وقعت مهره في أحضان شخص، حاوطها بيديه وشدد عليها وضمها إليه بقوة حتى لا تقع. رفعت عيونها إليه، فتجمدت لوهلة وتلاقت عيونهما، وما كانت إلا عيون الأسمر أسد عائلة أبو الدهب. خفق قلبها بشدة، ظلت ساهِمة، كانت تحس أنها تعرفه، كان كل لحظة بحياتها قادتها لهذا اللقاء، لهذا التلامس. كان الزمن تجمد في هذه اللحظة التي تجمعت فيها كل مشاعرها المكبوته.
حاوطها أكثر، فزادت رجفة قلبها بشدة من قربه، وكأنها تغرق في بحر عينيه. كانت نظراتهم ساهِمة لا ترسل إلا شرارات القلوب، شرارة الأسمر لتلك المهره، شرارة تولدت من أول نظرة، لمسة، قرب.
أما هو، فكان كأنه مسه أو حدث له شيء من السماء، فهو الأسمر فريد، ليس شخصاً عادياً. بارد الطباع، قوي، لا ينصاع لقلبه من الأساس، ولا يعرف عن المشاعر شيئاً، بعيد تماماً عن أي حياة إنسانية، مجرد آلة للعمل والصراع من أجل عائلته. سمته التعالي والسلطان حليفه، وفعله القسوة.
ولكن تلك اللحظة كانت مختلفة، تاهت قوانين الأسمر، كان شيئاً غريباً تسلل إلى قلبه، شيء بعيد عنه تماماً. كانت تلك المهره فجرت بداخله مشاعر من حيث لا يدري، بسحر عيونها ولدت مشاعر كان قد نسي وجودها. كان الرحمن غرز بذرة في داخل القلب، مهما جنح وشرد، مهما تعالي وتجبر. الضلع الشارد، ضلع الأسمر الناقص، لتقع تلك العيون أمامه، عيون المهره التي خطفت قلبه، قلب الأسد.
ظل حاملاً إياها بين أحضانه لوهلة، وعيونه مسلطة عليها، ويداها على قلبه. تاهت المهره في نبضات قلبه، وتاه الأسمر في سحر المهره.
لتفيق لنفسها وتتململ، شعرت برهبة لاول مرة في حياتها، ما جعلها تشعر بالخوف على نفسها. لم يكن خوفاً عادياً، ولكن خوف من فتح باب أغلقت عليه من زمن وشدت عليه سلاسل الوجع. انفلتت منه تندفع بعيداً مسرعة، وكأنها تهرب من نفسها. وجدها تنفلت منه وتهب بعيداً، اندفع بلا تفكير، يقف أمامها. حاولت أن تعبر وتتخطاه، ولكنه وقف مرة أخرى أمامها. كان قلبه يرن في صدره، لم يعد قادراً إبعاد عينيه عنها.
ابتلعت ريقها، لم تعلم لماذا أحست بالضعف، أين المهره؟ تنهدت وحاولت أن تبدو طبيعية، وقالت بهدوء حتى لا يظهر صوتها مهزوزاً: "لو سمحت...
ابتسم على رقتها، نظر إليها نظرة لم يعلم من أين خرجت أساساً، كانت نظرة كلها رغبة لتلك الجميلة التي احمرت خجلاً. فشخصيتها تلاشت، تلاشى عنفوان المهره بخلعها هيئتها السابقة التي تعطيها القوة. ولكن ما إن تعود لنفسها، تعود تلك البريئة التي تحاول أن لا تظهرها، ومع وجود الأسمر بحضوره الطاغي، هز بداخلها شيء لا تعلمه، جعلها مرتبكة، مهزوزة، ضعيفة بشكل لم تعهده من قبل. لتسمعه يقول مبتسماً، ونزل بوجهه بالقرب منها وغمز:
"لو سمحت إيه؟ قطبت جبينها وهتفت غاضبة: "من فضلك عديني." قال بلين: "ليه، هو أنا ضايقتك؟ دانا حتى أنقذتك، والا إيه." تنهدت بغلب: "شكراً يا سيدي، ممكن بقى." إلا أنه لم يتحرك، قال برجاء: "طب ممكن بس تقعدي وتهدي، انتِ بتترعشي."
تقدم بلا مقدمات ومسك يدها، فأحس برجفتها، ابتسم وأجلسها بهدوء، والعجيب أنها انصاعت له بلا أي مقاومة. كانت عيونه تشع قوة، أحست لبرهة أنها تحتاج لتلك القوة، لمن يتحكم فيها وليس العكس، لتستكين أمامه رغماً عنها. أحس بنبضات قلبه تضخ بقوة عندما استكانت له بهذا الشكل. جلس ومسك يدها يمسد عليها، حاولت أن تشدها، همس بحنان: "اهدي، انتِ بتترعشي." تنهدت وأحنت رأسها، سقط شعرها يخفي وجهها، مد يده يزيح شعرها عن وجهها، لتهمس بتوتر:
"من فضلك." ابتسم واقترب: "من فضلي إيه بس... عيونك دي فيها إيه." احمرت خجلاً، ماذا يفعل بها، لا تعلم. من هذا ولماذا اهتزت أمامه وقربه لا يجعلها تكون المهره من الأساس؟ أين ذهبت؟ تلاشت أمام الأسمر وضاعت قوتها هباءً. ابتلعت ريقها: "لو سمحت، إيدي." شدها إليه أكثر: "لو سمحتي إنتِ بطلي عاد." همست: "انت طبيعي؟ أوعي إيدي، فيه صعيدي بيمسك إيد واحدة." ضحك: "لما الصعيدي يلاقي جنيته يمسكها، امال يسيبها تفلت بعيد إزاي."
نظرت إليه برهبة: "جنيته! انت بتقول إيه؟ أوعي إيدي، عيب كده." إلا أنه لم يمتثل لها، اقترب: "الأميرة تسكت خالص، تجول حاضر عشان أنا كلمتي هتمشي وتتسمع من سكات. أنا مش أي حد." نظرت إليه بغرابة، ورجف قلبها، وتراقص بداخلها شعور غريب، فهو يفرض سيطرته بسهولة ويسر عليها، والغريب أنها تتقبلها. كانت تتمنى عمرها رجلاً قوياً يدخل حياتها، يطوعها ويدخلها تحت جناحه. وذلك الفارس بنظراته يشع قوة، فارس تمنت دائماً أن يكون بحياتها.
تنهدت وهمست: "اسمع من سكات إيه؟ هتخرسني؟ ضحك: "لأ، أخرس إيه، داني عايز أسمع وأسمع وأسمع... مش معنى إنك تسمعي لرجلك يبقى عيب... نظرت إليه برهبة: "انت عقلك فيه حاجة؟ راجلي إيه؟ ضحك:
"يعني يا ستي، مشي الكلام. هتجفي على كل كلمة. عموماً، الراجل اللي حرمته تسمع له دا ماهواش وحش. مش معنى إنك تسمعيها تبقي تتخرسي. لأ، تسمعيله محبة، تسمعيله تعرفي إنه هيحطك جوه عيونه، تسيبيله نفسك خالص وهو هياخدك في حضنه ولا حد يجرب منيكي. الراجل الزين مرته تندس في حضنه بكيفها عشان هو بتاعها وبس." لتتنهد وتهمس: "وساعات تنقلب تحكم وجبر... ابتسم: "صوح ساعات...
بس عارفة الجلوب والمشاعر بتجلب التحكم ده لفرح، والست تتمنى راجلها يتحكم ويعمل فيها مابداله، بس يعمل بالخير. العشق والمشاعر بتخلي اللي مابينهم يدوب، والست تحب تحكمه وسيطرته." نظرت إليه باستغراب: "انت غريب قوي... ضحك: "غريب؟ آه والله غريب، أنا نفسي مامصدقش كلامي ده. إني عمر ما بصيت لست من أساسه، جاسي ونافر وطايح، بس ماعرفش جرالي إيه لما شفتك. وعيونك جت بعيوني ويدك انحطت على جلبي...
مستني، واني اللي عمر ما جلبي حتي رف لجنس إنسي. ماعرفش جرالي منك إيه." نظرت إليه ساهِمة وبدون وعي، وتذكرت فيلمها الذي تعشقه، فيلم السندريلا وفارسها الذي سيسرق قلبها. إلا أنها انتفضت وتذكرت أخيها، وقامت: "مفيش، ما جاش حاجة، مفيش... " لتندفع تمشي. هب يقف أمامها: "لأ فيه، بصي في عيوني وجولي مفيش. شرارة حصلت بيناتنا...
دا فيه وفيه بالجوي، ولما الأسمر يجول فيه يبقى فيه. إني خابر بحالي وما جراليش أكده قبل سابق، إني اتهزيت بسببك، ودا له تمن، وتمن غالي، ماسيبش اللي حصل ده يمر أكده مرور الكرام." قطبت جبينها ونظرت إليه ببلاهة. اقترب وشدها إليه: "فيه حاجة اسمها لغة العيون... سمعت عنها كتير، عمري ما صدجتها، بس حصلت وحصلت دلوك. مين كان يصدج إني أجول أكده؟ أسمر يتكلم في لغة العيون وشرار الجلوب." لتدفعه وتهتف:
"بطل بقى، أنا ماعرفكش." واندفعت تمشي مسرعة. اندفع مرافقاً لها. يمشي بجوارها: "أسمر... تنهدت: "يا يا أستاذ، إنت باينك فاضي. هو إيه اللي أسمر؟ أوعي، عديني، امشي. وروح لحالك، ماشوفكش تاني." إلا أنه اقترب مسرعاً، مسكها من يدها وشدها مسرعاً بقوة، يندفع بها إلى منزل النيل. صرخت: "إنت موديني فين يا مجنون؟ انتِ أوعي، انت مفكرني إيه؟
ضرب بصريخها عرض الحائط، وتلاشى تعقل الأسمر، كان مندفعاً لقربها بشكل جنوني. لم يعد للعقل سيطرة من الأساس. اقترب وحملها، وجد أحد المراكب، قفز عليه بها ووضعها. صرخت تضربه: "أوعي، انت واحد معتوه، أوعي." أجلسها واندفع مسرعاً يسير بالمركب حتى لا تتركه. وقفت تنهج وتنظر بغيظ. أوقف المركب أخيراً في عرض النيل، واستدار إليها ووقف يتأملها مبتسماً. قالت غاضبة: "انت واحد معتوه! إيه جبروتك ده؟ طايح، انت ماحدش بيقدر عليك." ابتسم:
"تصدقي بيجولوا عليا أكده. اقترب منها فصرخت. عارف، أنا مش أي حد." ابتسم وقال: "إني عارف إنك مش أي حد، والا ماكنتش اتصرف كده. إنت اللي هزت أسد الصعايدة، وماخابرش كيف ده حصل." نظرت إليه بغيظ: "يا جدع إنت، إنت مجنون؟ رجعني، مش هيحصلك طيب." ضحك وهز المركب لترتعب وتمسك فيه، فضحك أكثر لتصرخ: "ما تتلم بقى، عبشك شكلك." ضحك عالياً: "تصدقي لو جالولي إن فيه حرمة هتشتمني، كنت جولت عليهم مهابيل ودفنتها مطرحها. بس ماخابرش مالي."
نظرت إليه بتهكم: "حرمة؟ ومالها الحرمة يا سي بتاع إنت." اقترب مسرعاً: "لما تبقي حرمة جمر بعيون خضر، تبقي أحلى حرمة." بدأ صدرها يعلو ويهبط من انفعالها، ابتلعت ريقها. اقترب منها: "عيون لون الزرع الأخضر، الواحد يتوه فيهم... إنت عارفة إني عمري مابصيت في عين مرة من أساسه، بصتي ليكي غير." سهمت في كلامه، رفع يده لامس خدها وهمس: "الجمر لان، وتاه زي ما توهني." انتفضت وعادت لنفسها، غضبت من فقد سيطرتها على نفسها، فانفعلت:
"لأأأ، انت مش طبيعي! إيه ده؟ أوعي." ابتعدت وجلست، وقف وظل يتأملها بعيون تخصها. لتصرخ: "إنت بتبص على إيه يا مجنون انت؟ انت جرالك حاجة؟ هز رأسه: "مش عارف جرالي إيه، بس وجودي معاكي هيخليني أعرف. آخر الليل هعرف، لما أفضل باصص ليكي أكده." نظرت إليه بغضب: "هو إيه اللي جرالي؟ أنا مالي بيك يا عم إنت." لتحاول أن تستعيد نفسها القوية: "روحني، أما أغور من خلقتك. إنت مش عارف أنا مين، أنا مش قليلة." تنهد وجلس
بالقرب منها وتجاهل كلامها: "إنت منين." قالت بسماجة: "من السلوم، تيجي معايا." ضحك غامزاً: "أجي معاك يا وحش جهنم... اقترب وشدها. جولي إنت منين عشان إني مش هسيبك إلا أما أعرف إنت منين." تنهدت: "أيوه، إنت مالك؟ أنا ماشية بكرة، عايز إيه إنت." مط شفتيه باعتراض: "ماعرفش، بس ما اهتمش بكره، إني حاسس بكده." رفعت حاجبيها: "بجد، انت مش طبيعي يا أستاذ، عيب بقى." ابتسم: "طب اسمك إيه." قطبت جبينها لتهتف: "مابديش اسمي لحد."
اقترب يشدها: "أنا مش حد، أنا أسمر." هتفت باستغراب: "هو إيه اللي أسمر." ضحك: "أنا، أنا أسمر. إنت إيه." قطبت جبينها تتذكر اسم ابن عمها، لتتنهد وتنفض الفكرة: "ماعتقدش فيه مجال تعرف اسمي." وقف أمامها، مسك يدها: "ليه." نظرت إليه غاضبة: "انت عندك أخوات بنات؟ " ليهز رأسه. تنهدت: "طب ترضي لو عندك تعرف حد." ابتسم:
"لو الحد ده من ساعة شوفتها جراله حاجة لخبطته وحاسس إنها بتاعته، يبقي فيه حاجة مانقدرش نقف قصادها. لو الحد ده مش مؤذي ومش لعبي، وهيجي يوم يبقي غرضه شريف، ليه لأ." لتنظر إليه بذهول. لم يكن يعلم لماذا قال ذلك من الأساس. لتتنهد: "ربنا يشفيك يا أستاذ. هو إيه اللي غرضه شريف وبتاعته. طب لو سمحت روحني، كفاية كده وكل واحد يروح لحاله." اقترب وشدها إليه:
"بصيلي كده." رفعت عيونها. "من جواتك شايف رهبة، من جواتك شايف لين ليا ولكلامي، وحاسس برعشة جسمك وجلبك اللي هيفط. أنا مابجولش كلام أهبل، إني واحد مش جليل واصل، ولا يمكن من أساسه أجول أكده لحد، وما بتخيل أجول، بس اللي حاصل إن إني ماعرفش غير إني لازم أجول كده. بيطلع من جواتي كنه مش أنا واصل. إنت مستني بحاجة ماعرفهاش." بدأت تنهج بشدة من قربه وكلامه. إلا أنها عادت لنفسها:
"طب لو سمحت روحني بقى، ولعلمك أنا ست متجوزة، وجوزي هيقلق عليا." هوي قلبه وبهت، وظل يتأملها لبرهة، كان بداخله شيء يصرخ ويعترض لإحساسه أنها تخصه. بهت: "انت... انت متجوزة؟ لا لا يمكن." لتقوم وتهتف بقوة: ايوه وبحب جوزي، ايه رأيك؟ ويلا بقى عشان ما يصحش كده. وفر كلامك ده، أنا مش هقبل بيه. رجعني من فضلك. لو عايز تقابل جوزي اتفضل، أعرفك بيه. شعر بوجع داخله، مسكها بقوة وضغط على يدها بانفعال. لتصرخ: ايدي! أوعى بقى، عيب!
رجعني، جوزي مستنيني. أفلتت منه وابتعدت. ظل متسمرًا لا يعلم ماذا يفعل، وهناك كلبشة في صدره. فصرخت: روحني بقى. استدار بصمت يعود بها إلى الشط، لتندفع وتتركه هاربة، ولم تعطيه فرصة أن يكلمها. نظر في أثرها يشعر بوجع داخله. متجوزة إزاي؟ ده أنا حسيتها جوي. عمري ما بصيت لواحدة من أساسه. لمح شيئًا لامعًا في المركب، نزل يمسكه. وجدها أحد فراشات الشعر، ليتنهد. مسكها يشمها ليحس بشيء يتحرك بداخله. ازاي بس إزاي؟
تنهد ونفض أفكاره ورحل، تاركًا وراءه جزءًا من قلبه، لا يعلم متى سيعود إليه. *** سافرت وجد إلى مؤتمر الإسكان. كانت هي على أعتاب التخرج من الهندسة، ولم يتبق إلا مشروع التخرج. كانت تحب أن تكون لها قيمة، فأبوها يلعن حظه إنه لم ينجب غيرها، وأولاد عمومتها يمتلكون من الجحود ما يكفي.
دخلت القاعة لتتجول في المكان وتظل تتفحصه. كانت أنثى خلابة ذات قلب من الذهب، بسيطة، حالمة، تحب من قلبها، لا تمتلك عنفوان أهلها. براءة تشع من عيونها، تخطف قلب من ينظر إليها. لتظل تتجول، لتلتفت مرة واحدة، فانسكب العصير تبعها على أحد الأشخاص. لترتعب. هي تنظر إليه، رجف قلبها مرة واحدة، فـ أمامها رجل شديد الوسامة، فارع الطول، يلبس بدلة على أعلى طراز. نظرت إلى عينيه لتجد بجوار عينيه ندبة لها أثرها كخط بارز، يبدو أنه منذ زمن، تزيده وسامة.
لتهتف: إيه القمر ده؟ مين ده؟ بت يا وجد، فارس أحلامك يا بت. هو طويل كده ليه وقمر وحلو. أنا دوبت فيك يا واد. كانت ساهية فيه تنظر إليه ببلاهة. استعجب الرجل: يا آنسة، يا آنسة. ظلت تنظر إليه في عالم آخر، لم تنطق. فين يا واد الحصان الأبيض اللي هتاخدني عليه؟ يخربيت قمرك. اقترب وفرقع بأصابعه. لتنتفض: إيه؟ فيه إيه؟ تنهد وهز رأسه: فيه إنك وقعتي عليا العصير.
لتقترب مسرعة: آسفة والله، آسفة. استني طيب. لتذهب مسرعة، وهو ينظر إليها بذهول. كانت جميلة ورقيقة. لتقترب مسرعة وتنظر حولها، وجدت مكانًا منعزلًا. شدته من بدلته. استعجب من عفويتها. لتهتف: استني، استني، أنا هعملها لك. وبدأت تقترب منه وتنظف بدلته، وملامحها تتغير ما بين اللين والهيام. همست لنفسها: بنضفك أهو يا قمر، شوف شاطرة وقمر وطيبة وتنحب. نظرت إليه بعيون ساهية: ما تحبني يا واد.
رجف قلبه من نظراتها، ليُشيح بوجهه. كان لا يحب أن يتأثر لأحد. أنهت تنظيفه، فهمست بلين: خلصت، شوف بقت حلوة إزاي. ابتسم رغما عنه، فهي رقيقة. تنهد: طب تسلمي يا... اندفعت: وجد، أنا وجد، مهندسة وجد. رفع جبينه: شكلك صغير، انت مهندسة. ابتسمت: فاضلي مشروع التخرج والتدريب وأبقى تمام تمام. تعرفش والنبي حد يدرب الغلبانة اللي بهدلتك بهدلتك؟ أنا والله شاطرة ومجتهدة وبعرف أهندس على الآخر. ضحك: تهندسي بجد؟ انت حكاية.
همست بهيام: حكاية حلوة ولا وحشة؟ تنهد: لا حلوة. ما أعتقدش إن فيه حاجة وحشة تيجي منك. ابتسمت تهتف: أنا وجد جابر، وأنت؟ هتف: نديم الديب. رفعت حاجبيها. فصرخت: بتاع شركة الديب؟ الأسطورة. ليبتسم. فهتفت مسرعة: احلف! أنت الأسطورة؟ والنبي! إيه ده؟ أنا مش مصدقة. هتف: أنتِ تعرفيني؟ قالت بلهفة: أعرفك؟ ومين ما يعرفش يا عم؟ أنت نار على علم. بس بجد. لـ تلف حوله تتفحصه. أنت بجد؟
بيقولوا إنك الراجل الخفي، ماحدش يعرفك، بس عارف ده سر نجاح شركتك. بس غريبة، أنت قلت لي اسمك على طول. ابتسم: وما أقولش ليه؟ هشوفك فين تاني. لتندفع: ما تشغلني معاك، تنستر. ضحك: على طول كده. قالت برجاء: والله مجتهدة وشاطرة. هتف: أنتِ من هنا؟ لتتنهد: لا، من الصعيد. بس هقنع جدي. والنبي، والنبي شغلني. ظل ينظر إليها. كانت جميلة وطيبة. لتهتف: والله أنا كويسة، وحياة الغاليين عندك.
هتف: بس أنتِ عرفتيني وأنا ماحدش في شركتي بيعرفني. التعامل مع المساعد بس هو اللي بيجي. قالت: إلا ليه طيب؟ أنت مش بتظهر ليه؟ تكونش عليك تار يا واد. ضحك: واد؟ دا كله واد؟ هتف: ما هو أنا لازم أعرف، وهاكل ودانك ومش هسيبك. ضحك: أنتِ غريبة. رمشت بعيونها: شغلني، والنبي، والنبي.
تنهد وظل ينظر إليها. كان نديم بعيد تماما كل البعد عن البشر، لا يحب الاختلاط بهم ولا التعامل إلا في النادر، بعيد عن المشاعر، لا يعلم عنها شيئا. كان له مكتب في مكان مخصص بعيد عن الشركة، ولا يتعامل إلا مع مساعده فقط، كل ذلك منذ سنوات في عزلته لغرض في نفسه. لتأتي تلك الجميلة تقتحم حياته، سهم يفكر في عفويتها. همست: هو بيبص لي ولا إيه؟ سرح فيا. حبتني يا واد. يا لهوي. لو حبني. لتهتف: إيه؟ سرحت في إيه؟
أنا آه أثير الانتباه، بس مش لدرجة نديم الديب. انفجر ضاحكًا: أنتِ مشكلة. ابتسمت: بص، أنت مهندس وأسطورة، وأنا مشكلة. لتقترب وتطرف بعينيها ببراءة: حلني يلا. فضحك. فهمست: يخربيت جمال أمك، هموت عليك، قمر. فاندفعت تقول: لا والله، ما ينفع يتساب. قطب جبينه: هو مين؟ اندفعت تقول بارتباك: الشغل، الشغل. والله أحلى شغل. والنبي، والنبي. ليستدير. لتمسكه: هتسيبني؟ رجف قلبه من كلمتها، فهتف: عندي شغل. واستدار وتركها مرغما لتقف حزينة.
تتنهد: إيه يا زفتة؟ فارس الأحلام طار. اللي هينجدك من الحزن الأسود. لا والله، ما هسيبك يا قمر. فكرها كان يلف حوله وينظر إليه ولا يتركه، ولكنه اختفى مرة واحدة. لـ تندفع تبحث عنه. ابتعد نديم مرغما عن تلك الجميلة. كان يتفحص المؤتمر ومعه مساعده ليأمره بما يجب أن يفعله. هتف صديقه: نديم، مش كفاية بقى ست سنين ما حد يعرفك؟ أهي الشركة كبرت، بس لازم تظهر بقى.
ضحك نديم: هظهر يا محمود، بس في الوقت المناسب. أتى بعض المدراء يقفون معه. رفع رأسه فابتسم مرة واحدة. ليستعجب محمود صديقه. فهو فقد تركيزه، فهي أمامه، لا يركز في كلامهم. فهي تنظر إليه بهيام. وقفت بعيدا مبتسمة تمسك يدها بالقرب من صدرها وتنظر إليه وتشير إليها أن تكون معه. كان قلبه يرجف لأول مرة. ليستدير ويحاول أن يصرف باله عنها، فنديم ليس له في المشاعر أساسا. وكلما أشاح بوجهه، تتحرك لتراه. هز رأسه على مشاكساتها مبتسما رغما عنه.
انتهى أخيرا وخرج متجها لعربته. فتح العربة وما إن دخلها حتى تفاجأ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!