، ورغم دهشته برؤيته لـ آدم وحسن إلا أنه لم يعيرهم انتباه، ثم نظر لشقيقه مردفاً بتساؤل:
"ده أخيراً! مبتردش ليه؟"
بالنسبة لبسام، فمجرد رؤيته لشقيقه وهو يفتح له الباب حاول التماسك إلى حين المواجهة بعد عقد القران حتى لا تحدث مشكلة، رفع أنظاره المترددة وهو يحاول أن يتجاهله مردفاً باقتضاب ليجيبه:
"كنت مشغول."
ورغم استغرابه من رد شقيقه الجاف وليس المرح معه كما هو معتاد، إلا أنه أومأ له بالإيجاب ثم تحرك ليفسح لهم الطريق متوجهاً حيث مكانه من جديد. ابتسموا جميعاً لهما حتى سمية التي رحبت بآدم، ولكن لحظة! تفاجأوا بذلك الذي دخل خلف آدم منهم ملامح وجه كانت صارمة ومنهم شامته ومنهم متفاجئة. رغم صدمة سمية إلا أنها قامت لترحب به هي الأخرى مشيرة له لمقعد معين ليجلس عليه.
كانت نظرات الجميع صامتة لا يجرؤ أحد على الحديث! ورغم خوف نيروز قليلاً من رؤيته ونظراته لها إلا أنها حاولت الثبات أمامه متجاهلة نظراته! خرج صوت زينات يقاطعهم جميعاً وهي تهتف بفرح:
"حبيب قلبي رجع تاني أهو يا جماعة، عقبال عندكم كان مسافر بشغل بعد اللي حصل يعني."
ورغم اشمئزاز البعض ومنهم ياسمين، آلا أنهم هتفوا جميعاً بنبرة واحدة:
"حمد لله على السلامة!"
كبت آدم ضحكاته من حديث زينات، فوكزه حسن بجانب معدته وهو يجلس بجانبه. حتى انشغل الجميع بالحديث مرة أخرى ثم قاطع صوتهم من جديد دلوف سليم من الباب الذي تركه حسن مفتوحاً من خلفه. رحبوا به جميعاً وهو يتجه إلى جانب حامد بعدما أغلق الباب من خلفه، حتى بعد ملاحظته لـ حسن، ولكن قرر تجاهله إلى انتهاء تلك المناسبة!
بدأوا جميعاً في تناول الطعام، رغم نظرات غسان المستغربة من شقيقه الذي هرب واختار مقعداً بعيداً عنه حيث جانب شقيقته وسام، ولكن قرر تجاهل الأمر ليندمج في تناول الطعام. كما أن بدر الذي لاحظ نظرات آدم الكثيرة له، يبدو أن نظراته بها بعض الندم، ولكن قرر تركه ليعرف ما فعله معه ومن أسلوب حديثه وصراخه في المقابلة السابقة!
في موضع كهذا يحب أن تتحدث سمية بلباقة لشكرهم، فتحدثت قائلة بامتنان:
"متحرمش منكم أبداً، عقبال أولادكم جميعاً وعقبال الشباب والبنات يارب، متجمعين في الفرح!"
رددوا ببهجة مجاملتها، ولكن بعد صمت آخر تحدث حسن عالياً يجيبها قائلاً بتبجح:
"صح، وعقبالي بقى أنا ونيروز، ولا انتِ نسيتي!"
توقف غسان عن مضغ طعامه بطريقة غير ملحوظة ثم نظر لها بتوتر فوجد تعابير وجهها متشنجة كما تشنجت ملامح البعض، ولكن لا يحق لشخص الآن الحديث بهذا الموضوع سوى أصحاب الشأن أنفسهم. ورغم خوف البعض من ردة الفعل، إلا أن حاولت سمية الإجابة بهدوء ولباقة حتى تنتهي المناسبة على خير:
"المفروض الموضوع ده ما يتفتحش دلوقتي، وبعدين يا حسن إحنا قولنا اللي علينا وخلاص وكل واحد له نصيبه يا ابني."
ابتسمت زينات في نفسها بخبث، توتر الأجواء هذا ما كانت تريده، ولكن سليم كانت تعابير وجهه جامدة، لم يعطي بالاً لوالدته منتظراً أخره! نظر لها حسن ثم ردد يجيبها بضغط:
"آه، مع عشان كده هي من نصيبي وأنا من نصيبها، وكمان ياسمين وحازم خلاص بقى، يبقى إحنا اللي علينا الدور يا حماتـ.."
وقبل أن يكمل في أسلوب ضغطه ووضعه لهم أمام الأمر الواقع، خرج صوت نيروز بصوت عالٍ حتى يسمعها وهو يجلس بآخر السفرة، نبرة وحديث تسبب في إخراجه، ولكن البعض أيقن أنها فعلت الصواب:
"بس أنا مبحبكش ومش عاوزاك، وقولتلك!"
ورغم حرج حسن، إلا أنه تظاهر بأنها لم تردف شيئاً، بينما ابتسم غسان بداخله كما ابتسمت ياسمين أيضاً، وكذلك حازم وجميلة. أما بسام فكان يتابع بترقب بداية الحوار الذي لم يروق له أبداً. خرج صوت زينات منها قائلة بجمود يغلفه اللطف كطبيعتها الخبيثة:
"يا حبيبتي ده حسن ابني ألف مين تتمناه، وبعدين بلاش الكسوف ده، ما كلهم عارفين إنكم بتحبوا بعض من زمان!"
صدمة!! على وجوههم جميعاً، كيف تخوض بها كذلك! تركت نيروز الملعقة برعشة يديها الذي لاحظها غسان المدقق في تفاصيلها. دق قلبه بتوتر خوفاً من أنها تكن له حباً؟ لا يعقل؟ لا! هذا ما قاله لنفسه. وقبل أن تجيبها نيروز بعد محاولة بالثبات، تحدثت ياسمين قائلة بحزم حتى توقفها:
"إزاي ده يا مرات عمي، ده لا مؤاخذة يعني كتف ابنك متعلم من سناني عشان بس كان بيغصبها إنها تحبه تقريباً، انتِ مش فاكرة ولا إيه؟ لما بعدها غسان اللي قاعد هناك ده ضربه في وشه ساعة المحضر اللي ابنك راح يتبلى عليه يا زوزو!"
قالتها بأسلوب رقيق كما كان كل الحوار! ورغم جرأتها إلا أنها كادت ستكمل، فخرج صوت سليم أخيراً بهدوء خوفاً من حدوث شيء:
"خلاص نتكلم بعدين، ياريت نكمل أكل كلنا ونركز في اللي عندنا دلوقتي وبعدين نشوف الموضوع ده."
التفتت زينات تنظر له بغيظ، كما لبى الآخرون أمره، حتى نظر حامد لهم وهو يهز رأسه يؤيد ما قاله لهم. ورغم ابتسامة ياسمين الخبيثة من إحراجها لزوجة عمها وغضب حسن المكتوم، إلا أنها نظرت لـ غسان فوجدته ينظر لـ نيروز بدقة. علمت هي ما يجري جيداً، كما أنها سمعت من قبل رغم عنها وقوفها معه في الشرفة ليلة أمس بعد رحيل حازم منذ أن كان معها. نظرت لهما بتعمق فوجدت غسان يحرك أنظاره من عليها ثم نظر بحدة بالغة لـ حسن الذي لم ينتبه لتلك النظرة. ولكنها أيقنت جيداً أن شقيقتها وقع بها رجل سيحميها! ستؤجل ذلك إلى حين آخر عندما تواجه شقيقتها.
تنفست نيروز بعمق كما ربّتت عليها جميلة برفق، ونظرات وردة المتعاطفة أيضاً معها. دقائق بسيطة وانتهوا من الطعام، ورغم موعده المتأخر كثيراً، إلا أنهم اجتمعوا على أية حال! نهض كل منهم على فترات حتى يضعوا من الأطباق في المطبخ ثم ليغتسلوا!
حتى خلى المكان من الطعام، فجلس جميعهم في صالة المنزل التي كانت ممتلئة بهم، عدا النساء في المطبخ.
توجه حازم وياسمين إلى الشرفة التي توجد في صالة المنزل بعيدًا عنهم.
ثم وقفت تنظر له بصمت، قائلة بقلق:
"مش مطمنة يا حازم، حاسة إن في حاجة هتحصل!"
"متوتريش نفسك، وادخلي يلا ظبطي لبسك، وعلى المغرب المأذون هييجي."
أومأت له بالإيجاب، وبها بعض القلق، ولكن ظلت واقفة معه لفترة.
بينما في الخارج، جلس حامد بجانب آدم، ثم ربّت على كتفه بحنو وهو يقول:
"روح يا بني، حب على راس أخوك. انتوا ملكوش إلا بعض يا آدم، وارموا وعدوا كل حاجة وحشة حصلت وعيشوا. هو خايف عليك، مش قصده أي حاجة خالص من اللي في دماغك. وهو عنده حق بصراحة، لأن الطريق اللي أنت فيه ده يا بني آخره وحش. وزي ما في أصحاب جدعان، في أصحاب سوء. مش كل الناس زيك، خد بالك من الكلمة دي!"
كان آدم يجلس بهدوء، وهو ينصت إلى حديث عمه باهتمام، ولكن لم يتحدث ليرد عليه، بل استمع له فقط بعجز من صحة كلماته.
بينما جلست وسام بجانب غسان، وبجانبهم يامن وبدر. أما زوجته فهي في المطبخ مع النساء.
وكان أمامهم نيروز، التي جلست بصمت بجانب جميلة، ولكنها تنفست بعمق حينما وجدت عمها يخرج من باب المنزل، وخلفه زينات وأولادها. بقليل من الذوق العام خرجوا دون أن يستأذنوا للانصراف، ولكن خير ما فعل عمها، يبدو أنه لا يريد افتعال المشاكل.
نظرت بتوتر في المكان بسبب نظراته لها بين الحين والآخر.
فنهض آدم من جانب عمه، وهو يشير لشقيقه بالحديث على انفراد.
نهض بدر له، تاركًا الصغير مع غسان يلاعبه هو والآخر.
فاتجهت نيروز تحت أنظاره إلى والده، الذي يجلس بجانبه بسام.
جلست نيروز بجانبه بأدب، فابتسم حامد لها بحنو، ثم قال:
"عاوزك متخافيش، طالما كلنا هنا ومعاك. ولو حاجة حصلت واحتاجتيني، أنا هنا جمبك على طول. وإفرحي النهاردة وانسي كل حاجة كده وفرفشي، عشان الهبل دول يتجوزوا بقا والبيت يفضي ليك، ولا إيه؟"
طالعته بتأثر، فنظر لها بحنو عندما أردفت ببسمتها البسيطة:
"شكراً على اهتمامك يا عمو."
قالتها بامتنان، فأجابها بلطف وعاطفة أبوي، كونه أب لثلاثة:
"أنا زي أبوك يا حبيبتي، ده بعد إذنك طبعاً. ربنا يصلح حالك!"
هزت رأسها وهي تبتسم له، لوهلة شعرت بأن ماذا لو كان ذلك الجالس يواسيها هو والدها؟!
كان بسام يجلس بجانبهم بملل، فنهض على فجأة، ثم تحدث قائلاً بهدوء:
"أنا همشي أنا، يدوبك ألحق أروح أغير وأصلي وألبس وأجي تاني. جاي معايا يا بابا ولا هتخليك شوية؟"
كاد أن يتحدث والده، فوجد دلال تخرج من المطبخ، فابتسم له قائلاً:
"أمك طلعت أهيه، كنت هستناها. دي الحب دي يااض، همشي من غيرها إزاي."
قالها وهو ينهض، ثم تحرك وهو من خلفه، بعدما أشار للأخرى بأن تتبعه، حتى يخرج جميعهم من باب المنزل، بالطبع بعد وداع حامد المؤقت لنيروز.
نهضت وسام هي الأخرى معهم، حتى تقتل حيرتها بماذا سترتدي! سيأخذ منها وقت بالتأكيد!!
تبقى هو والصغير وهي!! لحظة موترة بالنسبة لها، خاصة بعد ما حدث منذ قليل!!
اقترب غسان من الصغير، ثم قام بتقبيله من خده، ثم هبط على أذنه بعدة كلمات، وهو ينزله أرضًا.
فتوجه يامن وهو يركض ركض طفولي، حيث وصل إلى نيروز، فانتبهت هي له، ثم انتشلته ترفعه، وقبل أن تقبله، تحدث الصغير تزامناً مع تقبيله لها هو أولاً ببراءة:
"خدي دي!"
قالها بنبرة طفولية، لم تفهم هي، ولكن على أية حال قبلته بحب هي الأخرى، مع نظراتها العشوائية في المكان، فوجدت غسان يطالعها بعبث، وهو يبتسم، ثم تحدث بثقة، وهو يشير على نفسه بجرأة:
"بتاعتي!"
كان يقصد القبلة. احمرت وجنتاها بشدة، ثم نهضت من مكانها بتوتر، وهي تتجه حيث الشرفة، بعدما أنزلت الصغير على الأرض.
فدلفت لشقيقتها، فابتسمت لها ياسمين باتساع، ثم بادلتها نيروز البسمة وهي تقول:
"يلا عشان تلبسي عشان نحلق حتى."
أومأت لها ياسمين، فتحدث حازم بمرح، وهو يخرج من الشرفة:
"قاعد بقولها كده من ساعتها. بكذب نفسي باين، مش عاوزاني!"
ضحك الاثنان بخفة، ثم توجهت معها حيث الغرفة.
كانت قد رحلت جميلة منذ قليل هي وعايدة، حتى يجهزوا أنفسهم.
والآن اتجه حازم حيث غسان، الذي رفع يده يدفعه قائلاً بمرح:
"يلا يا عريس، خلينا نروح نجهز بقا."
قالها غسان وهو يدفعه بمرح، فضحك الآخر بخفة، وهو يصيح عالياً بالمكان أنه سيخرج.
فأجابته سمية وهي تخرج من المطبخ:
"ماشي يا حبيبي، متتأخرش بقا، وانت كمان يا غسان!"
أومآ لها وهما يخرجا من المنزل.
بينما حملت هي الصغير بتعب، بعدما انتهت من عمل المطبخ. بقي تنظيم الصالة بخفة فقط!! ستفعلها سريعاً، ولأن عقد القران سيبدأ الناس في الاجتماع عندها بعد قليل، بسبب المعازيم المتكونين من أصدقاء ياسمين والأقارب المقربين بشدة فقط!!
في الجهه الأخرى!! كان يحتضن آدم شقيقه، ثم خرج يتحدث بهدوء:
"حقك عليا يا بدر، أنا مش عارف كنت بعمل إيه ولا بقول إيه. أنا تايه."
غلبته عاطفة الأخوة، وهو يمسكه من كتفيه بحب، قائلاً بحنان:
"أنت أخويا يااض، مقدرش أزعل منك. بس سيبك من كل اللي أنت فيه ده يا آدم، وحاول تبدأ من الأول صح!"
هرب آدم بأنظاره، وهو يتحدث باختصار، حيث لا وقت له في فتح تلك المواضيع في يوم كهذا:
"إن شاء الله. روح البس بقا ولبس يامن وهاته يقعد مع عمه."
"من عين يامن يا جدع! بس متبوظليش الواد، خليه محترم، هلاقيها منك ولا من غسان."
نظر له ببسمة مكلفة، بسبب إرداف ذلك الاسم الذي لا يحبذه من فراغ، ثم شرد بأثر شقيقه، وهو يتجه بعيداً عنه.
فجلس آدم منتظراً على الأريكة، وهو يمسك هاتفه يعبث به بملل، فهو أتى بملابسه متجهزاً من الأساس عند موعد الغداء، الذي كان متأخراً!!
***
"تقدر تقولي أنت جاي دلوقتي ليه؟"
بعد مرور وقت في شقة زينات، وقف سليم بعدما بدل ملابسه، ينظر لابنه وهو واقف في صالة المنزل، مردداً كلماته بجدية وجمود.
حتى خرجت أيضاً زينات بمجرد سمعها لصوته الجامد من الداخل، وهي ترتدي ملابسها!
فطالع "حسن" ببرود، ثم ابتسم بسمة جانبية بسخرية، قائلاً بتهكم:
"بدل ما تقول لابنك حمدلله عالسلامة؟"
"والله لما تكون ابن بجد مش فاشل وضايع! لأ، وكمان خراب، وجاي تخرب وتبوظ اللي بيتعمل!"
قالها بحده، ثم واصل مجدداً بتحذير:
"إسمع!! لو حصل حاجة النهاردة منك، أنا هيبقي ليا تصرف تاني معاك. خليك في نفسك كده واهدي، ومش عاوزين زفت مشاكل! مش فاهم أنا إيه اللي حدفك علينا دلوقتي؟"
نظرت زينات له بحدة، ثم تحدث قائلة بغضب:
"جرا إيه يا سليم؟ ده مش كلام تقوله ليه بعد غياب، محموق أوي كده ليه على ابن عايدة؟ مالك؟"
نظر لها بصمت، ثم توجه يخرج من باب الشقة، متوجهاً حيث أسفل لجلب المأذون، كما قال لابنه! تاركهم ينظران من خلفه بغضب دفين!
ولكن على أية حال، سيصبران في هذا الوقت.
اتجاهت لتأخذ حقيبتها، ثم صاحت باسم ابنتها، وهي تمسك بكتف الآخر بمواساه، قائلة بعدما خرجت ابنتها من الغرفة:
"يلا."
***
في شقة حامد، وبعد مرور وقت عليهم أيضاً، كلاهما يرتدي ملابسه بأناقة!
خرجت "وسام" من غرفتها وهي ترتدي فستاناً من اللون الأزرق الداكن وحجاب رأسها كان من نفس اللون، واضعة كحل أعين فقط من مساحيق التجميل ليظهر عينيها. خرجت لهم بصالة المنزل فوجدت والديها يجلسان بجانب بعضهما بعدما تجهزا سريعاً.
"حامد" كان يصنع الانبهار الشديد بطريقة بالغة حتى يبث لها الثقة، ثم نهض يمسك يديها وهو يقوم بتدويرها مثل العروس قائلاً بحب وحماس:
"إيه الجمال ده يا حبيبة بابا !!"
نظرت له بتأثر كما نظرت والدتها، ثم دخلت في أحضانه سريعاً قائلة بتأثر غلفته طبيعتها المرحة:
"أجدع بوب ! بحبك اوي!"
ربت عليها بحنان ثم خرجت من أحضانه تجلس بجانب والدتها. فالتفت هو لهم ثم حك ذقنه بتفكير:
"عارفين ناقصني إيه ؟"
"إيــــــــــه."
"أحط برفان !"
قالها ببساطة وهو يعدل من مظهره بخفة، فضحكا الاثنان عليه. بينما نهضت "وسام" بحماس وهي تأخذ يده حيث غرفة "غسان" قائلة على سرعة:
"برفيوم غسان تحفة، تعال أحطلك منه!"
دقت الباب ثم انتظر هي وهو بضعة دقائق حتى فتح لهم "غسان" بضجر وهو عاري الصدر، من أمامهم فقط يرتدي بنطال الحلة فقط! انتفضوا جميعاً حينما شهقت "دلال" عالياً مرددة:
"يلهوي!! هتاخد برد يا بني!"
انتفضا سريعاً من أثر صوتها، فنظر لها بهدوء محركاً عينيه بمعني لا تقلقي، ثم وجهها حيث الاثنان قائلاً بتساؤل:
"هو فـى ايه ؟"
"عاوز أحط برفان ياض!! عندك مانع ولا ايه ؟"
ضحك رغماً عنه وهو يفسح لوالده المكان هو والأخرى ليدلفا الغرفة. في حين توجهت "دلال" للغرفة الجانبية حيث "بسام" لتدق عليه. بعد لحظات، وضع "حامد" العديد من الروائح المختلفة، فنظر له "غسان" باشمئزاز زائف وهو يردد:
"ما خلاص يا حامد مش فرح امك هو!"
"الله يرحمها يا بني، الف رحمه ونور تنزل عليها!"
قالها "حامد" بتأثر زائف، فضحك "غسان" رغماً عنه وهو يرتدي قميص الحلة ثم ارتدي الأخرى ليكملها! وقف قليلاً حتى توجّه ناحية شقيقته وهو يمسكها من طرف فستانها حيث عنقها متجهاً بها حيث خارج الغرفة. ومن بعدها توجه يقف أمام والده قائلاً بثبات:
"مينفعش امسكك زيها يا حج فاطلع وراها يلا، هعمل حاجه وهاجي وراكم علطول!"
قلب أعينه بملل من حديثه، ثم تركه وتوجه حيث غرفة الٱخر غالقا الباب من خلفه. فتوجه "غسان" حيث مكتبه جالباً ورقة وردية من دفتره ثم قطعها ودون بها شيئاً للحظات، ثم توجه ناحية الشرفة يعلق بها مشبكا، ثم قطعها ودون بها شئ للحظات، ثم توجه ناحية الشرفة يعلق بها مشبكا، ثم قذفها ناحية شرفتها إلى أن تظهر بها في المساء بعد الانتهاء من عقد القران. فتوجه هو من بعدها خارج الغرفة حيث غرفة شقيقه الذي يتجاهله. وجد الجميع متجهزاً الٱن، ولكن هو وشقيقه لم يرتديان مثل بعضهما تلك المرة بسبب عدم أخذ "غسان" الفرصة للحديث معه!! لا يعلم لماذا ولكن يعلم أن بشقيقه شئ!! توجه "حامد" إلى حيث باب الشقة وهو يمسك بيده "وسام" وكأنهم عروسين وبجانبهم "دلال" حتى فتح الباب أخيراً، ومن خلفه توأميه! التفت "غسان" برأسه لذلك الذي يهرب بأنظاره منه قائلاً:
"خلصت؟"
اكتفى الآخر بهز رأسه فقط!! ثم توجه ليتخطاه حتى يخرج من الباب. عقد "غسان" ما بين حاجبيه بحيرة من أمره تزامناً مع توجهه للخارج وهو يغلق الباب من خلفه متوجهاً من خلفهم. ثم كانت الصدفه أنه اتجه ليقف أولاً وهم من بعده. فوكزه "حامد" وهو يدفعه بمرح قائلاً بجديه زائفه:
"إبعد يا حبيبي..إبعد أنا الكبير!"
ضحكوا على ردة فعله، فابتسم "غسان" لوالده باستفزاز ثم ردد ببساطة:
"وأنا الطويل"
قالها ثم ضحك رغماً عنه وهو يربت على كتف والده يدفعه إلى الأمام برفق ليبقي في المقدمة تحت ابتسامتهم الواسعة. فدلفوا هم من الباب المفتوح على وسعه، ولم يغلق بعد بسبب المناسبة.
في شقة "سمية" كان المكان مجهزاً إلى حد كبير كما جاء لهم بعض من المعازيم القلة الجالس بعضهم في حجرة الضيوف الكبيرة قليلاً، والمرتبة للجلوس بها هم والمأذون. كانت "سمية" هي التي تقابل المعازيم هي وزوج ابنتها "بدر" و "حازم". أما بقية الفتيات في الغرفة مع العروس. تجهزت "ياسمين" أخيراً، كما تجهزن هم أيضاً. نظر ت لها "نيروز" بتأثر، التي ترتدي فستاناً بسيطاً من اللون الوردي الهادئ جداً كمثل ملامحها!! أما "ياسمين" فكانت ترتدي فستاناً بسيطاً بأكمام واسعة من اللون الأبيض وكذلك الحجاب! وارتدت "جميلة" كمثل "نيروز" ولكن كان باللون الأخضر الداكن!! و "ورده" كان فستانها طويلاً من اللون اللبني كلون السماء في صفائها! إحداهن كورده، وواحدة كملاك والاخرى كورقة شجرة، مع لون السماء!! طالعتها "ياسمين" بحب وهي تنظر لدموع عينيهما المحبوسه فاتجهت لتحتضن الثلاثة بتأثر وهي تهتف بصوت متحشرج:
"يخربيتكم هتبوظولي اللوك قبل ما قرة عيني يشوفه!!"
خرجن من أحضانها وهن يضحكن عليها بقوة، رغم تأثرها تضحكهن بشدة. قاطع لحظتهم "وسام" التي دقت على الباب حتى أذنت لها من الداخل، فابتسمت لهم ثم وضعت يديها على فاها ومن ثم قامت بخروج زغروطة عالية صدحت في المكان بأكمله. ثم اتجهت لتحتضنهن قائلة بحب:
"زي القمر كلكم يا اخواتي!"
بادولها المجاملة، فتحدثت "وسام" مرة أخرى قائلة بسرعة:
"طب يلا أنا جايه أقولكم ان المأذون جه!"
رغم توترها كعروس إلا أنها خرجت خلفها ومن خلفها الأخريات. فصدحت الزغاريط في المكان على أثر رؤيتها وهي تقف من أمامهم قبل أن تدلف إلى الغرفة. أما "حازم" فنظر لها بفرح وتأثر وانبهار تلك الفتاة الذي عاش طيلة هذه السنوات يعشقها ستكون على إسمه بعد دقائق. أدمعت عينيها سريعاً حينما اتجه لها والاخرين يهللوا بالتصفيق والصفارات أيضاً مع صدوح صوت الأغاني في المكان. امسك يديها سريعاً فوجدها باردة من أثر التوتر، فخرج منه صوته المتأثر المختنق من كثرة فرحته بها:
"هو فـى.. حد حلو بالشكل ده؟"
ابتسمت رغم هبوط دمعة على خديها قائلة بنرجسية لا تتوافق مع الموقف:
"أه أنا!"
ولأنهم كانوا بالقرب من بعض، ضحكوا عليها بخفة. فتوجه وهي بجانبه حيث الداخل. أما "غسان" فوقف ينظر بتيهان إلى تلك التي سلبت قلبه منذ زمن مر عليه الكثير!! ابتلع ريقه وهو يحاول تجاهلها. أصبحت خطراً عليه حقاً. كان قد وصل "عز" و "فرح" فوقف معهم "بسام" في جانب يتحدثان مع بعضهم من تلك الصدفه كما ذهبت "جميلة" لترحب بصديقتها!! دلف الجميع أخيراً بعد دقائق إلى الغرفة وامتلئت الأماكن إلى حد ما. و "سمية" كل ما تفعله أنها بين الحين والآخر تنظر بتأثر وفرح لابنتها كم يعز عليها فراقها حقاً، رغم ما يحدث بينهما!! جلس المأذون وبجانبه "حازم" ومن ثم "ياسمين" وعلي الناحية الأخرى من المأذون جلس موكل العروس "سليم" ووالد العريس أيضاً. أطفأوا الأغاني حتى يتحدث المأذون في هذا الجو المشحون بمشاعر كثيرة متضاربة، رغم بعض النظرات الحاقدة من "زينات" وأولادها إلا أنها بقيت في جانب ما ساكنة.
وأخيراً صدح صوت المأذون الهادئ وهو يخطب:
"بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)"
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة."
قالها كما أكمل، من بعدها أيضاً حديث عن بر الزوج وطاعته وحسن معاملة الزوجة، تحت نظرات الجميع المنصتة باهتمام. فواصل بعد انتهاء الخطبة موجهاً حديثه لـ"سليم":
"قول ورايا يا أستاذ، بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد إني استخرت الله تعالى وزوجتك موكلتي الآنسة البكر الرشيد ياسمين سالم محمد الأكرمي لنفسك زواجاً شرعياً صحيحاً على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا حاله ومؤجله وبشهادة الشهود والله خير الشاهدين."
رددها "سليم" خلفه كلمة تلو الأخرى. وكما أن الشهود بعض من الشباب ومنهم "غسان" ووالده و"بدر"، فنظر المأذون إلى "حازم" مردداً وهو ينظر إلى مسك يديهما ببعضهما من خلف المنديل القماشي:
"قول ورايا يا عريس، إني استخرت الله تعالى وقبلت ورضيت الزواج بموكلتك الآنسة البكر الرشيد ياسمين سالم محمد الأكرمي لنفسي وبنفسي زواجاً شرعياً صحيحاً على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا حاله ومؤجله وبشهادة الشهود والله خير الشاهدين."
صمت ثم أشار ليتحدثوا جميعاً مع بعضهم وكل من في المجلس:
"وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...
بــــــــارك الله لــكمـا وبـــارك عليكـــما وجمــع بينكمــا فـي خـيـر."
رددوها جميعاً، تحت النظرات المتأثرة من النفوس الصافية. فنهض "حازم" سريعاً ثم فرد ذراعيه على آخرهما قائلاً لها بتأثر وفرحة:
"فـحـضن جــوزك يا مــراتي بقـا!"
قالها فهللوا جميعاً بالتصفيق وهي داخل أحضانه، والآن هي أصبحت حلاله! شعور غريب كتب عليهما رغم الراحة التي توجد به. رحل المأذون بعدما أوصله "سليم" ثم اعتلت الأغاني مرة أخرى في المكان وكل منهم يرقص مع نصفه الآخر على نشيد العاشقين. هو وهي، "وسام" و"حامد"، "فرح" و"عز"، "بدر" و"ورده"، أما البقية فكانوا ينظرون ببهجة رقصة الأميرة والأمير بهدوء، على لحن الكلمات الشهيرة وهم من خلفهم والتي كانت تحتوي برتمها الهادئ البسيط:
"صاحبة الصون والعفاف أحلى واحدة في البنات
اللي عمري ما قلبي شاف زيها في المخلوقات
تسمحي لي برقصة هادية تسمحي لي بقربي منك
حلم عمري تكوني راضية عن وجودي بس جنبك
يا خلاصة الجمال يا نشيد العاشقين
يا إجابة عن سؤال كان شاغلني من سنين
كان سؤال عن مين حبيبتي مين هتبقى أساس حكايتي
والإجابة كانت إنت، إنت كنت غايبة فين
يا حبيبتي إنت نوري إنت إحساسي بحياتي
إنت مالكة من شعوري كل ماضي وكل آتي
إنت مفتاح الحياة للي نفسه يعيش سعادة
قلبي محتاج لك معاه وكل يوم يحتاج زيادة
يا خلاصة الجمال يا نشيد العاشقين
يا إجابة عن سؤال كان شاغلني من سنين
كان سؤال عن مين حبيبتي مين هتبقى أساس حكايتي
والإجابة كانت إنت، إنت كنت غايبة فين
يا حبيبتي إنت نوري إنت إحساسي بحياتي
إنت مالكة من شعوري كل ماضي وكل آتي
إنت مفتاح الحياة للي نفسه يعيش سعادة
قلبي محتاج لك معاه وكل يوم يحتاج زيادة
يا خلاصة الجمال يا نشيد العاشقين
يا إجابة عن سؤال كان شاغلني من سنين
كان سؤال عن مين حبيبتي مين هتبقى أساس حكايتي
والإجابة كانت إنت، إنت كنت غايبة فين"
وبخفة في المكان تحت أنظار الجميع، وما أن انتهوا جلس كل منهم من جديد. كانت أنظار "غسان" مجتنبة "نيروز" إلى حد كبير، ولكن لتلك الغبية جاءت بنفسها لتجلس بجانبه!! وهو يحاول أن يتهرب منها ولكن لم تكن تقصد ذلك!! مال عليها متحدثاً بجانب أذنها:
"عقبـالنـا."
ماذا يقصد ذلك الوقح!! أهي مرة وهو مرة أخرى أم هما معاً بمرة واحدة. رغم حرجها منه إلا أنها أجابته برسمية حتى تضربه بمقتل:
"عقبالك انت الأول!"
قالتها بثبات وهي تنظر بمكان آخر غير عينيه. فواصل بتبجح غير مستسلماً لها وهو يردد مرة أخرى بضغط وعبث:
"ومالو، قريب أوي!"
تظاهرت بأنها لم تستمع له، بل نهضت تقف بجانب شقيقتها الكبرى وبعض الفتيات، حينما هللوا بأن "فريدة" ستقوم بتشغيل أغنية حتى يقوموا بالرقص عليها. ورغم غرابة هذا!! ولكنهم ترقبوا جيداً حتى يستطيعوا الرقص بسعادة. ولكن ضربتهم بمقتل حينما كانت بداية الكلمات أغنية مؤثرة عن الأب:
"صوت رنة المفتاح في الباب ساعة أما توصل
ومكالمة نص اليوم لما من غير داعي تسأل
والزعيق من ورا قلبك لما أصالحك وتتقل
وحضنك اللي بنسي قبله ليه كنت بزعل
رأيك اللي كله حكمة صوتك حفظته
كل موقف يوم زعلني وبعدين فهمته
أنت اللي أنا رافعة رأسي من ورا اسمه وسيرته
بنت أبويا واه يا بختي بعمري وياك عشته."
بداية الكلمات صدمة وإحراج شديد وكسرة قلب! أدمعت عين الثلاثة أشقاء "ورده وياسمين ونيروز"، ولم يقو أحد على الحديث بأن شخصاً ما يوقف من تلك الأغنية التي كسرت قلب ثلاثتهم للتو. نظر "حازم" حوله بتوتر، فوجد الأجواء كهذه، ثم نظر إلى "فريدة" فوجدها تبتسم بانتصار هي ووالدتها!! أمسك يد "ياسمين" سريعاً ثم حاول مجاراة الأمر بمرح حتى لا تتوتر الأجواء هاتفا بصوته العالي:
"ما انا هبقي ابوها بردو يجماعه!"
منهم من ضحك ومنهم من نظر بتأثر. فأمسك "حازم" يديها وهو يقوم بالرقص معها على بقية الكلمات خاصة بعد تلك الحركة الغريبة والغير مألوفة بالنسبة لهم حينما أمسكت "فريدة" يد "سليم" المرغوم على أمره من أمامهم وهي تتراقص معه حتى تزيد في ضغطها وقهرها لهن. فتراقصوا على كلمات الأغنية مع الآخرين حتى أكملت الكلمات:
"بيقولوا لي إني شبهك. إني زيك
حتة منك."
روحي روحك
واخدة قلبك في المشاعر والكلام
بيقولوا لي اللي شافوكي كتير لاقوكي بنت أبوكي
ده في سلامه واهتمامه
يا بختي قالوا بنت أبويا يا سلام
لما تقلق وأنا أخبي لتزعل عشاني
وأما في طريقنا نسافر ونشغل أغاني
وأما تشوف مني دمعة وتعمل مش شايفها
بتخاف تكسفني وتحسسني أنك كاشفها
أنت سندي وأنت ضهري وصاحب عمري كله
لما بشكي لما بحكي من غيرك أروح أقوله
اللي مهما كبر سني هفضل أعيش في ضله
يا حبيبي يارب يخلي صوتك العمر كله
كانت تتراقص "ياسمين" معه بتأثر. مر الوقت عليهم لا يعرف أي منهم كيف مر. ولكن بقى أفراد العائلة والبعض من الخارج فقط مثل الأصدقاء. جلس "حازم" معها في الغرفة فحاولوا هم إخلاء الجو لهما، تاركينه معها وهم يتوجهون إلى الخارج. كانت هي قد خرجت تجلس وهي تبكي في شرفة الصالة. وعندما خرج هو لاحظ جلستها حتى ذهب لها الشرفة وهو يدلف يقف بجانبها مرددًا على فجأة:
"بتعيطي؟"
التفتت برأسها تمسح دموعها وهي تهز رأسها بصدق. ولم ولن تحاول التكذيب. فابتسم على صراحتها ود لو ليأخذها بين أحضانه ولكنها أحلام الآن! خرجت نبرته المليئة بالحنو والمواساة وهو يردف:
"ياريت العياط بيرجع حاجة! عارف إنك مبتحبيش وبتوجعي من الفراق وبتخافي منه. بس خليكي جامدة كده ولا يهزك حاجة!"
ابتسمت على تشجيعه لها ثم هتفت بصوت ضعيف تسأله:
"يعني أنا ضعيفة؟"
"انتِ؟ ده انتِ الواحد يقوي بيكِ!"
قالها بتلقائية فنظرت له بتأثر ثم بكت بصمت من خلال مشاعرها للتو!! نظر بدهشة وهو يردد بغير تصديق:
"ايه ده؟ بتعيطي تاني ليه؟"
"مش عارفة!"
وكالبلهاء المختلة عقليًا أردفتها بضحكة من بين بكائها كما فعلت معه من قبل! ضحك عاليًا بخفة وهو ينظر لها بحب. ثم تنحنح قائلاً:
"انتِ نكدية ولا إيه؟"
نظرت بصمت ثم رددت بجهل مرة أخرى تكرر:
"مش عارفة"
قهقه عاليًا بقوة وهو يخرج من جيبه علبة من المناديل الورقية ثم قدمها لها وهو يتحدث من بين ضحكاته الرجولية:
"أومال عارفة إيه؟ انتِ بتعيطي ولا بتضحكي.. إمسكي إمسكي!"
اهتز جسدها من أثر ضحكاتها على حالها. لا تعلم أتضحك أم تبكي. أخذتها وهي تضحك وتبكي في آن واحد تتمنى لو يبقي معها بالشرفة ولم يرحل ذلك الذي تخلل بها شعور الحب تجاهه وبقوة ولا تعلم متى!
فالخارج استأذن "حامد" وزوجته من المغادرة بعد ذهاب الكثير على فترات. فرحل هو وهي. وبقي "سليم" وزوجاته والأخرين. أما "فريدة" فرحلت إلى المنزل لتجلب شيئًا كما قالت لهم. كما خرج "آدم" و"حسن" مع بعضهما من المبنى بأكمله! اتجهت "جميلة" تودع "عز" و"فرح" الذي أخذا كثيرًا على الأجواء. خرج "غسان" من الشرفة حتى لا يبقي أمام الأنظار والشكوك بينهم بسبب تلك العقربة بالنسبة له "زينات". توجه ليقف أمام "عز" وهو يبتسم له قائلاً:
"نورتنا يا عز. ياريت تكون عرفت تفرق بينا بقا. أصل أنا بتعب من الحوار ده"
ضحك "عز" عاليًا من على باب المنزل! وهو يردد بأسف:
"للأسف لسه مش عارف أفرق. ده يدوب عرفتكم النهارده من بعض بسبب اللبس المختلف!!"
قالها وهو يبتسم فبادله الآخر الحديث بمرح. هبط الآخر بينما ظلت فرح مع جميلة لدقائق يتحدثا قبل الرحيل. نظر عليهم فوجد المكان ينقص "بدر" وزوجته يبدوا أنها دلفت غرفتها بعد الذي حدث فذهب خلفها وانتهت تلك الجلسة المبهجة بأخرى بها بعض الحزن! استأذن ليننصرف إلى شقته تاركًا تلك النظرات الصامتة لكل منهم للآخر!
قبل قليل
خرجت تلتفت من حولها خوفًا من أن أحد قد يراها. ثم ركبت المصعد بسرعة وهي تحمل تلك الحقيبة المتوسطة في الحجم في يديها. حتى وصلت "فريدة" إلى الأسفل وهي تلتفت حولها بريبة. اصطدمت بذلك الذي سبق شقيقته فالنزول "عز" فالتفت سريعا بأسف:
"أنا آسف. معلش"
"ما تفتح يا بني آدم انت!"
ذهل من ردها عليه! ولكن صمتت تلاحظ ذلك الشبه الذي بينه وبين "شريف". شريف ينتظرها. ركضت بعيدًا عنه قبل أن يراها أحد متوجهه إلى حيث أحد الشوارع الجانبية التي توجد بها سيارته كما اتفقا مع بعضهما! ومن ثم هبطت "فرح" أخيرًا ثم امسكت ذراع شقيقها وهي تبتسم له ليرحلا معًا!
بعد قليل
دلف إلى الشقة فوجد والده ووالدته يجلسان بإنهاك على الأريكة وهم كما هما بملابسهم. وبجانبهم "وسام" أيضًا. ابتسم لهم بتساؤل:
"أومال بسام فين؟"
"فأوضته مش عارفه بيسو ماله واخد جمب كده ليه!"
قالتها "وسام" بحيرة. فتركها "غسان" وهو يتجه حيث غرفة شقيقه. ثم فتحها دون الدق عليه فوجده يجلس على الفراش غير مهتمًا لوجوده حتى. اتجه ليقف من أمامه ثم تساءل بهدوء من الذي يحدث منه من غرابة التصرف:
"مالك يا بسام؟ فيك ايه؟"
رفع "بسام" أنظاره يطالعه ببرود. ثم أجابه وهو ينهض ليترك له المكان:
"مفيش حاجة. ما أنا كويس أهوو!!"
قالها وكاد أن يتحرك من أمامه فأمسكه "غسان" بحزم يوقف من حركته. ثم تساءل بجمود:
"بتكلمني كده ليه؟ هو فيه ايه؟"
أنزل من يد شقيقه الممسكه به ثم نظر له بعينيه قائلاً على فجأة وبصوت عالي يصرخ به عاليًا كمن انفجر للتو بعد كل ذلك الكتمان منذ زمن:
"مــــش عارف في ايــــــه"
استغرب "غسان" من تحوله المفاجئ ثم تحدث قائلاً بقلة علم وبنبرة جادة:
"انت بتزعق كده ليه؟ لو عندك حاجة قولها غير كده تسكت!"
قالها بحزم! فرفع "بسام" يده يمسكه من تلابيبه باندفاع صارخًا بوجهه:
"أنـــا قابلت تاج!! عارف يعني إيه؟ يعني عرفت بكل قذارتك!"
دهش بشدة حينما أردف الآخر له حديثه وهو يمسكه كذلك! فخرج منه صوته يجيبه بغير تصديق من ما أردفه ومن مقابلته لتلك الحقيرة! هو يعلم أنه سيأتي يوم لتلك المواجهة. ردد أخيرًا بغير تصديق وكبدايه لكسرة قلبه من شقيقه:
"قذارتــى!"
"أه قذارتك. ليــه؟ ليه كل الفتره دي تكون انتَ اللي كاسرني مش هي! أنا عملتلك ايه عشان تدمر حياتي كده؟ ما تنطق"
صراخه العالي جعل من بالخارج يدلفون الغرفة على فجأة بينما دفعه "غسان" إلى الخلف بقوة مرددًا بصراخ:
"ضحكـــت عليك تانــي يا غبي! قالتلــك ايه المرادي؟ قــــول!"
نهض "بسام" يدفعه هو الآخر صارخًا بوجهه بانفعال اشتد في نبرته العالية أمام أنظار البقية المنصدمة مما يحدث!:
"قالتـــلـــي إنــك قــذر وزبــاله.. ! و بتستغفلني...
بتدخل فحياتي ليه؟ بتدمرها وتكسرها ليه؟ حرام عليك العذاب اللي عيشته بسببك يا أخي!
صدمته فاقت كل الحدود، ولكن تحكمه في سرعة رده كانت الأقوى حينما انْفَعَل وهو يقترب منه ممسكاً بوجهه يهزه بعنف حتى يفوق الآخر تحت نظرات والده المنصدمة وحتى بكاء وصراخ الأخريتين!
"انت مجنون؟ إزاي تصدق أي حاجة هي تقولها؟ ده أنا عشت طول الفترة اللي فاتت براقبك عشان خايف عليك. شوفت وصلت لحد إيه؟ أنا دمرت حياتك. دا أنا كل خوفي في حياتي عليك وعشانك! أنا اللي بعدتها عنك عشان كانت بتأذيك وبتستغفلك! كانت هتشوه سمعتك لو كنت كملت معاها! أنا كنت عارف إن ده لو حصل ما كنتش هتسيبها، ما كنتش هتسيب واحدة مقضياها بالطول والعرض يا متخلف وانت نايم على ودانك!"
هاجت الدماء في عروق الآخر حتى هما الاثنان لم يستمعا لمناداة والديهم عليهما، وإن تدخلا ستتعقد الأمور من تصرفاتهم! رفع "بسام" يده بغضب ثم دفع شقيقه بقوة إلى الخلف حتى ارتطم "غسان" بالحائط الذي خلفه بقوة كبرى من أكثر دفعة شقيقه، وهو يصرخ عالياً بغضب. سالت الدماء من رأس "غسان" من الجانب بسبب خروج بعض الأخشاب الصغيرة من الديكور. ثم من بعضهما أخذ الآخر يدفع كل شيء من حوله بهستيرية وهو يصرخ عالياً بانفعال ممزوج بالبكاء. تأوه "غسان" حينما وقع على ذراعه ذلك الرف الكبير الذي يحمل من الكتب أعداداً كبيرة! سمع صوت كسر عظمة من عظام ذراعه! فتأوه بصوت عالٍ مع صراخ "دلال" ببكاء، و"وسام" الباكية هي الأخرى. فتوجه "حامد" يدفع "بسام" حتى يهدأ فدفعه الآخر بعيداً عنه قائلاً من بين بكائه المنكسر:
"ابعدوا عني!"
لم ينظر له "حامد" بل اتجه سريعاً يدفع تلك الأشياء من جانب "غسان" المستمع لبكاء والدته وشقيقته. نهض وهو يتحامل على ألم رأسه وذراعه. ثم وجد الآخر يقف أمامه بعدما دفع كل ما حوله بقوة. عاد ليقف بأنفاسه العالية! حتى خرج صوت "بسام" منه وهو يهتف عالياً وصدره يعلو ويهبط من أثر انفعاله ومن كل ما حدث:
"ابعد عني! معتش ليك دعوة بيا ولا بحياتي يا أخي. امشي!"
حَبِسَت الدموع في عين "غسان" الذي يقف وبجانبه والدته الممسكة به. صمت. صمت ليسمع صوت تكسير قلبه من أقرب الناس إليه! فرت دمعة قاسية وحيدة على وجهه الخالي من أية تعابير ثم ردد بتعب جعل والدته تبكي بقوة وهي تصرخ حينما قال بطاعة أتت من تمزيق قلبه:
"همشي يا بسام ومش هخليك تشوف وشي تاني!"
صمت ثم واصل بتعب ظهر بكل تفصيلة في حديثه:
"همشي، عشان أنا اللي غلطت لما معرفتش أتمكن من خوفي عليك. طول الوقت حاسس إن أنا أكبر منك ومسؤول عليك! أنا اللي شيلتك من وجع كبير وسيبتك لوجع أقل. أنا الغبي اللي خبيت عليك قهره عمر بحاله، مش قهر وزعل عندك بيروح وبيجي. همشي عشان مستحقش منك إنك تشوفني قذر. وهمشي بردو عشان مينفعش تشوفني بعد ما صدقتها هي وأنا لا!"
قالها ثم توجه سريعاً يفتح باب المنزل بقوة وهو يخرج منه حتى وقف فجأة على صوت والدته الباكية عالياً، هذه المرة بقوة عن ذي قبل:
"متمشيش يا غسان. متسبناش عشان خاطري!"
كان صراخ "بسام" من الداخل مع والده يكفي لجلب العشرات من الناس. خرج من شقة "سمية" كل من كان بها منذ قليل. حتى نظروا لذلك الواقف بصدمة، وللأخرى التي تبكي وهي تجلس أرضاً غير قادرة على الحركة! توجهت "سمية" و"عايدة" لها سريعاً وهما يقومان بمساندتها تحت نظرات "زينات" وزوجها الصامتة كما وقف "بدر" مصدوماً وهو يري المشهد من أمامه! بينما هتفت مرة أخرى بضعف من بين بكائها وانهيار شامل:
"عشان خاطري متمشيش. ده اخوك يا غسان. خليك عشان خاطري!"
توجه "بدر" سريعاً خطوة إلى الأمام ليقف بجانبه حتى يرى جرحه والدماء التي تسيل على وجهه. فأوقفه "غسان" بحزم وهو يشير له بعدم الاقتراب أكثر. وصوت أنفاسه العالية كفيل بشرح ما كان يشعر به. خرجت "نيروز" بعد شقيقتها الأخرى و"حازم". فثبتت قدميها أرضاً حينما رأت منظره ودماءه التي تسيل من رأسه. أخرجت علبة المناشف الورقية لديه الذي جلبها لها منذ قليل ثم توجهت سريعاً بلهفة ومن ثم رفعت يديها أمام أنظارهم جميعاً تضعها على جرح رأسه وهي ترتجف من خوفها ولكن ليس منه ومن عبثه بل خوفاً عليه. نظر لها بعمق أعينها مطولاً، فوجدها تحبس الدموع بعينيها إلى آخرها! فردد وهو يوقف حركة يديها قائلاً بانكسار وهو يهبط يديها وينزلها:
"أنا آسف!"
لماذا يتأسف الآن؟ يودعها؟ سيتركها؟ بعدما قالت له بأنها تهاب الفراق وبشدة! أحبته وتعلقت به كثيراً. لا تعرف ماذا يقصد. أحقاً سيرحل حتى كانت تحذره والدته؟ ترك يديها وهو يهبطها ثم نظر لها بخزي وهو يتوجه على السلم ليهبط على الدرج تحت ردة فعلهم الصامتة! حتى "حازم" الذي توجه سريعاً للهبوط من خلفه هو و"بدر". رفع "غسان" أنظاره لهما مردداً بجمود:
"متجوش مش عاوز حد ورايا!"
وقفا بمكانهما بسبب تحذير الآخر الحاد له! وقف من صدمته وتأثره ببكاء "دلال" وهي تهتف عالياً بأن لا يرحل. ولكنه رحل وتركها. هي وزوجها الذي خرج للتو بعد مواجهته مع "بسام" الذي كان بانفعاله في عالم آخر. انحنى ليسند زوجته إلى الداخل. وبجانبه ابنته الباكية الذي ذهب "بدر" ليسندها سريعاً. وهم يدلفون جميعاً إلى شقته. تنحنح الآخرين بحرج وهم يدلفون إلى الشقة من جديد. ولكن تلك المرة رحلت "عايدة" مع ابنتها إلى شقتها. وكذلك "زينات" إلى شقتها هي وزوجها والتي هتفت بخفوت وتشفي:
"ايه الفيلم الهندي ده!"
دلف كل منهم إلى شقته ولكن بقي "حازم" مع "ياسمين"، وهو يجلس بجانبها منصتاً لحديث "سميه" المتأثر:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. من إيه دا بس ياربي."
أما هي دلفت إلى غرفتها وهي تكتم دموع عينيها. بكت بعجز وقلة حيلة وهي تحاول أن تأخذ أنفاسها بصعوبة. لماذا تبكي الآن؟ شعور الفراق مؤذي يتأكل في الروح بشدة. وكسرة القلب منهكة. كسر قلبه بشدة كما كسر شيئاً بداخله من ناحية شقيقه!! ذلك الذي عاش وكأن خوفه على أخوته كمثل وسواسا لن يتركه!! بل يزداد أكثر وأكثر. صوت شهقاتها كان عالياً. لا تعرف ماذا تفعل؟ ماذا تفعل اتجاهه؟ كيف يرحل دون أن يجتمعا من الأصل؟ وضعت يديها على موضع قلبها بتعب وهي تتجه حيث الشرفة لتستطيع أن تأخذ أنفاسها من الهواء بالخارج. ولكن أعاق سيرها اصطدام قدمها بشيء خشبي من الأسفل انحنت لتنظر ما هذا التي انتشلته بيديها بغير وضوح من دموع عينيها. مسحت دموعها ثم بدأت تفتح تلك الورقة الوردية المعلق بها المشبك والذي قذفها الآخر قبل ذهابه لعقد القران تمهيداً لما كان من المفترض بأن يحدث كمثل هذا الوقت. ولكن أين هو؟ هو الذي رحل قبل مواجهتهم وهي التي انتظرت وستنظر!! فتحت الورقة وهي تزيل المشبك الخشبي عنه فوجدت جملة مدونة جعلت دقات قلبها تتسارع قهراً وليس خجلاً مع دموع عينيها الحزينة والفرحة في آن واحد حينما قرأت كلماته المكتوبة لها:
"مش عارف أقولهالك إزاي!.. بس عينيك هدت كل اللي حاولت أمنعه في لحظة!.. أنا شكلي حبيتك يا بنت الأكرمي."
وكأنه كان يشعر بأنه سيفارق قبل أن يعترف لها مباشرة!! نظرت لها مطولاً ثم طوتها بيديها وهو تتمسك بها بقوة تلك الورقة وعلبة المناشف الورقية آخر شيء تبقى لها منه. ذلك الذي جاء بلحظة ليربط قلبه بقلبها دون أسباب. جاء بقلب سليم ثم رحل الآن بقلبين منكسرين! قلبه وقلبها!! هما اللذان كتب عليهما الفراق قبل أن يجتمعا!
رواية عودة الوصال الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة ناصر
من قال أن كسرة الفؤاد وتهتكه شيء يصيب البعض المحدودين؟ بل ويصيب طرفين يحبان بعضهما فقط. ماذا عن كسرة قلب من الأهل؟ الإخوة؟ الأصدقاء؟ أكثر ما يمر على المرء من صعوبة حين يجد نفسه فجأة في أنظار الجميع بأنه المخطئ المذنب بينما كان هو الطرف الأكثر حذرًا والأكثر تضحية! أن يجد نفسه بمفرده بعدما خيبت آماله وخذله أقرب شخص إليه!
تلك هي حالته، عندما وقف في الأسفل في ركن صغير أمام جراج سيارته. وقف يتنفس بصوت عالٍ منذ مدة، وصدره يعلو ويهبط من أثر ما به. كان يتأوى بشدة وهو ينحني ليجلس أرضًا، واضعًا يده على ذراعه الآخر وأخرى على رأسه من أثر اصطدامه بالحائط، مما سبب له دوار رأس جعله يجلس على ركبتيه بإنهاك. تنهد بقوة وهو يكتم دموع عينيه، متحدثًا لنفسه من الداخل بأنه ليس بإمكانه البكاء في هذا الوقت، ليس بإمكانه البكاء من الأساس، بل يتوجب عليه الصمود. خابت آماله حينما نزلت منه دمعة وحيدة على خده، امتزجت بلحيته الخفيفة، حتى سارت إلى عنقه وهي تدخل أعلى مقدمة صدره المكشوف بسبب تمزق قميص حلته!
صمت تام، فالمكان وصوت أنفاسه هي العالية. ولأن الوقت قد مر قليلًا، إلا أن المكان حول المبنى لا يوجد به أشخاص. حتى منظر البحر من أمام المبنى خالٍ من الأشخاص بسبب جو الشتاء الذي يقسو في الليل. صوت البحر فقط وأمواجه هي العالية، وكأن الأمواج تشاركه ثورته المكبوته والمكتومة. كان بإمكانه أن يبرح شقيقه ضربًا. كان بإمكانه أن يجعله ينزف من الدماء ما يكفي. ولكن ردة فعله كانت هادئة، منكسرة. ولأول مرة يظهر عليه التعب والكسرة من شخص ما قد أثر به. ولكنه شقيقه، لما لا يتأثر بتفضيلها عليه وتكذيبه؟ وظهوره بالصورة السيئة. لم يقو على الحركة الآن. يبدو أنه يفكر في الانتظار بضعة دقائق حتى يقوى على الحركة وقيادة السيارة لمدة ليست قصيرة، حيث الوجهة التي نواها هو. الآن رأسه تؤلمه بشدة، ولكن ألم تفكيره بما فعله هو وبما فعله شقيقه كان أقوى من ألم رأسه الحقيقي. رفع يده السليمة ثم ضرب الحائط من أمامه بقوة وهو يصرخ ليخرج ما به من تعب على صدره المتألم يهدأ من أثر صراخه!
قبل قليل، كانت ومازالت واقفة بالشرفة شارده من أمامها، لم تستطع النوم أو إغفال عينيها للحظة! سكون تام حتى في شقتها من الخارج قد دلف البعض للنوم. عدا "بدر" الذي يوجد بالشقة الأخرى إلى الآن! بعد ذلك اليوم المشحون بالأحداث ما يكفي رحل كل منهم إلى شقته بهدوء غلفه بعض الحزن وبقت هي بمفردها. توقفت عن البكاء وهي تنظر على أمواج البحر البعيدة من أمامها. صوت الأمواج! كافٍ لشرح ما يمر به الاثنان. مهلاً! صوت صرخة ولكن لم تكن عالية! سمعتها سريعًا. طبقة هذا الصوت تعرفه جيدًا. ظلام دامس فقط لا ترى شيئًا سوى ضوء خافت. وقفت على أطراف أصابعها وهي تتقدم أكثر لترى بوضوح من الذي يوجد في هذا المكان. ولكن مهلاً! أهذه دفعة ثانية ليده في الحائط؟ دفعة مكتومة لم تصل إلى مسامعها جيدًا، ولكن وصل إلى مسامعها صوت صراخه الدال على عدم قدرته لاخراج ما بداخله. تسارعت دقات قلبها من تخمينها بأنه من المحتمل بأن يكون هو ولم يذهب بعد. توجهت سريعًا لتلتفت وهي تضيء مصباح الشرفة القوي وليس الخافت. ثم توجهت مرة أخرى حتى تقف على أطرافها كما كانت. ولكن لم تر شيئًا، صوت فقط! ولأنها في الطابق الثالث لم تسمع جيدًا، ولكنها سمعت بخفوت.
لم تنتظر لتخمن من هو بالتحديد، ورغم خطر الموقف وخطر الوقت، إلا أنها خرجت من الغرفة بهدوء على أطراف أصابعها. وبالأخص هي لم تبدل ملابسها منذ ما حدث. جذبت المفاتيح من المسمار المعلق بجانب الباب ثم هاتفها والأشياء البسيطة التي توجد بجانبه، ثم فتحت الباب بهدوء وهي تخرج من خلفه مغلقة إياه بصوت خافت من بعدها. لم تتوجه إلى المصعد، بل نزلت سريعًا بركض متوسط في السرعة وهي تهبط على السلم. لحظات حتى وصلت فالأسفل. لم يكن العامل موجودًا على البوابة الخاصة بالمبنى. حسنًا، هذا جيد. ولأنها انتشلت هاتفها سريعًا معها، ففتحت الضوء الخافت منه وهي تتوجه جانبيًا بعيدًا عن الضوء الأصلي من الأمام، حتى اخترق مسامعها صوته المتأوي. التفتت سريعًا ثم دلفت بالجانب فوجدته يجلس أرضًا وهي تسلط الضوء عليه حتى أغلق عينيه بقوة من أثر فعلتها. أبعدت الضوء بسرعة ثم توجهت عدة خطوات أمامه ومن ثم وضعت الضوء مرة أخرى لتراه جيدًا. هو. تسارعت دقات قلبها وأدمعت عينيها وهي تنحني من أمامه تجلس على ركبتيها. طالعها بتعب ثم ردد بنبرة مندهشة ولكن لم تظهر بنبرته بسبب طغيان الألم:
"نيــروز!!"
أومأت له بابتسامة ضعيفة ثم رفعت يديها تتحسس جرح رأسه بأصابع مرتجفة وباردة. حسنًا، يوجد معها إلى الآن علبة المناشف الورقية. أخرجت منها منشفة وهي تضعها على جرح رأسه الذي جدد من إنزاف الدم. كتمتها بقوة حتى لا تنزف مرة أخرى، تاركة ذلك الضوء بجانبها مما أنار المكان! فخرج منها صوتها المتحشرج وهي تسأله بضعف:
"بـتوجعك.. لسه؟"
أيقول لها بأن وجع فراقه أصعب من ذلك الوجع؟ أيقول بأن تهتك روحه وكسرة نفسه طغت على كل ذلك؟ لم يكن يفضل بأن تراه كذلك في أوقات ضعفه، وهو منحني أرضًا وينزف دمًا! وذراعه مكسورًا! أمسك يديها المرتجفة وهو يبعدها عن وجهه ببطء ثم نهض رغم ألمه. فنهضت هي من بعده تنظر له. لحظات من تقابل الأعين اللامعة من الدموع في الظلام. فخرج منها صوتها على فجأة بعد صمت دام، ثم أردفت قائلة مانعة بأن تهبط دموعها وهي تسأله:
"هتمشي؟!"
هرب بأنظاره منها ثم رفع من الجراج الآلي بضغطة زر، حتى وجد السيارة من أمامه. ومن ثم أجابها بنبرة منهكة:
"لازم!"
قالها وهو يتوجه حيث سيارته وهو يتحامل على ألمه ثم فتحها، ولكن أوقفته نبرتها وهي تقف أمامه. نبرتها التي اخترقت سهام قلبه المنهك بما يكفي حينما رددت بترجٍ:
"متمشيش!"
صمتت ثم واصلت بغير وعي بنبرة بطيئة مختنقة:
"أنا كنت لسه.. بقولك.. بخاف من الفراق. بخاف حد يسيبني بعد ما أتعلق بيه!!!"
كانت تعابيره خالية. نظر لها بخزي ثم تحدث بأسف للمرة الثانية وهو يهبط من نظراته في أعينها إلى وجهه أخرى:
"غصب عني لازم أمشي. أنا آسف. بس دا قلبي ودي كرامتي."
قالها ثم هرب سريعًا من نظراتها وهو يركب السيارة بحركة بطيئة حتى أنارت المكان من الخلف. أما هي فلم تستطع الانتظار أكثر من ذلك. كسر قلبها قبل أن يُشبع بحبه. التفتت لتسير بخطوات سريعة أشبه بالركض وهي تصعد الدرج. وعندما شعرت بأن بكائها سيخرج منها رغماً عنها وضعت يديها على فمها وهي تصعد حتى وصلت وهي تفتح الباب بيد مرتعشة. ثم أغلقته من خلفها وهي تستند عليه من الخلف. تتنفس بأصوات عالية. لحظات وهي تقف بمكانها. ثم انحنت لتجلس أرضًا وهي تنظر على يديها والمنشفة الورقية الملطخة بدمائه في يديها. المكان ساكن. صامت. تحاملت على نفسها وهي تنهض لتسير في طريق غرفتها من جديد. تحزن وتدهش من نفسها لأمرين: الأول تحزن عليه ومنه. والثاني لما تحزن من الأساس وهي تحبه من فترة قليلة! أيقنت أنها أحبته وأحبت وجوده من فترة كبيرة ولكن لما لم يختارها أليس يحبها؟ تحزن منه وعليه! ولكن ياليتها تشعر ويا ليتها تستطع بأن تحدد مشاعرها قبل فوات الأوان!
في شقة "حامد" كان يجلس ومن جانبه "دلال" الباكية لا حول لها ولا قوة. والأخرى ابنتها الصامتة بصدمة مما حدث من شقيقها وبالأخص "بسام". أيعقل؟ هو يفعل كذلك؟ هذا الذي عاش طيلة حياته كتوماً لغضبه وحزنه. ولكن يبدو أنه مريض بالكتمان! وانفجر إلى حد معين. كان "بدر" يواسيهم بين فترة وأخرى خاصة زوجة عمه وابنتها. أما "حامد" فكان صامتًا. التفت "بدر" لينظر على ذلك الذي خرج من غرفته للتو يقف من أمامهم وهو يتنفس بأصوات عالية. ووجه محمرًا من أثر انفعاله الذي يهدأ منه تدريجيًا. نظروا له جميعًا بخيبة كبرى مما فعله. فخرج صوت "حامد" له مردفًا بحدة:
"إرتاحت كده؟"
خليته يمشي. كسرت أخوك!
لم ينظر إلي والده، بل حاول التحكم بنفسه وهو يجيبه بنفس الحدة مشيرا بيده بعصبية أمام وجهه:
"هو اللي كسرني الأول!"
اقترب منه والده وهو يشير بيده بانفعال عليه قائلا وهو يصرخ بوجهه:
"بردو لسه غبي!"
اقترب بدر يقف بالقرب منهما تحسبا لشئ. فواصل حامد ليكمل:
"تاج يا بسام تفضل تاج وتصدقها على أخوك ليــه ليه كده!"
صرخ بوجه والده وهو يردد بانفعال:
"أيوه بصدقها وهصدقها عشان هو يحصل منه كل اللي قالت عليه. طب ليه خبي عليا من الأول طالما هو الصح وهي اللي كذبت ليه مدافعش عن نفسه بتفسير."
صمت حامد تحت بكاء الآخرين ونظرات بدر من أمامه. فواصل يكمل بضحكة ساخرة وهو يصرخ عاليا:
"إيه معرفتش ترد ليه؟ ما تقول."
"ساكت عشان أول مرة اشوفك بالتخلف ده. كنت فاكرك متفتح عن كده. أنا اللي كنت بقول طول عمري إنك أعقل من أخوك. وأنا بردو اللي عيشت طول عمري باجي على غسان وبغلطه دايما. فكل اللي بيعمله عشان بيتعامل بدراعه. بس كنت عارف إن قلبه الطيب وحنيته تغلب كل حاجة. وإتأكدت لما سابك تموت فيه بالبطئ وهو ساكت. واللي شوفت منه خوف عليك بدأت أحس إن هو اللي أبوكم مش أنا!"
انتهى من حديثه ثم رفع يده يصفعه بقوة على وجهه تحت نظرات الجميع المصدومة. فواصل حامد يكمل بثبات:
"ده عشان إسلوبك معايا. وعشان دموع أمك وأختك. وعشان تعرف إن أخوك خد كتير من القلم ده على قلبه مش على وشه!"
لم يصدم بسام بل بقى ثابتا من أمامه لم يحرك له جفن. فنهضت دلال سريعا وهي تحاول أن تتغلب على عاطفة الأمومة ثم قالت من بين بكائها:
"ليه يا بني تعمل كل ده؟ ليه يهون عليك وجع قلبي!"
طالعها بصمت. فتحدث بدر سريعا وهو يمسكه قائلا:
"خلاص يا بسام شوف انت رايح فين الوقتي يلا."
أنزل من يده ثم التفت ليتوجه بصمت ناحية غرفته حتى قطع دخوله صوت شقيقته الباكية:
"مش هاسامحك يا بسام لو غسان مرجعش."
لم يلتفت بل أكمل سيره بعدما توقف وهو يتجه حيث غرفته غالقا بابها من خلفه. اتجه حامد ليسند دلال وهما واقفان بجانب بعضهما رابتا على ظهرها بمواساة. فتحدث بدر سريعا:
"متقلقوش يا جماعه. إحنا مش تايهين عن غسان ده ميقدرش ميشوفكوش كام ساعة على بعض! هيرجع والله والدنيا هتبقي زي الفل."
رفعت دلال يديها تنفي ما قاله ثم تحدثت بنبرة مختنقة:
"لأ يا بدر. لأ. الدموع المحبوسة في عين ابني دي أنا عارفاها. دموع كسرة عمري ما شوفتها فيه قبل كده!"
قالتها بانهيار. فتوجه سريعا يسندها من الجانب الآخر وهم يتجهون معا حيث غرفتهم. فوقف بدر على الباب وهو يدخلهم إلى الداخل. ثم أغلق الباب من خلفهم متوجها لتلك التي تجلس بشرود من بين دموعها. فوقف من أمامها ثم تحدث قائلا باطمئنان:
"قومي يا وسام واستهدي بالله وحاولي تنامي. شوفي دنيتك ودروسك حتي لو غسان بعيد الوقتي عنك عمره ما هيحب يشوفك في الحالة دي!"
طالعته بحزن. ثم جففت دموعها متحدثة بحديث آتي من أعماق قلبها للتو كخبيرة درست شخصيته:
"عارف يا بدر. غسان طول عمره هو اللي بيواسينا زي ما انت بتعمل كده دلوقتي. وهو اللي بيشيل هم أي حاجة عندنا. ولما يحصله حاجة بيبقى لوحده ومبيلاقيش حد معاه. انا خايفة عليه أوي عمره ما بعد عننا. خايفة يحصله حاجة ده كان ماشي غرقان في دمه مش شايف قدامه."
نظر لها بحنو. ثم مد يده يسندها لتنهض وهو يقول:
"إن شاء الله كل ده هيعدي. خليك قوية كده."
قالها ثم حثها على السير أكثر إلى الأمام إلى أن اتجهت بمفردها ناحية غرفتها. فوقف إلى أن دلفت الغرفة. ومن ثم نظر هو على غرفة غسان تحديدا بحزن. ثم توجه ليخرج من باب شقة عمه!!
في شقة زينات دلف كل منهم إلى غرفته منذ وقت. حتى هي لم تهتم كثيرا لوجود ابنتها. بل اتجهت منذ أن دخلت تفتح باب غرفتها فوجدتها مسحطة على الفراش أسفل الغطاء. ولكن مهلا! هذا من وجهة نظرها فقط. أما هي فوضعت بعض من الوسادات المنحنية والعريضة أشبه بجسدها أسفل الغطاء. حتى يعتقد البعض بأنها متدثرة جيدا. فالغطاء ويتركها لمدة بسيطة. مر الوقت ولكن هي الآن جالسة على الفراش ولم تغفل بعد! وبجانبها زوجها. حتى ولدها منذ أن خرج مع آدم في نصف عقد القران لم يأت بعد. كمثل عادته إما يأتي متأخرا. أو سيظل خارجا من الأساس. تنفست بصوت مسموع وهي شارده ثم رددت بتفكير:
"ما هو بردو الموضوع ده مش داخل دماغي. مش معقول فـ لحظة كده."
همهم سليم بجانبها. ثم قال بنعاس:
"نامي يا زينات الصبح قرب يطلع. إحنا مالنا!"
"مالنا ازاي يا راجل؟ ليكونوا بيدبروا لحاجة. أنا عارفة الأشكال دي كويس!"
التفتت إلى جانب آخر ثم ردد مرة أخرى بغير اهتمام:
"إطفي النور وسيبيني أنام شوية."
نظرت له بضجر. ثم أغلقت الإضاءة الخافتة من جانبها وهي تتسطح بجانبه هي الأخرى حتى تستغرق في النوم. إن استطاعت من كثرة تفكيرها وفضولها مما حدث. ولكن لحظة تشفي وسعادة بنفسها إلى ما فعلته اليوم بالفتيات وكسرتهن التي رأتها في أعينهن!! لم يعط أحد بالا لما حدث منها ومن ابنتها بسبب جري الأمر ورقص ابنتها مع والدها. نظرة فخر وابتسامة سمجة زينت محياها على ابنتها. ورغم استغرابها من ذهابها للنوم مبكرا. ولكن لم تعطي لها اهتماما. فهي دائما بمفردها في غرفتها ولم يتوعد لهما سوى واحد!!
قبل عدة ساعات كثيرة:
ركضت سريعا خارج المبنى وهي تحمل الحقيبة بيديها المرتعشة. ثم سارت بخطوات كبيرة إلى شارع جانبي حيث تقف به سيارته هو. وما أن رأته ركبت السيارة بجانبه سريعا. ثم نظرت له بتردد. كل ذلك وهو ينتظر. وما أن ركبت التفت لها شريف. ثم ابتسم بسمة جانبية قائلا بترحاب:
"حمد الله عالسلامه!"
ابتسمت له ثم التفتت توزع أنظارها في المكان وهي تحثه قائلة:
"طب يلا نمشي بسرعة. أنا خايفة."
انتفضت حينما سار بالسيارة بسرعة على فجأة ثم تحدث وهو ينظر من أمامه قائلا بحديث اعتبرته هي مطمئنا:
"طول ما انت معايا يبقي مينفعش تخافي!"
ابتسمت له بحب. وكالمغيبة تماما لما يريده هو من الأساس. وها هي الآن جالسة بغرفة صغيرة في شقته التي لم تبعد كثيرا عن المكان. تبتسم بشرود على حديثها معه. ثم تذكرت هروبها من أمام أنظاره لغرفة بمفردها. إلى أن ينفذ ما قالته له. هي ضحت وهو إلى الآن لم يضحي بعد. مشاعر كثيرة متضاربة معها تشعر بها مابين فرحتها بهروبها مع من تحب. وما بين هروبها وتقليل من شأنها. وأهلها. ماذا سيفعل والدها الآن وشقيقها؟ والدتها هذا ما تهابه وتخافه أكثر من خوف ووجع ضميرها!! تلك التي ينطبق عليها مصطلح الخيانة. فليست كل الخيانة خيانة حبيبين فقط!!
بل خانت أهلها بعد أن خانت نفسها أولا.
تنفست بعمق من كل تلك الأفكار المتضاربة، ثم التفتت سريعا تنظر لذلك الذي دلف عليها الغرفة دون أن يدق الباب أولا.
ابتسم لها "شريف" وهو ينظر لها من على بعد مرتديا ملابس مريحة عكس التي تراه بها.
دب بها الحرج مع الخوف وهو يقترب منها، ثم جلس بجانبها وهو يحاول أن يبقي طبيعيا أمام أنظارها.
فتحدثت هي سريعا من قبله وهي تقول:
"مبسوط يا شريف؟"
ابتسم لها بسمة مصطنعة ثم تحدث يجيبها قائلا بمراوغة:
"ومتبسطش ليه؟ انت منمتيش لحد دلوقتي ليه؟ خايفه مني؟"
"لأ طبعًا. مش خايفه بس يعني لازم نبقي موجودين مع بعض تحت مسمي. أنا خايفه لأي حاجة تحصل وحاسة بالذنب بصراحة من اللي عملته. انت لازم تجيب مأذون عشان أنت مش هتقعد معايا كده ولا تقرب مني إلا ما نتجوز!"
ضحك عاليا بخفة ثم التفت بوجهه ينظر لها بتعابير وجه خالية، ثم خرج منه صوته موضحا:
"ما أنا مفهمك ومراسيكى على الحكاية من الأول وإن مفيش فيها مأذون. عاوزة تعيشي معايا على كده ومالو. مش عاوزة براحتك. ما هو أصل أنا لو حبيتك أكيد مش هسيبك وهاخدك تعيشي معايا زي الوقتي. بس انت شكلك ليك رأي تاني يا فريدة!"
قالها وهو يتصنع الحزن الغير مباشر بلؤمه. فوضعت يديها سريعا على يده وهي تتمسك بها بقوة قائلة بلطف واندفاع سريعا:
"متقولش كده يا شريف أنا مش قصدي حاجة من دي. ومستحيل أسيبك وأمشي بعد ما سيبت الدنيا عشانك. بس أنا عاوزة أحس إني غالية وإني زي أي بنت نفسها تفرح حتى لو بكتب كتاب!"
نظر على يديها الممسكة بيده ببرود ثم نظر لها مجددا وهو يتنهد، أيقول لها بأنها مجرد حيلة؟ مجرد قضية؟ مجرد فعلة ينوي أن يفعلها ولكنه ينتظر الوقت المناسب وما يروق له؟ أيقول لها بأنها حقا ليست كأي فتاة تترك أهلها وتهرب؟
خرج منه صوته بعد لحظات وهو يمسك يديها قائلا بهدوء:
"أنا قولتلك إن هو ده اللي أقدر أعمله. ورقتين عرفي وتخلص الحكاية من غير دوشة. ومحدش هيقدر يقربلك طول ما انت معايا. لو واثقة فيا أكيد هتفكري في كلامك قبل ما تقوليه!"
صمت ثم تابع ليسألها عن مجهول:
"عملتي اللي قولتلك تعمليه عشان محدش يدعبس وراكي؟"
أومأت له وهي تهز رأسها بالإيجاب لاخر حديثه. أما أول حديثه فتعاملت كالمغيبة والغبيه المتخلية عن مبادئها. رفعت ذراعها تحتضنه بقوة كتعبير عن أسفها. تردد بأن يرفع ذراعه هو الآخر يربت عليها من ظهرها، ولكنه رفع ذراعه يحتضنها بشرود، في نقاط متعددة. تلك التي توجد بأحضانه سيشعرها بما شعرت به شقيقته؟ ولكن مهلا، شقيقته كان رغما عنها كل ما حدث. وهو يجب عليه أن يفعل ذلك؟ بالقوة والغصب من ناحيتها وناحيته؟ وما أن وصل إلى تلك النقطة خرج من أحضانها وهو يستقيم لينهض واقفا تحت أنظارها، ثم سار بخطوات ثابتة إلى خارج الغرفة إلى الأخرى بعدما أغلق الباب خلفه تحت أنظارها المتأسفة. هذا هو الرجل إن أخذ أكبر من حجمه ينظر للفتاة من منظور آخر. وتلك هي الفتاة التي تكسر كرامتها بنفسها ثم تتخلى عن ثقة من حولها بها وترحل. هذه هي نتيجتها من رجل كهذا. والقادم لا يبشر بأنه أفضل أبدا!
هذا ما يفكر به؟ هذا حاله؟ لقيادته السيارة لمدة ساعة كاملة وأكثر، وهو يتحامل على جميع آلامه. أوقف السيارة أمام ذلك المنزل الموجود من أمامه. منزل صديق أيامه. هذا الذي بقي له رغم بعدهم الآن عن قبل، ولكن قربهم في البعد أقرب من القرب. هبط "غسان" من السيارة وهو يقف أمام المنزل بإنهاك. اتجه عدة خطوات ثم رفع ذراعه السليمة وهو يدق جرس المنزل بقوة. ثم استند بتعب على الحائط إلى أن يفتح الباب من قبل من فالداخل. دقائق مرت ثم لحظات وهو ينتظر. ذلك الذي اتجه ليتفح الباب له. ففتح الباب أخيرا من قبل صديقه. فنظر من أمامه على الطارق إلى أن وقعت عيناه على ذلك الذي يقف بتعب من أمامه وهو ينتظر. استوعب الأمر "غسان!!" ذلك الثابت من أمامه طوال الوقت ماذا حل عليه الآن وهو يقف الآن ووجهه ملطخا ببعض الدماء. نظر إليه "غسان" وهو يبتسم بضعف ثم نادي عليه بتعب بنبرة ضعيفة:
"شـــادي."
قالها ومن بعدها انحني ليجلس أرضا لعدم قدرته. فاتجه صديقه يسنده سريعا بلهفة بعد استيعابه للأمر. ورغم ثقل جسد "غسان" إلا أن "شادي" يعتبر في نفس طوله وجسده! تحامل على نفسه والآخر يسنده إلى أن سارا الاثنان معا ببطء إلى الداخل. ثم أغلق الآخر الباب من خلفه بيده الأخرى سريعا. توجه به ثم أجلسه على تلك الأريكة الواسعة حديثة الطراز. فجلس "غسان" عليها بهدوء. ومن أمامه صديقه الذي ينظر له بخوف وهو يحاول أن تخرج منه نبرته سريعا بلهفة:
"غسان! مـــالك يا غسـان؟ إيه اللي حصل؟"
لم يقو "غسان" على الحديث بل بقى صامتا. من يراه ومن يعرفه جيدا سيرى دموعه المحبوسة جيدا. فعينيه. تفاجأ صديقه من كونه يراه في هذه الحالة لأول مرة. تقدم "شادي" أكثر وهو يربت على ذراعه المكسور فتأوى الٱخر بخفوت. فابتعد هو سريعا ثم أردف وهو يخلعه ردائه الأمامي من ناحية ذراعه فقط ثم قال بصدمة وهو ينظر على ورم ذراعه ولونه الأزرق الداكن:
"ده ده شكله مكسور!"
أومأ له "غسان" وهو يهز رأسه بالإيجاب. وجرح رأسه ينزف مجددا. فرفع الآخر يده يتحسس ذلك الجرح بلهفة. ثم نهض سريعا إلى الداخل وهو يجلب علبة من الإسعافات الأولية. بحث عنها لدقائق حتى التفت ليرجع مرة أخرى فوجده مسحطا على الفراش غافل الأعين. يبدو أن من أثر قوة جرح رأسه لم يستطع الصمود أكثر من صداع ودوار رأسه. اتجه سريعا له يتحسس نبضه ثم وضع على رأسه منديل قماشيا وقطن معقم. وما أن انتهى دثره جيدا من الغطاء وهو يسطح الأريكة الكترونيا حتى تتسطح أكثر. ثم أغلق الأنوار وهو يتجه سريعا ناحية غرفته يجلب هاتفه وهو يطلب رقم طبيب اعتاد طلبه له في هذه الأوقات عندما يكون بمفرده. فهو يعيش بمفرده في هذا البيت لعمله ولنفسه. فهو يعتبر وحيدا بعدما مات أهله وسافر أشقائه وبقي هو يكون نفسه بنفسه من أموال إرثه. حتى يوصل لما كان يريده. إلى أن أصبح صاحب تلك الشركة الصغيرة التي يحلم إلى الآن بأن تكبر أكثر وأكثر!! انتظر رد الطبيب في ذلك الوقت المتأخر وهو يدق عليه مرة أخرى حتى يعلمه بحالة الآخر بالتفصيل حتى يأت له على الأقل يقوم بخياطة جرح رأسه. أما ذراعه فله أمر آخر!!
بدايات الصباح إذن بعض مرور كل ذلك الوقت وأكثر. أتى الصباح محملا بمشاعر عدة مختلطة. أخرى حزينة. أخرى سعيدة شامته. أخرى ضعيفة مكسورة. استيقظ في الصباح في شقة "سمية". هي نفسها وابنتها الكبرى. والذي لم يكن طبيعيا "ياسمين" أيضا. بعد أن استيقظ كل منهم وقاموا بفعل ما يفعلونه في الصباح من الاغتسال والجلوس قليلا حتى الإفاقة!! الآن يجلس كل منهم أمام الآخر بصمت على الأريكة ومن أمامهم الإفطار. نظرت "سمية" لـ "بدر" الصامت من أمامهم ثم تحدثت قائلة ببسمة صغيرة:
"عامل ايه دلوقتي يا حبيبي؟ ودلال وحامد كويسين من امبارح ولا أخبارهم ايه؟"
أومأ لها وهو يهز رأسه بالإيجاب مبتسما وهو يقول:
"الحمد لله. مشكلة وتعدي."
التفتت "سمية" تنظر على ابنتيها فوجدت واحدة تطعم صغيرها والأخرى تجلس شارده. نهضت تقف وهي تتجه لـ "ياسمين" ثم جلست بجانبها واحتضنتها على فجأة بسبب ما حدث من كثرة في عقد قرانها. بالطبع ستشعر بأنها ليست صاحبة حظ جيد!! رفعت "ياسمين" يديها تحتضنها هي الأخرى ثم تحدثت قائلة باطمئنان يغلفه المرح:
"انت ناويالي على إيه بعد الحضن ده يا سمية؟ هتقتليني؟"
ضحكت عليها "والدتها" بخفة ثم ربتت على كتفها قائلة بحب:
"الله يصلح حالك يا بنتي ويسعدك يارب."
ابتسمت لها "ياسمين" كما ابتسم الآخرين الذين يتابعون.
مايحدث ببسمه صغيره ، فتنهدت "ياسمين" ثم نهضت تزامناً مع قولها:
_" هروح أشوف نيروز "
أومأوا لها تزامناً مع اتجاهها حيث غرفة شقيقتها ، دقت الباب عدة دقات ثم دلفت من بعدها مباشرةً تغلق الباب من خلفها مره أخري ، فوجدتها جالسه علي الفراش ، التفتت لها "نيروز" وهي تبتسم لها باتساع ، فتوجهت "ياسمين" لتجلس بجانبها ثم رفعت ذراعها عليها بحركه مرحه وهي تسألها بمراواغه:
_" مش هتروحي الشغل يا حب ؟"
ابتسمت "نيروز" لها ثم رددت قائله بصوت هادئ:
_"لأ مش قادره ، تعبانه وهبطانه من إمبارح"
اعتدلت "ياسمين" سريعاً تنظر لها بتمعن فوجدت عينياها يبدوا أنهما حمرواتان ولكن ليست بشده ، كما أن أنفها أيضاً من النفس اللون الخافت !! ، عقدت "ياسمين" ما بين حاجيبها قائله بتساؤل:
_"كنتى بتعيطى ؟"
هربت بانظارها وهي تومأ لها بالنفي تزامناً مع حركتها وهي تهبط لتتجه ناحية الشرفه حتي فتحتها وهي تتدلف لتقف بها ، تابعتها "ياسمين" لتتحرك من خلفها تقف بجانبها هي أيضاً ، ثم نظرت الآثنتان بشرودٍ من أمامهما ، ولكن هي حركت رأسها إلي حيث شرفه غرفته التي توجد بجانبها وجدتها مغلقه !! ، لاحظت "ياسمين" نظراتها المثبته عليها ، فتنهدت تأخذ أنفاسها ثم خرج منها صوتها وهي تتحدث بثقه :
_" بتحبيـه صح؟"
التفتت سريعاً بمفاجأه تنظر لها ، وسرعان ما تعلثمت وهي تحاول أن تتحدث لتبرر، فقاطعتها "ياسمين" بسرعه وهي تتحدث قائله بهدوءٍ:
_" مينفعش تقولي لأ ، مش هصدقك !!"
تابعت بعقلانيه وهي تلتفت بوجهها لتنظر لها:
_" لو بيحبك هيرجع علشانك"
قالتها ثم توجهت ناحينها تحتضتنها بقوه ، فرفعت "نيروز" يديها تتشبت بها وهي تتحدث بنبره مختنقه:
_" مش عارفه ده حصل إمته وإزاي !!"
تابعت لتتحدث من بعدها وهي تحاول بأن يخرج صوتها من أثر كبت دموعها:
_"بس أنا قولتله ميمشيش و...مشي"
ورغم إستغراب "ياسمين" من حديثها إلي أن تحدثت تجييها قائله وهي تربت علي ظهرها بحنانٍ:
_" أنا متأكده أنه هيرجع ، دا واقع خالص اسكتى انتِ"
خرجت من أحضانها وهي تضحك بخفه ، فواصلت "ياسمين" قائله :
_" تعالي نروح نفطر ، وننزل نشتري هديه حلوه كده عشان وسام عيد ميلادها النهارده، وأهو نروحلها ونهون عليها ، إيه رايك؟؟"
أومأت لها بحماسٍ طفيف دب بها بسبب مواساة شقيقتها ، فابتسمت لها الأخري وهي تشير لها بأن تتبعها إلي الخارج حيث والدتها وشقيقتها ، خرجت لهم ثم ابتسمت ، فبادلتها "والدتها" البسمه ثم قالت:
_"اقعدي افطري يا حبيبتي، ملبستيش ليه عشان الشغل؟!"
_"لا مش قادره أروح ، محتاجه أرتاح شويه"
نظرت لها "ورده" الجالسه بجانبها ثم توجهت ناحية وجنتيها لتقبلها بخفه ، تحت أنظار "بدر". لهن، ولـ "نيروز" الذي أيقن من تعاملها ليلة أمس مع "غسان" بأن بينهم ما يسمي بالحب! الذي جعل الاثنان يقفان في وجه بعضهما يتواجهان بطريقه غير مباشره ، وأيضاً لهفتها ما أن رأت جرحه وشكله التي لم يأخذ أحد بالاً لها بسبب صدمتهم !! ، إبتسم لها "بدر" بخفه ثم تحدث قائلاً بمشاكسه وهو يراها تُقبل من زوجته:
_"يا بختك يا روز ؛ خدتي بوسه عالصبح كده رايقه من غير نكد ولا حاجه "
ضحكوا عليه بخفه ، فعبست ملامح "ورده" كما خجلت أيضاً وهي تردف قائله باستنكارٍ زائف:
_" يعنى أنا نكديه ؟؟
_"أبداً يا روحي دا انتِ ملاكّ انتِ وابنك "
ورغم ما به من حزن علي ما حدث إلا أنه يتوجب عليه التظاهر بالثبات دائماً ،قالها بسخريه مما جعلهم يضحكون بخفه علي حديثـه ، وكل منهم ينظر للٱخر نظرة دفء ، نظره خاليه صافيه من الخبث ، نظره خائفه على الأخر مما يمكن أن يُصيب !!
___________________________________________
كان يجلس في شرفة الصاله يستنشق بعض الهواء النقي وهو يفكر بأمورٍ عده أبرزها حزنه علي ما حل بصديقه دون أن يتفهم الوضع! ، والأخري عدم مواجهة شقيقته علي ما فعلته جيداً ليلة أمس ، كان يتوعد لها حتي ينتهي عقد القران ولكن حدث ما حدث من بعدها ثم انتظر إلي حين مواجهتها ومحاسبتها اليوم !! دموع "ياسمين" ليست هينه بالنسبه له ! ، كما قال لشقيقته ولوالدته إلي ما ينوي فعله بـ "فريده" ، التفت ينظر علي شقيقته التي تقف من خلفه فهي لم تذهب لجامعتها اليوم !! ، ابتسم لها وهو يشير لها بأن تتقدم لتجلس بجانبه تقدمت ثم جلست علي المقعد من أمامه وهي تضع أكواب الشاي من أمامه ، فابتسمت له بحنوٍ ثم أردفت قائله تعطي له كوب المشروب حتي إنتشله بيده :
_" انا فرحانه عشانك أوي يا حازم بجد وعشان البت الهبله ياسمين .."
إبتسم لها بحبٍ فاض من عينيه، ثم تنهد يتحدث قائلاً بهدوءٍ:
_"عقبالكّ يا جميله هتبقي الفرحه اللي قلبي مستنيها ، إني أشوفك مبسوطه وربنا معوضك باللي يحافظ عليكِ ويعوضك عن كل حاجه أياً كان هو مين بس لازم يكون محترم ويصونك إن شاء الله"
شردت بتلك النقطه بعدما ابتسمت له ، أياً كان !! حديثه يطمئنها لكن ماذا إن جاء نصيبها من "عز" ورفض والدها !! هذه وجهة نظر مختلفه ، أشار لها أمام وجهها بيديه ثم تحدث بمرحٍ:
_"إيه يا حجه روحتي فين ؟؟"
خرجت من شردوها ثم تحدثت سريعاً تجيبه :
_"لأ مروحتش ولا حاجه ، كنت بقول العزال بقا هيروح امته شقتكم أصل مش واخده بالي؟"
_"من أول بكره بإذن الله معتش حاجه عالفرح وعلشان نلحق بردو نظبط الدنيا فالشقه !"
أومأت له بهدوءٍ فتركّ هو الكوب وهو ينهض حتي ينفذ ماقاله ، ولكن عقدت هي مابين حاجبيها ثم سألته قائله:
_"انتَ رايح فين الوقتي ، انتَ مش اجازه من الشغل وقافل المكتب؟؟"
_" هعمل اللي كان لازم يتعمل إمبارح ، متشغليش بالك"
نهضت سريعاً من خلقه لتوقفه بعدما عرفت مخذي حديثه ثم صاحت حتي أوقفته مكانه مما جعلت والدتها ننتبه وهي تأتي تقف أمامهم:
_" بلاش ياحازم ، هتطلع خسران ، ومحدش هيقتنع انها غلطانه وأولهم بابا!!"
_"خليكّ يا بني بلاش مشاكل "
قالتها "عايده" بترجي ، ففتح الباب وهو يكمل :
_" دموع ياسمين اللي بقت مراتي ومسئوله مني مش سهله للدرجادي !"
هرولوا خلفه سريعاً بسبب إردافه لتلك الكلمات بحده ، فتوجه هو يدق باب الشقه التي توجد بجانب شقتهم مباشرة ، ووالدته وشقيقته من خلفه بعدما وضعا حجاب رأسيهما سريعاً من علي الأريكه ، دقائق وفُتح لهم الباب بواسطة "زينات" التي يظهر علي وجهها أنها مستيظه للتو بسبب نومها المتأخر ! ، عقدت ما بين حاجبيها باستغراب من أمرهم هم جميعاً أمامها وهو ملامح وجه جامده !!
استوعبت سريعا حينما أردف "حازم" يسألها:
"بنتك فين؟"
نظرت له باستنكار ثم تعمدت تجاهله وهي تترك باب المنزل وهي تتثائب واضعة يديها على فمها، ثم دلفت تجلس بجانب زوجها على مائدة الطعام من جديد. فدلف هو من خلفها ومن خلفه والدته وشقيقته. ثم خرج منه صوته قائلاً بجمود:
"ايه مبتسمعيش؟"
التفتت تنظر له بحده، بينما طالعه "سليم" بغيظ وهو ينهض من مكانه قائلاً:
"هو فيه ايه عالصبح؟"
كانت أنظار الجميع مترقبة لما سيحدث. نظر "حازم" إليهم ثم تحدث بتهكم:
"لا من ناحية فيه، يبقى فيه. ايه اللي فريدة عملتوه امبارح ده؟ ولا انتوا مش شايفينها غلطانة؟"
نظرت له "زينات" بغضب، ثم تصنعت البرود وهي تتحدث قائلة لتفتك بأعصابه:
"بقولك ايه بنتي معملتش حاجة، ونايمة. لما تبقي تصحي ابقي تعالي، يلا هوينا!!"
لم يستغرب من وقاحتها ولا الآخرون، حتى زوجها لم يتحدث لها بشيء، لم يعير لحديثها انتباه، فتوجه بخطوات سريعة أشبه بالركض ناحية الغرفة وهو يدقها ومن بعدها دلف بها بسرعة، ومن خلفه الآخرون يهرولون من خلفه. توجه ليكشف الغطاء سريعاً، ثم وجد ما لم يتوقعه أحد!! نظر للوسادات بصدمة، ثم وجه أنظاره لهم جميعاً، فوجد على معالم وجوههم الدهشة. ومن ثم سريعاً، توجهت "جميلة" ووالدتها تبحث في المكان، بسبب ما هو ظاهر! لا أحد في الغرفة. وقفت "زينات" وقدميها مثبتة أرضاً، وكذلك "سليم" الغير مستوعب!! جال بخاطر زوجته أنها ليست هنا من ليلة أمس، إذن كونها فتحت الغرفة ووجدتها على نفس الوضع!! تحدث "حازم" بتيه وهو يسألهم:
"فريدة فين؟"
تحرك "سليم" سريعاً في المكان، وهو يبحث عن أي شيء يدلهم عليهم كما يوجد في قضايا معينة يعلم بها تلك الأشياء. وما أن استوعبت صرخت "زينات" عالياً بولولة وهي تندب حظها، حتى نظر لها "سليم" بحده، ومن ثم تحدث سريعاً بجمود:
"بنتك راحت فين؟"
نظرت لهم بغضب، ثم صاحت عالياً بغير وعي:
"محدش هياخد بنتي ولا هيعمل فيها حاجة غيرهم."
أشارت عليهم، فتوجه "حازم" يقف من أمامها وهو يصيح بانفعال:
"انت واعية انت بتقولي ايه؟!"
كادت أن تجيبه فوجدت زوجها يشير لهم بأنه وجد شيئاً، وما هي سوى ورقة بيضاء من كشكول دراسي! فتحها سريعاً بعد أن توجهوا يقفوا بجانبه. فتحها حتى يقرأ ما بها، فوجد بها ما صدم الجميع من كذبة ابتكرتها حينما كتبت مثلما قال لها "شريف":
"غسان اللي قالي أعمل كده، غصب عني."
تفاجأ الجميع وحل محل وجوههم الصدمة. هكذا كتبت حتى توقعهم ببعضهم، وللحق ليست هي بل "شريف" الذي كان يعلم منها كل تفاصيل ما يحدث وكل أسرار بيتها التي كانت تخرجها له من شجار شقيقها معه وبالأسباب، ولكن بالصدفة أنه رحل هو أيضاً، فنفس اليوم التي رحلت هي به، فأصبح الأمر مؤكداً بالنسبة لديهم!! هي وهو لا يعلمان برحيل "غسان" ليلة أمس لأنها رحلت من قبله. يبدو أن فرصة ثمينة جاءت لهما على طبق من ذهب. وقعت الورقة من يد "سليم" حينما صاحت "زينات" عالياً بقهر:
"إزاي مفكرتش في كده بعد اللي حصل امبارح؟ هو أيوه.. يبقى هو ابن دلال اللي أخد بنتي عشان اللي بينه وبين حسن. هو مفيش غيره اللي بيكره عيالي!"
قالتها تحت مفاجأتهم جميعاً، ثم هرولت بملابس منزلها تخرج من باب الشقة سريعاً، وهم من خلفها مباشرة. توجهت بعدما انحنت تأخذ الورقة بيديها وهي تخرج من الغرفة، ثم خرجت من الشقة بأكملها تدق دقات عالية على الشقة التي توجد أمامها. فتح لهم "بسام" بضجر من تلك الدقات العالية، فأمسكته "زينات" بغير وعي من تلابيبه وهي تصرخ به بإنفعال جعل شقة "سمية" تخرج بأكملها:
"بنتي فين؟ وديت بنتي فين؟ عملت فيها إيه؟"
توجه "حازم" يفصل بينهما سريعاً هو و"بدر" بعدما خرجت بقية عائلة "بسام". ثم صرخ "حازم" بها وهو يبعدها قائلاً:
"ده مش غسان مش هو!"
سكنت تدريجياً، ثم نظرت لهم جميعاً بحدة، ومن ثم قدمت تلك الورقة لـ "حامد" الذي صدم من الأمر، بعدما فهم ما سمعه من حديث ولده. قدم لها الورقة، ثم نظر لها بحدة وهو يهتف:
"عيب اللي بيحصل ده، ابني ملوش علاقة ببنتك، ولا في أي حاجة تربطهم ببعض!"
تلك المرة صاح "سليم" عالياً وهو يقول:
"لأ فيه! معناه إيه الورقة دي؟ ومعناه إيه أن ابنك يمشي امبارح فجأة بعد ما كانت الدنيا تمام؟ وخناق ابنك مع ابني ده مش كفيل يأكدلنا ده؟"
تقدمت "دلال" التي هرولت لتسندها "سمية"، ثم تحدثت بضعف:
"سيبوا ابني فحاله. ابني ميعملش كده أبداً، حرام عليكم!"
"أيوه أيوه آعملي فيها البريئة، تلاقيقي مطبخاها انت وابنك."
قالتها "زينات" وهي تتوجه لها وكأنها ستقوم بضربها. أمسكها "سليم" بحده هو وابنه، تحت نظرات فتيات "سمية" المنصدمة، وخاصة "نيروز" التي تصارعت أفكارها بصدمة! توجه "سليم" بها إلى شقته، ثم وقف على أعتابها متحدثاً بنبرة تحذيرية:
"لو بنتي مظهرتش وطلع فعلاً ابنك ليه علاقة بالموضوع، مش هيحصل طيب يا حامد، لا ليك ولا لولادك كلهم!"
قالها، ثم دفع زوجته للداخل وهو يصفع الباب بقوة أمام أنظارهم المتفاجئة. توجه "بدر" يسند "دلال" مع "سمية" إلى الداخل. ومن ثم تقدم "حازم" يربت على كتف "بسام" الغير واعي لما يحدث من كثرة صدمته. فالتفت "بسام" ليدلف إلى الداخل، ومن بعدها "حازم" الذي أسند "حامد" الغارق بصدمته ومفاجأته!! حتى أصبح جميعهم في شقة "حامد" من الداخل.
هبط من سيارة صديقه أخيراً، بعدما ذهب إلى مشفى قريبة ومن ثم قام بجبس يده ورفع ذراعه الأيسر في حامل ذراعي أسود اللون. خياطة جرح رأسه كانت من الطبيب ليلة أمس حينما جاء إلى المنزل وقام بخياطة رأسه فقط، وهو غافل الأعين في عالم غير عالمنا. هبط بحركة بطيئة، فأوقفه صديقه وهو يهبط، ثم ليتجه له من الناحية الأخرى ليسانده. ابتسم له "غسان" بسخرية، ثم ردد:
"مش للدرجادي يا شادي."
"يعم اسكت، ده انت مدشمل خالص."
ضحك بخفة وهما يسيران معاً، حتى دلفا المنزل بخطوات عادية، إلى أن جلس ومن أمامه صديقه. نظر له صديقه بتعمق، ثم تحدث قائلاً له:
مالك يا غسان؟ أنا أول مرة أشوفك بالشكل ده. إيه حصلك يا صاحبي؟
شرد غسان وهو ينظر أمامه ثم تحدث بنبرة هادئة:
"بسام صدق تاج يا شادي. أكيد قالتله أي حاجة هبلة عشان يصدقها. حتى ما واجهنيش وقال لي ده حقيقة ولا لأ. كذبني على طول وطلعني في الآخر اللي أذيته!"
نظر له شادي بصمت. هو يعرف جيدًا ذلك الموضوع ويتفهم مدى خوف صديقه على أشقائه. فتحدث مرة أخرى ليواسيه:
"أكيد هيرجع لعقله والدنيا هتتصلح. ما هو محدش يصدق تاج دي خالص. وأنت خبيت عليه حاجة صعبة جدًا. يمكن هو لحد دلوقتي ما يعرفهاش، فأحسن لما تجيله بالتدريج."
خرج صوت غسان منه بتعب. استشفه الآخر وهو ينظر له:
"مقدرتش أقول له لحد دلوقتي وأنا واقف قدامه. أنا عندي يعمل فيا اللي عاوزه بس مشوفوش مكسور من تاني أكتر من الأول."
أكمل من بعدها بنبرة ضعيفة ولكن ظهرت بحدة من حديثه عندما ذكرها:
"أقول له إيه؟ أقول له إن صورها وهي بتخونه اتبعتت لي؟ أقول له إن هي لما قضيتها من وراه قضيتها من كل حاجة وكانت هتستغفله وتلبسه فيها وهو مغفل؟ أقول له إن هي كانت معاه مجرد سد خانة بتضحك عليه وبتستنزف طاقته؟ اللي زي تاج دي مريضة، عاوزة الرجالة حواليها. أقول له كده إزاي؟ أقول له إني رحت هددتها بالصور تمشي وتسيبه وتختفي؟ أقول له إني هددت أبوها وهددتها ووريتلهم الصور ومرضتش أفضحها عشان خاطر أبوها؟ كل ده كان بيحصل من غير ما هو يعرف ولا يحس بحاجة. إيه اللي يخلي واحد يمشي ورا واحدة بالشكل ده؟"
قالها مرة واحدة باندفاع. فربت عليه صديقه بهدوء. فرفع غسان أنظاره له متنهدًا بحرارة:
"أنا مشيت على عيني يا شادي. لما حسيت إن قلبي اتكسر وكرامتي اتداس عليها. مكنتش عاوز أمشي عشانها. لو كان ينفع أستنى عشانها كنت استنيت!"
تفهم شادي الوضع. هو يعلم ما يتحدث عنه الآخر. فهو كان يحدثه في الآونة الأخيرة بمعلومات طفيفة عن شعوره ناحية نيروز. جاءه صوت غسان مرددًا مرة أخرى بشرود:
"أنا ملقتش نفسي غير معاها. حتى لو هي مبتعملش حاجة. وهي بتقولي متمشيش عشان بتخاف من الفراق. قرفت من نفسي أوي. حسيت إن بأذيها وباجي على وجعها من غير ما أعمل حاجة!"
قالها ثم وضع يده على رأسه عقب انتهائه من إخراج ما به حتى لو لم يكن كاملاً أو بوضوح. فنظر له الآخر بشفقة ثم تحدث قائلاً بمرح حتى يخفف من الجو المشحون:
"كل حاجة هتتحل يا صاحبي. ارتاح وأنا هاخد لك إجازة. أهو تلحق تستجم عشان تروق كده وأنت بتفكر في الحب والموب والأسد والدوب بتاعك. وترجع يا غسان على قد ما فرحان إنك معايا زي الأول على قد ما زعلان عشان أنا عارف دلوقتي أمك حالتها عاملة إزاي وأكيد حامد مش هيبقى تمام من غيرك يا صاحبي."
"حب وموب!! دي مش بعيد تكرهني بعد اللي عملته وأنا عارف إنه صعب عليها!"
صمت ثم أكمل بعقلانية:
"هم كويسين طول ما أنا بعيد عنهم دلوقتي!"
أومأ له صديقه ثم تحدث من بعدها قائلاً على عجالة:
"خليك زي ما أنت كده قبل ما تنام عشان العلاج."
قالها ثم اتجه سريعًا إلى الغرفة وهو يجلب علب معينة بيديه وبالأخرى زجاجة مياه. ثم توجه له من بعدها وهو يقف أمامه يقدم له ما بيديه بعدما أخرج له الدواء المحدد. انتشلها غسان من بين يديه ثم تحسس بيديه زجاجة المياه ليتجرع منها ومن الدواء إلى أن انتهى. فنظر له شادي بتفكير وهو يردد:
"أطبخ لك بإيدي يا غسان ولا نطلب ونريح دماغنا؟"
"بلاش غسان واقفل النور واطلع برا."
قالها غسان وهو يمدد على الأريكة بأريحية. فنظر له شادي باستنكار ثم ردد:
"بس إحنا في الصالة؟"
"أنت عاوز إيه ياض؟ أنا مبقتش مطمن لك."
تحدث شادي سريعًا وهو ينفي ما يفكر به قائلاً:
"يخرب عقلك الشمال! أنا طالع يعم من هنا. هطبخلك شوية شوربة وفراخ يرموا عضمك المدغدغ ده!"
جذب غسان الغطاء وهو يبتسم ثم ردد بخفوت من أثر نومته:
"لو هتعرف تعملها زي دلال اعملها!"
ضحك صديقه على تبجحه الدائم والذي ينتظره منه منذ أن جاء له منزله من الأساس. يريده بأن يصبح وأن يستعيد طبيعته. يريد له الراحة الدائمة. نظر له بحب صادق من صداقتهم الطويلة وهو يطفئ الإضاءة. يدعو الله له براحة باله وسكينة قلبه. ما أجمل أن يكون لديك صديق كهذا يفرح لفرحك ويحزن لحزنك. قريب رغم بعده. صادق. صافي بعيدًا عن ما أصبح يحدث. يهاب السوء بأن يمسك دائمًا. وأينما حل عليك. حنونًا رغم ما يحدث لكل منهما بحياته. صبورًا في أوقات ضعفك. حزنك. فشلك. سقوطك! تلك هي الصداقة الحقيقية!
وقفت لحظتهم جميعًا عندما اجتمعوا بصالة منزل حامد. جلست النساء بجانب دلال وهن يواسونها. ثم جلست الفتيات بجانب وسام. تحدث حامد بحدة وهو يرفع صوته وكأنه يفكر بصوت عالٍ:
"يعني إيه اللي بيحصل ده؟ غسان ابني مستحيل يعمل حاجة زي دي."
رفعت دلال أنظارها الباكية وهي تولول قائلة بنبرتها من بين بكائها:
"ابني معملش كده يا حامد والله ما يعمل كده. اتصل بيه شوفه فين ولا عمل إيه. قوله يرجع عشان يعرفوا إنه معملش كده!"
التفت حامد لها بجمود وهو يردد:
"أظن ابنك مش غلطان عشان يضطر إن يثبت حاجة أنا متأكد إنه معملهاش. هيرجع يا دلال. هيرجع!!"
قالها تحت أنظارهم الحزينة. خاصة نيروز التي تارة تشرُد في الوضع وتارة تفكر أين هو الآن بجروحه!! تنهدت بتعب وهي تأخذ أنفاسها تكتم دموعها وهي تحتضن شقيقته هي!! فخرج صوت بدر وهو يهتف عاليًا:
"أكيد غسان ميعملش حاجة زي دي وكلنا عارفين ده حتى حازم. اطمنوا..!"
التفت حازم برأسه ثم نظر لهم جميعًا بأسف وهو يتحدث قائلاً بهدوء:
"أنا آسف يا جماعة على اللي حصل. أنا متأكد إن غسان ملوش دعوة بالموضوع. وهثبت ده. بس مضطر هستأذن عشان أشوف هعمل إيه في الموضوع ده. بتأسف مرة ثانية يا أم غسان. حقك على راسي يا حج حامد."
قالها وهو يشير لهما. فنظرت له دلال بضعف. بينما ابتسم له حامد وهو يردد:
"أنت ملكش ذنب يا ابني. الله يعينك ابقى قولنا آخر الأخبار.."
مرت دقائق وهو يخرج من باب الشقة بهدوء. بعدما أومأ له. نظر الجالسين إلى بعضهم بقلة حيلة. ومن ثم خرج من غرفته بسام الذي قد دلف بها بعدما حدث ما حدث. هو الآن يخرج وهو يتوجه ناحية باب الشقة ليقوم بفتحه دون النظر إليهم. أوقفته نبرة والدته وهي تتحدث تزامنًا مع مسح دموعها:
"ارتاحت كده يا بسام؟ كل اللي بيحصل بسببك يا ابني الله يسامحك. ورطت أخوك في حاجة معملهاش!!"
نظر لها حامد بجمود حتى تصمت. وأمام أنظار الجميع الواعية والأخرى التي دب بها بعض الشراسة ولم تكن سوى نيروز التي يمكن أن نقول بأن خصلة شراستها قد تظهر الآن بعدما ربطت الأمور ببعضها. نظرت إليه بحدة من بين دموعها لم يستشفها أحد. ولكن كاد أن يخرج من باب الشقة. فنهضت نيروز على فجأة ثم تحدثت بهدوء في الظاهر ولكن يقتلها من الداخل. ثم رددت عليه ليقتنع بما يتحدثون:
"على فكرة غسان كان بيحبك أوي يا دكتور!"
ومستحيل يعمل حاجة فيك وحشة أياً كان اللي حصل. كلامه معايا عليك بيظهر قد إيه هو كان بيحبك أوي.
قالتها أمام أنظار الجميع الذين تركوها تتحدث بحديثها الصحيح من وجهة نظرهم. نظر لها "حامد" بتعمّق ثم توجه يربت على كتفها بعاطفة أبوية ثم ردّد:
"الكلام ده معادش بيأثر يا بنتي. ربنا يهدي كل واحد!"
قالها وهو ينظر للآخر بجمود، معلناً مقاطعته حتى يعود شقيقه. وكذلك بقية عائلته. أما "بدر" ففاض به كل ذلك ولكن لا يجب عليه أن يعقد الأمور، فتحدث محاولاً الثبات وهو يتجه يفتح باب الشقة للآخر:
"روح يا بسام شغلك واتمنى تفكر في كل اللي اتقال واللي عملته. الموضوع الأول كان بينكم وبين بعضكم بس بسبب كل اللي حصل ده غسان دخل في حوارات تانية خالص مكنش ليها أي حساب. وغيابه بسببك هو اللي بيأكدهم اللي حصل!"
كانت ردة فعله صامتة، يبدو أنه سيمرض بالكتمان مرة أخرى بعدما هاج ودمر كل شيء بهستيرية. خرج من الشقة أمام أنظارهم المستنكرة من ردة فعله الباردة ثم أغلق الباب من خلفه.
فنهضت "سمية" و"عايدة" التي يجب عليها النهوض سريعاً بسبب زوجها ثم من بعدها الفتيات. فتحدثت "سمية" سريعاً بلباقة:
"ربنا يهدي الحال ويصلح الأمور بإذن الله. وانتوا عارفين غسان عاقل وهيرجع. ولو على الموضوع بتاع فريدة فأنا متأكدة إنه برا الموضوع ده خالص وكلنا كده. أكيد سوء تفاهم أو حاجة غلط. الصبر حلو أوي ربنا هيراضينا في الآخر."
أومأوا على حديثها. فتحدثت "عايدة" سريعاً بأسف:
"سمية معاها حق. هنستأذن إحنا نشوف إيه اللي حصل في الموضوع ده. وهبقى أطل عليكم تاني. عاوزين حاجة؟"
أومأوا لها بابتسامة وشكر، ثم بدأوا جميعاً بالخروج من المنزل واحدة تلو الأخرى. ليتوجهوا جميعهم ناحية شقة "زينات" عدا "بدر" الجالس معهم.
***
جلس ممسكاً بعظامه ورأسه بتعب، بجانب ذلك الذي سيكون مثله خلال وقت. ولكن بسبب تعاطي "حسن" أكثر من اللازم هذا ما يسبب تأثره بسبب نقص المخدر من جسده. أمسك رأسه بقوة وهو ينظر لـ "آدم" الذي يحاول الاتصال بـ "شريف" الذي أصبح يجلب لهم تلك المخدرات في الآونة الأخيرة.
نفخ "آدم" بنفاذ صبر ثم ردّد بانفعال:
"مبيردش يا حسن. هنعمل إيه؟"
وقف "حسن" ثم انتشل من بين يديه الهاتف وهو يطلب الرقم من جديد ولكن لا رد. دفع الهاتف وهو يقذفه على الفراش بقوة ثم عاد ليجلس بتعب من دوار رأسه، يبدو أنها أعراض الانسحاب فهو منذ أمس ولم يتعاط شيئاً. خرج منه صوته الذي يجاهد بأن يخرج وهو يسأله:
"حتى لو شريف رد أنا مش معايا فلوس يا آدم. هنعمل إيه؟ أنا مبقتش قادر!"
كان الحديث وكأنه شرارة لانفجار "آدم" بلا سبب. رعشة يديه الملحوظة بدأت تظهر، يبدو أن أعراضه هو الآخر بدأت تظهر. رفع رأسه إلى الأعلى وهو واقف ثم تحدث بصراخ:
"متسألنيش هنعمل إيه! مش أنا قولتلك زفت نبطل!"
هذه الأعراض من تلك المخدرات التي تؤثر بالجسد والعقل، لا يتوقع لها أي ردة فعل. فعندها إما يكون الإنسان منفعلًا أو يكون باردًا. ولكن يبدو أن انفعال "حسن" بدأ يظهر الآن أكثر من الأول وبسبب صراخ الآخر. توجه "حسن" يمسكه من تلابيبه ثم صرخ به بعنف:
"نبطل إيه يا غبي! إنت شايف إحنا عاملين إزاي؟ هنموت!"
دفعه "آدم" إلى الخلف وهو يجلس بسبب عدم قدرته على حمل جسده أكثر. قطع حينها لحظتهم دقات الباب العالية. توجه "حسن" ليفتح الباب بخطوات بطيئة. إلى أن فتحه وظهر هو من أمامه.
دلف "شريف" بخطوات ثابتة باردة إلى الداخل ومن خلفه "حسن" الغير واعٍ إلا لشيء واحد، هل جلب ما يريده أم ماذا؟ طالع "آدم" بحدة ثم نهض على فجأة وهو يدفعه إلى الخلف ثم أمسكه بقوة وهو يصرخ بانفعال:
"إنت مبتردش ليه؟ بتذلنا معاك ليه؟"
نفض "شريف" يديه ثم قدم له تلك الأكياس التي مد يده "حسن" ليمسكها سريعاً بغير وعي. ثم تحدث "شريف" من بعدها وهو يعدل من مظهره بثبات:
"اللي إنت عملته ده غلط يا آدم وعيب. ماشي."
قالها بسخرية ثم واصل يكمل بنبرة ساخرة:
"غيرت رقم موبايلي فـ أكيد مش هعرف أرد. أما بقى بالنسبة للي عايزينه فأهو. ومن غير فلوس كمان أصل مزاجي رايق وحبيت أجبلكم هدية في الوقت الصح. أصل آخر مرة جبت فيها كان كتير أوي وبعدها جبت تاني وبعد كده سبتكم تعرفوا قيمتي. شوف يا أخي كام ساعة قلبت حالكم إزاي. براحة شوية مش كده.. الله!"
جلس "آدم" بإنهاك على الفراش. ثم مد يده يأخذ تلك الإبر من الأكياس التي قد أخذها "حسن" من قبله ثم حقنها به وهو يشعر بالانتشاء. ابتسم بتشفي على "حسن" الجالس يحقن ما به من هلاك دون وعي. والآخر دقيقة ثم سيفعل مثله. عجباً من هذه المخدرات. وعي بلا وعي. جسد بلا روح. عقل فارغ يمتلئ بها فقط.
انسحب هو بهدوء ثم تحدث وهو يخرج من باب المنزل:
"عدوا الجمايل ها!"
نظروا له من على بعد بأعين زائغة. ومن ثم خرج هو من المنزل غالقا الباب من خلفه. تاركهم كمثل ما يكونا في بداية غيبوبة وتسكين جسدهم وعقلهم من أثر ما حقنوه وفعلوه بأنفسهم.
***
"مينفعش نبلغ عن غيابها إلا بعد ٢٤ ساعة. أنا اللي هعرفك يا بابا."
قالها "حازم" أمام أنظار الواقفين جميعاً، ناظراً على وجه والده وزوجته التي تجلس بجانبه بمشاعر مختلفة ولكن غيظها وحقدها طغى على خوفها. أحقاً؟
أردفت قائلة بانفعال لهم جميعاً وهي تنظر عليهم واحداً تلو الآخر:
"إنتوا بتقولوا إيه؟ بتعملوا إيه وبنتي متغيبة بسبب اللي ميتسماش غسان. إنتوا مش واخدين بالكم من النقطة دي!! بتدوروا عليها وهي اللي قايلة بنفسها إن هو اللي قالها تعمل كده؟"
نظر لها الجميع بترقب. فتحدثت "سمية" مداعبة:
"أكيد في حاجة غلط يا زينات لأن غسان مستحيل يعمل كده. دا أنا عارفاه من وهو صغير!"
أيدها "حازم" والفتيات من نظراتهم. فاندفعت "زينات" تجيبها بانفعال وغيظ:
"آه ما إنت لازم تتدافعي عن المحروس عشان صاحبتك وقرايبكم. وبعدين اسكتي إنت. مش بعيد تكوني مطبخاها معاهم."
ذهلت الفتيات من تطاولها على "سمية" فنظرت لها "ياسمين" بحدة. بينما صرخت "نيروز" على فجأة وكأنها تخرج ما بداخلها على إثر صراخها العالي ومن ثم تحدثت بصوتها العالي ونبرتها الحادة للأخرى:
"إنت بتكلميها كده ليه؟ إحنا مش شغالين عندك عشان تكلمينا كده سامعة؟"
فتحت الأفواه من صراخها. كما ذهلوا جميعاً من شراستها الغير معهودة إلا فالقليل. نهض "سليم" على فجأة ثم تحدث بنبرة عالية:
"خلاص خلصنا. إحنا مش ناقصين. اسمعوا كويس اللي هقوله ده بالحرف يتنفذ."
رفعت "نيروز" نظراتها له بترقب ومن "ياسمين" التي كانت تنظر لزوجة عمها بغضب. ووالدتها التي تقف بجانبها "وردة" التي تتمسك بيديها باطمئنان. و"عايدة" وأولادها بجانبهم. واصل "سليم" بقنبلته قائلاً:
"إحنا هندور في كل حتة وهنبلغ عن اختفائها. وبالنسبة لموضوع غسان فأنا كمان مش مقتنع بنسبة بسيطة بس مسيرها هتبان إن كان هو ولا لأ. والعفش بتاع حازم وياسمين هيتنقل بكرة وكأن مفيش حاجة حصلت. كلام الناس مش هنسلم منه لو حد عرف عشان كده لو حد سأل فـ هي في رحلة تبع الكلية. وأمور الفرح هتمشي بلاش الناس تاكل وشنا أكتر من كده."
نظر له "حازم" بصدمة كما نظر البعض فقط. فتحدث يعارض والده بقوة وهو يهتف عالياً:
"إزاي هيحصل الكلام ده؟ مينفعش!"
"اللي قولته هيتنفذ. أنا عارف كويس إيه اللي هيحصل من الناس فبلاش كلام كتير منكم. كله يتوكل على الله يشوف مصالحه. وأمور الفرح والعفش هتمشي زي الأول وإن شاء الله تكون فريدة رجعت وحتى لو حصل العكس محدش هيقدر يوقف حاجة سامعين."
كان كقرار قاس جداً ولكنه مرغم على أمره. يحزن لغياب ابنته وكمهنة مثل مهنته يتوجب عليه الحكم في الأمور بالديمقراطية.
ولكنها لها رأي آخر حينما صاحت عالياً:
"إنت بتقول إيه؟ يعني إيه يفرحوا وبنتي مش عارفة هي فين؟ ولا حتى عارفة هي عايشة ولا جرالها حاجة؟ إنت إيه القرف اللي إنت فيه ده؟ بدل ما يكون عندك دم وتتقهر على بنتك رايح تكمل في فرح ابنك؟"
اقترب منها ثم رفع يده يصفعها على وجهها بقوة تحت نظرات البعض المتشفية. اقترب "حازم" سريعاً يفصله عنها، بينما والده شعر بإهانته منها للتو. نظرت لهم جميعاً بكره فاض من نظراتها، ثم أقسمت داخلياً وخارجياً لهم جميعاً بالسوء حينما أردفت:
"بتمد إيدك عليا عشانهم؟ أقسم بديني ما هسيب حد فيكم يتهنى على فرحته."
قالتها ثم بصقت عليهم من فمها بقليل من الأدب والذوق، ثم تحركت من أمامهم إلى الداخل. تنحنح الجميع من إحراجهم، ثم اتجهت واحدة تلو الأخرى تخرج من باب المنزل. بينما وقف "حازم" ينظر إلى والده بعجز، ثم ردد بخفوت:
"ادخل ارتاح يا بابا وأنا هبقى مسؤول عن بلاغ غيابها وهدور عليها بنفسي. متشتالش هم."
تردد بأن يتحدث ولكنه رماها على مسامعه أخيراً:
"وافتكر إن اللي حصل ده بسببك من أول هروب فريدة المشكوك فيه لحد كلام مراتك دلوقتي. إنت اللي عملت كده فينا كلنا!"
نظر له بأسف، ومن ثم توجه ليخرج من باب الشقة متوجهاً إلى الخارج في الأسفل. بينما ذهبت "عايدة" إلى شقتها. ولكن ذهبت الفتيات إلى الأسفل، هن بالأساس كانوا متوجهين نحو الأسفل منذ وقت كبير لشراء هدية، ولكن حدث ما حدث في البداية. شجعت "ياسمين" نيروز والأخرى بأن يهبطن جميعهم معها يكملون ما كانوا يريدون. علاقتهن بـ "فريدة" لم تكن قوية، بل كانت مبنية على الكره بالنسبة لفتيات "سمية". ولكن "جميلة" كانت حزينة شارده على شقيقتها مهما حدث. هبطن للأسفل قبل دقائق بسيطة حيث الخارج قبل خروج "حازم". أما "ورده" فدلفت الشقة مع والدتها.
***
"غلبني الشوق وغلبني، غلبني، غلبني
وليل البعد دوبني، دوبني، دوبني
غلبني الشوق وغلبني، غلبني، غلبني
وليل البعد دوبني، دوبني، دوبني
ومهما البعد حيرني
ومهما السهد سهرني
لا طول بعدك يغيرني
ولا الأيام بتبعدني بعيد، بعيد عنك"
بعد عدة ساعات منذ آخر مرة قد غفا فيها في منزل صديقه، صدحت تلك الكلمات الملحنة من التسجيل الذي قام بتشغيله "غسان" بعد أخذه قيلولة. كان يستمع لها بشرود، كما يعتاد دائماً. دلف عليه صديقه مكان ما يجلس وهو بيديه صينية من الطعام وبجانبه علب معينة من الدواء. ابتسم له برواقة ثم وضع من أمامه الطعام وهو يمازحه بمرواغة غامزاً له بعينيه:
"أيوه ياعم.. بعيد عنك حياتي عذاب.."
قال آخر حديثه بمرح وهو يدندنها بهدوء. ابتسم له "غسان" فتابع الأخر بلطف:
"شوف أحلى ما فيك إنك بتسمع أم كلثوم. تعتبر دي الحاجة اللي عكس كل طباعك."
نظر له "غسان" بثقة ثم تحدث بكبرياء وغرور زائف:
"عموماً، اللي بيسمع أم كلثوم يبقى إنسان راقي. يعني برا عنك الحوار ده يا بتاع بيبي شارك!!"
تنحنح "شادي" بحرج زائف ثم ردد بخفة:
"إيه يعني يا عم؟ أنا بحب أغاني الأطفال عادي مفيهاش حاجة محرجة. يعني تعرف إيه إنت عن البندورة الحمرا؟"
قالها ومن بعدها ضحك بخفة. فنظر له "غسان" ثم بدأت ضحكاته العالية في الخروج وهو يردد:
"الصراحة، وأنا كمان بحبها. من ساعة ما يامن جه!"
نظر له "شادي" وهو يبتسم ومن ثم أمسك علبة الدواء وهو يخرج منها الدواء بالتحديد ثم فتح له زجاجة المياه وهو يقدمها له أمام فمه ليجعله يشرب بواسطته. نظر له "غسان" باستنكار ثم ردد بخوف زائف:
"شادي! أنا بقيت بخاف منك. هي الوحدة صعبة للدرجادي ياض؟!!"
قهقه صديقه بقوة، هو يعلم أنه يمزح. فحرك رأسه بنفي ثم ردد من بين ضحكاته:
"الوحدة صعبة أه. خد العلاج بقا يلا. عشان متشكش فيا أكتر."
أخذها منه وهو ينظر له بامتنان استشفه الآخر. حتى ربت عليه بخفة. ثم من بعدها نظر "غسان" للصحون وهو يطالعه مرة أخرى بتساؤل. فأومأ له صديقه وهو يتحدث:
"أيوه شوربة وفراخ على ما أقسم كده. وعشان تعوض الدم اللي نزل منك. حتى لو مش زي الحجة يعم جاملني. بس عشان تخف!"
ابتسم له "غسان" بخفة ثم أبعدها بعيداً عنه قائلاً بإرهاق:
"مليش نفس أكل. كمان شوية."
"بقولك إيه ياض أنا تعبت وأنا بطبخ الأكل ده. لو مأكلتش منه والله لسيبلكم البيت وهمشي وما هتعرفلي طريق جره."
قالها وهو يقوم بتقليد صوته كصوت ناعم مثل النساء. قهقه "غسان" عالياً وهو ينظر على ما فعله. فابتسم له "شادي" أخيراً، كونه يتعامل كما يريده أن يتناسى ما حدث له من شقيقه، هو يعلم أنه انكسر وبقوة. أومأ له "غسان" بقلة حيلة حينما رفع الصحن له ثم قدمه له بين يديه ليبدأ بالفعل بتناول الطعام، الذي اشمأز ما أن وضعه في فمه من أول مرة. كان ينظر له بترقب، فتحدث قائلاً بعشم وهو يبتسم:
"إيه رأيك؟ أكيد حلو أنا متعود أطبخ كده بين الوقت والتاني. وأهو ساعة كده وسـ .."
قاطعه "غسان" وهو ينظر له باشمئزاز متحدثاً بطريقة عكس ما يردفه:
"طعمه حلو!"
"طب قولها وإنت بتضحك عشان أصدق. يعني كذاب ومنافق ومضروب ومبطوح!"
ضحك "غسان" وهو يحرك رأسه بقلة حيلة منه. ولكنه يعلم جيداً ما يحاول أن يفعله الآخر من تمهيده من جديد. يريده بأن يفكر بعيداً عن ما حدث. خرج من شروده حينما حفزه الآخر بحماس وهو يقول:
"بعد ما تخلص أكل، خلينا نطلع نقعد في الجنينة شوية كده في الجو ده."
***
"حتى نتخطى الصعاب يجب أن يوجد بجانبنا من يساعدنا على ذلك! بهم يسهل كل شيء! وبهم قد يهون كل شيء! فـ رحلة حياتنا تريد أشخاص لديهم أنفس صافية ويحبون دون مقابل!!"
وقف الأربعة أمام شقة "حامد". "نيروز وياسمين وجميلة" وحتى "ورده" التي كانت قد قالت لهم بأن يجلبوا معهم هدية وكأنها من قامت بشرائها بسبب عدم قدرة هبوطها. كانت هي تحمل "يامن". فتح لهن "بدر" الباب الذي ابتسم فور رؤيتهن. بدأن في الدخول، وإلى غرفة "وسام" مباشرة، بعدما ابتسم لها كل من "حامد وزوجته" سريعاً لخطتهم. دقوا عليها الباب حتى نهضت هي سريعاً تفتح لهن الباب. وما أن فتحت الباب تحدثوا قائلين بنبرة واحدة مبهجة:
"Happy birthday wesoo"
ابتسمت بفرحة طفيفة كونهم تذكروا عيد ميلادها.
احتضنتهم بحب، ثم عادت لتجلس وهن بجانبها. تحدثت هي بفرحة رغم ما بها:
"بجد مش عارفة أقولكم إيه، شكراً."
نظرت لها "ياسمين" بحب، ثم أردفت قائلة تشاكسها:
"شكراً إيه يا بت؟ شكراً دي تقوليها للمستر بتاع السنتر، إنما هنا مع بعضينا خطر يا أختي."
"كل سنة وإنتوا طيبين يا ويسو."
قالتها "نيروز" وهي تبتسم لها، فابتسمت لها باتساع، ثم التفتت تنظر لـ "جميلة" التي تحدثت قائلة:
"كل سنة وإنتوا طيبين يا وسام، ربنا يجعلها سنة سعيدة عليكِ يا حبيبتي."
نظرت إلى الهدايا والأكياس التي قامت كل واحدة منهن بتقديمها، فابتسمت لهن بحب فاض من عينيها. حتى أنها طالعت "جميلة" بتأثر بسبب ما تفعله وشقيقتها متغيبة. ومن ثم رددت بنبرة متحشرجة:
"بجد يا جميلة مش عارفة أقولك إيه في الموقف ده، بس أنا بحبك أوي زيهم والله. وصدقيني غسان ميعملش كده في فريدة أبداً."
ابتسمت لها "جميلة" بتأثر هي الأخرى، ثم نهضت لتقوم باحتضانها وهي تردد بنبرة مختنقة:
"أنا عارفة يا وسام، متأكدة من غير ما تقولي!"
قاطع لحظتهم دقة الباب الواحدة، ومن بعدها دلفت "سمية" بكعكة متوسطة في الحجم، ومن جانبها "حامد" وزوجته. ولكن "عايدة" لم تستطع المجيء بسبب زوجها بالطبع. كل ما يعلمه "سليم" من الأساس أن "جميلة" توجد بشقة "سمية" إن سأل! منعاً للمشاكل الآن! نظرت لهم "وسام" بتأثر، فتحدثت "سمية" بعدما أسندت الكعكة على المكتب، ومن ثم قامت باحتضانها وهي تردد:
"كل سنة وإنتوا طيبة يا حبيبتي، وأدي تورته من عمايل إيدي بقا بس عالسريع كده. وورده كانت معايا وأنا بعملها يعني مش مسؤولة لو اتعملت أي كلام بقا!"
قالتها بمرح، فأيدتها "وردة" قائلة بغباء:
"فعلاً. وعشان كده معرفتش أختار هديتك، فبعت أخواتي يجيبوا نيابة عني وعن بدر."
ضحكوا عالياً، خاصة زوجها الذي وضع يده على كتفها بمرح، ثم ردد:
"إنتوا بوظتوا الدنيا صح؟"
اعتلت ضحكاتهم بخفة على الموقف، فردد "وسام" بشكر:
"مش مشكلة أياً كان، أنا مبسوطة أوي بالمفاجأة دي بجد."
قالتها، ثم اقترب منها "حامد" يقبل قمة رأسها، ثم قدم لها علبة مغلفة يظهر منها فقط جانب شفاف. أردف ليتحدث بحنو:
"كل سنة وإنتوا طيبة يا حبيبة بابا!!"
احتضنته بحب كبير، ثم أمسكت منه تلك العلبة على فجأة، ثم نظرت لها بغير تصديق حينما رأت علامة التفاحة من الجانب الشفاف:
"ده بجد؟"
"أيوه، آيفون قبل الجامعة أهو، ولما تنجحي هجبلك عربية."
رددوا جميعاً بدهشة في آن واحد:
"عــــربـــيـــه"
أومأ لهم بثقة وهو يردد بثبات:
"أه، بس لعبة."
اعتلت ضحكاتهم جميعاً، ثم ابتسموا بحب حينما اتجهت والدتها تحتضنها بتأثر. فرددت "وسام" بسخرية:
"بحبك أوي يا مرات أبويا!"
وكزتها "دلال" في كتفيها بمرح، فنظرت لها الأخرى بحب وهي تدقق في عينيها الحمراء من كثرة البكاء، فرددت على فجأة تسألها:
"فين هديتي يا ماما؟"
"أنا وأبوك جبنالك البتاع التفاحة ده مع بعض، كنا بنحوش عشان تمنه، فخلي عندك دم."
ضحكت كما ضحك الآخرين. دقائق وقاموا بتقسيم الكعكة لكل واحد قطعة صغيرة، حتى الصغير الذي خرج مع جدته وجده ومع والده أيضاً. ثم تركوا من جديد الفتيات مع بعضهن مرة أخرى. انتهت "وسام" من تناول قطعتها، ثم رددت بتلذذ:
"بجد طنط سمية دي خطيرة والله!"
أكملت من بعدها حينما نظروا لها بحب:
"أنا مش عارفة أقولكم إيه. رغم كل اللي حصل قدرتوا تشيلوا عني شوية كآبة وزعل. بجد الواحد من هنا ورايح بقا قوي بيكم. ونسيب أمر الكتكوت والبحث عنه ده على جنب."
ضحكوا عليها بقوة، هي تمزح من الأساس ليست تنوي حقيقة. وإن جئنا إلى تلك النقطة، فتربيتها لا تسمح لها لتلك التراهات، وأيضاً هي التي أخذت من الحب والحنان ما يكفي من والدها وأشقائها، فأصبح يصعب على شخص التقرب منها أو خداعها! انتهى الأمر بجلستهم معاً في أجواء بعضها مواساة وبعضها بهجة. هن يحاولن بتحسين نفسيتها بسبب دراستها وما يحدث لها من كل تلك العقبات. يمر الأيام بأشخاص هينين يتحملون ما بنا مهما حدث.
"ليه صدقت تاج على طول من غير ما تسأل غسان الأول؟"
بعد مرور عدة ساعات من الوقت في عيادة الطبيب النفسي، قالها "عاصم" لذلك الذي يجلس من أمامه في عيادته الطبية. نظر "بسام" الجالس بشرود وهو يردف من بين أوجاعه:
"مش عارف. أنا معرفتش أواجهه. حسيت إنها الصح. لما وقفنا قصاد بعض مقالش حاجة تشفع له. مقالش غير كلام بايخ من غير تفسير!"
"معتبرتهاش ثغرات أو تلميحات منه؟ يمكن عنده حقيقة فعلاً، بس مش عارف يقولهالك. مش قادر مثلاً، أو إنت مدتش له الفرصة."
إعتدل "بسام" في جلسته وهو ينظر له باهتمام، ثم ردد:
"مش عارف أصدق غير كلام تاج اللي بيثبتلي إنها هي اللي معاها حق. طب هو سكت ليه وهو عارف إنها مشت؟ مقاليش ليه إن هو كان سبب في إنها تسيبني وتمشي وهددها عشان كان بيتقرب منها؟ وأنا كنت طول الفترة اللي فاتت دي بموت كل يوم بسبب مشيها من غير أسباب، ولما كنت بشارك معاه حزني كان بيبقى عادي ولا كأنه عمل حاجة ولا حصل أي حاجة!!"
قال أخر حديثه بانفعال، ثم نهض يقف من مكانه. فرفع "عاصم" أنظاره له متحدثاً بعقلانية:
"مينفعش نصدق طرف من غير ما نسمع الطرف التاني للأخر، زي ما سمعت الأول لازم تسمع من التاني للآخر برضه. كطبيب نفسي اللي إنت عملته ده هيسبب حاجز بينك وبين غسان. فكرة إنك تفضلها عليه وتصدقها وتسيبه هو من غير ما تديه فرصة يتكلم دي صعبة جداً عليه، ولو قريبين من بعض جداً زي ما بتقول، فإنت اتسببت وبطريقة ما في كسر قلبه. لازم نفكر كويس إحنا بنعمل إيه ونعدل بين أي طرفين. الظلم وحش لأي شخص حتى لو ظالم!"
طالعه "بسام" بصمت لم يقو على الحديث أكثر. ابتسم له بتكلفه ثم هرب بعيداً ليخرج من الغرفة وهو يغلق الباب من خلفه ليتوجه أخيراً إلى عمله المسائي.
حل المساء في بدايته وهو مازال يجلس على مقعد مريح في الحديقة الصغيرة لدى منزل صديقه. كان يجلس كل منهما مقابلًا للآخر. نظر "غسان" لصديقه الجالس من أمامه وهو يهتف بهدوء:
"النهاردة عيد ميلاد وسام."
"بجد؟ طب افتح تليفونك وكلمها. إنت عارف وسام متعلقة بيك إزاي."
أومأ له "غسان" بهدوء وهو يتحدث بتأييد:
"هعمل كده!"
قالها وهو يقوم بفتح هاتفه الذي أغلقه فور وصوله لمنزل صديقه. فتحه ومن ثم وجد العديد من الرسائل والمكالمات الكثيرة. انتظر إلى أن يهدأ ويتوقف الهاتف. فنظر له "شادي" بمشاكسة وهو يغمز له قائلاً:
"أيوه يا عم المشهور، كل دي رسايل ياض. شوف شوف لتكون من الحب."
ابتسم "غسان" بسخرية وهو يتحدث بتهكم:
"حب ايه ياخويا، لسه موصلتش للمرحلة دي."
ضرب على المنضدة بخفة، ثم ردد بتحدي:
"طب افتح الإستوري بتاعها كده!"
نظر له "غسان" بحدة من جرأته الزائدة في ذلك الحوار مرددًا بحزم:
"متشغلش بالك. نيروز مش زي اللي كنا بنعرفهم أنا وانت. دي كانت هتشنقني عشان مسكت إيدها."
إعتلت ضحكات صديقه بخفة، ثم ردد بيقين:
"دا إنت وقعت بجد بقا يصاحبي!"
قلب عينيه بملل وهو يضع الهاتف على أذنه منتظرًا ردها بفارغ الصبر. ثوانٍ وجاءه ردها اللاهف بشدة حتى ظهر من نبرتها المختنقة، فتابع هو يجيبها بحنو:
"كل سنة وانتِ طيبة وغالية على قلبي يا وسام. أنا آسف لو مشيت قبل كل ده. سامحيني."
"مسامحتك يا غسان بس ارجع عشان خاطري. إنت مش عارف حالة ماما عاملة إزاي عشانك. لولا العيد ميلاد الصغير بسبب فكرة نيروز وياسمين و.."
انتبهت كل حواسه بقوة حينما ذكرت إسمها. فردد بتعلثم يقاطعها:
"نيروز؟"
"أيوه. إنت فين دلوقتي؟"
"طيب يا وسام أنا هقفل الوقتي ومتعرفيش حد إني كلمتك. سلام."
قالها ثم أغلق الخط سريعًا بتعب رغما عنه ولم يعطها الفرصة بالحديث أكثر حتى أنها كانت ستتحدث له بآخر الأخبار ولكنه قاطعها سريعًا. طالعه "شادي" بترقب، ثم ردد بخفة يشاكسه حتى يخفف عنه:
"مالها نيروز اللي نطقت اسمها زي الحبيب كده؟"
رفع "غسان" أنظاره له ثم ردد يجيبه بعفوية:
"ما أنا فعلاً بقيت حبيب بسببها ياض. شدتني ليها ببساطتها. بقول لقلبي إشمعنا هي أتاري مفيش تفسير غير إن القلب يعشق كل جميل!!"
ضحك "شادي" بخفة حتى امتزجت ضحكاته مع "غسان" وهم يرددون كلمات الأغنية بلحن هادئ بصوت هادئ بطيء في جو يخلو من التفكير في أي شيء للتو وللحظتهم وهما يرددان:
"الــــقــلــب ..يـــعـشـق.. كــــل ..جــمــيــل"
كانت تقف في شرفتها في المساء وظلامه، بينما هي تسقي الزرع والورد من أمامها بشرود. إلى أن جاءت لزرع النعناع وهي تتذكر مشروبه الخاص. ابتسمت حينما جاء على ذاكرتها للتو ما يحبه. فالتفتت تنظر على الشرفة بترقب تنتظر وبشدة أن يظهر كما يظهر كل مرة ولكن يبدو أن آمالها ستخيب هذه المرة. جلست على المقعد أخيرًا، ثم جلبت ذلك الدفتر تسترجع ذكرياتها منذ زمن. فتحت إحدى الصفحات التي كانت تدون بها كل ما يحدث ولكن ما لم يعرفه سواها أنها كانت تدون تلك الكلمات الذي كان يرسلها لها في خطاباته ثم تقذفه وكأن شيئًا لم يحدث. كانت تفعل ذكريات مثلما كان يقول والدها الراحل. فتحت إحدى الصفحات التي كانت تطويها وهي تبتسم حينما قرأت بخط يديها الطفولي ولكن كان خطها هي وكلماته هو:
[مش عارف مش بتردي ليه عليا فكل مرة مع إنك بتفتحي الجواب. ده ريحته حلوه أوي وحاطط عليه ريحة الورد اللي بتحبيها. أقولك على حاجة؟ إنتي بتحبي الورد وأنا بحبك يا رزّة. ردي بقا!!]
رزّة!! هذا ما كان يناديها ويدون لها به من لقب كانت لا تحبه في طفولتها ولكن بسبب هدوئها كان يظهر فقط على تعابير وجهها أنها لم تفضله، فكان يشاكسها به دائمًا. فتحت صفحات أخرى من الدفتر الكبير متوجهة لكلمات أخرى:
[I love you Nairouz]
ابتسمت باتساع وهي تتحسس تلك الكلمات. ثم أغلقت الدفتر وهي تنظر إلى السماء بعدما نهضت. نظرت بحزن إلى السماء ولكن سرعان ما ابتسمت سريعًا حينما قال لها بأن من ينظر إلى السماء يفتقد شخص عزيز عليه. أصبح هو ثاني شخص عزيز تفتقده الآن. حثت نفسها على الثبات ثم تنفست بعمق وهي تنفي ما يقال بأنه فعله مع ابنة عمها. هي تعلم أنها كثيرة العلاقات من الأساس لم تتأثر كثيرًا ما حدث من اتهام ولكن وسواس عقلها يتلاعب بها بين الحين والآخر. ولكنها إن حزنت على ابنة عمها فحزنها على غيابه طغى على ذلك بكثير. ذلك الذي كان جريئًا بعبثه وكلماته. أين هو وأين عبثه وأين كلماته الآن؟ هذا ما فكرت به باستسلام. أفكار وشعور وإحساس توافق مع تشغيله لأغنية قد قام بتشغيلها قبل عدة ساعات ولم تكن سوى كلمات قليلة توصف حالهما. ثلاثة كلمات وحرف. جملة قصيرة تحمل معاني كثيرة قالتها كوكب الشرق. قالتها كوكب أرضه كما يلقبها. ولم تكن سوى 'غــلــبــنــي الــشــوق و غــلــبــنــي'!!
رواية عودة الوصال الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة ناصر
"وجود من نحب معنا! فقط هذا يكفي لمرور الأيام!"
في شقة "سميه" ظهراً، كانت تقف هي ومن أمامها "بدر" و"ورده" الذين يساعدوها في فرز أشياء وتجهيزات شقة "ياسمين". كان المكان مزدحماً بالأشياء الخاصة بالمطبخ والغرف والأكواب المغلفة وغيرها، وذلك بسبب وصول الشاحنات الكبرى عند أذان العصر. كما كانت "عايده" و"دلال" تساعدانها أيضاً، الاثنتين في جانب آخر غير الذي تعمل به هي وابنتها وزوجها. نظرت "سميه" التي يوجد بيديها منشفه قطنية تقوم بمسح الأشياء، إلى "دلال" التي برغم ما بها جاءت لتساعدهن في تلك المناسبة مهما حدث. صاحت عالياً ببهجة حتى جلبت أنظار الجميع لها وهي تقول:
"عقبال ما نفرح بأولادك يا دلال ونعملهم الحلو كله!"
ابتسمت لها "دلال" بينما رددت "عايده" بسعادة:
"دا يوم المنى والله، ربنا يسعدهم ويفرح قلبهم ويجعلهم سالمين علطول يارب!"
نظرن لها بإمتنان، بينما تحدثت "ورده" بضجر لصغيرها الممسك بقدميها:
"يا حبيبي روح لحازم وياسمين فالبلكونه هناك، سيبني فاللي أنا فيه عشان خاطري."
طالعهما "بدر" باستنكار، ثم ذهب ليحمله وهو يدلله قائلاً ليشاكسه:
"متزعلش يا حبيب بابا، ورده وحشه!"
"بدر انت بتقوله ايه هيكرهني كده."
طالعها بحب وهو يردد بمشاكسه جعلت الأخرين يضحكون بخفه:
"طب هو. حد يقدر يكره القمر ده بردو، دا حتي عيب فـ حقي، ده انتِ إختياري الحلو اللي فحياتي!"
خجلت ثم إعتلت ضحكاتها وضحكاته حينما رددت "سميه" قائلة:
"شوف الواد، قدام أمها كده عيني عينك!"
ضحك هو بخفه بينما ضحكت "دلال" ثم قالت للآخرى بضجر زائف:
"الله مش مراته وحبيبة قلبه، آعمل يا حبيبي اللي انت عايزه، ما أصلها وراثه من عمك حامد معذور!!"
حرك رأسه بقلة حيلة كما فعل الاخرين وهن يضحكن بخفه. ومن ثم توجه بالصغير ناحية الشرفة فوجدهما يحتضنان بعضهما بخفه، يبدو أنها مواساة كل منهم للآخر. تنحنح بصوت عالٍ ثم تحدث قائلاً بحرج زائف:
"شكلي. جيت فـ وقت مش مناسب ولا ايه؟"
ضحك "حازم" بتبجح، بينما خجلت هي. فتحدث "حازم" قائلاً بجرأة:
"مراتي يجدع!"
"حقك يا عم، امسك بقا خد يامّن عشان محدش عارف يعمل حاجه منه."
أنزل الصغير ليتوجه ناحية "ياسمين" التي حملته، ثم خرج هو من الغرفة وبقيت هي وزوجها والصغير. كانت تدلله بخفه وهي تنظر له بحب. رفعت أنظارها له من صمته فوجدته يحدجهما بحنو. فنظرت له بابتسامه ثم رددت بهدوء ممازحة:
"لايق عليا أبقى أم يا أبو الحزايم ولا إيه؟"
ابتسم له بحب ثم مال ليطبع قبله على خد الصغير قائلاً:
"طبعا لايق، وأحلي أم كمان."
ابتسمت له باتساع بينما عاد شارداً مرة أخرى. فاعتدلت في حملها للصغير ثم انحنت لتحثه على الجلوس على المقعد. ومن ثم اعتدلت مرة أخرى وهي تتنهد بعمق ثم قالت:
"مش عارفه أقولك ايه يا حازم بسبب اللي إحنا بنعمله ومش متوافق مع. اللي بيحصل ده، بس أكيد هتعدي وكل حاجه هتبقي تمام. أنا عارفه إن مهما حصل منها ليك متقدرش تكرهها ولا حتي جميله. يمكن أكون مش متأثره أوي بسبب اللي حصل ده وممكن يكون غصب عني احساسي ده سواء أنا أو روز، بس انت كنت شايف المعامله كانت إزاي مكناش بناخد منها غير الكره بس. حتى حسن مكنش طول الوقت بيكرهنا أوي كده زيها بسبب إنه عاوز يقرب من روز. بس مش عارفه، مش عارفه أقولك ايه والمفروض ده يتقال ولا لأ أصلا."
رفع يديه يربت على كتفها بحنو ثم تابع بنبرة هادئة متفهمة:
"أنا مقدر يا ياسمين كل شعورك تجاهها انتِ ونيروز. بس أنا مبقتش عارف المفروض أعمل ايه. وعدت نفسي إن مهما حصل هفرح ومش هسيب فرصه لأي حزن يعكر من وقت الفرحه القليله دي. بس جه الموضوع ده. أنا قعدت إمبارح أعدي على كل مستشفى قريبه أو مكان عام واديت أرقامي ليهم عشان لو حصل جديد بس مش حاسس بكده. مش حاسس إنها ممكن تكون ماشيه غصب عنها. وإن غسان قالها كده. مش مقنعه. هو شافها إمته ولا اتعامل معاها فين. وغسان مش جبان عشان يعمل حاجه أو ياخد حقه من حد ويستخبي. دا أكتر شخص ممكن يخاف على حرمة البيت. وكمان فريده. فريده مش بالسهولة دي إنها تنفذ حاجه اتقالت ليها علطول. مش قادر أقولها بس بيجي على بالي دايما إنها مشت بسبب حاجه تانيه غير متوقعه. أنا عارف إنها مهما عملت هفضل أخاف عليها وعارف بردو إنها لو جميله قلبي كان هيوجعني أكتر من كده. الإتنين اخواتي والفرق اللي حاصل بينهم ده ملخبطني مع إنه غصب عني!"
كانت تنصت له بتمعن. تنفست عقب أن انتهى بتأثر ثم مدت يديها تضعها على يديه بهدوء وهي تردد باطمئنان:
"حاسه إن كل ده هيعدي ما دام احنا مع بعض. عمري ما هسيبك ولا هتخلي عنك فوقت شدتك. وانت أخ حلو أوي. مش عارفه الناس اللي عندها أخ زيك عايشين ازاي معانا كده وبيتنفسوا عادي!"
ضحك بخفه على مرحها، فابتسمت له بحب ثم تحدثت مرة أخرى:
"كنت بتمني يكون عندي أخ كده يخاف عليا بقا ويضربني وينصحني وبتاع. وكنت بتدايق من الموضوع ده أوي. لحد ما فـ مره بابا قالي جمله لسه محفوره جوايا. قالي انتِ أجمل البنات بس انتِ الولد اللي لو كان نفسي اجيبه هيبقي انتِ. خلي بالك من إخواتك من بعدي."
مش عارفه بقا بس وأنا من بعدها عينك ما تشوف إلا النور. رجولة وشهامة تلاقي، خوف على إخواتي تلاقي. وبصراحة كده كل ما بشوف زينات وهي بتحاول تمحي شخصية إخواتي أو ماما، صوت بابا بيتردد في وداني علطول. فبقوم قايمة مرة واحدة وعينك ما تشوف ألا النور بردو.
طالعها بصمت وهي تتحدث بإندماج. وما أن انتهت هي، تحدث يجيبها قائلاً من بين ضحكاته الهادئة:
"مبغلطش في كل مرة لما بقول إنك قادرة تخلي كل حاجة صعبة أسهل من السهولة. وجودك جنبي بيهون عليا كل مر!"
رفعت يديها تعدل من مظهرها ثم تحدثت بغرور زائف وهي تجلس بجانب الصغير وهو يلعب بالهاتف لديها. بينما طالعته بتعالي وهي تردد بمرح:
"أي خدمة يا متر. إحنا مش أي حد برده!"
نهض من نومته منذ وقت حينما وجد صديقه ذهب إلى عمله مبكراً. جلس على مصلية "سجادة الصلاة" ليقوم بأداء فرضه الذي تأخر عنه بسبب غيابه في نومه. بينما لم يوقظه الآخر. نهض وهو يتحامل على نفسه مستنداً على المقعد الذي يوجد بجانبه بذراع واحد فقط، بسبب عدم نهوضه طبيعياً. طوى السجادة ومن ثم وضعها على المقعد. كاد أن يستمر في سيره للخارج ولكن قاطع سيره وجود صينية من الطعام. يبدو أن الآخر قد فعلها لإفطاره. ومن جانبها علبة الدواء وزجاجة المياه. ابتسم وهو يتوجه ليأخذ علبة الدواء ومن ثم التفت ليتوجه ناحية البراد ليأخذ زجاجة مياه مثلجة كما يحب. زجاجة مياه مثلجة مع دواء. ما هذا العبث؟
توجه ناحية الباب مرة أخرى ليخرج ببنطاله الرياضي وملابسه المريحة إلى الخارج حيث الحديقة الصغيرة. جلس على إحدى المقاعد وهو يتناول دوائه ممسكاً بزجاجة المياه يتجرع منها. لاحظ لأول مرة تلك الورود القليلة مع زرعة النعناع التي توجد على بعد منه. نهض يأخذ الدورق وهو يسقيهم ببطء متذكراً زرعها وسقيها له عندما كانت تقف بالشرفة. التفت بحركة بطيئة ليرى السيارة وهي تدخل من البوابة الخشبية المفتوحة دائماً. التفت مرة أخرى يكمل ما يفعله عندما وجد صديقه يهبط من سيارته. دقائق وتوجه "شادي" بملابس عمله يقف خلفه وهو يحمل الأكياس بإنهاك. ثم هتف بصوت عالٍ يمازحه عندما التفت الآخر له:
"إنت كده هتقطع عليا. يعني تبقي الهدوم هدومي وحلوة عليك إنت!"
ضحك "غسان" عالياً ثم قلب عينيه بغرور وهو يتوجه ليجلس أمامه قائلاً له:
"عشان أنا كاريزما. إنت زيرو كاريزما!"
توجه ليجلس وهو يبتسم قائلاً له بمرح:
"مقبولة منك يا غس. فطرت؟"
"بلاش غس. لسه مفطرتش. كنت بسقي الزرع!"
طالعه الآخر بهدوء. ومن ثم نهض ليشير له بأن يأتي معه إلى الداخل وهو يحمل الأكياس بذراعيه ثم قال باستفزاز:
"شايف أنا شايل الأكياس بإيدي الاتنين إزاي. تعرف تعمل كده؟"
نظر له "غسان" بتحدي وهو يتوجه ناحيته ثم هتف بثبات:
"لأ بإيد واحدة أشيل وأعمل حاجات تانية."
عقد مابين حاجبيه باستغراب وهو يتساءل:
"زي إيه يعني يا مكسور؟"
سرعان ما فاجأه "غسان" بلكمة في وجهه حتى تراجع إلى الخلف خطوة واحدة وهو يتأوى. ابتسم له "غسان" بتشفي ثم انحنى لينتشل الأكياس من على الأرض وهو ينهض مرة أخرى قائلاً له بنبرة ضاحكة:
"تعالى بقي ورايا وشيل الكيس اللي على الأرض ده عشان مش عارف أشيله. دراعي مكسور وكده!"
تأوى الآخر وهو ينظر في أثره بغيظ. ثم انحنى هو الآخر ليتوجه ناحيته ومن خلفه. حتى وصلا إلى المطبخ بعد لحظات. تنهد "شادي" بعمق وهو يتحدث وكأن شيئاً لم يكن واضعاً يده بألم على مكان ضربة صديقه:
"بقولك إيه."
التفت "غسان" ينظر له والآخر يضع بعض الأشياء في الثلاجة وكذلك هو يساعده. نظر الآخر له فوجد "غسان" ينتظر ما سيقوله. فأردف يكمل ما بدأه بعقلانية:
"حاسس إنك لازم تعرف أبوك أو أمك إنك تمام وكويس وعندي وتبقى ترجع براحتك يا سيدي أو مترجعش. المهم يعني يعرفوا إنك بخير."
التفت "غسان" مرة أخرى يضع ما بيديه ثم خرج صوته ليقول:
"إعملي لمون بالنعناع!"
نظر له "شادي" بتعمن. وهو ينظر له يتجاهل حديثه فتوجه "غسان" يخرج من المطبخ إلى الصالة ثم جلس على الأريكة تزامناً مع رده:
"إنت عاوز إيه من الآخر يا شادي؟"
إتجه الآخر خلفه. ثم تقدم ليجلس بجانبه قائلاً بهدوء:
"عاوزك مرتاح. وأهلك كمان يبقوا مرتاحين. وعاوز أقولك إنك زي ما اتأذيت بتأذي غيرك. خوف أمك وأبوك وإخواتك عليك. وإنك سبت نيروز زي ما بتقول. كل ده؟ مش أذى؟"
وضع "غسان" يده على رأسه بتعب. ثم رفع أنظاره ليواجه الآخر قائلاً له:
"أنا هلاقيها منك إنت كمان يا شادي. وبعدين بسام هيخاف عليا ليه بعد ما شافني قذر زي ما بيقول عني. وأنا أه بحب نيروز بس حاسس إني مش عارف ولا قادر إني أقف قصادها زي الأول بعد ما شافتني في أضعف أوقاتي! ولا قادر أقف قصاد بسام من تاني. إنت مش فاهم ولا حاسس باللي أنا بحسه واللي حسيته. عاوز إيه من حد بان بأوحش صورة في وقت ما كان هو اللي مضحي وخايف!"
"يا غسان هو ميعرفش إنت عملت كده ليه بالظبط. الواحد لما يحس إنه اترفض واتساب بيقعد فترة مش حابب نفسه ولا واثق فيها ولا فاللي حواليه. لما يحس إنه قليل دي أوحش حاجة ممكن حد يحس بيها. ولما يسكت وينفجر مرة واحدة فده تعب. حتى لو مستحمل اللي حصل حاسس إنك محتاج تستحمل وتقدر أكتر. عارف إنك مقدر وده ضغط عليك. بس ده بسام يا صاحبي بسام اللي إنت طول عمرك كنت بتحميه من وهو صغير من ضرب العيال ومن كل حاجة. بسام توأمك اللي لو حد اتعور التاني بيحس إنه هو اللي اتعور ونزف مش هو بس. وهو اتجرح ولحد الوقتي الجرح مفتوح. عارف إنك حسيت بيه بس عمرك ما هتكون في مكانه. لأن محدش بيحس بالحاجة إلا اللي جربها. ولو قولت الهبل اللي إحنا كنا بنعمله أنا وإنت مع البنات زمان ده فده ميجيش حاجة جنب شعور أخوك. بسام حب بجد وبضمير أوي. وعلى قد ما حب فـ هو لسه بيتأذى. هروبك اللي بمزاجك ده مش حل. عشان لو فيه فجوة بالفعل حصلت فالبعد بيكبرها يا صاحبي. وحتى لو إنت مش قادر ولا عارف تواجه حد استنى وإقعد شوية بعيد عنهم بس مش كتير. بسام مسيرة هيقف قدامك أو قدام غيرك وهيعرف الحقيقة. ونيروز اللي إنت سبتها وإنت عارف إنها بتبادلك نفس الشعور. مش هتفضل كتير تستناك وتحبك وتثق إنك هترجع. الإحساس لما بيتبدل مش حلو. خليك عارف إن كل واحد وليه طاقة. ولما طاقتك خلصت فمرة واحدة مشيت وسيبتهم كلهم."
أما أمك وأبوك طاقتهم عمرها ما هتخلص من نحيتك. واختك مش هتغفرلك كتير مشيك في وقت هي محتجاك فيه. ونيروز مش هتستني بكل حب وثقة كتير. مش هتمل، اللي بيحب مبيملش. بس الثقة لو قلت صعب تاني تتملي يا صاحبي.
كان ينصت له بدقة. وعقب ما انتهى تنفس بصوت مسموع، يخرج أنفاسه الثقيلة من على صدره. ثم تنهد وهو يتحدث قائلاً بمشاعر مختلفة:
"حطيت نفسك مكانهم كلهم وسيبتني. يعني أنا مبسوط إني مشيت وسيبت أهلي اللي بخاف عليهم أكتر من نفسي؟ ولا مبسوط إني مشيت وسيبت الإنسانه اللي حبيتها واللي حسيت بالراحة معاها لأول مرة؟ عارف إني كده كده هرجع، بس محتاج وقت. عاوز آخد وقتي زي ما كل واحد بياخد وقته براحته. أنا مش عارف أنسى أي كلمة قالها بسام، ولا حتى عارف أتخطى نظرة عينها وهي بتقولي متمشيش. أنا مش مبسوط بكل ده يا شادي ونفسي أرجع، بس نفسي وكرامتي أهم ما عندي. لما أحس بالرضا هرجع من غير ما أتردد لحظة!"
رفع الآخر يديه يربت على ذراع الآخر. ولم يكن سوى ذراعه المكسور. نفض غسان يد الآخر وهو يبعدها بخفة. فاعتلت ضحكات صديقه ثم قال من بينها:
"متزقش يا عم مكنش قصدي. روق كده. هروح أجيب الغدا اللي طلبته من الأكياس اللي مدخلتش التلاجة ونتغدى. وبعدها نعمل أحلى كوبايتين لمون بالنعناع ونخرج شوية نتمشى."
***
خرجت من عملها منذ مدة قصيرة ولكنها ظلت تنتظرها لفترة في مكان معين عندما تخرج من جامعتها. وقفت نيروز أمام كورنيش البحر في مكان عام مشهور. لذلك كان هو ذلك المكان التي قالت لجميلة بأنها ستنتظرها هناك. لا تعلم هي كيف مر الوقت وكيف مرت ساعات عملها عليها. من دونه؟ كم كانت مملة؟ بطيئة؟ في مثل هذا الوقت كان سيقف معها ويشاركها وقفتها تلك المطلة على أمواج البحر. ترددت أكثر من مرة وهي تصارع نفسها في أن تكتب له رسالة. كل منهم لديه رقم الآخر بسبب طبيعة العمل ولكن دون محادثة. هو لم يبدأ بسبب ما تضعه من حدود وهي لن تبدأ بسبب وعدها التي قطعته. أخذها عقلها لابنة عمها وما فعلته. شردت لدقائق في أسباب هروبها التي لا تستطيع تحديد أي واحدة منهم، فهم كثرة بالنسبة لها. انتفضت سريعاً بهلع عندما وضع على كتفها من الخلف يد شخص. التفتت بسرعة وهي تنظر بخوف فوجدتها أمامها تنظر لها بابتسامة صغيرة. تنفست بعمق وهي تتوجه لتجلس على الاستراحة تزامناً مع قولها:
"حرام عليك يا جميلة. مش ممكن كنتِ تتكلمي الأول. حسرتيني."
توجهت الأخرى لتجلس بجانبها ثم نظرت لها وهي تلتفت لتجيبها باستنكار:
"ما انتِ اللي كنتِ سرحانة. واخد عقلك صح؟"
التفتت نيروز تنظر لها بصمت. فجميلة قد لاحظت ما فعله غسان يوم عقد قران شقيقة الأولى. خرج صوت نيروز سريعاً بتبرير:
"انتِ فاهمة إيه يا جميلة بس.."
"يا حبيبة جميلة انتوا مقفوشين أصلاً. أراهنك إن ما كل العيلة عارفة! وبعدين بصراحة غسان بجح أوي ولا مش فاكرة يوم كتب كتاب ياسمين؟"
نظرت لها بصمت وسرعان ما اندفعت قائلة بشراسة طفيفة كأخذ حق بمرح:
"طب وعز يا چيچي. ده انتوا مفضوحين جداً. أوي بصراحة."
تلعثمت الأخرى في نظراتها وحتى حديثها حينما أردفت قائلة بتوتر:
"انتِ بتقولي أي كلام علفكرة."
"كده واحد واحد. وبعدين حرب النظرات اللي بينك وبينه دي مقفوشة."
تنهدت جميلة بشرود ثم نظرت من أمامها وهي تتحدث قائلة بخيبة:
"مش عارفة أقولك أه أو لأ. منكرش إن في إعجاب حصل غصب عني. وهو باهتمامه وكلامه اللطيف معايا حتى لو قليل قدر يخليني أنتبه ليه. عارفة إنه ممكن يكون قد خطوة الجواز لأن فرح كانت بتلف وتدور قبل كده واحنا بنتكلم بس بابا مش هيوافق. وأخاف تيجي اللحظة دي ويرفضه عشان لو اتقهرت ساعتها هحس إني حبيته وأنا مش عارفة الوقتي أنا بحبه ولا لسه!"
"عارفة. أصعب حاجة إن الواحد ميعرفش ولا يقدر يحدد مشاعره. ولما تيجي خلاص تعرفي إنك حددتيها. بيبقى في الوقت الغلط والصعب. هو الحب بيلخبط الواحد كده؟"
قالتها بمرح. فضحكت جميلة بخفة وهي تنظر لها قائلة بمراوغة:
"هو يلخبط فعلاً. لو بتحبي واحد زي غسان. على قد ما أنا مستغربة إزاي وبالسرعة دي بنتكلم في كده. بس لو حطيت نفسي مكانك وكنت حددت مشاعري هزعل أوي بسبب اللي حصل. عشان كده عارفة انتِ ممكن تحسي بإيه وحاسة إنك بتحاولي يعني تكوني تمام قدام الأنظار وانتِ زعلانه. مستغربة أوي من كده بس اتأكدت إنك وقعتي ومحدش سمي عليكِ."
"أنا مش عارفة المفروض أعمل إيه. وأول مرة أحس بالحاجات دي وحاسة إني متلخبطة أوي. ومنتظرة حاجات كتير وخايفة من حاجات أكتر. بس المهم دلوقتي انتِ يا جميلة والقعدة دي عشانك. عارفة إنك زعلانه عشان فريدة بس مش عارفة تتكلمي. علفكرة انتِ جميلة أوي يا جميلة برغم كل اللي حصل ده."
قالتها وهي تواسيها لتجعلها تخرج ما بقلبها. ابتسمت جميلة بتفهم لما تفعله رفيقة دربها. فتنفست بعمق وهي تهتف:
"أنا كويسة جداً. بقيت أشتري راحتي ودماغي وكمان هبدأ في خطوة الدكتور النفسي اللي قولتيلي عليه قريب. بس هو جه موضوع فريدة ده وحاسة بحاجة معكرة مزاجي. برغم من مشيها من البيت اللي أنا عاجزة عن تفسيره بس زعلانه عليها. على طول بتعاطف معاها حتى لو عملت إيه فيا. عارفة إن علاقتي بـ حسن مش أوي بس فريدة كانت على الأقل بتكلمني وبتاخد مني هدومي وساعات بحس إنها عاوزة اللي يفهمها ويقدر مشاعرها وتقعد تحكي معاه. بس دايماً حاطة قدامها حاجز مامتها اللي بتفكرها بيه دايماً. مامتها مش بتحبنا ودايماً عاوزاهم يكرهونا. متأكدة لو ده مكنش بيحصل كنا هنبقى أقرب اتنين لبعض. هي أخذت حاجات أنا مخدتهاش بس معاملة بابا هي الحاجة الوحيدة اللي بتجمع بين ألمنا. حتى لو مامتها بتدافع عنها ساعات بس أنا كنت بحس بيها أوي وهي أكيد كانت عارفة أنا بحس بإيه!!"
رفعت ذراعها تربت عليها بحنان عندما انتهت من حديثها ومن ثم نهضت وهي تمسك يديها لتنهض خلفها متحدثة بهدوء تقترح:
"تعالي أشربك لمون بالنعناع ونروح عشان قربوا ينقلوا الحاجة خلاص."
ابتسمت لها الأخرى ولكن نيروز خرجت منها بسمة بغير وعي وهي تنظر لما قالته بغير تصديق في نفسها. مهلاً! هذه كلماته! واقتراحاته! ومشروبه المفضل!! نهضت جميلة وهي تبتسم بهدوء وسرعان ما استوعبت ما قالته الأخرى قائلة بتساؤل:
"لمون بالنعناع!! بس انتِ مش بتحبيه يا روز وأنا يعني مدوقتوش قبل كده كتير بصراحة. ما تيجي نجيب جوافة إيه رأيك؟"
قالتها باقتراح وتفكير فسحبتها الأخرى خلفها وهي تردد بنبرة لا تحمل النقاش:
"ده الليمون بالنعناع ده تحفة. حاجة كده سكرة هتحبيها لما تجربيها أكتر من مرة."
صمتت تتابع ملامح وجهها فحينما وجدتها مترددة واصلت تكمل بضغط وهي تسحبها حتى سارت بجانبها:
"اسمعي بس ده جميل أوي. تعالي.. تعالي.."
***
بعد مرور وقت في شقة زينات كانت تجلس بغرفتها على فراشها. فمنذ ما حدث أمس وهي تتجنب زوجها بسبب صفعها أمام الجميع. رفعت يديها تمسح دموع عينيها سريعاً عندما دلف عليها الغرفة ثم توجه ليجلس بجانبها. دارت وجهها عنه وهي تتمسك بهاتفها مرة أخرى لتبدأ في الدق مرة أخرى على ولدها فمنذ ما حدث وهي تطلبه ولكن لارد!! حتى أنها تدق على هاتف صديقه هو الآخر. قذفت الهاتف سريعاً بغصب دفين ثم نظرت له بحدة وهو يجلس بجانبها وكأن فاض بها الكيل حتى تحدثت قائلة بانفعال على فجأة:
"عجبك اللي حصل واللي بيحصل ده!"
قللت من شكلي قدامهم، خليك عارف إني مش هسكت!
التفت ينظر لها بملامح وجه خالية من التعابير، ولكن ظهر البرود في نبرته حينما ردد:
"وانتِ اللي مقللتيش مني ومن منظري لما قولتي كلامك ده. عدي يومك يا زينات وفكري الوقتي فـ بنتك اللي المفروض مسئوليتها منك مش تكون مش هنا أصلاً. وانتِ هنا ولا دارية بحاجة!"
"أعدي يومي وبنتي مش فيه؟ لأ وكمان هم رايحين يفرحوا أهم وانتَ عاوزني أفرح غصب عني؟ وأشوفهم وهم مبسوطين وأجي على نفسي عشان خاطرهم؟ انتَ مش بني آدم طبيعي. وإن كنت جاي عشان تقولي انزل معاهم فـ أنا مش راحة فمكان!"
نهض علي فجأة بإندفاع ثم نظر لها بحدة وهو يهتف بجمود:
"براحتك يا زينات. بس خليكِ فاكرة إن بكرة الجمعة يعني هم كلهم جايين هنا عندك. عشان بقالهم كتير مجوش بسبب كل مرة يحصل حاجة. يعني إن مروحتيش هم اللي جايينلك. وابقي شوفي بقا هتعملي إيه!!"
كان بإمكانها أن تصرخ وأن تغضب أن تفعل ما يجب فعله. ولكنها سكنت تماماً. وفي عقلها ما تنوي أن تفعله لهم. حسناً. قد جاءتها الفرصة الآن والتي تفكر بها منذ فترة. كان ينتظر ردها. فرفعت هي أنظارها ثم رمت له بقنبلتها الغير معتادة قائلة ببسمة خبيثة:
"ومالو. ييجو فـ أي وقت."
نظر لها بتمعن ولم ينتظر لحظات. حتى رحل من أمامها خارج الغرفة. أما هي فجلست مرة أخرى وهي تبتسم بخبث. حقد طغى على عاطفة أمومتها. كل ما يجول بخاطرها الأذية فقط. جذبت الهاتف مرة أخرى لخط آخر تنوي لها منذ ما حدث من هروب ابنتها. تريد أن تهيج دماء ولدها حتى يفتعل المشاكل. ولكن أين هو الآن؟ تحاول الوصول له بأي طريقة ولكن لا رد أيضاً!
***
مر الوقت منذ خروجهما معاً. وبعد أن شربت المشروب الخاص به هو. لم يمر سوى القليل ومن ثم عادت الاثنتان إلى المنزل. وها هما في شقة "سمية" الآن ومن أمامهم الجميع. وبجانبهم الحقائب والأشياء الخاصة بشقة "حازم".
كان "حازم" بالأسفل. هو و"بدر" وبعض من الشباب التي تربطهم صداقة بـ "حازم". كان باب شقتها مفتوحاً على آخره. خرجت "دلال" من المطبخ وهي تحمل العديد من الأكواب من العصير على صينية كبيرة. ثم وضعتها على منضدة صغيرة بجانب باب الشقة. كان الشباب يحملون الأشياء من الأعلى إلى الأسفل شيئاً فشئ. حتى "بدر" كذلك. و "حامد". لم تستطع "ياسمين" كبت زغروتتها بسبب ما يحدث من بهجة. حتى علت في المكان واحدة بواسطتها. ولسوء الحظ لم تكن متواجدة "وسام" لتساعدها فقد كانت في دروسها. اتجهت "سمية" سريعاً تقف بجانب بناتها. ثم نظرت لـ "ياسمين" وهي توكزها قائلة:
"اتلمي يا بت مش قولنا بلاش هيصة كبيرة!"
ضحكت "ياسمين" عالياً. ثم مالت عليها قائلة بخفوت:
"بقولك إيه يا سمية؟ دا فرحي وأعمل اللي أنا عايزاه. ومش هو قال إفرحوا وكأن مفيش حاجة حصلت؟ من عيني ومن كبدي بس كده!!"
صمتت ثم استقامت مرة أخرى تهتف عالياً ببهجة تكمل ما كانت تتحدث به:
"علّوا بقا الأغاني دي. نشوف كده بتقول إيه!!"
كانت تنظر لـ "جميلة". التي ترددت في أخذ تلك الخطوة أمام أنظار النساء القلة. ترقبت "نيروز" الوضع ومن ثم اتجهت سريعاً لتجعل صوت الأغاني يعلو في المكان ببهجة. كانت حركة جريئة منهما. اندمج كل منهم بما يفعله الآخر لوقت وصوت الأغاني يملأ المكان. وكل من كان يصعد من الشباب يتراقص على تلك الأغاني للحظات. ثم يعود كل منهم لحمل الأشياء مرة أخرى. بالطبع كان "سليم" يسمع كل ذلك وهو في الأسفل مع ولده والأخر أمام الشاحنات الكبرى التي ستوصل ما يخصهم أمام العمارة التي ستسكن بها "ياسمين". ولم تكن سوى عدة شوارع لتوصلهم إليها نظراً لقرب المكان فقط. حتى أن طابق شقة ملكها منذ فترة كانت في الطابق الثاني مباشرة!! وبعد أن لاحظوا أن قل عدد الشباب الذين يصعدوا لجلب الأشياء أو بالأحرى قد هبط كل ما يخصها. توجهت "ياسمين" تمسك بيد شقيقتها و"جميلة" حتى يتراقصوا على الأغاني الحماسية. وكل من النساء تضحك عليهن بقوة. حتى أن "ياسمين" قامت بمسك يد والدتها للتراقص معها. وكذلك "جميلة" مع "عايدة". و"نيروز" مع "دلال". دقائق وتمر ما زالوا يتراقصون على الأغاني الصادحة. وقفت لحظتهم عند صعود الرجال. وهم ينظرون من باب الشقة بمفاجأة. توقفت "نيروز" بسبب إحراجها وكذلك "جميلة" ووالدتها. أما "ياسمين" فتعمدت تجاهلهم. كان قد رحل مع الشاحنات "سليم" الذي أخذ المفتاح من ولده. ولكن "حازم" و"بدر" ظلا حتى تذهب النساء معه في سيارته لتنظيم الشقة. صاح "حازم" عالياً بحزم وهو ينظر لـ "ياسمين" التي تتراقص مع والدتها التي يبدو عليها الإرهاق ولكن كان رقصها هادئ:
"آيه اللي بيحصل ده؟!"
توجهت الأنظار ناحيته. حتى توقفت "ياسمين" وهي تنظر له باستفهام. فأقترب هو ثم تحدث قائلاً بطريقة عكس طبيعة ما يردفه:
"انتوا إزاي ترقصوا كده من غير ما تستنوني!!"
قالها ثم ضحك على ضحكات الآخرين التي صدحت في المكان بأكمله. فاتجهت "نيروز" تغير من الأغنية ومن ثم قامت بتشغيل واحدة أخرى. بينما اقترب "حازم" يمسك يد "ياسمين" ليتراقص معها بخفة على الكلمات المبهجة. وكذلك توجه "بدر" يتراقص بخفة مع "ورده" تحت أنظار الجميع. ابتسم "حامد" لهم بحنو. ومن ثم وجه أنظاره لـ زوجته التي تنظر لهم بسعادة رغم ألمها. كانوا مندمجين مع المشهد من أمامهم. دقائق ودقائق وهم يتراقصون بخفة. إلى أن توقفت الأغاني مرة أخرى حتى يتوجهون للذهاب إلى شقة "حازم". ولكن قاطع تجهزهم تلك التي خرجت من باب شقتها ثم صفعتها من خلفها وهي تتوجه لتدخل من الباب المفتوح لدى شقة "سمية". التفت الجميع عندما وجدوها تقف على أعتاب باب الشقة وهي تنظر لهم بحدة. لم تستطع كبت غضبها إلى وقت معين بل خرجت بعزم غيظها. ابتسمت "ياسمين" لتوقعها لما سيحدث. ثم صاحت عالياً بكيد:
"الله زوزو!!.. تعالي ارقصي معانا. ده إحنا يدوب لسه موقفين الأغاني أكيد كنتِ سمعانا دا إحنا كنا هايصين دلوقتي!"
توجهت "زينات" أمام الأنظار إلى الداخل ثم تجاهلت حديث الأخرى وهي تقف أمام "سمية" ثم ردت قائلة بحدة:
"انتِ إزاي يا كبيرة انتِ تسمحيلهم يشغلوا أغاني وانتِ عارفة اللي فيها؟ ده ذوق منك واحترام لظروفنا؟"
نظر "حازم" لها بحدة ومن ثم توجه ليقف أمامها و "سمية" من خلفه. وكذلك توجه "بدر" الذي حذره "حامد" من فعل شيء ليقف بالقرب منهم. بينما تحدث "حازم" قائلاً بتوضيح ولكن بنبرة جامدة:
"إحنا مش هنقعد نبكي على الأطلال. أراهنك إن أنا مقهور على بنتك أكتر منك. ولا إحنا قاعدين ساكتين إحنا بندور عليها وزي ما في وقت نفرح فيه أكيد في وقت حزن محدش يعرف عنه حاجة. فأهدي كده وسيبينا نفرح ولو زعلانة أوي حطي سدادة ودان!!"
"إتجرأت أوي وطلعلك لسان يا بنت عايدة بعد ما كتبت كتابك؟ إيه جاي تلقطي منها طولة اللسان وقلة الأدب بعد كتب الكتاب كان فين ده من زمان يعني!"
قالتها وهي تشير على "ياسمين" التي نظرت لها بغضب وهي تتوجه لها تقف أمامها ثم أجابتها باندفاع:
"طولة اللسان دي عشان تكوني عارفة مبطلعش غير لـ الناس الصفرا."
"صفرا!! البركة فيكي يا حبيبتي ده من بعض ما عندك."
قالتها بغل تحت أنظارهم. فتحدثت "سمية" قائلة لها بنبرة جادة:
"جرا إيه يا زينات انتِ عايزة منا إيه؟ ما تسيبي الواحد يشم نفسه ويفرح ولا هو حرام!"
ابتسمت "زينات" بخبث ثم التفت تنظر على الجميع تزامناً مع ردها:
"آه. حرام يختي. لما الفرحة تكون مع ناس حرامية وخطافين بنات ومعندهمش ذمة يبقي حرام. ولما يكونوا قاعدين عندك كده علطول فالساقطة واللاقطة يبقي انتِ كمان مطبخاها معاهم..!"
إندفع "بدر" الذي بدا على وجهه الغضب يقف من أمامها ثم صاح عالياً بانفعال:
"بقولك إيه يا ست انتِ. وأقسم بدين الله لو ما اتخرستي وخليتي لسانك جوا أنا مش عاوز أقولك هعملك إيه. محدش حرامي هنا إلا انتِ. انتِ اللي عاوزة تسرقي الفرحة منهم. وغسان وعمي ومراته دول يتشالوا فوق الراس مش زيك انتِ وولادك الناقصين. اللي يا عالم بيهببوا إيه وجاية تطلعيهم علينا. أنا سكت كتير أوي عليكي. وانتِ كل شوية بتحاولي توقعي بيني وبين مراتي وتخربي علينا. لا ومش بس كده وكمان عاوز تجيبلي عروسة عليها. ومعايرتك ليها في الراحة وفي الجاية وكمان جايه تغلطي في ناس من عيلتي ودمي بيجري في دمهم. لا مش هستكلك ولا هسكتلك وانتِ جايه على واحدة يتيمة معندهاش أب."
واحده بتربي بناتها وتجوزهم من غير جوزها. لو انت فاكره إنك بتيجي عليهم عشان معندهمش راجل، فأحب أقولك أنا الراجل هنا من زمان، من قبل حتى ما حازم يخطب ياسمين. الرجالة بتكتر عليك، خدي بالك، وانت مش قدي!
توجه "حامد" يمسك بذراعه، وكذلك "ورده". أما "دلال" فبقيت صامته دون ردة فعل، بل تتحسر بداخلها على ما يحدث. نظرت هي له بغيظ، ثم كادت أن تتحدث حتى وجدت "نيروز" من أمامها، التي نظرت لها بتمعن. فتناست الأخرى ما كانت ستردفه للأخر حينما وجدتها أمامها. فابتسمت بسخرية لها، ثم رددت بتهكم:
"أهلا! إيه اللي عندك تقوليه انت كمان؟!"
نظرت لها "نيروز" بصمت، ثم نظرت على الباب من خلفها وهي ترفع يديها قائلة باختصار وتبجح:
"اطلعي برا."
نظرت لها بتحدي، فواصلت مرة أخرى قائلة بجرأة:
"اطلعي، محدش عاوزك ولا عاوز كلامك ده. وكمان إحنا ماشيين، واعتبريها زي ما تعتبريها... برا!"
صُدم الآخرون من وقاحة "نيروز" الغير معهودة بالمرة، ولكن بدا للبعض بأنه الحل الأمثل لعدم معرفتهم ماذا سيحدث بعد من مشاكل. لم تصدم الأخرى بل اعتادت مؤخراً على شراستها دون سبب. ضحكت عالياً باستفزاز، ثم التفتت لتخرج من باب المنزل تزامناً مع قولها:
"من عيني، هطلع يا بنت سميه. مش عارفه القطط من إمتى بقت بتعض كده، بس وماله. تعدي. خدي بالك انتوا عندي بكرة ها! ومش هطردكم زي كده..."
قالتها ثم خرجت بعد أن حاصرتها الأخرى. توجهت النساء لتقف بجانب "نيروز" مرددين بحديث أشبه بـ:
"عيب كده يا نيروز.."
لم ترد عليهم هي، بل تركتهم وهي تخرج من باب الشقة، حتى تبعتها "ورده" وهي تحمل صغيرها لتعطيه لزوجها. ومن ثم توجهت إلى الأسفل. فنظرت "سميه" بأثرهم بقلة حيلة. بينما توجه "حازم" يهبط مع "ياسمين" التي توجد بجانبه. خلى المكان قليلاً، حتى أن حمل "بدر" صغيره وهو يتوجه مع عمه إلى شقته، بينما هبطت "سميه" و"عايده" و"دلال" و"جميله" إلى الأسفل هم أيضاً. ولكن بسبب أن السيارة لم تكفيهم، فسيذهب بهن "حازم" على مرتين إلى شقته!!
***
كان هو يجلس في المستشفى حيث غرفته. يقوم بالإطلاع على بعض الفحوصات الطبية. يحاول جاهداً بأن يصب تركيزه على عمله، ولكن أفكاره بما فعله تحاوطه. صداع رأسه! هي وهو، شقيقه، عائلته التي تتجنبه. يبدو أنه أصبح منبوذاً من جميع الأطراف، وليست هي فقط التي رحلت وتركته بعد ما تخلل حبها بداخله وبقوة. إلى الآن يتعافى وسيتعافى. إلى الآن مريض نفسياً. يتعالج عند طبيب نفسي! جال بخاطره لحظة يأس من كونه يتعالج لفترة طويلة حتى يتعافى، وإلى الآن لم يستطع أخذ خطوة إلى الأمام. ولكنه يعلم جيداً أن عدم تعافيه بنسبة كبيرة كان بسببه هو، وبسبب عدم حبه لنفسه وعدم ثقته التامة به، وليس من الطبيب! نهض وهو يقف، ثم وضع الأوراق فوق بعضها بإنتظام. ومن ثم أخذ كشف واحد فقط من الأشعة الخاصة بحالة معينة. ثم أمسكها بيديه وهو ينهض ليرتدي معطفه الطبي الأبيض بسرعة، ومن ثم خرج من بعدها من الغرفة متوجهاً إلى الأعلى وهو يصعد على السلم. قاطع سيره إلى الناحية الأخرى حيث المصعد وجودهما في غرفتها. لم يأخذ خطوة للدخول كما يفعل كل مرة. ولكن هو يعلم أن "عز" وشقيقته قد رجعا إلى المستشفى مرة أخرى لحجز آخر جديد بسبب حالة "فرح" الغير مستقرة مما يحدث لها من تشنجات بسبب ما تفكر به. شرد بها للحظات. قد لامس حالتها قلبه بعد حديثها أيضاً. اتجه إلى الناحية الأخرى ومن ثم ركب المصعد ليصعد إلى طابق آخر خاص بحالات تتأهل للعمليات! أوصله المصعد سريعاً، رغم بعد الغرفة والطابق، إلا أنه يقف أمامها الآن. يتردد كثيراً لتلك الزيارة التي هي رغماً عنه بسبب طبيعة عمله. يكفيه هروب فقد تولي حالته صديق له وطبيب آخر عندما يكون "بسام" مؤهلاً لذلك. وللحق، لم يتأهل نفسياً بعد. أمسك مقبض الغرفة بسبب تردده، ثم فتحه على مرة واحدة. وبسبب تردده لم يدق الباب حتى. يبدو أن عقله قد ارتبك قبل أعصابه. ما أن فتح الغرفة وجده مسطح على الفراش، وهي تجلس بجانبه ممسكة بيديه. نظرت إليه "تاج" بملامح وجه باردة. تجنب النظر إليها وهو يتوجه ليقف أمام الحالة، ولم يكن سوى والدها "داود". تنفس بعمق حتى كاد أن يبدأ بحديثه اللبق. ولكنها كانت الأسرع حينما أوقفته عن ما ينوي قوله، ثم قالت بجدية:
"دكتور بسام! لو سمحت ابقي خبط على الباب. أظن من الذوق إنك تعمل كده يا دكتور يا متعلم."
رفع والدها يده كإشارة ليوقفها عن الحديث. والدها ومدللها، أينما طلبت هو يجيب. فسادها وضياعها بسبب تربيته السلبية والمتوسعة والمتفتحة بكثرة. أينما طلبت منه بأن يتحدث يتحدث، وأن لا يردف بشيء لم يتحدث! يبدو أن موضوع "بسام" هو يعرفه جيداً. التفت "بسام" ينظر لها بتمعن، ثم خرج منه صوته وهو يقول:
"هو المفروض إنك متتواجدش هنا أصلاً عشان حالة المريض النفسية."
يبدو أنه يرمي لها بحديثه قاصداً شيئاً آخر حينما استهزأ بآخر حديثه. نظرت له بحدة ومن ثم صمتت وهي تتجه لتعدل من جلسة "والدها". جلس أخيراً بانهاك، ثم خرج منه صوته بضعف:
"إزيك يا.. دكتور."
أومأ له "بسام" بابتسامة متصنعة. بينما كانت تتابع هي الحوار بترقب، فقد حذرت والدها بما يكفي من أن لا يتفوه بشيء. كاد أن يتحدث مرة أخرى بأسف لتلك الصدفة، فتفهم "بسام" ما سيقوله حتى قاطعه قبل أن يتحدث متحدثاً بلباقة كطبيعة عمله:
"طبعاً ألف سلامة عليك يا باشمهندس داود. إن شاء الله محتاجين منك إنك تشد حيلك كده معانا عشان الرحلة عاوزة همة. دي الأشعة أهي معايا، بس أنا جيت أقولك إننا محتاجين أشعة تانية عشان نشوف اتطورنا لحد فين. جاهز؟"
أومأ له بنعم منهكاً. فاتجه "بسام" يضغط على زر الطلب والمساعدة في الدور حتى تتأتى له عدد من الممرضات ليساعدوا الرجل في النهوض والسير به إلى غرفة الأشعة الكبيرة. فعلها بخفة. فتلك المستشفى حديثة الطراز كما يعلم هو ونعلم! يأتي لها ذوات الطبقة المتوسطة وما فوقها. وأن ذلك "داود" كان رجل مقتدراً ويعد ثرياً بنسبة ما، ولكن ليس ثراء فاحش، فكانت وظيفته كمهندس مباني تجعله مرموقاً عند البعض، وبسبب أن "تاج" ابنته الوحيدة عاش يدللها ويلبي طلباتها بعد وفاة والدتها التي لم يتزوج بعدها. وما هي إلا لحظات حتى جاءت له ممرضتين وأخرى مسئولة عن غرفته. قامتا بإسناده على مقعد حديث الطراز حتى خرجوا من الغرفة باصطحابه إلى الغرفة الأخرى في نفس الطابق. تبعته "تاج" لتذهب من خلفه مباشرة. فأوقفها "بسام" بنبرته الجادة وهو يقول ليقاطع سيرها:
"استني."
وقفت ليتجه هو يقف من أمامها. فرفعت أنظارها على تلك الأوراق الذي يقدمها لها. وزعت نظرها بين ما بيديه وبين وجهه، ثم تنفست قائلة:
"المفروض أروح معاه وأشوف هيعمل إيه. حضرتك موقفني ليه يا دكتور؟"
قالت آخر حديثها بسخرية. فنظر بحزم وهو يقرب الأوراق أكثر حتى انتشلتها هي، ثم قال:
"مش هوقفِك عشان سواد عيونك. محتاج أتكلم فحالة والدك يا مدام تاج، إن مكنش يدايقك!"
بالطبع بادلها السخرية. فطالعته ببرود وهي تتجه من أمامه لتجلس على مقعد طويل وهي تشير له بأن يجلس، قائلة من بين نظراتها الباردة:
"عايز إيه؟"
"أولاً أنا يوم ما هعوز حاجة مش هطلبها منك انت. ثانياً وده الأهم بالنسبالك، حالة والدك مش مديني أي إشارة بالتحسن والتطور. ولكن إننا نشجع المريض دايما إنه يكون أفضل ده أساسي. ودي التحاليل، معاك اهيه، خليها معاك النسخة دي عشان ده هيثبت بعدين للمستشفى إن كان في تطورات بتحصل من الحالة قبل الدكاترة. وكله هيبقي محسوب على نتيجة الأشعة اللي والدك هيعملها دلوقتي وهتطلع كمان شوية. لو كويسة عن اللي فاتت هياخد وقت بالعلاج كتير على ما حالته تتحسن هنا. ولو لقدر الله غير كده هيحتاج استئصال والعملية، يؤسفني أقولك الراجل ف السن ده وإنه تجاهل المرض عشان يعيش ده غلط. وممكن متكونش ناجحة بنسبة متوسطة."
رمى عليها سهام اخترقت قلبها حتى آلَمَته. كانت بمثابة صدمة صغيرة وتحسر على حالة والدها. هي تعلم أنه مريض، ولكن ليس لحد الخطورة. جاهلة؟
نفضت من عقلها كل شيء وهي تنهض على مرة واحدة ثم تحدثت بانفعال تنفي ما قاله هو:
"يعني إيه عملية ومش هتنجح؟ قصدك إنه هيموت ويسيبني؟ انت عارف انت بتقول إيه؟ لا انت أكيد بتقول كده عشان اللي حصل واللي قلتهولك. بتاخد حقك مني صح؟ عشان كده بتلعب بأعصابي يا بسام!"
"دكتور بسام لو سمحت. وأنا مش ندل وخسيس للدرجة دي عشان أدخل مشكلة بايخة زي دي في شغلي. ياريت تهتمي بصحته أكتر وآحنا هنا الخدمة كويسة أوي ليه. وكلها ابتلاءات من عند ربنا. المهم تفوقي انتي يا مدام."
قذفت الأوراق أرضاً ثم جلست مرة أخرى وهي تتحدث قائلة بضعف، رغم حديثها الذي في كل مرة يضغط على جرحه:
"انت مجنون؟ وبتاخد حقك مني؟ أنا عارفة!!"
حسناً، هذا من الداخل بالنسبة لها أشبه بانهيار وتكذيب شيء لا تريد تصديقه بأي شكل. نظر لها بخيبة ثم وزع أنظاره عليها وعلى الأوراق من أسفل قدمها. حتى بدأ بالتحرك من أمامها وهو يقول باشمئزاز داخلي وظهر حتى في نبرته:
"ربنا يصبرك على نفسك يا تاج، عشان اللي زيك مش عارف مستحمل نفسه كده إزاي!"
قالها ومن ثم سار من أمامها حتى بعدما رفعت أنظارها له بجمود. لم يعطها الفرصة بالرد بسبب اختفائه من أمامها تدريجياً. ركب المصعد ليهبط فالأسفل مرة أخرى متوجهاً للسلم الداخلي يهبط من عليه. دقائق ووصل إلى الطابق التي توجد به الأخرى. وقف أمام غرفتها حتى لا يترك نفسه مع أفكاره وانهياره. يشغل نفسه فقط. وقف أمام غرفتها بأنفاس عالية يتنفسها ثم دق الباب دقة واحدة حتى أذنت هي من الداخل. حاول أن يبقي ثابتاً حتى دلف عليها الغرفة فوجدها تستمع إلى صوته في الهاتف الذي كان يقرأ به القرآن والآيات التي تعبر عن الشفاء. كانت تجلس على الفراش. اعتدلت في جلستها سريعاً بحرج وهي تغلق الهاتف. فتوجه هو بغير وعي يقف من أمامها حينما سمع صوته وهو يرتل القرآن. رفعت "فرح" أنظارها له بعينيها الحمراء من كثرة البكاء. فنظر لها بدهشة قليلة وهو يردد:
"انتي بتعيطي؟"
"لا عادي..!"
قالتها بتعلثم وهي ترفع يديها تمسح وجهها. فلاحظ كدماتها الزرقاء التي توجد على يديها يبدو أنها بسبب حالتها النفسية!! رفع يده بتردد ليضعها على يدها يتلمسها. فلم تتحرك هي بسبب استغرابها مما يفعله. فنظر لها بإطمئنان وهو يبتسم بانكسار ثم أخفضها سريعاً وهو يوزع أنظاره على درج معين به أشياء معتادة في الغرف. توجه ليفتح الدرج ثم جذب ورقة وقلم وهو يدون اسم دواء ثم قطعها وهو يمد يده لها قائلاً بهدوء:
"خلي عز يجيبلك العلاج ده!"
أخذتها منه بتردد وهي تبتسم له. فنظر لها هو بتعمق ثم خرج منه صوته وهو يتساءل على فجأة:
"إيه اللي وصلك للحالة دي؟!"
حركة عينيها المترددة أثر توترها كان هو القائم. ظل أمامها ينتظر ردها فتنفست هي بصوت مسموع ثم أجابته بضعف:
"حاجات كتير.. مش عارفة أحدد حاجة واحدة. بس أ..."
صمتت بتحشرج ثم واصلت بنبرة مختنقة:
"بس أنا.. تعبت!"
تابع كل حركة تفعلها. رعشة يديها والكدمات الزرقاء وأعينها الحمراء. وأيضاً كما علم تشنجاتها فالليل. كفيل لظهور ما تمر به من تعب. أخرج أنفاسه الصغيرة وكأنه يشعر بالراحة في ذلك ثم أجابها بعفوية:
"وأنا كمان تعبت!!"
نظرت له باستفهام ثم لاحظت تعابير وجهه المتألمة. لا يبدو أنه ينزف أو مجروحاً، ولكن يبدو أن قلبه هو المجروح حتى في مكان عمله يأتي له الجرح من حيث لا يدري. صمتت تنتظر ما سيكمل أم هذا فقط؟ فوجدته يكمل وهو ينظر لها موزعا أنظاره بينها وبين نقطة أخرى ثم يشرد:
"أيوه تعبت. كلنا بنتعب بس بإختلاف التعب، وبإختلاف شدته. حاجات كتير قادرة توصل الإنسان لحالتك دي أو هنروح بعيد ليه حالتي برده. يعني حاجات كتير قادرة تخليه مش عارف يتكلم ولا يتعامل ولا يصدق مين ويكذب مين. يثق في مين؟ يحب مين وميسبهوش! تبان من الحكاية إن ده أقل تعب بس اللي بيعيشها ويجربها أصعب حاجة ممكن ميقدرش يتعافى منها لحد الآن. فاهمة؟ فـفهمني."
هزت رأسها تؤكد وبشدة. فنظر لها بابتسامة صغيرة. إلى أن خرج صوتها باستفهام منهك:
"الدكاترة فعلاً بيتعبوا."
"ما انتي دكتورة أهو."
قالها بثبات. فهزت رأسها بنعم وهي تبتسم مردفة بهدوء:
"صح. الظاهر إن الكل بيتعب ومفيش راحة!"
صمتت ثم جال على خاطرها سؤال. حتى أردفته بعجز:
"لما كلنا بنتعب. يبقى مين بيتعبنا؟!"
بالطبع كان المقصود بكل ذلك التعب النفسي. فابتسم لها بثقة ثم تحدث بتفهم لا يريد إنكاره:
"اللي بيتعبونا. هم نفسهم بيتعبوا برده يا.. فرح.."
قالها بهدوء. حتى دون ألقاب في آخر حديثه ولكن بسمته من الخارج لها حينما قالها وبدأ بالتحرك ليخرج من الغرفة كانت بسمة راحة. تعجب من بين إرادة ساقيه للذهاب أمام غرفتها أكثر من مرة. لا يدري لماذا. الآن يتجاهل كل شيء وقد عرف الطريق إن أراد أن يتناسى ويشعر بالقليل من الراحة فسيذهب إليها هي غالباً. ولا يعلم لما السبب ولكن وجد ربع علاجه ودوائه الآن على الأقل وسيفكر بوقت آخر لما ذلك ولما هي!!
______________________________________________
ساعات مرت عليهما وهما بالخارج بعد آخر مرة كانا فالمنزل. كان يجلس بحديقة عامة بها من الأشخاص الكثير. وكان أغلبهم من كبار السن لا يعلم لماذا ولكنها صدفة جميلة!! ابتسم "غسان" الممسك بزجاجة المياه بيديه السالمة. وهو ينظر من أمامه والأخر بجانبه يتناول بعض من الطعام الجاهز. خرج صوت "غسان" وهو يردد بعمق:
"متخيل إن لينا وقت وهنبقي زيهم كده. الأيام بتعدي بسرعة أوي. وبتعدي هدر من غير حاجة ممكن الواحد يفتكرها ويبقي فخور بنفسه!"
ترك "شادي" الطعام من بين يديه ثم أجابه بغمزة عين قائلاً وهو يشاكسه:
"لأ في.. الحب ياض!! أعظم الإختيارات يالا.!!"
ضحك "غسان" بخفة ثم أجابه قائلاً بهدوء:
"الحاجة الوحيدة اللي الواحد ممكن يعتبرها أحسن حاجة حصلت فحياته. بس المهم مصداقية الإختيار ويكون حب يستاهل فعلاً."
شرد بآخر حديثه على شقيقه. فخرج صوت "شادي" وهو يلمح له بموضوعه:
"وهي تستاهل بقا على كده؟"
"ملحقتش أقول وأحب. بس أيوه تستاهل أوي!"
قالها بعفوية وتحسر في وقت واحد بسبب رحيله قبل أن يعترف لها بحبه وبما يكنه لها. صفق "شادي" عالياً بحماس من إجابته ثم ردد ببهجة جعلت الأنظار عليه:
"أيوه بقا.. ولع الدنيا يا غسان"
"بلاش غسان.. واهدي الناس بتبص علينا."
حرك الآخر رأسه بغير اهتمام ثم توجه ينظر له قائلاً:
"يعم دول معظمهم قد أبوك وجدك. يعني حاجة كده مسكرة ولطيف!!"
لم يعر "غسان" له أي اهتمام لحديثه بل صب أنظاره على الطعام الذي يوجد بيد الآخر قائلاً بسخرية:
"ده المفروض عشا ولا ما بين الغدا والعشا؟."
"سميها زي ما تسميها. أصل أنا جعان."
التفت "غسان" ينظر من أمامه بقلة حيلة من صديقه. فنظر بتمعن للعجوزين من أمامه والفتاتين التوأمين. حيث كانتا تقف كل منهما أمام العجوزين بصندوق من الورد. حتى أعطى العجوز لزوجته وردة بيضاء تشبه ما فعله من تعامل لطيف. ابتسمت له بحب. فتوجه بحركة بطيئة يقبل قمة رأسها وهو يتحدث. كان يتابع هو المشهد من أمامه ببسمة صغيرة. تذكر الورد ونيروز!! أين هي الآن!
الورد هنا ولكن هي ليست هنا. فاق من شروده عندما توجه له التوأمان تعطيه "ورد" لم يكن معه فتاة أو جنس ناعم. حسناً، موقف محرج بالنسبة لـ"شادي" الذي تنحنح بحرج زائف. لم يستطع "غسان" أن يرفضهما، فابتسم لهما وهو يأخذ من الصندوق وردتين، واحدة بيضاء وأخرى وردية. فابتسمت له الفتاة الأولى باتساع، فخرج صوته وهو يسألها بحنو:
"اسمك إيه؟"
نظرت له الفتاة ثم تحدثت بجرأة عكس شقيقتها التي تقف من خلفها، قائلة لتجيبه:
"أنا فيروز وهي.. نيروز!"
نظر لها بغير تصديق، وكذلك صديقه الذي ضحك بدهشة من تلك الصدفة. بينما ذُهل "غسان" من صدف الحياة التي تتعمد بأن تذكرنا دائماً بما حدث لنا وبأشخاص نريد فقط نسيانهم لفترة أو تخطي لما فعلو وفعلنا بهم من شيء! أخرج أموال من جيبه ثم وزعها بينها وبين الأخرى التي تقف من خلفها. أخذتا الأموال منه، بينما تابع بنبرة هادئة وهو يبتسم قائلاً بصدق:
"أسماؤكم حلوة أوي."
إبتسمتا له بفرحة ثم بدأتا بالتحرك من أمامه. فتحدث "شادي" من بين ضحكاته قائلاً بدهشة:
"ده ينهار أبيض على الصدف يا جدع!"
إلتفت "غسان" ينظر له مبتسماً:
"وأحلى صدف."
قالها وهو يمسك "الوردة" ليقدمها لصديقه. فنظر له "شادي" بشك، وسرعان ما وضع يده على فمه بخجل كمثل الفتاة وهو يتحدث بنبرة ناعمة مثل النساء قائلاً بدلال حتى نظر له العجوزين من أمامهما:
"يوه يا سي غسان متكسفنيش أومال!"
ضحك "غسان" عالياً، ثم توجه بمرح يعلق من الورده بجانب إذن صديقه الذي نظر له بخجل مصطنع. كانت أنظار العجوزين من أمامهما مسلطة على ما يحدث بتمعن، إلى أن حدث حتى تحدث العجوز وهو يردد عالياً مشيراً لهما بإشمئزاز:
"إخص على الرجالة!!"
فتحا فاههما بشدة مما حدث، بينما تحدثت زوجة العجوز وهي تشير على الورده بيد "غسان" والأخرى المعلقة بجانب أذن الآخر، قائلة بتقزز:
"مش مكسوف من نفسك يا واد انت وهو؟ جاتكم القرف مليتوا البلد!"
نظر الاثنان إلى بعضهما بغير تصديق، بينما أنزل "شادي" الورده سريعاً وهو يردد بتبرير:
"يا حاجة انتِ فاهمة غلط والله احنا مش كده. إحنا..."
نهض العجوز وهو يرفع عكازه قائلاً بتهديد وهو يردد بنبرة مرتفعة:
"إخرس خالص امشي انت وهو من هنا حالا بدل ما هلم الناس دول عليكم."
هز "شادي" رأسه بالإيجاب وهو يتجه يمسك بيد الآخر الذي يضحك بقوة. نفض "غسان" يد الآخر قائلاً من بين ضحكاته:
"ابعد إيدك يا غبي انتِ بتثبتلهم؟!"
ترك "شادي" يده وهو يركض سريعاً ليبعد عنه بخطوات. أما "غسان" فنهض ببطء من مكانه تحت أنظار العجوز الواقف من أمامه وهو يهدده بعكازه. فتحدث قائلاً وهو يراه ينهض على راحته قائلاً بنصيحة رغم تقززه:
"يا ابني دا انت مفكش حيل خالص وكده حرام حتى وقرف! اتهد يمكن ربنا يهديك!!"
ضحك "غسان" رغماً عنه وهو يتجه حتى يمسك برأس العجوز ليقبله برضا وأسف يغلفه المرح. فأوقفه العجوز وهو يرجع إلى الخلف سريعاً رافعاً عكازه كحاجز وهو يهتف عالياً:
"متقربش مني. إمشي.. إمشي.. الله يقرفك!"
كبت "غسان" ضحكاته وهو يومأ له، ثم التفت ليسير حتى وجد صديقه منهاراً من كثرة ضحكاته العالية في المكان. ضحك "غسان" هو الآخر وهو يسير بجانبه ثم ردد من بين ضحكاتهم:
"أهم دول المسكرين اللُطف اللي بتقول عليهم يا عم."
قد أظلمت عليهم الأنوار الطبيعية بسبب حلول المساء عليهم بشقة "حازم". ساعد كل منهم الآخر وبشدة في تنظيم بعض الأشياء. كان كل منهم يعمل على قدم وساق إلى أن أنجزوا الكثير وتبقي الأكثر بسبب كثرة الأشياء من حولهم. انتهوا منذ فترة صغيرة من تنظيم أركان الشقة اليوم. سيعودوا لها غداً ووقت آخر. وبسبب عدم تأخر النساء الأخريات أيضاً، نظرت "سمية" نظرة أخيرة على المكان برضا. فنظر لها "حازم" وهو يتساءل:
"ها كل حاجة تمام كده؟ محدش ناسي حاجة؟"
نفت هي كما نفى البقية. فابتسمت لهم جميعاً "ياسمين" قائلة بسعادة:
"بجد يا جماعة مش عارفة أقولكم إيه!!"
إبتسموا لها بحب. فتحركت هي لخارج الشقة مع شقيقتها وابنة عمها وشقيقتها الأخرى. ومن ثم خرجت "دلال" و"عايدة" أيضاً حتى يبدأ كل منهن بالهبوط للأسفل. أما "سمية" فخرجت وهي تنتظر "حازم" ليقوم بغلق الشقة جيداً، حتى أغلقها جيداً ومن ثم هبط معها إلى الأسفل. حتى ركب السيارة ومعه السيدات أولاً، كلا من "سمية ودلال وعايدة". هو لم يأخذ وقتاً كبيراً في توصيلهم بل دقائق أو ما أشبه بـ 10 دقائق لـ 15 دقيقة. انتظرت الفتيات مع بعضهن إلى أن يأتي مرة أخرى. فجلست "ياسمين" على السلم بانهاك بعد وقت قليل وهي تنظر لهن قائلة:
"يخربيت الجواز يجماعة والله!!"
ضحكن عليها بخفة. فتحدثت "نيروز" قائلة لتشاكسها:
"كله يهون عشان تبقي مع حبيب القلب والكبد زي ما بتقولي!"
قهقت "ياسمين" عالياً ثم هتفت بتأكيد:
"ده فعلاً. حازومي يا جدعان ده الحب والكنتلوب. واد مسكر وجان وعسل كده مش عارفة أخو البت دي إزاي!"
ضحكن عليها بخفة، حتى "جميله" التي أجابته سائلة من بين ضحكتها:
"زي الناس يا حبيبتي. أنا اللي مش فاهمه حبك ليه!"
بالطبع يمزحان مع بعضهما كالعادة. فنهضت "ياسمين" من مكانها وهي تنظر لها قائلة بجدية زائفة:
"يعني أنا متحبش؟"
نظرت لها "جميله" بترقب ثم صاحت تسألها قائلة:
"عاوزة الصراحة؟"
"أه."
"تتحبي و أوي كمان."
اتجهت "ياسمين" تحتضنها سريعاً تحت أنظار "وردة" و"نيروز" الضاحكة.
"هبل بجد والله!"
قالتها "وردة" بقلة حيلة. وسرعان ما سمعوا صوت "حازم" المرتفع وهو يصيح عالياً من مشهد شقيقته والأخرى التي تحتضنها:
"فالشـارع!!"
قالها باستنكار. فتوجهن ليركبن السيارة، تزامناً مع رد "ياسمين" وهي تمازحه بمشاكسة قائلة:
"وإيه يعني؟ طب دي حاجة من ريحتك والله إزاي أسيبها ومحضنهاش"
ضحكوا على جرأتها وحديثها المرح بخفة. ومن ثم بدأت السيارة في السير إلى حيث مبني منزلهم!!
كان يجلس معها على مائدة طعام لتناول وجبة العشاء والتي أعدها هو وهي معه تقوم بمساعدته. كان يبتسم لها بتصنع بين الوقت والآخر. أما هي فنظرة الحب لم تفارق عينيها بتاتاً. لا تعلم أنها مغفلة؟! نظر "شريف" إليها فوجدها تنظر له.
فتحدث قائلاً يسألها من بين ابتسامته:
"بطلتي تاكلي ليه يا فريدة؟ الأكل مش عاجبك؟"
"لا طبعاً، ده حلو أوي بجد مش أنت اللي عامله يبقى أكيد حلو زيك!!"
أومأ لها بهدوء وهو يبتسم ثم تحدث قائلاً بمراوغة:
"تعرفي إن كتر الكلام الحلو مبحبوش!!"
قالها بطريقة هادئة توحي بعكس ما يردفه، فعقدت ما بين حاجبيها باستغراب ثم رددت:
"قصدك إيه يا شريف؟"
"عارفة إن لو إنسان الدنيا جت عليه بما فيه الكفاية فالكلام الحلو مش هيجيب معاه!"
نظرت له بحزن ولا تعلم لماذا، هي تعلم فقط أن والده قد تخلى عنه ولكن من دون أسباب حتى أنه لا يفتح ذلك الموضوع. رفعت يديها تربت على كتفه بهدوء ثم هتفت بصوت هادئ:
"أنا مقصدش يا شريف والله، أنا عارفة إنك عانيت بس عمرك ما قولتلي ليه ولا شاركتني حزنك حتى. عارفة موضوع باباك بس مش عارفة ليه ولا حتى أعرف فين عيلتك وكده! اتكلم واحكيلي وأنا هسمعلك بكل حب بجد!"
يا لهذه الغبية من وجهة نظره، يريدها أن تعرف الأسباب التي جعلته وحيداً، ووالدها سبب من ضمن تلك الأسباب بل وهي الأخرى مجرد انتقام عابر بالنسبة له!! تنفس بحرارة ثم أجابها باختصار كحديث مشفر لها:
"أوقات مينفعش نعرف الأسباب، بس في أوقات تانية بتتعرف عشان ده الوقت المناسب!"
تنهدت بعدم فهم ولكنها صمتت بسبب ما يردفه من ألم بالنسبة لها. قاطع حديثها الرقيق التي كانت ستردفه دقات الهاتف الخاصة به من جانبها. انتشلته ثم نظرت على الشاشة لترى الاسم المدون، فعقدت حاجبيها بتساؤل وهي تقدمه له:
"مين خالد ده يا شريف؟ وإيه الحروف اللي جنبه دي؟"
نهض وهو يمسك هاتفه ثم أجابها بجدية:
"مش لازم تعرفي!"
قالها وهو يتوجه ناحية باب الشقة ليفتحها، بينما هي نهضت تتحدث قائلة باندفاع:
"مش قصدي بس أنت رايح فين الوقتي؟"
"مش ملاحظة إن أسألتك بتكتر يا فوفه؟"
قالها ومن ثم أغلق الباب من خلفه وهو يهبط حتى يذهب إلى الخارج. بينما هي نظرت باستغراب من حديثه وكلماته وبروده. لم يأت على خاطره بأنه خداع ولكن على أي حال لم تعطي بالاً، ولا حتى تركيز لذلك بل اتجهت تجذب الأطباق حتى تذهب بها إلى المطبخ وهي تدندن بعض كلمات الأغاني الحزينة بصوتها الهادئ. لا تعلم بأن حزن الكلمات سيمر عليها ومر هو من الأساس على حالها وغفلتها من كل ما تفعله وما سيفعل بها!!
إلى الآن صوت ضحكاتهم العالية على ما حدث!! وهما يجلسان في الحديقة الصغيرة التابعة للمنزل. ضحكات هستيرية وكأنهما مخدران. يبدو أنها ضحكات من عقل باطن تعبر عن ألم أحدهما وبشدة بدلاً من البكاء. أما الآخر فهو يقهقه بشدة على المشهد. تحدث "غسان" من بين ضحكاتهما العالية ثم ردد:
"يخربيت كده يا جدع! إيه اللي إحنا بنعمله دا يا شادي؟!"
نظر له "شادي" ثم بدأ بالضحك وهو يضرب كف على الآخر قائلاً بنبرة ضاحكة:
"والله ما عارف! دا شكل الجيران هيطلعوا ينفخونا إسكت بقا!"
أومأ له وهو يضحك ومن ثم بدأ يهدأ هو والآخر بالتدريج. حتى نهض "غسان" يسقي الزرع الصغير والورود أيضاً، حتى وإن كانت قليلة. نهض "شادي" من خلفه ثم تساءل بنبرة هادئة يشاكسه:
"من إمتى وأنت بتهتم بالورد ده يعني؟"
التفت ينظر له ثم ابتسم ليقول:
"من ساعة ما شوفت عنيها."
"يا ولا!!"
"من ساعة ما روحت بيتنا القديم ووقفت في البلكونة، وهو شدني. منظر الزرع بتاعها والورد جنب بعضه كده حلو أوي حتى كنت بسقي اللي ناحيتي كل ما أقف في البلكونة وهي مش فيها."
قالها وهو يبتسم ثم واصل يكمل:
"نظامها وخوفها على الورد والزرع غريب. اللي يخاف على زرعه تموت أو على وردة تعطش وتدبل عمره ما يعرف يأذي حد!"
ضرب الآخر يده كتصفيق له ولحديثه وكلماته بحرارة. فعدل "غسان" من ياقته بغرور وهو ينظر له بطرف عينيه قائلاً بتكبر:
"بص واسمع من عمك غسان يا حبيبي واتعلم فن الصياعة والتثبيت."
صفر الآخر من فمه بإعجاب وهو يهلل قائلاً بأسلوب سوقي كما فعل الأول:
"الصياعة فن مش عنعن."
ضحك "غسان" بخفة وهو يومأ له قائلاً بتأييد:
"بالظبط. يلا ندخل جوه بقا عشان عايز أنام."
قبل ذلك أو بنفس وقته. كانت هي تجلس في غرفتها بعدما مر الوقت منذ مجيئها من الخارج. كانت تنظم ملابسها بهدوء وتقوم بتنظيم بعض أركان الغرفة. وصوت الأغاني الهادئة ذات اللحن الهادئ في الغرفة. كانت تشغل ما يفضل هو. نفعل ما يحبه من نحبه لنحبه! هذا ما توصلت إليه. رغم قلقها وحزنها بسبب رحيله إلى أن صوتها الداخلي وهي تحفز نفسها بأنه سيعود كان هو منبع الثقة لها. تتعايش مع الوضع بل وتفعل ما يحبه من كل شيء حتى لا تشعر بغيابه!!
"كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا
بيني وبينك خطوتين، خطوتين، خطوتين
كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا
بيني وبينك خطوتين، خطوتين، خطوتين
شوف بقينا ازاي أنا فين
يا حبيبي وأنت فين، إنت فين، إنت فين
كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا...."
خطوتين!! خطوتين ولكن لم يكن هو موجوداً. هو ليس هنا ولكنها تنتظر. كانت تهز رأسها مع لحن الكلمات بهدوء. دقت عليها الغرفة شقيقتها والآخرى أيضاً حتى أذنت لهما بالدخول وهي تبتسم بهدوء. حتى دخلت "ياسمين" وهي تحرك يديها برواقة على لحن الكلمات تحت ضحكاتهما العالية. إلى أن انتهت ثم قالت بمزاج:
"الله عليك يا ست!"
اتجه الثلاثة ليجلسن بجانب بعضهن. فتحدثت "ورده" قائلة بتساؤل:
"من إمتى يا روز وأنت بتسمعي الست؟"
وزعت "نيروز" نظراتها في المكان بينما كان ينظر الاثنان بترقب وانتظار فتحدثت هي باختصار:
"من فترة كده. أغيرلكم حاجة تانية؟"
قاطع إجابتهم دلوف والدتهم إليهم وهي تبتسم لهن بحب. فصاحت "ياسمين" عالياً ببهجة:
"والله ما كنت ناويه أكسفك بس طالما سمسم جت يبقي شغلي أمورتي الحلوة ونهبل كلنا بقا.."
نظرت لها "نيروز" بحماس وهي تمسك الهاتف لتقوم بالبحث عن ما قالته الأخرى ومن ثم تشغيله بعدما قامت بتعليية الصوت! تحت نظرات "سمية" المحبة لهن. اتجهت "نيروز" بحماس ثم أمسكت بيد "ورده" ومن ثم ربطت الأخيرة يدها بيد والدتها بينما أمسكت "ياسمين" بيد "سمية" تحت رقصهم البهيج على الكلمات التي كانت مؤثرة على "سمية" وبشدة وهي تتمايل معهم حتى وإن كانت لا تستطيع بل كانت تحاول وهي متأثرة. تحت نظراتهم السعيدة بما يفعلونه.
[ست البنات حبيبتي بخاف من الهوا
لو مس شعرة منك من غير ما نكون سوا
إن يوم بكيتي ببكي ب قبال اليوم سنة
وإن قلتي آه عينيي بتقول انشالله أنا
يا اخواتيي بحبها دي حبيبة أمها]
إلى هذه الكلمات التي تعد نصف الأغنية ولم تتحمل "سميه" بل سقطت دموعها بتأثر جلي على وجهها. بينما نظروا إليها بحب. حتى دخل الثلاثة بأحضانها الدافئة بالنسبة لهن. حتى تشبتن بها بقوة. وكأنها هي الملجأ الوحيد لهن. مهما حدث تبقى الأم هي الملجأ الوحيد! بكت "ياسمين" بتأثر وكذلك "نيروز" و"ورده" وهن في أحضان والدتهن. بقوا بأحضانها إلى أن رجع الوضع كما كان قبل. أحضانها التي تجعل من بداخلها يتنفس براحة واطمئنان وأمان!
وكأنهن يقمن بالحماية من وحشة العالم وسوء الأشخاص وقسوة الأيام.
جلس بمقهى يبعد عن الأنظار قليلاً، مقهى ليلي غير معتاد للجلوس به، ولكن منذ أن هاتفه الآخر فاضطر بأن يقابله. لمح هو مجيئه من بعيد، فتنهد يأخذ أنفاسه بغير اهتمام وهو ينظر إلى جهة أخرى بملل، إلى أن وصل الآخر يقف من أمامه، ولم يكن سوى "خالد" الذي ابتسم بلؤم وهو ينظر له قائلاً:
"إيه مفيش أهلاً؟"
التفت "شريف" يطالعه ثم تجاهله قائلاً بإختصار:
"لخص وقول منزلني ليه؟ أنا مش مرسيك على الحوار!"
جذب الآخر مقعد ليجلس بمقابلته، وهو يهتف ليجيبه بنبرة جادة خبيثة:
"لا ما هو أصل أنا بتعب أوي بصراحة وأنا كل شوية أتصل أسيب ركب البت الغلبانة دي، لأ وكمان عشان أجيب واحدة إنت سهل تجيبها بسهولة، ولا هي صعبة بقا على كده جميلة دي يا شوش؟"
"إنت ملكش فيه، ولا في اللي بيحصل واللي عندك قوله عشان مش فاضيلك!"
ضحك الآخر ضحكة ليست هينة ثم تحدث قائلاً يجيبه:
"صح مليش فيه، بس الأستاذة الدكتورة فرح الشرقاوي يا شريف يا شرقاوي مبتردش عليا بقالها كذا مرة، وعلى قولك يعني لما قولتلي متكش عليها أوي في الحوار ده ولا تديها تفاصيل غير لما تقولي، السؤال بقا لو هي مبقتش ترد وبقت تصد أنا مليش فيه فعلاً؟ إشطا يا با، فين فلوسي بقا اللي أنا صابر عليها بقالي كتير دي؟"
"ميهمنيش تصد ولا ترد المهم إني عارف إنها هتسلم صاحبتها بنت الناقص في الآخر، وإن كان على فلوسك فالاتفاق مكنش كده، أنا اديتك النص ولما يخلص الحوار تاخد النص التاني!"
قالها أمام أنظار الآخر الصامتة، فتنهد يتنفس ببطء وهو يتحدث قائلاً بنبرة متقطعة ليثير حنق الآخر:
"مش هنكر الاتفاق بس متبقاش تنسي، وقولي يا شريف يا شرقاوي في سؤال جاي على بالي علطول بس مكنتش بسأله..!"
طالعه "شريف" ببرود فواصل الآخر يكمل بنفس البرود:
"يعني شريف الشرقاوي هيكون عاوز يأذي فرح الشرقاوي ليه؟ دي المفروض كده على ما جمعت إنها أختك، لسه في الزمن ده إخوات كده يا جدع؟ طب دي حتى حياتها بيتهيألي كده بايظة بسبب قعدتها في المستشفى ولا البت التانية دي كمان و..!"
غير معتاد على أن يحدثه الآخر بطريقة كمثل هذه، حسناً، نفذ صبره الآن، أمسك الكوب الزجاجي من أمامه بهدوء، ثم نهض يكسره على فجأة ليقاطعه بينما أمسكه من تلابيبه بقوة وهو يقرب من الزجاج بيده حيث عنق الآخر هاتفا بتوعد:
"بص، شريف الشرقاوي بيقولك متدخلش في اللي ملكش فيه حلو!"
هز الآخر رأسه له بضعف من أثر إختناقه، فأقترب "شريف" يهمس بجانب أذنه بخفوت ومازال يمسكه:
"شريف الشرقاوي يعمل اللي هو عاوزه، فإيه بقا..؟"
ردد "خالد" خلفه بخوف يحاول إخفائه ولكنه ظهر:
"إيه؟"
"فإنت غلطت لما حاولت تتعامل معايا بالطريقة دي، فاهدي كده على نفسك بدل ما أوديك في ٦٠ داهية وأضيعلك مستقبلك يا دكتور إنت ومواقعك القذرة دي، حلو الكلام..؟"
قالها ومن ثم نفض يده سريعاً يتركه بعدما توجه يفصل بينهما بعض من الرجال الجالسين، عدل "خالد" من مظهره ثم رحل بعيداً دون أن يوجه أنظاره له، نفض "شريف" يد الرجال بقوة وهو ينظر لهم بجمود، ثم ترك من يده الزجاج، حتى أخرج بعض من الأموال الذي ألقاها على الأرض بإهمال تحت نظرات الرجال البغيضة من تصرفه، ومن ثم رحل بعيداً عن ذلك المقهى، وهو يركب سيارته، ثم ابتسم ابتسامة لا توحي بما حدث منذ قليل، وكأن تعامله بالشر والسوء شيء يسعده من الأساس، وإن ظهر للبشر أنياب حادة حينما يبتسموا بشر، فسيكون هو صاحب أكثر الأنياب الحادة، حتى نظراته التي لا توحي بالخير بتاتاً، رحل بعيداً بالسيارة بعد تلك المقايضة الغير هينة بينه وبين الآخر.
جلست بجانبه على الفراش، بينما هو كان يطالعها بحب فاض من عينيه، كانت تقوم بالإستغفار، جلست هي بجانبه أخيراً بعد أدائها ركعتين لله تقوم فيهما بالدعاء لأولادها وبالأخص عودة ولدها، رفع "حامد" ذراعه حتى يقربها داخل أحضانه ثم ربت عليها بحنو وهو يقول بنبرة مطمئنة:
"هيرجع يا دلال، هيرجع!"
صمتت هي لدقائق لا تعرف بماذا سترد عليه، ولكنها حاولت أن تتحدث من بين نبرتها المختنقة:
"عارفة، عارفة إن غسان هيرجع.. أنا بس اللي واجع قلبي أكتر من غيابه كسرته، عمري ما شفته كده أبداً، مش ده ابني اللي يقف زي المضروب على راسه وهو مش عارف يعمل إيه؟ مش ده غسان يا حامد اللي اللي يقف ساكت ولسانه ميطلعش عشان يدافع عنه؟ حزينة على اللي حصل ما بينهم وهم عمرهم ما كانوا كده ولا كان بسام كده أبداً، بسام اللي زعلي عليه أكتر من زعلي منه!"
ربت عليها بتعب، ثم تنهد يأخذ أنفاسه ليجيبها بهدوء:
"عارف يا دلال كل ده، بس عايزك تعرفي إن الأصل غلاب، مش هقولك أصلهم إيه بس رجوعهم من تاني زي ما كان هو اللي هيقولك، إن شاء الله ربنا هيصلح الحال وكل حاجة هتبقى تمام متوجعيش فنفسك، خسارة القمر ده يتبهدل كده عشان ولاد الكلب دول!"
قالها بمرح جعلها تضحك بخفة، حتى خرجت من أحضانه وهي تنظر له باستنكار قائلة بمدافعة:
"عمرهم ما كانوا ولاد كلب يا حامد، دول ولاد أكتر راجل حنين في الدنيا ربنا يخليك لينا ويديك طولة العمر."
غمز لها بخفة ثم صاح بمرح:
"أيوه هو ده الكلام، بلاها زعل خلينا في الغزل يا أم غسان!"
ضحكت بخفة فسمعوا هم صوتها وتجلي حنجرتها يبدو أنها واقفة على أعتاب الغرفة منذ وقت، نظر لها والدها وهو يفرد لها ذراعيه من على الفراش قائلاً:
"خش فحضن أبوك ياض لسه واقف؟"
كان يحدثها بالمذكر فجعلها تضحك بقوة، حتى تحركت "وسام" تدخل بين أحضانه بخفة إلى أن غمزت لهما قائلة:
"أنا جيت في الوقت المناسب ولا إيه؟"
ابتسمت لها "دلال" بحب، ثم أجابتها بحنو:
"كل الأوقات ليك يا حبيبتي، جعانة ولا إيه؟"
استقامت وهي تفسح المجال بينهما حتى تجلس بالمنتصف بينه وبينها قائلة:
"لا مش جعانة وسعولي شوية هقعد هنا معاكم.."
تزحزحت "دلال" كما فعل "حامد" بينما هي جلست أخيراً، ثم تنفست بعمق وهي تهتف:
"أنا بحبكم أوي، أوي وشكراً على الهدية اللي ممكن تكون كلفتكم كتير بس عشان تفرحوني، مش عارفة أقولكم كلام حلو بس أنا بحبك أوي يا بوب وبحبك أوي يا مرات أبويا.."
قالتها وهي ترفع كلاً من ذراعيها حتى تضعهم على كل منهما بخفة إلى أن استندت هي على كتف والدها بينما استندت "دلال" على كتف "وسام"، تزامناً مع رد "حامد" وهو يرفع يده ليمررها على خصلاتها السوداء وهو يقول:
"مفيش حاجة تغلي عليكي أبداً، لو عاوزة عيوني تاخديها يا ستي."
ابتسمت على أثر يده الحانية التي تلمست وجهها بينما رددت "دلال" قائلة:
"مفيش حاجة غالية غيرك انت واخواتك عندي، ربنا يخليكم ويييارك فيكم وأفرح بيكم."
قالتها بحنو، فأصبح الثلاثة الآن بجانب بعضهما كجسد واحد بروح واحدة، يغلفهما حب كل منهما للآخر، لم يكونوا سوى أشخاص سوية نفسياً، يحتوي كلا منهم للآخر وبقوة، وكأن كل منهم يأخذ القوة من الذي يليه، من خلال إحتضاننهما لبعض باحتواء، تلك العائلة الذي حدث لها ما حدث ولكن رب أسرتها لم يكن سوى شخص سوي نفسياً، وإن كان رب الأسرة شخص كهذا، فستسمى عائلة هادئة، حنونة، جميلة، عائلة سوية نفسياً.
استغربت بس ما رديت عليه، ما كنت عارفة أقول له إيه.
"طيب، أنا بأروح الحين، بس لازم أتأكد إن كل شيء تمام قبل ما أسافر."
"تمام، مشكور يا أحمد."
"ولا يهمك. ولو احتجت أي حاجة، أنا موجود."
ابتسمت له، وهو ابتسم لي ورجع يكمل شغله.
بعد ما مشى، قعدت أفكر. هو صادق، لازم أتأكد من كل حاجة.
قمت فتحت اللابتوب وبدأت أشيك على الحجوزات، وعلى تذاكر الطيران، وعلى كل التفاصيل اللي تخص السفر.
كل حاجة كانت تمام، وما في أي مشكلة.
بس برضه، قلبي كان مقبوض.
حسيت بشعور غريب، زي كأن فيه حاجة ناقصة.
يمكن لأني بأفارق المكان اللي عشت فيه سنين طويلة.
يمكن لأني بأروح مكان جديد وما أعرف فيه أحد.
يمكن لأني بأترك ورايا ناس أحبهم.
غمضت عيني وأخذت نفس عميق.
"لازم أكون قوية."
قلت لنفسي بصوت عالي.
"لازم أواجه كل شيء."
فتحت عيني مرة ثانية، ورجعت أكمل شغلي.
كنت عارفة إن السفر مش نهاية العالم، بالعكس، دي بداية جديدة.
بداية مليئة بالتحديات، ومليئة بالمغامرات.
وبداية مليئة بالأمل.
رواية عودة الوصال الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة ناصر
```
"السلام عليكم ورحمة الله ... السلام عليكم ورحمة الله"
قالها الإمام بعد فترة، حتى أنهى الصلاة. مرت الدقائق ونهض هو براحة تخللته بسبب صلاته ودعائه وقربه من خالقه. خرج خارج المسجد هو وصديقه، ثم بدآ في السير بعيدًا عنه. التفت "شادي" ينظر له فوجده شارداً، يبدو أنه يفكر فيما قاله له من نصائح يرميها على مسامعه بين الوقت والآخر. تنفس بعمق ثم تحدث قائلاً بلين حتى يقتنع:
"مش ناوي بردو؟"
"يخربيت زنك يا جدع! إيه نحلة؟"
قهقه "شادي" عالياً وهو يفعل صوت النحلة، ثم حرك يده تماشياً مع صوته قائلاً بلحن:
"أنا النحلة.. وانت.. الكتكوت"
قلب "غسان" عينيه بملل من سخافة الآخر، فجلس على استراحة ومن ثم جلس صديقه بجانبه. فكاد أن يتحدث "شادي" مرة أخرى، فقاطعه "غسان" سريعاً وهو يخرج هاتفه من جيبه ثم تحدث باندفاع:
"خلاص. آخرس بقا وافصل. هفتحـه الأول وأكلمها"
صفق الآخر كتشجيع له وهو ينظر له نظرة فخر قائلاً بمرح:
"أقسم بالله أرجل واحد فـ.."
رفع "غسان" يده سريعاً ثم ضربه بخفة في وجهه لتوقفه لما سـيردفه. فتأوه "شادي" وهو يرجع إلى الخلف قائلاً بسرعة ليبرر:
"والله قصدي.. أرجل واحد فـ الرجالة.."
***
كانت في ذلك الوقت بشقتها جالسة على سجادة الصلاة تقوم بأداء فرضها، وهي تناجي ربها وتتوسله بأن يهدي لها أولادها ويرد لها ابنها سالماً. دعت بأن يسكن الله قلبها بينما في حيرة من أمرها أين هو وماذا يفعل الآن. وكأن دعائها قد استجاب للتو، حينما قامت بالتسليم أخيراً. ومن بعدها وجدت هاتفها صوته يصدح في المكان، عن متصل. استندت رغماً عنها وهي تحاول أن تنهض لتجلبه من على بعد مسافة قليلة جداً، حيث جانب الفراش. جذبته سريعاً ولم يأتِ ببالها أنه هو!! ابتسمت سريعاً ثم ضغطت على الزر بفرحة كادت أن تمتزج مع دموعها البسيطة. ثم أجابته بصوتها المتحشرج:
"غـ. غـسان عامل ايه يا حبيبي طمني عليك؟ انت فين؟ وبتعمل ايه؟ روحت عند مين يا بني قولي وطمني!!"
لهفتها في طرح الأسئلة لن تأتي إلا من أم. ورغم كثرة الأسئلة عليه، إلا أنه شعر بالراحة وهدوء ضميره بسبب تعنيفه لنفسه من الداخل فقط بأنها قلقة. ولولا صديقه وتحفيزه من قبله لما اتخذ الخطوة بهذه السرعة. سمع صوت أنفاسها ولكنه تنهد يأخذ أنفاسه بتعب من لهفتها وخوفها قائلاً يجيبها بهدوء رغم ما بداخله:
"أنا كويس يا دلال الحمد لله. متقلقيش عليا. انتم عاملين ايه وحامد ووسام وبـ.."
صمت لا يدري لما صمت، ولكنه قالها بغير وعي، حيث طبيعته ولهفته على من منه جعلته يردف حديثه هذا. ورغم ما حدث لم يتردد لحظة بأن لا يطمئن على شقيقه، بل واصل حديثه بابتسامة مؤلمة وصوته الذي وصل لها:
"وبسام عامل ايه؟"
"إحنا كويسين يا حبيبي. متقلقش علينا إحنا اللي قلقانين عليك. إرجع يابني ومتوجعش قلبي أكتر من كده أرجع وكل حاجه هتتصلح وحتي اللي حصل هنا. تعالى يا غسان أو قولي على الأقل انت فين وريح قلبي"
لم يفهم كل حديثها، ولكن على أي حال أجابها رغماً عنه من تلك النبرة التي تخترق سهام قلبه وبقوة. حاول أن يبقي ثابتاً في صوته حينما ردد باختصار:
"أنا عند شادي يا دلال. ياريت متقوليش لحد أنا بس كنت بطمن عليكم. وهقفل دلوقتي. خلي بالك من نفسك. وخلي بالك.. منهم"
قالها ببطء ومن ثم ضغط على زر الغلق ليغلق تلك المكالمة التي تهلك من فؤاده بسبب ما تشعر به والدته والذي ظهر له من حديث. أيقن أنه المؤذي في قصتهم حينما سمع صوت والدته وبكائها في الهاتف في آخر حديثها. أخرج الأنفاس الثقيلة من على صدره ثم ضغط على الزر ليغلق الهاتف تماماً كما في السابق. كان بإمكانه صديقه أن يترك له المساحة الخاصة ولكنه بقي تحسباً لرد شخص آخر غير والدته على الهاتف رغم أنه هاتفها ولكنه يضع كل الاحتمالات حتى لا يسوء الوضع أكثر. رفع "شادي" يده يربت على كتفه بحنو وهو يبتسم بسمة صادقة من صداقتهم الحقيقة قائلاً:
"كل حاجه هتروق. يلا بينا؟"
قالها وهو يقترح عليه ليعودا إلى المنزل. أومأ له "غسان" دون التفوه بأي حرف ثم نهض من مكانه حتى أصبح بجانبه وهو يسير على الطريق.
أما هي فعندما أغلق الخط هبطت دموعها، ولكنها بعد لحظات جففتها بثقة من دعائها لله. ثم خرجت من الغرفة لتوقظ ابنتها. هي وابنتها بمفردهما في المنزل حتى "حامد". لم يأتِ بعد الصلاة. و"بسام" رغم أنه يبيت في المشفى منذ أمس إلا أن موعد رجوعه للمنزل كان مبكراً. ولكن يبدو أنه يبطئ في مجيئه بسبب مقاطعتهم عن التعامل معه والحديث هذا ما سبب تأخيره حتى يذهب لغرفته وفي وقت العمل يخرج مباشرة دون احتكاك. رغم ضعف قلوبهم ناحيته إلا أنهم لا يعلمون أيضاً سبب رحيل "تاج" عنه إلا الآن. وبسبب تصديقه لحديثها قاطعته عائلته بسبب تخليه وتكذيبه عن شقيقه. أما عن وجعه فالكل يتألم له.
***
في شقة "زينات" كان جميعهم مجتمعون عندها إلا القليل. جلسوا على الأريكة بعد دلوفهم المنزل لديها للتو. خرجت لهم "زينات" بملامح وجه مبتسمة غير مريحة بالمرة. بينما جلس "سليم" بجانبهم. وكان "حازم" يجلس بجانب "ياسمين" ومن جانبه "جميلة" و"عايدة" و"سمية" وأخيراً "وردة" التي تركت صغيرها مع والده في شقة والدها بسبب عدم رغبة "بدر" المستمرة في الاحتكاك بتلك العائلة المكونة من "سليم" وزوجته الثانية وكذلك أولادها. كان الجو ساكناً. الأنظار والوجوه ظهر عليها وكأنهم مجبورون على تلك العزومة. أمسك "سليم" الكوب الزجاجي ليشرب منه ومن ثم رفعه حتى أنزله مرة أخرى وهو ينظر لـ "سمية" وبعد لحظات خرج صوته لها وهو يتساءل بتهكم:
"وفين بنتك بقا على كده؟ والنهارده المفروض أجازه يعني؟"
تحركت أنظار "ياسمين" صوبه بغيظ. كما نظر الآخرون بترقب. بينما أجابته "سمية" بنبرة جادة:
"هو مش لازم يبقي في شغل عشان تنزل. بتعمل حاجة برا وجاية علطول. مش مستاهله يعني الكلام."
حسناً، هذه فرصة جديدة لـ "زينات" غير التي تحتفظ بها عند اجتماعهم جميعاً. ابتسمت بتهكم وهي تردد قائلة باستفزاز:
"هو مش لازم بردو عمها يعرف هي بتروح وتيجي منين يا سمية يا ختي. أقولك على حاجة بردو. البنات اليومين دول معدوش مضمونين أه والله يا حبيبتي..!"
نظرت لها "سمية" بغضب تحت أنظارهم. فرفعت "ياسمين" قدم على الأخرى ولأنها كانت تجلس أمامها ثم أجابتها إجابة عقدت من لسانها حينما قالت:
"عندك حق البنات فعلاً مش مضمونين اليومين دول."
صمتت تتابعها بغير تصديق وكذلك عمها. بينما نظرت لها "وردة" بترقب للآتي هي تعلم بأنها لن تتوقف إلى هنا. حتى "حازم" الذي نظر لها بانتظار رغماً عنه. وتأكدت شكوكهم حينما واصلت مرة أخرى ببرود:
"علشان كده شوفي بنتك مشت من البيت ليه؟ ولا يكون.."
صمتت تحك ذقنها بكيد ويم واصلت بتأكيد متظاهره بالتفكير:
"هربت..!!"
وقف "سليم" مرة واحدة على فجأة. بينما نهض الجميع وبقيت "ياسمين" كما هي جالسة وكأن شيئاً لم يكن. وقبل أن يتحدث عمها صاح "حازم" عالياً:
"أنا مش فاهم بتحبي تستفزي غيرك ليه."
```
وتطلعي أسوأ ما فيه!
قالها لـ "زينات" التي نظرت لهم بغضب تكتمه حتى النهاية. أما "سليم" فأشار لهم بحده قائلاً بحزم موجهاً بعض حديثه لـ "ياسمين":
"كل واحد يقعد ومسمعش صوت وبالذات صوتك. بنسيب المشاكل علشان تجيلنا مشاكل!"
جلسوا مرة أخرى بينما نظرت "ياسمين" لها بتحدي ومن ثم حركت رأسها صوب عمها الجالس ثم تحدثت قائلة بهدوء مميت:
"الصراحة يا عمي الواحد هو اللي بيروح للمشاكل برجله!"
تلمح لمجيئهم إلى هنا. وكزتها "جميلة" التي مدت يدها من خلف "حازم" الجالس بالمنتصف. نظر لها "حازم" بجمود لتصمت. فقلبت عينيها بملل بينما وقعت أنظارها على عمها الذي حدجها بسخط لحديثها الغير هين بالنسبة له. أما "زينات" فبقيت صامته تكتم وتكتم حين قدوم الوقت المناسب. نظرت لهم جميعاً بابتسامة سمجة ثم نهضت تشير لهم:
"يلا الأكل جاهز. تعالوا ساعدوني."
قالتها بلطف غير مألوف لهم. نظر لها البعض باستنكار. بينما نهضت النساء والفتيات على أي حال لتجهيز سفرة الطعام!
***
"أبي.. أردت أن يصلك إحساسي.. من خلال ما زفرته أنفاسي.. أردت أن تصل كلماتي إلى قلبك.. فأنا لا أتأمل حياة بعدك.. أردت أن تصل إليك كلمات خرجت من أعماقي مقحمة.. كلمات إليك أبي: "أحبك وأنتظر عودتك للحياة مرة أخرى حتى وإن كان الأمر مستحيل."
وكأن نظراتها ودموع عينيها تشرح معنى تلك الكلمات. كانت تقف أمام قبره مرتدية ملابس سوداء أشبه بجلباب أسود حتى حجاب رأسها كان من نفس اللون. ولكنه كان متناسقاً عليها، ظاهراً تقاسيمها ولكن ليس بشدة! وقفت "نيروز" ولم تعطي بالا ولا اهتماماً للمارة من حولها. فيوم الجمعة في بعض الأماكن يعد اليوم الأشهر لزيارة الأموات في المقابر. هي ليست مع هذه التقاليد كما ليس أيضاً لعائلتها. ولكنها بين فترة وأخرى تأتي لزيارته حتى وإن ماذا حدث. لم تتأخر فترة طويلة على زيارته! مسحت عباراتها ثم اقتربت من القبر حتى تجلس على حجارة عالية قليلاً. ثم ابتسمت وكأنه بجانبها للتو حينما رددت بصوت مسموع وكأنها تحدث شخصاً ما:
"وحشتني أوي يا بابا. الحياة من غيرك لسه صعبة. مفيش حاجة سهلة من غير وجودك. مش عارفة أقولك إيه وأنا كل شوية بتكلم معاك وكأنك موجود. نفسي أشوفك وأقعد معاك ونحكي سوا زي زمان فاكر؟"
صمتت تستجوبه وكأنها مختلة عقلياً. ولكن بالنسبة لمن حولها فمعرضون لحدوث ذلك غالباً في المقابر! ابتسمت مرة أخرى وهي تحاول أن تتحدث بصوت ثابت غير محشرج ولكن خابت محاولاتها حينما قالت:
"جيت أتأسفلك على وعدي. أصل أنا حبيت. غصب عني مشاعري خانت الوعد. عارفة إنك قولتلي إن مشاعرنا مش بإيدينا وإن التعامل هو اللي بإيدينا. بس أنا معملتش حاجة وحشة خالص. أنا مش خايفة من الوعد. أنا خايفة لكل مشاعري دي تروح ع الفاضي. خايفة إنه يسيبني ويمشي بعد ما قولتله على اللي بخاف منه ومشي. خايفة من حاجات كتير أوي. خايفة من حسن لو عرف. خايفة من رد فعله. لو عرف ممكن يعمل أي حاجة مش متوقعة. لما وصلت للنقطة دي خوفت أقول إني خايفة على..."
صمتت ثم تابعت مرة أخرى بخوف داخلي:
"خوفت أقول إني خايفة على غسان منه! يمكن لو كنت موجود كانت كل الحسابات دي اتغيرت. يمكن كنت توقف كل واحد عند حده. ولما موضوعي أنا وحسن يتفتح لأول مرة كنت تقفله بطريقة متخليهوش لسه مكمل لحد دلوقتي! أنا مبحبوش يا بابا. حتى لو كان شخص كويس قلبي مراحش نحيته ولا هيروح. يمكن كلمة عمي كانت صح لما قال اللي ترفض واحد من دمها ياعالم هتعمل إيه! عارف أنا عملت إيه؟ حبيت واحد عارفينـه لأ وكمان ساكن قصاد شقة حسن. وابن عم بدر جوز وردة. واللي بيشتغل معاه في الشغل. واللي مامته أقرب شخص لماما دلوقتي وأكتر حد بيساعدنا. واللي باباه حسيت فيه لأول مرة إن فيه من حنيتك وهدوئك. يعني حبيت واحد معروف وانت نفسك كنت عارفه. معروف من كل ناحية. بس بردو مش من دمي. كلمته بتتردد في وداني بخوف من اللي جاي من عمي ومن حسن. حسن إيده طايلة وغسان موجود معانا. كام مرة دافع عني. عارف إنه قادر يدافع عن نفسه وعني. بس أنا مش هقدر أدخل فكل المشاكل دي. وأنا عارفة إن محدش هيطلع منها من غير خساير. وصلت لدرجة إنه مشي وعاوزاه ييجي بس مش عاوزاه ييجي. ييجي عشان بحبه وميجيش عشان خايفة عليه ومنه ومني لاتعلق بيه أكتر!"
صمتت تأخذ أنفاسها ببطء ثم نهضت من على الحجارة تزامناً مع قولها الهادئ لتودعه:
"أنا حاسة إني بقيت تمام حتى لو ملقتش حلول لكل ده. أتمنى تكون سامعني. أنا همشي متزعلش مني زي ما إنت مشيت وأنا زعلت. أنا هرجعلك تاني لكن إنت لأ..!"
قالتها وهي تكتم الدموع في عينيها ثم بدأت بالسير لتخرج من تلك المنطقة التي ما أن تدخلها يرجع بها زمنها وآلامها إلى الخلف! وكأن وجع فراقه بالنسبة لها يزداد في كل مرة تدخل بها ذلك المكان إلى أن تقف عند قبره. دقائق لتمر ومن ثم خرجت هي من المكان بأكمله ومن الأشخاص الموجودين به أحياء وأموات! أشارت لسيارة أجرة يقودها رجل كبير في السن كما نبهتها والدتها.
***
إرتدى ملابسه منذ وقت وهو يقرر بأنه سيعود إلى المنزل. إذن حتى أنه لا يوجد لديه عمل في ذلك الوقت. وقف أمام المستشفى وبيديه كيس به صندوق كرتوني مغلف. ينتظر سيارة أجرة في ذلك الجو المشمس رغم أنه ليس فصل الصيف! أمسك هاتفه يعبث به بملل وهو ينتظر. إلى أن وقفت من أمامه سيارة بيضاء اللون. فحجبت عنه رؤية الطريق وحتى رؤية السائق له! نظر بضيق دون أن يتحدث. فـ لمحها وهي تهبط من السيارة ويبدو أنها انتبهت له وهي بالداخل. نظرت له من أعلى لأسفل. ثم اتجهت إلى حقيبة السيارة تأخذ منها حقيبة ملابس صغيرة. يبدو أنها لوالدها. أغلقت السيارة إلكترونياً. وهي تتوجه بكعب حذائها العالي الذي سمع صوته بقوة. وكأن تلك الدقات هي دقات الجرح بقلبه! وقفت أمامه بتبحح. ثم نظرت له قائلة دون تمهيد:
"نتيجة الأشعة والتحاليل بتطلع امتى؟"
حاول تجاهلها وهو ينظر لهاتفه مرة أخرى. فرفعت يديها توكزه في كتفيه قائلة بوقاحة:
"إنت..!!"
رفع "بسام" يديه ثم أمسك يديها باشمئزاز وهو يهبطها من عليه تزامناً مع قوله الساخر لها:
"إيديك عشان كده هتوسخ وأنا بقرف. وأنا مش خدام عندك عشان تكلميني بالأسلوب ده. خشي اسألي المتخصصين في اللي إنت بتسألي عليه. أنا دوري أشوف التحاليل والأشعة بعد فترة ظهورها عشان نشوف الحالة غير كده مفيش. وبعدين هو بيتعالج بأدوية دلوقتي لحد ما يطلع ونشوف في تحسن ولا لأ بردو!"
قالها بجمود لم تعهده منه من قبل. لاحت ابتسامة جانبية على شفتيها ثم تعمدت أن تضغط على جرحه أكثر حينما أجابته متجاهلة حديثه فقط ركزت على أسلوبه الوقح بالنسبة لها:
"بقيت قليل الذوق ووقح زيه بالظبط. عمرك يعني ما كنت كده ولا كلامي المرة اللي فاتت نقح وجه عليك لدرجة إنك تقلده وتبقى زيه فالصفات الوحشة!"
صمتت ثم رفعت إصبعها كتهذيب لطفل صغير قائلة:
"كده غلط. مينفعش نقلد الناس فالوحش نقلدهم في الحلو بس. ولو إن مفيش فـ أخوك حاجة حلوة خالص تاخدها منه!!"
اقترب منها خطوة واحدة وهو ينظر لها بغضب. ثم صاح عالياً بحده متحكماً في يديه حتى لا يرفعها عليها:
"إخــرسي!"
كان لا يفصل بينهما شئ. كما أن أنظار من حولهم بدأت بالانتباه. رجعت إلى الخلف سريعاً. وهو يرفع يده ظنت أنه سيرفعها عليها ليضربها. ولكنـه كان يشير إلى سيارة أجرة قد لاحظها. ابتسم بتهكم على ما فعلته ثم خرج منه صوته وهو يطالعها:
"مش أنا اللي أمد إيدي على واحدة.. عرفتي بقا إنك جبانة؟"
نظرت له وهي تكبت غضبها. فواصل يكمل بنبرة باردة:
"أيوه جبانة. وكل اللي إنت قولتيـهولي من أول ما شوفتك يا تاج لو كنت صدقته فأنا لازم أتأكد منه حتى لو كنت صادقة.. سلام يا.. تاج ميتلبس حتى فالراجل!"
قالها ومن ثم سار ليركب سيارة الأجرة. معيداً حساباته. الذي كان يفكر بها منذ فترة صغيرة. بعدما رأى منها جرحها له طوال الوقت وهو يصدقها. بينما هرب الٱخر من أمامه. أي فتاة التي ستذكر نفسها ومن أمامها بأنها قد تعرضت لأشياء كمثل ما قالت له وما تقصده!
هذا ما فكر به رغم أنه ليس منطقيًا، للحدا لأقصى ولكن وجع ضميره ناحية شقيقه الذي بدأ بالظهور عليه كان سبب تفكيره بذلك حتى وإن لم يقتنع بنسبة كبيرة.
نظرت بأثر السيارة بغضب لتفوقه عليها في الحديث والحوار.
تنفست بعمق محاولة أن ترخي أعصابها من جديد وهي تتوجه لتسير إلى الداخل، متوعدة له لحين لقاء آخر حتى تضغط عليه كما تفعل.
***
هبطت أمام المبنى تزامناً مع دخول "حامد" من أمامها.
دخلت "نيروز" إلى الداخل وهي تنادي عليه فالتفت هو ليبتسم لها بحنو، حتى اقتربت هي إليه.
بادلته البسمة فتحدث قائلاً بلطف:
"طب والله عمو حامد طالعة منك زي العسل."
ضحكت بخجل تزامناً مع سيرهم بجانب بعضهم حتى وقفوا أمام المصعد.
دلفت هي أولاً ومن ثم هو.
كان يطالعها بابتسامة.
وقبل أن يتحدث بمرح، تحدثت هي من قبله على فجأة، قائلة بهدوء:
"مفيش أخبار عن.. غسان يا عمو!"
حرك رأسه بنفي تزامناً مع رده وهو يقول:
"كان نفسي يا بنتي، بس إن شاء الله خير. غسان معارفه كتير وميتخافش عليه. متخافيش!!"
تسارعت دقات قلبها من حديثه الأخير. أحقًا يظهر عليها الخوف تجاهه؟ ماذا يقصد؟
خرجت من المصعد وهي تتوجه لشقة عمها، بينما ذهب هو ليخرج المفتاح بعدما نظر لها نظرة أخيرة.
حتى تحدث لها دون أن ينظر لها قائلاً بعقل:
"الحزن فالقلب يا بنتي بيهلكه وبيضعفه. عيشي حقيقة الحياة إن كلنا لها وكلنا رايحين للآخرة، بس مسيرنا نتجمع تاني فالجنة لو من نصيبنا، وأدينا بنسعى!!"
كان يكمل حديثه بعدما فتح الباب وهو يلتفت لينظر لها.
فالتفتت له بتفهم لما أردفه قائلة برجاء من داخلها:
"بحاول!"
أومأ لها بعينيه كتعبيراً بأن ذلك هو الصواب.
حتى فتح لها الباب من الداخل.
بينما أغلق هو الباب.
يبدو أنه لاحظ احمرار عينيها وملابسها السوداء.
دَلفت هي إلى الداخل ثم جلست بصمت على مائدة الطعام الذي بدأ كل منهم بتناول الطعام حينما دخلت الأخرى ورحبت بهم بهدوء.
لم يتحدث أي منهم على الطعام، إلى أن خرج صوت "زينات" وهي تتحدث قائلة موجهة بحديثها لـ "نيروز":
"وكنت فين على كده بقا واحنا كنا مستنين حضرتك!!"
صفقت "ياسمين" عالياً مما أثار صدمة البعض.
حتى نظر لها الجميع بدهشة حينما أردفت بلحن في آخر حديثها:
"جماعة افتكرت دلوقتي حالا سيرين عبد النور لما كانت بتقول إيه فـ أغنيتها.. 'اللي ملكش فيه.. ملكش دعوه بيه'!"
كبت "حازم" ضحكته وكذلك شقيقته "ونيروز".
بينما نظرت "سمية" لها بتحذير.
تجاهل "سليم" الأمر.
بينما طالعتها "زينات" بغيظ ثم عادت لتناول طعامها متوعدة لها فيما بعد.
واصلت لتتحدث مرة أخرى بكيد:
"إيه رايك في الأكل يا سليم؟"
قالتها بدلال لتستفز "عايدة" التي نظرت بحزن حينما ردد زوجها قائلاً يجيب الأخرى:
"جميل تسلم إيديك يا حبيبتي."
بالطبع قالها ومن داخله يفعل جميع التحسبات لما سيأخذه منها من تعكير لصفو مزاجه.
رفعت يديها تربت على كتفه برقة أمام أنظار الجميع، وخاصة "حازم" الذي نهض من على الطعام بملل وهو يبتسم رغماً عنه، يخبرهم بأنه اكتفى.
بينما "عايدة" كانت تراجع نفسها التي حزنت لأجلها، متسائلة لنفسها بأنه لم يرمي على مسامعها كلمات شكر كهذه من قبل.
نهض البعض تدريجياً وبقي القليل فقط في جو مشحون من شعور متناقض.
***
دخل من باب المنزل بعدما فتحه بواسطة مفتاحه.
وجدَهم جالسين في صالة المنزل على مائدة الطعام.
نظر لهم بتعمق.
بينما هم نظروا له بلوم واشفاق في آن واحد.
اتجه ناحيتهم يقف من أمامهم.
نظرت له والدته وقد خانتها عاطفة الأمومة وهي تسأله بهدوء، خانتها نظرات الاشتياق والاهتمام للحديث معه:
"أكلت؟"
هز رأسه لها بالنفي.
ومن ثم وزع نظراته على والده الجالس ولم ينظر له حتى.
وشقيقته نفس الأمر.
تحدث "حامد" على فجأة تزامناً مع تناوله للطعامه:
"عاوز تقول إيه؟ لتكون ندمان!!"
قال آخر حديثه بسخرية جعل الاثنتين تنظران بترقب.
بينما تحدث "بسام" بتعب رغماً عنه:
"مش ندمان على قد ما ندمان على أسلوبي معاك اللي مكنش ينفع أتكلم معاك وأنا كده. أنا آسف!"
"لو آسف بترجع اللي بيروح وبيمشي. كانت رجعت أخوك دلوقتي. ووقت الغضب الواحد مبيشوفش قدامه. أسلوبك اللي كان معايا ده مش بتاعك مش انت اللي طبيعتك كده. حتى أخوك مهما كان بيقف قصادي فعز غضبه لا كان بيشوحلي بإيده ولا كان بيقف قصادي لما كنت الاقيه واقف بعيد أعرف إنه بيهدي مع نفسه عشان ميغلطش فـ حد منا ولا يأذيه بكلامه أو زقه منه كده ولا كده. روحت إنت مادد إيدك عليه وأذيته وغلطت فيه وفضلت غيره عليه. وفالآخر مش ندمان!! إن كان على أسفك وأسلوبك فـ أنا خدت حقي منك وفـ ساعتها يمكن كنت تفوق. بس انت جاي لحد دلوقتي ولسه مفوقتش!!"
كان يردف حديثه بجدية أمام الواقف من أمامه.
بينما تنفس "بسام" بقوة ليخرج أنفاسه الثقيلة ثم تحدث يجيبه بإنهاك:
"ولا مرة حاولت تحط نفسك مكاني. حتى لو السن ميسمحش!! محدش هنا حس بيا. واللي كنت فاكر إنه بيحس بيا هو اللي مفروض مش عارف أصدق حقيقة إن هو اللي أذاني وتايه بين اللي باين قدامي وبين اللي أنا نفسي يبقي مش صح. مش هلومك على كل ده عشان محدش هيحط نفسه مكان تجربتي دي. حتى لو ابنك طلع هو اللي كذاب فأنا بردو غبي عشان وثقت فيها من الأول. أياً كان قلبي اتكسر من زمان ولسه مكسور. ليا الحق إني ألومك بس فحاجة واحدة. فـ ليه بتتعاطف مع غسان وتسيبني؟"
نهض "حامد" كما نهضت الأخرتين.
وقف أمامه ثم تحدث يجيبه بنبرة هادئة عاقلة:
"يمكن محسش بيك زي ما انت حاسس بس عارف انت ممكن تحس بـ إيه!! كل زعلي منك وعليك عشان شكك فأخوك اللي أنا مربيه زي ما ربيتك. لكن أنا عمري ما فرقت فـ المعامله بينك وبينه. ولا اتعاطفت معاه لوحده وسيبتك. بالعكس أنا زعلان عشان كل الي خارج منك ده مش ليك. مش انت أتوقعها من غسان مكنتش هتفاجأ ولا هزعل منك عشان مش متعود منك على كده. أنا أقول غسان يقول إني بفرق. لأن كل مرة بيحصل فيها حاجة كنت باجي عليه هو وكنت بحترمك وبحترم أسلوبك وتفكيرك. عمري ما آجي على حد الدنيا جت عليه يا بني. كل زعلي من رد فعلك مش من اللي حصل فيك!!"
قالها بعاطفة أبوية ثم توجه ليمسك برأسه تعبيراً عن تعويضه لإحساس التفرقة فقط وليس أسفاً على ما قاله من جهة شقيقه، فهذه النقطة هو الخطأ.
أوقفه "بسام" وهو يمسك يده ليهبطها.
ثم رفع يده هو يأخذ رأس أبيه بين يديه ثم قبلها بأسف دون أن يتفوه بشيء.
أمور عدة تجري بداخل رأسه حيث الشعور القائم هو الشتات والحيرة فقط.
تقدم أمام "شقيقته" ثم رفع ذراعه يحتضنها بقوة وكأنه يأخذ أمان منها متخيلًا أنها كشقيقه. رفعت ذراعها بتردد لتحتضنه بتأثر. ومن ثم خرج هو من أحضانها وهو يقدم لها ما بيديه قائلًا بابتسامة صغيرة:
"كل سنة وأنتِ طيبة، حقك عليا لو اتسببت لك في زعل وفقدان شغف من كل حاجة وقت زي ده!"
أخذتها من بين يديه بتأثر وهي تومئ له قائلة بصوتها المتحشرج:
"أنا بحبك يا بسام، بس أنا عاوزة هدية تانية."
قالتها أمام أنظارهم المستنكرة. فطالعها بتساؤل، حتى أجابته وعباراتها تهبط من على وجنتيها:
"عاوزة غسان يرجع!"
لم يكن لديه رد سوى إيماءة بسيطة من رأسه، حتى توجه ليأخذ يد والدته يقبلها، ومن ثم دخل بين أحضانها يتشبث بها قائلاً بخفوت بجانب أذنها:
"آسف على كل دمعة نزلت منك، حقك عليا..!"
أومأت له بضعف كعادتها وهي تبكي، بينما نظرت بأثره مطولًا وهو يتوجه ناحية غرفته، مغلقًا بابه من خلفه. بينما ذهبت "وسام" إلى غرفتها بعدما أومأت لهما. جلس "حامد" مرة أخرى، ومن جانبه "دلال" الذي ابتسم لها بيقين أن كل شيء سيصبح على ما يرام.
جلسوا بعدما انتهوا من تناول الغداء. كان الحديث جانبيًا، حيث "ياسمين" و"حازم"، "جميلة" و"نيروز"، "عايدة" و"سمية" و"سليم" الجالس يعبث بهاتفه غير عابئ لهم. خرجت "زينات" من المطبخ وهي تحمل بيديها كوب واحد من مشروب الشاي. توجهت لتقدمه لزوجها، ومن ثم جلست تصفق بيديها حتى ينتبه لها الجميع. نظروا لها من أثر ما فعلته، فتحدثت "ياسمين" قائلة لها باستنكار:
"خير؟"
نظر الجميع بترقب، فابتسمت هي قائلة بثقة:
"كل خير يا حبيتي. بصراحة كده عندي أخبار كتير تخصكم، أبدأ بـ إيه؟"
طالعوها بتساؤل يغلفه الاستنكار من حديثها والترقب لما هو آتٍ، فالتفت "سليم" ينظر لها وهو يعقد حاجبيه قائلاً:
"في إيه؟"
تنفست هي بعمق، ثم بدلت نظرانها لملامح وجه خالية من التعابير، وهي تنهض قائلة على فجأة:
"من ناحية فيه إيه، فـ فيه كتير. مش أنتم لوحدكم اللي تشمتوا على اللي عندي واللي بيحصلي، عشان كده حابة أقولكم حاجتين كده مش قادرة أخفيهم أكتر من كده!"
توترت ملامح البعض، فخرج صوت "حازم" قائلاً بتساؤل:
"يعني إيه؟"
"هقولك يعني إيه."
قالتها بتأكيد، ومن ثم نظرت لهم جميعًا وهي تهتف عالياً:
"يعني أنت حرامي. لما من فترة كنت هنا عندي في بيتي واقف جنب الترابيزة اللي فيها البوك بتاعي واللي كان فيه شيء وشويات، ومكنش غيرك الغريب هنا اللي خد الفلوس ومشى زي الحرامية. أنا اللي هقولك بردو يعني إيه يا حرامـ.. قصدي يا حازم!"
نظروا لها جميعًا بغير تصديق، وها هي تنفذ إحدى خططها وتوعداتها لهم منذ فترة، تلك التي لم تتهاون بأي شيء أبدًا. وقف "حازم" بسرعة، ومن بعدها وقف الجميع بذهول لاتهامها الوقح هذا. توجه يقف أمامها تزامناً مع صراخه عالياً أمام وجهها وهو يقول:
"انتي واعية، انتي بتقولي إيه؟"
هزت رأسها ببرود، بينما توجه "سليم" يقف من أمامهم الاثنان. وقبل أن يتحدث ليفهم ما حدث، نفذ صبر "عايدة" لاتهامها الجارح لابنها، ثم هتفت عالياً بحدة:
"اخرسي خالص، أنا ابني عمره ما يعمل كده، ابني مش حرامي!"
اندفعت "ياسمين" وهي تتملص من مسكة والدتها وشقيقتها "ورده" لها، متوجهة بخطوات سريعة تقف أمامها وهي تردد عالياً بحدة:
"انتي عاوزة مننا إيه؟ ما تسيبينا في حالنا، ربنا ينتقم منكم في كل حاجة وكلمة قولتيها لنا ولزقتيها وكل حاجة عملتيها فينا انتي وجوزك وعيالك!!"
رفع "سليم" يده ليصفعها بعد أن نفذ صبره منها. أمسكه "حازم" من يديه بقوة وهو يهتف بنبرة تحذيرية:
"إيدك متتمدش على مراتي!"
نظر "سليم" للذي يفعله بغير تصديق كما فعل البعض، بينما هتف بنبرة جامدة:
"بتقف قصادي عشان دي؟"
"أيوه دي، اللي هي مراتي، وأقف قدام أطخن طخين عشانها. لما تبقي تقف لمراتك عشاني هقف معاك على مراتي."
قالها وهو ينزل من يده، ناظراً لهما باشمئزاز:
"أنا ماشي. انتوا مهما الواحد يعمل فيكم الحلو بردو طبع الندالة شغال. وانت المفروض إنك قاعدة هنا وأنا اللي دايخ السبع دوخات على بنتك تقوليلي إني حرامي! هسرق منك إيه وانت عندك كل حاجة وبردو باصة لغيرك ومش سايبانا ناخد نفسنا. خسارة الواحد يحاول عشانك وعشان عيالك!!"
قالها تحت الأنظار الصامتة، بينما نظرت له بجمود وهي تجيبه قائلة بوقاحة:
"انت اللي سرقتهم، هيكون مين اللي سرقهم غيرك!"
طالعها بانفعال، بينما توجهت "جميلة" تتحدث بنبرة مرتفعة أمام وجهها وهي تصيح عالياً بانفعال:
"ابنك!! ابنك الحرامي مش أخويا، هو ده اللي هيكون سرقها. حسبي الله ونعم الوكيل فيكم وفي اللي زيكم."
نفذ صبر "سليم" وهو يتحدث بعلو صوته ليوقفهم:
"اخرسوا... بس!"
انتفض البعض على أثر صوته، بينما وجه نظراته لابنته ليمارس قوته عليها كما يفعل حينما قال:
"إيه اللي يجرأ واحدة زيك كده!! وكمان جاية واقفة بكل بجاحة كده وكأنه عادي. إيه كتر قعدتك مع مراته خليتك قليلة الرباية بزيادة؟!"
"أنا أختي مش قليلة الرباية!!"
قالتها "نيروز" بجمود، بينما خرجت نبرة "سمية" الحادة:
"مسمحش تتكلم في حق بنتي بكده يا سليم. إنت مش واخد بالك مين بالظبط اللي قليل الرباية؟"
احتدمت نظرات "زينات" حتى تابعت لها ولتلك التي تحدثت من قبلها قائلة بقنبلتها الثانية:
"لا متسمحيش، إيه وبناتك متربيين إيه. ما الحاجة التانية بردو اللي كنت عاوزة أقولها لازم تتقال والكل يعرف.."
صمتت تتابع نظراتهم المترقبة، فتابعت بغل من داخلها، واضعة بعض البصمات الخاصة:
"الأستاذة نيروز بنتك المتربية زي ما بتقولي، ماشيالي مع الواد اللي خاطف بنتي ومقضياها.!!"
احتدمت نظرات "سليم"، بينما فتحت الأفواه مما تخوضه من أعراض. صرخت "نيروز" عالياً بقوة حتى اهتزت أرجاء المنزل وهي تقول بعلو صوتها وكأن صوتها يخرج ما بها من ألم:
"اخرسي يا زبالة!!"
لم تأخذ منها هي رداً، بل نزلت صفعة قوية على خدها من عمها الواقف أمامها، ولم يستطع "حازم" هذه المرة أن يوقف يد والده!! تلقت هي الصفعة، حبست الدموع بعينيها، ثم رفعت أنظارها تطالعه بكره طغى كل شيء. ثبتت الأقدام أرضاً، لم يستفق أحد منهم سوى على دقات الباب العالية التي لم تكن سوى من "حامد" و"بدر". لم يفتح أي شخص. استوعبت "سمية" الأمر وهي تتوجه لتأخذ ابنتها في أحضانها، صارخة بوجههم:
"أقسم بالله لهدفعكم تمن كل اللي عملتوه في بناتي ده!!!"
قالتها بغضب، وهي تسحب ابنتها من خلفها. بينما نزلت دمعة من على وجه "ورده" التي استوعبت الأمر جيداً. حتى "ياسمين" كانت بعالم غير العالم، إلى أن أمسك يديها "حازم" حتى يسحبها خلفه للخروج من الشقة. فنفضت هي يده سريعاً، ثم تحدثت بهدوء ميت، بين لهم أن حديثها سوف يكون صادق من كثرة هدوء ما أردفته:
"هموتك بإيدي دي وادفنك بعدها بيها برده.."
قالت آخر حديثها بتشنج، فأحكم مسكتها "حازم" الذي نظر لهم بتقزز. بينما سكنت "ياسمين" وهي تبصق على الأرض باشمئزاز. ثم توجهت معه للخارج بعدما خرجت شقيقتها ووالدتها. نظرت "ورده" لعمها وزوجته، ثم هتفت بنبرة بها توعد.
"أنا ممكن أسكت على نفسي بس إخواتي لأ!"
ابتسمت "زينات" بتشفي لما فَعَلَ من رد فعل الجميع. قالتها "ورده"، ومن ثم التفتت فوجدت "بدر" يقف لينتظرها أمام باب الشقه. فهو قد أقسم أنه لن يدخل منزل لتلك العائله. خرجت ثم نظرت له وهي تحبس الدموع بعينيها، ولكنها هبطت ما أن أخذها تحت ذراعه وهو يتوجه بها حيث شقة والدها. بعدما نظر لهما بشر من علي بُعد.
***
جلس الجميع بصالة منزل "سميه" بتوتر، بينما كانت "نيروز" بالداخل في غرفتها لم تنزل أي دمعه منها إلى الآن. جلس بجانبها شقيقتها "ياسمين" التي أخذتها في أحضانها بقوه وهي تربت عليها بمواساه. كان "حازم" يجلس بالخارج معهم. بينما لم تقوي "ورده" على مواساة شقيقتها بسبب تسيب أعصابها. فجلست تحتضن "يامن" بجانب زوجها. تحدثت "دلال" وهي تربت على ظهر "سميه" الباكيه وهي تقول:
"خلاص يا سميه عشان متتعبيش. ربنا هيحلها من عنده يا حبيبتي وهتخرج وهتبقى زي الفل الوقتي. وبعدين الكل عارف سمعة بناتك اللي مش عليها نقطة تراب حتى. إطمني."
لم تقوي هي على الرد. حتى "عايده" الواقفه بجانبها بخزي هي وابنتها. نهض "حامد" مره واحده ثم صاح بهدوء ناظرًا لـ "سميه":
"أنا هدخلها متقلقيش. شاوريلي فين أوضتها."
طالعته "سميه" بلهفه وهي ترفع يدها تشير له. بينما جلست "وسام" بحزن على ما حدث. ولأن "بسام" استغرق في النوم بسبب جهده في العمل أمس. لم يسمع كل ذلك. دق "حامد" الغرفه قبل أن يدخلها فنهضت "ياسمين" تفتح له الباب. ابتسمت له بامتنان وتفهم لما فعله وسيفعله. بينما دخل هو الغرفه ثم خرجت هي تترك له المساحه في القول. جلس على المقعد أمام الفراش التي تجلس هي عليه. كان لها بعض الحرج الطفيف من بين حزنها بسبب دخوله غرفتها. استشف هو ما تفكر به حتى تحدث قائلًا يمرح ليخفف عنها:
"عارف إني اقتحمت خصوصيتك ودخلت أوضتك المتواضعه. بس أنا دخلتلك عشان أنا بعتبرك زي وسام بالظبط. عاوزك تهوني على نفسك ومتقفيش عند اللي حصل ده!"
صمتت تبتسم له بسمه صغيره من بين دموعها التي هبطت. بينما تابع هو حتى علم أنها لن تتحدث وتبوح بشيء. وأنها سبقت ما كان ينوي فعله:
"أنا كنت نازل مشوار دلوقتي وقعدت عشان خاطرك. لو قولتلك تيجي معايا هتجيني ونخرج ونشم هوا كده؟"
نظرت له باستغراب ثم تلعثمت وهي تتحدث:
"أيوه بس... اا..."
"خلاص أنا اللي اتعشمت زيادة. كتر خيرك يا بنتي."
قالها بأسلوب درامي لم تستشفه هي. فنهضت سريعا بعدما نهض لتوقفه قائلة:
"استني ياعمو مش قصدي... شوف اللي حضرتك عاوزه وأنا معاك."
ابتسم لها بحنو ثم أومأ لها قائلًا بهدوء:
"هو ده الكلام والعقل الصح. تعالي."
رفع زراعه حتى تدخل يديها من بينه. تحرجت هي بشده بينما نظر لها بثقه حتى توجهت لتتمسك به. ومن ثم خرجت من الغرفه وهي بجانبه. حتى خرج لهم بالصاله. كانت وجنتيها حمراء ولكن واحده حمراء بشده بسبب صفعة عمها والأخرى حمراء من خجلها. ابتسمت لهم بسمه صغيره. فابتسم البعض يبادلها بفرح من خروجها الغير متوقع. وقف "حامد" أمام "سميه" التي طالعته بامتنان فـ تحدث هو قائلًا بأذن:
"تسحميلي آخد الجميلة دي نخرج أنا وهي لوحدنا شويه؟"
قالها بلطف. فنظرت له وهي تومأ بثقه به، قائلة بصوت مهزوز:
"خلي بالك منها!"
"في عيني طبعًا."
قالها وهو يسير بجانبها حتى خرجت من باب الشقه معه. تنفس البعض براحه والبعض بألم. فحاولت "وسام" تخفيف حدة الأجواء حتى تحدثت قائلة:
"جماعة. أنا كده البوب بيتخطف مني عينك عينك!!"
قالتها ثم وضعت يديها على خدها بضجر زائف. فضحك الجميع عليها بخفه ومن مرحها الدائم. نهض مع الوقت "حازم" الذي وقف مع "ياسمين" في الشرفه. و "ورده" التي دلفت غرفتها مع زوجها. بينما جلست "سميه" بجانب "دلال" التي تواسيها. كما استأذنت "وسام" حتى تذهب للمذاكره. بينما رحلت "عايده" هي و"جميله" بعدما توجهوا لها ومن ثم نظروا لها بأسف عما حدث. لم تحملهم "سميه" الذنب بل تعلم جيدا طبيعة ما يشعرون به. بقيت هي و"دلال" في الصاله بينما وقف الاثنان معا بالشرفه.
نزلت دموع "ياسمين" التي كانت تأبى بأن تهبط أمام أي شخص. كانت داخل أحضانه التي تشعر بالراحه والسكينه داخلها. ربت هو على ظهرها بحنو ثم تابع بنبره هادئه:
"أنا آسف. آسف على كل اللي إنتِ حاسه بيه وعلى كل اللي حصل."
خرجت من أحضانه وهي تجفف دموعها. ثم أجابته بنبره ضعيفه مزجها بعض المرح:
"بتتأسف على إيه يا حازم؟ ما إنتَ كمان محطوط عليك منهم. أنا بجد تعبت."
قالتها بتعب. فابتسم هو بقلة حيله قائلًا بتشتت:
"أنا والله ما عارف يعني إنتِ كده بتهزري ولا مقهوره ولا نظامك إيه!"
صمتت تتابعه بضجر. فواصل يكمل يعقل:
"عارف إن القلم ده نزل على قلبك إنتِ. والله يكون في عون نيروز واللي حسيته. أنا مش عارف أعمل إيه ولا أقول إيه! مش هقدر. مش هقدر بعد اتهامها ليا وضربه لنيروز أمد إيدي عليه مهما كان ده أبويا. بس هو الظاهر مش معترف إني ابنه!"
قالها بانكسار. فطالعته هي بتأثر. ثم نظرت له بغير تصديق حينما فرت منه دمعه واحده على وجهه. رفعت يديها سريعا وهي تبكي لتمسح دمعته. بينما هو فعل معها كما فعلت هي. فتحدثت هي من بين بكائهما كالمختله:
"يعني يارب us في العياط والنكد!!"
ضحك من بين دموع عينيه. فاعتلت ضحكاتها هي الأخرى بقلة حيله. تلك التي لم تفشل يومًا في تخفيف أي ثقل عليه. رفع يضرب كف بكف قائلًا من بين ضحكاته:
"وربنا أهبل واحده. الله يخربيت الدراما اللي مش ماشيه معاك سكه دي!!"
ضحكت بخفه على ما أردفه. فطالعها بحب لتقاسيمها وضحكتها الذي ينتظرها حتى تهون صعوبات أيامه عليه.
***
كان يمسك بالإبره ليحقنها به. وبسبب تراخي أعصابه لم يقو على فعلها. كان يحاول أكثر من مره. إلى أن انتبه لـ "آدم" الذي خرج من المرحاض وبيديه المنشفه. طالعه "آدم" بذهول وهو يهتف عاليًا:
"إنتَ بتعمل إيه يا حسن إنتَ مش لسه ضارب من شويه؟!"
"مش قادر يا آدم مبقتش أقدر أقعد كتير من غيرها. دماغي هتموتني."
وبسبب كثرة تعاطيه فأصبح هو يتعاطى أكثر منه. وأصبح جسده يطلب المزيد في فتره أقصر. لم يتحرك "آدم" بل نظر له وهو يحاول أن يحقن بداخل عروق يديه وبسبب رعشة يديه لم يفعلها. نظر "حسن" له بترجي وهو يهتف:
"متوقفش كده يا آدم تعالي إنتَ. مش عارف أتلم على أعصابي."
وقف "آدم" بمكانه بتردد لم يتحرك خطوه واحده إلى الأمام. بينما توقع "حسن" بما يفعله. فأمسك زجاجة المياه الزجاجيه ثم دفعها على الأرض بقوه وهو يصرخ عاليًا بغير وعي. بينما مازال لم يحرك له ساكنًا. طالع تشنجاته الباديه على وجهه. حتى تحرك سريعا يمسك بيديه وهو يحقن به ذلك المخدر. خانته مشاعره المتعاطفه معه وهو يضع نفسه بمكانه. وبسبب عقله الباطن ما أن فعلها الآخر تراخت أعصابه وهو يبتسم بانتصار وراحة. أخذ أنفاسه بالتدريج بينما وقف "آدم" وهو يردد حديثه رغما عنه:
من بكره تمشي يا حسن وابقي تعالي لو عاوز تبطل.
قالها أما أنظار الآخر الساخرة، ومن ثم ترك له الغرفة وهو يخرج منها، تاركاً ينظر بأعين زائغة وجسده المتراخي.
***
مرت ساعة واحدة وأكثر من ذلك، بينما كان يجلس على المقعد وهو ينظر على الملابس الذي قام بشرائها هو وصديقه. ابتسم "غسان" له بينما تحدث "شادي" قائلاً:
"هاه الأحمر حلو ليك. وأنا الأبيض، ولا تاخد الأسود وأنا الأبيض؟"
"مش لابس أحمر أنا."
قالها وهو ينظر له، بينما تحدث "شادي" بضجر غلفه المرح:
"مش لابس أحمر ليه! طب ده حتى لو لبسته هتولع الدنيا. قوم قيسه طيب كده!"
"هولع الدنيا ليه؟ هلبس بدلة رقص."
قالها "غسان" باستنكار، فطالعه الآخر بمرح وهو يغمز له قائلاً بمشاكسة:
"حلم حياتي أشوف بدلة رقص. أجيبها."
ضحك "غسان" رغماً عنه وهو يجيبه بحزم:
"هخلعلك عينك اللي بتغمز بيها دي. تعالى وأنا أجيب لك أنا وتلبسها بدلة الرقص دي مادام نفسك فيها."
أومأ له بحماس زائف وهو يعتدل قائلاً بعفوية:
"موافق."
"يعني نخوة متلاقيش، رجولة متلاقيش...!"
قالها بمرح، فأشار له الآخر بغير اهتمام قائلاً:
"انت الخسران. كنت هلبسها وأبين شعر رجلي وأعمل إغراء!"
قهقه "غسان" عالياً مردداً من بين ضحكاته الرنانة قائلاً:
"متخيل المنظر..."
قالها بصخب وهو يضحك بقوة، فضحك الآخر على أثر ضحكاته وهو يمسك بيده الملابس. وما أن انتهى من ضحكاته هتف عالياً:
"انت اللي هتلبس الأحمر بردو."
***
قبل ذلك بقليل، مرت ساعة وأكثر معه وهي لا تعلم إلى أين يأخذها، فقط يقول لها بين الحين والآخر:
"متخافيش، مش هخطفك."
كانت تبتسم فقط، لم تقوى على الحديث. تركها وراحتها، هبطت من سيارة الأجرة أمام المنزل الذي يوجد له بوابة خشبية. هبط هو الآخر حتى أعطى للسائق الأموال، وجدها تنظر باستغراب، فحثها على السير معه بثقة واطمئنان إلى أن دخل من البوابة الخشبية المفتوحة دائماً. نظر لها فوجد أنظارها توجهت ناحية الزرع والورد في الحديقة الصغيرة، فابتسمت فور رؤيتها لهم. نظرت له قائلة بهدوء:
"لو انت بتزور حد، أنا ممكن أقعد هناك كده على ما تخلص."
تلك الغبية، ماذا لو علمت إنه واقف يدق المنزل الذي يوجد به من دق قلبها له. نظر لها وهو يتساءل:
"متأكدة؟"
هزت رأسها، فأومأ لها حتى ذهبت إلى الجانب التي توجد به الحديقة والمقاعد، فجلست من على بعد. فدق هو جرس الباب مرة أخرى. لم تستمر دقائق حتى نهض "شادي" وهو يقذف الملابس على الآخر قائلاً بحزم من على بعد:
"انت اللي هتلبس الأحمر، هيبقى تحفة عليك بقولك."
"مش لابسة."
سمعها وهو يتوجه ليفتح باب المنزل تزامناً مع رده:
"وربنا الأحمر هيبقي تحفة عليك. البسه كـ..."
بترت كلماته وجود والد صديقه من أمامه، الذي ما أن رآه ابتسم ابتسامة عريضة وهو يرحب قائلاً بحبور:
"أبو الحوامد حبيبي."
طالعه "حامد" ما أن فتح له الباب بصدمة على ملامحه هاتفا بتساؤل:
"أحمر إيه اللي هيبقي تحفة عليه ياض!"
ضحك عالياً بقوة وهو يدخل بين أحضانه، حتى دخل الآخر بين أحضانه بابتسامة. إلى أن رأى "غسان" يقف من خلفه. خرج من أحضانه وهو يتوجه ليقف أمام والده. طالعه "غسان" بصمت إلى أن تقدم "حامد" ليدخل بين أحضانه وكأن الآخر هو والده وليس العكس. رفع "غسان" ذراعه الغير مصابة يربت بها على ظهر والده، فخرج من بين أحضانه. ثم نظر لصديقه بحدة، فتحدث "شادي" بتبرير سريعاً:
"وربنا ما قولتله حاجة."
"مقالش حاجة فعلاً. أمك اللي قالتلي!"
ضحك "غسان" ثم هتف بسخرية وهو ينظر لهما قائلاً:
"عمري ما قلت لأمي سر وطلع برا مصر."
قهقه والده كما ضحك صديقه، فتوجه "حامد" ليجلس تزامناً مع قوله للآخر:
"أنا ياض مش قايلك متماشيش مع شادي، لأنه واد بايظ وهيبوظك. وايه حوار الأحمر اللي هيبقي تحفة عليك ده كمان."
كان يمزح، فضحك عليه الاثنان حتى كاد أن يبرر له "شادي" فقاطعه سريعاً بقوله:
"اخرس خالص متتكلمش يا كلب. حسابك معايا بعدين. كنت بتأكل ابني إيه على كده؟ عيش حاف عشان يبقي شكله هفتان كده؟"
حاول "شادي" التبرير له، فأوقفه "حامد" مرة أخرى قائلاً بحزم:
"مش أنا قولتلك اخرس؟ روح اعملي كوباية شاي من إيدك، وحشني شايك."
كان يقول حديثه بجدية زائفة، فأومأ له "شادي" بطاعة وهو يبتسم بمرح تحت ضحكات صديقه العالية. وما أن اختفى من أمامهم ليترك لهم المساحة الخاصة، تنفس "غسان" بقوة تزامناً مع قوله المتسائل:
"جاي ليه يا حامد؟"
"جاي أقولك ارجع يا غسان. ارجع لبيتك ول حياتك ولراحتك. عشان أمك بالها يهدي وعشان تتصافى انت وأخوك اللي ملكش غيره. وعشان تشوف المشاكل اللي حصلت في غيابك."
عقد ما بين حاجبيه بتساؤل وهو يقول:
"مشاكل؟"
"أيوه مشاكل. سليم ومراته لقوا ورقة حطتها فريدة اللي مشت في اليوم اللي انت مشيت فيه. وكان مكتوب فالورقة إنك انت اللي قولتلها تعمل كده وكأنك خاطفها دلوقتي في نظرهم ومش ناويين على خير."
نظر له بغير تصديق مردداً بانفعال:
"اتجننوا في مخهم دول ولا إيه؟"
"عرفت إن مشيك سبب حاجات كتير. والمشكلة التانية لسه قبل ما أجي. زينات وجوزها قالوا قدام العيلة إن نيروز ماشية معاك وعابوا فيها وفي تربيتها."
إلى هنا ووقف بغضب لما سمعه للتو. تأكدت شكوك والده الآن. حتى ردد "غسان" بغير وعي:
"طب ونيروز؟"
نهض هو الآخر يقف من أمامه وهو يطالعه مردداً بنبرة هادئة متفهمة:
"مكذبش إحساسي ولا نظراتي وأنا بشوفك هتاكلها بعينك واحنا قاعدين. بتحبها."
طالع والده بتشتت وهو يسأله مرة أخرى قائلاً بخوف من داخله:
"نيروز كويسة؟"
ابتسم والده وهو يرفع يديه يربت عليه باطمئنان، قائلاً بثقة:
"يبقى بتحبها. حبيتها ووقعت فيها وهي كمان وقعت فيك."
مش هتصدق كانت خايفه عليك إزاي لما شوفت في عينيها الخوف ده. ووقفت قصاد بسام عشان تتكلم في حقك بالحلو وهي بتدافع عنك.
حسنًا، لو يقصد الفتك بأعصابه لن يفعل ذلك عمدًا. تسارعت دقات قلبه حينما ردد حامد مرة أخرى وهو ينظر لعينيه التائه:
"جبتها برا معايا. كنت متردد أجيبها بس عشان الـ..."
قاطعه والده وهو يتساءل بلهفة:
"يعني هي برا؟"
هز له رأسه بالإيجاب. بينما تحرك هو وهو يتخطى والده ليخرج لها. حتى وجدها تنحني من على بعد لتستنشق رائحة النعناع. في هذه اللحظة كانت تتذكره هو. ومشروبه. توجه بخفة يقف من خلفها ثم خرج صوته وهو يتحدث بعبث:
"بيفكرك بيا؟"
ما هذا؟ هذا صوته أم أنها تتخيل فقط لاقتحامه ذاكرتها؟ نهضت ببطء وهي تتنفس بتوتر ثم التفتت حتى فتحت عينيها على وسعها وهي تقف مكانها. بينما ابتسم هو بتسلية وهو يتوجه لها أكثر حتى وقف أمامها. بينما رجعت هي للخلف خطوة واحدة بسبب اقترابه بغير وعي منها. ابتسم بتسلية ثم سألها بعبث وابتسامة صغيرة زينت وجهه:
"يعني خايفة مني ومش وحشتك؟"
دق قلبها سريعًا. بخجل. ثم رفعت أنظارها تطالع عيناه اللامعة. وهي تتحدث قائلة بعفوية وتعلثم:
"لا."
ضحك هو بخفة قائلاً، مرة أخرى يشاكسها:
"لا إيه بالظبط؟"
تصنعت عدم فهم حديثه ثم نظرت على جرح رأسه الموضوع عليه لاصق طبي. متذكرة دماءه التي كانت ملوثة بيديها منذ أيام قليلة! حركت أنظارها على يده المكسورة. كانت تنظر بحزن من داخلها على كل ما حدث. ابتسم لها باطمئنان وهو يشير لها بأن تجلس. حتى جلست وجلس هو بجانبها. لم يتحدث هو بل ترك لها فرصة كبيرة حتى تحدثت بنبرة حاولت أن تبقى ثابتة رغم اهتزازها:
"مشيت ليه وسيبتني مع إنك عرفت كل مخاوفي!"
قالتها وهي ترفع وجهها ونظراتها لتواجه نظراته. كاد أن يتحدث هو بأسف. ولكنه رفع يده سريعًا. يتلمس وجهها أثر صفعة عمها. مرددًا بذهول متناسياً حديثها وحديثه:
"مين اللي ضربك على وشك كده؟"
هربت بأنظارها بارتباك. بينما هو في البداية عندما كان يقف أمامها وظله عليها لم ينتبه لذلك حتى ظن أنها حمرة الخجل! تلمس وجهها بتمعن غلفه الحنو. فرفعت يديها المرتجفة وهي تمسك يده لتنزلها من على وجهها بحرج. بينما تابع هو بحزم يردد كلماته مرة أخرى بجمود:
"بقولك مين ضربك!"
حاولت أن تتحدث رغم تخوفها. حتى خرج حديثها بتعلثم:
"عمي."
سبه بذيئة خرجت من فمه تلقائيًا. حتى نظرت له بصدمة مما أردفه ذلك الوقح من وجهة نظرها. مرت دقائق وهو يفكر ما الذي يمكن فعله لذلك الحقير. بينما صمتت هي. فحاول أن يبقى ثابتًا. حتى تحدث بهدوء مرة أخرى وداخله طبول الارتباك. دقت لأول مرة أمام نظراتها حينما ردد بصدق:
"نـيروز.."
حسنًا. حان الوقت للقول وحتى إن حدث شيء بينه وبين عمها فذلك الجواب منه كفيلاً. لما يمكن فعله لأجلها فيما بعد. قالها وهو ينظر لها بعمق أعينها البنية الفاتحة. فنظرت له بانتظار وترقب للآتي ولما سيقوله. فهتف هو بصدق وعيون لامعة قائلاً باعتراف. رغم اعتراف طريقه وأسلوبه ونظراته قبل حديثه الآتي. رددها بنبرة تائه صادقة أمام عينيها التي أجبرته على حبها وقوله لذلك وهو يخرج أنفاسه الحارة:
"أنا بـحبــك."
كم كانت كلمة ليست سهلة القول حتى وإن اعترف لها بتعاملاته. وحتى وإن كانت تعلم هي. فسماعها منه لتو. أربكها وأربك من نظراتها. ولكن قولها وهي تهرب بأنظارها بعيدًا عنه مرددة بتلقائية ممسكة بيديها المرتجفة:
"أنـا.."
صمتت تحاول أن تجمع شتاتها ثم أغمضت عينيها وهي تردد بسرعة متحلية بالجرأة:
"أنــا كمـان"
ابتسم وهو يحدثها بعبث. ليربكها أكثر ليرى ما يريده من تعلثم لديها:
"انت كمان إيه؟"
ذلك الغير هين بتاتا. يقصد أن يجعلها ترتبك وتتوتر أمام نظراته. طالعته بقلة حيلة لا تعلم كيف ومتى ولا تعلم لما تبكي الآن؟ حينما هتفت بنبرتها المتحشرجة المهزوزة لتجيبه باعترافها هي الأخرى:
"أنــا كمــان بـحـبك"
حسنًا. اعترافها شيء آخر حتى وإن كان يعلم. ولكن الآن أصبح سعيدًا بالضعف. دق قلبه بقوة لم يرتبك كمثل الآن من قبل! ولكن تماسكه ومحاولته في الثبات كان الأقوى حينما رفع يده يمسح دموعها بحنو. بينما هي ترتبك من لمسته التي ترتجف يديها ما أن يضع يده على وجهها. ولكنها أيقنت جيدًا أنها أحبته بشدة حينما ردد من بين مسحه لدموعها:
"متعيطيش بقا. عيب منك لما دموعك تنزل وانت معايا وقلبك جنب قلبي يا رزه."
رفعت يديها تمسح وجهها حينما أنزل هو يديه. ثم ابتسمت بخجل من بين دموعها لما أردفه للتو! كان شادي يقف مستندًا على الحائط بجانب حامد وهو يردد بهيام:
"غريب الحب مين فاهمه..!!"
رفع حامد حاجبيه قائلاً له بسرعة:
"روح له بسرعة بدل ما ياخدها في حضنه ده مترباش ويعملها..!"
ضحك شادي بقوة بينما حدجه الآخر بحزم إلى أن أومأ له بالإيجاب وهو يتجه لهما. بينما جلس حامد يشرب من كوب الشاي مرة أخرى بعدما كان ينظر من الشرفة. فالخارج وقف شادي يبتسم لهما بعدما عرفه غسان جيدًا. فتحدث شادي قائلاً بلطف وتلقائية:
"بجد لما عرفت إنك بتحب الزرع منه وقالي إنك عاملة نعناع وورد فالبلكونة وهو كان بيسقيه و.."
لو كان يقصد بأن يقوم بفضيحته بمكان عام لفعل أقل من ذلك. نهض غسان يحدجه بتحذير. بينما ضحكت هي بخفة لتفهمها للذي حدث بينهما. حتى نهضت هي الأخرى وهي تتحدث قائلة براحة محاولة التخلي عن خجلها:
"أنا فعلاً بحب الزرع والورد أوي. كنت بزرع النعناع وماما كانت بتستخدمه وتشربه. بس لما أنا حبيت اللمون بالنعناع الخطه اتغيرت خالص."
وزع شادي نظراته لهما بشك. وسرعان ما هتف بمرح:
"دا انتوا واخدين من بعض حاجات كتير بقا. عارفه إن الواد ده كان مقضيها أم كلثوم وقاعد يغني ويشكي ويبكي. وضربني مرتين. وكان هيتهجم عليا.. هو الفراق بيعمل كل ده يا اسمك إيه؟!"
وضع غسان يده سريعًا ليجعله يصمت رغما عنه هاتفا بجانب أذنه بخفوت:
"ورحمة امك لهعرفك..!"
قالها بتوعد. ثم رجع يبتسم وكأن شيئًا لم يكن. نظر له شادي بتوتر زائف حتى يبعد نظراته عنه. بينما ضحكت هي بخفة لما يفعله الاثنان. فردد مرة أخرى بثقة:
"علفكرة بيحبك جداً!! ده عمره ما عمل اللي عمله ده مع البنات اللي كنا نعرفهم فانتِ عملتي انجاز بصراحة. و.."
والآن نفذ صبره وهو ينظر له بتحذير. أدرك الآخر ما أردفه. بينما حملقت هي بصدمة للذي يحدث لم تعرف إنه ينتظرها الأقوى. أمسكه من تلابيبه وهو ينظر له بتوعد ومن ثم تركه وهو يشير بعينيه ليصلح ما قاله ليهتف يبرر بتردد سريعًا:
"أنا قصدي يعني يا آنسة نيروز. إن هو والله ما بيقول في حقك غير كل حلو وجميل ولا حتى بيلفت نظره بنت غيرك بقاله مدة. يعني تقريبًا آخر مرة قالي كان امبارح وهو بيقولي على أنجي مديرة الفرع إنها جامدة بس باردة..
"يعني مفيش حد حلو وكامل فنظره غيرك، اطمن."
صمت بسرعة حينما شهقت هي شهقة مكتومة من أثر ما سمعته. بينما كان يقف "حامد" في الخلف منذ بداية الجملة حتى اعتلت ضحكاته سريعاً وهو يتوجه ليقف أمام ولده قائلاً بثبات:
"تستاهل!"
حرك "شادي" عينيه في المكان ببراءة وكأنه لم يفعل شيئاً، بينما تابع "حامد" بنبرة هادئة:
"هتروح معانا؟"
"هاجي بكرة."
قالها ومن ثم وجه أنظاره لتلك الصامتة. كان والده متوقعاً رده هذا، حتى أومأ له قائلاً بثقة:
"أنا هثق فيك وفي كلامك، متتأخرش."
التفت بعد حديثه ينظر لـ "شادي" وهو يتحدث لهم:
"أنا هستناك يا نيروز على البوابة على ما أكلم شادي خمسة كده."
أومأت له بالموافقة رغم خجلها من كشف مشاعرهم، حتى سبق "حامد" أولاً. ومن خلفه "شادي". فعاد "غسان" يطالعها حتى نظر إلى ملابسها قائلاً بعبث وهو يغمز لها بطرف عينيه:
"طب لابسة الأسود ليه وأنا لسه حي!"
التفت تنظر له وهي تضحك بخفة، فتابع ضحكتها بشغف وهو يتحدث بحديثه المعتاد يملأ فقده لها لأيام:
"عارفة الست قالت إيه؟"
نظرت له مبتسمة تنتظر إجابته قائلة:
"إيه؟"
"بعيد عنك حياتي عذاب، ده بجد وربنا."
نظرت له بتشكك، خاصة بعدما أردف صديقه منذ قليل حديثه. ثم تحدثت قائلة تجيبه إجابة مستنكرة:
"ماهو واضح فعلاً."
ضحك بخفة، ثم أخذ أنفاسه بهدوء وهو يتحدث قائلاً بعقلانية وتوعد من داخله للذي فعل بها هذا:
"مش عاوزك تتأثري من اللي عمله عمك، خليكي جامدة كده ولا يهزك حاجة غير كلامي!"
أتخجل أم تبتسم بامتنان على تشجيعه؟ خلل يحدث في مشاعرها تجاهه. بينما واصل مرة أخرى يكمل:
"هرجع بكرة عشانك وعشان أشوف اللي حصل في غيابي."
لم يريد أن يسألها ولكن سألها على أي حال ولم يترك لتردده بأن يتمكن منه:
"نيروز! انت مصدقة اللي قالته بنت عمك عني؟"
تحدثت بسرعة تنفي ما قاله قائلة باندفاع:
"لا خالص، أنا عارفة كويس إنك مالكش ذنب ولا يد في اللي حصل، مستحيل تعمل كده أنا عارفة."
حسناً، من الطبيعي أن يسعده قولها بينما حزن لثقة الآخرين به في حين أن شقيقه لم يثق به. حاول التماسك أمامها ثم نظر لها وهو يقول بمراوغة:
"لا ده انت ثقتك فيا معدية وطايلة سابع سما بقا!"
ابتسمت بحرج ثم حاولت الهروب من كلماته وعبثه قائلة:
"أنا همشي عشان عمو حامد."
صمتت تنظر له فوجدته يطالع وجهها باشتياق. ثم غلبتها مشاعرها حينما واصلت مرة أخرى:
"هستناك، متغيبش كتير وتعالى بسرعة."
كانت ترمي له حزنها الطفيف منه حينما رحل ولكنها تعلم أنها رغماً عنه. صمتت تتابع ملامح وجهه فوجدته ينظر لها من أعلى لأسفل. رفعت يديها بسرعة تشير له أمام وجهه بغيظ قائلة بتلقائية:
"لسه بردو قليل الأدب!!"
ضحك بخفة وهو يردد ببراءة:
"طب أنا عملت إيه!"
"انت عارف كويس."
قالتها وهي تتوجه لتسير من أمامه فأوقفها نبرته وهو يهتف باسمها عالياً:
"نيروز."
التفت تنظر له باستفهام، فأجابها بوقاحة ظهرت في جرأة حديثه وهو يقول:
"العباية.. جامدة!"
فتحت فاهها بغير تصديق ثم التفتت بسرعة تهرب من نظراته بينما تابع هو مرة أخرى يصحح لها بنبرة عالية:
"بس أنا مش قليل الأدب أفكره ها..!"
قالها ثم جلس بمكانه وهو يبتسم حتى مرت دقائق وظهر من أمامه صديقه الذي كان يتردد في الاتجاه نحوه بسبب ما فعله. طالعه "غسان" بتحدي ثم تحدث قائلاً بشر وهو يبتسم:
"تعالالي يا حبيب قلبي."
ذهب النهار منذ فترة وجاء المساء في بداياته. كانت هي تجلس في المستشفى كعادتها. كانت تجلس على سجادة الصلاة تصلي وتدعو الله بأن يشفي والدتها! جلس "عز" الذي بدا على وجهه الإرهاق من العمل. نهضت وهي تتحامل على ألم جسدها الغير مفهوم ولكنه كان بسبب ألمها النفسي. نهض هو بسرعة يسندها وهو يمسك يديها حتى أجلسها على الفراش برفق. ابتسمت له هي قائلة بهدوء تشاكسه:
"إيه يا عز، احنا لسه جامدين يا با؟"
ابتسم "عز" ثم ربت على وجهها بحنو قائلاً بثقة:
"عارف إنك جامدة، وإستحملتي كتير، بس إتماسكي يا فرح أكتر من كده عشان خاطري أنا عمري ما شوفتك في الحالة دي أبداً، وطول الوقت بأنب نفسي عشان بسيبك هنا غصب عني وأنا في الشغل."
رفعت يديها تربت على يده بحنو ثم إجابته بحب:
"أنا عارفة يا عز ومش متدايقة من كل ده، أهم حاجة عندي إنك تبقى كويس وماما تفوق عشان وحشتني أوي."
قالت آخر حديثها بضعف. نظر لها بتفهم لما تشعر به فهو لا يقل عنها بشعورها هذا. أخذها بين أحضانه الدافئة وهو يحدثها بنبرة مطمئنة:
"هتفوق وهتبقي زي الفل، بس فوقي وروقي انت الأول يا بطل في حاجات كتير مستنياك. أنا مش عايز حاجة من الدنيا غير إني أشوفك مبسوطة ومحققة ومتخرجة من حلمك، وإن حنان ربنا يخليهالنا ويمد في عمرها."
"ربنا يخليك لينا يا عز، والأهم مني انت. نفسي أشوفك."
مبسوط وبالك مرتاح وربنا يجمعك مع اللي اختارها قلبك من غير وجع !"
تنفس بعمق وهي تخرج من بين أحضانه قائلاً بشرود:
_" مش عارف يا فرح ، حاسس إن مشاعري بتطلع مني عالفاضي ، كل حاجه متقفله فوشي لما سألت علي أبوها من بعيد وعرفت إنه مش سهل يقبل بواحد زيي ، ما أنا بردو اللي غلطان بصيت للعالي أوي من غير ما أخد بالي إني تحت وفـ سابع أرض ..!"
نظرت له ثم هتفت بجديه تقاطعه:
_" متقولش علي نفسك كده تاني ، انتَ أكتر واحد يستاهل جايزة كفاح ، مش عارف انتَ تعبت قد ايه عشان تعمل ورشه لوحدك ، انتَ عانيت وتعبت وانتَ بتصرف علينا وبتاخد بالك من اتنين فرقبتك وبقيت مسئول من شبابك وملحقتش تشم نفسك حتي ، لا يا عز إنتَ فالعالي أوي حتي انا لو بصيت للمكان اللي انتَ موجود فيه فنظري مش هيجيبه ، انتَ عز الرجال بجد مش كلام وخلاص ، متقولش علي نفسك كده تاني "
كم كانت شرسه في الدفاع عنه ابتسم لها بحبٍ وهو ينظر لها تدافع عنه ، نهض يجلب الطعام الٱتي منذ قليل لها ثم وضعه من أمامها وهو يمسك الملعقه حتي ييدأ بتطعيمها ، ابتسمت له ثم جذبت منه الملعقه علي فجأه قائله:
_" يا ما أكلتني ، تعال ماأكلك أنا ، يعني تدفعلي فلوس المستشفي والأكل والخدمه وتتعب ومتاكلش ، ده حتي عيب راجل "
قالتها بمرح فاعتلت ضحكاته الرجوليه، وجهت الملعقه أمام فمه ، ففتحه وهو يأكل من يديها ناظراً بعمق تفاصيل وجهها التي تشبه والدته إلي حد كبير ، ابتسم باشتياق لها ولحضنها الدافئ ، ورغم ذلك يوجد أمامه الٱن نسخه مصغره منها تحاول تعويضه إلي أن تنهض الأخري من غفوتها الإجباريه ..!!
_________________________________________
بعد مرور وقت كانت غافيـه في الغرفه وهي تغلق الباب عليها ، بين الاستيقاظ والنومّ ، لم يكن لديها أي شئ تفعله سوي النوم ، لم تسمع صوته وهو يأتي من الخارج ، دلف الغرفه بهدوءٍ ثم دخل بخطواتٍ ثابته خفيفه ،ليقف أمامها يطالعها وهي غافيـه ، وقف ينظر لها بشرود لعدة دقائق ، لا يعلم لما ٱتي بها قبل وقت تنفيذه بكثيرٍ ، ولكن بسبب خداعه لها فظن أنها تأتي ليخدعها مجدداً ؟ كانت تتقلب هي ،بينما كانت أعينه زائغه من شُربه للخَمـر، ولكنه يحاول الثبات لم يتأثر بها بشده بسبب اعتياده علي ذلك ، إنتفضت علي فجأه ثم نهضت بعشوائيه لتجلس علي الفراش ، وهي تراه يطالعها وكأنه شارد في عالم غير التي هي به ، عقدت ما بين حاجبيها لسكونه وعدم تحركه من أمامها ، لم تستر نفسها بل إعتادت أن تجلس من أمامه بملابسها المنزليه المريحه ، رفع أنظاره علي شعرها التي تركته خلفها بغير اهتمام ، نهضت هي ببطئ لتقترب منه وهي تربت علي ظهره برقه قائله بصوت ناعم تسأله:
_"مالك يا شريف؟"
وزع أنظاره علي يديها ووجهها ، لما تفعل كل هذا وهو لم يبادلها الحب بالشده التي تحبه هي بها !! ، إبتسامه داخليه صفراء ،. بسبب ما يراه منها ! ، لم يستطـع الوقوف أكثر بل توجه ليجلس علي الفراش بتعبٍ حاول أن لا يظهره أمامها ، ومن ثم توجهت هي لتجلس بجانبه ، ابتسمت له فبادلها البسمه رغماّ عنه ، لم ولن يشعر ناحيتها بمشاعر أبداً ، وهذا ما كان يحذر به نفسه ، وأن المنطق لن ولم يسمح لهما بأن يصبحا لبعضهما ، ولا شئ يهزم المنطق !! ، هو سئ بكل معاني الكلمه عاني ويجعل غيره يُعاني ! تأذى من وحدته القاسيه سوف يأذي غيره ويأذيه بالفعل ، مهما كان ثباته أمام الذي شربه تؤثر حتماً علي نقطة الوعي، حتي وإن كانت نسبه بسيطه ، رفع ذراعيه يضعها علي رأسه ، فطالعته هي بشفقه ، ومن ثم رفعت ذراعيها حتي يدخل بين أحضانها ، نظر لها بتهكمٍ لم تستشفه ولكن كان متردد من الداخل حتي دخل بين أحضانها ، حسنناً لاداعي من أخذ إحتواء لم يأخذه هو من فتره كبيره ، حتي وإن كانت أحضانها لا تشبه من لديه ولكن علي اية حال يفعل ما يجعلها تتمسك به حتي لا تذهب وتتركه ، ألم جسده كان الاقوي خرج من أحضانها بانهاكٍ طفيف ثم رفع ساقيه ليتمدد علي الفراش ، نظرت له بصمت ومن ثم نهضت لتخرج من الغرفه حتي تجد مكان ٱخر ، فخرج صوته لأول مره يقاطعها :
_" تعالي نامي ، متخافيش !"
نظر ت له بتردد ثم تعمدت أن تتجاهل حديثه وهي تتوجه مره أخري تكمل سيرها ولكنها انتفضت سريعاً حينما نهض مره واحده ثم توجه ليمسك يديها بقوه ، حاولت أن تتغاضى عن مسكته التي لم تكن هينه ،، فنظر لها وهو يسحبها خلفه ، كيف يتحدث ولم تنساق وراء حديثه ، مريضاً نفسياً يريد أن يجعل من حوله تحت أمره !!؟. ، أجلسها علي الفراش ، ثم نظر لها بتهكمٍ وهو يتوجه ليخرج من الغرفه ، تزامناً مع قوله لها :
_" نامى !"
لم تبدي أي ردة فعل بل نظرت بأثره وهو يخرج من الغرفه غالقاً بابها من خلفه ، تمعنت فيما فعله ولكنها لم تجد جواباً ، بل لو كان أجبرها علي النوم في نفس الفراش الذي كان سينام عليه في الجهه الاخري حتي ولو كان بينهما حاجز ، كانت ستحاول ترك الشقه ولكن ليس تركه هو بالتحديد !! ، إتضح أنه كان الأذكى حينما توقع نتيجة ما كان سيفعله ، كان واعياً لفهم ما تفكر به !! ، تنفست بعمق وهي تجذب الغطاء مره أخري حتي تحاول أن تنام بعد تناقض تفكيرها وطبيعته التي بدت غريبه إلي حدٍ ما بالنسبه لها !
__________________________________________
كان يجلس علي الفراش بتعبٍ من خروجه اليوم ، هو غير معتاد علي السير كثيراً منذ أن أصبح متخطياً سن العمل وعندما تقاعد وعادتاً ما يجلس في منزله ، أمسكت "دلال" علبة الدواء وهي تبتسم ثم أعطتها له وهي تفنح له زجاجة المياه ، اخذها منها وهو يبتسم قائلاً بحبٍ:
_" تعيشيلي العمر كله يا أم غسان "
نظرت له بحبٍ وسعاده لما فعله ، ثم تحدثت قائله بصوت مُبهج:
_"يعني صحيح يا حامد ، غسان جاي بكره ؟؟"
_"أيوه جاي ، مكنتش اتوقع إنه يسمع ويمشي ورا كلامي ، بس الظاهر مرواح نيروز معايا كان ليه فايده كبيره "
صمت يتابع ملامحها المشرقه التي تبدلت سريعاً فور علمها ، فواصل يكمل بتحذير:
_"دلال أنا مش عاوزك تتكلمي كتير فموضوع ابنك ونيروز أديكي شايفه الدنيا عامله ازاي والمشاكل إيه ، فـ احنا نستني كده لما الدنيا تهدي وبعد كده ابنك يشوف مصلحته معاها لو ليه نصيب إن شاء الله"
نظرت له باطمئنان ثم توجهت لتجلس بجانبه ، حتى أجابته قائله ببسمه عريضه:
_" لا مش هقول ولا هتكلم ، بس أنا فرحانه أوي يا حامد لما انتَ أكدتلي اللي كنت حاسه بيه ، أنا كنت بشوف ابني الضحكه علي وشه أول ما تيجي هنا أو أما يبقي هناك ، وشكيت أكتر فيهم يوم كتب الكتاب لما مشت عشان كانت بتعيط وهو راح وراها ، وانتَ عارف حنية ابنك متطلعش غير علي اللي بيحبهم "
_" الحب يعمل أكتر من كده أنا اللى هقولك ولا ايه يا جميل"
ابتسمت بخجل حينما شاكسها بكلماته ، فرفع ساقيه علي الفراش بجانبها ثم جذب الغطاء بهدوء وهو يتحدث قائلاً تزامناً مع إغلاقه للاضاءه:
_"نامي ، نامي كل حاجه هتبقي زي الفل ، خليكِ واثقه فـ ربنا .. "
تنفست بعمق وهي تبتسم محاوله إغلاق أعينها ، ولأول مرة منذ أيام تحاول النوم وعلي وجهها ابتسامه بدلاً من الدموع ..!
____________________________________________
_"خلاص ، كفايـه!!"
قالها "شادي" لـ "غسان" المُمسك مكعبات الثلج وهو يضعها أسفل عين الأول ، نظر "غسان" له بملامح وجه ضاحكه ، بينما نظر له الٱخر بضجر، فردد"غسان" قائلاً:
_" ما خلاص ياعم أنا كنت بهزر "
_"بتهزر ؟؟ تقوم مزرقلي تحت عيني ؟"
_" طب ما انتَ ضربتي في الجرح اللي فـ راسي وخليته ينزف تاني من تحت الخياطه !"
نظر له بحنقٍ ثم تابع برضا:
_" خلاص يبقي كده واحد واحد "
ضحك "غسان" رغماً عنه حتي ضحك الٱخر ، فتابع "غسان" حديثه المُستنكر قائلاً بلوم :
_" حد يقول كده بردو؟؟ ، بتقولها اني بقول علي إنچي جامده!!"
_" بس بارده !!
قالها وهو يرفع إصبعه ليصحح له حديثه. نظر له "غسان" ثم تابع يتحدث بنبره ساخره:
"لا كتر خيرك والله مكنتش عارف من غير بارده دي كنت هعمل إيه!"
تحرك من أمامه وهو ينهض ليتوجه ناحية المطبخ تزامناً مع قوله المتشفي:
"ما انت اللي تستاهل، بتبص لغيرها ليه؟ معتش مسموحلك تبص خلاص يا حبيبي. أنا بس اللي أبص!"
حرك "غسان" أنظاره بغير اهتمام ثم اعتدل يتسطح علي الأريكة تزامناً مع قوله بالامبالاة:
"مردوده!"
***
"الأرواح المتشابهة تتآلف، ربما في لقاء غير محسوب أو صدفة مدهشة أو قدر مؤجل."
هذا ما كان يشبه حالتها، جلست تتذكر حديثه العبثي معها التي كانت تفتقده، ثم ابتسمت حينما تذكرت كلماته لها وحثه لها على أن تكون قوية دائماً. جاء على خاطرها حديث "حامد" لها فالعودة حينما قال لها صراحةً:
"بصي يا بنتي أنا مكنتش آخدك كارت عشان هو يرجع وربنا اللي يعلم، بس وجودك كان مهم. وكان سبب قوي يخليه يرجع. عاوز أقولك كلمتين تعرفيهم كويس، أنا عارف انت متربية إزاي وبنت مين كويس، وعارف إنك بعيد كل البعد عن التعارف والكلام ده، ولا حتى واخده عليه. مش هقولك ابني أحسن شاب ممكن قلبك يختاره لأنه بيطلع منه حاجات ساعات كده بتشككني إن ده ابني، بس لو انتي فهماه مش هتعاني معاه، ولا هو! وبصراحة بقا انتي أحسن منه. الواد ده قليل الأدب ومترباش اسأليني أنا.."
كان يقول آخر حديثه بمرح. ابتسمت هي حينما تذكرت كلماته التي خجلت منها خاصةً حينما أكدت له بأنه فعلياً لم يرى تربية من الأساس، حينها أكدت وهي تهز رأسها بتأكيد، فاعتلت ضحكاته عليها. خرجت من شرودها حينما وكزتها "ورده" الجالسة بجانبها، فقد كانت تجلس معهم بالصالة وكانت "ياسمين" تجلس بجانب والدتها، و "بدر" يتحدث مع صغيره يشاكسه. خرجت من شرودها وهي تبتسم، فتوجهت الأنظار إليها باطمئنان فمنذ أن أتت من الخارج لم يظهر عليها الحزن الذي قد ظهر قبل خروجها مع "حامد". ابتسمت باتساع حينما صاحت "ياسمين" عالياً:
"بركاتك يا حج حامد!"
قهقهوا عليها بقوة، حتى "نيروز"، فتحدث "بدر" من بين ضحكاته قائلاً:
"الصراحة يا روز هو يا بركاته فعلاً من التغيير اللحظي ده."
قالها بمرح، فضحكت هي بخفة، ثم نهضت مبتسمة تجيبهم:
"فعلاً بركاته ظاهرة حقكم. أنا هدخل أنا بقا تصبحوا على خير."
قالتها وهي تتوجه لتسير ناحية غرفتها، ولم تكن تقصد والده بل كانت تقصده هو شخصياً!! تحدثت "ياسمين" هي الأخرى قائلة بتأييد:
"وأنا كمان هنام، وانتِ يا سميه قومي نامي بطلي سهر بقا ورانا شغل فالشقة بكرة عنب!"
ابتسمت لها والدتها برضا ثم ربتت على كتفها بحنان، بينما نهضت، ومن ثم الأخرى، حتى نهضت "ورده" هي وعائلتها الصغيرة أيضاً. ذهب كل منهم إلى غرفته. أما "نيروز" فدلفت غرفتها، ومن ثم بدلت ملابسها إلى أخرى مريحة، ثم وقفت أمام المرآة تتطلع على وجهها الأحمر. لم تأخذ السئ من صفعة عمها بل أخذت لمسته الحانية لها وانتباهه لما حدث لها دون أن تتحدث. ابتسمت على أثر لهفته الصغيرة الذي حاول إخفائها وهو يسألها ما سبب هذا. أنزلت يديها من على وجهها. قد أخذت فراشات منه اليوم بما يكفي ليجعلها مبتسمة لأيام قادمة!! توجهت سريعاً للذي قد نوته بعدما رحلت وودعته. جلبت الدفتر من الدرج سريعاً ثم فتحت عدة صفحات إلى أن وجدتها. تلك السلسلة التي كانت على شكل ورده! كانت تعلقها فقط باستخدام لاصق، حيث أنها كانت مجرد ذكريات. ولكنها الآن لم تعد كذلك بل أصبحت بالنسبة لها ذكريات الماضي والحاضر والمستقبل إن شاء القدر. نزعتها من مكانها ثم أغلقت الدفتر. حتى فردتها لترفع يديها لترتديها حتى زينت عنقها. توجهت سريعاً تقف أمام المرآة تتطلع على مظهرها بها. حتى ابتسمت بثقة فهذه السلسلة اختياره، وهي اختياره. إذن من الواضح أن اختياراته جيدة كلها!! توجهت لتجلب دفتر المذكرات الخاص بها ثم فتحت صفحة جديدة تكتب بخط يديها المنظم:
[ الحادية عشرة قبل منتصف الليل ..يوم الجمعة..
تلاقت أعيننا من جديد بعد الفقد لأيام، ولكن تلك المرة كان التلاقي بنظرة لامعة، لم ولن يعرف معنى لمعتها سوانا، فـ تلك المرة كان التلاقي ومن ثم الإعتراف بالحب من الطرفين.]..
أغلقت الدفتر سريعاً ثم وضعته في الدرج وهي تتوجه لتغلق الإنارة ومن ثم انسحبت تحت الغطاء، حتى تبدأ في الاستغراق في النوم براحة واطمئنان من فكرة وجوده غداً. مفكرة بأنه.. سيعود إذن جارها، وجار غرفتها وجار قلبها من جديد ومرة أخرى!!
رواية عودة الوصال الفصل العشرون 20 - بقلم سارة ناصر
«وأنتَ ملجأي في الطريق ، أنتَ الصديق وأنت الطريق وكل ما أملك من ما حفظته للأيام .»
السـاعه الحادية عشر صباحاً قبل الظـهر بقليلٍ ، كان يقف خلفهُ فى المطبـخ وصديقه يقوم بغسل الأطباق من وجبة الإفطار ، كان "غسان" يساعده وهو مرتدياً ملابس الخروج الذي إشتراها مع الٱخر ،خرج صوت "شادي" وهو يغلق الصنبور أخيراً حتي خلع عنه مريلة المطبخ قائلاً بإنهاكٍ:
_" بجد الستات دول بيتعبوا أوي يا غُس "
طالعه "غسان" من أعلي لأسفل بتمعن ، ثم إلتفت ليخرج إلي خارج المطبخّ ، فـ ذهب الٱخر من خلفه ثم وقف يطالعه وهو يقوم بتجهيز نفسه للخروج بعد دقائق ، حيث أعد له الٱخر كيساً من علبة الأدوية الخاصه به ، إبتسم "شادي" له وهو يتحدث بجديه ونبره هادئه هادئه :
_" رغم انها كانت أيام تقيله عليكّ وأنا عارف ، بس جيتّ وخليتها خفيفه عليا ،على قد ما مبسوط إنك هترجع خلاص ، بس زعلان بسبب إني بردو هتأخر لما اشوفك تاني ، هبقي علي تواصل معاك زي العادي ، متتأخرش عليا يا صاحبي.."
قالها بتأثرفـي ٱخر حديثهُ ، من الأساس كان سيهرب "غسان" من كلماته الذي يعرفها جيداً ، والٱن أصبح أمام الأمر الواقع ،. طالعه "غسان" بتأثرٍ ثم توجه ليحتضنه بحبورٍ وهو يشدد في عناقه حتي يودعه ، حاول "شادي" الخروج من أحضانه بعد لحظاتٍ ولكن الأخر كان متمسكاً به بمرح حتي يجعله يشاكسه كما يفعل كل مره،. حاول دفعه بقوه وهو يتحدث بخوفٍ زائف:
_" ولاا ، خلاص يالاا إبعد "
إعتلت ضحكات"غسان" بقوه وهو يخرج من بين أحضانه ، ثم طالعه جيداً بامتنان وهو ينظر له ، رفع يده علي زرقة عينيه الذي سببها له ولكنه تراجع سريعاً متوقع بأن "غسان" سيلكمه كالعاده ، حتي تحدث الآخر بتبرير :
_" ده أنا هشوفها بس!!"
نظر له "شادي" بحنقٍ زائف ، فواصل "غسان" حديثه قائلاً بثقه:
_"ياض بسيبلك علامه تذكار عشان تفتكرني لأيام جايه ، الحق عليا ؟"
قالها وهو يتوجه ليأخذ الكيس والمفاتيح الخاصه بسيارتهِ، فابتسم "شادي" ثم خرج منه صوته بنبره هادئه وهو يقف أمام باب المنزل الذي فتحه الٱخر:
_" خلي بالك من نفسك بقا يا عالم المره الجايه هتجيلي بـ ايه متخرشم فيكّ"
نظر له "غسان" مُبتسماً ، ثم نظر له نظرة إمتنان للمره الذي لا يعرف عددها حتي خرج من الباب وهو يتوجه ناحية سيارته والٱخر من خلفه، لم تمر لحظاتٍ ثم فتحها ، ليركب بها وهو ينزل من الزجاج ، فأنحني "شادي" قائلاً له بهدوء:
_" زي ما اتفقت معاك يا صاحبي بالعقل كل حاجه تتحل ، بسام بيحبك وعمره ما هيلاقي حد رفيق أيامه وبخاف عليه زيك ،بس هو هيفهم دا بالتدريج لما يرجع لوعيه، بس هو بحبك والله وفالأول والأخر ملكوش غير بعض ."
نظر له "غسان" ثم غمز له بغير إهتمام لحديثه قائلاً بمشاكسه:
_" مش عايزه هو يحبني "
_"أيوه بقا ما انتَ خلاص لقيت اللي تحبكّ ، وبقولك ايه متضيعهاش منك وخلي بالك منها. ، فـ رعاية الله"
قالها وهو يرفع يده ليشير له بالوداع حينما حرك الٱخر من السياره ، ابتسم له باطمئنان ثم لف من السياره ليخرج من البوابه الخشبيه ، إبتسم "شادي " بـ أثره بسعاده لرجوعه إلي عقله وعودته إلي منزله ، فـ أهم ما يكون لديه بأن يصبح صديقه سعيداً
____________________________________________
وقفت أمام شقة "حامد" تدق الباب دقات خفيفه ، فقد ذهبت "سُميه" و"دلال". و"عايده" و"ورده" وزوجها وصغيرها و"ياسمين" و"حازم" إلي شقتهم حتي يقومون بترتيبها بسبب إقتراب موعد الزفاف ، فضلت "نيروز" الجلوس فالمنزل حتي تجلس مع "وسام" التي تجلس لتذاكر دروسها فالمنزل ومعها والدها ، وقد خرج شقيقها الٱخر من الصباح ، و ما هي إلا لحظاتٍ وفتح لها "حامد" الذي ابتسم لها قائلاً بترحيب:
_"حبيبة قلب عمو ، تعالي أدخلي"
ابتسمت له ابتسامه صغيره ثم دلفت فوجدت "وسام" تجلس بصالة المنزل وهي تشاهد التلفاز قليلاً ، ضحكت بخفه وهي تتوجه لتجلس بجانبها قائله:
_"هو مش المفروض انتِ ثانويه عامه يا ويسو دا أنا جايه أقعد معاكِ ،أعملك شاي سندوتشات بتاع كده يعني الظاهر إن انتم عندكم إختلاف.."
ضحكت "وسام" مردفه من بين ضحكاتها:
_"فعلاً نحن نختلف عن الٱخرون سيبك انتِ تعالي أقعدي اتفرجي معايا.."
جلست بجانبها تحت أنظار"حامد" الواقف ومن ثم ردد بحنق لابنته:
_"والله ؟ يعني مفيش حساب لابوكي ، كده؟ تصغرينا قدامها ، طب قومي خشي جوه ذاكري يلا "
قالها بضجرٍ زائف ، فطالعته "نيروز" بترقب ، ثم استنكار من تلك التي توجهت تقف أمامه ثم هتفت تخبره :
_" صغيره علي الحب شغال ..!"
ابتهجت ملامحه وهو يردد:
_"سعاد حسني .؟؟"
_"ورشدي أباظه كمان "
ابتهجت ملامحه مره أخرى ثم توجه ليجلس بجانب"نيروز" التي نظرت بغير تصديق لتحويله السريع ، نظرت لها "وسام" بثقه ثم توجهت لتجلس بجانبهم ، وهي تهتف عالياً:
_" شوفت ظلمتني ازاي؟؟ حد يسيب الفيلم ده ويخش يذاكر بذمتك؟"
هز لها رأسه بالنفي وهو يعتدل بمرح حتي ينظر بتعمن إلي التلفاز ، ضحكت هي ثم نظرت بانتصار بينما ابتسمت "نيروز" باتساع وإعجاب علي ما حدث من عبث وهي تفكر بأنه يبدو ان شقيقته ليست هينه مثله تماماً ..!!
___________________________________________
بعد مرور بعض الوقت ، كان هو واقفًا. ينظر من شُرفه توجد بغرفته في المستشفى ، ذاكرته تستجمع كل شئ قد فعله شقيقه من أجله ، يذهب به عقله في بعض الأحيان لما سببه لشقيقهُ من ٱلام جسديه غافياً عن الألم النفسي الذي سببه له بقصدٍ أو من دون وعي، تعجب من قدرته لعدم محاولته للوصول له عن طريق الهاتف في طلبه حتي ! ، ولكنه خائفاً من أن يحدث شئ ، لا يريد مواجهته مره أخرى وتلك مشكله قي حد ذاتها !! ، إذن إلي الٱن يراوده الشك الذي تخلله رغماً عنه رغم محاولة تجاهله، ولكنه مشتتاً هذه الفتره ، محيراً بين أمور كثيره ، يشعر بالغربه وعدم القبول حتي وان كان من حوله يتقبلونه! ولكن نقطة عدم معرفة قيمه نفسه وقلة الوثوق بها الذي يخفيها أمام الأنظار هي الغالبه ..!! ، فاق من شروده على دقات الباب ، إذن للطارق بالدخول ، فوجده هو ، التفت لينظر له مبستماً ، فطالعه "عاصم" بصمت وهو يبادله ترحيبه بابتسامته ، حتي ردد"عاصم" وهو يقف في مكانه:
_" جيت أطمن عليكّ ، وأشوفك ، انتَ كويس ؟"
_" مش عارف ، بس مسيري فـ يوم هبقي كويس ، انتَ ماشي ولا ايه ؟"
قال"بسام" أول حديثه بشرود ، بينما سأله بانتباه ، فأومأ له الٱخر بالايجاب قائلاً بهدوء:
_" أه ، يدوب خلصت جلسة فرح وخلصت النهارده كده خلاص"
فرح!!! حسناً هذه نقطه قد انتبه لها الٱن لما لا يذهب ليشعر بما قد شعره من قبل عندما كان مشتتاً ، خرج من شروده عندما حدثه الآخر وهو يخرج من الباب تزامناً مع قوله:
_" انا ماشي ، بس لسه مستنيك فالعياده علفكره !"
ابتسم بأثره بهدوءٍ ومن ثم توجه ليخرج من الغرفه من خلفه ليذهب إلي حيث ما نوى ، خرج من الغرفه متوجهاً إلي الساحه ومن ثم ركن السُلم ، قاطع سيره تلك التي تقع أمام أنظاره أغلب الوقت وكأن كل ما يراها يتذكر جرحه وذكرياته ، لا حد لذلك ، لما تقاطع سيره في كل مره وكأنه قاصداً أو هي الأخري التي تقصد؟؟ ، كانت متوجهه لتصعد السلم حتى صعدت بجانبه ابتسمت بسخريه بينما تابع صعوده متجاهلها ، وما أن وصل إلي الطابق ، كانت ستكمل هي حيث مصعد لطابق أعلي بكثيرٍ ، فوقفت من أمامه علي فجأه تقاطع سيره قائله بخفوتٍ ونبره بطيئه لكي تستفزه لأخذ حق لها من قبل عندما فاز بالحديث عليها :
_" كلامك بتاع امبارح ده علفكره ولا فرق معايا ،.
عشان تبقى عارف يا دكتور.
طالعها "بسام" بسخرية ثم خرج منه صوته الهادئ عكس ما بداخله:
"لو مش فارق معاكي جايه تتكلمي بعدين ليه؟ وبعدين انتي مش قولتي ملكيش دعوة بيا؟ ليه بتيجي تبدأي كلام انتي فكل مرة؟ إيه خايفة؟"
نظرت له باستنكار من أعلى لأسفل ثم تنهدت لتجيبه:
"أنا هخاف منك انتي؟ الزمن جرا ليه إيه!"
قالتها ومن داخلها قد أخفت توترها ببراعة، هي تبدأ معه الحديث في كل مرة خوفاً من كشفه لها، لا تعلم ماذا سيفعل هو، ولكن المؤكد بالنسبة لها أنها تتلذذ بتعذيبه وتجرحه بكلماتها، تلك التي تعد محط أنظار للرجال، كيف لذلك بعد أن كان في نظرها منحنياً أمامها بطاعة كمثل باقي الرجال، كيف لتحوله بأن يبغضها كذلك؟ أما هو، فكانت علاقته بها ليست حد العبودية كما تتوقع، ولكن ما يبدو عليها أنها مريضة كما قال له شقيقه، تفضل أن تجمع الرجال من حولها، ويا لكثرة هذه النساء! طالعها بسخرية ثم نظر على كعب حذائها العالي، وهو يرفع أنظاره لها مرة بنفس الابتسامة وهو يهتف بنبرة هادئة ليفتك بأعصابه، يرد لها ما تفعله به:
"الزمن جراله كتير لدرجة إنك بقيتي أقل من الجزمة دي عندي!"
موعد قول وإرداف حديث ليس من شكله ولا من طبيعته الهادئة. حسناً، هي من أضطرته لفعل وقول ذلك! قالها، فنظرت له بشرر، ثم توجهت بكعب حذائها العالي لتقف على أطراف أصابعها أكثر حتى تطول بجانب أذنيه مرددة ببرود، بينما كان يقف ثابتاً، لم يحرك له جفن:
"وانت بقيت وهتبقى طول عمرك مغفل.. لو أنا منك يا أقتل نفسي يا أقتل أخويا..!"
لك، ولن تكف عن وضع عازات مشتعلة على أعصابه التي بدت مثل النار من داخله، ولكنه بارع في إخفاء ما يشعر به منذ فترة كبيرة. نظر لها بصمت ثم بدأ بالتحرك تزامناً مع رده وهو يشير لها بيديه باستهزاء:
"مسكينة يا تاج، بس أكيد هنتقابل بعدين طالما انتي عايزة كده، ساعتها هرد عليكي، أصل وقتك خلص.."
قالها ثم تركها تنظر له بغل، بينما ذهب ليقف أمام الغرفة ثم أخرج أنفاسه الحارة وهو يبدأ في دق الباب بهدوء. نظرت له نظرة أخيرة بتوعد ثم تحركت من أمام أنظاره حيث المصعد! أما الأخرى، فقد أذنت للطارق بالدخول. فوقف يجلي حنجرته حتى اعتدلت هي في جلستها ما أن عرفت من هو. دخل يتوجه وهو يطالعها ببسمة صغيرة. فنظرت له وهي تبادله الابتسامة. فخرج منه صوته أولاً وهو يتساءل بلطف:
"عاملة إيه النهارده؟ كويسة؟"
ابتسمت تجيبه بهدوء وهي تنظر له بعينيها وأهدابها الكثيفة الذي لأول مرة ينتبه لها. فجمالها ليس مبهراً، ولكن عينيها الواسعة التي بدت لمن ينظر لها بأنها سوداء ذات رموش كثيفة تعد أجمل شيء في وجهها، حتى وإن كانت الآن ملامحها مرهقة منهكة، فقد انتبه لذلك. رددت بابتسامة أخيراً:
"كويسة الحمد لله."
انتبه لحديثها التي أردفته للتو. ثم نهر نفسه لتطلعه عليها وعلى ملامح وجهها بتلك الطريقة. حيث ليس بإمكانه النظر لها كذلك وليس ليربطه بها شيء. وكأي رجل يصعب عليه غض بصره! لم يستمر كثيراً، بل تجاهل بعدما نهر نفسه وهو يستغفر ثم ابتسم لها بهدوء وتحدث بإقتراح كي يخفف عنها:
"ما تيجي تنزلي تقعدي فالحديقة شوية، دا أحسن حتى لحالتك النفسية."
ابتسمت بحرج ثم تحدث تجيبه بهدوء ولباقة في نفس ذات الوقت حتى لا يشعر بالحرج وهي أيضاً:
"بحس إني مش قادرة فـ كده أحسن!"
لو تعلم أنه يريدها على سبيل راحته فقط والحديث معها، فـ أي تراهات فقط قضاء وقت ليشعر بانتظام أنفاسه وراحته على سبيل وجودها، لم يشعر بذلك مباشرة، ولكن لي كل مرة تذهب به قدماه إليها ولا يعرف لما! لا يعلم ولا يستطيع التحدث مع شخص عما يدور به وما حدث له، ولكنه يقف أمامها يشعر بأنها مثله حتى وإن لم يعرف عنها شيء. الأرواح المتشابهة تتلاقى بتدابير لا نعلم عنها شئ، حتى وإن لم تكن متطابقة، ولكن كل منهما لديه تشويه داخلي، أحدهم حديث من فعل فاعل، والأخرى من أشياء عدة في الحاضر وأشياء قد عفى عنها الزمان! حاول التحلي بالثبات على ما ينوي ثم تحدث قائلاً مرة أخرى محاولاً في نفس الوقت عدم الضغط عليها:
"مش هتخسري حاجة صدقيني هتتحسني كتير دا إن مكنش دكتور عاصم قايلك بس انتي أكيد طنشتي وده غلط.."
لا مفر من ضغطه الغير مباشر. صمتت قليلاً بتردد ثم رفعت أنظارها تطالعه حتى وجدته ينظر لها بترقب وإنتظار. وإن دققت بنظرة عينيه فستجدها ترجو حتى يصبح أفضل وهي أيضاً. أومأت له بالموافقة. لا مانع إذن. حتى لا تقضي الوقت بمفردها وشقيقها في العمل والأخرى لم تستفق من غفوتها بعد! نهضت ببطء حتى نظر لها بتعمق. فتنحنح بحرج ليسبقها هو بالخارج أمام الغرفة. ومن ثم هي سوف تأتي من بعده أو خلفه مباشرة. ولكنه فضل إعطائها المساحة الخاصة بها مهما حدث ومهما سيحدث إن فعلت شيء قبل الخروج!
***
كانت تقف وهي تتحرك بتوتر في الغرفة. رغم تشفيها وفرحتها بما فعلته أمس، ولكن عدم رد ابنها عليها إلا الآن لا يبشر لها بالخير، وكذلك لا تعلم عن ابنتها شيء. تحاول أن تخفي قلقها على ابنتها حتى لا يأخذها البعض بالضعف. نظر لها "سليم" الجالس من أمامها بنفاذ صبر قائلاً من تحركها الذي يوتر الأجواء:
"ما تتهدي بقا وتقعدي على ما أعمل المكالمة."
نظرت له بغيظ ثم توجهت لتقف أمامه متحدثة بنبرة جامدة:
"انت مش واخد بالك إنك باللي بتعمله ده ملوش لازمة؟ مين ده اللي هيمشي يدور على بنتك واللي ما يتسمى هو اللي خدها وهو السبب؟ خلاص مبتشوفش لدرجة كده؟ مش فاهمة إحنا ساكتين لحد دلوقتي ليه؟ كونه مرجعش لحد دلوقتي مشكككش في حاجة لو مكنتش شاكة أصلاً؟"
نهض يقف مرة واحدة متحدثاً بنبرة عالية تعبر عن حيرته منها:
"انتي عايزة إيه بالظبط يا زينات؟ أروح أقتلهم يعني ولا أسجنهم عشان بنتك تطلع واحنا مش عارفين لسه هي مشت إزاي وهو السبب أصلاً ولا لأ؟ مش كفاية حازم كان مقطع نفسه بين جوازه وشغله وشغال في المصيبة دي؟ لا وتقومي انتي مطيناها وتخليه يشيل إيده من كل حاجة بكلامك!!"
صاحب شخصية سلبية، لم ولن يعترف بما تفعله من خطأ أمام شخص، بل تصبح في نظره هي الصواب، ولم يأخذ خطوة في الدفاع عن ابنه!! لماذا يتحدث الآن وكأنه يعاتبها بطريقة غير مباشرة؟ طالعته بسخرية ثم رددت تجيبه بنبرة مرتفعة:
"مالك قايم عليا وبتدافع عنه كده ليه؟ مشوفتش ربع ده منك وأنا بقعد أتصل على ابنك ولا بيرد ولا باين ليه ملامح. وبعدين انت جاي تفوق دلوقتي وسايب المصيبة اللي خلاص باينة زي الشمس مين اللي عاملها وانت ساكت؟!"
إقتربت منه خطوة واحدة أكثر ثم صاحت عالياً بغضب أمام وجهه:
"أنا معتش هسكت أكتر من كده عشان تبقي عارف."
طالعها بتهكم ثم قلب عينيه بنفاذ صبر قائلاً بغير اهتمام:
"هتعملي إيه يعني.!"
طالعته بغيظ من طريقته التي ظهرت لها مستفزة بعض الشيء، فـ التفتت تتجه ناحية الباب قائلة بهدوء مميت لا يجعله يتوقع ما سيحدث منها:
"هتشوف!"
فتحت باب الشقة، ثم التفت تنظر له وهو يقف يتابعها بصمت. بينما توجهت حيث الشقة التي توجد من أمامها، لم تأخذ دقائق لتغير ملامح وجهها للصرامة والغضب وهي تضع إصبعها على الجرس بقوة. لم يمر لحظات كثيرة ومن ثم فتح لها الباب.
بواسطة "حامد" و"نيروز" من جانبه و ابنة الأول خلفه ، نظرت لهم "زينات" بغضب وهي تنظر له مردده بجمود ووقاحه ظهرت في أسلوبها :
_" ابنك فين !"
طالعها بصمتٍ ثم أخذ أنفاسه ببطئ وهو يجيبها بهدوءٍ متحلياً به :
_" لو قصدك علي اللي بتتبلي عليه فـ هو مش هنا !!"
طالعته بكره بينما حركت انظارها علي تلك التي تقف بجانبه ثم حدجتها بسخطٍ حتى التفتت تصيح مباشرة علي زوجها وهي تهتف عالياً بوقاحه:
_"تعالى يا سليم شوف عشان تبقي تصدقني كويس لما أقولك إن بنت أخوك مقضياها مع اللي خاطف بنتك ، لأ وكمان قاعده فالبيت وصاحبته مش فيه ، ايه ؟ جايه تقضيها مع ابوه واخوه !"
تخطت الحدود وأكثر بكثيرٍ ، قالتها وهي تعلم أن النساء لم تكن في المنزل بسبب معرفتها بأن زوجة زوجها الأولي قد ذهبت معهم ، تحرك "سليم" إلي أن خرج ، وفي تلك اللحظه نظر لها "حامد" وقبل أن يتحدث ، رفعت "نيروز" يديها تدفعها بقوه للخلف وبعزم ما لديها ، قائله من بين صراخها العالي الذي جعلهم ينتفضون من أثره :
_" أســكتــي يا زبـــاله ، إخـــرســـي !"
سبه لا إراديه علي الخوض بعرضها كذلك ومن حديثها الوقح الذي جعل الاخري تنفعل وتصرخ بقوه بعزم ما لديها وكأن شخص قد حدث له شئ صعب القول والرؤيه للتو ، صرخه كفيله لهز المبني مجازياً ، بما فيه المصعد الذي فُتح للتو في نفس طابقهم ، لم يعطي أياً منهما بالاً للشخص الذي خرج منه وما أن رٱهم سار مسرعاً ، بينما كادت أن تتقدم "زينات" بغضب لتقوم بضربها ، ولكن حركة"سليم" كانت قبلها حينما تقدم ليمسكها من شعرها خلف الحجاب وتحت إمساك "حامد" له بأن يتركها وبكاء "وسام" مكانها ، وجدوا صـوت رجولي من خلفهم كان عالياً لاختراق سمعه هو تحديداً حينما ردد بحده وهو يتوجه لهم سريعاً حتي يمسك بـ "سليم":
_" ابــعــد ! "
قالها"غسان" الذي وصل أخيراً ، بينما رفع يده ليمسكّ أيدي "سليم" يفصله عن الأخرى بقوه ثم دفعه ليهبطها من عليها وهو يدفعه للخلف حتي إصطدم بكتف زوجته ، توجه "حامد" ليمسك "نيروز" بينما وقفت "وسام" تنظر بصدمه للذي يحدث من بداية "نيروز" إلي شقيقها التي لا تصدق كيف ومتي جاء بتلك السرعه ! ، وفي لحظتها أمسكته "زينات" من تلابيبه بقوه ثم رددت عالياً بغلٍ وجهلٍ :
_"أخوك فين ؟ فين الحرامي اللي خطف بنتي انطق !"
كانت تعتقد أنه "بسام" كما حدث معها من قبل ، نظر لها "غسان" نظرات حاده ساكنه ، ومن ثم تفاجأت هي منه حينما أنزل يديها من عليه بقوه وهو يدفعها إلي الخلف بذراعه حتي إصطدمت بالجدار من خلفها بشده ، إقترب منها عدة خطوات حينما رجعت هي إلي الخلف رغماً عنها من أثر دفعته ،حتي بات قريباً بشده وهو يقف من أمامها مردداً بنبرته الجامده وهو يتساءل بشرٍ ظهر في نبرته لها :
_"عرفتي أخوه فين ولا لســه .."
طالعته بغير تصديق ، هو لم يفعل معها المره السابقه كذلك بل تركها تقوم بمسكه وهو ساكن بين يديها لم يبدي ردة فعل ولكن اتضح أنه ليس من كان هادئاً بين يديها ، بل ذلك الذي ٱتي ليأخذ حقوقا ً كثيره ، لم يأخذ رداً منها بل لاحظ ذلك الذي اندفع يمسكه من قميصه وقبل أن يرفع يده حذره "غسان" وهو ينظر له بغضب قائلاً بنبره حاسمه:
_" لو رفعتها ولمستني هقطعهالك، ولا عاد يفرق معايا راجل كبير ولا راجل صغير سامع ؟ !"
نظر له "سليم" بغضب ، ثم ردد بعدها بنبره عاليه:
_" انتَ مجنون ، بتمد ايدك علي مراتي وبتهددني ؟."
إبتسم "غسان" وهو يقترب منه ثم هتف بنبره هادئه بارده عكس ما سبق :
_"أيوه ، والمره الجايه مش هيبقي فيها تهديد ، هنزل عليك بالقلم اللي اديته لـيها فلحظتها مش هستني كتير "
قال حديثه بجرأه لهما من تعديته لحدود السن الذي كان يحترمها من قبل ولكن الٱن كل شئ تغير ، قالها وهو يشير علي "نيروز" الساكنه بين يدي "حامد" وابنته ، بينما طالعهوه بدهشه للذي يحدث ومن الذي أردفه ، فردد "غسان " مره أخري بتوضيح هتف به بلامُبالاه زائفه :
_" أنا جيت أهو عشان تعرفوني انا خطفت بنتكم ازاي"
توجهت "زينات" بعدما استوعبت ما حدث وما يُقال ثم وقفت من أمامه تردد بغل:
_" وديت بنتي فين ،. انتَ اللي أخدتها ومشيت فنفس اليوم اللي هي مشت فيه و الورقه اللي سابتهالنا وقالت فيها انك اللي قولتلها تعمل كده ."
إبتسم بسخريه وهو يحرك أنظاره عليهما ثم تابع بنبره تهكميه:
_" ليه ؟ هي البنات خلصت عشان أروح أخطف بنتك انتِ؟!! ، دا ايه الدنيا العبيطه دي.؟"
صمت يتابع ملامح وجهها هي وزوجها المغتاظه حتي أكمل بنبره بارده وهو يعدل من ياقة قميصه الذي أصبح غير منتظماً :
_" مش ذوقي أصلاً ، لو كانت عجباني كنت خطفتها قدام عينيكم عادي أصل لو عاوز حاجه هاخدها كده كده منكم ذوق أو عافيه ، وأديني هو قدامك واقف لو عرفتي تعملي حاجه أو تتبلي عليا انتى وجوزك فالقسم زي ما الناقص ابنك عملها فـ أنا مستعد ، فـ ثانيه محضر وقضيه بعد ما اتهجمتي عليا انتِ وجوزك فـ بيتي أثناء وجودي جوه ،.. أه ما أنا موجود هنا من زمان بشهاده دي"
قالها بكيدٍ وهو يشير علي"نيروز " ثم واصل يكمل بنفس الكيد:
_" دي اللي هي بنت أخوك ، يعني من الطبيعي تقف معاك مش معايا ، لأ وايه من غير شهادتها أصلاً ، عندي نسخه تانيه بالظبط مني جوه ، يعني فالحالتين أنا واقفلكم وجاهزلكم من كل حته يلا وروني هيحصل ايه هتبدأو منين؟"
تفهم"سليم" ما قاله جيداً بينما طالعته هي بسخطٍ ، فخرج صوت"سليم " وهو يتحدث بنبره جاده يضغطه بتهديد :
_" متنساش إننا معانا الورقه اللي بخط ايد بنتي ، واللي فيها الدليل اللي ممكن كنت أقدمه وأعمل محضر ، أو أقدمه مقدموش ليه بعد المهزله وقلة الأدب اللي حصلت دي !! "
كاد أن يتحدث "حامد" فنظر له "غسان" حتي يتحدث هو أولاً ليجيبه ، بينما تحركّ يقف أمام أنظار "سليم" مباشره ثم مال عليه بحركه مقصوده ليهتف بجانب أذنه وبنفس الوقت بجانب أذن الأخري التي كانت تقف بجانب زوجها مردداّ بنبره بطيئه خافته هامساً:
_" لسه محصلش مهزله ولا دي قلة أدب بس لو عاوز أوريك قلة الأدب أنا جاهز ، وإبقي دور علي الورقه كويس يا حضرة المحامي."
قالها باستفزاز واستهزاء ثم تحرك مره أخري ليتوجه لـ "نيروز " بينما نظر له "سليم" وهو يردد بنبره جامده متسائلاً بغضب:
_"يعني ايه يعني !"
التفت يفتح من باب الشقه أكثر ثم أشار لوالده بأن يدخل خطوه واحده حتي دلف بهدوء ، وكذلك "وسام" بينما أمعن النظر بـ"نيروز" التي ارتبكت فور حديث عمها عن الورقه خوفاً من أذيته ، فتوجه ليمسك يديها علي فجأه وبقوه أمام أنظارهم ليسحبها إلي الداخل خي الٱخرى ، حتي وقف هو. أولهم وهي من خلفه ومن ثم هما من الداخل وهما الاثنين يطالعونه من الخارج بانتظار لاجابته ، حتي أجابهم أخيراً بنبره أثارت إستفزازهما وصدمتهما في ٱن واحد :
_" يعني الورقه اتقطعت من زمان بإيدين اللي مني وفـ لحظتها ، وروني بقا عرض إكتافكم ."
نظر له "سليم" بغير تصديق بينما حدجته الأخري بحقدٍ ، فتقدم "سليم" سريعاً حتي يرفع يده ليلكمه علي وجهه ؛ إذن حركه كانت متوقعه بسبب طريقه إستفزاز الآخر له بالحديث ، ولكنها قد أصابت "غسان" حتي أنه حاول أن يتفاداها ولكن عندما تحرك جاءت لكمته في جرح رأسه ، وبسبب ذراعه وتحكيم حركته لم يستطيع الحركه بسرعه ، ولكنه نظر بغضبٍ وهو يرفع يده يضعها علي عنق الآخر في حين صراخ "وسام" وبكاء "نيروز".
حاول "حامد" الفصل بينهم قبل أن يقترف ولده جرماً، بينما كانت تدفعه "زينات" عن زوجها. كان يختنق "سليم" أسفل يديه، فتابع "غسان" وهو يرفع صوته مردداً بنبرة قوية من أثر انفعاله:
"بترفع إيدك عليا يا ناقص؟ دا أنا أبويا معملهاش معايا يا راجل يا خرفان!"
أنزل يديه سريعاً حينما فصل بينهما "حامد" بقوة. فحاول الآخر أخذ أنفاسه بصعوبة وهو يرجع خطوات إلى الخلف بعشوائية. بينما جذب "حامد" يد ابنه إلى الداخل بقوة ثم أمسك الباب ليغلقه بسرعة تزامناً مع قول "غسان" المرتفع ليصلهما:
"أقسم بالله لو حصلت ومديت إيدك المرة الجاية عليها لهقطعهالك وأخليلك كل صباع في بلد وتمشي تدور عليهم يا ناقص."
كان صوت إغلاق الباب هو الرد الوحيد. بينما نظر "حامد" له وهو يصرخ بوجهه عالياً:
"إيه؟ كده ارتاحت خلاص؟"
رفع "غسان" أنظاره له ثم شعر بدماء تسيل على وجهه. لم يهتم للأمر بل هتف بكلمة واحدة متشفياً:
"آه."
قالها ومن ثم تحرك أمام أنظارهم يجلس على الأريكة. فتوجهت شقيقته تقف من أمامه بعد دقائق بسيطة وهي تنظر له بشوق من بين دموعها. جلست بجانبه فرفع ذراعه السليم ليأخذها بين أحضانه مردداً بهدوء وشوق يسحب من غضبه:
"وحشتيني."
تمسكت به للحظات وهي تجيبه بالمثل. فرفع عينيه على من يقف من على بعد منه، وجد والده يدخل إلى الداخل حتى يتحاشى مواجهته. بينما تحركت من مكانها سريعاً. ما أن رفع أنظاره يطالعها، توجهت لتجلس بجانب "وسام" التي كانت تتابع النظرات فيما بينهما. كان بإمكانها أن تشعر بالغيرة ولكنها تأكدت شكوكها الآن، حيث كان بداية الشك يوم ذهابهم للمطار. عندما كانت تركب معهما بالسيارة، لم يحرك أنظاره وقتها من عليها. كان رغماً عنها فعل ذلك ولكنها شعرت بأن أحدهم يود قول شيء لتنهي النظرات. نهضت تبتسم لشقيقها بهدوء ثم تحدثت قائلة بضعف:
"هخش أغسل وشي وأعملنا حاجة نشربها بدل حرق الدم ده."
قالتها بجدية بينما ضحك هو بخفة على أسلوبها. حتى ابتسمت "نيروز" هي الأخرى لها. لم تمر دقائق كثيرة حتى تحركت هي من أمام أنظارهم. بينما التفت برأسه ينظر لها حتى وجدها تنظر له بصمت ولكنها تحدق به. لم تستمر النظرات بل رفعت طرف حجابها لتزيل أثر الدماء التي نزلت من ضربة عمها. تركها تفعل ما تفعله حتى انتهت أخيراً. ومن ثم تحدثت بلوم وبنبرة متعبة:
"ليه كده؟"
نظر لها باستنكار ثم سألها باختصار:
"ليه إيه؟"
"ليه مصمم تعمل كل اللي أنا خايفه منه؟ انت مش عارف إنك كده بدأت مشاكل جديدة غير اللي راحت؟ مش هيسبوك، لا عمي هيسيبك ولا مرات عمي ولسه.. حسن لو عرف باللي حصل."
قالتها وهي تواجهه بحديثها. بينما كان هو ذلك الحديث الذي كان سيحدثه به والده. لم يتخلص منه إذن! بل أصبح لديه شخص مثله بالتفكير! نظر لها بتعمق ثم نبس بنبرة هادئة عكس جمود ما كانت تتحدث به:
"بتخافي منهم يعني؟"
قالها بثقة وكأنه يؤكد لها شيئاً جعلتها تنظر له بغيظ مكتوم حتى ظهرت شراستها في قولها:
"قولتلك قبل كده إني مبخافش!"
قالتها ثم رفعت يديها تمسح ما تبقى من دموع عينيها على وجهها. بينما كانت يديها وطرف حجابها ملطخة بدمائه. حتى تلطخ وجهها بلون أحمر بسيط خافت ما يبدو أنها تعكرت بدمه!! لم تأخذ منه سوى رد واحد مقتضب حينما ردد مرة أخرى يؤكد بجدية جامدة:
"لأ بتخافي."
قالها أمام أنظارها فلم يتردد في الحديث مرة أخرى وهو يتحدث قائلاً بتوضيح:
"حتى لو كنتي خايفة عليا، فـ انت خوفك من عمك ومن مراته وابنه غلب خوفك ده، وخوفتي لأقول إن بحبك صراحة عشان ميتأكدش كلامهم. المفروض إنك بتلوميني عشان رجعت أخد حقك لما ضربك ومد إيديه عليكي ولا من حقي من المشاكل اللي بيلزقوهالي؟ كده يبقى إيه؟ مش خايفة؟"
قالها وهو يواجهها بكلماته الجامدة. لو يعرف ما تهابه وما تخافه من أخذها لكل الاحتمالات. نظرة عينيه في المواجهة لديها وله كانت باردة لم تحمل دفئاً كما كانت من قبل. لم يظهر بقى اللين التي كانت تستشفه. أدمعت عينيها وهي تطالع عينيه التي بدت لها باردة. ثم تحدثت من بين دموعها تجيبه بنبرة متحشرجة وهي تبرر بنبرة صادقة تخللها هو عندما ضعف أمام بكائها وهي تبرر حقيقة تهابها وبشدة خاصة أنها ذاقت مرارة فقده لفترة معينة من قبل!!:
"أنا أيوه بخاف منهم وبلومك على اللي حصل، بس كل ده خوف ليبعدوني عنك بالغصب وهم ممكن يعملوها عادي وتحصل منهم لو عرفوا واتأكدوا من ده. إن مكنوش عرفوا خلاص. وأنا مش عاوزانا نتفرق عن بعض يا غسان متعملش كده بالقصد لمجرد عنادك قصادهم عشان خاطري..!"
قالتها ببكاء أول حديثها وترجٍ في آخره لامس قلبه من تأثرها. حسناً، قد أرسلت له الآن فك شفرة خوفها مما حدث وحديثها الجامد الذي لا يعرف له معنى في البداية. ولكن اتضح له الآن ما تشعر به وما تريده. نهضت على فجأة للهروب من أمامه بعد قولها لما تريد إخراجه. أمسك معصمها يقاطع هروبها وسيرها حتى وقفت. ثم نهض وهو مازال يمسك بيديها حتى التفتت تنظر له بعجز. فخرج منه صوته الهادئ وهو يهتف بوعد صادق:
"ومين قالك إني هسيبهم يعملوا كده؟! محدش يقدر يغصبك على حاجة انت مش عايزاها وأنا هنا. حتى أنا..!"
ترك يديها ثم رفع يده يمسح وجهها بحركة بطيئة وهو يعود لينظر لها بلين. ثم ضغط بمسحته على وجهها في نقطة دمه الحمراء التي وجدها على خدها. استشفت صدق كلماته من حديثه الثابت وعينيه التي بدت لها كما كانت هادئة!! نظر على وجهها وحجابها المهندم من أثر مسكة عمها. لم تشعر هي برجوع حجابها إلى الخلف قليلاً حتى ظهرت خصلات شعرها البنية من الأمام. ابتسم على مظهرها العبثي وهو يرفع يده حتى أدخل من خصلاتها وهو يحرك الحجاب إلى الأمام بعشوائية. خجلت من ما فعله حتى رفعت يديها تعدل من حجابها بارتباك. هي الأخرى. كانت قد تحركت أنظاره على تلك السلسلة التي ترتديها. كان قلب الوردة يظهر من الخارج. نظر لها وهو يبتسم بشرود. تذكرها إذن!! عدلت هي من حجابها ثم خرج منها صوتها وهي تتحدث قائلة بإذن:
"أنا لازم أمشي مينفعش كده."
قالتها بهدوء لكونها بقت بمفردها معه. بينما ابتسم بعبث وهو يقترب منها حتى رجعت هي إلى الخلف تزامناً مع رده:
"يعني هتمشي؟"
هزت رأسها بنعم. حتى اصطدمت وهي ترجع إلى الخلف بالمقعد الخشبي. كتمت شهقتها من اصطدامها هذا. بينما تابع بتساؤل يشاكسها وهو يقف من أمامها:
"هتسبيني يعني قصدك؟"
رفعت أنظارها وهي تنوي بأن توقفه عند حده مما يفعله. حتى نظرت وهي تتحدث قائلة لتجيبه بحدة رغم اهتزازها من الداخل:
"يعني إيه هسيبك يعني؟ كنت عايشة معاك في بيت واحد أنا؟"
ضحك بخفة وهو ينظر لها بعينيها ذات النظرة المهزوزة التي أوحت له بتوترها. بينما واصل بمراوغة وهو يقف بمكانه:
"ياريـت. ما تيجي."
شهقت شهقة عالية وهي تهتف عالياً تعنفه وهي ترفع يديها بتأديب مبتلعة ريقها بارتباك في نفس الوقت:
"أجي فين يا قليل الأدب انت!"
"أنا متابعة الحوار يا روز قصده يعني تيجي تعيشي هنا معاه. كملوا كملوا."
قالتها "وسام" وهي تقف خلف الستار تكشف عن وجهها فقط. بينما انتفضت "نيروز" على أثر صوتها مرددة بعفوية:
"يلهوي!! انت هنا من إمتى؟"
قالتها بطريقة مضحكة جعلته يضحك عليها. بينما اقتربت شقيقته تقف أمامها وهي تجيبها من بين ضحكاتها:
"مش من زمان أوي."
وزعت أنظارها بينهما بضجر وخجل مما حدث. ثم توجهت بصمت إلى باب الشقة تفتحه أمام نظراتهما. حتى خرجت هي ثم أغلقته من خلفها وهي تصفعه خلفها. نظرت هي إلى شقيقها وهي تضحك بخفة قائلة من بين ضحكتها:
"علفكرة حرام عليك تكسفها كده خصوصاً أنها شكلها بتحبـك مع انك محكتليش يعنـ...."
قالتها وقبل أن تكمل حديثها الأخير وجدت والدتها تدخل من باب الشقه وهي تغلقه خلفها بارهاق.
بينما توجه هو يقف أمامها حتى رفعت أنظارها بفرحة ثم رفعت يديها تأخذه بين أحضانها بشوق وحنان.
متحدثة بتحشرج وهي تلومه:
"كده توجع قلبي عليك!"
قالتها وهي تخرجه من بين أحضانها ثم وضعت يديها بلهفة على جرح رأسه تتفقده ومن ثم ذراعه.
بينما نظر لها باشتياق وهو يردد:
"حقك عليا، متزعليش."
تفقدته بنظراتها بحب أمومي ثم أمسكت يديه السليمة وهي تسحبه خلفها بهلفة طبيعية من أم قائلة باندفاع:
"تعالي وريني ايه اللي فوشك ده وبيجيب دم ليه كده، بتوجعك ولا ايه."
وكأنه طفل صغير كانت تحدثه كذلك.
بينما ابتسم بقلة حيلة منها ومن طريقتها التي لم ولن تتغير.
اعتلت ضحكات "وسام" على ما تراه أمامها.
والدتها تجلسه بجانبها بينما هو يحاول أن يطمئنها من بين ضحكاته ولكنها غير عابئة بحديثه بل تتفقد جرحه وبقية وجهه بلهفة بحثًا عن جرح آخر بخوف.
***
"وإن كانت ملامحك ليست فاتنة، فـ فتنتها في هدوئها الذي أراح عقلي ورضاني بابتسام في عمق تفاصيلك.
لم أشعر بشيء تجاهك سوى ما يحدث لك وما يحدث منك.
أخبريني لما ليست الحياة عادلة معنا.
لما لم تصفع سوانا ونحن لم نفعل شيئًا لعقابها هذا.
لما تجمعنا الحياة بأشخاص آذونا وأشخاص مثلنا.
ألا يوجد شخص سوي هادئ لم تأتِ عليه الحياة ولم تصفعه من قبل.
ألا يوجد من لم يكن مظلومًا منها حتى وإن كان ظالمًا يومًا ما."
كان يجلس معها على مقعد مريح في حديقة المستشفى تارة يتنفس بعمق وتارة لم يعرف يأخذ أنفاسه من توتر الأجواء.
مشروب من الليمون بالنعناع الساخن بيد كل منهما.
التفت ينظر لها وهي تشرب مما بيديها قائلاً بتساؤل وكأنه مهتم:
"عجبك؟"
نظرت له "فرح" بتردد ثم حركت رأسها وهي تبتسم قائلة باعتراف:
"بصراحة لا. ممكن لو كان ساقع كان يبقى أحسن بس عشان مفيد فـ يعتبر أه كويس. أنت بتحبه؟"
ابتسم "بسام" بتذكر ثم تنهد يخرج أنفاسه براحة متحدثًا بهدوء:
"أخويا هو اللي بيحب المشروب ده لكن أنا بالنسبالي عادي حتى مكنتش بحبه فالأول بس كنت بشربه غصب عني عشانه."
نظرت له "فرح" بهدوء ثم خرج منها صوتها وهي تتساءل بانتباه:
"عندك أخوات كمان غير أخوك التوأم؟"
هز رأسه مبتسمًا وهو يجيبها بهدوء:
"عندي أخت اسمها وسام معرفتيهاش يوم كتب الكتاب."
"لا بصراحة، بس علفكرة أنا كمان عندي اخوات تانيه غير عز!"
نظر لها بتمعن ثم تحدث بدهشة طفيفة مردفًا بعفوية:
"بجد؟ أومال مش بيجوا ليه؟"
تنهدت تخرج أنفاسها بقوة وهي تجيبه بنبرة مختنقة استشفها هو سريعًا:
"عشان واحدة ماتت والتاني مش قريب أوي مننا."
التفتت تنظر له فوجدته يطالعها باهتمام فواصلت تكمل بتوضيح أكثر:
"أخواتي من الأب."
نظر لها بأسف ثم برر سريعًا حتى لا تحزن من حديثه غير المقصود:
"أنا آسف مكنتش أقصد، ربنا يرحمها."
"ويسامحها. هو بجد ممكن ربنا يسامحنا على ذنب كبير؟"
كانت تتحدث براحة لم تتحدثها مع طبيبها النفسي يبدو أن وجوده مهم بالنسبة لها دون أن تدري ولكن ليست مشاعر.
رغم استغرابه مما أردفته ولكنه أجابها بهدوء:
"طبعًا، ربنا بيسامح، ده حتى اسمه الغفور الرحيم!"
أومأت له بتفهم ثم أجابت وهي تتابع حديثها بتأثر وضعف:
"اختي أنا مكنتش أعرفها اوي ولا كان ليا علاقة بيها، رغم كل ده اتأثرت بموتها كأنها شخص عزيز عليا ومبيفارقنيش. ممكن الدم بيشد ويحن، حتى مجاليش قدرة أكرهها. دعائي ليها علطول بيخليني مبسوطة إني لسه فاكراها."
طالعها بهدوء وهي تتحدث براحة كبرى.
بينما رفعت عينيها تنظر له وهي تتأتى بحديثها الذي أثار شفقته تجاهها:
"موتت نفسها!"
تألم من الداخل لتخيله ما يمكن أن يمر به الإنسان من تلك المحن.
مرض والدتها، انتحار شقيقتها، بُعد شقيقها. مرضها الآن. كفاح شقيقها من أجل سلامتها هي ووالدتها. تركها لمستقبلها وحلمها.
لا يعرف ماذا يجب بأن يتحدث الآن ولكنه نظر لها بثبات ثم ردد بنبرة هادئة يحمد الله على حاله من داخله:
"رحلتك شاقة يا فرح ورغم كده شايفك قوية!"
"لا مش شاقة، رحلتي أمر واقع تعايشت معاه من الأول. يعني زي ما تكون صحيت من النوم كده لقيت نفسك مرة واحدة فكل ده بس أنت عارف إيه ده فمش هتصحي تستغرب عشان اتعودت على كده."
حاول أن يعدل نظرتها عن الحياة بعدما رأى بها بعد اليأس.
تنفس بعمق وهو يجيبها مرة أخرى ناظرًا بأعينها:
"مهما كان بيبقى فيه فالرحلة وقت عوض وجبر بيحصل ممكن لسه معاده مجاش بس هيجي. أي رحلة مهما كانت شاقة محتاجة صبر."
نظرت له بصمت ثم بتساؤل وهي تنهض من مكانها حتى تسير قليلاً بعد الجلوس:
"تفتكر؟"
نهض يومئ لها بثقة ثم تحدث بتأكيد مبتسمًا بلطف:
"أفتكر."
***
قصت على والدتها وشقيقتها وشقيقتها الأخرى وأزواجهما ما حدث باختصار وقت جلوسهم على مائدة الطعام لتناول الغداء.
حتى مر وقت قليل ونهض كل منهم يجلسون مع بعضهم في الصالة.
كانت تجلس بجانب "ياسمين" التي ربتت عليها بحنو ثم مالت تهمس بجانب أذنها قائلة:
"الحب رجع وشايفه ملامحك منورة قولت أفكرك."
نظرت لها "نيروز" بتحذير وهي بتبتسم.
بينما دق جرس المنزل فنهضت "سمية" أولاً ولأنها كانت تجلس بجانب الباب توقعت من تكون.
فقد أخبرتهم بأن يأتو حتى ينشرون البهجة قليلاً ويقومون بتشغيل الأغاني والرقص بسبب اقتراب موعد زفات "ياسمين".
فتحت الباب فوجدت "دلال" وابنتها واقفين بجانب بعضهما.
دلفا إلى الداخل.
بينما نظرت "نيروز" بتعمق فلم تجده.
توقعت بأين ستجده الآن بعد فترة ما بعد الغداء.
نهض "حازم" يقوم بتشغيل الأغاني هو وزوجته.
بينما كان يتحدث "بدر" في الهاتف مع "غسان" الذي أخبره بأنه سيأتي بعد قليل.
بهجة تحدث الآن من الأصوات المتداخلة مع بعضها.
حسنًا، وقت هروب ليس له مثيل.
نهضت بخفة تدخل غرفتها بهدوء ثم توجهت لتفتح الغرفة سريعًا لتحرك أنظارها ناحية شرفته فوجدته تلك المرة لم يكن موجودًا.
ولكن مهلاً، شرفته مفتوحة بعد أن كانت مغلقة لأيام.
وقفت على أطراف أصابعها أكثر حتى ترى هل موجودًا بالفعل أم مفتوحة فقط.
ظهر أمامها على فجأة من الداخل حتى انتفضت هي بهلع.
ابتسم بانتصار ثم ردد يقلد نبرتها:
"علفكرة مبخافش."
قهقهت عالياً بقوة حتى أنها لم تضحك كذلك من أمامه من قبل.
تابعه وهو يضحك بخفة خاصة أن طريقتها وصوتها في ضحكتها يجعل من يراها يضحك دون أسباب.
مقبولة من كل الاتجاهات من نظره.
انتهت من ضحكاتها ثم هتفت بمراوغة غير مباشرة كما يفعل:
"مبقولهاش بالرقة دي خالص!"
صمت يتابعها وما إن انتهت تحدث يسألها بخبث:
"جاية تدوري عليا يا رزقه؟"
خوفتي لا أكون مشيت تاني.
بعد تمهيدها لنفسها بأن تصبح غير هينة معه وتبادله السؤال بسؤال أصعب يعيق الرد كما يفعل معها، لم تهرب بأنظارها حتى تتحدث بالحقيقة. بل طالعته وهي تحاول أن تسأله بسخرية:
"إيه؟ متعملهاش!"
حرك كتفيه بغير اهتمام ثم نبس بثبات:
"لا أعملها، بس المرة الجاية لما أمشي همشي وأنت معايا."
ابتسمت بخجل، متناسية تحديها معه، فالحديث حتى تتغلب عليه بعبثها، ولكنه انتصر وبطريقة ما. تنفست بعمق ثم اعتدلت في وقفتها قائلة على عجالة:
"أنا لازم أدخل عشان بيرقصوا وهتلاقيهم بيدوروا عليا، مش هتيجي؟"
قالتها بعفوية شديدة ولم تعط بالا لقوة ملاحظته في تفاصيل الحديث دائمًا. فابتسم لها بمكر وهو يتساءل:
"ليه بتعرفي ترقصي؟"
نظرت له بخفة ثم قلبت عينيها بملل وهي تجيبه متخلية عن حرجها قائلة باندفاع حتى تحاصره كما حاصرها الآن:
"لا بعرف أعقب!"
والآن قد أظهرت له شخصيتها وعفويتها وتلقائيتها. لم يكن يعرف بأنها سوف تكون بتلك الشراسة الطفيفة والخفة. حسناً، يعجبه ذلك لا مانع إذن. أنصت لإجابتها بتعمق، بينما ما إن انتهت هي، رد يجيبها بحديث عقد من لسانها وأوقفها عن المحاولة لمحاصرته حينما ردد:
"عقبال ما تعقبيلي!"
لم يترك شيئاً للقول بعد ما قاله. أدركت أن الدخول معه بمختلف أنواع النقاش لن يجعلها تفوز عليه، بل ينتهز جميع الفرص. طالعها وهي تنظر بتردد ثم خرجت من الشرفة دون تفوه أي حرف. حرك رأسه بقلة حيلة ثم ردد بخفوت وهو يخرج من الشرفة:
"ومالو التعقيب، مش وحش، شغال."
خرجت من الغرفة لتتوجه لهم بالصالة، ومن ثم طالعتهم بابتسامة حينما كان يتراقص بدر مع يامن في جو مبهج. قاطع تركيزها معهم صوت دقات الجرس العالية. توجهت لتفتح الباب فوجدت حامد وهو بجانبه. ابتسم حامد وهو يوزع أنظاره بينهما، حتى دخل ثم أشار لها بأن تتمسك بذراعه أمام أنظار ولده. حتى نظر هو إلى غسان ثم مال ليتحدث بجانب أذنه:
"دوق شوية من اللي كنت بتدوقهولي أنا وأمك."
لم تفهم هي ما يحدث، بل رأت نظرة التحدي في عين حامد الذي توجه بها ليجلس بجانبها في الداخل، بينما توجه هو. ومن ثم رحب به كل شخص إلى أن انتهى وهو يتوجه لـ يامن الذي ابتسم له بسعادة وهو يهتف باسمه. قبله غسان بحب، ثم حمله على ذراعه السليم، وهو يتوجه ليجلس بجانب والده. نظر حامد للصغير الذي أمسك يده، ثم هبط على الأرض. يبدو أنه يجعله يرقص كما كان يرقص مع والده. ضحك حامد بخفة وهو يلبي طلب الصغير ثم نهض معه أمام أنظارهم الضاحكة. حتى هي كانت تنظر إلى الوضع بابتسامة عريضة. إلى أن ذهب مع الصغير ليرقص معه بخفة وسط الآخرين. فتحرك هو بخفة حتى يجلس بجانبها مقترباً أكثر. التفتت برأسها سريعاً، تنظر له فوجدته متصنعاً عدم الاهتمام وهو ينظر إلى هاتفه. لم يرفع أنظاره ليطالعها بل تركها تنظر له. ولكنها حركت رأسها سريعاً حينما هتف وهو ينظر للهاتف:
"شكلي حلو؟"
وزعت أنظارها في المكان، بينما رفع أنظاره ليطالعها، فخرج صوتها الثابت وهي تقول:
"مش أوي لا!!"
ضحك غسان بخفة وهو يحرك رأسه تزامناً مع قوله لها:
"كذابة، ده البنات بيقولولي إني شكلي قمور، حتى إنجي مديرة الـ.."
حاول أن يلعب على نقطة غيرتها حتى يعلم أكثر قيمته لديها. نظرت له بغيظ، ثم رددت بخفوت تقاطعه حتى لا تجلب الأنظار:
"هستنى إيه من واحد بيقول عليها جامدة، هترد تقولك إيه يعني كتر خيرك!!!"
كبت ضحكاته، خاصة أنها صدقت حديثه وبسرعة ثم تبدلت ملامحها للجمود. بينما نهضت هي سريعاً، تتحرك من جانبه بغيظ، لتتجه لهم. فبقى هو ينظر بأثرها بتسلية حتى ذهب ليجلس بجانبه بدر قائلاً له بلوم:
"يعني أقعد أحاول أوصلك وأنت قافل تليفونك، ورايح تفتحه النهاردة الصبح قبل ما تيجي!!"
"آه، وكويس إني فتحته وشوفت الرسالة بتاعت الورقة اللي أنت قطعتها عشان نفعتي وأنت مش هنا."
هز له بدر رأسه ثم تحدث مرة أخرى بنبرة هادئة:
"معتش هقولك أنت بتعمل كده ليه لأن أصلاً هم عاوزين بضربوا بالنار، ونيروز حكت اللي وحازم عارف باللي عملته بس مطري دماغه بسبب اللي حصل امبارح فماتخدش جنب منه هو تقريباً معتش فارق معاه، صعبان عليا والله."
هز له رأسه بتفهم من الذي يتحدث عنه. فقد قص بدر في رسائل ما حدث له حتى يعود غسان!! كانت توزع هي نظراتها عليه من بعيد بغيظ. لاحظت ياسمين نظراتها حتى توجهت تقف بجانبها ثم مالت عليها قائلة بخفوت:
"في إيه؟ بتبصيله كده ليه؟ في حاجة حصلت؟"
كانت تسألها باهتمام. فابتسمت نيروز لها قائلة بهدوء:
"لا عادي مفيش حاجة."
***
في شقة "زينات"، كانت هي تجلس على المقعد في الغرفة فمنذ أن مر الوقت على ما حدث وهي منفعلة لأقصى درجة. حتى زوجها الذي كان يجلس بجانبها، تهز ساقيها بانفعال والهاتف بيديها تقوم بطلب ولدها ولكن كالعادة لا رد. نهضت مرة واحدة وهي تصيح بانفعال وصل إليه:
"هنعمل إيه يا سليم!"
طالعها بصمت ثم أخذ أنفاسه يجيبها بحدة:
"يعني إيه نعمل إيه؟ أديكي شوفتي اللي حصل. ما هو قال مخدهاش وحتي لو خدها فين الدليل؟ أنت مش فاهمه بيحصل إيه؟"
نفخت أنفاسها عالياً ثم نظرت له متخلية عن ما كانت تفكر به ثم رددت لتشعله:
"هو أنت لسه مش واخد بالك؟ ده مد إيده عليك وزقني عشان بنت أخوك. يعني فيه بينهم حاجة زي ما قولتلك لا وأنت قاعدلي بدل ما تروح تربيها وتعلمها الأدب شوية، ولا تروح تشوف بنتك فين، حتى ابنك اللي مش بيرد عليا ولا فدماغك حاجة!"
"بنت أخويا أنا عارف هروح لها أعمل إيه كويس عشان أربيها. أما أنت، فانت السبب ما لو كنتي واخده بالك من بنتك وعينك عليها كان فاتها ممشتش مش راحة مطنشالي دماغك على الآخر. وعشان تبقي عارفه لو بنتك طلعت ماشية من هنا بمزاجها هقتلها وهقتلك من بعدها."
قالها هو يتحرك من أمامها. لم تعير لحديثه الأخير اهتمام بل نظرت له وهو يخرج من الغرفة متجهاً إلى الخارج حيث الصالة. يبدو أنه لا ينوي خيراً لهن وهذا ما كانت تريده. نظرت بتشفي وانتصار لما فعلته أثر كلماتها به. ثم عادت مرة أخرى وهي تفكر ولم ولن تنوي خيراً أبداً.
***
جلسوا مرة أخرى في صالة المنزل وكل يشرب من أكواب العصير التي توجد بيديهم، وتلك المرة كانت "عايدة" قد أتت لهم.
ولكن من دون "جميله" جلست "نيروز" بجانب "دلال" ومن الناحية الأخرى "ياسمين" و"حازم" ومن ثم "غسان" من أمامه الذي يجلس بجانبه "بدر" و"ورده" بينما جلس "حامد" وعلى ساقيه "يامن" وهو يناوله العصير ليشرب منه ببطء.
خرج صوت "حامد" وهو يحدثهم موجهاً حديثه للعروسين قائلاً بتساؤل وهو يبتسم:
"الشقة خلصت ولا لسه يا حبايبي؟"
ابتسمت "ياسمين"، فرد "حازم" وهو يبتسم ليجيبه:
"بنحاول نخلص فيها عشان معاد الفرح قرب، بس هي قربت خالص يعني."
ابتسم "حامد" وهو يردد بحب تحت جميع الأنظار:
"ربنا يسعدكم ويتمم عليكم بخير. مش محتاج أقولك يا حازم إنك تخلي ياسمين في عينيك وتحافظ عليها ومتزعلهاش، لأحسن فيه ظهرها رجالة يا ابني وأنا أول واحد!"
ابتسمت له بامتنان هي وشقيقتها، بينما ابتسم "حازم" مردداً بمرح:
"بتوصيني على حب عمري يا حج؟ عيب عليك والله."
ضحكوا عليه بخفة، بينما تابع "حامد" قائلاً من بين ضحكاته بتذكر:
"بتفكرني بزمان يا حازم مع أم غسان!"
نظرت هي بحرج، بينما ضحك الآخرون بترقب، خاصة "نيروز" التي كانت تتابع باستمتاع، فواصل يكمل حديثه بتذكر:
"الأيام بتعدي بسرعة أوي."
أيد البعض في الحديث وهم يضحكون بخفة، بينما خرج صوت "ياسمين" وهي تسأله بفضول:
"احكيلنا يا عمو إنت اتعرفت عليها إزاي!"
هلل البعض بالتشجيع حتى يقوم بقص حكايته، بينما ضحك هو وهو يومئ بالموافقة تحت نظرات "غسان" المبتسمة وهو يوزع أنظاره على الجميع، خاصة هي، ولكنه صب تركيزه على ما قاله والده والذي يعرفه هو أيضاً، حينما بدأ:
"زمان ما كانش فيه عمارة لسه كنا نسكن فيها وكده، لأ دا كان عندنا بيت عادي وقصاده بيوت كتيرة كده وكان فيه شجر كتير مزروع برتقان وكام أرض زراعية كده وجوافة مزروعة في شجر برضه. وهي كانت عايشة مع أخوها، الفرق بينها وبين أخوها كبير، حتى هي كانت عايشة معاه وهو متجوز، وكانت بنت يعني سنها متوسط كده. كنت بقعد أبص عليها وهي ماشية وأول ما أخوها كان يطلع من البيت كنت أمشي أهرب بعيد، أصلها كانت بيتها قريب من بيتي شوية. كانت أما تطلع تروح عند الشجر وتتعلق عليه عشان تجيب برتقان، مكنتش الشجرة عالية أوي. كنت بمشي وراها كل ما تروح واقف أبص عليها وهي بتنط تجيب برتقان. حكاية الحب بدأت من هنا، كل شوية أراقبها وأمشي وراها وأطمن لحد ما تجيب اللي هي عايزاه وأرجع أمشي وراها تاني وهي مروحة، بس لما أخوها كان بيظهر كنت بختفي على طول، أصله كان طويل أوي وشكله يخوف وكل شوية صوته طالع في الشارع. كنت في الجيش بقى ومرة في مرة بدأت كل ما أنزل أجازة أروحلها عند الشجرة وهي تيجي هناك، كنت بقعد أتكلم معاها وأقابلها من غير ما أقولها إني بحبها. كانت بتحب تروح تقعد هناك وأنا كنت بحبها وبحب قعدتها، وكان عندها كام صاحبة كده ساعات يجوا معاها وساعات لأ. فجاء مرة روحت أقف أستناها عشان أقولها اللي في قلبي بقى خلاص. واليوم اللي استنيتها فيه وكنت جايبالها وردة وجمعتلها برتقان من الشجر كمان، لقيتها جاية مع أخوها. فمكنتش واخد بالي أنه معاها لما ندهت عليها وأنا بشاورلها وفرحان أوي كده. راحت واقفة مكانها ومبرقة جامد. ولقيت حد ماشي وعديها وجاي عليا وهو بيبصلي وبيقولي: عاوز من أختي إيه يا ابني؟ قعدت أتأتأ في الكلام وأنا مش عارف أقول إيه لحد ما غمضت عيني وقولتله مرة واحدة: أنا بحب أختك.. قولت: إنا لله وإنا إليه راجعون. كنت متوقع آخد علقة منه موت. بس لقيته شاور لأخته تسبقه بعيد وقام باصص ليا جامد وقالي: بكرة تيجي إنت وأمك وأبوك وإخواتك تخش البيت من بابه بدل ما أكسر بابه عليك يا حامد، سامع ولا مش سامع؟"
قاطعه صوت الضحكات العالية بصخب. كان منهم من يضحك بشدة على حديثه ومنهم من كان يتابع وهو يضحك بخفة لعلمهم بالحديث من قبل. كانت زوجته خجلة قليلاً رغم كبر سنها! تحدثت "نيروز" أخيراً من بين ضحكاتها العالية وهي تقول:
"طب وإيه اللي حصل بعد كده يا عمو وعملت إيه؟"
"هعمل إيه؟ طبعاً خدت أمي وأبويا وإخواتي تاني يوم وروحت طلبت إيدها. قام أخوها رفض، نقرا الفاتحة بس. قالي: يا تكتب كتابك عليها يا مفيش بنات للجواز. قالي: مش هروح شغلي وإنت هنا تبقى قاعد معاها وماشي معاها وأنا مش واخد بالي. بصراحة كان عنده حق عشان أنا مكنتش سهل برضه. كتبت كتابي عليها وبقيت أمشي معاها في الحلال ونروح عند الشجرة وأبص عليها براحتي من غير ما أخاف حد يقفشني وبالحلال. وشوية شوية خلصت الجيش وبعدها قعدت أدور على شغل لحد ما جربت شغل كتير ومستقرتش على حاجة معينة، ومع ذلك استنتني حتى بعد إصرار أخوها إنها تتطلق وتسيبني عشان مكنتش جاهز وكان بيتقدملها ناس كتير، بس أم غسان الأصيلة عمرها ما اتخلت عني، كل يوم جنبي وتشجعني إني أقف أكتر. استقريت شوية في شغل واتجوزنا، ورغم إننا قعدنا فترة كبيرة منفصلين، ويوم ما ربنا يكرمنا كان توأم والحمد لله عشنا وجولي برزقهم كمان. الحلال حلو يا جماعة، رغم إني مكنتش سهل بس مقتنع إن أي حاجة بالحلال أحلى وأحسن وأريح."
ابتسموا جميعاً بإعجاب وهم يهللون له وبما كان يفعله. بينما هزت "نيروز" رأسها بتفهم، الآن قد علمت لماذا والده لم يرى تربية، بل هو النسخة الثانية من والده. هذا الذي ظهر لها، نظرت تبتسم بقلة حيلة، بينما كان هو يضحك بخفة على ما قاله والده. نهضت تأخذ الأكواب من الجميع على الصينية، ثم قامت حتى تتوجه لكل شخص معه الأكواب، حتى أخذتها من الجميع، وتركته بالقصد حتى تعنفه لما قاله منذ قليل لها. لم يأخذ أحد باله لما حدث، بل توجهت إلى المطبخ. فنظر هو بأثرها بابتسامة خبيثة، ثم وزع نظراته على الجالسين فوجد كل منهم ينشغل بالحديث مع الآخر. نظر إلى "يامن" الذي هبط من على ساق الآخر، فحمله بخفة بذراعه وهو يمسك الكوب، ثم توجه يسير إلى المطبخ من خلفها، ومن ثم رفع الستار بسرعة وهو يتسحب من خلفه. كانت هي تضع الأكواب بحذر، فالتفتت تنظر لمن جاء من خلفها فوجدته هو. شهقت هي عالياً حينما وجدته جاء خلفها بتلك السهولة. خرج صوتها سريعاً وهي تنظر له قائلة بتلقائية وخوف من ما سيحدث إن انتبه أحد:
"انت إيه اللي جايبك هنا يخربيتك!"
وجدته يطالعها وابتسامة عبثية على جانب شفتيه، فرفع هو الكوب يقدمه لها قائلاً:
"جاي أدخل دي المطبخ اللي إنت قصدتي متخديهاش، شوفتي بقا بتورطي نفسك إزاي!"
تعلثمت بحديثها وهي تبرر سريعاً ونظراتها على مدخل المطبخ والستار، مبتلعة ريقها بخوف:
"طب خليك وأنا هطلع وإبقى تعالي بعدي، عشان مينفعش كده لحد يفهمنا غلط."
إقترب يقف أمامها مباشرة، ثم ردد بمراوغة وهو يطالعها بتسلية:
"لأ ينفع، أنا لو حد سألني إنت كنت فين، كنت بشاور ليامن عشان عطشان، إنت بقا إيه اللي جايبك ورايا؟"
طالعته بغير تصديق، ثم نظرت له بحدة وهي تتحرك من أمامه. فتحرك يقف من أمامها سريعاً قبل أن تخرج. فنظرت له باستنكار، فمال عليها يتحدث بجانب أذنها بصوت هامس هادئ جعلها تتسمر في مكانها:
"عيني مبتهتمش لوجود حد غيرك يا بنت الأكرمي!"
بالطبع قالها ليبرر لها ما قالته وما قاله من علاقته بالفتيات، وأيضاً مديرة العمل الخاص بهما. كانت تنوي أن تتحرك بسبب رؤيته وهو ينحني بسبب عدم ثقتها به من عبثه، وبسبب فرق الطول بينهما كان منحنياً ليصل إلى رأسها بجانب عنقها. استقام مرة أخرى، أما هي فظلت تحرك أنظارها في المكان بسبب تثبيته لها بحديثه ذلك الذي يفتك بها. لم تتحدث بشيء بسبب تثبيته للحديث، بل فتحت عينيها على وسعها حينما همس هو لـ "يامن" بأن يقبلها بدلاً منه قائلاً بوقاحة:
"اديها بوسة يا يامن على ما ربنا يفرج."
قدم الصغير وهو يقربه منها أكثر حتى قبلها من وجنتيها بهدوء وهو يبتسم. دق قلبها سريعاً حتى أيقنت أن صوت دقاته العالية مسموع.
تسمرت في مكانها حينما فعل الآخر ذلك. لم تخرج من دوامتها إلا عندما سمعت صوت شقيقتها تهتف باسمها عالياً.
دفعته بتعلثم وهو ينظر لها بمشاكسة. فوقف أمامها مرة أخرى حينما حاولت الخروج. ثم مال ليهتف مرة أخرى بجانب أذنيها كما فعل معها من قبل قائلاً بنبرة تربك منها:
"يحلاوة القلب لما يدق يدق!"
تخطته سريعا. ثم سارت بخطوات أشبه بركض بطيء حتى تخرج من المطبخ متوجهة إلى الخارج. نظر بأثرها بتسلية لتفضيله رؤيتها كذلك. ثم نظر ليامن باعجاب لما فعله منذ قليل وهو يهتف:
"ده انت كده عال أوي."
"خايفة ليه؟"
قالها عاصم لتلك التي منذ أن جاءت وهي تجلس تفرك بيديها. هي لم تأت منذ وقت طويل بل ما إن انتهت من محاضراتها جاءت. حتى تأخرت كثيراً اليوم في جامعتها. طالعته جميلة بهدوء ومن ثم تنفست بعمق وهي تجاوبه على سؤاله:
"مش هكذب وأقول مش خايفة بس أنا أول مرة أتحط في موقف زي كده فمش عارفة!!"
أومأ بتفهم. ثم تحدث بعقل حتى يطمئنها:
"متقلقيش. اعتبري نفسك قاعدة مع نفسك وأنا مش موجود خالص وشوفي هتقوليلها إيه."
"في حاجات كتير حتى مبعرفش أقولها لنفسي!!"
قالتها بشرود وعجز لما تحمله بداخلها. فطالعها باهتمام ثم تساءل بهدوء:
"بتخافي؟ ولا مش عاوزة تأكدي الحاجة دي لنفسك!"
حاصرها بحقيقة تكذبها ولا تريد قولها بل وتشعر بها فالثانية مائة مرة. هذا ما تعتقده. تنفست بعمق وها هي تكسر الحواجز لتتحدث بما بداخلها. تنهدت ثم قالت بهدوء عكس حربها الداخلي:
"الاتنين. أنا نفسي أعيش حياة طبيعية هادية من غير كل ده. كان هيحصل إيه لما يتعامل معايا على إني بنته مش عالة عليه! بحس إني مش مقبولة منه. تعامله. أسلوبه. تحكماته. حتى نظراته ليا وكأني عاملة عَمْلة مستحيل تتغفر!! نفسي أعرف سبب البعد. نفسي أفهم إيه الخسارة لو عاملني كويس وحسسني إني بني آدمة. هو أنا مستحقش ده؟ مستحقش أختار وأعيش وأشوف وأتكلم وأخاف ومخافش. أنا كل يوم بأذي نفسي بتفكيري بعلاقتي بيه اللي مستحيل تتغير..!"
"مجربتيش تحاولي متفكريش في كل ده عشان متأذيش نفسك؟ ولا انتي جيتي لما تعبتي من الأذية ومن كل الأطراف. باباكِ. انتِ. تفكيرك؟"
قالها بمنطقية. فردت تجيبه بنبرة مختنقة:
"أنا بأذي نفسي. أيوه بأذي نفسي. بحط في دماغي حساب لكل حاجة. حساب لرد فعل بابا. حساب لو عملت كذا هيعمل إيه. بخاف أعمل أي حاجة منه برغم إنه ممكن بعيد بعض الأوقات لكن لما يقرب بيأذيني. بيأذيني نفسياً. حاسة إن مكنش ينفع أنا أبقى بنت الراجل ده. حاسة إن ده بالذات مش لازم يبقى أبويا. مش ده اللي يتجوز اتنين. مش لازم ده اللي يجيبلي إخوات بيكرهوني وبيأذوني نفسياً. مش ده اللي لازم يكون فارض كل حاجة عليا في الأوقات اللي ببقى فيها معانا. مش لازم مش لازم كل حاجة. مش لازم إنه يكون هو نفسه مبيحضنيش. مش فاكرة حضني امتى. حتى عمره ما عملها. مش ده اللي وقت تعبي مبيسألش عليا. ليه يبقى ده السبب اللي يخليني أبص لحنية غيري على بناته! ليه يخليني أحس بالغيرة من ناس هما أقرب ناس لقلبي بس كنت عاوزة أحس زيهم باهتمام وحنية وحب. أنا بقولها بصعوبة مش قادرة أقول لحد كده بس هقولها دلوقتي. لو كان أبويا ميت كان أهونلي!"
كلمات قاسية صفتها لمن يجلس أمامها. كل ما كانت تهابه وتود قوله قالته دفعة واحدة. ثم نهضت على مرة واحدة وهي تنظر بضيق. حتى لم تأخذ فرصة لوداعه بل تركته وهي تلملم أشياءها بانهيار داخلي. نظر بتفهم لحالتها. يعلم أنها ستأتي مرة أخرى. مقرراً بذاته بأنها حالة من ضمن أكثر الحالات صعوبة!! ولكن مادامت بمحاولتها للوصول إليه. إذن الهدف من شفائها ليس أمر ضعيف تنفيذه!! خرجت تائهة مشتتة من العيادة بأكملها. تارة تنظر بحيرة وتارة تنهر نفسها للحديث مع غريب عن والدها!! خاصة قولها بكرهه!! تسرعت!! ما أسوأ التفكير والندم في شيء فعل بالفعل!!
كان يجلس بصالة المنزل يشاهد التلفاز منذ وقت كبير تاركاً صديقه نائم. ظل يتحاشاه منذ أمس لما حدث. لم يتفوه بأي حرف سوى آخر جملة عندما قال له بأن يرحل. ينهر نفسه تارة لقوله ذلك. يتردد منذ وقت كبير بأن ينهض ليراه. لأنه لم ينهض بعد. هزمه قلقه وهو يتوجه ناحية الغرفة بخفة لينظر عليه من على بعد. فوجدته ما زال مسطحاً على الفراش. حرك ساقيه للدخول ثم وقف أمامه يطالعه ويطالع وجهه الذي بدا عليه كثيراً آثار الإدمان. رفع آدم ذراعه وهو يحركه. فالوقت قد تأخر كثيراً. ها هو منتصف اليوم وما زال الآخر نائم. لم يتحرك حسن من مكانه بل تدار بخفة وهو يحاول فتح عينيه بإنهاك. بينما تابع آدم بنبرة تهكمية:
"كل ده نوم ما تقوم!"
لم يتحرك الآخر بل تدار عينيه بالمكان بطريقة مريبة. عقد آدم ما بين حاجبيه ثم رفع يده على وجهه يضربه بخفة ليجد درجة حرارته مرتفعة. ذلك الغبي المتهاون بحياته. سبه آدم ثم رفع الغطاء بسرعة يدثره جيداً. وهو يتوجه للخارج. لم يلبث دقائق ثم أتى بزجاجة مياه فاترة وقطعة قماشية. حتى يقوم ببلها ووضعها على رأس الآخر خوفاً من أن يحدث له شيء. جلس بجانبه وهو يفعل ما يفعله. ثم وضع يده على صدره ويديه الساخنة بقوة. لم يتحرك حسن بل كان واعياً. غير واعياً. يتحدث بحديث غير مفهوم. عقد آدم حاجبيه حينما ردد الآخر بصوت خافت بطيء يبدو أنه يحلم حلماً. كان هو الطرف غير المتهاون به حينما أقسم:
"مش هسيبها. والله ما هسيبها."
لم يفهم معنى كلماته ولكنه أيقن جيداً أن دخوله للاطمئنان عليه كان في الوقت المناسب. نهض ليوزع القطعة القماشية على ساقيه من الأسفل وهو يكشف الغطاء قليلاً. ناظراً على صديقه الذي ما زال يتحدث بحديث غير مفهوم!! سمع صوت دقات الباب العالية وجرس المنزل. ترك ما بيديه ثم توجه سريعاً يفتح الباب. لم يرى من أمامه ما أن فتح سوى شريف الذي دفعه ببطء ليدخل إلى الداخل. لم يعطيه آدم فرصة للحديث بل تحدث بخوف للآخر:
"حسن تعبان أوي يا شريف ودرجة حرارته عالية!"
نظر له الآخر بغير اهتمام بل تركه وهو يتوجه بخطوات ثابتة إلى الغرفة. ثم ذهب ليقف من أمام المسطح على الفراش وهو يضع يديه باشمئزاز على وجهه فوجد حرارته مرتفعة بالفعل. التفت ينظر من خلفه قائلاً له بغير اهتمام:
"عادي بتحصل. على بكرة هيكون كويس وهيفوق ويطلب كيفه!"
نظر له آدم بعجز. ثم ذهب ليضع من القطعة القماشية على رأس الآخر تزامناً مع قوله:
"معتش تجيب حاجة يا شريف حتى لو طلبنا منك. إحنا هنبطل."
ضحكة ساخرة اعتلت وهو يحدجه بسخرية مردداً كلماته باستهزاء:
"هنـ.. إيه؟ هنبطل! هي سهلة للدرجة دي ولا إيه؟"
طالعه آدم بصمت بينما أكمل الآخر:
"انت مش قدها يا آدم ولا حتى حسن. حتى لو حاولتوا هترجعوا تاني. ده إدمان بيجري في الدم. يعني روحك هتتسحب منك. هتستحمل؟"
نظر له آدم بتردد. فهز شريف رأسه وهو يخرج من الغرفة والاخر يتبعه:
"ومن هنا بتبتدي النقطة ليه ندخل ونجرب حاجات إحنا مش قدها...!"
"انت مجنون. تلت أربع الحاجات دي انت اللي معلمالنا. اتكلم عن نفسك انت كمان ومتنساهاش!"
قالها بانفعال. فنظر له شريف بتمعن. حتى توجه ليخرج من باب الشقة حتى فتحه. ثم التفتت ينظر له خاصة على ارتجافة يديه. رفع أنظاره. ثم خرج صوته بنبرة متهكمة:
"متتكلمش كلام انت مش قده. بص على إيدك اللي بدأت تترعش ومحتاجة جرعة. روح يالا خدها شكلك اتأخرت عليها. ولو خلصت قولي أجبلكم بكرة وأنا جاي."
صفع الباب من.
خلفه وهو يتركه واقفًا بمكانه مشتتًا بين أمور كثيرة. لم يشعر بنفسه إلا عندما رفع ساقه يدفع المقعد بانفعال، وهو يتوجه للغرفة حتى ينظر على صديقه. ثم نظر على الكيس بتردد، ولكن لأنه يعرف أنه لم يتحمل أن لا يأخذ المخدر، توجه لينتشل الإبرة من الكيس. وهو يرفع من كمه باحثًا بيده المرتجفة عن عرق ليحقن به الدمار.
***
بعد مرور عدة ساعات، كانوا قد خرجوا جميعًا من شقة "سمية" بعد قضاء وقت مبهج. دلف "حامد" وعائلته إلى شقته، ثم ذهب ليجلس على الأريكة وهم من خلفه. وقفت "دلال" بإنهاك وهي تتحدث قائلة:
"أنا هدخل أريح لأني معتش قادرة من رجلي. حد محتاج حاجة؟"
أومأوا لها بالرفض، بينما ذهبت "وسام" إلى غرفتها. فنظر "حامد" إلى "غسان" ثم تمتم قائلاً بخفة:
"مش قايم انت كمان؟"
نظر لوالده مبتسمًا ثم هتف بهدوء:
"المفروض أدخل ارتاح عشان مرتاحتش النهارده!"
"طيب، بسام كلمته وقالي إنه شوية وجاي، يعني فاتح جاي في الطريق الوقتي."
قالها باهتمام، فنظر إلى والده بصمت وهو ينهض قائلاً له بخفة:
"حمد لله على سلامته."
قالها ومن ثم تحرك من أمام أنظار والده إلى غرفته. فقاطعه "حامد" بقوله:
"متقسيش قلبك وحط نفسك مكانه يبني."
التفت ينظر إلى والده بهدوء ثم خرجت نبرته الهادئة وهو يجيبه:
"حطيتها، الله يسهله."
قالها بهدوء شديد، ومن ثم دلف إلى غرفته تاركًا والده ينظر بأثره بقلة حيلة. حتى تحرك هو الآخر إلى غرفته. بينما دخل "غسان" المتظاهر بالثبات في عودته متذكرًا كل ما حدث قبل ذهابه. وقف أمام المرآة وهو ينظر على شكله بتعمق. لم تمر دقائق ومن ثم تنفس بعمق وهو يتحرك ليدلف بالشرفة المفتوحة. أخرج أنفاسه الثقيلة ثم شرد بها وبـ ردود فعلها على ما يفعله بها. لم يلبث كثيرًا حتى سمع صوت فتح الشرفة التي توجد بجانبه. ابتسم حينما تأكد من توقعاته. لم يلتفت ينظر لها بل ظل كما هو ناظرًا من أمامه. أما هي فنظرت له بتعمق حتى استشفت عدم راحته، حتى أنفاسه الذي يخرجها بين وقت والآخر بقوة. كانت تمسك بيديها كوبين من المشروب الخاص به. رفعت يديها سريعًا وهي تقف على أطراف أصابعها، ثم تحدثت بنبرة مرتفعة كي ينتبه لها وهي تقول:
"إمسك بقا دوق وقولي رأيك."
التفت يطالعها باهتمام، ومن ثم اتجه ليمد يده يأخذه من بين يديها حتى لامس يديها مباشرة وهو يأخذ الكوب. اعتدلت في حركتها، حتى تحدث هو قائلاً لها بهدوء يسألها:
"رايحة الشغل بكرة؟"
"آه، وانت؟"
ابتسم يعتدل في وقفته ثم أجابها بتأكيد:
"رايح، مش هسيب إنجي لوحدها يعني أكيد."
نظرت له بغيظ، ثم التفتت لتخرج من الشرفة. فأوقفها هو سريعًا بقوله:
"بهزر وربنا تعالي خلاص."
وقفت وهي تلتفت تنظر مرة أخرى، فغمز لها بعبث وهو يهتف:
"مستحيل أبص لحد بعد عبايتك السمرا اللي جننتني!"
احمرت وجنتيها من أثر تلميحه، ثم نظرت من حولها عدا عينيه، حتى واصل مرة أخرى وهو يطالعها باهتمام متحدثًا يؤكد لها:
"بحبك وبحب قلبك، وياريت قلبك يحب قلبي زي ما قلبي بيحبك!!"
وزعت نظراتها من حديثه الذي يربكها. لم ولن تجد حديث تجيبه به سوى كلمة واحدة لتؤكد له هي الأخرى:
"بيحبه!"
صمت يطالع خجلها بينما يرتشف من الكوب، حتى أكمل بعدها يتحدث ليسألها بترقب وهو يخرج أنفاسه ببطء:
"احكيلي كل اللي انت تعبانة منه، قوليلي ليه بتروحي لدكتور نفسي."
سؤالًا كان يود قوله منذ فترة كبيرة وهو يتردد. ولأنها لم ولن تتحدث بشيء كهذا، فبدأ هو أولًا بالحديث. نظرت له بتردد ثم أخذت أنفاسها ببطء وفي عقلها أفكار كثيرة متضاربة. نظر لها وهو يدقق حتى وجد ترددها ظهر عليها. اقترب أكثر حتى وقف أمامها مقتربًا من وقفتها أمامه في الشرفة، ووجه يطالع وجهها. لم تتحدث إلى الآن، بل رفع يده يقدم لها الكوب حتى أخذته، فأمسك يديها في لحظتها بحنو، ثم تابع بنبرة مطمئنة متمسكًا بها:
"متخافيش مني، عمري ما هأذيك ولا هاجي عليك. إطمنيلي ومتخافيش!"
حديث خرج من أعماق قلبه، كم يود حديثها وقولها عن ما يحدث داخلها، تشاركه حزنها، مرضها وشفائها، كل شيء يخصها. لما تكره عمها، لما لم تتحدث وتخاف كثيرًا من زوجة عمها وولدها؟ نظرت له بهدوء، بينما لاحظ هو ارتجافة يديها بين يديه. لم يترك يديها إلى الآن، ورغم رغبتها في أن يترك يديها بسب تخطيه الحواجز، ولكن حديثه لها جعلها مشتتة. فخرج صوتها المهزوز أخيرًا وهي تسأله بـرية جعلته يفكر بعد سبه لمن أوصلها لتلك النقطة:
"يعني انت مش شايفني ولا هتشوفني مجنونة؟"
حرك رأسه بنفي، ثم ابتسم برضا وهو يترك يديها بحنو، تزامناً مع قوله الذي لم يخرج سوى من شخص دقق بتفاصيلها:
"مش شايفك أي حاجة غير وردة حلوة وجميلة ولابسة عباية سمرا ووقعتني فيها فبقيت أنا اللي مجنون!"
قالها بطريقة مضحكة حتى ضحكت هي بخفة على قوله وبإعجاب. فردد هو مرة أخرى ليؤكد أكثر لها ما يود قوله:
"انتِ روز وردة متبقاش غير فـ إيد واحد بس!! وأنا صاحب النصيب."
كلماته تؤثر بها بقوة، تشجيعها لها، غزله الصريح والجرئ في بعض الأحيان. حتى وإن كان جريئًا في بعض الأوقات، فسكوته لم ولن يكن شيئًا تفضله بعد الآن. صمت يتابع ملامحها المطمئنة من أثر كلماته الصادقة ولمعة عينيه التي تقابلت مع لمعة عينيها. فهتف من جديد ليكمل ويؤكد لها ما تخافه وما تهابه من فقدان ثقة بمن حولها:
"إوعي تخافي، ووعد مني هاخدلك حقك من كل اللي أذاكي فيوم وخلاكِ تقولي كده على نفسك."
صمت في المكان بعد انتهائه من الحديث. لم يسمع سوى صوت شهقة مكتومة منها. بكت بتأثر على أثر كلماته وحديثه التي لم تأخذه من شخص بعد والدها اهتمام وعبث كلماته وحديثه المغلف كمثل الحلوى. لم تأخذ منه سوى فراشات منذ أن رأته. تثبيته لها، كل شيء يفعله. لم تهتف سوى جملة واحدة من بين دموعها تأثرًا بحديثه وتوعده. قالتها بغير وعي ولم تكن تلك المرة صعبة القول، بل كان ردًا على كل ما أردفه ورماه على مسامعها:
"وأنا بحبك!"
صمت ينظر لها بدهشة طفيفة. هو يعلم أنه ليس من السهل قولها لتلك الكلمات، ولكنه تيقن جيدًا أنه كسر حاجز الصمت لديها. ضحك بخفة وهو يخرج من جيبه منشفة ورقية بيضاء، ثم مد يده يمسح دموعها تزامناً مع قوله الواثق الذي لا يتماشى مع ما يفعله:
"ما أنا عارف ان انتِ بتحبيني."
"وايه اللي مخليك متأكد يعني!"
"سلسلتي اللي فرقتك، وعينيكِ اللي بتدور عليا زي التايه يبنت الأكرمي."
ضحكت بخفة، ثم أخذت المنشفة الورقية من بين يديه وهي تتنفس بصوت عالٍ لتأخذ أنفاسها. حتى سألته بجرأة أخذتها منه:
"مش هتقولي 'عارفة الست قالت إيه ولا إيه؟'."
لم تسمع منه سوى صوت قهقهة عالية خرجت منه. كان وسيمًا في عينيها حتى وإن لم يكن جماله مبهرًا، عندما خرجت ضحكته بقوة منه. مدققة النظر على خصلاته السوداء التي نزل منها القليل أثر اهتزازه من ضحكته. رفع يده يرجعها من خصلاته للخلف من بين ضحكاته، ثم تابع بنبرة ضاحكة يعبث معها:
"بدأنا نحلو وناخد من غسان كل الحلو!"
ضحكت بخفة، فتحدث هو من جديد بنبرة هادئة يسألها:
"طب عارفة الست قالت إيه؟"
"إيه؟"
"الحب كله..."
حبيته فيك.
نظرت له بخجل، فطالعها بهدوء وهو يأخذ أنفاسه. كيف لوقت لم يكن بالكثير، ومن ثم يتخلل به حبها وكأنه يعشقها منذ سنوات! وإن كان يعشقها في الصغر، فقد كان حباً بريئاً اختفى فور رحيله. وما إن عاد لها، أحبها من جديد حباً ناضجاً واعياً، ليس كحب الطفولة، ولكن النقطة المؤكدة بأن حب الطفولة كان تمهيداً لما حدث، تمهيداً لحب كبير بعد مرور سنوات كثيرة! ابتسم على سهولة شعور قلبه بتلك السرعة. مهما قد عرف بعدها، لم يشعر اتجاههن كما شعر ناحيتها هي. لماذا هي؟ هذا ما يسأله لقلبه بين الحين والآخر. عقد حاجبيه من دقات باب غرفته. أذن للطارق بصوت مرتفع حتى يدخل. غير مهتماً له، بل نظر لها فوجدها أمسكت دورق المياه وهي تسقي الزرع بهدوء. ابتسم على ما تفعله، بينما لاحظ وقوف شقيقه أمام الشرفة من الداخل. وقف "بسام" ينظر على ما حدث لشقيقه من بداية جرح رأسه لكسر ذراعه. تحدث بنبرة مختنقة وهو يسأله:
"إذيك يا غسان؟"
لاحظت هي صوت الآخر، فتركت ما بيديها ثم نظرت له كنظرة وداع حتى تدخل. لم يرد عليها، بل وقف ينظر إليها حتى دخلت فقط. وجه أنظاره الصامتة على شقيقه. ومن ثم دخل ليغلق الشرفة من خلفه. حتى جلس على المقعد بجانب الفراش تزامناً مع قوله المقتضب:
"كويس."
تفهم ما يفعله شقيقه، فتحرك ليقف أمامه. ثم طالعه بأسف وهو يتحدث قائلاً بهدوء ليبرر:
"غسان، أنا مش عارف أقولك ايه. بس سامحني أنا مش مرتاح كده. أنا تايه بين حاجات كتير ومش عارف أصدق ايه ولا أعمل ايه. انت مجتش..."
بتر "غسان" حديثه حينما نهض على مرة واحدة متحدثاً بنبرة مستهزءة:
"هتفضل طول عمرك كده. ترمي اللوم بالغلط للشخص الصح وتسيب الغلطان يعيش!!"
حقيقة ود قولها له بوجهه. يرمي اللوم لمن عاش يحميه من الكسرة، بل وترك من كسرته! طالعه "بسام" بصمت. صمت كاسر، وكأن منهما صوت أنفاسهما العالية في المكان. تقدم "بسام" خطوة واحدة ليقف أمام شقيقه، ثم رفع يديه بتردد ليضعها على جرح رأسه الذي سببه له، حتى يعرف ما مدى عمقه وماذا حل. لم يجد سوى ما كان يتوقعه. أوقفه "غسان" وهو يمسك يديه سريعاً حتى لا يقوم بلمسه، ثم نظر له بشموخ، ضاغطاً على يديه بقوة تزامناً مع قوله الذي تخلله التعب من داخله:
"ابعد عني."
أمر قطعي بنبرة حادة له. فالحقيقة يتألم إلى الآن من الداخل بسبب ما يشعر به شقيقه، ولكن فكرة تركه معه جعلته يشك به، وهذا ما وصلا له الاثنان! سحب يديه من بين يد شقيقه، ثم نظر له بعجز، مردداً بنبرة مختنقة:
"أنا قدامك أهو إضربني بس متعينش كلامى ليك جواك. أنا عارف اني غلطت فيك بس غصب عني."
نبرته الضعيفة تضعف من شموخه الذي يظهره أمامه. نظر له من أعلى لأسفل وهو يحاول كبت أي شعور منهك لديه منه. بل وقف ثابتاً، محركاً أنظاره على وجه شقيقه وهو ينظر له بتمعن. بدأ كمن ينظر في المرآة لنفسه، مع اختلاف ألوان خصلات الشعر الفاتحة لدى شقيقه، ليست حد الانتباه. تمعن بالنظر: أيمكن لشخص يشبهك بقوة، بل ودمك بدمه، وأن يكسرك كلما نظرت لنفسك بالمرآة، تتذكر ما قاله لك وما فعله؟ يبدو الأمر على غيرهما وكأنه سهل. ولكن ما مر به الأول من كلمات وأفعال أثارت دهشته وأنهكت من نفسه. لم يشعر يوماً بأنه وحيد، تقسو عليه وحدته بسبب أمر واحد فقط. أهذا من جعله يهبط في الليل الدامس والظلام؟ أهذا من جعله ينحني على الأرض والأتربة ووجهه غارق بدمائه؟ هذا الذي جعله لم يقوى على الاستناد للوقوف والنهوض على قدميه بسبب كسر ذراعه لذلك اليوم. من جعله يتركهم، ويتركها مما سبب لها عدم ثقة تامة به؟ خوفاً من أن يرحل مرة أخرى ويتركها كما فعل، رغماً عنه. أسباب كثيرة تبدو هينة للبعض، ولكن بالنسبة لعقل وطباع لن تنسى بسهولة، وهذه تعد مشكلة لديه. ولكنه شقيقه، أياً كان. تنهد يخرج أنفاسه الحارة والثقيلة من على صدره، ولم يشعر بنفسه سوى عندما رفع يديه، ثم أرجعها للخلف، ومن بعدها قدمها بقوة للأمام، يشفي غليله وهو يلكم الآخر الذي يقف من أمامه على سهوه، عل ذلك يهدأ من ثورته الداخلية ومن إنهاكه وتعبُه الداخلي منه. عل ذلك يخرج من الهموم الثقيلة لديه. تلقائياً، رفع "بسام" يديه يضعها بجانب شفتيه التي نزفت دماً من الداخل بسبب أسنانه وضغط ضربة الآخر. طالعه "غسان" بشفقة وتشفي في آن واحد. لم يشعر بنفسه إلا وهو يفعل ذلك تعبيراً عن أخذ حقوقاً كثيرة، كما كان يتمنى بأن بمجرد تلك الضربة ينتهي كل شيء! مسح "بسام" بجانب فمه ببطء وهو يتأوى بخفوت، ومن ثم رفع رأسه بخزي له، ولم يبدي أي ردة فعل عنيفة، حتى وإن كان يشك به إلى الآن، ففكرة قوله لكلماته القاسية له جعلته ساكناً، نادماً. أما الآخر فصمت يأخذ أنفاسه وهو يتابع شقيقه الصامت من أمامه، فحاول أن يخرج منه صوته ثابتاً، ولكنه خرج مهزوزاً بسبب ما فعله به وما فعله الآخر به، ولكن ليسا متساويان إلى الآن:
"أنا مش عاوز تبرير منك على اللي حصل عشان اللي حصل حصل وقولته وعملته خلاص مفيش تغيير. أنا عاوز أعرف إيه اللي خلاك تشوف تاج تاني؟!"
وضع "بسام" يديه بجانب فمه، ثم تحدث يجيبه بهدوء رغم ألم فكه:
"في المستشفى عشان أبوها تعبان هناك."
أومأ له بصمت، وهو يشرد في أمر يود فعله. فتحدث "بسام" قائلاً له بأسف:
"طب اتكلم وقولي ليه عملت كده أو قول اللى عاوز تقوله وأنا هسمعك."
يا لسخرية الموقف من أمامه! ويا لسذاجة شقيقه! ابتسم "غسان" بسمة تهكمية، ثم هتف بسخرية يجيبه:
"اللي ميسمعنيش فالأول ميستحقش يسمعني دلوقتي. فرصة كلامي عشان أدافع عن نفسي ضاعت وانت اللي ضيعتها بنفسك.."
لا يعرف بماذا يجيب، بل ظل صامتاً بقلة حيلة وهو ينظر له بنفس نظرة الأسف والخزي، وكأنه عار بما فعله! انتبه لصوت شقيقه حينما ردد "غسان" مرة أخرى يواصل حديثه بنظرة عين ليست هينة كما رآها الآخر:
"تاج هي اللي هتتكلم مش أنا. تحب أسجلك ولا يبقي كل حاجة لايڤ قدام عنيك؟!"
نظر له "بسام" بغير تصديق متسائلاً بدهشة وريبة لم يظهرها من كونه رأى الآخر يتحدث بوعيد غير مباشر بالمرة:
"يعني ايه؟"
"اقعد وأنا أقولك يعني ايه."
جلس يستمع إلى شقيقه، الذي بدأ بالحديث وكأنه يخطط لمعركة ستنشأ. كان ينصت إليه بتمعن، مسلطاً أنظاره على نظراته التي ظهرت حادة وهو يتحدث عنها. قد أعلن الآخر طبول الجرح والوجع للتنفيذ أمس، ولكن شقيقه من جعل وفعل بنفسه هذا! لم يعتبرها "غسان" سوى فريسة أثناء الحديث عنها وعن ما يقرر فعله، وكأنه يقوم بالتخطيط لـ خطة محكمة للوقوع بفريسة ليست هينة، للوقوع بفريسة معينة.